63 و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية ، جوابا 1

أمّا بعد ، فإنّا كنّا نحن و أنتم على ما ذكرت من الألفة و الجماعة ففرّق بيننا و بينكم أمس أنّا آمنّا و كفرتم ، و اليوم أنّا استقمنا و فتنتم ، و ما أسلم مسلمكم إلاّ كرها ، و بعد أن كان أنف الإسلام كلّه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حزبا .

و ذكرت أنّى قتلت طلحة و الزّبير ، و شرّدت بعائشة و نزلت ، المصرين و ذلك أمر غبت عنه فلا عليك ، و لا العذر فيه إليك .

-----------
( 1 ) راجع رسالة معاوية . . . جمهرة رسائل العرب 1 366 .

[ 565 ]

و ذكرت أنّك زائرى فى المهاجرين و الأنصار ، و قد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك ،

فإن كان فيك عجل فاسترفه ، فإنّى إن أزرك فذلك جدير أن يكون اللّه إنّما بعثنى للنّقمة منك و إن تزرنى فكما قال أخو بنى أسد :

مستقبلين رياح الصّيف تضربهم
بحاصب بين اغوار و جلمود

و عندى السّيف الّذى أعضضته بجدّك و خالك و أخيك فى مقام واحد و إنّك و اللّه ما علمت الأغلف القلب ، المقارب العقل ، و الأولى أن يقال لك : إنّك رقيت سلّما أطلعك مطلع سوء عليك لالك ، لأنّك نشدت غير ضالّتك ، و رعيت غير سائمتك ، و طلبت أمرا لست من أهله و لا فى معدنه ، فما أبعد قولك من فعلك و قريب ما أشبهت من أعمام و أخوال حملتهم الشّقاوة و تمنّى الباطل على الجحود بمحمّد ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فصرعوا مصارعهم حيث علمت لم يدفعوا عظيما ، و لم يمنعوا حريما بوقع سيوف ما خلا منها الوغى ، و لم تماشها الهوينا .

و قد أكثرت فى قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه النّاس ، ثمّ حاكم القوم إلىّ أحملك و إيّاهم على كتاب اللّه تعالى ، و أمّا تلك الّتى تريد ، فإنّها خدعة الصّبىّ عن اللّبن فى أوّل الفصال ، و السّلام لأهله . اقول : امس : كناية عن بدأ الاسلام . و فتنتم ، اى : ابتليتم بالبغى . و ممّن اسلم كرها : ابو سفيان كما نبّهنا عليه فى الاصل 1 . و استعار لفظ الانف : لأشراف المسلمين ،

باعتبار شرفهم و تقدّمهم كالانف . و التشريد : الإبعاد . و المصرين : البصرة و الكوفة ، و قوله و لقد انقطعت الهجرة يوم أسراخوك اشارة : الى انهم لم يكونوا من المهاجرين ، اذ كان هو و ابوه و جماعتهم ممن أخذ يوم الفتح ، و منّ عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ،

فأطلقهم و سمّاهم بالطّلقاء ، بعد ان اسلموا يومئذ كما سبق بيانه .

و قال صلى اللّه عليه و آله يومئذ : لا هجرة بعد الفتح . و روى اسراخوك و اخوه المأسور هو : عمرو بن ابى سفيان يوم بدر . و وجه التمثيل بالبيت انّه لا حظ مشابهة استقبال معاوية له باستقبالهم رياح الصيف فى شدّة حرّها ، و حملها للحصاة فى وجوه مستقبلها ، و مشابهة نفسه و جمعه برياح الصيف الموصوفة باعتبار شدّة بأسهم و سطوتهم . و استعار بحسب

-----------
( 1 ) الشرح الكبير 5 209 .

[ 566 ]

تلك المشابهة لفظ الرياح المذكورة و أوصافها لهم . و الحاصب : الريح الشديدة ترمى بالحصباء . و الاغوار : المنخفضة من الارض جمع غور و الجلمود : الحجارة . و اغصصت السيف بفلان اى : جعلته يغصّ به و هو من المغلوب لان المضروب هو الذى يغصّ بالسّيف . و قد ذكرنا انه عليه السلام قتل جدّه لامه ، و خاله ، و اخاه حنظلة يوم بدر . و روى اعضضته بالضاد المعجمة : استعارة . و ما : بمعنى الذى . و لفظ الأغلف : مستعار لقلبه باعتبار كونه مغشّى بالشبهات و الهيئات البدنيّة الحاجبة له عن ادراك الحقّ . و فلان مقارب العقل ، اى : قليله و ناقصه . و قوله : نشدت الى قوله : سائمتك مثلان : كنّى بهما عن طلبه لما ليس له بحق . و قوله : هو طلبه : لما ليس له نحلة عثمان ، و فعله و حركاته فى طلب الملك ، و ما : مصدريّة محلها الرفع بالإبتداء ، و قريب خبره مقدما . قيل : فمن اهل الشقاوة ، من جهة عمومته حمّالة الحطب . و من جهة خؤولته الوليد بن عتبة . و يدخل فى ذلك : عمومة ابويه كشيبة عمّ هند . و الباطل : الذي كانوا يتمنّونه كالنصرة على محمّد عليه السلام ، و اقامة امر الشرك . و حيث علمت كبدر و حنين ، و غيرها من المواطن .

و الوغى : الحرب . و قوله : و لم تماشها الهوينا ، اى : لم يلحق ضربها هون و لا سهولة . و ما دخل فيه الناس : هو بيعته عليه السلام و طاعته . و اما تلك التى تريدها : فهى خدعته بتغليبه ، و بغيه لغاية ان يرضى باقراره على الشام . و باللّه التوفيق .