137

و قال عليه السّلام : لرجل سأله أن يعظه :

لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير العمل ، و يرجّى التّوبة بطول الأمل ، يقول فى الدّنيا بقول الزّاهدين ، و يعمل فيها بعمل الرّاغبين ، إن أعطى منها لم يشبع ، و إن منع منها لم يقنع ،

يعجز عن شكر ما أوتى ، و يبتغى الزّيادة فيما بقى ، ينهى و لا ينتهى ، و يأمر بما لا يأتى ،

يحبّ الصّالحين و لا يعمل عملهم ، و يبغض المذنبين و هو أحدهم ، يكره الموت لكثرة ذنوبه ، و يقيم على ما يكره الموت له ، إن سقم ظلّ نادما ، و إن صحّ أمن لاهيا ، يعجب بنفسه إذا عوفى ، و يقنط إذا ابتلى ، إن أصابه بلاء دعا مضطرا ، و إن ناله رخاء أعرض مغترّا ،

تغلبه نفسه على ما تظنّ ، و لا يغلبها على ما يستيقن ، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ،

و يرجو لنفسه بأكثر من عمله ، إن استغنى بطر و فتن ، و إن افتقر قنط و وهن ، يقصّر إذا عمل ، و يبالغ إذا سأل ، إن عرضت له شهوة أسلف المعصية ، و سوّف التّوبة ، و إن عرته

[ 617 ]

محنة انفرج عن شرائط الملّة ، يصف العبرة و لا يعتبر ، و يبالغ فى الموعظة و لا يتّعظ ، فهو بالقول مدلّ ، و من العمل مقلّ ، ينافس فيما يفنى ، و يسامح فيما يبقى ، يرى الغنم مغرما ،

و الغرم مغنما ، يخشى الموت ، و لا يبادر الفوت . يستعظم من معصية غيره ما يستقلّ أكثر منه من نفسه ، و يستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره ، فهو على النّاس طاعن ، و لنفسه مداهن ، اللّهو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذّكر مع الفقراء ، يحكم على غيره لنفسه ، و لا يحكم عليها لغيره ، يرشد غيره و يغوى نفسه . فهو يطاع و يعصى ، و يستوفى و لا يوفى ، و يخشى الخلق فى غير ربّه ، و لا يخشى ربّه فى خلقه . قال السيد الرضى : و لو لم يكن في هذا الكتاب الاّ هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة ، و حكمة بالغة ، و بصيرة لمبصر ، و عبرة لناظر مفكّر . و أقول : يرجّيها : يؤخّرها . و روى بالزاى المعجمة أي : يدفعها . و قوله : يغلبه نفسه على ما يظنّ اى : من مطامع الدنيا و لا يغلبها على ما يستيقن ، اى : من ثواب الآخرة و لا يغلبها على ذلك ، اي : على العمل به . و انفراجه عن شرائط الملّة عند نزول المحنة به :

خروجه عن فضيلة الصبر عليها . و رؤيته المغنم مغرما ، كالانفاق فى سبيل اللّه . و الغرم مغنما ، كالانفاق فى معصيته . و يغوى نفسه اي : لا يسلك بها سبيل الحقّ . و الكلام من شريف الحكمة و الموعظة الحسنة ، و اكثره ظاهر .