177

و قال عليه السّلام : إنّما المرء فى الدّنيا غرض تنتضل فيه المنايا ، و نهب

[ 624 ]

تبادره المصائب ، و مع كلّ جرعة شرق ، و فى كلّ أكلة غصص و لا ينال العبد نعمة إلاّ بفراق أخرى ، و لا يستقبل يوما من عمره إلاّ بفراق آخر من أجله . فنحن أعوان المنون و أنفسنا نصب الحتوف فمن أين نرجو البقاء و هذا اللّيل و النّهار لم يرفعا من شى‏ء شرفا إلاّ أسرعا الكرّة فى هدم ما بنيا ، و تفريق ما جمعا ؟ استعار لفظ الانتضال و هو الرمى : لرمى الانسان بالأمراض و الأعراض . و نهب بمعنى : منهوب . و كنّى بالشرق و الغصص : عن شوب لذّات الدنيا بالتّكدير ، و عدم خلوصها . و النعمة فى الحقيقة هى : اللذّة و ما يكون وسيلة اليها نعمة بالغرض ، و لا يكاد يحصل للنفس فى الدنيا لذّتان معا ، بل ان كانتا فاحداهما بعد زوال الاخرى . و كذلك ما يتعدّد من النعم المتعارفة غالبا ، اذ طبيعة الدنيا و متاعها التقضّى و التجدّد . و نحن أعوان المنون على انفسنا : باعتبار انّ كل نفس و حركة فهى مقرّبة للانسان الى اجله فكأنّه ساع الى أجله .