البراهين العقلية من الخطبة العلوية

خليل خضير الكوفي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وعلى وصيه أمير المؤمنين وآلهما الطيبين الطاهرين

اما بعد:

فهذا موجز لشرح خطبة من روائع خطب أمير المؤمنين ( عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) يستدل بالبراهين العقلية في اثبات وجود الخالق (عزّوجلّ) موجه لاصحاب الكلام و الفلاسفة وأهل العقول من ذويَ الذوق السليم والكل ينهل منها حسب مقدرته وفهمه وذلك لعمق معانيها وبعد مراميها ودقة برهانها ولطافة وجازتها فان أخطأت فمني وان اصبت بعض معانيها فمن الله (عزَوجلَ) وحده لاشريك له.

وقد أشارة أمير المؤمنين عليه السلام الى ثلاث ادلة رئيسية. اولها دليل الاثر والمؤثروثانيها دليل الحدوث والقدم وثالثها دليل المشابه وهي ادلة عقلية صرفة ثم ينتقل بعدها الى تنزيه البارئ عزَوجلَ عن الجسمية وفي هذه الخطبة المباركة جواب شافي ووافي لكل من انكر وجود الحق تبارك وتعالى وزعم كما قال امير المؤمنين عليه السلام (كالنبات الطالع ليس له زارع) واليك ايها القارئ الكريم الخطبة كاملة وبعدها يتم شرحها فقرة فقرة باذنه تعالى متوخيا الايجاز تاركا القيل والقال في مادة الكلمة وهيئتها وأخذت باصل الموضوع قدر الامكان وذلك ليستفيد اكبر قدر من اخواننا المؤمنين ولا حول ولاقوة الا بالله العلي العظيم.

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الدَالَ على وجوده بخلقه، وبمُحدث خلقه على أزليَته، وباشتباههم على أن لا شبه له، لاتستلمُهُ المشاعر ولاتحجبُهُ السواتر، لافتراق الصانع والمصنوع والحاد والمحدود والرب والمربوب، الاحد بلا تأويل عدد ، والخالق لابمعنى حركة ونصب، والسميع لا بأداة، والبصير لابتفريق آلة، والشاهد لا بمماسة، والبائن لا بتراخي مسافة والظاهر لا برؤية، والباطن لا بلطافة، بان من الاشياء بالقهر لها، والقدرة عليها، وبانت الاشياء منه بالخضوع له، والرجوع اليه، مَن وصفه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّهُ ومن عدّه فقد أبطل أزله، ومن قال-كيف- فقد استوصفه ومن قال-أين- فقد حيّزه، عالم إذْ لا معلوم وربّ إذْ لا مربوب وقادر إذ لا مقدور.

 

 

قوله عليه السلام (الحمد لله الدال على وجوده بخلقه)

الدليل الاول : الاثر والمؤثر

ملخص هذا الدليل ان كل موجود بالخارج لابد له من مؤثر في وجوده وهذا لايختلف فيه اثنان قط والضرورة حاكمة بذلك دلالة وجود الخلق بمؤثر دال.

توضيح:

اذا تتبعنا كل اثر في الخارج نجده لايخلو من مؤثر فيه اذ لولا وجود المؤثر لانتفى وجود الاثر . كأثر المسير على الرمال تحكم ببداهة العقل بوجود شئ مشى عليه.

واذا رأيت منزلا ينتقل ذهنك الى وجود مهندس قد صممه واذا سمعت طرق الباب حكمت بوجود طارق خلف الباب وهكذا الى مالا نهاية، ان هذا الحكم الذي حصل لديك هو حكم عقلي يدل على سلامة القوة العقلية لديك.

فيستحيل عقلا ان يوجد شيء ما في الخارج بدون سبب وعلة في وجوده والضرورة العقلية حاكمة بذلك.

والآن انظر الى الخارج سترى البشر والحجر والنبات والشجر والشمس والقمر وكل شيء في الكون قد ظهر كله أثر دال على وجود المؤثر وهو الله عزَ ذكره وجلَ شأنه. ويتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ماخلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار وهذا ما أشارة إليه أمير العقلاء علي عليه السلام بقوله (الحمد لله الدال على وجوده بخلقه).

 

 

قوله عليه السلام (وبمُحدث خلقه على أزليَته)

الدليل الثاني: الحدوث والقدم

ملخص هذا الدليل ان كل جسم من الاجسام في الخارج يشغله مكان واذا شغله مكان اما ان يكون ساكنا فيه او متحركا وهما مسبوقان بالغير فيكونا حادثين وكل جسم لايخلو عن الحركة والسكون فهو حادث والعالم مليء بالاجسام والعوارض فالعالم حادث فلا بد له حينئذٍ من قديم أزلي أحدثه بالضرورة.

توضيح:

في البداية لابد لنا من تعريف بعض المفردات. المراد من الجسم هو المتحيز الذي يقبل القسمة في الجهات الثلاثة. والمراد من العالم هو السموات والارض وما فيهما وما بينهما. والمراد من الحادث هو الجسم الذي يقبل اما الحركة او السكون ويشغله مكان. والمراد من القديم الأزلي هو الله عزذكره وجل شأنه ليس بجسم ولاجوهر ولا عرض ولامركب ولامحلا للمزاج لاتجري عليه الحركة ولاالسكون ولايشغله مكان ولم يكن مسبوقا بالغير ولاتكون له بداية أبدا.

الادلة على ذلك ان العالم مليء بالاجسام وان الجسم اما ساكن في مكان او متحرك في مكان ثانٍ كالجماد فانه ساكن فيه لايتحرك والجسم المتحرك ينتقل من مكان الى آخر فهذا واضح الدلالة لايحتاج الى برهان في اثباته وانما يقوم البرهان على القديم الازلي اذ لو كان جسما لصار في مكان دون آخر ولامتنع وجوده في بقيت الامكنة فاذا حجمته امامك فهو غير موجود خلفك ولا فوقك وتحتك ولاعن يمينك و شمالك وكذلك يكون اما ساكنا فيه أو متحركا من مكان الى أخر فيكون حادث وهذا محال عقلا و منطقا واما اذا كانت له بداية فيكون حادثا ويجري الزمن عليه ويكون مسبوقا بالعدم وهذا ايضا محال . لانه هو الذي ابتدع الاشياء من العدم وخلق الزمان والمكان والامم واحاط بهم ولايحيط به شيء. ألا انه بكل شيء محيط.

اذا تقرر هذا فاعلم ان جميع الخلق اجسام لاتخرج عن الابعاد الثلاثة الطول والعرض والعمق ومحتاجون الى مكان يلبثون فيه وهواء يتنفسونه ومأكل ومشرب ونوم وايضا يفتقرون الى الحركة والسكون ويقهرهم المزاج من لذة وفرح وسرور وهم وغم وآلام والى مالانهاية من الاحتياج والافتقار فهذه الافعال والعوارض التي تعرض للجسم كلها حادثة وليس حادثة بمعنى جديدة وانما بمعنى افتقار الجسم الى هذه الافعال والعوارض وهذا هو معنى الحدوث في الاجسام والجسم يستحيل ان ينفك عن الحوادث وكذلك العالم باسره حادث تجري عليه العوارض فلابد له من مؤثر أخرجه من العدم الى الوجود وهذا المؤثر لابد ان يكون غير حادث ولا محلا للحوادث بل قديم أزلي باق أبدي ليس له بداية ولانهاية. أمّن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أاله مع الله قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين وبرهان حدوث الخلق دل على أزلية الخالق (جل جلاله) وهذا المعنى المشار إليه في قول الامير علي (عليه السلام) (وبمحدث خلقه على أزليته) .

قوله عليه السلام (وباشتباههم على ان لا شبه له)

الدليل الثالث: المشابه

ملخصه ان كل الاشياء المحدثه متشابه من حيث الجسمية والجنس والنوع والمقدارواللون والحرارة والبرودة وما الى ذلك ولا نقصد بالتشابه التطابق بين الاشياء بل المماثلة المتفاوتة في الاحتياج والافتقار والله عزوجلَ صمد عن هذه العوارض المتشابه.

توضيح:

اعلم ان جميع الخلق متشابهون اما من حيث التركيب فالكل مركب من عناصر وجزئيات ومن حيث المقدار كلٌ له مقدار معين وان تفاوت ومن حيث اللون كلٌ له لون معين وان اختلف ومن حيث الطبائع كلٌ له نوع معين من الطبائع وهكذا الى مالا نهاية. وهذه العوارض تجري على غير الخلق ايضا.

والله سبحانه وتعالى صمد ومعنى ذلك بانه تعالى لا فارغ ولامملوء لا داخل في شيء ولا خارج منه لا ساكن ولا متحرك لايأكل ولايشرب لاحار ولابارد لاتأخذه سنه ولانوم لايتعب ولايرتاح لايجزع ولا يمل لايحزن ولايفرح لايرضى ولايغضب ولاقريب ولابعيد ولا تصح عليه اللذة و الالم ويمتنع المزاج عليه مطلقا ولا تجري عليه أمزجة المخلوقين ولاعوارضهم ولا صفاتهم ولا داخل تحت جنسهم وبعيد كل البعد حتى عن اذهانهم ولا يتصوره احد الا كان بخلاف تصوره تماما هذا هو السيد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

ان الاوصاف التي وردة في القرآن الكريم امثال الرضى والغضب والى غير ذلك اوصاف مجازية بمعنى رضاه الجنة و غضبه النار وهكذا البقية فثبت ان الخلق كلهم متشابهون والله تعالى لاشَبَهَ له ُ بتاتاً وهذا ما أشار إليه الامام عليه السلام بقوله (وباشتباههم على ان لاشبه له) .

 

قوله عليه السلام (ولاتستلمه المشاعر)

الاستلام هو اللمس والمس همزته العرب ام لم تهمزه. والمشاعر حواس الانسان التي يدرك بها كاليد والعين وغيرهما والمقصود بان الله تعالى منزه ان تستلمه يد تمسه اوتلمسه أوان تراه عين أويتذوقه لسان أو غير ذلك تعالى الله عن ذلك علواًكبيرا . اذ لو كان الله عزوجل يُدرك بالحواس المادية لصار جسما والجسمية محال عليه تعالى كما سبق.

بحث في الرؤيا:

اعلم ان للرؤيا شروط :

اولا : ان تكون هناك مسافة بين الرائي والمرئي .

ثانيا: ان يقع الضوء على المرئي.

ثالثا: وجود هواء بينهما بحيث يجعل الرؤيا سليمة. وحينها تتم الرؤيا وان الله عزوجل يستحيل عقلا رؤيته وذلك أولا ان المسافة التي بينك وبينه غير موجود بها الله تعالى فكيف وهو في كل مكان واذا كان ملاصقا لعينك لايمكن ان تراه.

ثالثاً: انك ترى في جهة معينة فيكون غير موجودا في بقية الجهات وهذا محال عقلا. ثالثا عند وقوع الضوء على المرئي يكون الضوء مظهرا للمرئي اي بمعنى أفضل منه ومحتاجا إليه وهذا ايضا محال سبحانه لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير .

 

قوله عليه السلام (ولا تحجُبُهُ السواتر)

الساتر من شأنه ان يحجب الجسم وقد مرّ بان الله تعالى ليس بجسم فكيف يحجبه ساتر وذاته تغاير بقية الذوات لايعلمها الا هو . هذا هو المعنى الذي يدل عليه ظاهر اللفظ. نعم قد الله يجعل بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا.

وان كان المراد المعنى المجازي لوروده بصيغة الجمع فهذا خاص باولياء الله (عزوجل) لا يعرف معناه غيرهم.

تتميم:

روي ان هناك عابد من بني اسرائيل شكى الى الله عزوجل كثرة ذنوبه فقال يوما الهي الى متى اعصيك وانت لا تعاقبني فأوحى إليه أو إلى نبي من انبياء ذلك الزمان وكان الرد (يكفي أني قد سلبت منك لذيذ مناجاتي) هذا هو مضمون الرواية. والمعنى ان مثل هؤلاء يعرفون كلام أمير العرفاء عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

 

قوله عليه السلام (لافتراق الصانع والمصنوع والحاد والمحدود والرب والمربوب)

هذا تعليل لما سبق وتباين وافتراق بين الخالق والمخلوق والمراد ان مادة العلة تغاير مادة المعلول في كل الاحوال كالشمس في اشراقها والنار في احراقها فان جزئيات الشمس تفترق مع جزئيات الضوء وان مادة النار تغاير مادة الاحراق وان ذات البناء يفترق عن ذات المصمم وبين الفعل والفاعل وما الى ذلك اذا تبين هذا فاعلم ان ذات الصانع تفارق ذات المصنوع والحاد لكل شيء يباين المحدود والرب بمعنى المالك يفارق المربوب بمعنى المملوك.

تتميم:

اعلم بان الله عزوجل غير مرتبط بنا ارتباط العلة بالمعلول فان من شأن العلة اذا وجدت وجد المعلول لاتنفك عنها كالشمس اذاوجدت وجد الاشراق لامحال وهذا تلازم بين العلة والمعلول واذا افترضت ان الله عزوجل مرتبط بنا ارتباط العلة بالمعلول يلزم من هذا الافتراض اما قدم العالم أو حدوث الله عزوجل وكلهما باطل ومحال كما سبق.

 

قوله عليه السلام (الأحد بلا تأويل عدد)

انه تعالى أحدي الذات لا يشكل مع غيره جمعا ولا تثنية ولا كما نقوله واحد واثنان بل لايقبل بأحديته التجزئة

توضيح:

ان الاعداد قابلة للزيادة والنقيصة فاذا قلت واحد يتحتمل اكثر أو لا شيء وهذا الاحتمال وارد في الاعداد فهي قابلة للتأويل كما هو واضح بخلاف قولك اذا قلت ان الله عزوجل واحد لايقبل التأويل لانه لاشيء قبله ولا شيء بعده وهو واحد بسيط لايحتمل الزيادة ولذلك كلمة أحد أبلغ بالوحدة لايحتمل معها الزيادة قط وهي التي تليق بشأنه تعالى ومثال ذلك اذا سألك سائل وقال لك من في الدار؟

اذا قلت لا يوجد واحد . يحتمل في هذا الجواب موجود أكثر من واحد ربما اثنان أو ثلاث واذا قلت لا يوجد أحد . نفيت بجوابك الواحد والأكثر منه فلا يحتمل معه الزيادة. قل هو الله أحد.

فائدة:

ان جميع الاعداد اصلها رقم واحد ولولاه لم يثبت أي عدد بمعنى لاتقدر ان تلفظ اثنين مالم يكن قبله واحد وهكذا في بقية الاعداد . فكذلك الخلق منبعهم من الواحد الاحد وهذا دليل يدل على اثبات الواحد في اصل الاشياء فهو برهان على اثبات الخالق من طريق الاعداد سبحان الذي تجلى في كل شيء.

 

قوله عليه السلام (والخالق لابمعنى حركة وَنَصَب)

الحركة انتقال الجسم من مكان الى أخر أو انتقال جزء من اجزائه وتكون اما اختيارية أو اضطرارية . والنصب بمعنى الاعياء والتعب بسبب فعل ما . وهما أعني الحركة والنصب من عوارض الاجسام كما بينا سابقا . والله تعالى منزه عنهما. انما قولنا لشيء اذا أردناه أن نقول له كُن فيكون.

 

قوله عليه السلام (والسميع لا بأداة)

الاداة هي الآلة التي يسمع بها الانسان وغيره وهي تكون جزء من السامع والله عزذكره وجل شأنه منزه عنها لانه غير مركب من اجزاءكما سبق واما سمعه فذاته المقدسة كلها سمع. وليس سمعه وذاته مختلفان بل هما شيء واحد على عكس الاتحاد والاجتماع. ان الله هو السميعُ البصير.

 

قوله عليه السلام (والبصير لا بتفريق آلة)

التفريق اما باغماض العين وفتحها أو تفريق الرؤيا يمينا وشمالا وكلاهما محال على الله تعالى بل ذاته المقدسة كلها بصر . وآلة البصر جزء من كل تجري على من شأنه السماع . واعلموا ان الله بما تعملون بصير.

وكذلك آلة الكلام فهو منزهٌ عنها اذا أ رادة الله تعالى الكلام أحدثه في جسم من الجسام اما ان يكون هواء او شجر او أي شيء آخر.

وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب او يرسل رسولا فيوحي ما يشاء انه علي حكيم.

 

قوله عليه السلام (الشاهد لا بمُماسة )

المراد من الشاهد الحاضر عند افعالنا و اقوالنا وشاهدا عليها وتنزيهه من الحضور الجسماني المستلزم للمماسة القريبة. فهو الشاهد على كل شيء والحاضر بعلمه عند كل شيء ولا يعزب عنه شيء وان تجهر بالقول فانه يعلم السر وأخفى.

 

قوله عليه السلام (والبائن لا بتراخي مسافة )

المراد من البائن المنفصل عن خلقه بالذات المقدسة لانه في غاية التمام والكمال وغيره ناقص ومفتقر. لكن مع هذا التغاير لايوجد فتور مسافة بينه وبين خلقه، واذا سألك عبادي عني فأني قريب أجيب دعوة الداع اذا دعانِ.

 

قوله عليه السلام (والظاهر لابرؤية و الباطن لا بلطافة)

وذلك ان الله تعالى ظاهر وجوده بدون معاينة لا كظهور الاجسام المرئية والباطن لا بمعنى اللطافة كصغر الحجم أو لدقته وشفافيته بل هو باطن معلوم وظاهرموجود بطن فخبر وعلم فظهر، هو الاول والاخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.

 

 

قوله عليه السلام (بان من الاشياء بالقهر لها ، والقدرة عليها، وبانت الاشياء منه بالخضوع له، والرجوع اليه)

اعلم ان جميع الاشياء- ونقصد بذلك السموات والارض وما بينهما وما عليهما - مقهورة بالموت والفناء وتقلبات الاحوال، ولاتقدر أن تدفع عن نفسها ذلك فعلمت بأنها مجبورة ومقهورة، فبان الله تعالى وظهرت قدرتهُ عليها ، وعندما تيقنت بالقهر وعدم القدرة استسلمت للواقع وبان خضوعها وانكسارها واستسلمت طوعا أو كرها للرجوع أليه. وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير.

أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والارض طوعاً وكرهاَ وأليه يرجعون.

 

 

قوله عليه السلام (مَن وصفه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن عدّه فقد أبطل أزله )

الوصف هو نعت بعض احوال الذات عند النحاة، وعند أهل المنطق هو مفهوم الشيء وحقيقته، وعلى أي حال ان وصفت حقيقته وماهيته وصف احاطة فقد جعلته محدوداً والمحدود هو الجسم الحادث أي ذات أجزاء معدودة ومن عدَه جعله ممكنا محدثا فقد أبطل قِدمه وأزله وهذا محال عقلاً، وكيف يحيط ممكن الوجود والعدم بواجب الوجود؟ ممتنع ومحال.

وجعلوا لله شركاء الجن وَخَلَقَهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون. سبحان ربّ السموات والأرض ربّ العرش عما يصفون.

 

قوله عليه السلام (ومن قال - كيف - فقد استوصفه، ومن قال أين فقد حيّزهُ)

مَن قال كيف هو الله (عزوجل) وأراد الاستفهام كما هو الاصل بالوضع، فقد طلب صفته بدليل دخول السين على كلمة (استوصفه) وقد بيّنا تنزيه الله تعالى عن الكيفيات والصفات.

ومَن قال أين الله (عزوجل) فقد حيّزه في ذهنه وأرادة معرفة مكانه، والله تعالى منزه عن الجسميّة فان حيّزته في مكان ما فقد خلا من بقية الاماكن وهذامُحال ان سعة الله عزوجل لاتعرف بأي شيء ولا يعلمها إلا هو، فأينما تولوا فَثمّ وجه الله ان الله واسعٌ عليمٌ.

 

 

قوله عليه السلام (عالمٌ اذ لا معلوم، وربُّ اذ لا مربوب، وقادرٌ اذ لا مقدور)

ان الله (عزوجل) قبل ان يخلق العوالم من العدم الى الوجود كان وحيداً فريداً بذاته في الأزل وصفاته عين ذاته- وليس كما هي عندنا الصفة خلاف الموصوف- ومن صفاته انه عالم اذ لا معلوم محدث موجود، ورب اذ لا مربوب محدث موجود، وقادر اذ لامقدور محدث موجود، والعالم والرب والقادر صفات مطلقة لاحصرلها ، وهذا ردّ على مَن زعم ان صفاته محدثة . قل لو كان البحر مداداً لكلملت ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مداداً.

 

والحمد لله أولاً وآخراً