ما قيل في « نهج البلاغة » من نظم ونثر*

ـ القسم الثاني ـ

السيد عبد العزيز الطباطبائي

وأمّا الكلام المنثور:

فهناك كثير من الأدباء والبلغاء بَهَرَهُم كلامُ أمير المؤمنين عليه السلام ، الذي قديماً وصفوه بأنّه : دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، ومَن شِدّة إعجابهم به كان لهم أقوال ذهبيّة حول بلاغته عليه السلام الرائقة ومقدرته الخطابية الفائقة ، لو تعرّضنا لها لطال بنا المقام ، وإنّما نقتصر على مَن أطرى ( نهج البلاغة ) خاصة ، وأبدى إعجابه بما يحويه من بلاغة متناهية وأدب جَمّ وحِكَم بالغة وكَلِم خالدة .

1 ـ فمنهم أبو الحسن علي بن زيد البيهقي ، فريد خراسان ـ المتوفّى سنة 565 ه‍ـ ـ في شرحه على نهج البلاغة الذي سمّاه : معارج نهج البلاغة ، ص3 ، قال :

فصل :

وها أنا ذا أقول : هذا الكتاب النفيس مملوء من ألفاظ يتهذّب بها المتكلّم ، ويتدرّب بها المتكلّم [ المتعلم / ظ ] ، فيه من القول أحسنه ، ومن المعاني أرصنه ، كلام أحلى من نغم القِيان ، وأبهى من نِعَم الجنان ، كلام مطلعه كسنّة [ كهيئة / ظ ] البدر ، ومشرعه مورد أهل الفضل والقدر ، وكلمات وشيُها حَبْر ، ومعانيها فقر ، وخطب مقاطعها غُرر ، ومبادئها دُرر ، استعاراتها تحكي غمزات الألحاظ المِراض ، ومواعظها تعبّر عن زهرات الرياض ، جمع قائل هذا الكلام بين ترصيع بديع ، وتجنيس أنيس ، وتطبيق أنيق ، فللّه دَرّ خاطر عن مَخايل الرشد ماطر ، وعين الله إذا انهلّت فيه عزالي الأنواء أنْ يخضر رُبَاه ، ويفوح رياه ، ولا للساري في مسالك نهج البلاغة أنْ يُحمد عند الصباح سُراه ، ولا لمجيل قِداح الطهارة إذا صدَقهُ رائد التوفيق والإلهام أنْ يفوز بقدحي المعلّى والرقيب ، ويمتطي غوارب كل حظ ونصيب .

ولا شك أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كان باب مدينة العلوم ، فما تقول في سِفْطٍ انفضّ من زند خاطره الواري ، وغيض بدا من فيض نهره الجاري ، لا بل في شعلة من سراجه الوهّاج ، وغرفة من بحره الموّاج ، وقطرة من سحاب علمه الغزير ، ولا يُنبّئك مثل خبير .

والسيد الإمام الرضي ـ رحمه الله ـ ناظم تلك العقود ، وقاطف هذا العنقود ... وأنا أقول : ما ظنّك بكلام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو كلام إذا لحظه الطرف رأى حقائق العلم المكنون ، وإذا تصفّحه الخاطر جنى ثمرات السرّ المخزون ، حتى قال عمرو بن بحر الجاحظ : وددتُ أنّي أعطيت جميع مصنّفاتي ، وقطعت أنسابها عنّي ، وأخذتُ بدلها ثلاث كلمات منسوبة إلى علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وصارت منسوبة إلي ...

وقال في ص 99 بعد شرح قوله عليه السلام : (  وَلا يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلاّ رَبَّهُ  ) :

وأقول : في وصف هذا الكلام : هذا كلام يجري مجرى السحر الحلال ، ويرتفع درجته عن نعوت الكمال ، كأنّه اليواقيت في النظام ، أو مواقيت الأعياد في الأيّام ، لفظ أحسن من عَطفَة الأصداغ ، وبلاغة كالأمل أذِنَ بالبلاغ ، وأمثال كأنّها حديقة الأحداق وبضاعة الحذّاق ، يضحك معاني تلك الألفاظ شعور الأدب ضحك الأزاهير غَب بكاء السحاب ، كأنّها لآلئ السِمْط أو أشعة السقط ، وكان الصبح يتنفّس عن نسيمها ، والدرّ يبسم عن نظيمها ، ولا غرو ، فإنّ قائلها استقى من منابع المصطفى عليه السلام ، وجذب العلم بضِبْعِهِ ، وشقَّ الإلهام عن بصره وسمعه ، وخُتمت آداب الدين في عراص طبعه ، بذكره ينشرح الصدور ، وفلك الفصاحة [ على ] قطبه وخاطره يدور .

وقال في ص 108 بعد شرح قوله عليه السلام : ( تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا .. ) :

ثمّ مدح السيّد هذا الكلام بألفاظ تشفي القرائح القريحة والجوارح الجريحة (1) ، وأنا أقول : هذه ألفاظ علوية ، يحكي تورّد الأشجار ، وتنفّس الأسحار ، ودِرَر السحاب ، ودُرَر السخاب ، فيها ملح كيواقيت السحر ، وفَقْر كالغنى بعد الفقر ، ومواعظ تقود المستمعين إلى الطاعة والانقياد والإذعان ، تجري في القلوب مجرى المياه في عروق الأغصان ، لو تُليت على الحجارة لانفجرت منها عيون الماء ، أو على الكواكب لانتثرت من آفاق السماء .

وقال في ص 378 بعد الانتهاء من شرح وصيّته إلى ابنه الحسن عليهما السلام :

ولو سودت في شرح هذه الوصية ، التي جمع فيها أمير المؤمنين عليه السلام جميع ما يحتاج إليه البشر ، طاقات من القراطيس ، لَمَا قرب من فوائدها بنصف عشرها أو أقل ، ومَن له ذوق علمي وعملي فإنّه يكفيه ما أشرت إليه ، ومَن كان بخلاف ذلك فالقليل والكثير من البيان عنده سواء . (2)

2 ـ وقال قطب الدين الراوندي المتوفّى سنة 573 هـ‍ في أوّل شرحه على نهج البلاغة المُسمّى : منهاج البراعة ، ج1 ، ص4 : وهو كلام عند أهل الفطنة والنظر ، دون كلام الله ورسوله ، وفوق كلام البشر ، واضحة مناره ، مشرقة آثاره .

3 ـ وقال قطب الدين الكيدري محمد بن الحسين النيشابوري ، من أعلام القرن السادس ، في شرحه على نهج البلاغة ، الذي سمّاه : حدائق الحقائق في فسر دقائق أفصح الخلائق ، ج 1 ، ص 86 :

هذا الكتاب ـ الذي نحن بصدده وهو كتاب نهج البلاغة ـ نطفة من بحار علومه الغزيرة ، ودرّة من جواهر أصدافه الجمّة الغفيرة ، وقطرة من قطرات غيثه المدرار ، وكوكب من كواكب فلكه الدوّار ، ولعمري إنّه الكتاب الذي لا يُدانيه في كمال الفضل كتاب ، وطالب مثله في الكتب كالعنزي لا يُرجى له إيّاب ، وهو محجر عيون العلوم ، وفي خلال الكتب كالبدر بين النجوم ، ألفاظه علوية علوية ، ومعانيه قدسية نبوية ، وهو عديم المثل والنظير ، وكما قلت فوقه بكثير ... وإذ قد كان هذا الكتاب الغاية في بلاغة البلغاء ، والنهاية في فصاحة الفصحاء ، تعيّن الفرض علينا أنْ نصدر شرحه بجملة وجيزة من أقسام البلاغة وأحكامها .

 وقال ابن أبي الحديد عند وصفه لشرحه على نهج البلاغة ، في مقدّمته ، ص 4 :

وبرهن على أنّ كثيراً من فصوله [ نهج البلاغة ] داخل في باب المعجزات المحمدية ؛ لاشتمالها على الأخبار الغيبية ، وخروجها عن وسع الطبيعة البشرية ، وبين من مقامات العارفين التي يرمز إليها في كلامه ما لا يعقله إلاّ العالِمون ، ولا يدركه إلاّ الروحانيّون المقرّبون ...

وقال عند كلامه على خصائص أمير المؤمنين عليه السلام وخصائله وما امتاز به عمق سواه من الفضائل ، ص 71 :

وما أقول في رجل تُعزى إليه كلّ فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلي حلبتها ، وكل مَن بزغ فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى ...

فتكلّم على العلوم والفنون والفضائل إلى أنْ انتهى إلى قوله في ص 42 : وأمّا الفصاحة : فهو عليه السلام إمام الفصحاء ، وسيّد البلغاء وفي كلامه قيل : دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين .

ومنه تعلّم الناس الخطابة والكتابة ، قال عبد الحميد بن يحيى : حفظتُ سبعين خطبة من خطب الأصلع ، ففاضت ثمّ فاضت . وقال ابن نباتة : حفظتُ من الخطابة كنزاً لا يزيده الإنفاق إلاّ سعة وكثرة ، حفظتُ مئة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب ...

ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنّه لا يُجارى في الفصاحة ، ولا يُبارى في البلاغة ، وحسبك أنّه لم يدوّن لأحد من فصحاء الصحابة العشر ، ولا نصف العشر مما دوّن له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب ( البيان والتبيين ) وفي غيره من كتبه ...

وقال في ج 16 ، ص 145 عند كلامه على كتابه عليه السلام إلى عبد الله بن عباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر :

انظر إلى الفصاحة كيف تُعطي هذا الرجل قيادها ، وتملّكه زمامها ، وأعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلو بعضها بعضاً كيف تُواتيه وتُطاوِعه ، سلسة سهلة تتدفّق من غير تعسّف ولا تكلّف ، حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال :

( ... يوماً واحداً ، ولا ألتقي بهم أبداً ) ، وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة جاءت القرائن والفواصل تارة مرفوعة ، وتارة مجرورة ، وتارة منصوبة ، فإنْ أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلّف أثرٌ بيّن ، وعلامة واضحة ، وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر ، قال : انظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة ، الأولى منصوبة الفواصل ، والثانية ليس فيها منصوب أصلاً ، ولو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا ، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما .

ثمّ إنّ فواصل كل واحد منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلّفيّة .

ثمّ انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل ، كيف قال : ( ولداً ناصحاً ) ، و ( عاملاً كادِحاً ) ، و ( سيفاً قاطعاً ) ، و ( ركناً دافعاً ) ، لو قال : « ولداً كادحاً » و ( عاملاً ناصحاً ) وكذلك ما بعده لَمَا كان صواباً ، ولا في الموقع واقعاً ، فسبحان الله مَن منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ! أنْ يكون غلام من أبناء عرب مكّة ، ينشأ بين أهله ، لم يُخالط الحكماء ، وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الإلهيّة من إفلاطون وأرسطو .

ولم يُعاشر أرباب الحكم الخُلُقية والآداب النفسانية ؛ لأنّ قريشاً لم يكن أحد منهم مشهوراً بمثل ذلك ، وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط . ولم يُربّ بين الشجعان ؛ لأنّ أهل مكّة كانوا ذوي تجارة ، ولم يكونوا ذوي حرب ، وخرج أشجع من كلّ بشر مشى على الأرض ، قيل لخلف الأحمر : أيّما أشجع عنبسة وبسطام أَمْ علي بن أبي طالب ؟ فقال : إنّما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس ، لا مع مَن يرتفع عن هذه الطبقة ، فقيل له : فعلى كلّ حال . قال : والله لو صاح في وجوههما لماتا قبل أنْ يحمل عليهما .

وخرج أفصح من سبحان وقس ، ولم تكن قريش بأفصح العرب ، كان غيرها أفصح منها ، قالوا : أفصح العرب جُرْهُم وإنْ لم تكن لهم نباهة . وخرج أزهد الناس في الدنيا ، وأعفّهم ، مع أنّ قريشاً ذوو حرص ومحبّة للدنيا ، ولا غرو فيمن كان محمّد صلّى الله عليه وآله مربّيه ومخرجه ، والعناية الإلهية تمدّه وترفده أنْ يكون منه ما كان .

5 ـ وقال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي النصيبي ـ المتوفّى سنة 652 ه‍ـ في ( مطالب السؤول ) في الفصل العاشر ، في فصاحته ، وجُمَل من كلامه عليه السلام ...

النوع الخامس في الخطب والمواعظ ، ممّا نقلتْه الرواة وروتْه الثقات عنه عليه السلام : قد اشتمل كتاب نهج البلاغة المنسوب إليه عليه السلام على أنواع من خطبه ومواعظه ، ومواعظه الصادعة بأوامرها ونواهيها ، المطلعة أنوار الفصاحة ، والبلاغة مشرقة من ألفاظها ومعانيها ، الجامعة حكم عيون علم المعاني والبيان على اختلاف أساليبها مودعة فيها ، ولا يليق نقل ما فيه مع شهرته وكثرة نسخة بمنصب مَن نصّب نفسه لجمع أشتات المناقب من أرجاء محالّها ونواحيها ...

6 ـ وقال ابن الطقطقي في كتاب ( الفخري ) ص 12 ، في أواخر مقدّمته في كلامه على الكتب الأدبية ، كحماسة أبي تمام ومقامات الحريري ، ومدحها من جهة وذمّها من جهة أخرى ، فقال في كلامه عن مقامات الحريري :

فإنْ نفعت من جانب ضرّت من جانب ، وبعض الناس تنبّهوا على هذا من المقامات الحريرية والبديعة ، فعدل الناس إلى نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإنّه الكتاب الذي يُتعلّم منه الحكم ، والمواعظ ، والخطب ، والتوحيد ، والشجاعة ، والزهد ، وعلوّ الهمة ، وأدنى فوائده الفصاحة والبلاغة .

7 ـ قال القوشجي ـ المتوفّى سنة 879 ه‍ـ في شرحه على التجريد ، ص 378 ، في شرح قول نصير الدين الطوسي في وصف أمير المؤمنين عليه السلام : ( وأفصحهم لساناً ) : على ما يشهد به نهج البلاغة ، وقال البلغاء : وإنّ كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق .

8 ـ وقال نظام الدين الجيلاني في ديباجة شرحه لنهج البلاغة ، الذي سمّاه : أنوار الفصاحة وأسرار البراعة :

ولمّا كان كتاب نهج البلاغة ... محتوياً على مختار كلام الإمام الهمام مولانا وإمامنا ... في جميع الفنون ، من خطب وكتب ومواعظ وآداب البلغاء والعلماء ، ومتضمّناً من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وبدائع الصنائع ، بحيث يعدّه العلماء تحت كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، فلم يطمع ( ظ ) ببدائع صنائعه وعجائب بدائعه من غير الشرح والتفسير إلاّ واحد بعد واحد ممّن برع في العلوم العربية والرسوم الأدبية ، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة ، مشتعل القريحة ، ويقظان النفس ، درّاكاَ اللمحة ، منتبهاً على الرمز والإشارة ، متفوّقاً ذا دِرْيِة بأساليب النظم وتراكيب النثر ، وعَلِم كيف يُرتّب الكلام ويؤلّف ، وكيف ينظّم ويرصِف ، فإنّ هذا الكتاب دستور الغرائب وفهرست العجائب ، ولا يَعرف ذلك إلاّ مَن تسنّم شواهق البلاغة بحق ، وجرى في ميدان الفصاحة أشواطاً على عرق ، وعرف أنْ لا كل سوداء تمرة ، ولا كل حمراء جمرة ، فإنّ هذا الكتاب ميدان ، وللفصحاء والبلغاء فيه جولان ، وكان في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار ، وسلّمه المخالف والموافق ، واستحسنه الصغار والكبار ، فإنّه وإنْ كان صغير الحجم وجيز النظم ، فهو كثير العلم ، عظيم الاسم ، جليل الشأن ، واضح البرهان ، لا يُعرف على وجه الأرض بعد الكتاب الإلهي كتاب أشرف منه وأعظم ، ولا أنفس منه وأتم ، فمِن شأنه أنْ يكتب سطوره بالنور على خدود الحور ظاهراً ، وينقش معانيه بقلم العقل على لوح النفس باطناً ، فإنّه خلاصة كلامه عليه السلام ...

9 ـ وقال عبد المسيح الأنطاكي في تعاليق قصيدته ( القصيدة العلوية المباركة ) ص 567 :

إنّ الحكمة المأثورة عن سيدنا أمير المؤمنين عليه صلوات الله ، فهو ولا جدال سيد الحكماء ، وعنه تروى الحكمة في مواطن السرّاء والضرّاء ، وقد وردتْ الحكمة على لسانه الشريف في كثير من رسائله وخطبه وأقواله حتى قالوا : إنّه كان ينطق بالحكمة في كل موطن أقام فيه ومَجْلِس جَلَسَهُ ومَوْقِف وَقَفَهُ ، بل كانت جميع أقواله الشريفة وأعماله المنيفة حِكَمَاً مأثورة منبَثِقة عن توقّد ذكاء وسعة تجربة واختبار ، ولقد جمع الشريف الرضي بعض هاتيك الحِكَم في آخر كتاب نهج البلاغة ، فكانت حلية في الآداب ملأى بما يسدّد خطى الناس إلى الرشاد والصواب ، وقد اقتبسنا بعضها فنظمناها حلية لجيد علويّتنا المباركة ، والأمل أنْ تعمّ فائدتها ، وتحسن على القرّاء الأتقياء عائدتها ، وبالله المستعان .

10 ـ وقال الشيخ محمّد عبده في مقدمة شرحه لنهج البلاغة : حمد لله سياج النعم ، والصلاة على النبي وفاء الذمم ، واستمطار الرحمة على آله الأولياء ، وأصحابه الأصفياء ، عرفان الجميل ، وتذكار الدليل . وبعد ، فقد أوفى لي حُكْم القدر بالإطلاع على كتاب نهج البلاغة مصادفة بلا تعمّل ، أصبته على تغير حال ، وتبلبل بال ، وتزاحم أشغال ، وعطلة من أعمال ، فحسبتُه تسلية ، وحيلة للتخلية ، فتصفّحتُ بعض صفحاته ، وتأمّلت جُمَلاً من عباراته ، من مواضع مختلفات ، ومواضيع متفرّقات ، فكان يُخيّل لي في كل مقام أنّ حروبا شبّت ، وغارات شُنّت ، وأنّ للبلاغة دولة ، وللفصاحة صولة ، وأنّ للأوهام عَرامةً ، وللريب دعارةً ، وأنّ جحافل الخطابة ، وكتائب الذرابة ، في عقود النظام ، وصفوف الانتظام ، تنافح بالفصيح الأبلج ، والقويم الأملج ، وتمتلج المهج برواضع الحجج ، فتفلّ من دعارة الوساوس ، وتصيب مقاتل الخوانس ، فما أنا إلاّ والحق منتصر ، والباطل منكسر ، ومرج الشك في خمود ، وهرج الريب في ركود ، وإنّ مدبّر تلك الدولة ، وباسل تلك الصولة ، هو حامل لوائها الغالب ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب .

بل كنت كلّما انتقلت من موضع إلى موضع أحسّ بتغير المشاهد ، وتحوّل المعاهد : فتارة كنت أجدني في عالم يعمره من المعاني أرواح عالية ، في حلل من العبارات الزاهية ، تطوف على النفوس الزاكية ، وتدنو من القلوب الصافية ، تُوحي إليها رشادها ، وتقوم منها مرادها ، وتنفر بها عن مداحض المزال ، إلى جواد الفضل والكمال .

وطوراً كانت تتكشّف لي الجمل عن وجوه باسرة ، وأنياب كاشرة ، وأرواح في أشباح النمور ، ومخالب النسور ، قد تحفّزت للوثاب ، ثمّ انقضَّت للاخْتِلاب ، فخلبتْ القلوب عن هواها ، وأخذت الخواطر دون مرماها ، واغتالت فاسد الأهواء ، وباطل الآراء .

وأحيانا كنت أشهد أنّ عقلاً نورانيّاً ، لا يشبه خلقاً جسدانيّاً ، فصل عن الموكب الإلهي واتّصل بالروح الإنساني ، فخلعه عن غاشيات الطبيعة ، وسما به إلى الملكوت الأعلى ، ونما به إلى مشهد النور الأجلى ، وسكن به إلى عمار جانب التقديس ، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس .

وآناتٌ كأنّي أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة ، وأولياء أمر الأئمّة ، يُعرّفهم مواقع الصواب ، ويبصّرهم مواضع الارتياب ، ويحذّرهم مزالق الاضطراب ، ويرشدهم إلى دقائق السياسة ، ويهديهم طرق الكياسة ، ويرتفع بهم إلى منصّات الرئاسة ، ويصعدهم شرف التدبير ، ويُشرف بهم على حسن المصير .

ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي ، رحمه الله ، من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، جمع متفرقة وسمّاه هذا الاسم : نهج البلاغة ، ولا أعلم اسماً أَلْيَق بالدلالة على معناه منه ، وليس في وُسْعِي أنْ أصف هذا الكتاب بأزيد ممّا دلّ عليه اسمُه ، ولا أنْ آتي بشيء في بيان مزيّته فوق ما أتى به صاحب الاختيار كما ستراه في مقدّمة الكتاب .

ولولا أنّ غرائز الجبلة ، وقواضي الذمّة تفرض علينا عرفان الجميل لصاحبه ، وشكر المحسن على إحسانه ، لَمَا احتجْنا إلى التنبيه على ما أودع نهج البلاغة ، من فنون الفصاحة ، وما خص به من وجوه البلاغة ، خصوصاً وهو لم يترك غرضاً من أغراض الكلام إلاّ أصابه ، ولم يدع للفكر مَمَرّاً إلاّ جابه ...

11 ـ ولقد أحسن الوصف أستاذ الفن محمد حسن نائل المرصفي ، مدرّس البيان بكلّيّة الفرير الكبرى بمصر ، في مقدمة الشرح على نهج البلاغة ، فجمع بإيجاز أطراف البيان حول عبقريّة الإمام ، وذكر مزاياه العالية ، وشرح ماهيّة كلامه في نهج البلاغة ملخّصاً فيما يأتي ، قال :

بهذه الخصال الثلاث ـ يعني جمال الحضارة الجديدة ، وجلال البداوة القديمة ، وبشاشة القرآن الكريم ـ امتاز الخلفاء الراشدون ، ولقد كان المجلّى في هذه الحلبة علي صلوات الله عليه ، وما أحسبني أحتاج في إثبات هذا إلى دليل أكثر من نهج البلاغة ، ذلك الكتاب الذي أقامه الله حجّة واضحة على أنّ عليّاً رضي الله عنه قد كان أحسن مثال حي لنور القرآن وحكمته وعلمه وهدايته وإعجازه وفصاحته .

اجتمع لعلي عليه السلام في هذا الكتاب ما لم يجتمع لكبار الحكماء وأفذاذ الفلاسفة ونوابغ الربّانيّين ، من آيات الحكمة السامية وقواعد السياسة المستقيمة ، ومن كل موعظة باهرة وحج~ة بالغة تشهد له بالفعل وحسن الأثر .

خاض علي في هذا الكتاب لجّة العلم والسياسة والدين ، فكان في كل هذه المسائل نابغة مبرَّزاً ، ولئن سألتَ عن مكان كتابه من الأدب بعد أنْ عرفت مكانه من العلم ، فليس في وُسْع الكاتب المسترسل والخطيب المصقع والشاعر المفلَّق أنْ يبلغ الغاية في وصفه والنهاية من تقريظه ، وحسبنا أنْ نقول : إنّه الملتقى الفذ الذي التقى فيه جمال الحضارة وجزالة البداوة ، والمنزل الفرد الذي اختارته الحقيقة لنفسها منزلاً تطمئنّ فيه وتأوي إليه ، بعد أنْ زلت بها المنازل في كل لغة .

12 ـ وقال الأستاذ محمد الزهري الغمراوي المصري ، في مقدّمته لطبعة نهج البلاغة بشرح الشيخ محمد عبده ومحمد حسن نائل المرصفي ، طبعة دار الكتب المصرية سنة 1328 ه‍ـ ، وطبعة المطبعة الميمنية بالقاهرة تحت عنوان : ( كتاب الفصحاء ) :

ولم ينقل عن أحد من أهل هذه الطبقات ما نقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، فقد اشتملت مقالاته على المواعظ الزهدية ، والمناهج السياسية ، والزواجر الدينية ، والحكم النفسية ، والآداب الخُلُقية ، والدُرَر التوحيدية ، والإرشادات الغيبية ، والردود على الخصوم ، والنصائح على وجه العموم ، وقد احتوى على غرر كلامه كرّم الله وجه كتاب نهج البلاغة الذي جمعه وهذّبه أبو الحسن محمد بن الطاهر ، المشهور بالشريف الرضي ، رحمه الله وأثابه وأرضاه .

13 ـ وقال الشيخ مصطفى الغلاييني المتوفّى سنة 1364 ه‍ـ عضو المجمع العلمي السوري ، وأستاذ التفسير والفقه والآداب العربية في الكلية الإسلامية في بيروت ، في كتابه ( أريج الزهر ) المطبوع في بيروت سنة 1329 ه‍ـ  تحت عنوان : ( نهج البلاغة وأساليب الكلام العربي ) :

من أحسن ما ينبغي مطالعته لمَن يتطلّب الأسلوب العالي كتاب نهج البلاغة للإمام علي رضي الله عنه ، وهو الكتاب الذي أنشأتُ هذا المقال لأجله ، فإنّ فيه من بليغ الكلام ، والأساليب المدهشة ، والمعاني الرائقة ، ومناحي الموضوعات الجليلة ، ما يجعل مطالعه ـ إذا زاوله مزاولة صحيحة ـ بليغاً في كتابته ، وخطابته ، ومعانيه .

14 ـ وقال محمد كرد علي في مقال له عنوانه : ( الإنشاء والمنشؤون ) (3) :

إذا أردنا أنْ نحكم على المنشئين بما انتهى إلينا من خُطَبِهِم ، ورسائلهم ، ومحاوراتهم ، ومصنّفاتهم ، وبدأنا بأهل القرن الأوّل للإسلام ، نرى على رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، فإنّه سيد البلغاء على الإطلاق ، وواضع بنيان البيان العربي ، وكلامه ـ كما قال العارفون : بعد كلام الله ورسوله عليه الصلاة والسلام ـ أبلغ كلام .

ونهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي من كلامه ، وشرحه ابن أبي الحديد كتاب الدهر الخالد . . .

وقال أيضاً في مقال آخر له (4) :

وإذا طلبت البلاغة في أتمّ مظاهرها ، والفصاحة التي لم تشبْها عجمة ، فعليك بنهج البلاغة الذي فيه خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ورسائله إلى عمّاله .. .

15 ـ وقال الصحفي الشهير أمين نخلة ـ المسيحي اللبناني ـ في جواب مَن سأله أنْ يختار له مئة كلمة من حِكَم أمير المؤمنين عليه السلام :

سألتني أنْ أنتقي مئة كلمة من كلمات أبلغ العرب أبي الحسن ، تُخْرِجها في كتاب ، وليس بين يدي الآن من كتب الأدب التي يرجع إليها في مثل هذا الغرض إلاّ طائفة قليلة ، منها : إنجيل البلاغة ( النهج ) ، فَرِحْتُ أسرّح إصبعي فيه ، ووالله لا أعرف كيف أصطفي لك المئة من مئات ، بل الكلمة من كلمات ، إلاّ إذا سلخت الياقوتة عن أختها الياقوتة ، ولقد فعلتُ ويدي تتقلّب على اليواقيت ، وعيني تغوص في اللمعان ، فما حسبتني أخرج من معدن البلاغة بكلمة ؛ لفرط ما تحيّرت في التخيير ! فخذه هذه المئة (5) ، وتذكّر أنّها لمحات من نور ، وزهرات من نور ، ففي نهج البلاغة من نِعَم الله على العربية وأهلها أكثر بكثير من مئة كلمة .. (6) .

16 ـ وقال الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد في كلام له عن نهج البلاغة في مقدّمته لطبعه :

وهو الذي يقول جامعه الشريف الرضي في سبب توليفه : ( علماً أنّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة ، وغرائب الفصاحة ، وجواهر العربية ، وثواقب الكلم الدينية والدنيوية ، ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ، ولا مجموع الأطراف في كتاب ، إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه عليه السلام ظهر مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها ، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب ، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا ، وتقدّم وتأخّروا ) .

هذا كتاب ( نهج البلاغة ) وهو الذي عرفتَ منزلته بين الكتب ، وسمعتَ الثناء العظيم عليه من رجل من رجالات الأدب والبيان في عصر العلم والبيان ، وهو ( أشعر الطالبيين مَن مضى ومَن غبر ، على كثيرة شعرائهم المفلقين ) (7) ، ومن حكيم الإسلام وإمام المسلمين وزعيم الدعوة الاجتماعية والأدبية في العصر الحديث ، فليس بِدْعَاً أنْ نحضّك على قراءته ومعاودة مراجعته ، ثمّ على التأسّي به وقفْو نَهْجَه ، وليس كثيراً أنْ نكفل لك إذا أنت لم تأل جهداً في اتبّاع هذه النصيحة أنْ تبلغ الذروة ، وتصل إلى ما تطمع فيه من امتلاك أزمّة البلاغة ، والتمكّن من أعنّتها .

وليس من شكٍّ عند أحد من أدباء هذا العصر ، ولا عند أحمد ممّن تقدّمهم ، في أنّ أكثر ما تضمّنه ( نهج البلاغة ) من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، نعم ليس من شكّ عند أحد في ذلك ، وليس من شك عند أحد في أنّ ما تضمّنه الكتاب جارٍ على النهج المعروف عن أمير المؤمنين ، موافق للأسلوب الذي يحفظه الأدباء والعلماء من كلامه الموثوق بنسبته إليه .

16 ـ وقال شيخنا الحجّة العلاّمة الكبير الشيخ آقا بزرك الطهراني المتوفّى سنة 1389 هـ رحمه الله ، في موسوعته الخالدة كتاب ( الذريعة إلى تصانيف الشيعة ) ج 4 ، ص 144 ، في الثناء على نهج البلاغة :

لم يبرز في الوجود بعد انقطاع الوحي الإلهي كتاب أمس به ممّا دوّن في نهج البلاغة ، نهج العلم والعمل الذي عليه مسحة من العلم الإلهي ، وفيه عبقة من الكلام النبوي ، وهو صدَف لآلئ الحِكَم ، وسِفط يواقيت الكَلِم ، المواعظ البالغة في طي خطبه وكتبه تأخذ بمجامع القلوب ، وقصار كلماته كافلة لسعادة الدنيا والآخرة ، ترشد طلاّب الحقائق بمشاهدة ضالّتهم ، وتهدي أرباب الكياسة لطريق سياستهم وسيادتهم ، وما هذا شأنه حقيق أنْ يعتكف بفنائه العارفون وينقّبه الباحثون ، وحَرِيّ أنْ تُكتب حوله كتب ورسائل كثيرة حتى يشرح فيها مطالبه كُلاًّ أو بعضاً ، ويُترجم إلى لغات أُخر ، ليغترف أهل كل لسان من بحاره غُرْفَة .. .

وقال فيه ـ رحمه الله ـ أيضاً في ج 14 ، ص 111 :

هو كالشمس الطالعة في رائعة النهار ، في الظهور وعلوّ الشأن والقدر ، وارتفاع المحل ، قد جُعلت رؤيتها لجميع الناس مرأى واحداً لا تخفى على أحد ، فيقبح من العاقل البصير سؤال ما هي الشمس الطالعة ؟ وهي ممّا يَقتبس من إشراق نورها كافّة الكائنات في البرّ والبحر ، كذلك النهج قد طبَّقت معروفيّته الشرق والغرب ، ونشر خبره في أسماع الخافقَين ، ويتنوّر من تعليمات النهج جميع أفراد نوع البشر ؛ لصدوره عن معدن الوحي الإلهي ، فهو أخُ القرآن الكريم في التبليغ والتعليم ، وفيه دواء كل عليل وسقيم ، ودستور للعمل بموجبات سعادة الدنيا وسيادة دار النعيم ، غير أنّ القرآن أنزله حامل الوحي الإلهي على قلب النبي الأمين صلّى الله عليه وآله وسلّم ، والنهج أنشأه باب مدينة علم النبي وحامل وَحْيِهِ ، سيّد الموحّدين وإمام المتّقين ، علي أمير المؤمنين عليه السلام من ربّ العالمين ، وقد قيل فيه :

نهجُ البلاغةِ نهجُ العلمِ والعملِ =  فاسْلُكْهُ يا صَاح تَبْلُغ غايةَ الأَمَلِ

وقد لمحنا في ج 4 ، ص 144 إلى سيادته على سائر الكتب ، وكونه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، ونِعْمَ ما قيل فيه :

كلامُ عليٍّ كلامُ علي =  وما قاله المرتضى مرتضى

لقد صارت الكلمات التي يلقيها أمير المؤمنين عليه السلام في خطبه ، أو يُمْلِيها إلى كاتبه مخزونة في صدور جمع من أصحابه ، على موجب السيرة العربية ، ثمّ قيّد ما في تلك الصدور إلى الكتابة في الأصول الأوّلية التي ذكرنا اثني عشر منها في ج 7 ، ص 187 وبعدها ، ومنها ما أُلّف في عصر الأمير عليه السلام ، مثل كتاب : ( الخطب ) تأليف أبي سليمان زيد الجهني ، الذي شهد حروب الأمير عليه السلام ، ثمّ نقل منها إلى سائر الكتب التي أُلّفت في جمع خطبه عليه السلام إلى عصر الشريف الرضي ـ رحمه الله ـ ممّا لا يُستهان به ، وكانت تلك الأصول المعتبرة والكتب المعتمدة في مكتبة الوزير سابور بن أردشير وغيرها في بغداد تحت نظر الشريف الرضي ـ رحمه الله ـ يستفيد منها في كل حين ، حتى أخرج منها ما اختاره من منشِئات أمير المؤمنين عليه السلام وجعلها بين الدفّتين مرتّباً على ثلاثة أقطاب :

1 ـ الخطب .

2 ـ الكتب .

3 ـ الحكم ، وبعد ذلك سُمّى ما دونه من المنشئات بـ‍ ( نهج البلاغة ) .

18 ـ وقال السيد هبة الدين الشهرستاني في ( ما هو نهج البلاغة ) ص 5 ، بعد إيراد كلام المرصفي الذي تقدّم برقم 10 :

وكم مثل هذا في الواصفين لنهج البلاغة مَن حكموا بتفوّقه على كتب الإنشاء ومنشئات البلغاء ، واعترفوا ببلوغه حد الإعجاز ، وأنّه فوق كلام المخلوقين ودون كلام الخالق المتعال ، وأعجبوا به أقصى الإعجاب ، وشهدت ألسنتُهم بدهشة عقولهم من عظمة أضاء سَنَا بَرْقِهَا من ثنايا الخطب ومزايا الجُمَل ، وليس إعجاب الأدباء بانسجام لفظه وحده ، ولا دهشة العلماء مِن تفوّق معانيه البليغة حدّ الإعجاز فقط ، وإنّما الإعجاب كلّه والدهشة كلّها في تنوّع المناحي في هذه الخُطَب والكَلِم ، واختلاف المرامي والأغراض فيها ، فمِن وَعْظ ونُصْح وزهد وزَجر ، إلى :

تنبيه حربي واستنهاض للجهاد .

إلى تعليم فنّي ودروس ضافية في هيئة الأفلاك وأبواب النجوم وأسرار من طبائع كائنات الأرض وكامنات السماء .

إلى فلسفة الكون وخالقه وتفنّن في المعارف الإلهيّة وترسّل في التوحيد وصفة المبدأ والمعاد .

إلى توسع في أصول الإدارة وسياسة المدن والأمم .

إلى تثقيف النفوس بالفضائل وقواعد الاجتماع وآداب المعاشرة ومكارم الأخلاق .

إلى وصف شعري لظواهر الحياة .

وغير ذلك من شتّى المناحي المتجلّية في ( نهج البلاغة ) بأرقى المظاهر ، والإمام نراه الإمام في كلّ ضرب من ضروب الاتّجاه ، وعبقرية الإمام ظاهرة التفوّق على الجميع ، بينما نرى أفذاذ الرجال يجدون في أوجه الكمال فلا يبلغونه إلاّ من الوجه الواحد .. .

19 ـ وقال العلاّمة الجليل الشيخ هادي آل كاشف الغطاء النجفي المتوفّى بها سنة 1361 ه‍ـ في كتابه ( مستدرك نهج البلاغة ) المطبوع سنة 1354 ه‍ـ ، ص 3 :

إنّ نهج البلاغة من كلام مولانا أمير المؤمنين ، وإمام الموحّدين ، باب مدينة العلم ، علي بن أبي طالب عليه السلام ، من أعظم الكتب الإسلامية شأناً ، وأرفعها قدراً ، وأجمعها محاسن ، وأعلاها منازل ، نورٌ لمَن استضاء به ، ونجاة لمَن تمسّك بِعُرَاه ، وبرهان لمَن اعتمده ، ولُبّ لمَن تدبّره ، أقواله فَصْل ، وأحكامه عَدْل ، حاجة العالم والمتعلّم ، وبُغْيَة الراغب والزاهد ، وبُلْغَة السائس والمسوس ، ومُنْيَة المحارِب والمسالِم ، والجندي والقائد .

فيه من الكلام في التوحيد والعدل ، ومكارم الشِيَم ، ومحاسن الأخلاق ، والترغيب والترهيب ، والوعظ والتحذير ، وحقوق الراعي والرعية ، وأصول المدنيّة الحقّة ، وما ينقع الغلّة ، ويزيل العلّة ، لم تُعرف المباحث الكلاميّة إلاّ منه ، ولم تكن إلاّ عيالاً عليه ، فهو قدوةُ فَطَاحِلِهَا ، وإمام أفضلها .

20 ـ وقال الأستاذ عبد الوهاب حمّودة ، أستاذ الأدب الحديث بكلّيّة الآداب بجامعة فؤاد الأوّل ، في مقال له حول نهج البلاغة نشره في مجلّة : ( رسالة الإسلام ) الصادرة عن دار التقريب بمصر ، في عددها الثالث من سنتها الثالثة ، شهر رمضان سنة 1370 هـ‍ ، تحت عنوان : ( الآراء الاجتماعية في نهج البلاغة ) فقال :

لسنا بصدد تحقيق نسبة كتاب ( نهج البلاغة ) إلى الإمام علي رضي الله عنه ، أو إلى جامِعِه الشريف الرضي ، فإنّ لذلك مجالاً غير هذا ، غير أنّه ممّا لا شك فيه عند أحد من أدباء هذا العصر ، ولا عند أحد ممّن تقدّمهم في أنّ أكثر ما تضمّنه ( نهج البلاغة ) هو من كلام أمير المؤمنين رضوان الله عليه ، وعلى ضوء هذا الرأي نحن ننظر في الكتاب فنبحث في مطاويه ، ونمتّع الذهن بأسرار معانيه ، ونستخرج منه الآراء الناضجة الاجتماعية ، والأفكار الخالدة الإنسانية ، وإنّ الباحث ليتملكه الدهش حين يرى لأدب آل البيت جميعاً سِمات خاصّة وخصائص متمايزة ، لا فرق في ذلك بين رجالهم ونسائهم وخطبائهم وشعرائهم ، فإنّ لأدب كلّ جماعة سمات تُستمدّ من وجداناتهم ، وصدق عواطفهم ، ونُبْل مقاصدهم ، ودقّة مشاعرهم ، فمِن سمات أدب آل البيت صدق العاطفة ، وجزالة الأسلوب ، وسموّ المقصد ، وحرارة العبارة ، وقوّة الإيمان ، ورسوخ العقيدة ، وتوقّد الوجدان .

ولا عجب في ذلك ؛ فإنّ الأدب ينهض في عصور المشادّة لا عصور اللين والأمن ، وإنّ عصور الأمن عصور طراوة ودعة لا تحفّز النفوس ، ولا تستثير قواها الكامنة ، وعلى النقيض من ذلك عصور المشادّة والجهاد التي تحرّك أعمق أعماق النفوس وتُثير كلّ تيّاراتها ، وتبتعث رواقدها ، لِمَا تتطلّبه طبيعة العِرَاك من استمداد كلّ قوّة ، وإفراغ كل جهد . إنّ الاضطهاد العنيف لم يترك في أدب آل البيت أنيناً وشكوى ، ولا بكاءً ولا عويلاً ، وإنّما ترك قوّة صامدة ، وتحقيراً لأمر الدنيا ، وإعظاماً للجهاد ، وإكباراً للتضحية .

ولم يكن لآل البيت أسلوب قوي فحسب ، بل كانت معانيهم أيضاً قويّة ، فقد اصطبغتْ هذه المعاني بالمثل الأعلى للإيمان والعقيدة ، فاكتسبتْ رونقاً وجلالاً ، وعظمةً وجمالاً ، ولا غرو ، فقد قدّموا في سبيل هذه العقيدة أغلى ما يمكن أنْ يقدّمه إنسان قرباناً لعقيدة ، وهي أنفسهم الزكية ، وأرواحهم الطاهرة ، أليس يقول الإمام رضي الله عنه : ( لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِينَاهُ وَإِلاّ رَكِبْنَا أَعْجَازَ الإِبِلِ وَإِنْ طَالَ السُّرَى ) .

وقد اجتمع له رضي الله عنه في كتاب ( نهج البلاغة ) ما يجتمع لكبار الحكماء ، وأفذاذ الفلاسفة ، ونوابغ الربّانيين من آيات الحكمة السامية ، وقواعد السياسة المستقيمة ، ومن كل موعظة باهرة ، وحجّة بالغة ، وآراء اجتماعية ، وأسس حربية ، ممّا يشهد للإمام بالفضل وحسن الأثر .

فأنت واجد في خطبه ووصاياه رضوان الله عنه ملتقى العاطفة المشبوبة والإحساس المتطلّع إلى الرحمة والإكبار ، فقد كانت حياته وحياة أبنائه سلسلة من الجهاد والصراع والاضطهاد والجلاد ، فكان رضي الله عنه شجاعاً في غير بَغْي ، قويّاً في غير قسوة ، سليم الصدر من الضغن والحقد ، برئ النفس من حبّ الانتقام والغرور ، لا يتكلّف ولا يحتال على أنْ يتكلّف ، بل كان يقول : ( شَرُّ الإِخْوَانِ مَنْ تُكُلِّفَ لَهُ ) .

وكان لا يعرف غير طريق واحدة هي طريق الصراحة التي تكشف عن قرارة نفسه ، فهو في طلب الحق لا تلين قناته ، ولا تأخذه فيه هوادة ، وهو يربأ بنفسه أنْ يستهوي الأفئدة بالمداجاة والمقاربة وبذل العطاء كما كان يفعل سواه .. .

21 ـ وقال الدكتور صبحي الصالح في ما كتب يأذن في طبع نهج البلاغة بتحقيقه (8) :

وإنّي بدوري وبوصفي محقِّقاً للكتاب ، وشارِحاً له ، وضابِطاً لنصّه : أرى أنّ نهج البلاغة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يجب أنْ يُطبع ، ويُنشر ، ويُوزّع في جميع أنحاء العالم ، ليستفيد منه الجيل المسلم الجديد ؛ من أجل هذا أرى لِزَاماً علي أنْ أشكر أصدقائي الأعزّة من العلماء العاملين في مركز البحوث الإسلامية في قم لنهوضهم بهذا الواجب في إيران المسلمة العريقة في إسلامها .. .

22 ـ وقال العلاّمة الشيخ عزيز الله العطاردي الخراساني القوجاني ، نزيل طهران اليوم ، في مقدّمته لمنهاج البراعة (9) وهو يتحدّث عن نهج البلاغة :

هذا الكتاب الشريف أشرف الكتب بعد كلام الله تعالى وكلام رسوله صلّى الله عليه وآله ، وهو دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين ، وأفضل الكلام وأفصحه وأنفعه وأرفعه ، وهذا واضح لمَن تأمّل في الكتاب ، وتفكّر في ألفاظه ومعانيه .

نهج البلاغة كتاب يشتمل على المعارف الإلهية ، والأسرار النبوية ، والأحكام الإسلامية ، والقواعد السياسية ، يستفيد منه الحكيم الإلهي ، والفقيه الربّاني ، والواعظ الصمداني ، والمصلح السياسي ، وفيه آداب الحرب وتنظيم العساكر والجيوش ، وردتْ فيه مواعظ شافية للمتّعظين ، وآداب للعارفين ، وترغيب للعابدين ، وتحذير للمنافقين ، وتخويف للأمراء والسلاطين ، وإرشادهم في الحكم وبسط العدل للمسلمين ، وكظم الغيظ والعفو عن المجرمين .

مَن نظر في نهج البلاغة وتعمّق في خطبه ورسائله يرى نفسه مع خطيب وأمير إلهي :

تارة يتكلّم في التوحيد ، ويبحث عن أسرار الكائنات ، ويكشف غوامض المسائل ، ويشرح مكنون العلم .

وتارة يتكلّم عن النبوّة وصفات الأنبياء عليهم السلام والأولياء .

وأخرى يتكلّم عن العباد والزهّاد وصفات المتّقين .

وآونة عن فنون الحرب والجهاد مع الأعداء في الغزوات ومقارعة الأبطال ومصارعة الشجعان .

وحينا يعظ الناس ويحذّرهم من الدنيا وزينتها ، ويرغّبهم في الآخرة ونعيمها .

 ــــــــــــــــــــ

* اقتباس من مجلّة : تراثنا ، الصادرة عن مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث .

(1) قال الشريف الرضي رحمه الله بعد هذا الكلام : هذا الكلام لو وزن بعد كلام الله سبحانه وبعد كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله بكل كلام لمال به راجحاً ، وبرز عليه سابقاً .
فأمّا قوله عليه السلام :
( تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا .. ) فما سُمع كلام أقل منه مسموعاً ، ولا أكثر محصولاً ، وما أبعد غَوْرها من كلمة ! وأنقع نطفتها من حكمة ! وقد نبّهنا في كتاب : ( الخصائص ) على عظم قدرها وشرف جوهرها .

(2) ما هو نهج البلاغة ، ص 5 .

(3) نُشر أوّلاً باللغة الفرنسية في مجلّة ( التعليم ) ، ثمّ نُشر بالعربية في مجلّة المجمع العلمي السوري ، في المجلّد الخامس ، العدد الثاني ، ص 80 .

(4) مجلّة المجمع العلمي السوري ، المجلّد 18 ، ص 270 .

(5) نشرت هذه المئة كلمة ـ اختيار أمين نخلة ـ في مطبعة العرفان بصيدا ، سنة 1349 = 1930 .

(6) ما هو نهج البلاغة ، للسيد هبة الدين الشهرستاني : 3 .

(7) يقول ذلك الثعالبي في شأن الشريف الرضي .

(8) نشر بتصوير خطّه في مقدّمة الطبعة الأولى لنهج البلاغة في إيران بتحقيق الدكتور صبحي الصالح ، من إصدارات مركز البحوث الإسلامية في قم سنة 1395 ه‍ـ .

(9) في شرح نهج البلاغة ، لقطب الدين الراوندي المتوفّى سنة 573 ه‍ـ ، وقد طبعه بالهند سنة 1404 هـ‍ .