134

و قال عليه السّلام :

لكميل بن زياد النخعى رحمه اللّه قال كميل : أخذ بيدى أمير المؤمنين عليه السلام فأخرجنى إلى الجبان ، فلما أصحر تنفس الصعداء ، ثم قال :

يا كميل إنّ هذه القلوب أوعية ، فخيرها أوعاها ، فاحفظ عنّى ما أقول لك : النّاس ثلاثة : فعالم ربّانى ، و متعلّم على سبيل نجاة ، و همج رعاع أتباع كلّ ناعق يميلون مع كلّ ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم و لم يلجأوا إلى ركن وثيق .

يا كميل ، العلم خير من المال ، العلم يحرسك و أنت تحرس المال ، و المال تنقصه النّفقة و العلم يزكوا على الإنفاق ، و صنيع المال يزول بزواله .

يا كميل ، العلم دين يدان به ، به يكسب الانسان الطّاعة فى حياته و جميل الأحدوثة بعد وفاته ، و العلم حاكم و المال محكوم عليه .

يا كميل ، هلك خزّان الأموال و هم أحياء و العلماء باقون ما بقى الدّهر : أعيانهم مفقودة ، و أمثالهم فى القلوب موجودة . ها إنّ ههنا لعلما جمّا ( و أشار عليه السّلام بيده إلى صدره ) لو أصبت له حملة بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه مستعملا آلة الدّين للدّنيا مستظهرا بنعم اللّه على عباده ، و بحججه على أوليائه ، أو منقادا لحملة الحقّ لا بصيرة لهم فى أحنائه ، ينقدح الشّكّ فى قلبه لأوّل عارض من شبهة . ألا لا ذا و لا ذاك أو منهوما باللّذة سلس القياد للشّهوة ، أو مغرما بالجمع و الادّخار ، ليسا من رعاة الدّين فى شى‏ء ،

أقرب شى‏ء شبها بهما الأنعام السّائمة كذلك يموت العلم بموت حامليه .

اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة : إمّا ظاهرا مشهورا ، أو خائفا مغمورا

[ 615 ]

لئلاّ تبطل حجج اللّه و بيّناته . و كم ذاو أين أولئك أولئك و اللّه الأقلّون عددا ، و الأعظمون قدرا .

بهم يحفظ اللّه حججه و بيّناته حتّى يودعوها نظراءهم ، و يزرعوها فى قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ، و باشروا روح اليقين ، و استلانوا ما استوعره المترفون ،

و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، و صحبوا الدّنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى أولئك خلفاء اللّه فى أرضه ، و الدّعاة إلى دينه آه آه شوقا إلى رؤيتهم إنصرف إذا شئت . أقول : الجبّان : الصحراء . و الصعداء : نوع من التنفّيس يصعده المتلهّف 1 الحزين .

و وجه قسمة الناس انّهم عالم أو ليس ، و غير العالم امّا طالب له أو ليس . و الربانىّ : من علم علم الربوبيّة ، و النسبة على غير قياس ، و زيدت الألف و النون : للمبالغة فى النسبة .

و استعار لفظ الهمج و هو : ذباب صغار للعوام باعتبار حقارتهم . و الرعاع : الأحداث و العوام . و كنّى بميلهم مع كلّ ريح عن ضعفهم عن التّماسك فى مذهب واحد . و استعار لفظ الركن الوثيق : للاعتقادات الحقّة البرهانية . و صنيع المال : الإحسان به ، و الطاعة المكتسبة به :

طاعة الخلق لصاحبه ، او طاعته للّه تعالى فانّ الطّاعة بلا علم ، لا أصل لها . و العلم حاكم :

باعتبار أنّ تحصيل المال و تصريفه انّما يكون بالعلم بوجوه الحركة ، و السعى ، و المصارف .

و اللّقن : سريع الفهم ، و المنقاد لحملة الحق هو المقلّد . و اشار بعدم بصيرته : الى عدم علمه بالبرهان و الحجة . و الاحناء : الجوانب . و قوله : الا لاذا و لا ذاك ، اى : ليسا من حملة العلم الذى أطلب . و المنهوم باللّذة و الشره فيها ، و الحريص عليها . و قوله : كذلك اى : تشابه تلك الأحوال من عدم من يصلح للعلم ، و حمله وجود من لا يصلح له موت العلم بموت حامليه ، و اراد بالظاهر : ممّن يقوم بحجّة اللّه من عساه يتمكّن من اظهار العلم و العمل به من أولياء اللّه . و بالخائف المغمور : من لم يتمكّن من ذلك .

قالت الاماميّة : هذا تصريح بوجوب الإمامة في كلّ زمان التكليف ، و انّ الامام قائم بحجّة اللّه على خلقه و يجب وجوده بمقتضى الحكمة ، و هو امّا ان يكون ظاهرا معروفا بين الناس ، كالّذين سبقوا الى الإحسان ، و وصلوا الى المحل الأعلى من الائمة الاثنى عشر و من ولده العترة عليهم السلام ، و امّا أن يكون خائفا مستورا لكثرة اعدائه و قلّة المخلصين من اوليائه ، كالحجّة المنتظر . و قوله : و كم ذا : استبطاء لظهوره . و استطالة

-----------
( 1 ) في ش : الملتهف .

[ 616 ]

المدّة غيبته . و تبرّم من امتداد دولة الظالمين . و قوله : اين هم : استقلال لعدد ائمة الدين ،

و قوله : هجم بهم ، الى قوله : البصيرة ، اى : فاجاءهم و دخل على عقولهم دفعة لانّ علومهم ، لدنيّة حدسيّة . و قيل ذلك على المقلوب ، اى : هجمت بهم عقولهم على حقيقة العلم ، و باشروا روح اليقين اي : وجدوا لذّته . و ما استوعر المترفون ، اى : ما استصعبوه من جشوبة المطعم ، و خشونة المضجع و الملبس ، و مصابرة الصيام و السّهر و ما استوحش منه الجاهلون هو الأمور المذكورة . و قوله : معلّقة بالمحلّ الأعلى اى : عاشقة لما شاهدته من جمال حضرة الربوبيّة ، و صحبة الملأ الأعلى من الملائكة .