70

و من كلام له عليه السّلام : للسائل الشامى لمّا سأله : أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من اللّه و قدر ؟ بعد كلام طويل هذا مختاره :

ويحك لعلّك ظننت قضاء لازما ، و قدرا حاتما ، و لو كان ذلك كذلك لبطل الثّواب و العقاب ، و سقط الوعد و الوعيد إنّ اللّه سبحانه أمر عباده تخييرا ، و نهاهم تحذيرا ، و كلّف يسيرا ، و لم يكلّف عسيرا ، و أعطى على القليل كثيرا ، و لم يعص مغلوبا ، و لم يطع مكرها ،

و لم يرسل الانبياء لعبا ، و لم ينزل الكتاب للعباد عبثا ، و لا خلق السّموات و الأرض و ما بينهما باطلا ذلك ظنُّ الّذين كفروا ، فويل للّذين كفروا من النّار 2 . اقول : روى انّه عليه السلام قال فى جواب السؤال المذكور : و الّذى فلق الحبّة و برئ النسمة ، ما وطئنا موطئا و لا هبطنا واديا إلاّ بقضاء و قدر . فقال السائل : عند اللّه احتسب ،

اى : ما ارى لى من الأجر شيئا . فقال مه ايها الشيخ : لقد اعظم اللّه اجركم فى مسيركم و انتم سائرون و منصرفكم ، و لم تكونوا فى شى‏ء من حالاتكم مكرهين و اليها مضطرّين .

فقال الشيخ : و كيف و القضاء و القدر ساقانا ؟ فقال : ويحك الفصل . و الويح : كلمة

-----------
( 1 ) الاستيعاب 2 463 . حلية الاولياء 1 84 . الرياض النضرة 2 212

-----------
( 2 ) سورة ص 27 .

[ 596 ]

ترحّم . و الحاتم : الواجب . و قوله : ويحك الى قوله حاتما : بيان لمنشأ و همه و هو ، ما لعله يظنّه من تفسير القضاء و القدر ، بمعنى العلم الملزم . و الايجاد الواجب على وفقه ، و استدلّ على بطلان ذلك التفسير بقوله : و لو كان ، الى قوله الوعيد : و بيان الملازمة ظاهر على طريق المعتزلة و على غيرهم . فربما يحتاج الى ايضاح ليس هذا موضعه . و قوله :

انّ اللّه سبحانه امر اشارة : الى تفسير القضاء بالامر و الحكم كما قال تعالى : ( و قضى ربّك 1 ) الآية . و معلوم انّ امر اللّه و نهيه : لا ينافى اختيار العبد فى فعله و تركه ، فلذلك ذكر من لوازم الاختيار و التكليف المقصود من الحكمة امورا عشرة نسقها .

و قد تفسّر قوم ، القضاء و القدر بمعنى آخر اشرنا اليه فى الأصل 2 و على ذلك ايضا لا ينافى الاختيار و التكليف كما بينّاه هناك . و قوله : و لم يعص مغلوبا و لم يطع مكرها أي : بل فوّض فعل العبد اليه ، و لو كان العبد مجبرا ، كانت الطاعة كرها ، و بعثة الرسل و الكتب لعبا و عبثا و التالى بأقسامه باطل .