اثر نهج البلاغة على الادب العربى

و لسنا بعد هذا كله بحاجه إلى كثير شرح من ان كلام الامام اميرالمؤمنين "ع" حظي بما لم يحظ به كلام غيره من البلغاء والعظماء من العناية التامة والاهتمام البالغ، فتراهم على امتداد القرون بين جامع لحكمه، وراوٍ ومحدث لخطبه، وحافظ لأقواله ومتأثر بأسلوبه وناظم لحكمه لأنه "ع" فتح أمام العلماء والادباء جوانب فكرية واسعة وآفاق علمية غير متناهية فصالوا على كلامه، وأخذوا معاني اقواله، ومباني ألفاظه وأخرجوها في اشعارهم، ولا احسب احد من البلغاء على كثرتهم في الجاهلية والاسلام حظي كلامه من العناية مثل كلام الامام "ع" فقد دونوه على عهده، وحفظوه في ايامه، وكتبوه ساعة انشاده، وتداولوه فيما بينهم بعده كما سمعوه.

قال ابوالحسن على المسعودى المتوفى 346 في مروج الذهب 431:2: لم ليبس عليه السلام في ايامه ثوبا جديدا ولا اقتنى ضيعة ولا ربعا الا شيئا كان له " بينبع" مما تصدق به وحبسه والذى حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته اربعمائه خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة وتداول الناس ذلك عنه قولا وعملا-.

وذكر ابن واضح اليعقوبي المتوفى 284 في كتابه: مشاكلة الناس لزمانهم- ص 15 ما نصه: كان علي بن ابى طالب مشتغلا ايامه كلها في الحرب الا انه لم يلبس ثوبا جديدا ولم يتخذ ضيعة ولم يعقد على مال، الا ما كان "بينبع" و"البغبغه" مما يتصدق به، وحفظ الناس عنه الخطب فانه خطب باربعمائة خطبة حفظت عنه، وهى التي تدور بين الناس ويستعملونها في خطبهم-.

و قال قطب الدين الراوندى المتوفى 573: سمعت بعض العلماء بالحجاز يقول: انى وجدت في مصر مجموعا من كلام على "ع" في نيف وعشرين مجلدا-. شرح ابن ميثم 101:1.

ان هذه النصوص ان دلت على شيء فانها تدل على ان كلامه عليه السلام كان مدونا ومحفوظا ومجموعا ومتداولا بين الخاصة والعامة، ومعروفا عندهم والموجود فى- نهج البلاغة- هو اقل بكثير مما ذكره المؤرخون.

ولا غرابة اذا ما وجدنا ائمة الادب واحبار النظم والنثر وعلماء كلام العرب يندفعون نحو كلام الامام "ع" ويرتشفون من مناهله العذبة وموارده الرغدة بعد ان وجدوا كلامه "ع" كما عبر عنه سبط ابن الجوزى البغدادى المتوفى 654 في كتابه- تذكرة الخواص- ص 119 فقال: كان على "ع" ينطق بكلام قد حف بالعصمة، ويتكلم بميزان الحكمة كلام ألقى الله عليه المهابة فكل من طرق سمعه راعه فهابه، وقد جمع الله له بين الحلاوة والملاحة، والطلاوة والفصاحة، لم يسقط منه كلمه ولا بارت له بين الحلاوة والملاحة، والطلاوة والفصاحة، لم يسقط منه كلمه ولا بارت له حجة اعجز الناطقين وحاز قصب السبق في السابقين، ألفاظ يشرق عليها نور النبوة ويحير الافهام والالباب.

ان كلام "ع" بكافة صوره وأشكاله وجوانبه دعامة قوية لتراث الحضارة الانسانية وركيزة قويمة للشخصية الاسلامية لا تستأثر به قبيلة أو مجموعه دون أخرى، ولا يختص به اهل ملة ونحلة دون غيرها، ولا ينحصر في اهل مذهب دون غيرهم من اهل المذاهب، وانما كان مرجعا حيا ونبعا فكريا متدفقاً لكل البشريه والاجيال والقرون والاحقاب، واصبح ينبوعا صافياً وثروة فكرية ومناعة علمية لكتاب اللغة العربية والمتطلعين إليها قديما وحديثا ينتهلون من لغته ويقتبسون من معانية الوهاجة ومبانيه المستقيمة ما يقوم لهم فنهم وينمي من حصيلتهم في اللغة والادب والفكر.

هذا وخلال دراستي لمجموعة من الكتب الادبية كنت أقف على بيت أو أبيات لشاعر أخذ قوله من كلام الامام "ع" وما أكثره في بطون المؤلفات والدواوين، أسجله في محل خاص إلى أن حصلت لدي واجتمعت حصيلة ادبية خيرة من هذا النوع من الشعر وشاءت الصدف وما أحلاها في بعض الاحايين طلبت- لجنة المؤتمر الالفي لكتاب نهج البلاغة.... المنعقد في طهران... مني مشاركتهم علميا على ان تكون الدراسه حول تأثير نهج البلاغة في الادب العربى .... حسب اختصاصي فأخرجت لهم هذا البحث القائم على أمهات المصادر فذكرت فيه اولا قول الامام اميرالمؤمنين "ع" مع شرح موجز له، ثم أردفته بالشعر الذي بنى الشاعر من كلام الامام "ع" قوله.

فمن قوله عليه السلام: خير الناس في حالا النمط الاوسط فألزموه.

و قال ايضا: اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هى الجادة عليها باقي الكتاب وآثار النبوة.

ان ائمة الادب ذهبت إلى ان التوسط في الامور وحتى في القول والكلام مجانبة الوعورة وخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه، فالتشادق والتعمق والاغراق في القول والتكلف والاجتلاب في الاسلوب من السبل التي لا تعترف بها اهل المعرفة من البلغاء واخذ الشاعر هذا المعنى فقال:

عليك باوساط الامور فانها *** نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا

و قال الاخر:

لا تذهبن في الامور فرطا *** لا تسالن إن سألت شطا

و قال اعرابى: للامام الحسن "ع" علمنب دينا وسوطا لا ذاهبا شطوطا ولا هابطا هبوطا، فقال له الحسن: لئن قلت ذاك ان خير الامور أوساطها-.

و قال علي "ع" ايضا: كن في الناس وسطا وامش جانبا. وقال عبدالله بن مسعود: وخير الامور اوساطها. وما قل وكفى خير مما كثر وألهى. نفس تنجيها خير من امارة لا تحصيها.

و من حكمه عليه السلام قوله: ان لله ملكا ينادى كل يوم: لدوا للموت واجمعوا للفناء، وابنوا للخراب-.

دعوة إلى الزهد والانصراف عن زخارف الدنيا وزينتها وعدم الاغترار بها والتوجه نحو الحقيقة والحياة الروحية والمدينة الفاضلة فما قيمة الجمع اذا كان مهددا بالفناء او البناء اذا كانت عاقبته الخراب، فالجمع والبناء حسن في دار باقية وحياة سرمدية وعيش ازلي يتمتع به الإنسان من دون نهاية ويتنعم به من غير انقطاع.

و قد اخذ هذا المعنى واللفظ ابونواس الحسن بن هانى كما جاء في الحيوان: 51:3، وديوان ابى نواس: 200، فقال:

لدوا للموت وابنوا للخراب *** فكلكم يصير إلى التراب

الا ياموت لم أر منك بدا *** ابيت فما تحيف ولا تجابى

كانك قد هجمت على مشيبي *** كما هجم المشيب على شبابى

و نسبت هذه الابيات في الاغانى 155:3 إلى ابى العتاهية اسماعيل بن القاسم ابن سويد العينى المتوفى 211 كما نجدها ايضا في ديوانه 24 -23.

و قال صالح بن عبد القدوس المتوفى 855 هـ

المرء يجمع والزمان يفرق *** و يظل يرقع والخطوب تمزق

ولان يعادى عاقلا خير له *** من ان يكون له صديق احمق

فاربأ بنفسك ان تصادق أحمقا *** ان الصديق على الصديق مصدق

وزن الكلام اذا نطقت فانما *** يبدى عقول ذوى القول المنطق

ومن الرجال اذا استوت اخلاقهم *** من يستشار اذا استشير فيطرق

حتى يحل بكل واد قلبه *** فيرى ويعرف ما يقول فينطق

ما الناس الا عاملان فعامل *** قد مات من عطش وآخر يغرق

والناس في طلب المعاش وانما *** بالجد يرزق منهم من يرزق

لو يرزقون الناس حسب عقولهم *** ألفيت أكثر من ثرى يتصدق

لكنه فضل المليك عليهم *** هذا عليه موسع ومضيق

و قوله عليه السلام: انا بيضة البلد-.

لم تعرف العرب ولم يذكر في اقوالها هذا المثل قبل قول الامام به، وبعده اصبح من الامثال وجاء تارة في موضع المدح، وتارة في موضع الذم، ففي المدح يراد بيضة البلد واحدها الذي تجتمع إليه وتقبل قوله، كما قالت عمرة ابنة عمرو بن عبدود ترثي أخاها وتذكر قتل علي "ع" اياه:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله *** بكيته ما قام الروح في جسدي

لكن قاتله من لا يعاب به *** وكان يدعى قديماً بيضة البلد

وأما التي يراد بها الذم فيشبه ببيضة البلد ويراد منها الانفراد والذل والضياع كقول الراعي:

تأبى قضاعة لم تعرف لكم نسبا *** وابنا نزار فأنتم بيضه البلد

لو كنت من أحد يهجى هجوتكم *** يا ابن الرقاع ولكن لست من احد

و كقول من قال:

لكنه حوض من أودى باخوته *** ريب المنون فامسى بيضة البلد

و كقول شاعر:

أقبلت توضع بكر الاخطام لها *** حسبت رهطك عندي بيضة البلد

و قوله عليه السلام: رأي الشيخ أحب إليّ من جلد الغلام-.

لان الشيخ كثير التجارب وافر الامتحان فيبلغ من العد وبرأيه ما لا يبلغ بشجاعته الغلام الحدث غير المجرب لأنه قد يغرر بنفسه فيهلك ويهلك اصحابه، ولا مشاحة ان الرأي مقدم على الشجاعة، وكان من وصايا ابرويز إلى ابنه شيرويه: لا تستعمل على جيشك غلاما غمرا ترفا قد كثر إعجابه بنفسه، وقلّت تجاربه في غنره، ولا هرما كبيرا مدبرا قد اخذ الدهر من عقله، وعليك بالكهول ذوي الرأي، اخذ هذا المعنى أبو الطيب المتنبي فقال:

الرأي قبل شجاعة الشجعان *** هو أول وهي المحل الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفس مرة *** بلغت من العلياء كل مكان

ولربما طعن الفتى اقرانه *** بالرأي قبل تطاعن الاقران

لولا العقول لكان أدنى ضيغم *** أدنى إلى شرف من الانسان

و لما تفاضلت الرجال ودبرت *** ايدي الكماة عوالي المران

و قوله عليه السلام: ان من احب عباد الله إليه عبدا.... يقول فيفهم ويسكت فيسلم.

افصح عن هذا القول ابوعمرو حماد بن عمر بن يونس بن كليب السوائى المعروف بعجرد المتوفى 161 وهو شاعر كوفي من الموالي ومن مخضرمي الدولتين الاموية والعباسية قال:

قد سلم الساكت الصموت *** كلام راعى الكلام قوت

لا تفش سرا إلى جدار *** فربما نمت البيوت

و اعجبا لامرئ ضحوك *** مستيقن انه يموت

وسئل عليه السلام غير مرة في علل نالته فقيل له: كيف أصحبت؟ فقال: بشر- والمقصود ان العلة في الواقع وان كانت شر او مؤذية، وفيها الالم والاوجاع فإنّ فيها دواء، وفيها عبرة لمن فكر وأذاها محنة واختبار فبالاختيار يطيع الناس وبالطاعة يدخلون الجنة، وقول الامام "ع" مأخوذ من قول الله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون). [ سوره البقرة: 216.]

ومعناه وقد تكرهون شيئا في الحال وهو خير لكم في عاقبة أموركم، كما تكرهون القتال لما فيه من المخاطرة بالروح وهو خير لكم، وقد تحبون ما هو شر لكم وهو القعود عن الجهاد لمحبة الحياة وهو شر لما فيه من الذل والفقر في الدنيا، فأخذ هذا المعنى أبوسهل بشر بن المعتمر البغدادي المتوفى 210 الفقيه الشاعر المعتزلي وإليه تنسب الطائفة الشرية، فقال في قصيدته:

و كلها شر وفي شرها *** خير كثير عند من يدري

فلا تتكل يوما على غير لطفه *** وما ثم الا الله في كل حاله

و خيرته فيها على رغم انفه *** فكم حاله تأتي ويكرهها الفتى

و قوله عليه السلام: الهم نصف الهرم-.

من العوامل الاساسية التي تهدم الفتوة والشباب، وتدفع الشيب والانحلال وتمكنه من الجسد الهم والغموم ولذلك قال بعض الحكماء: الهم يشيب القلب، ويعقم القلب فلا يتولد معه رأي ولا يصدق معه رؤية، وهذا ما لا ريب فيه فإنّ الهموم هي الباعثة على دمار الشباب، وتسلط الهرم، ومن هنا نجد علماء الطب يحثون الناس على دفع الهموم وعدم اعطاء مجال للغموم فاذا ما نفذت في الجسم نشأت في ظلالها الاسقام والداء. قال سفيان بن عيينة:

الدنيا كلها هموم وغموم، فما كان منها سرورا فهو ربح. واخذ هذه الاثارة ابوتمام الطائي حبيب بن اوس المتوفى 231 فقال:

شاب رأسي وما رأيت مشيب الر *** أس الا من فضل شيب الفؤاد

و لذاك القلوب في كل بوس *** ونعيم طلائع الاجساد

طال انكاري البياض ولو *** عمرت شيئا أنكرت لون السداد

و قال الشاعر:

هموم قد أبت الا التباسا *** تبث الشيب في رأس الوليد

و تعقد قائما بشجا حشاه *** وتطلق للقيام حبى القعود

واصخت خاشعا منها نزار *** مركبه الرواجب في الخدود

و انشد أبو تمام أيضاً:

شعلة في المفارق استودعتني *** في صميم الفؤاد ثكلا صميما

تستثير الهموم ما اكتن منها *** صعدا وهي تستثير الهموما

غره مرة الا إنما كنـ *** ـت اغرا ايام كنت بهيما

دقة في الحياة تدعى جلالا *** مثل ما سمى اللديغ سليما

حلمتني زعمتم وأراني *** قبل هذا التحليم كنت حليما

وقوله عليه السلام حين دخل على بعض الأمراء فقال له: من في هذه البيوت، فلما قيل له: عقائل من عقائل العرب قال عليه السلام: من يطل هن أبيه ينتطق به-.

فذهب ائمة اللغة ان الاغراض يجب ان تناسب الالفاظ ولكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، كما ان لكل نوع من المعاني نوع من الاسماء، فالجزال للجزل، والافصاح في موضع الافصاح والكناية في موضع الكناية، والاسترسال في موضع الاسترسال.

على ان بعض الناس اذا انتهى إلى ذكر كلمات ارتدع واظهر التباعد والتفزز واستعمل باب الورع، وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من العفاف والكرم والنبل والوقار الا بقدر هذا الشكل من التصنع والجاحظ: ولم يكشف قط صاحب رياء ونفاق الا عن لوم مستعمل ونذالة متمكنة.

ان الامام "ع" استعمل كلمة - هن- وفى نسخة - اير- في الجملة الانفة في موضع صارت دونها الامثال، وتحدثت بها الركبان، وسجلتها الائمة لأنه عليه السلام يعول في تنزيه اللفظ وتشريف المعاني ومقصوده من كثر اخوته اشتد ظهره وعزه بهم فأخذت العرب المعنى هذا ونظموا فيه وإليه أشار الشاعر بقوله:

فلو شاء ربي كان اير ابيكم *** طويلا كاير الحارث بن سدوس

قال الاصمعى: وكان للحارث بن سدوس أحد وعشرون ذكرا.

و قوله عليه السلام: السخاء ما كان ابتداء، فإذا كان عن مسألة فحياء وتذمم-

منهج قويم للمحبة والاحسان، وقيم عالية للانسانية والعاطفة فليست المروءة والسخاء أن تعطي من سالك، وإنما الشهامة والرجولة البذل لمن لا يسألك، وقد نظم هذا المعنى أبوالفتيان صفي الدولة محمد بن سلطان محمد ابن حيوس المتوفى بحلب سنه 473 فقال:

اني دعوت ندى الكريم فلم يجب *** فلأشكرن ندى أجاب وما دعى

ومن العجائب والعجائب جمّة *** شكر بطئ عن ندى المتسرع

و قال آخر:

ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله *** عوضا ولو نال الغنى بسؤال

وإذا النوال إلى السؤال قرنته *** رحج السؤال وخف كل نوال

و قوله عليه السلام: يا أهل الديار الموحشة.... أما الدور فقد سكنت، وأما الازواج فقد نكحت، وأما الأموال فقد قسمت.

خاطب الامام "ع" في ظهر الكوفة أصحاب القبور، وأعلمهم أن دياركم سكنها غيركم، ونساؤكم تزوجت، وأموالكم التي جمعتموها قسمت بعدكم، فأخذه الشاعر وقال:

لا تأمنن أنثى حياتك واعلمن *** إن النساء ومالهن مقسم

اليوم عندك دلها وحديثها *** وغدا لغيرك كفها والمعصم

كالبيت يصبح خاليا من أهله *** ويحل بعدك فيه من لا تعلم

و قال عليه السلام: ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه-.

فكل ما يضمره الإنسان من خير وشر ويجهد في إخفائه وستره فلابد له من الظهور رغم التستر والإخفاء، وكان يقال: العين والوجه واللسان أصحاب اخبار على القلب. وقالوا أيضاً: القلوب كالمرايا المتقابلة إذا ارتسمت في إحداهن صورة ظهرت في الأخرى.

قال في هذا المعنى الشاعر:

تخبرني العينان ما القلب كاتم *** وما جن بالبغضاء والنظر الشزر

و قال آخر:

وفي عينيك ترجمه أراها *** تدل على الضغائن والحقود

و اخلاق عهدت اللين فيها *** غدت وكأنها زبر الحديد

و قد عاهدتني بخلاف هذا *** وقال الله: أوفوا بالعهود

و قال عليه السلام: العفاف زينة الفقر والشكر زينة الغنى-.

الفقير من لا يستعفف من السؤال ويبيع ماء وجهه لأدنى شيء واحتياج، وللامام "ع" كلمات ذهبية أخرى غير ما ذكرناه في هذا المعنى وأودعه الشاعر في قوله:

إذا كان باب الذل من جانب الغنى *** سموت إلى العلياء من جانب الفقر

صبرت وكان الصبر منى سجية *** وحسبك أن الله أثنى على الصبر

وأنشد بعضهم:

أقسم بالله لمص النوى *** وشر بماء القلب المالحة

احسن بالانسان من ذله *** ومن سؤال الاوجه الكالحة

فاستغن بالله تكن ذا غنى *** مغبطا بالصفقة الرابحة

وقوله عليه السلام في خطبة الاشباح: وارانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته وظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته وأعلام حكمته، فصار كل ما خلق حجه ودليلا عليه، وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها وقمرها آية ممحوة من ليلها-.

و في الخطبة هذه كلمات رصينة، وعبارات بليغة تدل على ان الله واحد لا شريك له، فرد لا مثل له، صمد لا ند له، وما من حركه وسكون الا وله في ذلك حكمه داله على وحدانيته، فأخذ هذا المعنى أبوالعتاهية فقال:

فيا عجبا كيف يعصي الإله *** أم كيف يجحده الجاحد

و في كل شيء له آية *** تدل على انه الواحد

والله في كل تحريكه *** وتسكينه في الورى شاهد

وقوله عليه السلام: جانبوا الكذب فإنه مجانب للايمان، الصادق على شرف منجاة وكرامة، والكاذب على شفا مهواة ومهانة-.

يذكر الامام "ع" عواقب الصدق والكذب، ونتائجهما وما تجره على الإنسان من النجاة والسعادة ان هو صدق، ومن الآفة والسقم ان كذب، قال، ابن أبي السمح المتوفى 140 وقد اخذ المعنى هذا:

لا تغتر الكذب القبيح فإنه *** للمرء معيبة وباب لئام

واصدق بقولك حين تنطق انه *** للصدق فضل فوق كل كلام

واذا صدقت على الرجال خصمتهم *** والصدق مقطعة على الظلام

و اذا رماك غشوم قوم فارمه *** بالد مشتغر المدى غشام

لا تعرضن على العدو وسيلة *** واحذر عدوك عند كل مقام

أي لا تقاربه ولا تصانعه، ولا يكن بينك وبينه الا صدق العداوة.

و قوله عليه السلام: عباد الله ان تقوى الله حمت أولياء الله محارمه، وألزمت قلوبهم مخافته، حتى أسهرت لياليهم، وأظمأت هواجرهم فأخذوا الراحة بالنصب والري بالظمأ-.

ان الحفاظ على الصلاة وإقامتها من صفات المؤمنين وامتيازاتهم الروحية، وكانت عليهم كتابا موقوتا سيما اذا لم تكن محصورة في الاوقات الخمس وانما كانت في كل آناء الليل واطراف النهار وما احلاها عند ما تنام العيون، وتهدأ الاصوات، وترقد الانفس فالامام- ع- يدعو الانسانية إلى منزلة الاخلاص والعبودية، والخلوة بالحبيب... واخيرا خشية الله سبحانه ومراقبته في السر والعلن، لان الخشية اصل الطاعات وقول الامام "ع": اسهرت لياليهم، وأظمأت هواجرهم مأخوذ من قول العرب: نهاره صائم، وليله قائم، نقلوا الفعل إلى الظرف وهو من باب الاتساع الذي يجرون فيه الظرف مجرى المفعول به، ونظم الكثيرون هذا المعنى ومنهم عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظلي المفسر والمؤرخ والاديب والنحوي والمتوفى 181 فقال:

اذا ما الليل اظلم كابدوه *** فيسفر عنهم وهم ركوع

اطار الخوف نومهم فقاموا *** واهل الامن في الدنيا هجوع

و قوله عليه السلام: من نصب نفسه للناس اماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالاجلال من معلم الناس ومؤدبهم.

الفروع تابعة للاصول فاذا كان الاصل معوجا استحال ان يكون الفرع مستقيما، فمن نصب نفسه للناس إماما ولم يكن قد علم نفسه ما انتصب ليعلمه الناس كان مثل من نصب نفسه ليعلم الناس الخط والسياقة وهو لا يحسنهما وهذا نوع من السفه بل هو السفه كله، ثم قال "ع" وينبغي ان يكون تأديبه لهم بفعله وسيرته قبل تأديبه لهم بلسانه، وذلك لان الفعل أدل على حال الإنسان من القول، ومن علم نفسه محاسن الاخلاق فهو اعظم قدرا ممن تعاطى تعليم الناس ذلك وهو غير عامل بشيء منه، فأما من علم نفسه وعلم الناس فهو افضل وأجلّ ممن اقتصر على تعليم نفسه فقط، وقد نظم هذا المعنى الشاعر فقال:

يا أيها الرجل المعلم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى *** كيما يصح به وأنت سقيم

و نراك تصلح بالرشاد عقولنا *** ابدا وانت من الرشاد عديم

فهناك يقبل ما تقول ويهتدى *** بالقول منك وينفع التعليم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك اذا فعلت عظيم

و قال آخر:

اذا عبت أمراً فلا تأته *** فذو اللب مجتنب ما يعيب

و قوله عليه السلام في خطبة: ومن توكل عليه كفاه، ومن سأله أعطاه، ومن أقرضه قضاه، ومن شكره جزاه-.

الاتكال على الله وتفويض الامور إليه سبحانه، من عوامل السعادة والنجاح فقد قال تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) وقال النبى "ص": لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، وفي القرآن والاحاديث آيات وأخبار وافرة تحث الإنسان على الاتكال والتوكل عليه سبحانه، فالعاقل كله تفويض الأمور إليه، والاتكال عليه، قال شهاب الدين محمد بن أحمد الابشيهى المتوفى 850:

توكل على الرحمن في الامر كله *** فما خاب حقا من عليه توكل

و كن واثقا بالله واصبر لحكمه *** تفز بالذي ترجوه منه تفضلا

وقال عليه السلام: اللسان سبع إن خلي عنه عقر.

ذهب الحكماء ان النطق اشرف ما خص به الانسان، لأنه صورته المعقولة التي باين بها سائر الحيوانات، ولذلك قيل: الإنسان لولا اللسان الا بهيمة مهمله او صورة ممثلة، والصمت من حيث هو صمت مذموم لأنه من صفات الجمادات فضلا عن الحيوانات وكلام الامام "ع" في مدح الصمت محمول على من يسيء الكلام فتقع منه جنايات وخيانات في امور الدين والدنيا كما ان السبع ان خلي عنه احدث من الفتك والسفك والقتل ما لا حد له ولا حصر، وقال بعضهم: مثل اللسان مثل السبع ان لم توثقه عدا عليك ولحقك شره.

و قد اخذ هذا المعنى الشاعر فقال:

احفظ لسانك ايها الإنسان *** لا يلدغنك انه ثعبان

كم في المقابر من قتيل لسانه *** كانت تهاب لقاءه الشجعان

و قال آخر:

احفظ لسانك لا تقول فتبتلي *** ان البلاء موكل بالمنطق

و قال آخر ايضاً:

يموت الفتى من عثرة بلسانه *** وليس يموت المرء من عثرة الرجل

و قال ابوالفتح على بن محمد البستى المتوفى حدود 400:

تكلم وسدد ما استطعت فإنما *** فصمتك عن غير السداد سداد

فان لم تجد قولا سديدا تقوله *** كلامك حي والسكوت جماد

و قال عليه السلام: فاعل الخير خير منه، وفاعل الشر شر منه-.

الخير والشر عاملان في الانسان، وهما دائما في صراع واحتدام يريد كل واحد منهما التغلب على الآخر واجتذاب الفرد نحوه، فإذا كانت القيم الانسانية في الفرد قويمة ومتينة تغلب عامل الخير على عامل الشر واما اذا كانت ضعيفة وموجبات المعاصي والسوء متغلغلة فيه انتصر عامل الشر على الخير، ولذلك اصبح فاعل الخير خيرا منه، وفاعل الشر شرا منه، وهنا لابن أبي الحديد المعتزلي توجيه آخر نصه: فان قلت كيف يكون فاعل الخير خيرا من الخير، وفاعل الشر شرا من الشر مع أن فاعل الخير انما كان ممدوحا لأجل الخير وفاعل الشر انما كان مذموما لأجل الشر فاذا كان الخير والشر هما سببا المدح والذم وهما الاصل في ذلك فكيف يكون فاعلا هما خيرا وشرا منهما؟ قلت: لأن الخير والشر ليسا عبارة عن ذات حية قادرة وإنما هما فعلان او فعل وعدم فعل أو عدمان، فلو قطع النظر عن الذات الحية القادرة التي يصدر ان عنها لما انتفع أحد بها ولا استضر، فالنفع والضرر انما حصلا من الحي الموصوف بهما لا منهما على انفراد هما فلذلك كان فاعل الخير خيرا منه، وفاعل الشر شرا من الشر.

و نظم الشاعر ابن أبي الحديد هذه الجملة فقال:

خير البضائع للانسان مكرمة *** تنمى وتزكوا اذا بارت بضائعه

فالخير خير وخير منه فاعله *** والشر شر وشر منه صانعه

و قال عليه السلام: اذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه.

برنامج أخلاقي يدعو إلى الحلم والصفح والعفو وبه يتمكن كل فردان يسود ويجعل المجتمع يكن له بالغ التجبيل والتكريم، وكان يقال: أحسن أفعال القادر العفو وأقبحها الانتقام، وسأل معاوية يوما خالد بن المعمر السدوسي على ماذا أحببت عليا "ع" قال: على ثلاث: لحلمه إذا غضب، وصدقه إذا قال، ووفائه اذا وعد.

و قد اخذ هذا المعنى ابن أبي الحديد فقال:

ان الاماني اكساب الجهول فلا *** تقنع بها واركب الاهوال والخطرا

و اجعل من العقل جهلا واطرح نظرا *** في الموبقات ولا تستشعر الحذرا

وإن قدرت على الاعداء منتصرا *** فاشكر بعفوك عن أعدائك الظفرا

و قال عليه السلام: القناعة مال لا ينفد-.

منهج اقتصادي بديع، فإذا ما كان العبد في حياته قانعاً لم يفتقر إلى لئام الناس وقد قال الحكماء:

قاوم الفقر بالقناعة، وقاهر الغنى بالتعفف، وطاول عناء الحسد بحسن الصنع، وغالب الموت بالذكر الجميل، وقال الشاعر:

و ما الناس الا واجد غير قانع *** بأرزاقه أو طالب غير واجد

و قال آخر:

ان القناعة من يحلل بساحتها *** لم يلق في ظلها هما يورقه

و قد كتب علي "ع" رسالة في هذا الصدد قال فيها "دع الاسراف مقتصدا واذكر في اليوم غدا وامسك من المال بقدر ضرورتك وقدم الفضل ليوم حاجتك أترجو ان يعطيك الله اجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبرين؟ او تطمع وأنت متمرغ في نعيم تمنعه الضعيف والأرملة ان يوجب لك ثواب المتصدقين؟ وانما المرء مجزى بما اسلف وقادم على ما قدم. والسلام".

و قوله عليه السلام: المرأة ضلع عوجاء ان داريتها استمتعت بها وان رمت تقويمها كسرتها-.

للامام "ع" في المرأة كلمات وافرة وتشبيهات مختلفة وأمثال شتى، ومنها ما ذكرناه وقد أخذ الشاعر هذا المعنى وقال:

هي الضلع العوجاء لست تقيمها *** إلا أن تقويم الضلوع انكسارها

اتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى *** أليس عجيبا ضعفها واقتدارها

ومن قوله عليه السلام: فبادروا العمل وخافوا بغتة الأجل، فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق، ما فات من الرزق رجي غدا زيادته-.

يعنى ان الإنسان مرزوق على كل حال، فإن أبطأ عنه رزقه فلا يحزن ولا يخاف لأنه مقبل عليك وآت لا محالة، وقد أفصح عن هذا الشعراء وفى مقدمهم الامام الرضا عليه السلام المستشهد عام 202 فقال:

ما فاتك اليوم سيأتي غدا *** ما في الذي قدر من حيلته

و الرزق مضمون على واحد *** مفاتح الأشياء في قبضته

قد يرزق العاجز مع عجزه *** ويحرم الكيس من فطنته

وأنشد عروة بن أذينه بن مالك من بني الليث من شعراء أهل المدينة ومن الفقهاء والمحدثين توفى 130:

لقد علمت وما الاسراف من خلقي *** ان الذي هو رزقي سوف يأتيني

أسعى له فيعينيني تطلبه *** ولو قعدت أتاني لا يعنيني

و قال عليه السلام: مقاربة الناس في أخلاقهم أمن من غوائلهم-.

على الفرد أينما يحل ويسكن ينبغي ان يتصف ويتحلى برسوم وتقاليد سكنة تلك المنطقة فيماشى الناس ويتشبه بأخلاقهم ويتظاهر بها ليسلم من شرورهم وآثامهم، ولا يعلن المخالفة والتباين فيقع فيما لا تحمد عقباه، وان كان مخالفا لهم في الباطن وقد قيل: اذا نزلت على قوم فتشبه باخلاقهم، فإن الإنسان من حيث يوجد لا من حيث يولد. وإلى هذا نظر ابوالطيب المتنبي في قوله:

و خلة في جليس أتقيه بها *** كيما يرى اننا مثلان في الرهن

و كلمة في طريق خفت أعربها *** فيهتدي لي فلم أقدر على اللحن

و قال الشاعر:

و ما انا الا كالزمان اذا صحا *** صحوت وان ماق الزمان اموق

و قال آخر:

احامقه حتى يقال سجيه *** ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله

و قال ابوالعلاء المعري:

و لما رأيت الجهل في الناس فاشيا *** تجاهلت حتى ظن أني جاهل

وأنشد آخر:

وللدهر أثواب فكن في لباسه *** كلبسته يوما أجد وأخلقا

و كن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم *** وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا

و المعنى فالبس مع الدهر لبوسه إن لبس الجديد فالبس أيضا أنت الجديد وبالعكس.

و من حكمه عليه السلام قوله: القلب مصحف البصر-.

إن ما تراه وتبصره العين تنعكس على القلب وتسجل على صفحاته، فالقلب بمثابة آلة تسجيل تسجل ما تشاهده العين، وقد افصح عن هذا المعنى الشاعر فقال:

ان العيون لتبدي في تقلبها *** ما في الضمائر من ود ومن حق

و مثله قول آخر:

تخبرني العينان ما القلب كاتم *** وماجن بالبغضاء والنظر الشزر

و قوله عليه السلام: قيمة كل امرئ ما يحسنه-.

قال الشريف الرضي بعد ذكره لهذه الكلمة: وهذه الكلمة التي لا تصاب لها قيمه ولا توزن بها حكمة لا تقرن إليها كلمة.... فكل صاحب حرفة ومهنة محترم حسب علمه، وهو مأخوذ من قول النبي الاعظم "ص": المعروف على قدر المعرفة- وكل ذي علم يعظم لعلمه مهما كان نوعه واختصاصه، وقد أفصح عن هذا ابن أبي بكر المقري المتوفى 875 فقال:

و قيمه المرء ما قد كان يحسنه *** فاطلب لنفسك ما تعلو به وصل

و كل علم جناه ممكن ابدا *** الا اذا اعتصم الإنسان بالكسل

و قوله عليه السلام: ازجر المسيئ، بثواب المحسن-.

الانسان عبيد الاحسان وبالمحبة والجود تبتعد النفوس عن الاساءة والمنكر وتجتحم عن الذنوب والمعاصى، وقد افصح به ابوالعتاهية في قوله:

اذا جازيت بالاحسان قوما *** زجرت المذنبين عن الذنوب

فمالك والتناول من بعيد *** ويمكنك التناول من قريب

و قوله عليه السلام: الظلم من كوامن النفوس، القوة تبديه والضعف يخفيه-.

ان الطبيعة البشرية مجبولة على الظلم والشر والاعتداء ولا مفر لانسان منها الا من عصمه الله تعالى وسواء في ذلك الظلم للآخر أو ظلم الإنسان نفسه، وكلاهما واحد كما صرحت به الآية الكريمة: (و دخل جنته وهو ظالم لنفسه)[سوره الكهف: 35.] وقد أخذ هذا المتنبي أحمد المتوفى 354 فقال:

والظلم من شيم النفوس *** فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم

و له أبيات أخرى حكمية أخذها عن حكم اميرالمؤمنين "ع" ومعانيها.

و ينسب إلى علي بن أبي طالب "ع" هذه الابيات :

اما والله ان الظلم شوم *** ولا زال المسيئ هو الظلوم

إلى الديان يوم الدين نمضي *** وعند الله تجتمع الخصوم

ستعلم في الحساب اذا التقينا *** غدا عند المليك من الملوم؟

ستنقطع اللذاذة عن أناس *** من الدنيا وتنقطع الهموم

لامر ما تصرمت الليالي *** لامر ما تحركت النجوم

سل الايام عن ام تقضت *** ستنبيك المعالم والرسوم

تروم الخلد في دار الدنايا *** فكم قد رام غيرك ما تروم

تنام ولم تنم عنك المنايا *** تنبه للمنيه يا نؤوم

لهوت عن الفناء وانت تفنى *** فما شيء من الدنيا يدوم

و قال عليه السلام عند وقوفه على قبر النبي "ص" ساعة دفن رسول الله "ص": ان الصبر لجميل الا عنك، وان الجزع لقبيح الا عليك، وان المصاب بك لجليل، وانه بعدك لقليل-.

كلمات في غاية الفصاحة، ومنتهى المتانة والبلاغة وقد أخذت الشعراء هذه المعاني فقال بعضهم:

أمست بجفني للدموع كلوم *** حزنا عليك وفى الخدود رسوم

والصبر يحمد في المواطن كلها *** إلا عليك فإنه مذموم

و قال أبوالطيب المتنبي:

اجد الجفاء على سواك مروءة *** والصبر الا في نواك جميلا

أما قوله: وانه بعدك لقليل، يعني المصاب اي لا مبالاة بالمصائب بعد المصيبة بك، قال بعضهم:

قد قلت للموت حين نازله *** والموت مقدامه على البهم

اذهب بمن شئت اذ ظفرت به *** ما بعد يحيى للموت من الم

و قوله عليه السلام: لكل امرئ في ماله شريكان الوارث والحوادث-.

و في رواية قال عليه السلام، في موضع آخر: بشر مال البخيل بحادث أو وارث، ويقصد الامام "ع" ان ما يجمعه المرء في حياته ويتلهف على جمعه وحبسه، سينتقل بعد موته إمّا إلى وراثه او تتلفه الحوادث، وقد أخذه الشريف الرضي محمد بن أبي أحمد الطاهر فقال:

خذ من تراثك ما استطعت فإنما *** شركاؤك الأيام والورّاث

لم يقض حق المال الا معشر *** نظروا الزمان يعيث فيه فعاثوا

و قوله عليه السلام في خطبته المعروفة بالشقشقية لقوله "ع" فيها: شقشقة هدرت ثم قرت-: ولألفيتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز- وعفطة عنز ما نثره من أنفها، ومقصود الامام "ع" ان الدنيا هذه او الرئاسة والخلافة والقيادة ليست بمهمة عندي ولا اعتد بها لتفاهتها واصبح مثلا يضرب للشيء يستخف به وبهلاكه، قال الشاعر:

فسيان عندي قتل الزبير *** وعفطة عنز بذي الجحفة

وعزى قوما عن ميت مات لهم فقال عليه السلام: ان هذا الامر ليس لكم بدا ولا إليكم انتهى وقد كان صاحبكم هذا يسافر؟ فقالوا نعم، قال: فعدوه في بعض سفراته فان قدم عليكم والا قدمتم عليه-.

تذكر للموت وانه كان حتما مقضيا على كل فرد او دابة وان البقاء الله سبحانه، والدوام له تعالى ولا يبقى الا وجهه، فهو أمر لابد منه، وقد ألم بهذا الكلام ابوإسحاق إبراهيم بن المهدي العباسي الهاشمي المتوفى 224 أخو هارون الرشيد وليس في أولاد الخلفاء قبله أفصح منه لسانا ولا أجود شعرا، فقال في شعره الذي رثى به ولده:

يؤوب إلى أوطانه كل غائب *** واحمد في الغياب ليس يعود

تبدل دارا غير دارى وجيره *** سواى واحداث الزمان تنوب

أقام بها مستوطنا غير انه *** على طول ايام المقام غريب

وإنى وقد قدمت قبلى لعالم *** بأني وإن أبطأت عنك قريب

وإن صباحا نلتقي في مسائه *** صباح إلى قلبي الغداة حبيب

و قال شاعر:

فى الذاهبين الاولين من *** القرون لنا بصائر

لما رأيت مواردا *** للناس ليس لها مصادر

و رأيت قومي نحوها *** تمضى الاكابر والاصاغر

لا يرجع الماضي إلينا *** ولا من الباقين غابر

أيقنت اني لا محالة *** حيث صار القوم صائر

و قوله عليه السلام: ما قال الناس لشيء طوبى له، إلا وقد خبّأ له الدهر يوم سوء-.

مهما أوتي الإنسان من حول وطول في الحياة ومهما جمع من عوامل الرغد والهناء فان الدهر له بالمرصاد، وقد خبّأ له من الاحداث والاقدار المؤلمة ما لم يكن في الحسبان فيكدر صفو عيشه، ويجعله رهين الآلام والغموم، ولذلك كان من العبث الاعتذار والاطمئنان بالحياة الفانية، قال أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن ميمون الموصلي المعروف بابن النديم المتوفى 235:

هي المقادير تجري في أعنتها *** فاصبر فليس لها صبر على حال

يوما نريش خسيس الحال ترفعه *** إلى السماء ويوما تخفض العالي

و قال آخر:

رب قوم غبروا من عيشهم *** في سرور ونعيم

سكت الدهر زمانا عنهم *** وغدق ثم أبكاهم

و من الشعر المنسوب إلى محمد الامين من زبيدة:

يا نفس قد حق الحذر *** أين الفرار من القدر

كل امرئ مما يخا *** ف ويرتجيه على خطر

من يرتشف صفو الز *** مان يغص يوما بالكدر

و قال ابوبكر بن دريد الازدى القحطاني البصري المتوفى 321 عالم فاضل أديب حفوظ شاعر نحوي لغوي ويعتبر من شعراء الشيعة المكثرين:

ألقى علي الدهر رجلا ويدا *** والدهر ما أصلح يوما افسدا

و كتب ابوالفضل بديع الزمان الهمداني المتوفى 398 هـ

اذا ما الدهر جر على اناس *** مصائبه اناخ بآخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا

وقوله عليه السلام: تمام جمال المرأة في خفها، وتمام جمال الرجل في كمته-. وفى روايه: جمال الرجل في عمته وجمال المرأة في خفها-.

فاخذ هذا المعنى ائمه الشعر مع تباينهم في الرأي عن جمال الرجل والمرأة واختلافهم فيه فقال مجنون بني عامر:

أأعقر من جرا كريمه ناقتي *** ووصلي مفروش لوصل منازل

اذا جاء قعقمن الحلي ولم اكن *** اذا جئت أرجو صوت تلك الصلاصل

و لم تغن سبحان العراقين نقره *** ورقش القلنسى بالرجال الاطاول

فقد كان من عاده فرسان العرب في المواسم والجموع وفي أسواق العرب كايام عكاظ، وذي المجاز، وما اشبه ذلك التقنع والتعمم، كما ان اصحاب النبي "ص" كانوا ينهون نساءهم عن لبس الخفاف الحمر والصفر، ويقولون: هو من زينة نساء آل فرعون. فالكمه القلنسوه واشباهها مثل العمه اهيب للرجل، ولذلك نجد الرسول الاعظم "ص" اكثر الناس قناعا لان ذلك أهيب في الصدور وأجل في العيون.

و قوله عليه السلام: كم من اكلة منعت اكلات.

منهج سليم للجسم وطريق للصحة وابتعاد عن المرض والسقم، فالمقصود ان كم من اكلة غير صحيحة وسليمة كانت سببا في دفع الجسم إلى هاوية الأسقام لان الأكل وظيفة حياتية ضرورية لحفظ قوام الجسم، فربما اكل الإنسان اكلة توفرت فيها المواد المعوضة للجسد ولم تتوفر فيها المواد المجددة للحرارة او بالعكس، فيحصل اختلال في وظائف الجسم لا يدري منشأه، لان الجسد حسب تكوينه ونشأته يحتاج دائما لمادّة يعوض بها ما يفقد بالعمل من الجسم، وإلى مادة تجدد له ما يضيعه من حرارته، وقد كتب علماء الصحة بحوثا مسهبة حول الاكل وكيفيته، وموارده ولا مجال هنا لسردها كما نظم الشعراء هذه الاثاره وادخلوها في

شعورهم فقال ابونواس:

شاع في الفناء سفلا وعلوا *** وأرانى أموت عضوا فعضوا

ذهبت جندتي بطاعة نفسي *** وتذكرت طاعة الله نضوا

فالنضوا بالكسر البعير المهزول من كثرة السير، فشبه نفسه به.

و قال الآخر:

و كم من اكلة منعت اخاها *** بلذة ساعة اكلات دهر

و كم من طالب يسعى لشيء *** وفيه هلاكه لو كان يدري

و قد اخذ هذا المعنى بعينه ولفظه أبومحمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري الحريري المتوفى 516 صاحب "المقامات" فقال: يا رب أكله هاضت الاكل ومنعته مأكل. كما اخذه ابوبكر الحسن بن على بن احمد بن بشار بن زياد الضرير النهرواني المعروف بابن العلاف والمتوفى 318 نديم المعتضد بالله العباسى، فقال في رثاء الهر قصيدته المشتملة على الحكم والمواعظ ومنها قوله:

عشت حريصا يقوده طمع *** ومت ذا قاتل بلا قود

أردت أن تأكل الفراخ ولا *** يأكلك الدهر أكل مضطهد

يا من لذيذ الفراخ أوقعه *** ويحك هلا قنعت بالقدر

لا بارك الله في الطعام اذا *** كان هلاك النفوس في المعد

كم اكلة خامرت حشاشره *** فأخرجت روحه من الجسد

و قال عليه السلام: الرجل بلا أخ كشمال بلا يمين-.

الاخوة والتآخي سبب التآلف، والتآلف سبب القوة، والقوة سبب التقوى، والتقوى حصن منيع وركن شديد بها يمنع الضيم وتنال الرغائب وتنجع المقاصد، وليس مقصود الامام "ع" من الأخ هو من أبيك وأمك، فرب أخ شفيق لك لم تلده أمك، ولذلك آخى النبي الاقدس "ص" بين الصحابة.

فقال الشاعر:

و ما المرء الا بإخوانه *** كما يقيض الكف بالمعصم

و لا خير في الكف مقطوعة *** ولا خير في الساعد الاجذم

و انشد آخر:

أخاك أخاك من لا أخا له *** كساع إلى الهيجا بغير سلاح

و ان ابن عمر المرء فاعلم جناحه *** وهل ينهض البازي بغير جناح

و قال عليه السلام: عند تناهي الشدة تكون الفرجة وعند تضايق حلق البلاء يكون الرخاء-.

كان يقال إذا اشتد المضيق اتسعت الطريق، قال إبراهيم بن العباس وهو في مجلسه في ديوان الضياع:

و لرب نازلة يضيق بها الفتى *** ذرعا وعند الله منها مخرج

كملت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكان يظنها لا تفرج

و قال آخر:

اذا بلغ الحوادث منتهاها *** فرج بعيدها الفرج المطلا

فكم كرب تولى إذ توالى *** وكم خطب تجلّى حين جلا

و قال عليه السلام معزيا أشعث بن قيس عن ابن له مات: إن صبرت صبر الاكارم والا سلوت سلو البهائم-.

و في رواية: من صبر صبر الأحرار والا سلا سلو الاغمار- وفيه حث على الصبر والسكينة عند الفوادح والملمات، وقد حكى هذا المعنى أبو تمام الطائي فقال:

و قال علي: في التعازي لأشعث *** وخاف عليه بعض تلك الماتم

اتصبر للبلوى عزاء وحسبه *** فتؤجر أم تسلو سلو البهائم

هذا بعض ما جمعته من تضاعيف الكتب الادبية، وهناك الكثير والكثير من امثال ما اوردته والجدير بالذكر ان اثر نهج البلاغة.... لم يكن على الادب العربي وحده، وانما نجد أثره التام ايضا في الادب الفارسي وفى كتب القوم المزيد من الشعر الفارسي موشح بعيون ما نظمه أدباء الفرس وشعرائهم من كلام الإمام أميرالمؤمنين "ع".

والحمد لله اولاً وآخراً وظاهراً وباطناً