348

و قال عليه السّلام : يا أيّها النّاس ، متاع الدّنيا حطام موبئ فتجنّبوا مرعاه قلعتها أحظى من طمأنينتها ، و بلغتها أزكى من ثروتها .

حكم على مكثر بها بالفاقة ، و أعين من غنى عنها بالرّاحة . و من راقه زبرجها أعقبت ناظريه كمها ، و من استشعر الشّعف بها ملأت ضميره أشجانا لهنّ رقص على سويداء قلبه . همّ يشغله و همّ يحزنه حتّى يؤخذ بكظمه فيلقى بالفضاء منقطعا أبهراه ، هيّنا على اللّه فناؤه ، و على الاخوان إلقاؤه ، و إنّما ينظر المؤمن إلى الدّنيا بعين الاعتبار ، و يقتات منها ببطن الاضطرار ، و يسمع فيها بأذن المقت و الابغاض إن قيل أثرى قيل أكدى و إن فرح له بالبقاء حزن عليه بالفناء هذا و لم يأتهم يوم فيه يبلسون . اقول : استعار لفظ الحطام لمتاعها . و الموبئ : المهلك فى الآخرة ، بجمعه و اقتنائه .

و لفظ مرعاه : لمحلّ تحصيله . و القلعة : الرحلة و عدم الاستقرار . و احظى : انفع ، و اراد : انّ عدم الاستقرار فيها انفع من السكون اليها . و ازكى : اطهر للنفس ، و من غني عنها اى :

بقناعته و زهده فيها و كمالات نفسه . و قوله : من راقه ، الى قوله كمّها ، اى : من اعجبته زينتها فاحبّها اعمت عين بصيرته عن ادراك ما وراءها من احوال الآخرة . و الكمه : العمى خلقة . و استشعر الشغف بها اى : اتّخذ محبّتها شعارا . و الاشجان : الهموم و الاحزان .

و الرقص : الاضطراب و الحركة . و اراد بذلك : حركة الفكر و الخيال فى الاهتمام بها و العمل لها . و الكظم : مجرى النفس ، و الأخذ به : كناية عن الموت . و الابهران : عرقان متعلّقان بالقلب . و قوله : ان قيل : اثرى ، الى قوله الفناء : وصف لحال الانسان فيها من تنغيص اللذّة و تكدير العيش لمعاقبة المكاره . و اكدى : قلّ خيره ، و هذا من تمام الكلام الاول ، و وصف حال المؤمن اعتراض بينهما . و قوله : هذا ، اى : هذا البلاء و لم يأتهم يوم القيامة . و الابلاس : اليأس من الرحمة .