المقدمة

بالرغم من اعتقادنا بأنّ القرآن الكريم أعظم هدية إلهية لبني البشر ، وأنفس تراث خلّفه النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) بين المسلمين ، فإنّ الأمّة الإسلامية ما أبدت ولا تبدي اهتماماً للانتفاع من هذا التراث العظيم .

فبعد وفاة النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) عاش المجتمع الإسلامي محروماً من التمسك بهذا الحبل الإلهي المتين ، بالرغم من تأكيداته ( صلّى الله عليه وآله ) الكثيرة بوجوب الرجوع إلى القرآن ، والعمل به باعتباره الثقل الأكبر ، وتعلّم علوم القرآن عن أهل البيت ( عليهم السلام ) باعتبارهم الثقل الأصغر ، وبالنتيجة فقد أُقصي المجتمع الإسلامي عن موقعه الحقيقي الذي بشّر به القرآن بقوله : ( وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ ) (1) ، واليوم لا مفرّ من الاعتراف بالحقيقة المرّة من أنّ المجتمع الإسلامي قد تجرّع خسائر لا تُعوّض ؛ بسبب ابتعاده عن حقيقة القرآن وعلوم أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ولكن رغم ابتعاد المسلمين عن حقيقة القرآن ، وغربة هذه الجوهرة السماوية والهبة الرحمانية ، فإنّ الاهتمام بظاهره لاقى رواجاً وازدهاراً جيداً بين الفينة والأخرى في أوساط المسلمين .

إنّ عامة المسلمين يعرفون القرآن كتاباً مقدّساً وسماوياً ، نزل على القلب المبارك للنبي ( صلّى الله عليه وآله ) في ليلة القدر ، وهم يكنون له الإجلال ، فاليوم احتلت طباعة القرآن الكريم بورق من النوع الممتاز ، وتجليدات مذهّبة ، وتلاوته وحفظه ، والإلمام بالعلوم التي تتناول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) آل عمران : 139 .

 

الصفحة 10

ظواهر القرآن من قبيل التجويد وما شابه ذلك ، مكانةً متميزةً في ثقافة المسلمين ونشهد بين الحين والآخر إقامة مسابقات حفظ وقراءة القرآن الكريم في البلدان الإسلامية وعلى مستوى دولي ، وهذا بحد ذاته موضع استبشار .

ولا يخفى أنّ ازدهار القرآن الكريم في سائر البلدان الإسلامية مدين إلى حدّ كبير للإمام الخميني ( رحمه الله ) ، وانتصار الثورة الإسلامية في إيران ، فبعد بيان الإمام الخميني ( رحمه الله ) حول إدارة الحرمين الشريفين من قِبل مجلس يضم الدول الإسلامية ، بادرت السعودية إلى إعمار وتوسيع الحرمين الشريفين ، والى جانب ذلك قامت بطبع ونشر المصحف وإهدائه إلى الحجّاج من البلدان الإسلامية ؛ للإيحاء من خلال ذلك بأنّها السبّاقة في التبليغ للإسلام والقرآن ، ولتحول دون اهتمام الشعوب والبلدان الإسلامية بإيران الإسلام .

على أية حال ، إنّ الاهتمام بظاهر القرآن والابتعاد عن حقيقته ، من أعظم المشاكل التي ما فتئت الشعوب الإسلامية تتلقى الضربات التي لا يمكن تلافيها بسببها ، فمن الواضح أنّ المسلمين ما لم يتجاوزوا ظاهر القرآن إلى باطنه ، ولم ينتقلوا من القول إلى العمل لا تتحقق هداية القرآن بحقهم .

إنّ هذا الكتاب ليس بصدد البحث في أسباب ابتعاد المسلمين عن حقيقة القرآن والعترة بعد وفاة النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) ، فما ورد في هذا الكتاب تجلّيات من حقيقة القرآن في منظار نهج البلاغة ، وعلى لسان القرآن الكريم نفسه ، فيعرف الباحث القرآن ويتعرف على عظمته من خلال منظار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، كما جرى التطرّق لبعض الشبهات التي تثار من قبل بعض المعاندين والرد عليها ، وفي الختام تمّ وعلى لسان القرآن الناطق أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) بيان الأسباب والدوافع الشيطانية وراء إثارة مثل هذه الشبهات .

جدير بالذكر أنّ موضوعات هذا الكتاب هي في الحقيقة عدة محاضرات ألقاها الصفحة 11

سماحة آية الله مصباح اليزدي في مدينة قم خلال شهري رمضان للعامين 1377 و 1378 هـ . ش . من هنا فقد تركّز السعي على أن لا تحدث نقيصة أو زيادة أو تغيير في المطالب التي أدلى بها الأستاذ قدر الإمكان ، وجرى العمل فقط لتقريب لغة الحديث إلى لغة الكتابة إلى حدّ ما ؛ لذلك من الطبيعي أن لا ترى تلك الدقة المتعارف عليها في التحرير والتنقيح بشكل تام ومِئة بالمِئة في هذا الكتاب .

وفي الختام نتقدم بالشكر للمحقّق الجليل سماحة حجة الإسلام محمدي الذي قام بتحرير هذا الكتاب ، وكذلك سماحة حجة الإسلام نادري الذي تولّى أمر التنقيح ، سائلين البارئ المنّان المزيد من التوفيق .

 

مركز إصدارات مؤسسة الإمام الخميني ( رحمه الله ) للتعليم والبحث

 

 

الصفحة 12

 

الصفحة 13

 

 

الفصل الأَوّل

منزلة القرآن في المجتمع الديني

 

الصفحة 14

 

الصفحة 15

 

القرآن الكتاب السماوي الوحيد بين يدي الإنسان

لو أردنا التطرّق لكل ما جاء حول القرآن في نهج البلاغة فإنّ البحث يطول كثيراً ، فلقد تناول الإمام علي ( عليه السلام ) في أكثر من عشرين خطبة في نهج البلاغة وصف القرآن ومنزلته ، وقد يختص أكثر من نصف خطبة أحياناً لبيان منزلة القرآن ودوره في حياة المسلمين ، وواجبهم إزاء هذا الكتاب السماوي ، ونحن نكتفي هنا بتوضيح بعض توصيفات نهج البلاغة بشأن القرآن الكريم .

يقول الإمام علي ( عليه السلام ) في الخطبة 133 : ( وَكِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطِقٌ لا يَعْيَى لِسَانُهُ ) ، فالقرآن في متناولكم وأمامكم ، وعلى العكس من الكتب السماوية لسائر الأديان من قبيل كتاب النبي موسى والنبي عيسى ( عليهما السلام ) فإنّ القرآن بين أيديكم ، وحري القول إنّ الكتاب المقدس لم يكن في متناول عامة الناس في الأُمم السابقة ، لا سيما يهود بني إسرائيل ، بل كانت هنالك نسخ معدودات من التوراة موجودة عند علماء اليهود ، ولم يكن بمقدور عامة الناس مطالعة التوراة .

وكان الوضع وما زال أكثر مدعاة للقلق فيما يخص كتاب النبي عيسى ( عليه السلام ) ؛ لأنّ ما يعرف اليوم بالإنجيل في أوساط المسيحيين ليس بذلك الكتاب الذي نزل على النبي عيسى المسيح ( عليه السلام ) ، بل هي مضامين جُمعت على أيدي أشخاص ، وعرفت بالأناجيل الأربعة ، وعليه فإنّ الأمم السابقة كانت محرومةً من الوصول إلى الكتب السماوية ، لكن الوضع مختلف بشأن القرآن ، فلقد كانت كيفية نزول القرآن وقراءته وتعلّمه من قِبل

 

الصفحة 16

النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) بنحو كان الناس يستطيعون تعلّمه وحفظ آياته ، وأن يكون القرآن في متناولهم بشكل كامل .

من الخصائص المهمة الأخرى لهذا الكتاب السماوي ، هي أنّ الله سبحانه وتعالى مَنَّ على الأمّة الإسلامية ، وتعهد بنفسه الحفاظ على القرآن الكريم من أي خطر ، بالإضافة إلى أنّ النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) اهتم بتعليم المسلمين القرآن ، وحفظ آيات الله ، بحيث أنّ عدداً كبيراً من المسلمين كانوا على عهد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) حفّاظاً للقرآن ، ويحتفظون بنسخ الآيات التي كانت تنزل تواً ، ويقومون بحفظها تدريجياً ، فكان القرآن يصبح في متناول الجميع عن طريق استنساخ هذه النسخ ، أو تناقلها من صدر حافظ إلى صدر حافظ آخر .

يقول علي ( عليه السلام ) : ( كِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ) ، أي كتاب الله فيما بينكم وفي متناولكم ، ( نَاطِقٌ لا يَعْيَى لِسَانُهُ ) ، من المناسب التركيز والتأكيد على هذه العبارة ؛ إذ يصرّح ( عليه السلام ) أنّ هذا الكتاب ناطق لا يعتري لسانه التعب ، فلا يملّ من الكلام ولا يتلكأ ، إنّه بناء لا تهتز أركانه ، وظافر لا تُهزم أعوانه .

 

حديث القرآن

من ناحية يقول الإمام علي ( عليه السلام ) في نهج البلاغة واصفاً القرآن : إنّه كتاب ناطق يتكلم ولا يعيى من الكلام ، وهو يتحدث ويدلي بكلامه بكل وضوح ، ومن ناحية أخرى يقول إنّ القرآن ليس ناطقاً ويجب استنطاقه ، وأنا الذي أُبيّن القرآن لكم ، وجاء في بعض العبارات أحياناً أنّ القرآن ( صامت ناطق ) (1) فما معنى هذا الكلام يا ترى ؟

يبدو أنّ هذه العبارة تبيّن نظرتين مختلفتين لهذا الكتاب السماوي ، فرؤية فيها القرآن كتاب مقدّس لكنّه صامت منزوي لا يكلم أحداً ولا لأحد علاقة به ، وفي رؤية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 147 ، جدير بالذكر أنّ كافة الهوامش المذكورة في هذا الكتاب عن نهج البلاغة تستند إلى نهج البلاغة لفيض الإسلام .

 

الصفحة 17

أخرى كتاب ناطق يوجّه خطابه لجميع الناس يدعوهم لاتّباعه ، ويبشّر أتباعه بالسعادة والفلاح .

من البديهي أنّ القرآن الذي صفته التقدّس فقط ، هو كلمات وعبارات وآيات مسطورة على الورق ، يوليه المسلمون احتراماً ، ويقبّلونه ويضعونه في أفضل مكان من بيوتهم ، وقد يتلونه في المجالس أحياناً دون أن يتوجّهوا إلى حقيقته ومعناه ، إذا ما نظرنا إلى القرآن بهذه النظرة فهو كتاب صامت لا يتحدث بصوت مسموع ، ومَن يمتلك مثل هذه النظرة لن يسمع كلام القرآن ، ولن يعالج القرآن الكريم له مشكلة .

بناءً على هذا نحن مكلّفون بالتزام الرؤية الثانية ، أي أن نعتبر القرآن كتاب الحياة ، ونعدّ أنفسنا لسماع كلام القرآن الكريم ، الذي يمثّل بأسره تعاليم الحياة ، وذلك من خلال خلق روح التسليم أمام الله سبحانه وتعالى ، وفي مثل هذه الحالة يكون القرآن ناطقاً يحدّث الناس ويهديهم في كافة المجالات .

بالإضافة إلى هذا التفسير الذي قدّمناه لصمت القرآن ونطقه ، ثَمّة معنى أكثر عمقاً لهذا الأمر ، وذلك المعنى هو ما يقصده علي ( عليه السلام ) ، وعلى أساس هذا المعنى الخاص يقول ( عليه السلام ) إنّ القرآن صامت ويجب استنطاقه ، وأنا الذي أُبيّن لكم القرآن ، وها نحن نتطرق لتوضيح صامتية القرآن وناطقيته بالمعنى الثاني ، وهو في الحقيقة بيان لمعناه الحقيقي :

بالرغم من أنّ القرآن الكريم كلام الله جلّ وعلا ، وأنّ حقيقة هذا الكلام الإلهي وكيفية صدوره ونزوله ليست معروفة لدينا ، ولكن بما أنّ الغاية من نزوله هداية الناس ، فإنّ هذا الكلام الإلهي قد تنزّل بحيث أصبح على هيئة كلمات وعبارات وآيات ، يتسنى قراءتها وسماعها بالنسبة للبشر ، ولكن في نفس الوقت ليس الأمر بأن تكون مضامين جميع آياته يسيرة الفهم والمنال بالنسبة للعاديين من الناس ، ويصبح بمقدور الناس أنفسهم بلوغ مقاصد الآيات دون تفسير وبيان من قِبل النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، والأئمة

 

الصفحة 18

المعصومين ( عليهم السلام ) ، والراسخين في العلم ، منها على سبيل المثال تفصيل وبيان جزئيات الأحكام الواردة في القرآن ، وكذلك هنالك آيات مجملة في القرآن الكريم تحتاج إلى بيان وإيضاح .

 بناءً على هذا ، فالقرآن صامت في الكثير من الأبعاد ، أي ليس من السهل الاستفادة منه بالنسبة لعوام الناس دون تفسير وبيان ممّن له ارتباط بالغيب وملمّ بالعلوم الإلهية .

 

النبي وبيان القرآن

من واجبات النبي ( صلّى الله عليه وآله ) إزاء الأمّة بيان آيات الله ، يقول القرآن الكريم مخاطباً النبي ( صلّى الله عليه وآله ) : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ ) (1) أي أنّنا أنزلنا إليك القرآن وواجبك أن تقرأه على الناس ، وتبيّن لهم معارفه ؛ لأنّه وكما تقدمت الإشارة القرآن كلام الله ، ورغم أنّه تنزّل كثيراً حتى ظهر بصورة كلمات وآيات ، وأصبح في متناول المسلمين ، لكن معارفه من العمق بحيث يتعذر فهمها كثيراً بالنسبة للعاديين من البشر ؛ لذلك فإنّ القرآن من هذه الناحية صامت عند البسطاء من الناس ، ويحتاج إلى تفسير وبيان النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) . وعلى هذا الأساس خاطب الله سبحانه نبيه قائلاً : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ ) .

بناءً على هذا أنّ لآيات القرآن تفسيرها الخاص بها ، وهذا التفسير وبيانه وعلومه عند النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) ، وهم بدورهم قد وضعوا معارف القرآن بين أيدي المسلمين ، وأسمعوا الناس بلاغ القرآن .

 إذن ، القرآن بهذا المعنى ناطق ، والنبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) قاموا ببيان علوم القرآن ، ولكن ينبغي الانتباه إلى أنّ القرآن يدلي بحديثه بمنأى عن ميول مخاطبه ، سواء كان مطابقاً لمنى قلب الإنسان أو مخالفاً لهواه ، ولا يحق لشياطين الإنس أن يفرضوا رغباتهم على القرآن ، ويفسّروا كلام الله بآرائهم تحت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النحل : 44 .

 

الصفحة 19

عنوان فهمهم الخاص عن القرآن ، وفي المستقبل سوف نتحدث بالتفصيل بهذا الصدد .

في ضوء كلا المعنيين اللذَينِ جرى بيانهما عن صامتية القرآن وناطقيته يقول علي ( عليه السلام ) : ( ناطقٌ لا يعيى لسانُه ) ، فالقرآن ناطق لا يكلّ من الحديث ، ويُسمع الناس رسالته ، ويتم الحجة على المسلمين .

في هذا المقطع من الكلام هكذا يصف علي ( عليه السلام ) القرآن بأنّه كلام الله بينكم ، وبلسان ناطق وبليغ يدعو الناس إلى الفلاح ويبشّر أتباعه بالسعادة ، ولا يتعب عن أداء رسالته أبداً .

يقول ( عليه السلام ) في الخطبة 157 واصفاً القرآن الكريم : ( ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَلَنْ يَنْطِقَ ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ ، أَلا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي ، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ ) ، فهذا القرآن فاطلبوه ليُحدّثكم ، وهو لن يتحدث دون بيان وتفسير من النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والإمام المعصوم ( عليه السلام ) ، فيجب أن تتعرفوا على معارف القرآن عن لسان النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والإمام المعصوم (عليه السلام) ، وتأخذوا علوم القرآن منهم .

إنّ القرآن بحر المعارف والعلوم الإلهية ، ولا يقوى على سير أغوار هذا البحر اللجّيّ المترامي الأطراف ، واقتناص جواهره التي تصنع الإنسان ، إلاّ الذين هم على ارتباط بغيب عالم الوجود ، وقد دعا الله عزّ وجلّ الناس لشق طريقهم نحو معارف القرآن السامية ، مستعينين بألطاف النبي ( صلّى الله عليه وآله ) وأئمة الهدى ( عليهم السلام ) ، ومستلهمين من علوم أهل البيت وإمداداتهم وإرشاداتهم ؛ لأنّ علوم القرآن عند أهل البيت ، وبالتالي فإنّ كلامهم كلام القرآن ، وبما أنّ الأمر كذلك فإنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله ) وأهل البيت ( عليهم السلام ) هم القرآن الناطق .

على هذا الأساس الآنف الذكر يقول ( عليه السلام ) : ( ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ) ، هذا القرآن وهؤلاء أنتم ، فانظروا أنّكم عاجزون عن الانتفاع بالقرآن دون بيان من الإمام المعصوم ( عليه السلام ) ! فالإمام المعصوم هو الذي يتعيّن أن يفسّر القرآن ويبيّنه لكم ، ويطلعكم على معارف القرآن وعلومه .

 

الصفحة 20

بإيراده لهذه المقدمة يُلفت ( عليه السلام ) الانتباه إلى القرآن من زاوية أخرى ، ويدعو الناس إلى الرجوع إلى القرآن والتدبر به إذ يقول ( عليه السلام ) : الآن حيث الإمام المعصوم هو الذي يجب أن يبيّن للمسلمين علوم ومعارف القرآن ، والقرآن بنفسه لا يتحدث والناس عاجزون عن تلقّي البلاغات الإلهية مباشرة ، فأنا الآن : أخبركم عنه ، أنا أخبركم عن القرآن وأطلعكم على علومه ومعارفه ، فاعلموا أنّ في القرآن الكريم كل ما تحتاجونه : ( أَلا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي ، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ  ) ، فعلم الماضي والمستقبل في القرآن ، وعلاج آلامكم وتنظيم أموركم في القرآن ، وأنتم الذين يجب أن تتولوا تنظيم أموركم ، مستعينين بالقرآن الكريم ، وبعلوم أهل البيت ( عليهم السلام ) .

 

تذكير بأمرين:

1 ـ القرآن أهم وثيقة تاريخية بالنسبة للمسلمين وأتباع هذا الكتاب السماوي ؛ نظراً لأنّ القرآن يتحدث عن الوقائع التاريخية ، ويبيّن أفكار وعقائد الأقوام والأمم السالفة ونمط حياتهم ، فهو أغنى وثيقة تاريخية ، وإذا ما قورن بالكتب والمصادر التاريخية التي تفتقد السند القرآني ، فهي ليست تضاهي القرآن بقيمتها واعتبارها وإن رويت بصورة متواترة ، إذن ينبغي الاستماع إلى أخبار الماضين وقصص الأنبياء والأقوام السالفة ، والاتعاظ بها عن طريق القرآن .

علينا نحن من خلال الرجوع إلى القرآن ، واستقراء قصص الأقوام والأمم السابقة ، استلهام العبر منها وأن ننظّم حياتنا على أساس الحق والمنهج الصحيح .

2 ـ إنّ القرآن الكريم بالإضافة إلى نقله تاريخ الماضين إلينا ، ومن خلال بيانه للوقائع التي جرت عليهم ، يضعنا في أجواء حياتهم ، ويدعونا لأن نستلهم العبر والدروس ، فهو يخبرنا عن المستقبل أيضاً ، فمن البديهي أنّ الحديث العلمي واليقيني عن المستقبل ليس شأن أحد غير الله سبحانه وتعالى ، والذين يمتلكون العلم بالمستقبل بإذنه جلّ وعلا .

الصفحة 21

إنّ الله هو الذي لا معنى للمستقبل والماضي والحاضر بالنسبة إليه ، وبإمكانه الحديث عن المستقبل والإخبار به ، وهو القادر على توضيح الطريق لعباده كيف يعملون ليبلغوا السعادة ، إنّه القرآن الذي يخبر بما مضى وما سيأتي ويطلع البشر به ؛ لذلك يقول ( عليه السلام ) : ( أَلا إنّ فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي ) . أي اعلموا أنّ في القرآن الكريم علم ما يأتي وما مضى .

 

 

دور القرآن في الحياة

يصف علي ( عليه السلام ) القرآن بأنّه مفتاح لعلاج جميع المشكلات فيقول ( عليه السلام ) في وصفه : ( ودواء دائكم ونظم ما بينكم ) ، ففي القرآن دواء لآلامكم والسبيل لحل مشكلاتكم وتنظيم أموركم ، إنّ القرآن دواء فيه شفاء لجميع الأمراض ، وبوجود القرآن تتلاشى الآلام والمتاعب ، فلابد من قراءة هذه الوصفة التي فيها الشفاء ، ومطالعتها بدقة والتعرف على سبيل علاج الأدواء ، والمشكلات الفردية والاجتماعية .

من البديهي أنّ الكلام عن العلاج قبل الشعور بالألم والمشكلة يُعد أمراً خارجاً عن المسيرة الطبيعية ، فلابد أَوّلاً من معرفة الأمراض الفردية والاجتماعية وتشخيصها ، من خلال استقراء الآيات القرآنية الكريمة ، والتدقيق بها ، ومن ثَمّ المبادرة لعلاجها من خلال استخدام هذه الوصفة الشافية .

إنّ في مجتمعنا اليوم الكثير من المشكلات سواء كانت فرديةً أو اجتماعيةً ، والجميع يصبو لإزالتها وبالرغم من تحقّق تقدم ملفت في مختلف المجالات ، فقد بقيت مشكلات جمّة ما فتئ المسؤولون يسعون لعلاجها بأي شكل من الأشكال .

في هذه الخطبة يقول ( عليه السلام ) : ( ودواء دائكم ونظم ما بينكم ) ، فالقرآن وصفة لعلاج دائكم ومشكلاتكم ، وفي الخطبة 189 يعبّر ( عليه السلام ) قائلاً : ( وَدَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ )  أي أنّ القرآن دواء لا يبقى معه داء .

 

الصفحة 22

الأمر الذي ينبغي الالتفات إليه قبل كل شيء هو الإيمان بقول علي ( عليه السلام ) ، أي يجب أن نعتقد بكل كياننا أنّ العلاج الحقيقي لأمراضنا ومشكلاتنا الفردية منها والاجتماعية يكمن في القرآن ، ونحن جميعاً نعترف بهذا الأمر لكن مراتب الإيمان واليقين لدى الناس متفاوتة ، فرغم أنّ هنالك أناساً يعتقدون بكل كيانهم أنّهم إذا ما اقبلوا على القرآن واستعملوا معارفه وإرشاداته ، فإنّ القرآن وصفة شافية لجميع الأمراض ، لكن أمثال هؤلاء نادرون ، ولعلّ من أعظم المشكلات التي يعانيها مجتمعنا هي ضعف الإيمان بهذا الأمر ، وهذا ما أدى إلى أن تبقى الكثير من المشكلات على حالها ، ونتيجةً للجهل أو انحراف الفكر ربّما ينبري أناس لإثارة هذه الفكرة الضالة : من أنّه رغم أنّ القرآن بين أيدينا ونحن ندّعي اتّباعه فلماذا لم تُعالج مشكلاتنا ، وما فتئ الناس يكابدون المصاعب الاقتصادية ، من قبيل التضخم والغلاء ، وآلاف المشاكل الفردية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية ؟ نقدم هنا إيضاحات للرد على هذا التساؤل .

القرآن دليل الخطوط العامة

يبدو أنّه من السذاجة بمكان أن يتوقع أحد أن يقوم القرآن بالحديث عن الأمراض والمشاكل الفردية والاجتماعية ، واحدة واحدة ، كما في الكتب الخاصة بعلاج المشاكل ، ومن يقدّم توضيحاً لعلاجها بالتسلسل ، إنّ للقرآن شأناً بالمصير الأبدي للإنسان ، وهدفه فلاح الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة ، وبهذا الصدد فإنّ القرآن الكريم يقدّم لنا الخطوط العامة ، التي نستطيع من خلال تفعيلها أن نحيى حياة ملؤها السعادة ، فهذه الخطوط العامة مصابيح تؤشّر لنا اتجاه المسير والحركة ، ولكن ينبغي أن ننتبه إلى أنّ الله عزّ وجلّ وضع تحت تصرّف الإنسان وسيلتين ؛ لبلوغ السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة ، وعلاج المشكلات وإقامة المجتمع الحضاري ، وفي نفس الوقت الديني والإسلامي ، أحدهما الدين والآخر العقل .

 

الصفحة 23

إنّ القرآن يوضّح الخطوط العامة لرقي الإنسان وتكامله ، والمجتمع الإسلامي مكلّف بتمهيد الأرضية لتحقيق أهداف القرآن السامية ، وذلك بقوة الفكر والعلم والاستعانة بالتجارب العلمية للإنسان ، والقرآن لا يكتفي بعدم النهي عن الاستعانة بالتجارب العلمية للآخرين ـ حتى غير المسلمين ـ بل يعتبر العلم وديعةً إلهية ويحثّ المسلمين على تعلّمه ، ولغرض ترغيب المسلمين وتشجيعهم على طلب العلم يقول النبي ( صلّى الله عليه وآله ) : ( اطلبوا العلم ولو بالصين ) (1) ، فتعلّموا العلم واستثمروا التجارب العلمية للآخرين ، وإن استلزم تحقّق ذلك قطع طريق طويل جداً ، وبطبيعة الحال أنّ العلاقات الدولية اليوم في غاية التعقيد ، والدول الاستكبارية والقوى السلطوية تحاول من خلال شتى الألاعيب ، ومختلف الوسائل التكنولوجية والاقتصادية ، عبر الاستفادة بشكل عام من نتائج التجارب العلمية للإنسان ، أن تفرض علاقاتها السلطوية ، ولكن يتعيّن علينا أن نستثمر وبذكاء حاد ودون أدنى تراجع عن أهدافنا الإسلامية والقرآنية ، ثمار العلوم البشرية في مختلف الأصعدة في طريق إنعاش الوضع الاقتصادي ، وعلاج المشكلات المعاشية للناس .

بناءً على هذا أنّ القرآن لم يكن وليس بصدد الإجابة على جميع المشاكل الحياتية للإنسان صغيرها وكبيرها ، بل هو يبيّن الخطوط الجوهرية والعامة لسعادة الإنسان وتكامله ، ويدلّ المسلمين عليها ويدعوهم إليها ، وفي هذا المقطع وعلى هامش حديث علي ( عليه السلام ) حول شفاء القرآن نشير إلى أحد الخطوط العامة المستوحاة من القرآن ، ونقدّم إيضاحاً له كأنموذج .

نموذج من الخطوط العامة في القرآن

يقول القرآن الكريم : ( وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَى‏ آمَنُوا وَاتّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار : ج 1 ، ص 177 .

 

الصفحة 24

 

السّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِن كَذّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (1) .

هذه الآية من المحكمات التي لا وجود لأي تشابه فيها ، وتتضمن معنىً صريحاً وجلياً بما لا يدع مجالاً لأي شك وشبهة فيها ، بنحو لا يستشف في هذا الإطار اللغوي أي معنى سوى ما يفهمه كل ناطق له معرفة باللغة العربية ، فدع عنك الضالة أفكارهم  ، والقائلين بالقراءات المتعددة ، والاستنباطات الجديدة ، فلربّما يقولون نحن نفهم من كلمة الليل النهار ونستشف من التحجّب العري ! وإنّني أذكّر بأنّنا سوف نتحدث بالتفصيل في المستقبل عن ( القراءات المتعددة للدين ) .

إنّ هذه الآية تبيّن أحد الخطوط العقائدية العامة ، وتقدّم في نفس الوقت السبيل لعلاج المشاكل الاقتصادية والسبيل لإزالة المصاعب المعاشية ، وشرح هذه الآية هو : لو أنّ أهل القرى على هذه الكرة الأرضية آمنوا والتزموا التقوى ، لفتحنا عليهم بركات السموات والأرض ، لكنّهم لم يلتزموا التقوى وكفروا وجحدوا بنعم الله ، فكانت النتيجة أنّهم ابتلوا بصنوف المشكلات والابتلاءات .

بناءً على هذا أنّ القرآن الكريم يرى بكل صراحة أنّ تحقق التنمية الاقتصادية ، والانتعاش في حياة المؤمنين ، وإزالة المصاعب الاقتصادية ، ونزول النعم ، ونزول بركات السماء والأرض بشكل عام ، رهن بالإيمان والتقوى ، وفي المقابل يصف كفران النعم الإلهية وجحودها سبباً في زوال النعم ونزول الابتلاءات وأنواع الشدائد ، وعرفان قدر النعمة وشكرها مدعاة لزيادتها وكفران النعمة سبباً للعذاب ، يقول القرآن : ( لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (2) وهنا نشير إلى إحدى النعم الإلهية الكبرى ، التي عمّت الشعب الإيراني العظيم نتيجةً لاتّباعه القرآن الكريم ، ونبتهل إلى الله جلّت عظمته أن يمنّ على الشعب بتوفيق شكرها ، ونعوذ بذاته القدسية أن تُسلب هذه النعمة الكبرى منا نتيجةً لكفرانها .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأعراف : 96 .

(2) إبراهيم : 7 .

 

الصفحة 25

تجلّي العطاء الإلهي في قيام الحكومة الإسلامية

كلنا يصدّق بأنّ من أعظم طموحاتنا نحن المسلمين بعد استشهاد الإمام علي ( عليه السلام ) أن تكون لنا حكومة عادلةً ، تستند إلى الوحي والأحكام الإلهية ، فلقد كان أجدادنا وأسلافنا يحلمون بإقامة مثل هذه الحكومة ، وبينما كانوا يعيشون تحت نير الملوك وسلاطين الجور في أجواء يشوبها الاضطراب ، دون أن يكون لهم دور يذكر في شؤونهم الاجتماعية ، كان قيام حكومة إسلامية بمثابة حلم بعيد المنال بل ومستحيل .

بعد مرور ألف وأربعمِئة عام ، وفي هذا المقطع التاريخي ، ونتيجة لتمسّك الشعب المسلم في إيران بالقرآن الكريم ، وقيادة الولي الفقيه ، ونائب الإمام المعصوم ( عليه السلام ) له ، مَنَّ الله تبارك وتعالى على الشعب الإيراني بواحدة من أعظم نعمه أي الحكومة الإسلامية .

من الطبيعي أنّنا لسنا بصدد تبرير النواقص والعيوب والأفعال ، بل ما هو موضع تأكيد هنا هو أصل قيام هذا النظام المقدس لتطبيق الأحكام الإلهية يعتبر من النعم الإلهية .

إنّ ما يثير الاهتمام الآن وبعد مضي عشرين عاماً على انتصار الثورة ، وما يضاعف من هاجس الحريصين على الثورة وحراس القيم الدينية والأخلاقية ، هو أن يفقد المجتمع إيمانه وتقواه ، وتأخذ قيمه الثورية والدينية بالاضمحلال تدريجياً ، وبالتالي يفلح أعداء الإسلام وإيران في تنفيذ مخططاتهم في إطار الغزو الثقافي ، ويتسلّطون مرةً أخرى على الشعب الإيراني المسلم بفصلهم الجماهير ولا سيما جيل الشباب عن القيم الدينية والثورية .

ربّما يتبادر هذا السؤال هنا وهو ما العمل لكي تُصان القيم العقائدية والدينية للمجتمع ، وبالتالي يفشل العدو في تمرير مخططاته من ناحية ، ولنتغلب على جميع المشكلات من ناحية أخرى ؟

في المقطع موضع البحث من الخطبة 157 من نهج البلاغة يلفت علي ( عليه السلام ) الاهتمام إلى هذا الموضوع ، ويصف طريق علاج المشكلات الفردية والاجتماعية بالرجوع إلى القرآن والعمل بتعاليمه .

 

الصفحة 26

علاج المشكلات الاجتماعية في ظل اتّباع القرآن

إنّ كلام علي ( عليه السلام ) بهذا الخصوص يمثّل وجهاً آخر لكلام نبي الإسلام الأعظم ( صلّى الله عليه وآله ) حيث قال : ( إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ) (1) فحيثما خيّمت على مجتمعكم الاضطرابات والهواجس ، والمشكلات والفوضى ، والفتن كقطع الليل الحالك ، ولم تصلوا إلى سبيل لعلاج مشكلاتكم فعليكم الرجوع إلى القرآن ، فاجعلوا توجيهاته المخلّصة مِلاكاً للعمل .

إنّ تعاليم القرآن تحيي في القلوب روح الأمل والتغلب على المصاعب ، وتهبها السعادة والفلاح ، وتنقذ البشر من اليأس والإحباط .

من الطبيعي أنّ كل انتصار رهن بإرادة وسعي البشر ، وبناءً على هذا إذا ما أردنا أن نحافظ على استقلالنا وحريتنا وحكومتنا الإسلامية ، ونكون في أمان من كل مؤامرة وفي ظلال الله سبحانه وتعالى ، فلا سبيل سوى العودة إلى الله وأحكام القرآن ، والتوبة عن حالات الكفران وانتهاك الحرمات ، التي بدرت من بعض المنبهرين بالغرب إزاء القيم الدينية .

من السذاجة بمكان إذا ما تصورنا أنّ القوى الاستكبارية تتفق مع مسؤولي نظام الجمهورية الإسلامية في أصغر قضية ، تصب لصالح الشعب الإيراني المسلم ولا تخدم مصالحهم الاستعمارية ، ومن فادح الجحود أيضاً أن نتخلى عن القرآن الكريم ـ معجزة النبي الخالدة التي تكفل السعادة والفلاح ـ ونمد يد الحاجة نحو الأعداء ، ونترك ولاية الفقيه التي هي استمرار لولاية الأنبياء والأئمة المعصومين ، ونقبل بولاية وتسلط الشياطين وأعداء الله ، نعوذ بالله من أن يحلّ يوم يتعرض الشعب المسلم في إيران للغضب بسبب جحود النعمة العظمى المتمثلة بالاستقلال والعزة والأمان ، ويصنع بيده أداة سقوطه وذلته من جديد .

ــــــــــــ

(1) بحار الأنوار : ج 92 ، ص 17 .

 

الصفحة 27

على أية حال ، إنّ واجب أبناء الشعب لا سيما القائمين على الشؤون الثقافية للبلاد ، أن يدافعوا عن حياض العقائد والقيم الأخلاقية والدينية للمجتمع .

إنّ تصوّر البعض ممّن لا يتمتعون برؤية كافية في مجال المعارف الدينية ، والواقعين تحت تأثير النظريات الفردية والتيارات العلمانية ، فيما يخص المقطع موضع البحث من كلام الإمام ( عليه السلام ) حيث يقول : إنّ في القرآن سبيل علاج جميع أدوائكم ومشاكلكم ، هو أنّ المراد من الأدواء والمشكلات هي الأمراض والمشكلات المعنوية والأخلاقية الفردية للناس ، لكن هذا التفسير ليس صحيحاً في نظرنا ؛ لأنّ موضع البحث أعم من القضايا والمشكلات الفردية والاجتماعية .

لا يخفى أنّ التطرّق بالتفصيل لموضوع فصل الدين عن السياسة ، وفقدان النظرية العلمانية لأي أساس ، يستدعي فرصةً أخرى ، ورغم ذلك سيتضح من خلال بيان وتوضيح كلام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على مر هذا البحث هشاشة نظرية فصل الدين عن السياسة وبطلان التيار العلماني .

 

تنظيم الشؤون الاجتماعية في ضوء توجيهات القرآن

يقول علي ( عليه السلام ) ( أَلا إنّ فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي ودواء دائكم ونظم ما بينكم ) ، فبعد تصريحه ( عليه السلام ) بأنّ في القرآن علم الماضي والمستقبل ، وفي القرآن دواء جميع الأدواء يذكّر ( عليه السلام ) بهذا الأمر وهو : ( ونظم ما بينكم ) ، ففي القرآن النظام والطريق لتنظيم العلاقات فيما بينكم أيّها المسلمون ، فهذا الكتاب السماوي يحدّد كيفية علاقاتكم الاجتماعية ، ولغرض توضيح هذه العبارة الوجيزة وفي نفس الوقت الضامنة للحياة الاجتماعية للمسلمين لا مناص لنا من إيراد مقدمةً موجزة .

إنّ أعظم هدف لكل نظام سياسي واجتماعي هو توفير النظم والأمن الاجتماعي ، فلا يمكن العثور على مذهب سياسي في العالم ينكر هذا الهدف ، بل إنّ توفير الأمن

 

الصفحة 28

وإقرار النظام يقف على أساس واجبات كل حكومة ، ويقال أيضاً إنّ إقرار النظام السياسي والاجتماعي من أهداف علم السياسية ، وقد دأبت كافة الأنظمة السياسية الحاكمة على المجتمعات البشرية على الحديث عنه كأهم أهداف نظامها الحكومة ، ولو في شعاراتها وإعلامها على أقل تقدير .

 

دور الهدف في الحياة الاجتماعية

لابد هنا من الانتباه إلى دور الهدف في الحياة الاجتماعية ؛ لأنّه لا يمكن التحدّث عن النظم الاجتماعي دون اتخاذ هدف في الحياة الاجتماعية ، وهذا الهدف يقتضي سلوكيات خاصة ، وبأداء هذه السلوكيات الخاصة في إطار الحياة الاجتماعية يحاول الناس بلوغ ذلك الهدف ، الذي هو بدوره منبثق عن ثقافة وفكر أبناء المجتمع ، بنحو أنّ كل مجتمع يحتاج إلى نظام اجتماعي معيّن وفقاً لطبيعته الأَوّلية وفي إطار ثقافته وفكره ؛ لذلك تحاول القوى الاستعمارية وفي إطار سياستها الاستكبارية جرّ الشعوب باتجاه أهدافها الاستعمارية ، وتفريغها من ثقافتها الأصلية ، وأن تُمسك بأنظمة الشعوب وثقافتها من خلال فرض ثقافة دخيلة .

بناءً على هذا يجب تحري أيّ نظم تقتضيه الثقافة والفكر الذي يسود المجتمع ، ومن البديهي أنّ الثقافة الدينية المنبثقة عن القرآن والرؤية التوحيدية للكون ، تستدعي نظماً وسياسةً تصب باتجاه تحقق الهدف من الخلقة ، وتوفير السعادة والفلاح للإنسان في الدنيا والآخرة ؛ لأنّ سعادة الإنسان وتكامله هي غاية الإسلام والقرآن بالأساس .

ومع شديد الأسف أنّ بعض المثقفين والليبراليين ، الذين هم مسلمون من جهة ، ويفتقرون للبصيرة الكافية في القضايا السياسية والاجتماعية في الإسلام من جهة أخرى ، وبالتالي فإنّ الهاجس والتعصب الديني ضعيف جداً لديهم ، غافلون عن هذا الأمر المهم ، وعندما يجري الحديث عن النظم الاجتماعي يتداعى إلى أذهانهم النظم

 

الصفحة 29

الاجتماعي المنبثق عن الديمقراطية الغربية ، في حين أنّ النظم الاجتماعي في الغرب منبثق عن فكره العلماني ؛ فنظراً لقلة معلوماتهم الدينية يتصور هؤلاء المثقفون أنّ تنظيم الشؤون الاجتماعية ، وإدارة المجتمع على أساس النظام ممكن في فصل الدين عن السياسة فقط ، وهذا بحد ذاته يُعدّ من إفرازات الاستعمار الثقافي ومن النجاحات التي حقّقتها القوى الاستكبارية ؛ حيث استطاعت تخدير عقول مَن يصطلح عليهم مثقفي دول العالم الثالث ، وأفرغتهم من الفكر الديني ، وبدّلتهم إلى أدوات لإشاعة ثقافتها الاستعمارية .

على أية حال ، إنّ كل شيء ومَن بين ذلك النظام الاجتماعي يُقيّم في الثقافة التوحيدية والإسلامية في إطار الهدف من الخلقة ، ومن الطبيعي أنّ الهدف من النظام الاجتماعي في الثقافة الدينية والقرآنية ، ليس توفير الرفاه المادي والمصالح الدنيوية فقط ، بل الغاية هي التكامل الإنساني والسعادة الأخروية للإنسان إلى توفير الرفاه والمصالح الدنيوية ، ومن الواضح أنّ السعادة الأخروية ترجح على الأمور الدنيوية في مقام التزاحم .

الآن وفي ضوء هذه المقدمة نعود إلى كلام الإمام علي ( عليه السلام ) حول دور القرآن في إقرار النظام السياسي والاجتماعي للمجتمع ، وندقّق في كلامه ( عليه السلام ) ؛ كي نتعرّف أكثر على رؤية الولاية لدور وموقع القرآن في الحياة الاجتماعية .

يبيّن علي ( عليه السلام ) وبتعبير إعجازي دور القرآن في تنظيم الشؤون الاجتماعية للمجتمع ، ويلفت انتباهنا إليه ؛ لئلا نغفل عنه ، فبعد قوله ( عليه السلام ) إنّ القرآن داء لدائكم وعلاج لمشكلاتكم يقول : ( ونظم ما بينكم ) ، أي في القرآن نظم شؤونكم والعلاقات فيما بينكم ، ربّما يعني أنّكم إن كنتم تنشدون النظام المنشود والمعقول ، الذي ينال جميع أبناء المجتمع حقوقهم المشروعة تحت ظلاله ، فعليكم أن تنظّموا أموركم على أساس تعليمات القرآن .

لا يخفى على الواعين أنّ عبارة ( ونظم ما بينكم ) تقصد الشؤون والعلاقات

 

الصفحة 30

الاجتماعية للأفراد ، فبالرغم من أنّ الأفراد مكلّفون أيضاً بتنظيم أمورهم الشخصية والفردية على أساس توجيهات القرآن ، لكن عبارة ( ونظم ما بينكم ) لا تشمل نظام الأمور الشخصية للأفراد ، كما لا يخفى على اللغويين أنّ علياً ( عليه السلام ) يروم في المقاطع موضع البحث بيان دور الأبعاد الاجتماعية للقرآن الكريم ، وببيانه ( عليه السلام ) لهذا الأمر من أنّ نظمكم الاجتماعي يكمن في القرآن الكريم ، إنّما يقول للمسلمين ولأتباعه : يجب أن تنظّموا أموركم السياسية وعلاقاتكم الاجتماعية على أساس القرآن .

من الواضح أنّ هذه الوصفة السماوية الشافية لا تداوي داءً من الأمراض الاجتماعية التي يعاني منها مجتمعنا ، ما دامت تعد لدى مسؤولي النظام الإسلامي إرشادات أخلاقية غير واجبة التنفيذ ، ولا تكون موضع قناعة واعتقاد وإيمان قلبي عندهم ، وببيانه ( عليه السلام ) لأمور حساسة في سياسة النظام الديني ، إنّما يبيّن حقائق يتعذر بدون استثمارها الوصول إلى مجتمع إنساني يقوم على أساس القسط والعدل ، وينال فيه جميع الناس حقوقهم وتكاملهم المنشود .

بناءً على هذا ، أنّ أهم وأجدى عامل هو عامل إيمان واعتقاد وقناعة المسؤولين ، وأرباب الحكم بالبرامج والسياسات العامة للقرآن الكريم ، فما لم يكن لديهم إيمان قلبي ، واعتقاد راسخ بالقرآن ، وفاعلية توجيهاته ، لحل مشكلات المجتمع وتوفير السعادة للناس ، فإنّهم لا يكتفون بأَلاّ يجعلوا القرآن قدوتهم في العمل بل لا يقدمون على فهم معارف القرآن أيضاً ، وبما أنّهم يحكمون في بلد إسلامي وعلى شعب مسلم ربّما يسمّون أنفسهم مسلمين ، ويطلقون على حكومتهم اسم حكومة إسلامية ، على صعيد الظاهر والشعار ؛ لغرض الحفاظ على مكانهم بين أبناء شعبهم وسائر الشعوب الإسلامية ، في حين أنّ الأنموذج الحكومي الوحيد الذي ليس وارداً بالنسبة إليهم هو الحكم على أساس قوانين الإسلام والأنموذج المنبثق عن القرآن ، بيد أنّ تغرّب الحكومات التي تسمّى إسلامية  عن الدين والثقافة القرآنية لا سيما في مجال السياسة وإدارة المجتمع ليس

الصفحة 31

بالأمر الذي يجهله المسلمون ؛ لأنّ جميع الشعوب الإسلامية تعلم أنّ الأنظمة الحكومية في بلدانهم ليست إسلامية ، وأنّ الثقافة والعقلية الحاكمة على المسؤولين الحكوميين ، تختلف كلياً عن العقلية والأنموذج الذي يتبلور على أساس الثقافة القرآنية .

إنّ ما يدفع المرء للدهشة والتعجب ، وبنفس الوقت هو موضع أسف وقلق ، الوضع الثقافي الحاكم على بلدنا الإسلامي العزيز إيران ، ففي بلد ثار وانتصر على أساس تعاليم القرآن والثقافة الدينية وبقيادة الولي الفقيه ، من المؤسف والمقلق حقاً أن تُدلّل أحاديث ومواقف وممارسات بعض المسؤولين في القطاع الثقافي ، على أنّهم لا يمتلكون معرفةً كافيةً بهذا الكتاب السماوي ، ولا يرون الأنموذج الحكومي المنبثق عنه أكثر كفاءة من كل أنموذج آخر شرقي أو غربي ، فهؤلاء دائمو التراجع عن أصول الثورة الإسلامية والقيم الدينية ؛ وبسبب افتقارهم للإيمان الكافي واليقين القلبي ، يصرّحون دون خجل تارةً بالتلويح ، وأخرى بالتصريح ، قائلين لقد ولّى زمن حاكمية القرآن وفاعلية الثقافة الدينية على صعيد الحكم ، ولا حاجة للمجتمع البشري في هذا الزمان للوحي الإلهي ، وهو لوحده قادر على طرح مناهج أفضل لإدارة المجتمع وتوفير الأمن وإقرار النظام .

كان مناسباً أن نشير إلى ظلم الأنظمة الحكومية القائمة في العالم ، والكوارث والجرائم التي تُقترف بحق الشعوب باسم الأنظمة المتطورة المتحضرة ؛ لينكشف أكثر خَواء الكلام الآنف الذكر ، وعدم إيمان وانهزامية القائلين به ، لكنّنا لكي لا نبتعد عن صلب الموضوع ، ونتجنّب الإطالة في الحديث ، نغض الطرف عن الحديث عن الإجحاف ، وهضم حقوق البشر والظلم والجريمة ، وانعدام الأمن الموجود في الأنظمة الوضعية .

على أية حال إنّما تتجلّى كفاءة الحكومة القائمة على أساس تعاليم القرآن في توفير القسط والعدل والنظام في المجتمع ، عندما يكون لدى المسؤولين وأرباب الحكم قناعة

 

الصفحة 32

ويقين قلبي بها ، ويضعون قوانين القرآن وتعاليمه نصب أعينهم على الصعيد العملي ، وإلاّ فلن يحكم على المجتمع ، وعليه فإنّ حاكمية القرآن في المجتمع رهن بإيمان كوادر الحكومة ، واعتقادهم القلبي بهذا الكتاب السماوي ، وهذا الأمر بدوره منوط بمعرفتهم بهذه الوصفة الإلهية الشافية ، وشعورهم بالحاجة للدين والحكومة الإلهية ، وهذا الشعور لا يتأتى إلاّ بخلق روح العبودية وإزالة روح الاستكبار والتعالي في مقابل حاكمية الله سبحانه وتعالى ، فروح الاستكبار هي تلكم الروح المذمومة التي هبطت بالشيطان من رحاب التشرف بمرتبة الملائكة والقرب من عرش الله وتسبّبت بشقائه الأبدي .

جدير في هذا المجال أن نصغي لكلام علي ( عليه السلام ) في الخطبة 175 التي يبيّن فيها العواقب الوخيمة للابتعاد عن القرآن الكريم ، فهذا الكلام إنذار للذين يصفون أنفسهم أتباعاً لعلي ( عليه السلام ) من جهة ، ومن جهة أخرى يرون عدم كفاية القرآن والأنموذج الحكومي المنبثق عنه لإدارة المجتمع البشري المعاصر ، ويرجّحون النتاجات الفكرية الناقصة للإنسان على الحكومة الولائية للقرآن في رسم السياسات الحكومية ، على أمل أن يزداد جميع أبناء شعبنا ـ لا سيما المخطّطين والمتصدين للشؤون الحكومية في ظل هذه التعليمات ـ إيماناً بضرورة محورية القرآن في المجتمع الإسلامي ، وتوظيف تعاليمه في ميادين العمل .

 

الغنى في ظل اتّباع القرآن

في الخطبة المذكورة يصف علي ( عليه السلام ) القرآن على أنّه معلّم فيقول : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُشُّ ، وَالْهَادِي الَّذِي لا يُضِلُّ ، وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لا يَكْذِبُ ، وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلاّ قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ ، زِيَادَةٍ فِي هُدىً أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمىً  . إلى أن يقول ( عليه السلام ) :

 

الصفحة 33

وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ ، وَلا لأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنىً ، فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لأْوَائِكُمْ ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ ، وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْغَيُّ وَالضَّلالُ )  .

بوجود القرآن وحاكميته على المجتمع لا تبقى لأحد حاجة دون أن تتحقق ؛ لأنّ القرآن الكريم أسمى رسالة إلهية لحياة الموحّدين ، وأنّ الله تبارك وتعالى قد ضمن لأتباع هذا الكتاب السماوي العزة والفلاح في الدنيا والآخرة ، بناءً على هذا إذا ما طبّق مجتمعنا الإسلامي أحكام القرآن وتعاليمه الزاخرة بالحياة ، وآمن بصدق وعوده جاعلاً منه أسوة في العمل ، فإنّ القرآن يُلبّي كافة مقتضيات المجتمع الفردية والاجتماعية والمادية والمعنوية ، ويجعل المجتمع الإسلامي في غنىً عن كل شيء وكل أحد .

وفي المقابل يتحدث ( عليه السلام ) عن خطر الابتعاد عن القرآن ، رافضاً فكرة إمكانية علاج المشكلات وتلبية الحاجات الفردية والاجتماعية للمجتمع بدون القرآن الثقل الأكبر ، فيقول : ( وَلا لأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنىً ) . فلن يُغنى أحد بدون القرآن ، ولن يستغني المجتمع عن القرآن أبداً ، أي لو وُظّفت جميع العلوم والتجارب البشرية ، وحُشّدت كافة الأفكار والنظريات ؛ لإقامة مجتمع يقوم على أساس القسط والعدل والقيم الأخلاقية والإنسانية ، فإنّها لن تُجدي نفعاً بدون القرآن ؛ وذلك لتعذر استغناء أحد بمعزل عن القرآن ، وعلى هذا الأساس يقول ( عليه السلام ) : ( فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لأْوَائِكُمْ ) . فاطلبوا من القرآن زوال أدوائكم ومشكلاتكم ، وابحثوا في القرآن عن الحيلة في الشدائد والصعاب .

وبعد تذكّره ( عليه السلام ) بأعظم الأمراض الفردية والاجتماعية أي الكفر والضلال والنفاق ، يقول إنّ سبيل علاج هذه الأمراض والمشكلات يكمن في القرآن ، وعليكم الرجوع إلى القرآن الكريم لعلاج أمراضكم ومشكلاتكم .

بناءً على هذا يجب أخذ الأصول العامة والخطوط الأساسية من القرآن وتلمّس

 

الصفحة 34

طريق علاج المشكلات باتّباع تلك الأصول العامة ، والاستفادة من التجارب والتدبر والعلم ، فإذا ما نهضنا ساعين لعلاج المشكلات معزّزين بهذه الرؤية ، فمن المؤكد أنّنا سنتغلب على جميع المشكلات وفي كافة الميادين ، لأنّ هذا وعد الهي حيث يقول جلّ وعلا : ( وَمَن يَتّقِ اللّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً ) (1) فمَن يلتزم بتقوى الله ولا يتمرد على أحكامه ، فإنّه تعالى يهيئ له سبيلاً للخلاص والخروج من المشكلات .

 

القرآن دواء لأعظم الأدواء

ربّما لا ينسجم الكلام الآنف الذكر مع أذواق المغرورين ، والذين لا نصيب لهم من تقوى الله ومن علوم القرآن وأهل البيت ( عليهم السلام ) ، والذين يتصورون أنفسهم بأنّهم يقفون عرضياً مع الله سبحانه وتعالى ؛ لِما يعرفونه من مصطلحات في العلوم البشرية ، بيد أنّ كل إنسان عاقل يقرّ بأنّ كل ما اكتشفه الإنسان نتيجةً لتطوره العلمي المذهل ، إنّما هو بمثابة قطرة من بحر في مقابل مجهولاته ، وأنّ كافة مزاعم المدارس الأخلاقية غير الإلهية في تقديم نموذج للمدينة الإنسانية الفاضلة ، لا تعدل صفراً في مقابل العلم الإلهي ، الذي لا ينفد وعلوم أهل البيت ( عليهم السلام ) النابعة من الإلهام الإلهي .

على آية حال إنّ علياً يرى أنّ أعظم مرض في المجتمع البشري هو الكفر والنفاق والضلال ، فهذه الأمراض النفسية هي التي تصيب المجتمع بصنوف المشكلات والمصائب ، ولابد من البحث على علاجها في القرآن : ( فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ ، وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْغَيُّ وَالضَّلالُ ) ، فأعظم الداء عبارة عن الكفر والنفاق والغي والضلال ، وعلاجه عبارة من الإيمان بالقرآن واتّباعه .

وينبغي الانتباه إلى أنّه ليس معنى هذا القول : ( اطلبوا دواء أدوائكم من القرآن ؛ لأنّه دواء لجميع الأدواء والمشكلات ) ، إنّ القرآن شأنه كوصفة الطبيب الذي يقوم

ـــــــــــــــ

(1) الطلاق : 2 .

 

الصفحة 35

بتشخيص أمراضكم البدنية ، ويكتب لكلّ منها دواء للشفاء منها ، ولا أن يتم تعلّم معادلات علاج الأمور من القرآن في مجال المشاكل الاقتصادية والعسكرية ، أو في الحقول الصناعية والتقنية ، كلا فلا يُفسّر كلامه ( عليه السلام ) بهذا المعنى مَن يتمتع بأدنى معرفة بالمعارف الدينية ، لأنّ علاج الأمراض الجسمية وحل سائر المشكلات يحتاج إلى أدواته وطرقه الطبيعية ، والقرآن الكريم ـ كما قيل آنفاً ـ يبيّن الخطوط العامة لعلاج هذه المشكلات ، والناس مكلّفون بحل مشكلاتهم وعلاج أدوائهم من خلال الالتزام بالخطوط العامة للقرآن ، واستثمار العقل والقابليات التي وهبها الله إيّاهم ، والاستفادة من تجارب العلوم البشرية ، وهنا نلفت اهتمام القرّاء الأعزّاء إلى أمرين هما :

الأَوّل : بالرغم من أنّ للأسباب والعلل الطبيعية والمادية معلولاتها ومسبباتها ، ولكن من الضروري الانتباه إلى هذه القضية وهي أنّ الله تبارك وتعالى علّة العلل لجميع الظواهر ، فهو الذي خلق نظام الكون على أساس العلاقة بين العلّة والمعلول ، وهو الذي يمدّ الأسباب والعلل بالسببية والعليّة ، وهذه إرادته التكوينية التي لولاها لا استقلال لأي فاعل في تأثيره بفعله ، بناءً على هذا لابد أن نتوجه بالأصالة إلى الله سبحانه وتعالى ، ونتطلع بأعين الأمل نحوه لعلاج كافة الأدواء وإزالة الابتلاءات والمشكلات ، ورغم لجوئنا إلى الأسباب والعلل الطبيعية لحل المشكلات والبرء من الأمراض ، لكنّه وبمقتضى التوحيد الأفعالي يتعيّن أن نعتبر ونتوقع الشفاء وحل المشكلات منه تعالى بالأصل .

الأمر الثاني : هو ينبغي عدم اعتبار طريق الوصول إلى حل المشكلات ، وعلاج الأمراض محصوراً بالأسباب العادية والطبيعية ، أي ليس الأمر إذا ما انعدمت الأسباب والعلل العادية والطبيعية ، أو انعدمت فاعليتها لحل المشكلات ، تنتفي إمكانية إزالة المشكلة أو الشفاء والبرء من الأمراض ، أو تحقق كل رغبة مشروعة وحقّة للإنسان ، فالله سبحانه وتعالى بخلقه لنظام العلة والمعلول لم يجعل نفسه عاجزاً عن

 

الصفحة 36

خلق أية ظاهرة بطريق غير طبيعي ، بل إنّ سُنّة الله قضت بأن تُنجز الأمور عبر مجراها الطبيعي ، بيد أنّ إنجاز الأمور لا يقتصر على المجرى الطبيعي ، وإنّما يقوم الله سبحان وفي ظل ظروف خاصة بإيجاد أمور خارج سياقها الطبيعي ، ويمكن القول إنّ هذه سُنّة إلهية أيضاً ، فمن الممكن أن يحصل الشفاء والبرء من المرض عن الطريق الطبيعي ومعاينة الطبيب ، ومن الممكن أن يحصل في ظل ظروف خاصة عبر العلل غير المادية ، من قبيل دعاء الأئمة المعصومين ، أو دعاء غيرهم من أولياء الله ، مثلما يمكن أن ينتصر جنود جبهة التوحيد بفعل الإمداد الغيبي والأسباب غير الطبيعية ، في حين أنّهم بحكم المنهزمين أمام العدو من حيث المصاديق المادية والشروط الطبيعية ، وهذا أمر يُعد من الأسباب والعلل الإلهية أيضاً .

لقد ورد في القرآن الكريم أمثلة من الحوادث التي وقعت خارج إطار الأسباب العادية والطبيعية ، فمثلاً لو قدّر لهطول الأمطار أن يجري عبر علله وأسبابه الطبيعية ، فلابد من أن تتبخر مياه البحار والمحيطات نتيجةً لأشعة الشمس والحرارة ، ثمّ يتحول إلى غيوم ، ونتيجةً للاختلاف في درجة الحرارة بين البحر واليابسة تهب الرياح ؛ وبهبوبها تسير الغيوم من على البحار نحو بقاع الأرض ؛ كي تُنزل قطع الماء الموجودة في الغيوم وفي ظل ظروف معيّنة ، على شكل قطرات مطر ، أو حبيبات من الثلج أو البرد على الأرض ، فتوقّع هطول الأمطار بغير أسبابه وعلله الطبيعية يعتبر توقّعاً عبثاً وغير معقول من وجهة النظر المادية ، لكنّ نوحاً ( عليه السلام ) ودون أن يضع في الحسبان الأسباب الطبيعية لنزول المطر ، قال لقومه استغفروا ربّكم وتوبوا إليه ؛ كي تُنزل السماء عليكم مطرها : ( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ثُمّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السّماءَ عَلَيْكُم مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوّةً إِلَى‏ قُوّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلّوْا مُجْرِمِينَ ) (1) أيّها القوم استغفروا ربّكم وتوبوا إليه وعودوا إلى الله ؛ ليُنزل مطراً غزيراً من السماء ، وبنزول الرحمة الإلهية وهطول المطر تزدادون قوةً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هود : 52 .

 

الصفحة 37

واقتداراً ، ثمّ يقول : ( وَلاَ تَتَوَلّوْا مُجْرِمِينَ ) ، أي إيّاكم أن تعرضوا عن الله دون توجه واستغفار إليه وانتم مجرمون مذنبون ، ولا تحرموا أنفسكم من الرحمة الإلهية .

بالرغم من أنّ جميع الأسباب الطبيعية لنزول المطر وكل نظام العلة والمعلول الحاكم على الطبيعة ، بيد القدرة الإلهية وتعمل بإرادته جلّ وعلا , لكن الله سبحانه وتعالى ودون أن يضعها في نظر الاعتبار ، يقول استغفروا لذنوبكم وعودوا إلى الله ، إذ ذاك نوعز للسماء أن تُنزل مطرها عليكم .

ربّ قائل يقول ليس مراد الله سبحانه وتعالى أن ينزل المطر دون تحقق الأسباب الطبيعية ، بل المراد هو أنّنا نُنزل المطر عليكم عبر توفير الأسباب الطبيعية ، والرد هو أنّ هذه الرؤية لا تنسجم مع الرؤية التوحيدية ؛ لأنّه وكما تقدم القول ليس الأمر أنّ الله قد اعجز نفسه عن خلق الظواهر دون أسبابها وعللها الطبيعية بخلقه لنظام العلّة والمعلول ، فهو تعالى يقول بصدد قدرته على خلق الأشياء : ( إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (1) فإذا ما تعلقت إرادته جلّ وعلا بشيء فستتحقق إرادة الله ويتحقق ذلك الشيء .

 

الحكمة من بعض الابتلاءات

فضلاً عن الأمور المتقدمة ، قد تستدعي حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمانيته أن يمنّ على عباده بلطفه ، وينزل عليهم نعمته من خلال طرق غير طبيعية ، ولأجل ذلك فقد يضع جلّ وعلا أسباباً وعللاً أخرى غير الأسباب والعلل المادية ، ويدعو الناس لأن يجعلوا من أنفسهم مستحقين لنزول الرحمة والنعم الإلهية بتوسلهم بتلك الأسباب ، وهذا بدوره مقتضى اللطف والحكمة الإلهية أيضاً .

إنّ نظام الخلق يقوم على أساس الحكمة ، والهدف من خلق الإنسان هو الهداية والتكامل ، وإنّ الهداية والتكامل إنّما يحصلان ، في ظل المعرفة والتدبر بآيات الله ،

ــــــــــــــ

(1) يس : 82 .

 

الصفحة 38

والعبودية والعمل بتعاليم أنبياء الله ودين الحق ، لكن الناس ينحرفون أحياناً عن جادة الحق نتيجة الذنب والمعصية ، فعندما يعيش الناس حالة الرفاه المادي ، بحيث لا يعانون مشكلةً من الناحية الاقتصادية والتنعّم باللذائذ المادية ، ويتوفر لهم ما يريدون ، قلّما يقبلون نحو الله والمعنويات ، وفي هذه الأثناء تضعف لديهم الخصائص الإنسانية والإلهية تدريجياً وبالتالي يطويها النسيان ، وفي خاتمة المطاف تتمهّد لديهم الأرضية للطغيان والكفر والضلال والانحراف .

يقول القرآن : ( إِنّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى‏ * أَن رَآهُ اسْتَغْنَى ) (1) فالإنسان يطغى عندما يرى نفسه غنياً ، إذا ما أصبحت روح الاستكبار والطغيان هي الروح السائدة على الغالبية من المجتمع والأمّة ، فإنّ لطف الله وعنايته تستوجبان أن ينذر الناس ويوقظهم من سبات الغفلة ، بنحو يعيدهم إلى جادة الحق وطريق العبودية . ولغرض تحقّق هذه الغاية قد يُنزل تعالى الابتلاءات من قبيل الفقر والجفاف ، وفي المقابل يضع الاستغفار والتوبة من الذنوب والتوجه إلى الله والصلاة سبيلاً لعلاج هذه الابتلاءات ؛ ليتحقق في النهاية الهدف من الخلقة وهو هداية الناس وتكاملهم الاختياري .

إنّ هذه المعادلة من السُنن الإلهية العجيبة حيث كان يبعث نبياً ويبتلي أُمّته بأشد الابتلاءات ؛ لكي لا يغفلوا عن الله وعن طريق الحق ، ولا يصدهم الانغماس في اللذائذ المادية عن السعادة .

على أية حال إنّ نزول بعض الابتلاءات سبب في يقظة وانتباه الغافلين ؛ لأنّ الناس إنّما يدركون بشكل أفضل حاجتهم إلى الله في الظروف الصعبة ، ويصبحون أكثر استعداداً لتقبّل الحق وتعاليم الأنبياء ممّا عليه في حالة الترف ، يقول القرآن : ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيّ إِلاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضّرّاءِ لَعَلّهُمْ يَضّرّعُونَ ) (2) فنحن لم نبعث في قرية أو بلدٍ نبياً إلاّ وابتلينا أهل تلك القرية بالشدائد والابتلاءات والعذاب لعلّهم

ــــــــــــ

(1) العلق : 6 و 7 .

(2) الأعراف : 94 .

 

الصفحة 39

يعودون إلى أنفسهم ، ويتضرّعوا أمام الله سبحانه وتعالى ، وقد صرّحت الآيتان 75 و 76 من سورة المؤمنون بهذا المضمون أيضاً : ( وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِن ضُرّ لّلَجّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرّعُونَ ) .

فلو أنّنا عفونا عنهم وأزحنا عنهم ما نزل بهم بلاء لأصرّوا بقلوب عمياء على طغيانهم .

بناءً على هذا ؛ إنّ الفلسفة من بعض عذابات الأمم وشدائدها هي يقظتها وأوبتها إلى طريق الهداية ، وإن كانت هذه الشدائد والمحن والابتلاءات ربّما لا توقظ بعض الأمم ، وتبقى متماديةً في ضلالها وانحرافها ، وفي مثل هذه الحالة تتم الحجة عليها ، ولينتظروا نزول الكوارث التي تضع حداً لحياتهم .

في الآيات 42 ـ 44 من سورة الأنعام يخاطب القرآن نبي الإسلام ( صلّى الله عليه وآله ) قائلاً : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى‏ أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضّرّاءِ لَعَلّهُمْ يَتَضَرّعُونَ * فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرّعُوا وَلكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمّا نَسُوا مَا ذُكّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيْ‏ءٍ حَتّى‏ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُبْلِسُونَ ) . فحري بنا أن نعلم أنّ هذه سُنة إلهية كانت قد جرت على الأمم السابقة ، وأنّ أُمّة النبي الخاتم ليست مستثناة منها .

على أية حال ، إنّ وجود بعض الابتلاءات والمصاعب والمحن أسباب تذكير وهداية بالنسبة لذوي البصيرة والحريصين على سعادتهم ومصيرهم ، ورغم ذلك وكما يقول القرآن إنّ هنالك أناساً يغطون في غفلة لا يوقظهم منها أي إنذار أو تنبيه .

إذن ، الابتلاءات والشدائد التي تحصل للمجتمعات والأمم لغرض تنبيه الناس وإيقاظهم لا تختص بأمم الأنبياء السابقين ، بل أنّ هذه القضية من ألطاف الله وتأتي ؛ لإيقاظ الأمم وتوجيهها نحو الله ، والمهم هو معرفة الفلسفة من مثل هذه الوقائع واستلهام العبر من الماضي والتوبة والأوبة إلى الله .

ومع شديد الأسف قلّما يلتفت أحد في مجتمعنا إلى هذه القضية ، ولهذا يتشبث بعض المسؤولين إمّا ؛ عن غفلة وإهمال ، أو لضعف في الإيمان والمعتقد بغير الله ؛ للخلاص من

 

الصفحة 40

المصاعب الاقتصادية ومن بينها شحة المياه والجفاف ، فينفقون أموالاً طائلة من بيت مال المسلمين كي يصنعوا المطر من خلال تحميل الغيوم عن طريق المواد الكيمياوية . وا لهفاه لهذا التصور الباطل ! أو تكمن العلة التامة لنزول المطر في حصول الغيوم وانتقالها بفعل هبوب الرياح ، إضافة إلى بضعة عوامل غيرها كي يتشبث الإنسان بخيوط عنكبوتية نسجها بنفسه فيأخذه الغرور ، وبدلاً من أن يوجّه عباد الله وعامة المسلمين نحو الله للتوسل بألطافه وإحسانه ، يبحث في أعالي الجبال عن قطع الغيوم فيفتتحها لتدر بالمطر بعد تحميلها ! حقاً أنّ هذه القضية تثير في الأذهان قصة النبي نوح ( عليه السلام ) وابنه ، فبعد 950 سنة من الدعوة إلى الله يأس ( عليه السلام ) من إيمان قومه بالله ، وبعد اليأس من اهتدائهم وظهور علامات العذاب دعا ابنه ؛ لأن يؤمن ويركب في السفينة كي ينجو من العذاب المحتّم ، لكنّه أفصح لدى ردّه على أبيه عن فكره الملوّث بالشرك قائلاً : ( سَآوِي إِلَى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُني مِنَ الْمَاءِ ) (1) وكلنا يعلم أنّه لم يؤمن وهلك في خاتمة المطاف ، وأنّ الله سبحانه وتعالى ببيانه لهذه القصة ؛ إنّما يبيّن الفكر الملوّث بالشرك ويحذّر الناس منه .

إنّ هذا الفكر الملوّث بالشرك متفشٍ الآن بين البعض لا سيما المثقفين المنبهرين بالغرب ، فهؤلاء بدلاً من أن يؤمنوا بالله ويسوقوا الناس بأقلامهم وكتاباتهم نحو الله ، فقد علّقوا أنظارهم صوب أيدي أعداء الإسلام والمسلمين متوقعين العون من العدو .

ليس خافياً على الواعين أنّنا لسنا نرفض التطور العلمي وإنجازات العلوم البشرية ؛ لأنّ الدين والقرآن والفكر التوحيدي يدعو أكثر من أي دين آخر الناس لتعلّم العلم والاستفادة من معطيات العلم والفكر البشري ، وما يجري التأكيد على رفضه هنا والتحذير من عواقبه الوخيمة ، هو هذا الفكر الممزوج بالشرك الذي ممّا يؤسف له أنّ المبتلين به ليسوا قلةً في مجتمعنا .

ــــــــــــــ

(1) هود : 43 .

الصفحة 41

على أية حال إنّ أفضل الطرق وأقربها وأكثرها اطمئناناً لعلاج المشكلات الفردية والاجتماعية ، هو العودة إلى رحاب الله ؛ لأنّ انتخاب صراط الله بالإضافة إلى أنّه يكفل لنا السعادة الأبدية والأخروية ، فأنّه يعالج مشكلات الحياة الدنيا ومصاعبها أيضاً : ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ إِنّهُ كَانَ غَفّاراً * يُرْسِلِ السّماءَ عَلَيْكُم مِدْرَاراً ) (1) .

بناءً على هذا ؛ إنّ القرآن يقدّم لأتباعه السُبل لسد النواقص وازدهار أمور المسلمين ، ويكفل فاعلية تلك السُبل بالإضافة إلى أنّ بإمكان المسلمين أن يجرّبوا مثلما جرّبوا مراراً .

لا شك في أنّ انتصار الثورة في إيران أحد الأمثلة الإعجازية لنصر الله ، والإمدادات الغيبية لمجتمعنا الإسلامي ، فعندما توكل أبناء الشعب بأجمعهم على الله ، وقطعوا الأمل عن سواه ، وطالبوا بحكومة إسلامية فإنّ الله وطبقاً لِما وعد به بقوله في القرآن : ( إِن تَنصُرُوا اللّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ ) ، (2) ورغم سطوة النظام الملكي ذي التاريخ الممتد لـ 2500 سنة ورغم دعم أعداء الإسلام ، نصر أبناء الشعب على أعدائهم ، وستبقى السّنة الإلهية جارية من أنّ الناس ما داموا مقبلين على الله فإنّه سيمنّ عليهم بالنصر ، ومتى ما نسوا الله وترقبوا العون من سواه واعرضوا عنه سيكون العذاب والذلّة بانتظارهم .

على أية حال ، ليس من شك في أنّ القرآن الكريم وصفة العلم الإلهية الشافية ، وأنّ سعادة الإنسان وفلاحه في الدنيا والآخرة تكمن في اتّباع تعاليمها الحياتية ، ويجب البحث فيها عن طريق علاج المشكلات الفردية والاجتماعية ، يجب معرفة القرآن ، هذا الكتاب الذي يكفل السعادة للإنسان ، والاجتهاد في تعظيمه وتكريمه والعمل به ، وهنالك نمطان من تعظيم القرآن وتكريمه نشير إليهما تِباعاً .

ـــــــــــــــ

(1) نوح : 10 و 11 .

(2) محمّد : 7 .

 

الصفحة 42

 

 

التكريم الظاهري والحقيقي للقرآن الكريم

إنّ أكثر ما هو موجود اليوم في المجتمعات الإسلامية من احترام للقرآن يمكن تسميته احتراماً ظاهرياً ، بينما لم ينزل القرآن الكريم كي نقابله بآداب وطقوس وتعظيم من طابع معيّن فقط ، فالقرآن ليس للحفظ والتلاوة بلحن وصوت جميلين وحسب ، القرآن كتاب الحياة وكتاب البلاغات ، التي كلّف الجميع بتطبيقها على صعيد حياتهم الدنيوية ؛ كي ينالوا السعادة في الدنيا والآخرة ، وبالخصوص منهم المتصدين للحكم في الشعوب الإسلامية ، فهم مكلّفون بأن ينظّموا السياسات العام لأنظمتهم وتنفيذها على أساس توجيهات هذا الكتاب الإلهي ؛ لتتهيأ الأرضية بنحو أفضل لتنامي ورقي ثقافة القرآن بالنسبة لأبناء المجتمع ، وبالنتيجة يتحقق الهدف من نزول القرآن ، وهو تكامل الإنسان وسعادته في ظل نشر العدل والقسط على وجه الأرض .

وعلى العكس من هذا التوقع فإنّ ما نشهده اليوم على أنّه تكريم وتعظيم للقرآن لا يتعدى ـ وللأسف ـ حدود الاهتمام بالظواهر السطحية ، فيما جرى التغافل عن ضرورة محورية القرآن في الحياة السياسية والاجتماعية للمسلمين ، ففي الكثير من الأمصار الإسلامية هنالك اليوم مؤسسات تهتم بأمر تعليم وتعلّم القرآن الكريم بدءً من ، المراحل التمهيدية ، والابتدائية ، وحتى مستوى الجامعات ، وتجتهد في مجال تعلّم التلاوة وحفظ القرآن وقراءته بطرق مختلفة ، ونشهد كل عام إقامة مسابقات دولية لحفظ وقراءة القرآن الكريم ، وتتبوّأ مختلف العلوم القرآنية من قبيل التجويد والترتيل وغيرها موقعاً متميزاً في أوساط محبّي القرآن ، بالإضافة إلى ذلك أنّ القرآن يتمتع باحترام خاص في أوساط عامة المسلمين ، بحيث إنّهم لا يمسون كلماته وآياته بأيديهم دون وضوء ، ويجلسون بكل أدب عند قراءته ، فأكثر الناس لا يمدّون أرجلهم في مقابل القرآن ، ويقومون بتجليده بأفضل أنواع التجليدات ، ويضعونه في أحسن الأماكن ، وخلاصة القول إنّ حالات التكريم الظاهري على هذه الشاكلة شائعة بين عامة المسلمين .

 

الصفحة 43

من الطبيعي أنّ مراعاة الأمور الآنفة الذكر بوصفها احتراماً لهذا الكتاب السماوي قيمة واجبة ، مهما التزمنا بها فإنّنا لم نؤدِ حق احترام هذا الكتاب السماوي كما يستحق ، ولم نؤدِ الشكر لله سبحانه وتعالى على النعمة الكبرى وهي نعمة الهداية ، لكن أسمى أنواع الاحترام والشكر لأية نعمة ، هو معرفة حقيقتها وتوظيفها في الاتجاه الذي خلقها الله من أجله ، وإذا ما أردنا أن ننظر إلى القرآن بهذه النظرة ، ونقوم باحترامه وتعظيمه ، يتضح لنا أنّ القرآن الكريم كما هو أهله ، وما ذُكر على أنّه صور من احترام المسلمين للقرآن الكريم رغم أنّها ضرورية ولازمة ، بيد أنّ هدف الله سبحانه وتعالى لا يتحقق بأداء هذه الأمور ، ولا يُنجز تكليف المسلمين إزاء هذا الكتاب السماوي ، فمعرفة ظواهر القرآن وتلاوة آيات الله والتعظيم الظاهري لهذه الوصفة الشافية ، هي مقدمة للعمل بمضامينها وتعاليمها ، ولا يؤدى الحق الواقعي للقرآن دون اتخاذه محوراً في الحياة السياسية والاجتماعية للمسلمين .

إنّ تقبيل وصفة الطبيب واحترامها ، وقراءتها بألحان جميلة ، بلا فهم لتعليمات الطبيب وإرشاداته والعمل بها ، لا تداوي للمريض داءً ، فكل عاقل على قناعة بأنّ تحسّن الصحة منوط بالعمل بتعليمات الطبيب المحنّك ، فالاحترام الحقيقي لوصفة الطبيب هو في العمل بها ، وليس القيام باحترامات ظاهرية للطبيب ووصفته .

ويمكن القول أيضاً بشأن القرآن بالرغم من أداء الاحترامات الظاهرية للقرآن الكريم ، من الأمور المحبّبة ومن واجبات المسلمين فرداً فرداً ، لكنّها أقل واجب على المسلمين إزاء هذا الكتاب ، والمسلمون مكلّفون بأداء الشكر والتعظيم الواقعي لهذه النعمة الإلهية الكبرى ، وذلك بفهمهم للقرآن الكريم والعمل بأحكامه الحياتية ، وأن لا يحرموا أنفسهم من هذا التراث المعطاء ؛ كي يتسنّى لهم بالنتيجة تنوير دنياهم المظلمة بهذا النور الإلهي .

 

الصفحة 44

 

القرآن نور حقيقي

النور أحد مظاهر تجلّي الله عزّ وجل ، فالله يشبّه نفسه بالنور إذ يقول : ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (1) وهذا نور الله تبارك وتعالى قد تجلّى فخُلقت السموات والأرض والمخلوقات ، وبفضل عناية الله يقوم عالم الوجود ، وان فيض الوجود مافتئ ينهمر على الموجودات من مشكاة الجود ، وبالتالي تواصل المخلوقات والموجودات حياتها .

قد يعبّر عن كلام الله بالنور أيضاً ، ففي ظل النور يبصر الإنسان الطريق وينجو من التيه والضلال ، وبما أنّ أسوء الضلال والانحراف وأكثره خسراناً هو الضلال والانحراف في مسيرة الحياة وتعرّض سعادة الإنسان للخطر ، فإنّ النور الحقيقي هو الذي ينقذ البشر والمجتمع الإنساني من الضلال والانحراف ، ويبيّن أمامهم الطريق الصحيح للكمال الإنساني ؛ ليميزوا طريق السعادة والكمال عن طرق السقوط والضلالة .

على هذا الأساس عبّر الله جلّ وعلا عن القرآن بالنور إذ يقول : ( قَدْ جَاءَكُم مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ) (2) أي أنّ نوراً وكتاباً منيراً قد جاءكم من ربّكم ؛ كي تميّزوا من خلال انتفاعكم به طريق السعادة عن طريق الشقاء ، ونظراً لأنّ موضوع البحث هو القرآن في منظار نهج البلاغة ، فإنّنا نغض الطرف هنا عن تفسير وتوضيح الآيات الواردة في هذا المجال ، ونتطرّق لتوضيح كلام الإمام علي ( عليه السلام ) بهذا الشأن .

في الخطبة 189 وبعد وصفه للإسلام والنبي ( صلّى الله عليه وآله ) يقول علي ( عليه السلام ) في وصف القرآن الكريم : ( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ ، وَسِرَاجاً لا يَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَبَحْراً لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ )  .

إنّ علياً ( عليه السلام ) بوصفه للقرآن في هذه الخطبة يحاول من خلال ثلاث تشبيهات رائعة ، أنّ يعرّف قلوب المسلمين عظمة القرآن ، ويستقطب انتباههم أكثر فأكثر إلى هذه الثروة الإلهية الضخمة التي هي في متناول أيديهم .

ـــــــــــــــ

(1) النور : 35 .

(2) المائدة : 15 .

 

الصفحة 45

في البداية يصف ( عليه السلام ) القرآن بالنور فيقول : ( أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ ) ، فالله الذي أنزل القرآن نوراً على النبي ( صلّى الله عليه وآله ) لكن هذا النور يختلف عن سائر الأنوار ، فهذه الحقيقة ـ القرآن الكريم ـ نور لا تنطفئ مصابيحه ولا يتوقف إشراقه أبداً ، إنّ القرآن ـ من باب تشبيه المعقول بالمحسوس ـ كمصدر عظيم للطاقة الكهربائية ، يقوم وعبر مصابيح شديدة الإنارة تتصل بشبكة إيصال الكهرباء ، بإضاءة الطرق إلى المقصد الذي تنتهي إليه في الليالي المظلمة ، وبوضع مصابيح الدلالة على مفترق طريقين أو عدة طريق ، يبيّن أمام الساعين لبلوغ غاياتهم الطريق الذي ينتهي إلى الهدف عن سائر الطرق ، التي تودي إلى الضلال والسقوط في الأودية الخطيرة .

إنّ القرآن يؤدي مثل هذا الدور في المجتمع الديني الإسلامي وفي حياة المتطلعين للسعادة والفلاح ، مع فارق أنّ المصابيح التي يغذّيها هذا المصدر وتضيء طريق السعادة لا تنطفئ أبداً ، وبالتالي فإنّ طريق الحق مستقيم ولاحِب على الدوام ، وإنّ القرآن الكريم ومصابيحه المضيئة تنبّه أتباع القرآن على الدوام قائلةً لهم احذروا الانحراف عن جادة الحق .

في مقطع آخر من هذه الخطبة يقول ( عليه السلام ) : ( ونوراً ليس معه ظلمة ) ، فالقرآن نور لا يدوم الظلام بوجوده ؛ لأنّ لهذا الكتاب السماوي مصابيح تستمد النور منه فتضيء طريق الهداية والسعادة دائماً .

بالإضافة إلى ذلك فإنّ الأئمة ( عليهم السلام ) ـ الذين هم مفسرو الوحي الإلهي ـ هم بمثابة تلك المصابيح حيث يوضّحون معارف القرآن للناس ، ويقومون بما وهبهم الله من علم بتعريف المسلمين بحقيقة القرآن .

 

مصابيح القرآن وأنواره

كما نعرف أنّ القرآن والعترة ـ طبقاً لحديث الثقلين ـ بما يمثّلانه من وديعتين إلهيتين

 

الصفحة 46

يكمّلان بعضهما البعض في طريق هداية الموحدين ، فبالتمسك بإحداهما والتخلّي عن الأخرى لا يتحقق الهدف من نزول القرآن المتمثل بهداية البشر . فالأئمة المعصومون ( عليهم السلام ) مصابيح يستمدون النور من هذا المصدر الإلهي ، وينيرون طريق الحياة للناس الذين ينشدون السعادة ؛ إذ إنّ علوم القرآن وحقيقته عندهم ، فتلك الذوات المقدسة هم الذين يستطيعون إرجاع المتشابهات إلى المحكمات ، وتمييز الطريق عن المنحدر وإرشاد بني الإنسان نحو طريق السعادة والكمال ، ويتعيّن على الناس أن يأخذوا معارف القرآن عنهم فقط ويقوموا بتطبيقها .

إنّ حكمة الله تقتضي وسنّته تنص على أن يتعرّف الناس على معارف القرآن عن طريق أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وبتطبيقهم لها يعملون على ضمان سعادتهم الدنيوية والأخروية ، ولغرض تحقّق هذا الهدف فقد أبقى الله سبحانه وتعالى على طريق الانتهال من معارف القرآن مفتوحاً أمام التوّاقين للسعادة ؛ وذلك بوضعه لمنصب الإمامة ، رغم أنّ المعاندين وعبيد الدنيا هبّوا على مدى التاريخ ؛ ليحرموا الناس من نور الهداية الإلهية المتمثل بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لكن القرآن يصرّح أنّ هؤلاء لن يفلحوا بعملهم هذا : ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَن يُتِمّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (1) .

لهذا السبب يشبّه علي ( عليه السلام ) القرآن بالسراج لا يخبو توقّده ولا ينطفئ نوره .

إنّ معارف القرآن من العمق والسعة بحيث أنّ العارفين بعلوم أهل البيت ( عليهم السلام ) كلما تدبروا به ينالون في كل خطوة معرفةً ومعلومةً جديدة ، وبما أنّ هذا الكتاب السماوي نسخة من العلم الإلهي ، فإنّ التوّاقين للحقيقة مهما شربوا من ماء حقيقته الصافي فإنّهم ليسوا لا يرتوون فحسب بل يزدادون عطشاً ، من هنا نرى أنّ أولياء الله والعارفين بحقيقة القرآن ، يسعون بتلاوتهم لآيات الله أثناء الصلاة والتدبّر فيها ؛ إلى تلطيف أرواحهم ، ويضعون أنفسهم أكثر فأكثر في مصاف الإلهامات الإلهية ونزول المعارف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصف : 8 .

 

الصفحة 47

الإلهية اللامتناهية .

إنّ القرآن شمس ساطعة لا تفنى معارفه ، وإشراقها أبدية ، لأنّ هذا الكتاب كبحرٍ عميقٍ ، لا يتيسر الوصول إلى أعماقه إلاّ للنبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) العارفين بـ ( علم الكتاب ) وإنّ أي إنسان وأي مجتمع يصبو إلى التعرّف على القرآن وكلام الله ، وينظّم حياته الفردية والاجتماعية على أساس تعاليم هذا الكتاب ، فلا طريق أمامه سوى التمسّك بالقرآن على أساس تفسير وبيان النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) ، والاقتداء بسيرتهم ونهجهم ، وتأييداً لهذا الأمر نشير إلى مقاطع من روايتين فقط .

يقول الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( ونحن قناديل النبوة ومصابيح الرسالة ، ونحن نور الأنوار وكلمة الجبار ، ونحن راية الحق التي مَن تبعها نجا ومَن تأخر عنها هوى ، ونحن مصابيح المشكاة التي فيها نور النور ) (1) بما يعني أنّ الناس يجب أن يهتدوا بهدى الأئمة ( عليهم السلام ) نحو النبوة والرسالة ، التي هي الهداية إلى الحق ، ومنا ينطلق نور جميع الأنوار ، فحاكمية الله إنّما تتحقق من خلال ولايتنا .

وروي شبيه هذا الكلام عن الإمام السجاد ( عليه السلام ) أيضاً إذ يقول ( عليه السلام ) :

( إنّ مثلنا في كتاب الله كمثل المشكاة والمشكاة في القنديل فنحن المشكاة ، فيها مصباح والمصباح محمد ( صلّى الله عليه وآله ) ، المصباح في زجاجةٍ نحن الزجاجة ، كأنّها كوكب دريّ توقد من شجرة مباركة زيتونة معروفة ، لا شرقية ولا غربية لا منكَرة ولا دعيّة ، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نارٌ ، نور القرآن على نورٍ يهدي الله لنوره مَن يشاء ، ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ، بأن يهدي مَن أحبّ إلى ولايتنا ) (2) ، في كلامه ( عليه السلام ) هذا فسّر الآية 35 من سورة النور بالنبي ( صلّى الله عليه وآله ) وأهل البيت والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) ، فيقول ( عليه السلام ) إنّ مثلنا نحن أهل البيت في القرآن كالمشكاة ، التي عن طريقها ينير نور الهداية الإلهية الطريق أمام العباد ، ونحن أهل البيت بمثابة الزجاجة نعكس للعباد نور المصباح ونبراس الهداية وهو نور النبوة ، وهذا النور ينبثق عن شجرة النور الإلهي المباركة الممتد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار : 26 ، 259 .

(2) بحار الأنوار : ج23 ، ص314 .

 

الصفحة 48

شعاعها ولا يمكن إنكارها ، وهذه الحقيقة لا شرقية ولا غربية لا مجهولة ولا متروكة .

يقول الإمام السجاد ( عليه السلام ) : إنّ حقيقة النبي ( صلّى الله عليه وآله ) وأهل بيته الكرام ( عليهم السلام ) بمثابة المصباح الشفاف الذي يشع نوراً دون حاجة لشعلة ، فنور القرآن يقوم على ذلك النور ـ ولاية أهل البيت ( عليهم السلام ) ـ الذي يهدي الله إليه مَن يشاء .

 

 

فلاح اتّباع القرآن في يوم القيامة

كما تقدمت الإشارة أنّ ما يحظى بالدرجة الأُولى من الأهمية بالنسبة للإنسان ، والعقل يقضي بأن يكرّس كل اهتمامه من أجل تحقّقه على أفضل وجه ، هو السعادة والفلاح الأخروي ؛ لأنّ الحياة في هذا العالم مقدمة وتمهيد للحياة الأخروية الخالدة ، فمثل الإنسان في هذا العالم نسبةً إلى عالم الآخرة كالمسافر ، الذي يعمل ويجتهد ليلاً ونهاراً في بلاد الغربة متقشّفاً محاولاً جمع ثمرة جهوده وإرسالها إلى موطنه الأصلي ومسقط رأسه ؛ ليقتني له داراً وملاذاً ، ويهيئ رأس مالٍ كي يحيا لدى عودته ما تبقّى من أيام حياته وادعاً عزيزاً مكرّماً متنعماً بالإمكانيات التي أعدّها سلفاً ، مع فارق أنّ الحياة الأخروية خالدة وأبدية .

إنّ عقائد الإنسان وأعماله وسلوكياته بذور يزرعها الإنسان بيديه في هذا العالم ، وتتكشف ثمرتها ومحصولها في عالم الآخرة ، ففي هذا العالم إذا ما غرس المزارع بذوره طبقاً لإرشادات عالم محنّك ومتخصّص بأمر الزراعة ، فإنّه سيجني ثمرة جهوده في أوان الحصاد كميةً أكبر من الحاصل وبأفضل نوعية ، وعلى هذا المنوال إذا ما نظّم الناس أعمالهم وسلوكياتهم على أساس تعاليم القرآن الكريم وعلوم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ونظّموا أمورهم الفردية والاجتماعية والسياسية وفقاً لتوجيهات القرآن الكريم ، فسيتنعمون بثمار أعمالهم الحسنة في الآخرة بالإضافة إلى العزة والرفعة في الدنيا ، وسيكونون فرحين لِما أعدّوا لأنفسهم بأعمالهم الصالحة من مآل سعيد في جوار الرحمة الإلهية .

 

الصفحة 49

يوضّح علي ( عليه السلام ) المضمون الآنف الذكر بتشبيه رائع جداً ، ويدعو الناس للعمل بالقرآن وصيانة أحكامه الحياتية والدفاع عنها : ( فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ ، وَلا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ ، إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ ، وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ ، وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ ، وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ ) (1) .

بعد بيانه ( عليه السلام ) للمطالب المتقدمة من أنّ القرآن دواء وعلاج لأعظم أدواء المجتمع ، يوصي الناس : باتّباعكم للقرآن تلمّسوا منه دواء أدوائكم ، وأقبلوا على الله بعملكم بالقرآن ، ولا تجعلوا القرآن وسيلةً للاستعانة بالآخرين .

ثم ينبّه ( عليه السلام ) من خطر ابتعاد الناس عن القرآن ، ويدعوهم إلى اتّباع هذا الكتاب السماوي ، والاقتداء به نظرياً وعملياً : ( يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ ، فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ ، وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ ) (2) فعندما تقوم القيامة وتُبعث الخلائق للحساب ونيل العقاب والثواب ، ينادي منادٍ فيُخبر أهل المحشر بهذه الحقيقة قائلاً : أيّها الناس اعلموا ، أنّ كل إنسان مرهون اليوم بعاقبة عمله ومبتلى بآثار ومردودات ومحصول ما زرع ، إلاّ الذين صاغوا عقائدهم وأعمالهم وأخلاقهم في الدنيا على أساس تعاليم القرآن وتوجيهاته ، هؤلاء فقط الراضون عن عاقبة ونتيجة أعمالهم وأخلاقهم وعقائدهم ، ولا يشعرون بالغبن أبداً .

التنبيه والإيقاظ

إنّ حياة كل مخلوق ومن بين ذلك الإنسان محدودة ، فهذه الحياة تبدأ من نقطة زمانية معيّنة وتنتهي بالموت في نقطة زمانية محدّدة أيضاً ، والإنسان على امتداد هذه الفترة المحدّدة يعيش حالة الصيرورة ، وتمر شخصيته بحالة من الصياغة ، فتصبح شخصية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 175 .

(2) نفس المصدر السابق .

 

الصفحة 50

الإنسان التي تنبثق عن معتقداته وقناعاته منشأً لأعماله وأخلاقه ، وإنّ أعمال الإنسان وأخلاقه تتجسد يوم القيامة ، وسيبتلي كل إنسان بمردودات ونتائج أعماله .

الأمر الذي حريّ التذكير به هنا هو : أنّ الإنسان مادام لم يرحل الدنيا فبإمكانه التعويض عن ما فاته من خلال المحاسبة وإعادة النظر في أفكاره وعقائده وأعماله في كل آن ، وتغيير مصيره نحو السعادة والفلاح دنيوياً وأخروياً ، فما أكثر الذين عادوا إلى أنفسهم في غضون لحظة واحدة وبقرار واحدٍ وتوبةٍ حقيقية ، بدّلوا ماضيهم الأسود إلى مستقبل مشرق وسعيد ، وقطعوا طريق مِئة عام في ليلة واحدة ، ولكن ينبغي الانتباه إلى أنّ فرصة وإمكانية إعادة النظرة وتدارك الماضي إنّما هي سانحة في هذا العالم فقط ، وتنتفي إمكانية تداركه بعد الموت والرحيل من هذا العالم الفاني .

إذا ما نظّم الإنسان أعماله وأخلاقه في هذا العالم على أساس القرآن والأحكام والمعارف الإلهية وكان ـ كما يعبّر علي ( عليه السلام ) ـ من حَرَثة القرآن فهو سيتنعم في الآخرة بثمارها وحصيلتها وسيكون سعيداً ، ففرصة العمل والتدارك موجودة في الدنيا فقط ، وعالم الآخرة ليس بمكان تدارك : ( اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل ) (1) فاليوم يوم زراعة وعمل وليس هنالك حساب ، وغداً يوم الجني والمحاسبة ولا وجود لفرصة العمل والتعويض .

 يقول علي ( عليه السلام ) الخبير بالدنيا والآخرة والعلاقة بينهما ، وداعي الخير للمسلمين والحريص عليهم : ( فكونوا من حَرَثة القرآن ) فإن كنتم تنشدون السعادة فاجعلوا زراعتكم وعملكم في مزرعة القرآن المباركة ، كونوا من الذين يعمرون دنياهم وآخرتهم بتعاليم هذا الكتاب السماوي ، اجعلوا القرآن مقتداكم كي لا تخسروا .

 

سر النجاح ودور القرآن

يبدو أنّ هنالك ثلاثة شروط أساسية لتحقيق النجاح في كل خطة وسياسة لاسيما على

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار : 32 ، 354 .

 

الصفحة 51

صعيد الأمور التربوية والثقافية والاجتماعية هي :

1 ـ صحة الخطة وصوابها باتجاه بلوغ الهدف المنشود .

2 ـ الإيمان والقناعة بالخطة وتعليماتها .

3 ـ العمل وِفق الأحكام والمقررات الواردة في الخطة .

من الطبيعي إذا ما انتفى أي من الشروط الثلاثة لا تتجلّى فاعلية الخطة المذكورة كما ينبغي ، ولا يتحقق الهدف المنشود .

كلنا يقول إنّ القرآن كلام الله ورسالة حياتنا نحن المسلمين ، لكن مجرد القول والإقرار الظاهري بهذا الأمر ليس كافياً ، فالإقرار والتصريح إنّما يُعد إيماناً بالقرآن وتعاليمه الحياتية عندما ينم عن اعتقاد وقناعة قلبية ، وأن يكون الإنسان مؤمناً من أعماق روحه بالقرآن وأحكامه ، وأن يسلّم تسليماً خالصاً أمام كلام الله وبلاغاته ، بمثل هذا الإيمان والاعتقاد والقناعة يتحقق شرط فاعلية القرآن ـ أي العمل على أساس أحكام القرآن ـ في هداية المجتمع .

يقول القرآن الكريم : ( ذلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتّقِينَ * الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلَى‏ هُدىً مِنْ رَبّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) .

نحن نعرف أنّ للإيمان درجات ، والمجتمع الإسلامي إنّما يستطيع أن يعيش الأمل بالتغلب على المشكلات ، وتحقيق النصر على أعدائه ونيل العزة والعظمة ـ وما يعبّر القرآن الكريم ـ الفلاح والسعادة دنيوياً وأخروياً ، عندما يكون المتصدون للشؤون الثقافية في المجتمع مؤمنين ومعتقدين من صميم القلب بالحكومة الدينية وتعاليم القرآن وأحكامه ، لا أن يصوّروا أنفسهم مؤمنين بالقرآن مستخدمين الدين والثقافة الدينية للناس آلةً لكسب الجاه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة : 2 ـ 5 .

 

الصفحة 52

في القرآن يوصف الذين لا يؤمنون بالأحكام والتعاليم الإلهية ، ويُظهرون الإيمان لخداع المسلمين وبلوغ مآربهم الدنيوية فقط ، بالمنافقين ، وقد جرى بيان المواصفات الظاهرية والباطنية لهذه الفئة في آيات عديدة من القرآن الكريم .

على أية حال ، الأمر الذي نؤكّد عليه هنا هو إذا ما أردنا أن نعيش على أساس أحكام القرآن ، ويسعد أبناء شعبنا بهذا الكتاب السماوي فيجب أن يؤمن جميع الناس لاسيما المتصدين للشؤون الثقافية في المجتمع ، ويعتقدوا بالقرآن ويسلّموا أمامه تسليماً إبراهيمياً ، يتقبّلون في ضوئه أحكام القرآن دون لفٍّ ودوران .

 

إبراهيم أسوة التسليم والعبودية في القرآن الكريم

يصف القرآن الكريم تسليم إبراهيم ( عليه السلام ) في مقابل أوامر الله وتعاليمه بأنّه أسوة التسليم والرضا ، وأنّ السّر في توفيقه في مواجهة الصعاب وانتصاره على المشركين ، يكمن في الإيمان والصبر والاستقامة والتوكل على الله سبحانه وتعالى ، ويدعونا لأن نكون على مثل هذا الإيمان والاعتقاد إزاء أمر الله والقرآن الكريم ، وأن نكون في العمل كإبراهيم صامدين ، ثابتي الأقدام في تنفيذ الأحكام الإلهية .

ونحن هنا نذكر باختصار قصة إبراهيم ( عليه السلام ) في تنفيذ أمر الله بذبح ابنه إسماعيل ( عليه السلام ) ؛ لنوضّح من خلالها محورية الله في الثقافة التوحيدية ، ونقاط ضعفنا ونحن نواجه القرآن وأحكامه ، ونعرّف القرّاء الأعزاء بالأدواء الحقيقية للمجتمع .

يُستفاد من القرآن الكريم أنّ المشيئة الإلهية قضت أن يُرزق إبراهيم ( عليه السلام ) ـ بعد مِئة عام من الحرمان من الولد وبعد أن طال انتظاره وأوشك على اليأس ـ بولدٍ وتتحقق أمنيته القديمة ، من الطبيعي أنّ أي إنسان يتمنى في حياته أن يرزق بولدٍ صالح ، فهو يعتبر وجود الولد الصالح امتداداً لوجوده وبقائه ، بعد ولادة إسماعيل أُمر إبراهيم ( عليه السلام ) من الله تبارك وتعالى بأن يحمل وَلده وزوجته إلى ارض مكة ، ويتركهما يعيشان أقسى الظروف

 

الصفحة 53

في وادٍ لا تبدو للعيان فيه آثار للماء والحياة ، ويغادر مكّة لأداء الرسالة الإلهية ، وبعد مدة حيث عاد وقد كبر ولده وأصبح شاباً مؤدّباً حسن المنظر ، يبهر النظر إلى جماله بصرَ كل إنسان ، ويزيل سيماء وجهه المتفتح الأحزان والهموم عن ذاكرة أبيه ، ويهوّن عليه عذاب الهجرة والشدائد ، وفي ذروة التعلق بهذا الولد الذي ظهرت عليه أهلية النبوة أُوحي إلى إبراهيم في المنام : أن تذبح ابنك في سبيل الله .

حقاً يجدر بنا أن نقيس إيماننا واعتقادنا بالله والقرآن والأحكام الإلهية ومراتب تسليمنا أمام الله ، مع إيمان إبراهيم ( عليه السلام ) ودرجة تسليمه ؛ لندرك ـ أكثر ـ المسافة بيننا وبين ما أراده القرآن والله سبحانه وتعالى منّا ، وننبري لتعزيز الإيمان والعمل على أساس المعتقد الديني أكثر فأكثر .

 لو أنّ جبرئيل كلّفنا أنا وأنت في عالم اليقظة وليس في المنام بذبح ولدنا بأيدينا فلا طاقة لنا بسماع ذلك ، ناهيك عن تنفيذ الحكم والأمر الإلهي بذبح الولد ، لكن إبراهيم ( عليه السلام ) بادر لتنفيذ أمر الله دون توانٍ ، ودون أن يفسح المجال أمام أي شكل للتطرّق إلى نفسه في صحة ما أُوحي إليه بأنّه ما المصلحة في قتل ولدٍ بريء ؟ . فطرح القضية على ولده : ( فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السّعْيَ قَالَ يَا بُنَيّ إِنّي أَرَى‏ فِي الْمَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى‏ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ ) (1) فعندما شبّ الولد وكان يسعى إلى جانب والده بين الصفا والمروة ، قال له أبوه : يا بني إنّني رأيت في المنام بأن يجب أن أذبحك قرباناً لله فما هو رأيك ؟ بهذه الدرجة إيمان إبراهيم وتسليمه ، فاجلس وشاهد درجة تسليم الابن وإيمانه ، وانظر طاعته أمام أمر الله وأبيه ؛ لتستحوذ عليك الحيرة لإخلاص وإيمان الذين يعجز القلم والبيان عن وصفهم ، وإياك أن تفقد الحذر في أن تسمّي نفسك مسلماً .

فأجاب إسماعيل ، هذا الولد الذي تعلّم من أبيه درس التسليم أمام أمر الله ، بجواب هو أبعد مدىً من التعبير على الموافقة ، حاثاً أباه على تنفيذ الأمر الإلهي لئلا يبقى أمر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصافات : 102 .

 

الصفحة 54

الله مطروحاً على الأرض ، ودون أن يسأل أباه عن فلسفة ذبحه ، وبلا أن يدفع والده إلى التريّث والتأمل في أداء تكليفه ، قال إسماعيل ( عليه السلام ) لأبيه : ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) .

إنّ العظماء يتخذون القرار ويبادرون لأداء واجباتهم لاسيما الواجبات الجسمية بعد الاستعانة بالله تبارك وتعالى والتوكل عليه ، فهم يطلبون العون والمساعدة منه في جميع الأعمال ويقولون بكل أدب : إنّني أنجز هذا الواجب إن شاء الله وإذا مدّني بعونه . وهنا أيضاً لا يعوّل إسماعيل ( عليه السلام ) على قوته بل يقول لأبيه : ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) . فالله هو الذي يعينني وأصبر إن شاء الله ؛ لتتوفّق في أداء واجبك الإلهي .

ويصوّر الله تبارك وتعالى سيماء إبراهيم ( عليه السلام ) وحالة تسليمه أمام ربّه عن لسان إبراهيم ( عليه السلام ) بما يلي :( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (1) أي : إنّني وجّهت وجهي لله خالق السموات والأرض بإيمان خالص ولن أؤمن أبداً بعقيدة المشركين الجاهلية .

يجب أن يكون إيماننا بالله والقرآن كإيمان واعتقاد إبراهيم ( عليه السلام ) ، وفي هذه الحالة يتحقق الشرط الثاني الأساسي للانتفاع بالقرآن الكريم أي هداية المجتمع على أساس توجيهات القرآن .

بناءً على هذا ؛ إنّ وجود القرآن دون إيمان راسخ واعتقاد قلبي لا يسعد الإنسان والمجتمع أبداً ، ومن الواضح بالطبع أنّ ما يضفي العينية على مهمة هداية القرآن ـ بالإضافة إلى الإيمان والاعتقاد ـ هو تحقّق الشرط الثالث أي العمل وفقاً لتعاليم القرآن ، وتجسيد أحكامه في صلب الحياة الفردية والاجتماعية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأنعام : 79 .

 

الصفحة 55