62 و من كتاب له عليه السّلام إلى أبى موسى الأشعرىّ ،

و هو عامله على الكوفة ، و قد بلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لمّا ندبهم لحرب أصحاب الجمل من عبد اللّه علىّ أمير المؤمنين إلى عبد اللّه بن قيس أمّا بعد ، فقد بلغنى عنك قول هو لك و عليك ، فإذا قدم رسولى عليك فارفع ذيلك ،

و اشدد مئزرك ، و اخرج من جحرك ، و اندب من معك . فإن حقّقت فانفذ ، و إن تفشّلت فابعد و ايم اللّه لتؤتينّ من حيث أنت ، و لا تترك حتّى يخلط زبدك بخاثرك ، و ذائبك بجامدك ، و حتّى تعجل عن قعدتك ، و تحذر من أمامك كحذرك من خلفك ، و ما هى بالهوينا الّتى ترجو ، و لكنّها الدّاهية الكبرى يركب جملها ، و يذلّ صعبها ، و يسهل جبلها .

فاعقل عقلك ، و املك أمرك و خذ نصيبك و حظّك فإن كرهت ، فتنحّ إلى غير رحب و لا فى نجاة ، فبالحرىّ لتكفينّ و أنت نائم حتّى لا يقال : أين فلان ؟ و اللّه إنّه لحقّ مع محقّ ،

و ما يبالي ما صنع الملحدون . اقول : ثبّطه عن الامر : أشغله عنه و أقعده . و القول الذى هو له و عليه و هو : تثبيطه الناس عن النهوض الى حرب البصرة بقوله : انّ ذلك فتنة ، و ما كان يرويه عن الرسول صلى اللّه عليه و آله من القعود عن الفتنة و هو له : باعتبار ظاهر الدين و عليه : باعتبار انّه تنفير عن طاعة الإمام الحق واجب الطاعة . و خروج عنها بالجهل ، و ذلك عائد على فاعله بالمضرّة الاخروية و الدنيويّة . و رفع ذيله و شدّ مئزره : كناية عن تشميره فى المسارعة الى امره . و استعار لفظ الحجر لبيته : ملاحظة لشبهه بالثعلب و نحوه . و آندب أىّ : أبعث . و

[ 564 ]

قوله : و ان حققت اى : ما نحن فيه من هذا الأمر و صحّة وجوب المتابعة فيه فانفذ فى ذلك و امض فيه . و ان تفشّلت اى : جبنت و ضعفت عن معرفة ذلك فابعد عنا و عنه . و قوله : حتى يخلط ، الى قوله : بحامدك ، كالمثلين كنّى : بهما عن خلط احواله الصّافية بالتكدير كعزّته بذلّته ، و سروره بغمّه ، و سهولة امره بصعوبته .

و القعدة : هيئة القعود ، و انما جعل الحذر من خلف اصلا فى التّشبيه : لانه المعتاد فى الحذر ، و هو كناية عن غاية الخوف .

و قيل : أراد حتى تخاف من الدنيا كخوفك من الآخرة . و قوله : و ما هى بالهوينا ،

اى : و ما القصّة المعهودة بالهيّنة السهلة . و قوله : يركب جملها ، الى قوله جبلها اى : يركب الجمل فيها و يذلّ الصعب الداخل فيها . و استعار لفظ الجبل : للثابت من الرجال ،

الرابط : الجأش . و يسهل اى : يلين فيها و يذلّ ، كلّ ذلك ، كناية عن شدّتها . و عقلك مصدر يقال : فلان عقل عقله اذا رجع نفسه كأنه شعر بشعوره بالشى‏ء ، فنصبه اى : اعقل عقلك بهذه الحال العظيمة . و قيل : هو مفعول به . و اعقله مأخوذ من العقال اى : اضبط عقلك و احبسه على معرفة الحق لا تفرّقه فيما لا ينبغى . و نصيبه من حظه اى : من طاعة اللّه . و قوله : بالحرى لتكفّين ، اى : فبالأجدر و الاولى ان تكفى مؤنة هذا الامر ، و انت نائم عن طاعة اللّه حتى لا يسأل عنك و لا تلتفت اليك . و الضمير فى انّه : للامر المدعو اليه . و ألحد فى الدّين : مال عن الاستقامة فيه . و باللّه التوفيق .