26

و سئل عليه السّلام : عن الإيمان ، فقال : الإيمان على أربع دعائم : على الصّبر ، و اليقين ، و العدل ، و الجهاد ، و الصّبر منها على أربع شعب : على الشّوق و الشّفق ،

و الزّهد ، و التّرقّب : فمن اشتاق إلى الجنّة سلاعن الشّهوات ، و من أشفق من النّار اجتنب المحرّمات ، و من زهد فى الدّنيا استهان بالمصيبات و من ارتقب الموت سارع إلى الخيرات . و اليقين منها على أربع شعب : على تبصرة الفطنة ، و تأوّل الحكمة ،

و موعظة العبرة ، و سنّة الأوّلين : فمن تبصّر فى الفطنة تبيّنت له الحكمة ، و من تبيّنت له الحكمة عرف العبرة ، و من عرف العبرة فكأنّما كان فى الأوّلين . و العدل منها على أربع شعب : على غائص الفهم ، و غور العلم ، و زهرة الحكم ، و رساخة الحلم : فمن فهم علم غور العلم ، و من علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم ، و من حلم لم يفرّط فى أمره و عاش فى النّاس حميدا . و الجهاد منها على أربع شعب : على الأمر بالمعروف ، و النّهى عن المنكر ، و الصّدق فى المواطن ، و شنآن الفاسقين فمن أمر بالمعروف شدّ ظهور المؤمنين ، و من نهى عن المنكر أرغم أنوف المنافقين ، و من صدق فى المواطن قضى ما عليه ، و من شنى‏ء الفاسقين و غضب للّه غضب اللّه له و أرضاه يوم القيامة .

و قال عليه السلام : الكفر على أربع دعائم : على التّعمّق ، و التّنازع ، و الزّيغ ،

و الشّقاق : فمن تعمّق لم ينب إلى الحقّ ، و من كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحقّ ،

و من زاغ ساءت عنده الحسنة ، و حسنت عنده السّيّئة ، و سكر سكر الضّلالة ، و من شاقّ و عرت عليه طرقه ، و أعضل عليه أمره ، و ضاق عليه مخرجه . و الشّكّ على أربع شعب :

على التّمارى و الهول ، و التّردّد ، و الاستسلام : فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح ليله ، و من هاله ما بين يديه نكص على عقبيه ، و من تردّد فى الرّيب و طئته سنابك الشّياطين ، و من

[ 584 ]

استسلم لهلكة الدّنيا و الآخرة هلك فيهما . ( و بعد هذا كلام طويل تركنا ذكره خوف الأطاله و الخروج عن الغرض المقصود فى هذا الباب ) .

أقول : اراد بالإيمان : الايمان الكامل ، و له اصل و كمالات ، اما الأصل فهو :

استكمال القوّة النظريّة للنفس بتصور الامور ، و التصديق بالحقائق النظريّة ، و العمل بقدر الطاقة البشريّة ، و يسمّى حكمة علمية . و اما الكمالات فهى : التحلّى بالملكات الفاضلة و مكارم الاخلاق ، فمنها : استكمال القوّة العمليّة للنفس بملكة العلم ، بوجود الفضائل الخلقيّة ، و كيفية اكتسابها و وجود الرذائل النفسانية و كيفية اجتنابها ، و تسمّى حكمة عملية ، و عبّر عن هذه الحكمة و التى قبلها باليقين : لانّها لا تسمّى حكمة ، حتى تصير هذه الكمالات ملكة للنفس و يقينا . و منها العفّة و عبّر عنها بالصبر : لانّه من لوازمها ، و منها الشجاعة و هى : ملكة الإقدام الواجب على الأمور التى تنبغى دفعها و مقاومتها ، و عبّر عنها بالجهاد : لملازمتهما . و منها العدل و هو : ملكة فاضلة ينشأ عن الفضائل الثلاثة المذكورة و يلزمها . و استعار لهذه الأربع لفظ الدعائم : باعتبار قيام الايمان الكامل بها .

ثمّ نبّه على ما يتشّعب عن هذه الدعائم من الفضائل ، و يكون كالنوع تحتها ، فالشوق الى الجنّة و الاشفاق من النار و الزهد فى الدنيا . و ترقّب الموت يلزمها العفّة و الصبر عن المحارم ، و تبصرة الفطنة و اعمالها ، و تأوّل الحكمة و هو تفسيرها ، و استخراج الحقائق ببراهينها . و الإتّعاظ عن العبر و ملاحظة سنن الأوّلين حتى يصير كأنّه منهم .

شعب اليقين و فروعه ، و بعضها كالفرع لبعض ، و الفهم الغائض و غور العلم و اقصاه ، و هو العلم بالشى‏ء بحقيقته ، و نور الحكم اى : الاحكام الصادرة عنه نيّرة واضحة ، و يحتمل ان يريد بالحكم الحكمة و نورها ان يكون ملكة واضحة . و رساخة الحلم و هو :

ان يصير ملكة من شعب العدل و فروعه .

و اعلم ، انّ فضيلتى جودة الفهم ، و غور العلم ، و ان كانتا داخلتين تحت الحكمة ، و كذلك فضيلة الحلم ، داخلة تحت ملكة الشجاعة ، إلاّ ان العدل لما كان فضيلة موجودة فى الاصول الثلاثة ، كانت فى الحقيقة هى و فروعها شعبا للعدل .

و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ، و الصدق فى المواطن المكروهة . و شنآن الفاسقين أي : بغضهم المستلزم لعداوتهم و حربهم و جهادهم فى سبيل اللّه من

[ 585 ]

شعب الشجاعة المعبّر عنها بالجهاد ، و لكلّ من هذه الفضائل ثمرة ، و بعض ثمراتها ثمرات لبعض كما اشار اليه و هو ظاهر .

و أمّا الكفر ، فله اصل ، هو الجهل بالصانع . و جحده انكار بعض رسله و ما علم مجيئهم به ، بالضرورة او الشكّ فى شى‏ء من ذلك ، و متمّمات هى رذائل تفوته و تدعمه فمنها ، التعمّق و هو الافراط فى طلب الحق ، و التعسّف فيه بالجهل و هو رذيلة الجور ، و نفّر عنها بذكر ثمرتها ، و هو عدم الانابة الى الحق .

ثم التنازع ، و هو : رذيلة الافراط ( من فضيلة العلم ، و يسمّى جربزة ) 1 و يعتمد الجهل المركّب ، و يلزمه دوام العمى عن الحق .

ثم الزيع و هو : رذيلة التفريط من فضيلة العلم ، و يسمّى غباوة ، و جهلا بسيطا ، و لذلك لزمه قبح الحسن ، و حسن القبيح .

ثمّ الشقاق ، و يشبه أن يكون رذيلة الافراط من فضيلة الشجاعة ، و يسمّى تهوّرا و يلزمها عسر للسالك على صاحبها و ضيق مخرجه من الأمور ، لأن مبدا سهولة المسالك و اتساع المداخل و المخارج فى الامور هو الحلم عن الناس ، و احتمال مكروههم . و أعضل اشتدّ .

و امّا الشكّ ، فهو : تردّد الذهن فى اعتقاد احد طرفي النقيض ، و يتشّعب عنه التماري لأنه مبدء له ، و نفّر عمن اتخذّه ملكة بكونه لا يصبح ليله ، و كنّى بذلك عن عدم وضوح الحق له من ظلمة ليل الشكّ و الجهل .

ثمّ الهول ، لأن الشكّ فى الامور ، يستلزم الخوف من الاقدام عليها ، و ثمرته الرجوع على الاعقاب .

ثم التردّد فى الريب الى الانتقال من بعض جزئيات الشكّ الى بعض و ذلك دأب من تعوّد الشك ، و صار له ملكة ، و نفّر عن ذلك بما يلزم ممّا كنّى عنه بوطئ سنابك الشياطين ، و هو ملك الوهم و الخيال لأرض قلبه ، حتى يكون سلطان العقول بمعزل عن الحزم بما من شأنه الجزم به 2 . و استعار لفظ السنابك جمع سنبكة و هى 3 الاستسلام

-----------
( 1 ) الجملة بين القوسين ساقطة في نسخة ش

-----------
( 2 ) في ش : أن يجزم به

-----------
( 3 ) في ش بزيادة : و هي معرّب و معناه بالعجميّة سنب ، و زيد الكاف و الهاء فيه ، و المراد به الحافر ، اى

[ 586 ]

لهلكة الدنيا و الآخرة ، و يلزم عن الشك فى امورها لأن الشاكّ فيها غير عامل لشى‏ء منها ،

و لا متهمّ باسبابها ، و بحسب ذلك يكون استسلامه 1 لما يرد منها عليه ، و لزوم هلاكه عن ذلك ظاهر . و باللّه التوفيق .