الفصل الثاني

 فهم وتفسير القرآن

 

 

الصفحة 56

 

الصفحة 57

 

المشكلة الحقيقية

أصبحت نتيجة الفصل السابق أنّ القرآن كتاب الهداية الإلهية ، ونحن جميعاً مكلّفون بالإيمان به وأن ندير حياتنا ومجتمعنا على أساس توجيهات القرآن ؛ لننال السعادة في الدنيا والآخرة ، وذلك بالعمل بتعاليمه وأحكامه ، واتخاذه أسوة على صعيد الحياة الفردية والاجتماعية ، والآن نريد أن نطرح السؤال التالي : بالرغم من وجود القرآن ـ هذه الوصفة الشافية للأدواء الفردية والاجتماعية ـ بين أوساط المسلمين ومن بينها مجتمعنا الثوري والإسلامي ، فلماذا نعاني في نفس الوقت من بعض المشكلات لاسيما المشكلات الثقافية ؟

ربّما ستجيبون مستعينين بالمطالب المتقدمة بأنّه لا يجري العمل بالقرآن وتعاليمه المنقذة كما ينبغي ، وهذا الجواب وإن كان صحيحاً ولكن يبدو أن سؤالاً أهم يُطرح وهو لماذا لا يعمل بالقرآن كما ينبغي ؟ وفي الحقيقة ما هي الأسباب التي تؤدي إلى إضعاف القرآن في المجتمع ، وأن يبتعد الناس تدريجياً عن القرآن والثقافة الدينية والقيم الإلهية ؟

نظراً لأنّ موضوع البحث هو القرآن في منظار نهج البلاغة فبإمكاننا طرح هذا السؤال بهذه الصيغة وهي : أين تكمن المشكلة الحقيقية لمجتمعنا في نظر علي ( عليه السلام ) ، وما الطريق الذي يشقه أمامنا لعلاجها ؟ لغرض الإجابة عن هذا السؤال وبيان كلام علي ( عليه السلام ) بهذا الصدد نورد مقدمةً في البداية ، ومن ثَمّ نتطرق إلى الموضوع الأصلي .

 

الصفحة 58

كما جرى بيانه في الفصل المتقدم أنّ الإيمان بالله والإحكام الإلهية ، والتسليم لأوامر الله يمثّل أهم شروط الهداية والتنعّم بهدى القرآن الكريم ، فلابد من وجود إيمان وتسليم إبراهيمي ، واعتقاد ممزوج مع الروح ليتسنّى الظفر بالأمان من مصائد الشيطان .

 يجب أن تجمع الحصيّات في مشعر المعرفة ؛ كي يُرمى بها شيطان النفس الأمارة لدى الرجوع إلى القرآن الكريم ، ويجب الوقوف بوجه أهواء النفس ، وترجيح كلام الله على نزوات النفس ، ومنع النفس عن إصدار الأحكام المسبقة في فهم القرآن الكريم ؛ كي لا يقع الخطأ عند الرجوع إلى آيات الله وفهم القرآن الكريم ، فليس كل امرئ قصد القرآن بأيّة نية وأي مذهب يستطيع الاستفادة منه بصورة صحيحة ، وبعبارة واحدة : إذا قبلنا بالعبودية لله فيجب أن نسلّم له تسليماً كاملاً ، ونجعل القلب تبعاً لإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى ، ونقتنع قناعةً تامةً أنّ الله يعرف منافع عباده أفضل منهم ، ولا يأمر أو ينهى إلاّ لصالحهم وفائدتهم ، ومن خلال مثل هذا الاعتقاد والإيمان فقط يتيسّر لبني الإنسان إمكانية الفهم الصحيح لهذا الكتاب الإلهي والانتفاع بتوجيهاته الحياتية .

بناءً على هذا ؛ إنّ أَوّل وأهم شرطٍ للتنعّم بالهداية الإلهية هو امتلاك روح التسليم ، وتجنّب إصدار أي حكم مسبق وأي محورية للذات ، إنّ الطبيب الماهر ولدى كتابته الوصفة للمريض يلزمه بتناول الدواء ، ويذكر له الأطعمة التي يجوز له تناولها ، وينهاه عن الأدوية والأطعمة التي تؤخر الشفاء والعلاج أو ربّما تفشله .

ولكن هل أنّ جميع تعليمات الطبيب تنسجم مع رغبات وميول المريض ؟ ربّما يتناول المريض بعض الأدوية الموصوفة له بكل اندفاع ، ويمتنع عن رغبة عن بعض الأطعمة المحظورة عليه ، ولكن غالباً ما تتعارض ميول المريض مع تعليمات الطبيب ، فقد يرغب المريض بأكل الطرشي رغبةً شديدةً ، لكن الطبيب يرى أكل الطرشي سمّاً قاتلاً بالنسبة للمريض ، في هذه الحالات ربّما يشكك المريض بتشخيص الطبيب ؛ بفعل حبّه لذلك الشيء ويأخذ بافتعال التبريرات من عند نفسه كي يتناوله .

 

الصفحة 59

إنّ الإنسان ـ فيما يتعلق بالأمراض الجسمية ـ وبسبب حبّه الشديد لصحته قلّما يكون على استعداد لمخالفة تعليمات الطبيب ، وغالباً ما يحاول تقديمها على رغباته الشخصية ، وأن يعمل بصورة مضبوطة بهذه التعليمات ، أمّا على صعيد الأمراض الروحية فليسوا قلةً أولئك الذين يجعلون أهواءهم النفسية ملاكاً للحكم ، وينبرون لتفسير الدين وأحكام الله على أساس أحكام مسبقة وعقول خاطئة وأهواء ضالة .

من الطبيعي أن تنتفي مع مثل هذه الروحية إمكانية الفهم الصحيح للقرآن والدين ، فحتى لو كان الافتراض بأنّ المرء ينوي حقاً فهم الدين والقرآن فهماً صحيحاً وتنتفي بشأنه أية نيّة لخداع الآخرين وإغوائهم ، ولكن بما أنّه أراد فهم القرآن والدين بعقلية خاطئة ، فلا يمكن إلغاء تأثير الأحكام المسبقة ، والعقلية المشوبة ، والأهواء النفسية ، تماماً في فهمه وإدراكه للآيات والأحاديث ، وبالطبع فإنّ قصة الذين يعمدون إلى تحريف أحكام الدين وتعاليمه عالمين عامدين عارفين ، تحت يافطة القراءات المتعددة ؛ لخداع الناس ، وتدمير الثقافة الدينية للمجتمع هي قصة على حدة ، سوف نتطرق إليها في محلّها ، وسوف نقوم وباختصار ببحث الأسباب والدوافع التي تقف وراء هذه الفكرة المعادية للدين من وجهة نظر نهج البلاغة ، لنرى الآن ما هو الطريق الصحيح للرجوع إلى القرآن وفهم أحكامه وتعاليمه من وجهة نظر علي ( عليه السلام ) ؟

وصية علي ( عليه السلام ) في التعاطي مع القرآن

بعد كلامه النوراني حول الإخبار بعالم القيامة والمعاد ، ورضا أتباع القرآن عن أعمالهم وماضيهم ، وابتلاء المتخلّفين عن القرآن في ذلك اليوم ، يوصي الإمام ( عليه السلام ) الناس بما يلي : ( فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ )  فاعرفوا الله من خلال كلامه ، واعرفوا أوصاف الخالق عن طريق القرآن ، فالقرآن دليل يهديكم إلى الله ، واستعينوا بهذا الدليل الإلهي لمعرفة رسول الله ، وآمنوا بالله الذي يصفه لكم القرآن : ( وَاسْتَنْصِحُوهُ

 

الصفحة 60

عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) فإنّكم أيّها البشر بحاجة إلى مَن ينصحكم ، ويكون حريص عليكم ؛ كي يقدّم لكم النصح والموعظة عند الحالات الضرورية ، فاتخذوا القرآن ناصحاً لكم واعملوا بنصائحه الخيّرة ؛ لأنّ القرآن ناصح حريص ، لا يخونكم أبداً وهو يهديكم على أفضل وجه إلى الصراط المستقيم .

بناءً على هذا ؛ إنّ علياً ( عليه السلام ) يوصي المسلمين والتوّاقين إلى السعادة في الدنيا والآخرة ، أن يجعلوا القرآن دليلهم ويستمعوا إلى نصائحه المشفقة إذ : ( إِنّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلّتي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) (1) .

الأمر الذي يحظى بالتأكيد في هذا المقطع من البحث هو لزوم الإيمان ، والاعتقاد الممزوج بالروح بمضمون هذه الآية الكريمة ؛ لأنّ مثل هذا الإيمان بالقرآن إذا لم يتحكّم بروح الإنسان ، وما لم يضع الإنسان نفسه تحت تصرف الله سبحانه وتعالى بشكل كامل ، ولا يزكّي نفسه من الأحكام المسبقة والأهواء النفسية ، فربّما يقع في مكيدة الوساوس الشيطانية ، ويضلّ في كل لحظة ، فعندما يرجع إلى القرآن يقوم دون إرادة منه بالبحث في القرآن عن الموضوعات والآيات التي تبدو مطابقة لأهوائه النفسية .

من الطبيعي ليست جميع تعاليم القرآن وأحكامه تنسجم مع رغبات الإنسان النفسية ونزعاته الحيوانية ، فللإنسان بمقتضى طبيعته أهواء ورغبات ، ويرغب بأن يتحدث القرآن وفقاً لهواه ، وعليه فمن الطبيعي أن لا يُقبل الإنسان على القرآن بوجه صبوحٍ عندما يتحدث خلافاً لنزعاته الحيوانية والنفسية ، ويواجهه بوجه بشوش حينما تكون الآيات متطابقة مع أهوائه النفسية . وبالطبع فإنّ كلّ هذه الانفعالات والتفاعلات تجري بالخفاء وفي الباطن لكن آثارها تظهر في أفعال الإنسان وسلوكه ؛ لذلك فإنّ العقل يقضي بأن يفرّغ الإنسان عقله من كل حكم مسبق قبل الرجوع إلى القرآن ، ويتخلى عن كل أهوائه ورغباته النفسية ليدخل مدرسة القرآن بروح ملؤها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإسراء : 9 .

الصفحة 61

محورية الله ، في مثل هذه الحالة ينحني الإنسان تأدباً ، ويستعد لتقبّل المعارف الإلهية بكل اندفاع .

التفسير بالرأي

بديهي أنّ التخلّي عن الأهواء والرغبات النفسية ، والتسليم المحض أمام التعاليم والأحكام الإلهية والمعارف القرآنية ، ليس لا يُعد أمراً متيسراً فحسب بل أنّ التغاضي عن النزوات والرغبات النفسية أمرٌ صعب جداً ، بالنسبة للذين لا يمتلكون روحاً صلبةً من العبودية ؛ لذلك أطلقوا على هذا العمل الجهاد الأكبر .

يبدو أنّ الدافع الروحي والنفسي للتفسير بالرأي ينشأ من ؛ أنّ الإنسان وبسبب ضعف روح العبودية لديه يعجز عن تجاوز أهوائه ورغباته النفسية من جهة ، ومن جهة أخرى أنّ الشيطان يستغل هذه الفرصة المؤاتية ، ويحاول من خلال الإيحاءات الشيطانية توجيه عقل وتفكير مثل هذا الإنسان في فهمه المنحرف والخاطئ للقرآن والدين وإضلاله ، لا سيما إذا كان الشخص يتمتع من حيث الوجاهة الاجتماعية بموقع ثقافي ؛ إذ تتضاعف فعالية ووسوسة الشيطان وتزداد مطامع هذا العدو المتربص في إضلال مثل هذا الإنسان ؛ لأنّ الشيطان يعرف أنّه وبتضليله لهذا الشخص ربّما يستطيع تضليل جماعة أو فئة لهم آذان صاغية له عن دينهم ، فلم يكونوا وليسوا قلّة الذين يصدرون فتوى دون تهذيب لأنفسهم ووفقاً لأحكام مسبقة وقبل الرجوع إلى القرآن ، ويدلون بآرائهم دون أن يتوفروا على أدنى جدارة وأهلية علمية وتخصص ضروري ، فيقولون إنّ رأي القرآن هو عين رأينا ، ومن الطبيعي أن يتشبث مثل هؤلاء بالآيات المتشابهة والغامضة حسب الظاهر ؛ ليضفوا على آرائهم وأهوائهم النفسية صبغةً دينية وقرآنية ، وبديهي أن لا يكون هنالك أي ضمان للفهم الصحيح والصائب للقرآن مع وجود مثل هذه الروحية وإصدار الأحكام سلفاً ، بل من الطبيعي أنّه

 

الصفحة 62

سيخلّف سوء فهم وانحرافٍ عن الحق .

هذا النمط من الفهم والتفسير للقرآن يُعبّر عنه في القاموس الديني بالتفسير بالرأي ، وهو يُعد أسوء صنوف المواجهة مع الدين والقرآن ، والقرآن يصف هذا النمط من التعامل مع الدين وآيات الله بأنّه استهزاء وينهى عنه بصراحة فيقول : ( وَلاَ تَتّخِذُوا آيَاتِ اللّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ ) (1) .

كما تقدّمت الإشارة أنّ الذين يتنعّمون بهداية القرآن هم المؤمنون به ، أمّا الذين ينبرون محمّلين بالسوابق الذهنية والأحكام المسبقة ؛ لاختلاق مبرّراً دينياً وقرآنياً لمآربهم وأهوائهم النفسية ، ويفسّرون كلام الله ويوجّهونه برأيهم ، فلا نصيب لهم من الإيمان بالله ، من المناسب هنا أن نتأمل ببضع روايات في هذا المجال : قال رسول الله : قال الله جلّ جلاله : ( ما آمن بي مَن فسّر برأيه كلامي ) (2) .

وفي حديث آخر روي عن النبي ( صلّى الله عليه وآله ) أنّه قال : ( مَن فسّر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب ) (3) وكلام رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) هذا مبعثه أنّ الذي يتصدى محمّلاً بأحكام مسبقة لتوجيه آيات الله لصالحه ، ويصوّر ذلك على أنّه تفسير للقرآن وكلام الله ، إنّما يجعل رأيه هو الملاك في الواقع وينسبه إلى الله سبحانه وتعالى ، وهذا النمط من الرجوع إلى القرآن والفهم لكلام الله مذموم وخطير ، ويؤدي إلى الضلال والانحراف بحيث إنّ مرتكبي مثل هذه المعصية يبتلون بأشد أنواع العذاب يوم القيامة ، يقول النبي ( صلّى الله عليه وآله ) بهذا الصدد أيضاً : ( مَن فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار ) (4) .

بناءً على هذا لغرض الأمان من أسوء العذاب ، وتجنّب الافتراء على الله تبارك وتعالى ، وتحاشي الانحدار في أودية الضلال ، يجب التخلي عن الأهواء النفسية ، والإيمان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة : 231 .

(2) توحيد الصدوق : ص 68 .

(3) بحار الأنوار : ج36 ، ص227 .

(4) عوالي اللآلئ : ج4 ، ص104 .

 

الصفحة 63

بالذات المقدسة التي هي خير محض ، ولا تريد إلاّ الخير للإنسان ، ونبذ محورية الذات ، وتحكيم محورية الله في النفس وتسليم النفس له .

 

 

إرشادات علي ( عليه السلام ) لتجنّب التفسير بالرأي

كما جرت الإشارة آنفاً أنّ للإنسان رغبات وأفكاراً لا تنسجم تارةً مع رأي القرآن ، وفي ضوء طبيعته الإنسانية يرغب بأن يتطابق القرآن مع رأيه ورغبته ، وتارةً أخرى ربّما تؤثر تلك الأفكار والأحكام المسبقة بشكل لا إرادي في فهمه ودركه للقرآن ، وبما أنّ مثل هذا الخطر يتهدّد كل إنسان في مقام تفسير القرآن ، وأنّ الشيطان يتحيّن الفرص في كل آنٍ للإيقاع بالشخصيات الثقافية التي تدّعي فهم الدين ؛ لحرف جماعةٍ من الناس عن جادة الحق ، من المناسب جداً وحريٌ بنا أن نولي اهتماماً متميزاً لهذا المقطع من كلام علي ( عليه السلام ) .

لغرض الأمن من الزلل في الفهم ، وتحاشي ما يُحتمل من انحراف يقول ( عليه السلام ) : ( وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ ) ، فعندما تتصدون لفهم وتفسير القرآن عليكم بتخطئة ما لديكم من ، أحكام مسبقة ، ومخزونات ذهنية ، وميول وآراء في مقابل القرآن ، ونحّوا جانباً آراءكم الشخصية وأهواءكم النفسية ، وكما يُعبّر ( عليه السلام ) اتهموا وخطئوا أنفسكم في مقابل القرآن .

جديرٌ ذكره أنّ التعبير المذكور يفيد ضرورة التزام أقصى الاحتياط ومراعاة الأمانة والتقوى في فهم القرآن الكريم والاستنباط منه ؛ لأنّه ( عليه السلام ) يصرّح بأن خطّئوا آرائكم في مقابل القرآن ، واستقبلوا القرآن بذهنية ملؤها الإقرار بأنّني لا أعلم شيئاً ، وكل ما يقوله القرآن حقٌ ، ثمّ تصدّوا لفهم القرآن وتفسيره ، ( وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ ) ، أي وانظروا إلى أهوائكم على أنّها ضالة وخاطئة ؛ كي تحسنوا الاستفادة من القرآن وإلاّ فإنّكم في معرض الخطأ والانحراف على الدوام .

بناءً على هذا ؛ إنّ جوهرة الدين وهي التسليم أمام الله تستدعي أن يكون الإنسان

 

الصفحة 64

مطيعاً محضاً لله سبحانه وتعالى ، وأن يحكم بالبطلان على رأيه ووجهة نظره وأحكامه في مقابل أحكام الله وتعاليم القرآن الكريم ، فعندما تحكم الإنسانَ مثل هذه الروحية ، فمن الطبيعي أنّه يدرك القرآن والأحكام والتعاليم والمعارف الإلهية على وجه أفضل ، إذ ذاك ـ وفي ضوء التسليم الذي يتمتع به ـ يتقبّلها من أعماق روحه وقلبه .

رؤيتان للقرآن والمعارف الدينية

ثَمّة نمطان مختلفان من التفكير في التعامل مع المعارف الدينية والقرآن الكريم هما :

1 ـ الرؤية والتفكير القائم على روح التسليم والعبودية ومحورية الله .

2 ـ الرؤية الروحية التي تجعل الأصالة للأهواء النفسية للإنسان ، وتعمل على تفسير وتوجيه النصوص الدينية ومعارف القرآن بما يتفق مع رغباته النفسية ، وتلك هي الفكرة الرائجة اليوم باسم ( اومانيزم ) أي الفكرة التي تطرح محورية الإنسان في قبال محورية الله .

يبدو أنّ هذا التصنيف أوسع مدىً من الأبحاث والمطالب المتقدمة ؛ لأنّ الافتراض كان لحد الآن يقوم على إمكانية حصول نمطين من الفهم أحدهما يقوم على أساس روح التسليم والعبودية ، والآخر فهم ربّما يكون متأثراً بالأهواء النفسية ، واستناداً لذلك فلغرض تجنّب التفسير بالرأي في فهم القرآن ، وأن يفهم كما هو قمنا ببيان وصية علي ( عليه السلام ) في هذا المجال بناءً على أساس ضرورة تجنّب الحكم المسبق وتزكية العقل من الأهواء النفسية ، وفي ضوء هذه الرؤية اعتبرنا كلا الفريقين المخاطبين بكلامه ( عليه السلام ) مسلمَين ، ولغرض تحاشي الانحراف في الدين والانزلاق في هاوية التفسير بالرأي ، كنّا نوصي بمراعاة التقوى والابتعاد عن هوى النفس والحكم مسبقاً ، والآن إذ نبحث المسألة بعمق أكثر فإنّنا نتوصل إلى أمور أدق ، وندرك الإعجاز في كلام علي ( عليه السلام ) لدى تصنيفه الناس في مجال العبودية إلى طائفتين رئيسيتين ، ونطّلع أكثر فأكثر على المعرفة

 

الصفحة 65

النفسية التي يتمتع بها ( عليه السلام ) بنفسيات الناس إزاء الدين والتعاليم الإلهية .

إنّ علياً ( عليه السلام ) وببيانه لمعلمينِ أساسيين يصنّف الناس في ضوئهما إلى فئتين رئيسيتين ، ويحدّد هاتين الفئتين من خلال توضيح خصائص كلٍّ منهما ، وفيما يلي نشير إليهما :

1 ـ فئة آمنوا بالله بكل وجودهم ، وهم يعملون على محاربة أهوائهم وإيثار مشيئة الله وإرادته على رغباتهم وأهوائهم النفسية ، ومن الطبيعي أنّ أمثال هؤلاء الناس يتقبلون القرآن من أعماقهم ، ويفتدون تعاليمه ومعارفه بأرواحهم وقلوبهم ، ويجعلونه أسوةً لهم في العمل ، ويعملون من أجل إقامة شعائره .

يقول علي ( عليه السلام ) في وصف هذه الفئة : ( إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ ) (1) وبعد بيانه لمواصفات هذه الفئة يتطرق ( عليه السلام ) لبيان مكانة القرآن بين هؤلاء فيقول : ( قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ فَهُوَ قَائِدُهُ وَإِمَامُهُ ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ وَيَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ ) ، فهؤلاء القوم وهم المؤمنون أُناسٌ أسلموا زمام أمورهم بيد القرآن الكريم ، فالقرآن هو إمامهم وقائدهم ، وهم يتوقفون حيثما حطّ القرآن رحاله وأصدر الإيعاز بالتوقّف ، فتوقفهم وحركتهم رهن إشارة القرآن . وهذه الفئة قد آمنوا بالقرآن وحقائق الدين وتقبّلوها على أنّها مجموعة من الحقائق العينية ، ويرون أنّ أحكام وتعاليم الدين والقرآن الكريم تنم عن حقائق عينية ، الالتزام بها له علاقة مباشرة بسعادة الإنسان ، معتبرين عدم الالتزام بها يؤدي إلى الحرمان من السعادة في الدنيا والآخرة .

بما أنّ هؤلاء لا يمتلكون رأياً وتصوراً من عند أنفسهم ، ويرون للدين والكتب السماوية والتعاليم والأحكام الإلهية حقيقة عينية ، ويعتقدون بوجود علاقة العلّة والمعلول فيما بينها وبين مصالح الإنسان ، فإنّهم يكرّسون أقصى جهودهم لفهم القرآن فهماً صحيحاً ؛ ليدركوا ما يأمر به القرآن ويعملوا به .

2 ـ وفي النقطة المعاكسة لرؤية الفئة الأُولى تماماً يقف أُناسٌ يتصورون أنّ القرآن ، أو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 86 .

 

الصفحة 66

أي نص ديني وكتاب سماوي آخر تابع لعقليات الناس أنفسهم ، وليس أنّه ناطق بأمور قطعية ومحدّدة ، أي أنّ القرآن أو أي نص آخر يفتقد المعنى والمضمون وليس ثمّة هدف مرسوم له ، وبما أنّ لكل إنسان تصورات خاصة منبثقة عن قواعد تربوية وعائلية واجتماعية وغيرها ، فهو عندما يواجه القرآن يستنبط منه الأمور في ضوء تصوراته الشخصية ، وليس أنّ القرآن هو الذي ينطق بتلك الأمور ، بل أنّ فهمه هو يطرح في إطار القرآن .

من الطبيعي أنّ الدين والقرآن بآياته وأحكامه يعتبر في ظل مثل هذه الرؤية وهذا الاعتقاد ألفاظاً وقوالب خالية من أي مضمون ، وتصورات الإنسان هي التي تغذّي هذه الألفاظ بالمعنى والمفهوم ، ويجري التصريح على أساس التصور الآنف الذكر أنّ القرآن أو أي نص ديني آخر لا يملك ما يقول ، بل أنّ كل شخص يستنبط الموضوعات من القرآن والنصوص الدينية في ضوء تصوره الشخصي ، وبديهي أنّ هذا النمط من الرؤية بالرغم من أنّه يتحدث حسب الظاهر عن الدين والقرآن والتعاليم والمعارف الدينية ، إلاّ أنّه يعمد في الحقيقة إلى الاستخفاف والاستهزاء بالدين والمتدينين .

 

التعددية الدينية أو إنكار الدين في إطار القراءات المتعددة

يبدو أنّ ما يُعرف اليوم في مجتمعنا باسم القراءات المتعددة للدين ناشئ عن رؤية الفريق الثاني ، ورغم أنّ العنوان المذكور يردّده المثقفون المسلمون في ظاهرهم ، لكن ينبغي البحث عن أساس فكرة القراءات المتعددة للدين في نظرية محورية الإنسان ، فكما تقدمت الإشارة أنّ الفكر الآنف الذكر يعتبر التعاليم الدينية وأحكام الكتب السماوية عديمة المعنى ، ويؤمن بأنّ القرآن وأي نص ديني آخر ساكتٌ ولا ينطوي على معنىً ومفهوم ، بل نحن البشر الذين ننسب فهمنا وقراءتنا للدين والقرآن من خلال مخزوننا

 

الصفحة 67

الذهني ، وإلاّ فإنّ القرآن لا يحمل رسالة ولا يبيّن أي حقيقة .

ربّما يكون مفيداً إيراد مثال لبيان ماهية الفكر المذكور ، والاطلاع على معنى قول أتباعه في أنّ الدين ساكت ، وإمكانية حصول قراءات متعددة له .

الظاهر أنّ الجميع على معرفة تقريباً بديوان حافظ وشعره والقصائد الغزلية لهذا الشاعر الكبير والعارف الجليل ، فالقراءات المتعددة لديوان حافظ وأشعاره تعني أنّ منشد هذه الأبيات لم يقصد أي معنىً ومراداً في العبارات والكلمات التي استخدمها في أبياته ، وإنّما هي مجرد ألفاظ وكلمات صاغها بشكل موزون ، ووضعها إلى جانب بعضها البعض دون أن تفيد معنىً ، وقد نظّمها كقوالب فارغة وِفق وزنٍ رائعٍ جداً وممتع ، أي أنّ الشاعر قد أنشدها دون أن يتبادر إلى ذهنه أي معنىً أو هدف أو غاية .

استناداً لنظرية القراءات المتعددة يقال إنّ شعر حافظ وأبياته الغزلية تفتقد المعنى ، وكل مَن يفتح ديوان حافظ متفائلاً على خلفية نية ومراد معيّنين ، يستنبط من أوّل بيت أو مجموعة أبيات غزلية منه أمراً في ضوء نيته ، فالذي لديه مريض مثلاً ويتمنى شفاءه يتفاءل به ويستوحي شفاء مريضه من أحد الأبيات ، والآخر الذي في ذمته دينٌ يستوحي من نفس الأبيات أداء دينه ، وثالث يتمنى عودة مسافرٍ فيستشف من ذلك البيت البشرى بعودة غائبه ، وعلى نحو الإجمال أنّ لكل إنسان فهمه من هذه الألفاظ بما يتطابق مع خليفته الذهنية .

وفي الحقيقة أنّ هنالك أُناساً يستنطقون ديوان حافظ وكل منهم يلقي أفكاره على لسان حافظ ، فيجري تصور كافة التفاسير والتوجيهات والاستنباطات على أنّها صحيحة ؛ لأنّ الاستنباطات المذكورة نابعة من الأفراد أنفسهم ، وأنّ الألفاظ والكلمات وأبيات الشعر والغزل ـ استناداً لهذا الافتراض ـ تفتقد المعنى .

إنّ الفكرة التي يُروّج لها اليوم في أوساط المجتمع تحت عنوان ( القراءات المتعددة للدين ) هي على هذه الشاكلة ، إنّها فكرة تعتبر القرآن وكل نص ديني آخر خالياً من

 

الصفحة 68

المعنى وفارغاً من كل بلاغة ورسالة ، وإنّ أنصار هذه الفكرة يتصورون أنّ القرآن لا يتحدث عمّا يجب فعله أو ما يجب تجنّبه ، وما هو حق وصحيح وما هو باطل وخطأ ، بل الناس هم الذين يستوحون منه معنىً معيّناً من قبيل الحق والباطل والصحيح والخطأ في ضوء خزينهم الذهني ، وبما أنّ هذه الأمور منبثقة عن عقول الأفراد فبالإمكان اعتبارها صحيحةً بأجمعها ، بل لا معنى على نحو الإجمال للحكم في صحتها أو سقمها ، فعلى سبيل المثال أنّ جميع الاستنباطات المختلفة من آية واحدة تعد صحيحةً وإن تناقضت ، كما لو كان شخص يستنبط من بيت غزلي لحافظ شفاء مريضه ، وآخر يستوحي منه البشرى بعودة غائبه ، وثالث يستوحي منه اليأس ويجلس منتظراً فقدان مريضه .

يقول أصحاب نظرية القراءات المتعددة للدين إنّ القرآن وأي نص ديني آخر هو على هذه الشاكلة ، وهؤلاء يعتقدون أنّه لا ينبغي للناس أن يتهموا بعضهم البعض بإساءة فهم القرآن ، ففهم القرآن لا يحتاج لأي اختصاص ؛ إذ إنّ القرآن وغيره من النصوص الدينية لا ينطوي على أية رسالة حتى يجري الحديث عن فهمه ، فالمدار هو فهم الإنسان نفسه .

إنّ طرح هذه الفكرة يأتي ـ من وجهة نظرنا ـ لتحقيق أهداف سياسية ، غير أنّه يجري الترويج والتبليغ لها على أنّها نظرية في معرفة الدين ، وتحت عنوان قراءة جديدة للدين والصراط المستقيمة وما شابه ذلك .

إنّ فكرة التعددية الدينية التي تُطرح في إطار القراءات المتعددة للدين بعيدة كل البعد عن المنطق والعقل ، بحيث إنّ كل عاقل إذا ما ألقى نظرةً على جذور هذه الفكرة ومردوداتها سيقتنع دون مواربة ببطلانها ، ومن جهة أخرى نظراً للآثار المدمّرة لفكرة التعددية الدينية في المجتمع فلا يمكن المرور عليها ببساطة .

يبدو أنّ من أدهى المصائد التي نصبها الشيطان ـ هذا العدو المتربص بالإنسان ـ

 

الصفحة 69

منذ خلق آدم ( عليه السلام ) وحتى الآن ؛ لخداع عباد الله والموحدين مستعيناً بخبرته الممتدة لعدة آلاف من السنين ، هو الإيحاء بفكرة القراءات المتعددة للدين ، وثمّة أناس هبّوا لمؤازرة الشيطان تحت يافطة التنوّر الفكري منطلقين من هذه الفكرة الشيطانية ، وقد كرّسوا كافة قواهم لإعانته في هذا المجال ، وقد كرّسوا عقولهم وأفكارهم وقدراتهم الكلامية والكتابية تحت تصرّف الشيطان ، وجعلوا من أنفسهم أداةً لإغواء الناس .

بناءً على هذا لو أردنا الحديث بعبارة موجزة وواضحة عن ماهية فكرة التعددية في المعرفة الدينية ، التي تُطرح تحت عناوين من قبيل القراءات المتعددة للدين ، أو الصُرط المستقيمة ، أو دين الأكثرية ودين الأقلية ... الخ فحريٌّ بنا القول إنّ الفكرة المذكورة عبارة عن فكرة تتصور الدين والقرآن وكل نص ديني آخر فاقداً للحقائق الثابتة ، وترى انتفاء الحق والباطل والصحيح والخطأ فيه ، إنّ الدين لدى أصحاب هذه الفكرة مجموعة من الآراء المتباينة والمتناقضة ، أحياناً يستفيد الناس منها أثناء الرجوع إلى النصوص الدينية دون أن ينطق القرآن أو النص الديني بشيء . وأصحاب هذه الفكرة يتصورون القرآن ـ والعياذ بالله ـ كتاباً قصصياً يثير لدى الإنسان أَوهاماً مختلفة ، وكل إنسان يتخيل منه أمراً في ضوء خزينه الذهني فيستنبطه ، ويظهر قراءته للدين والقرآن وينسبها إلى الله .

ونحن نؤكد هنا بأنّ علينا أن نفكر أكثر بشأن حقيقة معنى القراءات المتعددة للدين وحقيقة الصُرط المستقيمة ، ونتمعّن في الآثار والمردودات المدمرة لهذا الفكر الإلحادي ؛ كي ندرك أغراض أصحاب هذه المصيدة الشيطانية والمخطّطين لها ، ونطّلع على عمق تحركهم .

على أية حال عندما نقارن التوجه المذكور مع توجه الطائفة الأُولى ، نجد أنّ روح التوجه لدى الطائفة الأُولى هي روح محورية الله والعبودية والتسليم في مقابل الله سبحانه وتعالى ، والروح الثانية هي روح محورية الإنسان والتهرب من الله وتعاليمه ،

 

الصفحة 70

وعلى نحو الإجمال أنّ العمل في التوجه الأَوّل يتركز على أن يتقبل الإنسان عبودية الله عزّ وجل ، فيما يتركز العمل في التوجه الثاني على أن يبتعد الإنسان عن عبودية الله ، ويطيش في الشهوات والنزوات الحيوانية ، وهذا التوجه يجعل الأصالة لأهواء الإنسان ورغباته ، ويحاول تفسير الدين والقرآن لصالحهما .

لعلّ من الحِكم التي ينطوي عليها القرآن في عبارات من قبيل : ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) ، (1) ( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) ، (2) ( تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ) ، (3) ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ) ، (4) الوارد التأكيد فيها على جلاء القرآن ووضوحه وفصاحته ، هي التصدي للأفكار المنحرفة مثل تعدد القراءات ، وأن لا تكون هنالك ذريعة بيد أحد من قبيل غموض وعدم مفهومية المعنى والمراد في القرآن .

بناءً على هذا ؛ إنّ القرآن كتاب هداية قد أبان الله سبحانه وتعالى فيه كافة الحقائق الكفيلة بسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة ، والمسلمون مكلّفون بأن يعرفوا واجباتهم الفردية والاجتماعية عبر التدبّر بالقرآن ، وضمان فلاحهم باتّباعهم له ، لكن مَن الذين له الأهلية لفهم القرآن والعلوم الدينية ؟ هذا أمر سنتطرق لإيضاحه لاحقاً .

 

ضرورة اكتساب الأهلية لفهم القرآن وتفسيره

من الطبيعي أنّ فهم القرآن وتفسيره ليس من قابلية كل أحد ، مثلما أنّ فهم الموضوعات العلمية الدقيقة في كل فرع وحقل ليس من قابلية كل أحد أيضاً ، ففهم المعادلات الرياضية المعقدة أو دقائق سائر العلوم إنّما هو في حدود أهلية المختصين بها فقط ، وأنّ غير المختصين ليسوا عاجزين عن الإدلاء بدلوهم بشأنها فحسب ، بل أنّ وجهات نظرهم حولها تفتقد لأي وزن .

وفيما يخص فهم القرآن وتفسيره أيضاً فإنّ الإدلاء بالرأي من قِبل الذين لا معرفة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحجر : 1 .

(2) الشعراء : 195 .

(3) النمل : 1 .

(4) المائدة : 15 .

الصفحة 71

لهم بعلوم الدين ومعارفه يفتقد لأي قيمة وشأن ، فبالرغم من أنّ القرآن نزل بلسان بليغ ومبين ؛ ليفهمه الناس ويعملوا به ، لكن ليس الأمر بأنّ عمق معارفه ممّا يتسنّى للجميع فهمه على مستوى واحد ، فالمتيسر فهمه من القرآن لعامة الناس هو الظاهر من المعنى إذ يصرّح القرآن : نحن أنزلنا القرآن بلسان مبين ، أي أنّ القرآن نزل بنحو يتسنّى لكل عارف بمبادئ وقواعد اللغة العربية وتهيمن عليه روح العبودية ، أن ينتهل من القرآن وينتفع منه في حدود عقله ومعرفته ، لكن الغور في عمق معاني القرآن ومعارفه يحتاج إلى مقدمات وتفكّر وتدبّر . يقول القرآن بهذا الصدد : ( إِنّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ، (1) أو قوله : ( إِنّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (2) .

على العموم أنّ الآيات التي تدعو الإنسان إلى التدبّر والتفكّر في القرآن ومعارفه تقول لنا : لا تكتفوا بظواهر القرآن ، بل أدركوا عمق القرآن ودقائق معارفه ، من خلال التدبر والتفكر والانتهال من علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وانتفعوا أكثر فأكثر من كنز العلم الإلهي هذا ، وعليه فإنّ فهم القرآن وتفسير علومه السامية إنّما هو قابلية المختصين والعارفين بعلوم أهل البيت ( عليهم السلام ) فقط ، فليس الأمر أن يكون مباحاً لكل مَن وقف على قارعة الطريق أن يدلي بدلوه ، ويكون بوسعه أن يتحدث دون أدنى معرفة بعلوم الدين وأصول وقواعد البيان والتفسير عن الدين وأحكامه ومعارفه ، على أنّه يقوّم قراءةً جديدة .

 

المراتب المختلفة لمعاني القرآن وفهم معارفه

يظهر في الكثير من الروايات هذا المعنى من أنّ للقرآن ظاهراً وباطناً ، وليس بمقدور كل أحد فهم عمق معارف القرآن ، فالقرآن ليس كتاباً ومقالاً عادياً يستطيع جميع الناس إدراك جميع علومه ، فكما تقدّمت الإشارة آنفاً أنّ القرآن بحر عميق بعيدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يوسف : 2 .

(2) الزخرف : 3 .

 

الصفحة 72

شواطئه ، يقتطف كل إنسان من لآلئ معرفته بقدر قابليته وقدرته على الغوص ، وينطلق متخطياً ظواهر القرآن نحو عمق معارفه بمقدار قابليته ومواهبه ، فيستفيد مطالب متعددة من آية واحدة تسير مع بعضها طولياً دون أن يكون فيها أدنى منافاة أو تناقض ، وهذا بحد ذاته من معجزات القرآن الكريم .

على سبيل المثال ، يقول القرآن الكريم : ( يَا أَيّهَا النّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ ) (1) فالذي يفهمه عامة الناس من هذه الآية ويدل عليه ظاهر الآية هو : أنّكم محتاجون لله سبحانه وتعالى وهو غني ويستحق الحمد ، فما يتداعى إلى أذهان الناس من مفردة الفقر ، هو فقر الإنسان في مجال المعيشة من مأكل وملبس وغيرهما ، ممّا يقوم الباري تعالى من خلال خلق أسبابها وعللها بتوفير مقومات استمرار حياة الإنسان ورقيه وتكامله ، في هذه المرتبة من الفهم التي يعبّر عنها بمرتبة الظاهر يكون ظاهر القرآن جلياً وناطقاً يدركه جميع أهل اللغة ، لكن ليس الأمر عدم استفادة معنى آخر أكثر عمقاً من المعنى الظاهري ، وأن تخلو الآية المذكورة من إشارة إلى مطلب أدق أكثر سعةً من هذا الفهم العام ، فكلما كان الإنسان أكثر معرفةً بخفايا الكلام والإسرار الأدبية للغة ومضامينها ـ ونظراً لأنّ القرآن يوصي في المقابل بالتدبّر والتفكّر لدى التعرض لآيات القرآن ـ فإنّ المرء سيدرك إبعاداً أدق وأعمق لظواهر الآيات .

لو تأملنا بقليل من التعمّق في هذه الآية ، سنرى أنّ فقرنا وحاجتنا إلى الله سبحانه وتعالى أوسع مدىً من المأكل والملبس والمستلزمات الصحية والمادية ، فنحن فقراء مطلقون والله الغني المطلق ، ونحن فقراء بالذات والله غني بالذات ، والفقير في اللغة تعني مَن كسر عموده الفقري ولا قدرة له على الوقوف ، والإنسان فقير بمعنى أنّه مهما توفرت له الإمكانيات المادية فإنّ وجوده ناقص وتابع ، وعندما ننظر إلى هذه الآية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فاطر : 15 .

 

الصفحة 73

بهذه النظرة وفي ضوء هذا الأمر ، سندرك أنّ حاجتنا إلى الله عزّ وجل تتجاوز المأكل والملبس وسائر المستلزمات ، فنحن فقراء الله في أصل الوجود ، فالله جلّ وعلا قد خلقنا ، وهو قد هيّأ مقومات استمرار حياة الإنسان ورقيه وتكامله من خلال إيجاده للأسباب والعلل الوجودية ، فنحن محتاجون وفقراء في أصل الوجود وبالذات والله عز وجل غني بالذات .

من الطبيعي أنّ النظرة الثانية أعمق من النظرة الأُولى فهنا يُعدّ المعنى الأوّل ظاهرياً والثاني باطنياً ، والمعنى الأعمق من المعنى الثاني هو أن نقول : إنّكم أيّها الناس لستم فقراء ومحتاجين في أصل الوجود فحسب ، بل أنتم عين الفقر ومحتاجون بكل كيانكم ووجودكم ، وكيانكم عين الارتباط بالله وتعالى ، وبالطبع فإنّ إدراك حقيقة المعنى الثالث خارجة عن حدود الفهم العادي .

على أية حال ، ينبغي الانتباه إلى أنّ هذه المعاني الثلاثة للآية وتفسيرها تسير طولياً مع بعضها ، وفي نفس الوقت أنّ كلاً منها صحيح وصائب ، ولا يتنافى أي منها مع غيره ، لكن المعاني المذكورة ليست بمستوىً واحد من حيث العمق ، وليست جميع مراتب القرآن ممكنة الإدراك بالنسبة للجميع ، وأنّ جميع الناس يمتلكون القدرة والقابلية على فهم جميع مراتب القرآن وبواطنه .

والمراد من الكلام المتقدم هو ؛ تقريب المطلب الوارد في بعض الروايات القائل بأنّ للقرآن ظاهراً وباطناً ، وليس بمقدور الجميع إدراك عمق معارف هذا الكتاب الإلهي ، ومن الضروري التأكيد والتذكير بأنّ الأئمة ( عليهم السلام ) وحدهم ـ وبتعليم من الله ـ المطلعون على معارف القرآن وعلومه ، وعالمون ببواطن هذا الكتاب السماوي العظيم ، وفي هذا المجال نورد مقطعاً من رواية عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : ( يا جابر ، إنّ للقرآن بطناً ، وللبطن بطناً وله ظهر ، وللظهر ظهراً . يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن ، إنّ الآية لتكون أَوّلها في شيء وآخرها في شيء ، وهو كلام متصل يتصرف على وجوه ) (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار : ج92 ، ص95 .

 

الصفحة 74

يخاطب الإمام الباقر ( عليه السلام ) جابراً بأنّ للقرآن باطناً وللباطن باطناً ، والقرآن ذو ظاهر وللظاهر ظاهرٌ أيضاً ، وعليك يا جابر أن تعرف أنّ عقول الرجال أعجز من أن تتصدى لتفسير حقيقة القرآن وباطنه ؛ لأنّه ربّما يدور أوّل الآية حول شيء ما فيما يتحدث آخرها عن شيء آخر ، فالقرآن كلام مترابط ذو قابلية على أن يتضمن عدة معاني دون أن يكون هنالك أدنى تناقض أو منافاة بين المعاني والمعارف .

ما يجري التأكيد عليه هنا هو أنّ فهم بواطن ودقائق معارف القرآن ليس بمستطاع الجميع ، وبالطبع ليس المعنى من هذا الكلام أنّ القرآن نزل للأئمة والراسخين في العلم وحدهم ، وأنّ الآخرين عاجزون حتى عن فهم ظاهر القرآن ، بل أنّ ظاهر القرآن متيسر الانتفاع بالنسبة لكل إنسان في حدود فهمه وإدراكه وقابليته ، شريطة أن ينحّي جانباً أحكامه المسبقة ورغباته وأهواءه النفسية ، ويتجنّب التفسير بالرأي ، وفيما يتصل بفهم القرآن ينبغي أن نشير إلى أمور نتطرق إليها في هذا المقطع من البحث .

اختصاص تفسير القرآن ـ بمعنى تفصيل الأحكام ـ بالنبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام )

كما جرى إثباته وبيانه في موضعه أنّ أحد منازل النبي ( صلّى الله عليه وآله ) فيما عدا شأن تلّقي الوحي وتبليغه ، هو بيان الوحي وتفصيل الأحكام والتعاليم الإلهية ، لقد نزل القرآن الكريم بهيئة مجموعة من القوانين والأحكام الكلية على النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، ولم يتصدَ بنفسه لبيان وتفصيل الأحكام والجزئيات ، وفيما عدا موارد معدودات فقد أوكل مهمة تفصيلها وبيانها إلى النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) ، فعلى سبيل المثال أنّ القرآن يأمر بالصلاة على نحو الإجمال ويطلب من المسلمين أن يؤدوا الصلاة ، ولكن ما هي الصلاة وكم عدد ركعاتها وكيفية أدائها ؟ وما هي شروطها وتفاصيلها ؟ فهذا ممّا لم يجرِ بيانه في القرآن ، وقد أُنيطت مهمة تفصيل هذا الحكم الكلي وما شابهه بالنبي ( صلّى الله عليه وآله ) .

 بناءً على هذا ؛ فإنّ تفسير وبيان الأحكام الإلهية مناط بالنبي ( صلّى الله عليه وآله ) ومن شؤونه ( صلّى الله عليه وآله ) . فالقرآن بدوره ينوّه إلى مسؤولية

 

الصفحة 75

بيان الوحي ويعدها من واجبات النبي ( صلّى الله عليه وآله ) : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ ) (1) وليس مستبعداً أن يكون المراد من التعليم في بعض الآيات ـ من قبيل الآية 164 من سورة آل عمران ، التي أوردت التعليم إلى جانب التلاوة ـ بيان منزلة وشأن النبي ( صلّى الله عليه وآله ) في بيان وتفسير الوحي والقرآن .

إنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ـ في الحقيقة ـ عندما ينبري لمهمة إبلاغ الوحي فهو يتحمّل واجبين مهمين ، الأَوّل أن يقوم بتلاوة كلام الوحي وقراءته على الناس ، والثاني بيان وتفسير مقاصد الآيات ومضامينها لهم وتعريفهم بأحكام ومعارف القرآن . يقول القرآن : ( لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) (2) ففي هذه الآية والآيات المشابهة لها جرى بيان الوظيفة الأُولى أي قراءة الآيات من خلال لفظ ( يتلو ) ، واستخدم لفظ ( تعليم ) لبيان الوظيفة الثانية أي تفسير وبيان المضامين والأحكام .

وبالنتيجة فإنّ بيان الوحي وشرح الأحكام الإلهية ، وتفسير القرآن الكريم بالمعنى المتقدم ، ليس سوى عملٍ يدخل ضمن أهلية النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) ؛ لأنّهم وحدهم العارفون بالعلم اللدنّي والعلوم والمعارف الإلهية .

فَهْم علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) مقدمة لفهم وتفسير القرآن

الآن وفي ضوء ما تقدم تتضح جيداً مهمة المفسّرين ، فكما جرى بيانه أنّ بيان الوحي وشرح الأحكام وتفسير الآيات القرآنية ، إنّما تقع في الأصل على عاتق النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، وفي حدود مسؤوليته وهو ( صلّى الله عليه وآله ) قام بتعريف الناس بعلوم القرآن على امتداد حياته المعطاءة ما أمكنه ، وفي هذا الزمان فإنّ المفسّرين مكلّفون أيضاً بالرجوع إلى الروايات والأحاديث الواردة في هذا المجال ، عبر أسانيد صحيحة عن الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) ، ومطالعة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النحل : 44 .

(2) آل عمران : 164 .

 

الصفحة 76

الآيات ذات العلاقة والتدقيق بها على أساسها ، وصياغة أفكارهم وآرائهم في إطار بيان وتوضيح النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، وأن يتمسكوا بالثقل الأصغر أي أهل البيت والأئمة المعصومين (عليهم السلام) حيثما لم يتسنّ له ( صلّى الله عليه وآله ) بيان الثقل الأكبر والقرآن الحكيم ، وفي هذا المجال أيضاً فإنّ المتخصصين والعارفين بالعلوم والمعارف الدينية مكلّفون بأن يجعلوا الروايات والأحاديث الصحيحة السند مرتكزهم ودليلهم في فهم القرآن الكريم ، وينبروا لفهم القرآن وتفسيره على أساس الروايات الصحيحة .

بناءً على هذا ، إنّ أَوّل ملاك في الفهم الصحيح للقرآن وعلوم الدين ، هو البيان والإيضاح الوارد عن النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) ، وبالنتيجة فإنّ أوّل وأهم واجب على المفسّر هو فهم وبيان التفسير الوارد عن النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) ، ففي ظلال علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) فقط يمكن الوصول إلى فهم معارف القرآن .

تفسير القرآن بالقرآن

الأمر الثالث المهم جداً والضروري الانتباه إليه في الفهم الصحيح لكلام الوحي هو تفسير القرآن بالقرآن ، والتأمل بالترابط بين الآيات ، فبالرغم من أنّ آيات القرآن تبدو حسب الظاهر منفصلة فيما بينها ، وأنّ كلاً منها أو أنّ كل مجموعة منها تبيّن موضوعاً معيّناً ، لكن الفهم الصائب والتفسير الصحيح إنّما يتيسر تحقّقه عندما يُنظر إلى آيات القرآن على أنّها مترابطة فيما بينها ، ويحاكي بعضها البعض ، فالكثير من آيات القرآن وعلوم هذا الكتاب الإلهي يفسّر بعضها البعض ، وتشهد على صدق وصحة مضامين بعضها البعض .

يقول علي ( عليه السلام ) بهذا الصدد : ( كِتَابُ اللَّهِ تُبْصِرُونَ بِهِ وَتَنْطِقُونَ بِهِ وَتَسْمَعُونَ بِهِ ، وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ، وَلا يَخْتَلِفُ فِي اللَّهِ وَلا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللَّهِ ) (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 133 .

 

الصفحة 77

فالقرآن كتاب الله هو الذي يجعلكم تبصرون الحق وتنطقون به وتسمعونه ، والقرآن كتاب يفسّر بعضه بعضاً ، ويشهد بعضه على البعض الآخر .

من موارد تفسير القرآن بالقرآن يمكن الإشارة على سبيل المثال إلى الآية 11 من سورة الشورى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) . والآية 10 من سورة الفتح : ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) .

إنّ ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) من محكمات القرآن ومعناها واضح ومعلوم ، فالآية تقول ليس مثل الله شيء والله سبحانه وتعالى حقيقة لا مثيل لها ، وفي الآية ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) يقول تعالى إنّ يد الله تعلو كافة الأيادي ، فرغم أنّ هذه الآية تنسب اليد لله لكن الآية ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) تنفي هذا المعنى الظاهري ، وفي ضوئها نفهم أن ليس المراد من اليد معناها الظاهري ، بل ينبغي أن يكون المراد معاني كنائية من قبيل القدرة وما شابهها .

 وعليه ؛ إنّ تفسير وبيان الآية ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) دون العودة إلى الآية ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) خروج عن النهج الصحيح للتفسير ، وربّما يطرأ خطأ وفي ضوء التفسير الخاطئ تقدّم صورة خاطئة وجسمانية عن الله .

بناءً على هذا يجب أن نلتفت لدى تفسير القرآن إلى هذا الأمر ، وهو أن ننظر إلى الآيات المترابطة مع بعضها ، ونحاول فهمها بالاستعانة بالقرآن نفسه .

الالتزام بأصول وقواعد الحوار العقلائي في فهم القرآن

الأمر الرابع الذي يتعيّن الاهتمام به في تفسير القرآن ، هو الالتزام بأصول وقواعد الحوار العقلائي في الفهم الصحيح للقرآن الكريم ، لاسيما عندما لا يكون هنالك في متناول اليد حديث صحيح ، أو بيان واضح عن النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، أو الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) بشأن آية ما ، فذلك ممّا يضاعف من ضرورة مراعاة مبادئ وقواعد الجدال العقلائي في الفهم الصحيح لآيات القرآن ، وفي هذا المقطع يبرز دور أعلام الدين والمفسّرين والعارفين بعلوم أهل البيت ، الذين افنوا عمرهم في فهم معارف القرآن وعلوم أهل البيت ، في

 

الصفحة 78

الفهم الصحيح للقرآن وبيان معارف الدين ، فهؤلاء وطبقاً لأصول الحوار العقلائي هم الذين يميّزون عام القرآن عن خاصّه ، ويشخّصون حدود معاني كلّ منها ، ويعرفون مطلقه من مقيّده ، ويفسّرون الآيات ببعضها ، ويشخّصون ترابط كل آية بالآية الأخرى ، ويراعون ذلك عند التفسير .

ملائمة فهم المفسّرين لقابلياتهم

الأمر الآخر الذي ينبغي أن يحظى بالعناية في هذا المجال لا يقتصر على فهم القرآن ومعارف الدين ، بل هو موضع قناعة من الجميع في سائر الفروع ومختلف الاختصاصات العلمية ، وهو وجود درجات للفهم وتناسبها مع القدرات العقلية ومقدار السعي والجهد والدقة في الفهم الصحيح وتوضيح ذلك وهو :

من المسائل التي يفتي بها جميع الفقهاء تقريباً في الأبحاث الفقهية ، ويعتبرونها واجباً على المقلّد هي مسألة تقليد الأعلم ، فعلى هذا الأساس يقال إنّ الفقاهة والتخصّص في فرع الفقه واستنباط الأحكام ذات مراتب ، وعلى كل مكلّف أن يقلّد الفقيه الأعلم أي الأكثر فهماً ومهارةً من الآخرين في استنباط الأحكام ، ومَن يتمتع بتفوق في الفقاهة ، وبطبيعة الحال أنّ سائر المراجع الذين ليسوا بمستوى ذلك الفقيه الأعلم هم فقهاء ومجتهدون أيضاً لكنّهم يأتون في مراتب تالية .

لا يخفى أنّ فتوى الفقهاء في وجوب تقليد الأعلم نابعة من منهج عقلائي أيضاً ، فهي بالضبط كالرجوع إلى الطبيب المتخصص الذي له سنوات طويلة من الخُبرة في الطب ، وأنّ تفضيله على الذي نال لتوه ترخيصاً بالطب منهج عقلائي ، والعمل خلافاً لهذا المنهج عرضة للذم من قبل العقلاء .

إنّ فهم ومعرفة دقائق معارف القرآن لا يكون إلاّ في حدود قدرات المختصين والعارفين بعلوم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، الذين أفنوا عمرهم في فهم القرآن والمعارف الدينية ، وفي ضوء مراتب فهم القرآن وتفسير هذا الكتاب السماوي

 

الصفحة 79

فمن الطبيعي أنّ الأمور والموضوعات المذكورة ، كلما حظيت باهتمام ودقة أكثر كلما تضاءل احتمال الخطأ في تفسير آيات الله ، ونقترب أكثر من الفهم الصحيح لهذا الكتاب السماوي .

وجوب معرفة القرائن الكلامية

التذكير السادس الذي نلفت إليه عناية القرّاء ، هو وجوب معرفة القرائن الكلامية وشأن نزول الآيات ، فبالرغم من أنّ القرآن الكريم قد نزل لكافة العصور والأجيال ، وأنّ مخاطبيه هم أهل كافة الأعصار ، لكن القرائن وشأن النزول والظروف الزمانية والمكانية التي نزلت فيها الآيات الكريمة كانت من الوضوح بالنسبة لأوائل المخاطبين والمعاصرين لنزول القرآن ، لم يكن ليبقى أي مجال للشك والاختلاف في معناه وتفسيره ، بالإضافة إلى أنّه لو كانت هنالك آية غامضة فلم يكن من الصعب وصول الناس إلى النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، أمّا اليوم حيث الابتعاد عن عصر النزول وإمكانية اختفاء القرائن وشأن النزول ، تتضاعف ضرورة ووجوب توخّي الدقة في الفهم الصحيح للقرآن .

من ناحية أخرى أنّ معرفة المعاني الحقيقة واللغوية للألفاظ المستخدمة في القرآن الكريم من الأمور التي بدونها لا يتيسر الفهم الصائب ، والتفسير الصحيح للقرآن ، فربّما تؤدي الغفلة عن التطور المعنائي ، الذي قد يطرأ في اللغة مع مرور الزمن إلى حدوث الخطأ وسوء الفهم ، فعلى سبيل المثال من الواضح للجميع معنى ومفهوم كلمة ( التقية ) ، فالمراد من هذه الكلمة في الثقافة العامة هو أن يخفي المرء معتقده ودينه ، ويوحي بما يجعل مخاطبه لا يعرف بمعتقده ودينه الحقيقي ، بينما المعنى اللغوي للتقية هو الورع وقد استخدمت بهذا المعنى في القرآن ونهج البلاغة ، ورغم عدم وجود مفردة تقية في القرآن ولكن قد وردت مفردة ( تقاة ) المرادفة للتقية والتقوى في الآية : ( اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) آل عمران : 102 .

 

الصفحة 80

وجود الصور الكلامية في القرآن الكريم

بالرغم من أنّ القرآن الكريم ـ كما يصرّح هو بنفسه ـ قد نزل بلغة بيّنة وجليّة ، وبإمكان كل إنسان أن ينتهل من هذا الكتاب السماوي في حدود فهمه وقابليته ، لكن من الضروري الانتباه إلى هذا الأمر وهو أنّ القرآن يتمتع بأفصح وأبلغ الصور الكلامية والبيانية ، ومن الطبيعي أنّ الالتفات إلى الأمور الآنفة الذكر ، من الشروط الرئيسية للاستفادة الصحيحة والسليمة من القرآن الكريم .

قد تقوم آية ما في القرآن الكريم ببيان حكم بشكل إجمالي وعام ، وفي آية أخرى يجري توضيح حدود ذلك الحكم ، أو أن يتم بيان حكم في آية بصورة مطلقة ويستفاد قيده وشرطه من آية أخرى ، كما أنّ بيان الموضوع عن طريق المثال واستخدام الكناية والاستعارة والمجاز وما شابه ذلك من الطرق المستخدمة في القرآن ؛ ونظراً لأن الناس هم المخاطبون في القرآن وأنّ الطرق المذكورة تعد من محاسن الكلام الإنساني والعقلائي في بيان الغاية ، فإنّ القرآن يستعين بهذه الطرق بأروع شكل ممكن في بيان أحكامه ومعارفه .

 بناءً على هذا ؛ إنّ الطرق المستخدمة في القرآن هي ذاتها الطرق التي يستخدمها العقلاء في بيان كلامهم ، مع فارق أنّ نوع وكيفية استخدام الفنون البيانية المستخدمة في القرآن ، لا يمكن مقارنتها من حيث المرتبة والروعة والسلامة مع استخدام المحاسن المذكورة في كلام الإنسان ، والسبب في ذلك هو ؛ أنّ القرآن كلام الله سبحانه وتعالى ، الذي نزل على النبي ( صلّى الله عليه وآله ) بأفصح وأبلغ بيان ، وعلّم البشر أصول الفصاحة والبلاغة ، وقد دعا هذا الكتاب الناس بأروع وأفصح وأبلغ كلامٍ إلى التوحيد والهداية والتكامل والسعادة .

إنّ خلاصة ونتيجة موضوعات القسم الأخير من هذا الفصل تتمثل في عبارة واحدة هي : أنّ معرفة جوانب ومحاسن الكلام المستخدم في القرآن إلى جانب الأمور المتقدمة من الشروط الضرورية لفهمه ، وممّا لا شك فيه أنّ إهمالها سيؤدي إلى سوء الفهم والتفسير الخاطئ .

الصفحة 81

 

 

الفصل الثالث

القرآن والغزو الثقافي

 

الصفحة 82

 

الصفحة 83

امتزاج الحق بالباطل

في ضوء المطالب التي جرى بيانها في الفصلين المتقدمَين ، وفي حدود تحقيق غاية الكتاب فقد تمّ تقديم إيضاحات موجزة عن مكانة القرآن وأهميته ، ودور هذا الكتاب الإلهي ، من منظار نهج البلاغة في هداية البشر نحو السعادة الكمال ، والآن يتبادر هذا السؤال وهو : هل يكفي الالتزام بالأمور الآنفة الذكر لغرض الاستفادة من القرآن الكريم ، والتمسك بالثقل الأكبر الذي يُعد تراثاً عظيماً للنبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) ؟ ربّما يقال لو جرى الالتزام بكافة الأمور التي تلعب دوراً في الفهم الصحيح والاستنباط الصائب من القرآن ، فمن المحتم أن تُفهم أحكام القرآن ومعارفه كما هي ، وتتبلور ثقافة المجتمع على أساس توجيهات القرآن الكريم ويتحصّن الناس من الخطر في ظل الحكومة الدينية وتحت ظلال القرآن ؛ لأنّ التمسك بالقرآن هو ذاته الفهم الصحيح لمعارفه والعمل على أساس التعاليم القرآنية .

بالرغم من أنّ الجواب المذكور يُعتبر إلى حدّ ما صحيحاً في حدود الهدايات الفردية للقرآن ، لكن تحقّق هذا الأمر إنّما يكون حينما يُنظر إلى الدور المفترض للقرآن على مستوى عامٍ ، ويُدرك موقعه في مواجهة الأفكار الضالة والمتطاولين على الثقافة الدينية .

يبدو أنّ تحكيم ثقافة القرآن وقيادة المجتمع على أساس المعتقدات والقيم الدينية لن يكون مهمةً سهلةً ، بدون معرفة الأفكار الضالة لأعداء القرآن ، ومواجهتهم من خلال تسليط الأضواء ، وفضح مؤامراتهم أمام الملأ ، وهذا أمر غالباً ما يكون محط غفلة .

 

الصفحة 84

بناءً على هذا ينبغي إلى جانب العمل على فهم القرآن والعمل بتوجيهاته ، أن لا يُغفل عن أعداء القرآن بأي نحو كان ، فلا يتحقق التمسك بالقرآن وتحكيم هذا الكتاب السماوي إلاّ بمعرفة الأفكار الضالة المعادية للقرآن ومواجهتها .

إنّ الحق والباطل متلاصقان في مقام العمل مثل تلاصقهما في مقام المعرفة ، أي أنّكم إذا ما عرفتم الحق فستعرفون الباطل أيضاً ، ومعرفة الباطل تعينكم لكي تعرفوا الحق أيضاً ، وفي مقام العمل يتعذر تحكيم القرآن في المجتمع بدون معرفة الأعداء والأفكار المنحرفة ، والتصدي لمؤامراتهم ومكائدهم الشيطانية في إضعاف الثقافة الدينية للناس .

إنّنا وفي هذا المجال نورد في البداية كلاماً لعلي ( عليه السلام ) في نهج البلاغة ، ومن ثَمّ نقوم ببيان أساليب أعداء القرآن في تضليل الرأي العام للمجتمع لنعرّف ـ من خلال توضيح شبهات الملحدين ـ الرأي العام للناس لاسيما طبقة الشباب والمثقّفين في المجتمع بالمؤامرات الشيطانية التي يحيكها الأعداء .

إنّ معرفة الأعداء والمناهضين للقرآن والثقافة الدينية من الأهمية والحساسية بحيث يقول علي ( عليه السلام ) : ( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ ، وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ ، وَلَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ ، فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَمَوْتُ الْجَهْلِ ) (1) ، فاعلموا أنّكم لا تعرفون طريق الهداية ولا تسلكونه إلاّ أن تعرفوا الذين تخلوا عن الهداية الإلهية ، ولا تتمسكون بعهد الله وهو القرآن الكريم إلاّ أن تعرفوا الذين نكثوا ذلك العهد ، ولا تكونون ممّن تمسكوا بحبل الله المتين والأتباع الحقيقيين للقرآن إلاّ أن تعرفوا الذين حادوا عن القرآن واعرضوا عن هذا الكتاب الإلهي ، ثمّ يقول ( عليه السلام ) : خذوا تفسير القرآن ومعارفه عن أهل القرآن ـ أهل البيت ـ لأنّهم هم الذين يحيون العلوم والمعارف الإلهية ويميتون الجهل .

إنّ هذا الكلام الجلي لعلي ( عليه السلام ) المرتكز على ضرورة تمييز العدو ومعروفة الأفكار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 147 .

 

الصفحة 85

الضالة وضرورة فضح المنحرفين ، يضاعف واجب علماء الدين والقائمين على نشر العلوم والمعارف الإلهية ؛ لأن إزالة الأفكار المنحرفة ، وشبهات الملحدين ، عن أذهان الناس ، لاسيما الشباب الذين لا يتمتعون بالبنية العلمية الكافية من حيث العلوم والمعارف الدينية ، من المهام الأساسية للتبليغ ، وتحكيم الثقافة القرآنية والدينية وبدون ذلك لا يمكن توقّع تحقيق النتيجة المنشودة والمفترضة ، ولغرض توضيح هذا الأمر نتابع البحث في ثلاثة أقسام هي : الشبهات ، والأساليب ، ودوافع الأعداء من إثارة الشبهات .

بالرغم من أنّ القرآن أعظم نعمة مَنَّ بها الله سبحانه وتعالى بها على عباده ، ورغم أنّه تكفّل المحافظة عليه من تطاول الشياطين وذوي الأطباع الشيطانية من الناس ، لكن هذه ليست نهاية القصة ، فالشيطان ـ هذا العدو المتربص ببني آدم ـ يوحي بالشبهات في كل عصر وبما يتناسب مع الظروف والروح السائدة ، على مَن لهم القدرة من حيث الموقع الاجتماعي بالتأثير على أفكار الناس ، وفي إطار أهوائهم النفسية ؛ ليجرّ عامة الناس من خلالهم خلفه ، ويحرفهم عن القرآن والدين ، وبما أنّ القرآن أعظم وسيلة لنجاة الناس وهدايتهم وسعادتهم ، فإنّ كل ما يتمناه الشيطان ويهدف له هو فصل الناس عن القرآن والدين ، ومن أحابيل الشيطان في هذا الاتجاه هو تشجيع وساوس الذين بمقدورهم خلخلة إيمان واعتقاد الناس عن طريق إثارة الشبهات حول الدين والقرآن .

لقد كان عمل الشيطان والشياطنة في مقارعة القرآن الكريم قائماً منذ بداية نزول القرآن ، وقد بدأت هذه الأعمال منذ الحث على ملء الآذان بالقطن ، والمنع عن الاستماع لآيات الله ، وتوجيه الاتهام للنبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، والافتراء عليه وهي مستمرة الآن بصور أخرى ، وسوف تستمر لاحقاً أيضاً ، وفي هذا المجال نغض الطرف عن إيراد تفاصيل طريقة المواجهة مع القرآن على مر التاريخ ، ولغرض تجنّب الإطناب في الحديث نحاول من خلال ذكر بعض الشبهات التي تُثار الآن في وسط المجتمع ؛ لإضعاف الثقافة الدينية

 

الصفحة 86

للناس ، لاسيما الشباب منهم وعقائدهم ؛ كي نعمل على تنوير عقول القرّاء ومنهم الشباب ، كي يتسنّى لهم ومن خلال الاطلاع على هذه المؤامرات الشيطانية التصدي للغزو الثقافي الذي يشنه الأعداء .

عندما يئس الشياطين في مواجهتهم للقرآن من القضاء عليه وإفنائه قرّروا حرمان الناس من التعرف على مضمونه ، فكان أعداء القرآن وعلى مدى عدة قرون يروّجون في أوساط المسلمين ، لاسيما الشيعة من أنّنا ينبغي أن لا نتوقع الكثير من القرآن ؛ لأنّ القرآن متعذر الفهم بالنسبة إلينا ، ونحن لسنا على اطلاع بباطن القرآن ، وعليه لا يمكن الاستناد إلى ظاهر القرآن .

إنّ هؤلاء وبإيحائهم بفكرة عدم قدرتنا على فهم القرآن كانوا يحاولون حرمان الناس من الانتهال من القرآن ، وبالنتيجة يُخرجون القرآن من صلب حياة المسلمين ، وفي هذه الأثناء بالرغم من أنّ الاحترام الظاهري للقرآن في صيغة القراءة والتقبيل وتقديسه واحترامه كان شائعاً بين المسلمين ، لكن هدف الأعداء ومناهضي القرآن هو حرمان الناس من مضمون القرآن والعمل بتعاليم هذا الكتاب السماوي .

واليوم يقوم أدعياء التنوّر الفكري ـ الذين يفتقرون للكثير من العلوم والمعارف الإسلامية ـ بإثارة أكثر الشبهات إضلالاً ، والمؤامرات الشيطانية التي حيكت في الغرب قبل عدة قرون حول الكتب المحرّفة لسائر الباديان ، وذلك تحت عنوان الأفكار الحديثة في وسط المحافل الثقافية والعلمية للمجتمع ، والتأثير على الشريحة الطلابية المتعطشة للعلم والمعرفة ، التي لا معرفة لها بأسس الأفكار الباطلة والأوهام الشيطانية لهؤلاء ، متوهمين أنّهم يقومون بإضعاف المرتكزات العقائدية لهذه الطبقة ، غافلين عن أنّ الشعب المسلم لاسيما الشباب من الطلبة والعلماء المسلمين الواعين ، سيدركون بطلان أفكارهم الخاوية الشوهاء والبعيدة عن المنطق والعقل . إنّ عقائد وأفكار وعلوم الشعب المسلم وعلماء الدين تقوم على العقل والمنطق ، ونابعة من علوم النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة

 

الصفحة 87

المعصومين ( عليهم السلام ) ، وتنبثق من ينبوع الوحي ، وحيثما واجه مسلمٌ أفكاراً منحرفة في المجالات الفكرية والعقائدية فإنّه ينبري لطرح ذلك أمام العلماء والمختصين بالعلوم والمعارف الدينية ؛ ليحصل على الجواب الصحيح والمنطقي .

شبهة عدم بلوغ حقيقة الدين

لقد أثيرت شبهة عدم إمكانية بلوغ حقيقة الدين بدوافع شيطانية للغاية ، ولها من الآثار المدمرة التي لا مجال الآن للتطرّق إليها جميعاً ، ونكتفي هنا بتوضيح أصل الشبهة وكشف بعض زواياها الخافية ولوازمها ، ونترك الحكم إليكم .

بما أنّ بحثنا يختص بالقرآن الكريم فإنّنا نتناول هذه الشبهة بالبحث فيما يخص القرآن .

فهذه الشبهة تُثار بصور شتى ومستويات مختلفة فيما يتعلق بفهم القرآن الكريم ، فتارة يقال إنّ بعض آيات القرآن الكريم لها تفسيرات مختلفة ، ولا يتفق المفسّرون في آرائهم في تفسيرها وتفصيلها ، ونحن مهما قمنا بالتحقيق لغرض أن نحصل على رأي صائب يكون كاشفاً عن الكلام الواقعي للقرآن ، فإنّنا في النهاية سنقبل بتفسير ورأي أحد المفسّرين ، ومن الطبيعي أنّ سائر المفسّرين لا يرون فيه رأي القرآن ، وعليه فإنّه ليس يسيراً بلوغ الكلام الحقيقي للقرآن .

من الطبيعي أنّ مثيري هذه الشبهة يحاولون من خلال الإيحاء بالفكرة المذكورة إثارة الشكوك لدى الذين لا يتمتعون بقوة فكرية ، واقتدار علمي متين ، وقدرة على التحليل والإجابة ، والمطالعة الكافية في المعارف الدينية ، إنّ هؤلاء واستناداً لتصوراتهم الخاطئة ، يعتقدون أنّ القواعد الفكرية والعقائدية للمسلمين تقوم على أساس التقليد الأعمى ، وهي تتحطّم من خلال نسج هذه الأوهام ، ولأنّهم يعرفون جيداً عندما يسود الفكر والعقل والمنطق فإنّ القرآن ومعارف هذا الكتاب الإلهي وحدها التي تحظى بتصديق العقل السليم ، والمنطق الصحيح ، ويتقبلها كل إنسان توّاق للحق صادقاً من كل

 

الصفحة 88

قلبه ، فقد حاولوا إثارة الشبهة المذكورة بشكل أكثر عمقاً ؛ ليكونوا ـ حسب زعمهم ـ قد وجّهوا ضربةً أقوى إلى الفكر الديني ، غافلين عن أنّ الواعين من علماء المسلمين وبتحليلهم لأفكار هؤلاء سيدركون الآثار واللوازم الباطلة لهذا النمط من الفكر ، الذي لا مآل له سوى الانحدار في ورطة التشكيك .

على أية حال ، يظهر من إثارة الشبهة المذكورة بالنحو الذي جرى بيانه ، أنّ مثيري الشبهة يعتقدون أنّ القرآن ذو حقائق ثابتة ، ولكن بما أنّ المفسّرين لا يتفقون بآرائهم في تفسير القرآن فإنّ أيدينا تقصر عن بلوغ الكلام الواقعي للقرآن ، وعليه فليس ممكناً الاستفادة من القرآن ويجب أن نلقيه جانباً .

ولكن عندما يواجهون الآيات الصريحة والواضحة في القرآن ، ويعجزون عن إيجاد تشويه في ظاهرها ومعناها الجلي ، ويرون أنفسهم عاجزين أمام العقل والمنطق ومحكمات القرآن ، فإنّهم يتمادون أكثر فيثيرون الشبهة بنحو آخر ، ولغرض بلوغ غايتهم المتمثلة بتجريد القرآن والعقائد والقيم الدينية من شأنها ، فإنّهم يبادرون إلى تغيير موقفهم بشكل كامل عن كلامهم السابق المتمثل بعدم إمكانية فهم القرآن والعلوم الدينية ، فيقفون في النقطة المعاكسة تماماً ، ففي موقفهم السابق كانوا يقبلون بالمعنى الذاتي والواقعي لكلام القرآن والمعارف الدينية ، ويرونها بعيدةً عن متناول الإنسان ، أمّا في موقفهم الجديد فهم يعتبرون القرآن والتعاليم الدينية خاليةً من الواقعية ، معتبرين المعارف والتعاليم الدينية استنباطات ذهنية للناس عن الآيات ويقولون : ليس القرآن وحده بل كافة الكتب السماوية نزلت بنحوٍ يمكن معه تفسيرها بصور مختلفة ، وتكون جميع تلك التفاسير المختلفة والاستنباطات المتباينة صحيحة وصائبة ، فإذا ما طُرح سؤال فحتى لو كانت تلك التفاسير والاستنباطات تختلف فيما بينها إلى حدّ التناقض ، فهم سيقولون إنّ الاختلاف في الاستنباطات لا يؤدي إلى حدوث مشكلة حتى لو كان بمستوى التضاد والتناقض ؛ لأنّ الدين والقرآن بالأساس لم يبيّن الحقيقة ، بل هو

 

الصفحة 89

ألفاظ وقوالب فارغة ألقيت على النبي باسم الوحي الإلهي ، وكل مَن يرجع إليها يتداعى أمر ما في ذهنه !! وما يتداعى هو فهم الإنسان نفسه ، وبما أنّ البشر يمتلكون عقولاً متباينة ففي النتيجة تكون الأفهام متباينةً أيضاً ، فالدين هو تلك الأفهام المتباينة للناس عن ألفاظ القرآن وآياته والتعاليم الدينية ، وحيث إنّ القرآن والتعاليم لا تكشف عن أية حقيقة فإنّ الأفهام المتباينة عنها ليست قابلةً للتصديق والتكذيب ، فالأفهام جميعها محقة ومحكومة بالصحة والصدق ؛ لأنّ القرآن لا يكشف عن حقائق ثابتة يتطابق معها أحد الأفهام والتفسيرات .

لقد تمادى ناسجو الأوهام لنظرية الصُرط المستقيمة أو القراءات المتعددة للدين أيضاً أكثر من هذا ؛ ولغرض أن يوجّهوا ضربةً إلى أصل الدين وأساسه ـ أي الوحي ـ فإنّهم يقولون : ليس الإنسان وحده لا يدرك حقيقةً ثابتةً عن القرآن والوحي الإلهي وإنّ كل إنسان يقدّم ويفسّر أفكاره تحت عنوان الوحي ، بل النبي ( صلّى الله عليه وآله ) أيضاً وبسبب ما يتميز به من صفة بشرية قد طرح فهمه وإدراكه واستنباطه للناس على أنّه وحي .

وعليه ؛ فإنّ فهم النبي ( صلّى الله عليه وآله ) بدوره فهم شخصي ، يتناسب مع عقليته وظروفه الخاصة الزمانية والمكانية ، طرحها بصيغة ألفاظ وآيات ، وبناءً على هذا لا يمكن اعتبار القرآن كلام الله ووحيه ، بل ينبغي القول أنّ القرآن الكلام النبي .

لابدّ أنّكم ستسألون : ما الذي يجب صنعه مع آيات من قبيل :

( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ‏* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) (1) أو : ( تَنزِيلٌ مِن رَبّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (2) ؟ يقول أنصار هذه النظرية في الإجابة : هذه المضامين استنباط وفهم النبي ( صلّى الله عليه وآله ) أيضاً وتكشف عن أحاسيسه .

من البديهي أنّ مثل هذه النظرية لا مصير لها سوى الوقوع في ورطة التشكيك ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النجم : 3 و4 .

(2) الحاقة : 43 ـ 46 .

 

الصفحة 90

وإنكار الحقيقة وتجاهل العقل والمنطق والتلاعب بالألفاظ ، فسيقول الموحون بهذه الفكرة في مواجهة أجلى المعاني وأوضح المفاهيم : إنّ هذا إحساسكم وفهمكم ولا ينم عن أية حقيقة سوى أفكاركم ، وعليه فإنّه جيد ومحترم بالنسبة إليكم ، لكنّه لا وزن ولا شأن له بالنسبة للآخرين !

على أية حال يبدو أنّ إشاعة مثل هذه الرؤية إزاء الدين والقرآن تُعد من أكثر الأساليب والمصائد الشيطانية تطوراً ، التي حيكت لحد الآن ؛ لإغواء وخداع بني آدم .

التلقين والتكرار سلاح مهم لدى الشياطين

إنّ أحد أساليب الشياطين لإغواء البشر هو إصرارهم وتأكيدهم على الوسوسة لبني آدم ، والتسلل إلى أفكارهم وعقولهم ؛ ولهذا السبب يذكّرهم القرآن بصفة الوسواس الخناس ، ويرشد الناس للاستعاذة بالله من شر شياطين الإنس والجن ؛ لأنّ الشياطين تعمل بوسوستها ودس الأوهام في قلب الإنسان ، لأن تُخضع قلب الإنسان لسيطرتها ، وتسيّر أفكاره في منعطفات السقوط والضلال .

إنّ الشياطين وذوي الأطباع الشيطانية من الناس يعلمون بأنّ عليهم الثرثرة والكتابة والتكرار من أجل ؛ دس الأوهام الشيطانية في عقول عباد الله ، ليجعلوا العقول تأنس أوهامهم الباطلة ، ليتسللوا بالتدريج في أذهان الناس وعقولهم ، وهم بأنفسهم يقولون : ينبغي التكلّم والكتابة والتكرار إلى الحد الذي يصاب الناس معه بالشك والتردّد .

إنّهم واستلهاماً من إبليس يعملون بالدرجة الأُولى على إغواء وتضليل الطبقة المثقفة والطلابية ؛ لأنه ـ وحسب تصورهم ـ يستطيعون بيسر إضلال عامة الناس بخداعهم لهذه الطبقة ، غافلين عن أنّ الله سبحانه وتعالى قد جعل مشاعل زاهرةً لهداية المسلمين لاسيما الشيعة ، وبلطف من الله واستلهاماً من علوم ومعارف هؤلاء سيطلع

الصفحة 91

المسلمون على الأحابيل الشيطانية للأعداء ؛ ويغدون أشدّ نباتاً وصلابةً يوماً بعد يوم في اتّباعهم للقرآن .

الاستناد إلى المتشابهات ، أسلوب آخر في مواجهة القرآن

لقد تقدمت الإشارة إلى أنّ أحد شؤون النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) هو ، تفسير وبيان الوحي الإلهي ، فيما أنّ القرآن ذو محكمات ومتشابهات ، وكما تقدمت الإشارة آنفاً أنّ له ظاهراً وباطناً ، فليس متيسراً الوصول إلى عمق معارفه إلاّ للنبي والأئمة المعصومين والعارفين بالعلوم الإلهية وتفسيرها وبيانها ، لا يقوى عليه سوى المتعلّمين في مدرسة أهل البيت .

بناءً على هذا وطبقاً لحكم العقل ومنهج العقلاء القائم على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم ، فلا سبيل لفهم القرآن ومعارف الدين ، سوى الرجوع إلى مَن جاء بهذا الكتاب الإلهي والأئمة المعصومين ( عليهم السلام) والدارسين في مدرستهم ، لكن ليس الأمر أنّ جميع الناس يقتفون المنهج العقلائي ، أو أنّهم يرون أنفسهم ملتزمين بالعقل والمنطق والمبادئ المنطقية في الفهم والتفهيم والتفهّم ، فهنالك أناس يعملون فقط من أجل إضلال الناس ، ولا هدف لهم سوى إثارة الشبهة والفتنة في المجتمع ، وقد عني القرآن بهذا الأمر أيضاً : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُو الأَلْبَابِ ) (1) لقد قسّمت هذه الآية القرآن الكريم إلى قسمين : محكمات ومتشابهات ، ووصفت المحكمات بـ ( أُمُّ الْكِتَابِ ) فبعض القرآن آيات محكمات تمثّل الأم والأصل للقسم الثاني أي المتشابهات .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) آل عمران : 7 .

 

الصفحة 92

إنّ محكمات القرآن عبارة عن الآيات الواضحة معانيها ، ومعارفها لا تقبل الشك ، وهذه الآيات تمثّل أصول وأُمّهات معارف القرآن ، فمعيار وملاك صحة وعدم صحة المعارف الدينية هي المحكمات وأُمّهات القرآن ، وفي المقابل هنالك آيات ليس ممكناً فهمها دون الاستعانة بالمحكمات ، وليس للجميع إدراك عمق معانيها ، ويعبّر عن هذه الطائفة من آيات القرآن بالمتشابهات .

لقد نهى القرآن الناس عن اتّباع المتشابهات بدون الاستعانة بالمحكمات وبتفسير وبيان النبي ( صلّى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) ، فالقرآن الكريم يعتبر اتّباع المتشابهات دليلاً على انحراف القلب ، ويصرّح بأنّ الذين يجعلون متشابهات القرآن ملاكاً لفكرهم وفهمهم وعقائدهم ، إنّما يسعون وراء الفتنة وتأويل القرآن وتحريفه ، وبتصريح القرآن لا يعلم تأويل وتفسير الآيات المتشابهة إلاّ الله والراسخون في العلم والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) ، والراسخون في العلم هم الذين تقبّلوا العبودية لله بكل كيانهم قائلين : آمنا بالقرآن محكماته ومتشابهاته كلّ من عند ربنا .

الحكمة من وجود المتشابهات في القرآن

هنا ربّما يتبادر هذا السؤال وهو ، لماذا لم ينزل القرآن بنحو تكون جميع آياته بيّنةً ومحكمةً بعيدة عن أي إبهام وإجمال ؛ لتكون يسيرة الفهم والفائدة للجميع على حد سواء ؟

للإجابة على هذا السؤال نورد في البداية مقدمةً موجزة : إنّ عقلنا نحن العاديين من الناس تابع للعوامل الطبيعية ، فعندما يولد الناس العاديون يتعرفون على الحسيات في البداية عن طريق الحواس ، وفي البداية يتبلور فهمهم وإدراكهم في حدود المحسوسات والماديات ، لكن القوى الفكرية للإنسان تنمو تدريجياً ، وتحصل شيئاً فشيئاً على القدرة على التجريد ، وبالنتيجة تحصل لديه القابلية على إدراك الأمور ما فوق المادية ، فكلما

 

الصفحة 93

تمتع عقل الإنسان بالمزيد من النمو وقوة التجريد ، وخرج عن أجواء المادة والماديات ، فهو يدرك أفضل بنفس هذا المستوى حقائق ما وراء الطبيعة ، وبما أنّ جميع الناس ليسوا سواء من حيث النمو العقلي ، فهم لا يكونون سواء أيضاً في إدراك الأمور غير المحسوسة ، فليسوا قلّةً الناس الذين تمضي عشرات السنين من أعمارهم ، لكن فهمهم وإدراكهم يبقى بمستوى فهم وإدراك الأطفال في السابعة أو الثامنة من العمر ، وربّما يمضي عمرهم وهم ما يزالون يتصورون لله والمجردات زماناً ومكاناً ؛ لأنّ فهمهم وقابليتهم وقدرتهم على التعقّل ، وقابليتهم العقلية بقيت في حدود الماديات ، في حين أنّ أساس الدين هو الإيمان بالغيب ، أي الإيمان بالحقائق المجردة وغير المادية ، يقول القرآن : ( ذلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتّقِينَ * الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) (1) .

بناءً على هذا ؛ إنّ أساس الإيمان هو أن يؤمن الإنسان بحقائق غير محسوسة ويعتقد بها ، ولكن ما هي حقيقة وكنه تلك الحقائق ؟ إنّه أمر ليس ممكناً إدراكه إلاّ بالإلهامات الإلهية التي تنزل على قلوب الأنبياء والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) ، ونحن البسطاء من الناس لا سبيل أمامنا لإدراك نفحة من أمور ما وراء الطبيعة وحقيقتها إلاّ بترصين قوانا العقلية والعبور التدريجي من المحسوسات إلى المجردات وأمور ما وراء الطبيعة .

من ناحية أخرى أنّ الألفاظ التي تُستخدم في دائرة المجردات غالباً ما وضعت من أجل المعاني المحسوسة : ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (2) أو : ( هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) (3) فمفردات فوق ، على ، عالي وعلو إنّما تعني جميعها العلو في مقابل الأسفل والداني ، من البديهي أنّ الإنسان لا يدرك في البداية من هذه المفردات معنىً أوسع من المعنى الحسي ، فالإنسان مثلاً يضع رأسه ملاكاً للعلو ، وكل ما يقع بمستوى الرأس ويرتفع نحو السماء يعتبره عالياً ، ويجعل من قدمه ملاكاً للداني وكل ما هو أدنى منه يعتبره

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة : 2 و 3 .

(2) الشورى : 11 .

(3) الشورى : 4 .

 

الصفحة 94

دانياً ، ولهذا السبب يقول إنّ السماء عالية والأرض ، واطئة وبدخوله إلى الحياة الاجتماعية يخرج تدريجياً عن هذه المعاني الحسية فيدرك المعنى غير الحسي والانتزاعي لها ، أي عندما يقال إنّ فلاناً مقامه عالياً أو ارتفع ، لا يدرك الإنسان من هذه المفردة ذلك المعنى الحسي لِما هو أعلى من الرأس ، ولا يتداعى لديه من الهبوط ذلك المعنى الحسي للكلمة .

من الطبيعي أنّ المعنى المراد في مثل هذه الاستخدامات قد جُرّد من اللوازم المادية والمحسوسة ، فعندما يقال إنّ الذي يخلق الكون بأجمعه بإرادة واحدة منه له مقام عالٍ جداً ، فإنّ العلوّ الذي يُنسب إلى الباري تعالى أكثر مدى إلى ما لا نهاية من ذلك العلو الذي يُنسب إلى رئيس إزاء مَن هم تحت يديه ، والفارق بينهما كالمسافة بين الصفر وبين ما لا نهاية ، وكالمسافة بين الحقيقة والمجاز ؛ لأنّ كل علو وشأن اعتباري إنّما هو عارية وزائل ما خلا العلو الحقيقي الذي هو جديرٌ بالله خالق الكون وله وحده فهو الذي : ( إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (1) .

وعلى هذا الأساس حين يقول القرآن : ( هو العليُّ العظيمُ ) (2) فليس المراد هو العلو المادي والمحسوس لله ، ولا المراد من عظمته العِظم والكبر المادي والمحسوس ، وأمّا ما هي حقيقة علو وعظمة الله ؟ فهي مسألة لا تبلغها عقول البشر ، وطبعاً في الكثير من الحالات لا يوجد لفظ آخر غير الألفاظ التي تُستخدم للمعاني الحسيّة ، ولا مناص من استخدام تلك الألفاظ للتعبير عن المعاني المجرّدة كقوله مثلاً : ( هو العليُّ العظيم ) ، فالعلو هو اللفظ الذي يُستخدم للإشارة إلى علو السقف بالنسبة إلى الأرضية ، والعظيم هو اللفظ الذي يُستخدم للإشارة إلى جبل دماوند ، ولكن حينما تُستخدم هذه الألفاظ بشأن الله فهي تُجرّد من معانيها الحسيّة ، ومن الطبيعي أنّ الأمر ليس بذلك النحو بحيث يودّي تجريدها إلى التوصّل إلى حقيقتها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يس : 82 .

(2) البقرة : 255 .

 

الصفحة 95

يقال إنّ الألفاظ والمعاني التي يحصل التوصّل إلى حقيقتها عن الطريق المذكور ، تتّصف بنوع من التشابه الباعث على الإبهام والمغالطة ، فمَن لم يتمكّن حتى الآن من تجريد المعاني المذكورة من الشوائب والمتعلّقات الحسية ، عندما يوصف الله بـ ( العليّ ) يتوهّم أنّ الله فوق السموات ، في حين أنّ الله ليس بجسمٍ حتى يُتصوّر له مكان : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) (1) لكنّه لا يفهم أكثر من ذلك ، ومن الطبيعي أنّه غير مكلّف بأكثر ممّا يفهم ؛ لأنّه لا طاقة له على ما هو أكثر من ذلك .

وأمّا مَن تجاوز هذه المرحلة ، وغدت لديه مقدرة أكثر على الفهم ، وأضحى يدرك المعاني الاعتبارية ، عندما يقال ( إنّ اللهَ عليٌ عظيمٌ ) يظنّ أنّ علو الله يشبه علو ورفعة مرتبة الرئيس بالنسبة إلى مَن هم تحت إمرته ، ولكن أين هذا المعنى من علو الله ؟!

إنّ مَن أمضى عمره في اكتساب العلم والحكمة وإدراك المعاني المجرّدة يفهم من العلو معنىً أبعد من المعاني المذكورة ، ويقول إنّ لله علواً وجودياً على ما سواه .

إنّ لكل المخلوقات وجوداً ، ولله وجوداً أيضاً ، ولكن لا يمكن مقارنة وجود الله تبارك وتعالى مع الموجودات الأخرى من حيث علو المرتبة الوجودية ، ولكن ما هي حقيقة هذا العلو ورفعة المرتبة الوجودية ؟ إنّه أمر يستطيع كل شخص الاقتراب منه على قدر فهمه ، وإن كان إدراك كنهه لا يتيسّر لأحد .

والآن في ضوء التوضيح المذكور ، نقول : إنّ الله عندما يريد أن يتحدث لنا نحن بني الإنسان ، عن أمور تفوق فهمنا العادي ، فهو يستخدم ألفاظاً يمكننا عند التأمّل فيها إدراكها على قدر فهمنا ، وإن كانت هذه المعاني تفوق فهمنا ، ففي مثل هذه الحالات لابدّ من استخدام ألفاظ متشابهة .

على هذا الأساس فإنّ الآيات التي تتحدث عمّا وراء الطبيعة وتفوق فهم الناس العاديين ، لابدّ أن تنطوي لا إرادياً على مرتبة من التشابه ، ولابدّ من الاستعانة بالمحكمات للاقتراب من حقيقتها ، مثلاً عندما يقول القرآن : ( هو العليُّ العظيمُ ) (2) ولا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة : 115 .

(2) الشورى : 4 .

 

الصفحة 96

ندرك حقيقة وكنه علو المرتبة الوجودية وحقيقة عظمة الله ، لابدّ عند ذاك من تفسيرها عبر الاستعانة بمحكمات القرآن مثل قوله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (1) ؛ لكي لا نقع في سوء الفهم وخطأ التفسير . تقول الآية الأُولى إنّ الله عليُّ عظيم ، فيما تصرّح الآية الثانية أنّ الله لا مثيل له ولا نظير ، أي مهما تصورتم من العلو والعظمة لله تعالى فإنّكم لم تدركوا علوّه وعظمته ؛ لأنّ الله فوق كل ذلك .

وهكذا الحال بالنسبة إلى صفات الله أيضاً ، فحينما يقال إنّ الله عالم ، الله قادر ، فمن البديهي أنّ حقيقة علم الله تعالى تفوق وتختلف عن ذلك المعنى ، الذي يتبلور في الذهن عن الإنسان من خلال إدراكه للصور الذهنية ، وأمّا حقيقة علم أو قدرة الله ، وبشكل عام حقيقة أوصاف الله ، فهو موضوع ليس ممكناً فهمه إلاّ لله الذي تعتبر ذاته عين العلم وعين الحياة والقدرة .

لقد استخدم الله تعالى ـ من أجل إرشاد الناس إلى ذاته والى صفاته الإلهية ـ ذات الألفاظ التي يدرك الناس منها ابتداءً تلك المعاني الحسية ؛ لكي ينتفع الناس من تلك المعارف السامية ولو قليلاً .

بناءً على هذا ، فإنّ وجود الآيات المتشابهة في القرآن من الحكم الإلهية ، التي لولاها لانغلق كلياً أمام الإنسان سبيل إدراك المعاني والمعارف المجرّدة وغير المحسوسة ، بيد أنّ استخدام المتشابهات وتفسيرها وتبيينها ـ كما أشرنا سابقاً ـ يجب أن يأتي من خلال الاستعانة بالمحكمات ، لكن الأمر ليس بالشكل الذي ينتهجه كل مَن يبتغي فهم القرآن ومعارفه ، المسار المنطقي والعقلاني والطبيعي المشار إليه آنفاً لغرض فهم المعارف الإلهية ، ففي الآية موضوع البحث يشير تعالى إلى وجود آيات متشابهات ومحكمات في القرآن ، ويقول وأمّا الذين ( فِي قُلُوبِهِم زَيغٌ ) (2) المصابون بداء روحي وقلبي وانحراف فكري ، أو بعبارة أخرى ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) (3) يجعلون الآيات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشورى : 7 .

(2) آل عمران : 7 .

(3) البقرة : 10 .

 

الصفحة 97

المتشابهات ملاكاً لفكرهم وعملهم ، ويحملون الآيات المتشابهات من القرآن الكريم على معاني حسيّة بدون الالتفات إلى الآيات المحكمات ، ويوفّرون بذلك دواعي ضلالهم وضلال غيرهم .

 

 

مزج الحق والباطل ، سلاح آخر بيد المنحرفين

من الطبيعي أنّ مَن يريدون مجابهة الدين والقرآن والمعارف والقيم الدينية في أوساط المجتمع الإسلامي ، لا يتّبعون أبداً أسلوب المجابهة المباشرة لتحقيق أغراضهم ؛ لأنّهم يعلمون جيداً بأنّهم في مثل هذه الحالة سيواجهون معارضةً عامّة من قِبل أبناء الشعب المسلم ، وسيفشلون في الخطوة الأُولى ، إنّهم يستخدمون الأساليب النفسية الأساسية والمناسبة من أجل تحقيق أهدافهم الشيطانية .

إنّ أحد أساليبهم مزج الحق والباطل ، فهم يمزجون الحق والباطل ، وينشرون مزيجاً من كلام الحق والباطل ببيان جميل ؛ لكي يتلقّى المخاطبون ـ الذين لا يملكون أحياناً الوعي والخُبرة اللازمة للتمييز بين كلام الحق من الباطل ـ كلامهم بالقبول ، لكي يلقون بالنتيجة في ذهن السامع الغافل الكلام الباطل المزيّن بثوب الحق ، والمخفي تحت نقاب من البيان الأدبي الجميل .

قال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ ، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنى ) (1) .

من الطبيعي أنّ المنحرفين ومَن يعبّر عنهم القرآن بأنّ قلوبهم ونفوسهم في ضيق وغير مستعدّين للخضوع لله ، يجعلون الآيات المتشابهة والروايات المشكوك في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 50 .

 

الصفحة 98

سندها أو المتشابهة الدلالة ، على رأس عملهم ونشاطهم الإعلامي المضاد للإسلام ، ويتهرّبون من الاستماع إلى الكلام الحق والمعارف الإلهية ، المنقولة بأسناد معتبرة عن لسان أهل البيت والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) .

إنّ هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم أحياناً مسلمين ، إنّما يصطفّون عن علمٍ أو عن جهل إلى جانب المعاندين للإسلام ؛ وذلك لأنّهم يهدفون أيضاً إلى أن ينسبوا إلى الإسلام زوراً نقاط ضعف زائفةً ، ويحاولون من خلال تضخيمها تقليل رغبة الناس الذين لديهم نزوع إلى الحق ممّن لم يعتنقوا الإسلام بعد ، والكلام في هذا الكتاب غير موجّه إلى الملحدين والأعداء من غير المسلمين ، وإنّما هو موجّه إلى مَن يعتبرون أنفسهم مسلمين .

ومن الممكن طبعاً أن يختلق هؤلاء تبريرات لأنفسهم ؛ من أجل عدم الإصغاء إلى صوت الحق ، والتمرّد على الانقياد للعقل والمنطق ، من قبيل ما أشرنا إليه في مجال القراءات وأنواع الفهم المختلف للدين ، ويصرّون على موقفهم دون الالتفات إلى النتائج التي تتمخّض عن كلامهم ، وسنترك في هذا الفصل الحكم للقرّاء الكرام حول تلك التبريرات ومآل الفكرة الآنفة الذكر . ولكنّنا ندعوهم ـ انطلاقاً من الحرص على مصلحتهم وما فيه خيرهم ـ إلى إعادة النظر في معتقداتهم وأفكارهم وإيمانهم ، مثلما يدعو القرآن المؤمنين إلى حثّ بعضهم على التفكير والتعقّل والصلاح والهداية ، وتذكير بعضهم الآخر بالحق .

القراءات المختلفة ، حربة لمجابهة القرآن

سطّرنا في الفصول السابقة من هذا الكتاب نبذةً موجزة عن عظمة وخصائص أكبر النعم التي تفضل بها الله على عباده ، أَلا وهو القرآن الكريم ، ومرّ علينا أيضاً أنّ الله تبارك وتعالى قد أنزل القرآن الكريم بواسطة أشرف الملائكة وهو جبرئيل الأمين ،

 

الصفحة 99

على أعز خلقه ، وهو محمد ( صلّى الله عليه وآله ) ؛ لكي يكون بين يدي الإنسان ، ولكي يضمن الإنسان سعادته الدنيوية والأخروية ، من خلال التعرّف والالتزام بتعاليم وإرشادات هذا الكتاب السماوي في حياته الفردية والاجتماعية .

لقد ركّزت بعض كلمات الإمام علي ( عليه السلام ) في نهج البلاغة على ضرورة التمسّك بالقرآن الكريم ؛ لاجتناب الفتنة والضلال ، ومعالجة المآسي والمشاكل الفردية والاجتماعية ، وقيل أيضاً إنّ تفسير وبيان القرآن بما يعنيه من بيان أحكام القرآن الكريم ، وشرح تفاصيل المسائل والواجبات الدينية من صلاحية الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) فقط ، وجرى أيضاً توضيح هذا المعنى وهو أنّ تفسير القرآن خارج إطار الأحكام والواجبات الدينية ، وشرح معارفه للآخرين يدخل فقط ضمن صلاحية المتخصصين وعلماء الدين والعارفين بعلوم القرآن وأهل البيت ، وقلنا إنّ العلماء الذين أمضوا أعمارهم في فهم معارف الدين وعلوم أهل البيت ، هم وحدهم القادرون على التمييز بين متشابهات ومحكمات القرآن ، ويمكنهم من خلال الاستعانة بالمحكمات وروايات أهل البيت ( عليهم السلام ) ، تفسير متشابهات القرآن وبيان معارفه للناس ؛ لكي يتسنّى لهؤلاء الناس اتخاذ ذلك قاعدةً لحركتهم الفكرية ، وجعله مثالاً عملياً لتكاملهم الفردي والاجتماعي ، وتلبية الدعوة الإلهية : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِ‏ِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) (1) وتوفير الأرضية لفلاحهم .

وفي المقابل أشرنا إلى أنّه كان هناك منذ القدم مَن يحاولون إبعاد الناس عن القرآن بالهواجس والوساوس الشيطانية ، ولكي يحقّق هؤلاء الأشخاص أهدافهم فهم يحاولون وبأساليب تخيّلية الإيحاء بأنّ القرآن متعذّر فهمه ، وبالنتيجة ينبغي أن لا نرجو من القرآن أن يوجّهنا ويرشدنا في الحياة ، وقلنا إنّ هذه الشبهة الشيطانية كانت مثارةً على مدى التاريخ بصور شتّى ، وقد بلغت اليوم ذروتها بشكلها المتكامل ، وغدت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأنفال : 24 .

 

الصفحة 100

تُطرح بأنماط جديدة ، حتى بات معارضو القرآن والثقافة الدينية اليوم يطرحون خيالاتهم أحياناً على شكل نظرية ، مفادها أنّ ( لغة الدين لغة خاصّة) ؛ لكي يخدعوا بهذه الطريقة من ليس لديهم وعياً كافياً بالعلوم والمعارف الدينية ، وعندما يُسألون عن مرادهم من القول بأنّ ( لغة الدين لغة خاصة ) ، يقولون عند الإجابة عن هذا السؤال بأنّ التعاليم الدينية والقرآن عبارة عن ألفاظ وقوالب ، يشكّل محتواها أفهام وذهنيات الناس أنفسهم ، ومن الطبيعي أنّ هؤلاء الأشخاص ينتقون عادةً عبارات أدبية ، وينشدون الأشعار الحماسية ، ويطرحون من خلال ذلك نظريتهم بنحو لا يفهم المرء هدفهم ومقصودهم بسهولة ، لأنّه سيدرك حينذاك خواء كلامهم .

يبدو أنّ التفكير المذكور الذي يُطرح تارةً تحت عنوان ( الصُرط المستقيمة ) ، ويُطرح تارةً أخرى تحت عنوان ( الأفهام ، والقراءات ، والتفاسير المختلفة للدين ) ، وقد يُطرح ثالثةً في قالب نظريات ( لغة الدين ) أو ( الدين الأقلّي والأكثري ) ، لا يستهدف إلاّ مجابهة المعتقدات الدينية والفكر التوحيدي ، ولا يخفى على المطّلعين ، بأنّ المتديّنين وخاصّة المفكرين المسلمين النابهين أوعى من أن لا يدركوا بُعد كلام هؤلاء عن العقل والمنطق ، أو أن يجهلوا الأهداف الخفية لمَن يروّجون لهذه الشبهات الواهية .

دافع وهدف المعارضين للثقافة الدينية من وجهة نظر القرآن

وفي ضوء ما سبق عرضه من الموضوعات يتبادر إلى الأذهان هذا السؤال وهو ، ما الهدف الذي يسعى إليه المعارضون ، من وراء اتّباع هذه الأساليب الشيطانية في مجابهة القرآن والثقافة الدينية للشعب ؟ ولغرض الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أوّلاً تسليط الضوء على رأي القرآن ، ثمّ نأتي بعد ذلك على شرح كلام الإمام علي ( عليه السلام ) في نهج البلاغة حول هذا الموضوع .

يُفهم من القرآن بأنّه منذ أَوائل نزوله انبرى الشيطان وسخّر كل طاقاته محاولاً

الصفحة 101

استغلال مواطن ضعف شياطين الإنس وعبيد الدنيا ؛ لإبعاد الناس عن القرآن ، ومن البديهي أنّه لا يُرتجى من الشيطان غير ذلك ؛ لأنّه سبق وأن أقسم : ( فَبِعِزّتِكَ لأُغْوِيَنّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (1) وفي سياق تطبيق الشيطان لخطّته الهادفة إلى إضلال الناس وحرمانهم من معارف القرآن ، فهو يتشبّث بالمتشابهات من آيات القرآن ، ويحثّ عبيد الدنيا وأولياءه على اتّباع متشابهات القرآن بدون الالتفات إلى محكماته ، لكي يتسنّى له عن طريقهم إلقاء الشبهات والشكوك إلى الآخرين وإضلالهم ، لقد قال الباري تعالى ، بعد تقسيمه آيات القرآن الكريم إلى محكمات ومتشابهات : ( فَأَمّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ) (2) فالذين يعج وجودهم انحرافاً ولوثاً وعبادةً للذات والمريضة قلوبهم ، والواقعون تحت تأثير إيحاءات الشيطان ، يتركون محكمات القرآن والعقائد المسلّمة والواضحة للدين ، ويحاولون مستندين إلى ظاهر الآيات المتشابهة إضلال الناس من خلال الكلام والتفاسير الخاطئة والتحريف في معارف القرآن ، أمثال هؤلاء ربائب الشيطان الذين يعينونه على تحقيق غايته ، والقرآن الكريم يصفهم بعناوين مثل : ( في قلوبِهِم زيغٌ ) أو ( في قلوبِهِم مرضٌ ) ويحذّر الناس من اتّباعهم .

إنّ ما يُبحث في هذا المجال هو ، بيان دوافع أمثال هؤلاء الناس في معارضتهم للثقافة الدينية من وجهة نظر القرآن ، فالقرآن الكريم ينصّ على أنّ مَن يتّخذون متشابهات القرآن ملاكاً لفكرهم وعملهم بقصد ( ابتغاء الفتنة ) ، ويتذرّعون بالمتشبهات أو بتأويلات وتفسيرات سقيمة للآيات ، يتركون ظاهر القرآن ويثيرون الفتنة .

السؤال الذي يُثار هنا هو ما معنى الفتنة ؟ وما ابتغاء الفتنة ؟ قال علماء اللغة ، وخاصة مَن يحرص منهم على إرجاع الكلمات إلى أصولها ، وتفسيرها في ضوء معناها الأصلي ، بأنّ الفتنة تعني أساساً تسخين الشيء على النار ، فعندما يوضع الشيء على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ص : 82 و83 .

(2) آل عمران : 7 .

 

الصفحة 102

النار لتسخينه أو حرقه أو إذابته ، فالعرب يقولون عن هذا العمل ( فتنة ) ، وفي القرآن الكريم استخدمت كلمة ( فتنة ) بهذا المعنى اللغوي ، فحينما يقول : ( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ) ، (1) أي يوم يحرَقون بالنار .

وعلى هذا الأساس فإنّ أصل المعنى اللغوي لـ ( الفتنة ) هو الحرق والإذابة ، ولكن كما يقول علماء اللغة : إنّ المعنى اللغوي يسري أحياناً على لوازمه أو ملزوماته في ضوء ما لذلك المعنى اللغوي من اللوازم ، ويغدو ذلك اللازم تدريجياً بمثابة معنىً ثانٍ وثالث للكلمة من خلال إشراب قرينة المعنى ، واستعمال تلك الكلمة في قرينة المعنى ، وهكذا الحال بالنسبة إلى كلمة الفتنة أيضاً ؛ لأنّه ـ كما سبق القول ـ فإنّ كلمة ( الفتنة ) تعني أصلاً التسخين ، بيد أنّ للتسخين قرينةً وهي أنّ التسخين والوضع في النار إذا حصل للإنسان كما جاء في الآية ( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ) (2) يجعله في حالة من الاضطراب ، وقد يكون الاضطراب جسمياً وظاهرياً تارةً ، مثلما يتعلق في الحرق والكي الجسماني ، وقد يكون تارةً أخرى ناجماً عن أمور باطنية ونفسية .

إذاً ، فالاضطراب في الواقع من قرائن الفتنة والتسخين ثمّ أُطلق هذا اللفظ من باب التوسّع في معنى اللفظ ، على الأشياء الأخرى التي تؤدّي إلى الاضطراب المعنوي والباطني ، وبما أنّ قسماً من الاضطرابات النفسية تحصل من القلق والشكوك في مجال العقائد ، فقد أُطلق على ما يُسبّب مثل هذه الاضطرابات اسم الفتنة .

وعندما يقال ( الفتنة في الدين ) فذلك ؛ بسبب ما يقوم به بعض الأشخاص من محاولات إلقاء الشكوك الوهمية الباطلة ؛ لزعزعة معتقدات وإيمان الناس المتديّنين وصدّهم عن دين الحق وعن العقائد الدينية .

وقد سُمّي الامتحان ( فتنة ) أيضاً ؛ لأنّه يؤدّي إلى إثارة القلق والاضطراب ؛ وذلك لأنّ الإنسان يبقى أثناء الامتحان مضطرباً وقلقاً ، ولا يقر له قرار من أجل النتيجة ، وقد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الذاريات : 13 .

(2) الذاريات : 13 .

 

الصفحة 103

وردت كلمة الفتنة في العديد من آيات القرآن بمعنى الاضطراب الناجم عن الامتحان ، جاء في القرآن الكريم : ( أَنّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ) (1) ( وَنَبْلُوكُم بِالشّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) (2) وقد تُطلق كلمة الفتنة على العذاب والأذى .

من البديهي أنّ الآية الموضوعة على بساط البحث : ( هُوَ الّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرَ مُتَشَابِهاتٌ فَأَمّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ) ، جاءت فيها كلمة ( الفتنة ) بمعنى الفتنة في الدين ؛ وذلك لأنّ اتّباع المتشابهات لا يتناسب مع معنى الامتحان والابتلاء ، والذين يتبعون متشابهاته لا يبغون إيذاء وتعذيب الآخرين ، وكذلك الفتنة هنا لا تعني الحرق والكي بالنار ، وإنّما فتنتهم تأتي انطلاقاً من محاولتهم التشبّث بالآيات المتشابهة من أجل ؛ إيجاد القلق في نفوس الناس وزعزعة معتقداتهم الدينية وإضلالهم .

 

 

موقف القرآن إزاء الفتنة في الدين

( الفتنة في الدين ) بالمعنى الذي سبق شرحه تعدّ مواجهةً خفيةً ، ونوعاً من الخداع والتحايل ، ويأتي هذا العمل تحت غطاء الإيمان الظاهري بهدف القضاء على أصل الدين ، هؤلاء المثيرون للفتنة يتستّرون تحت نقاب النفاق ؛ لإخفاء أفكارهم الشيطانية ، بحيث يغدو من العسير على الناس العاديين معرفة دوافعهم المناهضة للدين ، ولهذا السبب اعتبر القرآن هذه الممارسة أكبر الذنوب ، ولفت أنظار الناس إلى هذا الخطر العظيم الذي يهدد دنياهم وآخرتهم ، داعياً إيّاهم إلى أن يهبّوا لمجابهته دفاعاً عن كيانهم المادي والمعنوي .

يتّبع الأعداء عادةً أسلوبين رئيسيين لمجابهة الإسلام والمسلمين ، وسنطّلع هنا في سياق توضيح أساليب أعداء القرآن والثقافة الدينية ، على موقف القرآن في مواجهة مؤامرات الأعداء .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأنفال : 28 .

(2) الأنبياء : 35 .

 

الصفحة 104

1 ـ الفتنة العسكرية

أحد الأساليب التي عادةً ما يتّبعها الأعداء لمجابهة الإسلام والمسلمين هي الحرب والمواجهة العسكرية ، حيث يحاولون تحقيق أهدافهم من خلال الهجوم العسكري على البلاد والشعوب المسلمة ، وقتل المسلمين ونهب ثرواتهم ، وفي مثل هذه الحالة قد يستشهد عدد من المسلمين وتلحق أضرار بالبلد الإسلامي ، لكنّهم ـ الأعداء ـ لا يفلحون في تحقيق أهدافهم ، ولا يلحق المسلمين ضرر من جرّاء القتل في سبيل الدين ، بل بالعكس إذ يؤدي إلى مزيد من رسوخ إيمانهم واعتقادهم .

في الثقافة الدينية يكون الهدف من الحياة في هذه الدنيا تكامل الإنسان ، وبلوغه مقام القرب من الله في ظل العقائد الحقة والعبادة ، وذلك ما يتجلّى ويبلغ ذروته على شكل الشهادة في سبيل الله .

وفي مقابل هذه الإستراتيجية التي يتّبعها الأعداء ، ينصّ موقف القرآن على ما يلي : ( قَاتِلُوهُمْ حَتّى‏ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ‏ ) (1) وشعار المسلمين في هذا القتال هو : ( هَلْ تَرَبّصُونَ بِنَا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبّصُونَ ) (2) .

2 ـ الفتنة الثقافية

الأسلوب الرئيسي الثاني للأعداء في مجابهة الإسلام والمسلمين هو العمل الإعلامي ، الذي تعتبر أهم جوانبه إثارة الشبهات بهدف إضلال المسلمين ، ومن البديهي أنّ الأدوات والوسائل والمعدّات التي تُستخدم في هذا النوع من الصراع ، وكذلك أساليبه ونتائجه ، تختلف كلياً عن الهجوم العسكري ، فإن كان العدو في حالة الهجوم العسكري ينزل إلى الساحة بأحدث الأسلحة ؛ لقتل المسلمين والقضاء على كيانهم ونهب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأنفال : 39 .

(2) التوبة : 52 .

 

الصفحة 105

ثرواتهم ، فهو في الحالة الثانية ينزل إلى الساحة بسلاح القلم والبيان ؛ لحرف وإفساد أفكارهم ، وإذا كان العدو في حالة الهجوم العسكري يواجه الجنود المسلمين بأبشع أنواع القسوة ، فهو في حالة الهجوم الثقافي يدخل بوجه بشوش ومن باب الحرص ، وإذا كان المسلمون ـ في حالة الهجوم العسكري ـ يعرفون عدوّهم تمام المعرفة ، ففي حالة الهجوم الثقافي لا تكون معرفة العدو أمراً سهلاً ، وإذا كان العدو في حالة الهجوم العسكري يهدف إلى القضاء على الأجسام الترابية ، بواسطة ميادين الألغام والمعدّات الحربية المتطوّرة ، فهو يحاول في حالة الهجوم الثقافي الاستحواذ على الأرواح والأفكار ، من خلال نصب حبائله الشيطانية ، وإثارة الشبهات التي لا أساس لها من الصحة ، ويعمل على إفراغهم من الداخل ؛ لغرض سوقهم في اتجاه خدمة مصالحه .

وفي حالة الهجوم العسكري إذا كان العدو قوياً فهو يقتل عدداً من جنود الإسلام ، ويخرجهم من هذه الدنيا الدنيّة المادية ، أمّا في الهجوم الثقافي فالشياطين يتربّصون للإيقاع بالشباب الطيّبين ، الذين ليس لديهم معرفة كافية بالعلوم والمعارف الدينية ، وهم يمثّلون ثروةً قوميةً هائلة للشعب المسلم ، ممّا يؤدّي بهم إلى الانحراف والسقوط في مستنقع اللادينية ، ومع أنّ الأعداء لن يجنوا شيئاً من هذا الأسلوب المناهض للدين ، وأنّ أبناء الشعب المسلم خاصة الشباب المسلمين المثقفين ، الذين خرجوا مرفوعي الرأس من الهجوم العسكري ، أوعى من أن يكونوا في غفلة عن انتقال العدو من الجبهة العسكرية إلى جبهة الصراع الثقافي ، لكن القرآن الكريم ونتيجةً لجسامة خطر الهجوم الثقافي ، وما يتمخّض عنه من مردودات وعواقب وخيمة ـ تأتي بسبب هزيمة المسلمين في جبهة الهجوم الثقافي ـ قد ركّز على ذلك ، وطلب من المسلمين في سياق تحذيره لهم في هذا المجال مجابهة أعداء الله والدين بكل ما أوتوا من قوّة .

تحذير القرآن من الفتنة الثقافية

بما أنّ خطر ونتائج الهزيمة في الهجوم الثقافي ـ خلافاً للهجوم العسكري ـ تنعكس على

 

الصفحة 106

ميادين الفكر والعقائد الدينية للناس ، ممّا يعني أنّ الغفلة عنها تؤدّي إلى المخاطرة بإنسانية المسلمين وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، من هنا فقد اهتم القرآن بهذا الموضوع اهتماماً بالغاً وحذّر منه .

لا يخفى على المسلمين الواعين بأنّ النتائج التي تتمخّض عن الهزيمة في جبهات الصراع الظاهري والفتنة العسكرية ، ليست ذات أهمية تذكر بالمقارنة مع نتائج الغفلة عن الهجوم الثقافي ؛ وذلك لأنّه في حالة الهجوم العسكري تتعرض حياة المسلمين لأيام معدودات للخطر ، ولكن في حالة الهجوم والفتنة الثقافية ، فإنّ خطراً جاداً يهدّد عقائد المسلمين ودينهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة .

لهذا السبب اعتبر القرآن خطر الفتنة في الدين والهجوم الثقافي أعظم من خطر الهجوم العسكري ، فحذّر المسلمين من الغفلة عنه ، معتبراً أهميته وخطر الحرب والفتنة العسكرية أقل من خطر الهجوم الثقافي .

يقول القرآن الكريم : ( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدّ مِنَ القَتْلِ ) (1) ونحن ندري طبعاً أنّ معارضي القرآن والثقافة الدينية في صدر الإسلام وزمن نزول آيات القرآن ، كانوا غالباً ما يحاولون القضاء على الإسلام والمسلمين بالهجوم العسكري والمواجهة الحربية في ميادين القتال ، ولكن مع كل ذلك فإنّ الحساسية التي يبديها القرآن إزاء الفتنة الدينية والثقافية أكبر ممّا يبديه إزاء خطر الهجوم العسكري ، يقول القرآن : ( وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) (2) أي أنّ فكرة الشرك أكبر خطراً من الهجوم العسكري والقتل ، وإثمها أشد من إثم القتل ، وقد سبق أن بيّنّا أسباب كون الفتنة الثقافية أكبر .

الشرك في ثوب جديد

كانت فكرة الشرك تسير بموازاة فكرة التوحيد ، وتستحوذ طيلة التاريخ على جزء من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة : 191 .

(2) البقرة : 217 .

 

الصفحة 107

أفكار البشر ، فالذين لم يخضعوا لعبودية الله وأبوا التسليم لبارئ الكون ؛ رغبةً في إرضاء أهوائهم النفسية ، كان يسوؤهم اعتناق الآخرين لدين الحق ، وكانوا يصدّونهم عن ذلك بشتّى الأساليب .

من البديهي أنّ أنصار فكرة الشرك يختارون في كل عصر الأسلوب الذي يتناسب مع أفكار أهل ذلك العصر ، ويتّبعون الأساليب المناسبة لتحقيق أهدافهم ، وعلى هذا الأساس لمّا كانت فكرة الشرك تتجلّى في صدر الإسلام على شكل عبادة الأصنام ، فقد أخذ كبراء أهل الشرك ، ومَن لم يكونوا مستعدّين للخضوع لعبادة الله والانقياد لدين الحق ، يدعون إلى عبادة الأوثان الحجرية والخشبية ، ويصدّون الناس عن اعتناق التوحيد ، وكان السبب الرئيسي الذي يدعوهم إلى هذا العمل هو ، حاكمية الدين والثقافة التوحيدية لا تدع مجالاً لإشباع أهوائهم النفسية .

واليوم أيضاً تُمارس الدعاية لفكرة الشرك بشكل حديث ، وتُعرض بصورة نظرية علمية في شتّى الأوساط ، فإذا كان هناك في صدر الإسلام 360 صنماً ووثناً ، وكان عبيد الدنيا يدعون إليها لتخدير أفكار الناس ، فإنّ أنصار فكرة الشرك يحاولون اليوم نحت أصنام خيالية على قدر عدد الناس ؛ لصرف عقولهم عن الله تعالى ، والانكفاء على أوهامهم وخيالاتهم وإيحاءاتهم الشيطانية .

يبدو أنّ فكرة ( الصرط المستقيمة والقراءات المختلفة للدين ) تصب في هذا السياق ؛ لأنّ المراد من هذه الفكرة كما يُفهم من عنوانها أن يبني كل شخص اعتقاده ويعمل حسبما يفهمه من النصوص الدينية عن الله والدين ؛ لأنّ ذلك هو عين الحق والواقع .

وعلى هذا الأساس يجب أن تُصاغ آلهة وأديان فردية وخاصّة بعدد الناس وأفهامهم المختلفة لله والدين ، ومن البديهي أنّ هذا الكلام يقف على الضد من روح التوحيد ، التي تتجسد في شعار ( لا إله إلاّ الله ) ، ويتعارض معها تماماً .

على أية حال ، بما أنّ القضية تتعلق بأهم موضوع في حياة الإنسان ، أي الشرك

 

الصفحة 108

والتوحيد ، وهو ما تتوقف عليه سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة ، فحري بالإنسان أن يتأمّل ويعيد النظر بأفكاره ومعتقداتها ، ويعرضها على القرآن وعلوم أهل البيت ، وينقدها في ضوء المنطق والعقل السليم وبعيداً عن الأهواء ؛ لأنّه في مثل هذه الحالة فقط يستطيع الإنسان الإفلات من فخ تخيلاته الشيطانية ، وينجو من السقوط في هاوية الضلال ، ومن الطبيعي أنّ الانتصار على نوازع النفس عمل عسير وشاق جداً ، وليس عبثاً أن يعتبره الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) الجهاد الأكبر ، خاصة إذا كان المرء في موقع يشجّعه فيه الشياطين وأعداء التوحيد والإسلام ، ويكونون على استعداد ليصنعوا منه شخصيةً عالمية من أجل تحقيق مآربهم السياسية والاستعمارية ومجابهة الإسلام ، ورغم أنّ عودة الإنسان إلى رشده في مثل هذا الظرف ، والدخول في ميدان الجهاد الأكبر ، والإعراض عن وعود ووعيد الشياطين وأعداء الإسلام ، عمل إعجازي ومثير للدهشة إلاّ أنّه ليس مستحيلاً ، فليسوا قلةً في التاريخ الأشخاص الذين عادوا إلى رشدهم في لحظة ، وانتزعوا أنفسهم من حبائل شياطين الجن والإنس والأهواء ، ونجوا من الهلكة وعادوا إلى أحضان التوحيد .

نبوءة القرآن بوقوع الفتنة في الدين

لقد بيّن القرآن الكريم للمسلمين سُبل بلوغ السعادة والتكامل ، وأضاء أمام طلاّب الحقيقة طريق الهداية المستقيم كالمشعل الوضّاء الذي لا يخبو أبداً ، وقد أزاح الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) أيضاً غبار الشرك والكفر عن وجه الإنسانية ، وغرس في نفوس وقلوب المتعطّشين للحقيقة بذور الأمل والنجاة ، وتعاهدها بالرعاية ، وأرسى صرح الحكومة على أساس التوحيد . وفي تلك الظروف لم يكونوا قلةً أولئك الذين دخلوا الإسلام انطلاقاً من دوافع مصلحية ، وما كان إيمانهم يتعدى اللسان ، ولم يدخل التوحيد إلى قلوبهم ، وكان من الطبيعي أنّ مثل هؤلاء الأشخاص يقدّمون أهواءهم ورغباتهم على

 

الصفحة 109

إرادة الله وأوامر الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) ، ولهذا كانوا يضمرون العِداء للإسلام والرسول ، ولكنّهم ما كانوا يرون من المصلحة أن يكشفوا عن معارضتهم في زمن الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) ، ويعلنوا خطّتهم الهادفة إلى تحريف الحكم الإلهي ، ومعارضة الإمام المعصوم ، وحرمان الأمّة من قيادة الأئمة المعصومين ، فبقي هؤلاء الشياطين وعبيد الدنيا يتربّصون إلى حين رحيل الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) من الدنيا ؛ لكي ينفّذوا مخططاتهم المشؤومة .

وقد تنبّأ القرآن بهذه المؤامرة وحذّر منها على النحو التالي : ( أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ) (1) .

كان الإمام علي ( عليه السلام ) يتحدّث يوماً عن القرآن الكريم ، ويدعو الناس إلى الالتفاف حول هذا الحبل الإلهي المتين والعمل بأحكامه ، ويبشّر أهل السعادة بالجنة وأهل الشقاء بجهنّم ، فقام رجل وسأل عن الفتنة ويروي حديثاً عن رسول الله بهذا الصدد فقال ( عليه السلام ) : لمّا أنزل الله سبحانه قوله : ( أحسب النّاس ... ) ، وأخبر الناس عن وقوع فتنة في الدين وابتلاء عظيم ، علمت أنّ الفتنة ستكون بعد رحيل رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ، فقلت : يا رسول الله ، ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها ؟ فقال : يا علي ، إنّ أُمّتي سيفتنون من بعدي ، وقبل أن يقسّم الرسول أنواع الفتن بعد وفاته سأله علي مخافة أن يفوته الفوز بالشهادة في سبيل الله ، فذكّر الرسول بما جرى يوم أحد قائلاً : يا رسول الله أَوَ ليس قد أخبرتني يوم أحد حيث استشهد مَن استشهد من المسلمين ـ من أمثال حمزة سيد الشهداء ـ وحيزت عني الشهادة فشُقّ عليّ ذلك فقلت لي أبشر فإنّ الشهادة من ورائك وها أنا انتظر .

يا رسول الله هل ستنتهي الفتنة التي ستقع بعدك بشهادتي ؟ فقال رسول الله : نعم ستبلغ مناك ، فكيف صبرك إذاً ؟ فقلت : يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر ، ولكن من مواطن البشرى والشكر .

ثمّ أشار الرسول إلى جانب من الفتن التي ستقع في الدين وحذّر الناس منها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العنكبوت : 2 .

 

الصفحة 110

التنبّؤ بالفتن بعد الرسول

وبعد أن طمأَن الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) علياً إلى تحقّق أمنيته بالشهادة ، بيّن له أنواع الفتن التي يثيرها عبيد الدنيا في الدين وفي كلامه يركّز ( صلّى الله عليه وآله ) على ثلاثة أصناف من الفتن فيقول : ( يا علي ، إنّ القوم سيفتنون بأموالهم ، ويمنّون بدينهم على ربّهم ، ويتمنّون رحمته ويأَمنون سطوته ، يستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والأهواء ؛ فيستحلون الخمر بالنبيذ ، والسحت بالهدية ، والربا بالبيع ) (1) .

1 ـ الفتنة بالمال

أَوّل قضية يشير إليها الرسول هي الفتنة في الأموال ، لا يخفى على المطلعين على الفقه الإسلامي ، أنّ جانباً كبيراً من أحكام الإسلام العملية تُعنى بالأموال والكسب والتجارة والشؤون الاقتصادية ، وقد اهتمت الشريعة المقدّسة بحقوق الأفراد على أفضل وأدق ما يمكن ، وقد شُرّعت أحكام وقواعد البيع والشراء والكسب والتجارة ، التي ألزمت الشريعة المقدّسة المسلمين بالعمل بها على أساس المصالح الواقعية ، التي تفرضها الحياة الاجتماعية للناس ؛ لكي يتسنّى للناس من خلال الالتزام بها أن يعيشوا حياةً دنيويةً وأخروية سعيدة ، وبما أنّ أكثر العلاقات الاقتصادية في المجتمع تأتي على أساس البيع والشراء ، ويُبنى قِوام الحياة الاجتماعية ، والتعاون والتكافل بين الناس في قضاء حاجات بعضهم الآخر ، على المقايضة والتبادل والمعاملات ، ومن جهة أخرى بما أنّ ظاهرة التعامل الربوي ، التي تأتي انطلاقاً من غريزة الإنسان في حب الاستكثار ـ وهي أسوء وأبغض أنواع المعاملات من وجهة نظر الإسلام ـ كانت منتشرةً آنذاك بين الناس ، فقد نهى الإسلام بشدّة عن التعامل الربوي ، وجاء لحن القرآن في النهي عن هذا العمل شديداً جداً إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار : ج32 ، ص241 .

الصفحة 111

 

درجة أنّه اعتبره بمثابة حرب على الله : ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ) (1) .

يقول رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) : إنّ القوم سيفتَنون بعدي بأموالهم وعلاقاتهم الاقتصادية ، وسيتجاهلون الحكم الصريح في القرآن القائم على حرمة الربا ، وسيتوسلون بالحيل الواهية فيأكلون الربا بذريعة البيع والشراء .

2 ـ الفتنة العقائدية

إنّ ما يؤمن به كل عاقل من أعماق قلبه ، ويجب عليه بعد الإيمان به الالتزام بمقتضياته ، هو أنّنا بنو الإنسان خَلق الله وعباده ، فالباري تعالى هو الذي خلقنا ومنحنا نعمة الوجود ، وأتمّ نعمته علينا إذ أرسل إلينا خِيَرة خَلقه ، وأنزل معهم الكتب السماوية من أجل أن نصل إلى التكامل والسعادة ، ومن الطبيعي أنّ حمده وشكره على نعمة الهداية والدين ـ التي هي أكبر النعم الإلهية بعد نعمة الوجود ـ لا يتحقق إلاّ بالخضوع لعبودية الله ، وهذه أسمى مرتبة يمكن تصوّرها للإنسان .

وعلى صعيد آخر فإنّ الباري تعالى قد مَنَّ على الناس إذ أتمّ نعمته عليهم وهداهم ، وأنزل إليهم دين الحق ، ولكن ما أقل مَن يدركون ضعفهم وضآلة قدرهم ، ويفهمون مدى عظمة الله وكثرة نعمه التي خلقها للإنسان ، ولطفه ورأفته به !

حقاً ما أقبح وأجحد أن يمَنّ الإنسان الجاهل على الله أن آمن بهديه ورسالته ، غافلاً عن أنّ المنّة لله علينا ؛ لأنّه هو الذي هدانا إلى دين الحق .

يخاطب القرآن الكريم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) : ( يَمُنّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَ تَمُنّوا عَلَيّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللّهُ يَمُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ ) (2) فأنتم الذين يجب أن تؤدوا هذا الحق كما ينبغي بالطاعة والعبادة ، لا أن تعتبروا أنفسكم أصحاب حق بذريعة الإيمان ، وترون أنّ لكم على الله حقاً ، وعلى هذا الأساس فالأصل في الرؤية الدينية التسليم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة : 279 .

 

الصفحة 112

والعبودية لله وليس المنّة والاستكبار عليه ، وقد وصف الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) روح المنّة والاستكبار على الله بدلاً من الاستسلام والخضوع له بأنّه من مظاهر الفتنة في الدين ، فقال بأنّ الناس من بعدي سيمنّون على ربّهم بدلاً من شكره على نعمة الهداية ، والامتنان له لقاء ما جعله لهم من دين الحق ، فهم يرون لأنفسهم حقّاً على الله ، ويرجون رحمته انطلاقاً من موقف التفضّل والمنّة ، كما أنّهم بناءً على إيمانهم لا يرون أنّهم يستحقون أي نوع من العقاب ، ومع أنّ الله عزّ وجل لا يعاقب عبداً من غير سبب ، لكن الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) يعتبر مثل هذا الشعور بمثابة فتنة في الدين ؛ لأنّ مَن يحملون مثل هذا الشعور لا ينسجم الالتزام بالتعاليم الدينية مع أهوائهم النفسية ، ولهذا يحاولون خداع أنفسهم وخداع الآخرين بذرائع واهية . وعلى هذا الأساس فإنّ وجود روح الاستكبار إزاء الله عزّ وجل لا ينسجم مع حقيقة الدين ورح الإسلام ، الذي هو ليس الاستسلام التام لله .

3 ـ التبريرات الكاذبة أخطر فتنة

إنّ  أخطر فتنة في الدين أقلقت الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) وقد كشفها للإمام علي ( عليه السلام ) محذّراً الناس منها ، هي الفتنة ومؤامرة تحريف الدين وتحليل المحرّمات الإلهية في مجال العقيدة ، ورغم أنّ عدم الالتزام بأحكام الشريعة في مقام العمل ، والاتصاف بروح استكبارية إزاء الباري عزّ وجل ذنب كبير ، غير أنّ ما هو أخطر منه أن يحاول المرء اختلاق تبريرات واهية لذنوبه وأعماله المناهضة للدين ، ويضفي على أهواء نفسه صبغةً دينيةً وشرعية .

في مثل هذه الحالة يهبّ الشيطان بكل قواه لمعاضدة عبيد الدنيا المتظاهرين بالإسلام ؛ لمؤازرتهم في إثارة الشبهات وتحريف أحكام الدين .

يقول الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) إنّ مثيري الفتنة يحاولون تحقيق مآربهم من خلال التشبّث

 

الصفحة 113

بالشبهات والتبريرات الزائفة والخيالات الواهية ؛ لكي يحلّلوا ما حرّم الله ويتلاعبوا بدين الله .

إنّ ما ينبغي التذكير به ، ويُشير إليه الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) عند بيانه لواجب الإمام علي ( عليه السلام ) إزاء الفتن ومثيريها ، هي قضية استمرار هذه الفتن إلى حين ظهور صاحب الزمان ( عليه السلام ) ، إنّ ما بيّنه الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) في تحليل الخمر باعتباره نبيذاً أي عصيراً لمادة الزبيب ، أو تحليل الرشوة على أساس أنّها هدية ، أو تحليل الربا بذريعة البيع والشراء ، ليست إلاّ أمثلةً من أنواع الفتن التي تقع في الدين ، لا أنّ القضية تنتهي عند هذا الحد .

واليوم هناك مَن يعيشون بين المسلمين ، وهم حسب الظاهر مسلمون ، ولا يرون أنفسهم خارجين عن دائرة الإسلام ، إلاّ أنّهم من الناحية النفسية ليسوا بالشكل الذي يجعلهم يقبلون على أحكام الإسلام رغبةً وطواعية ، هؤلاء الذين لبعضهم مكانة اجتماعية أيضاً متأثّرون بالثقافة الغربية ، ومنبهرون بها ، وقد ابتعدوا عن هويتهم الدينية ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ليست لديهم معلومات كافية عن المعارف الدينية ، في مثل هذه الحالة ينبري هؤلاء الأشخاص ، الذين لا يملكون أدنى أهلية لإبداء رأي في القضايا التخصصية للدين ؛ لإصدار الأحكام ، ويقعون أحياناً تحت تأثير إيحاءات الشيطان ، وتشجيع أعداء الدين ، ويتحدثون عن قصد أو عن غير قصد بكلام لا يعني سوى إنكار الدين والخروج من ربقة الإسلام ، فعلى سبيل المثال لو أنّ أحداً  قال بأنّ أحكام الإسلام تختص بزمن صدر الإسلام وأهل ذلك العصر ، وأنّ أحكامه تتناسب مع مجتمعات صدر الإسلام ، وأنّ القرآن والأحكام ليست كافيةً الآن وعلى أعتاب القرن الحادي والعشرين لإدارة المجتمع ، ويجب تغيير أحكامه بما يتلاءم ورغبة الناس ، أو أن يقول إنّ أهل القرن الحادي والعشرين يحتاجون إلى نبي يناسب زمانهم ، إنّ مثل هذا وإن كان يعدّ بمثابة إنكار للدين لكنّه بالدرجة الأُولى يمثّل دليلاً على انعدام المعرفة الصحيحة للدين وأحكامه ، وحري بأصحاب مثل هذه الأفكار أن

 

الصفحة 114

ينتبهوا جيداً لمقتضيات وعواقب كلامهم قبل أن يبدوا وجهة نظرهم ويتكلموا ، لعلّهم في مثل هذه الحالة يرعوون عن النطق بكلام تفوح منه رائحة الفتنة في الدين ، ويُخلصون أنفسهم من فخ الشيطان وأعداء الإسلام والقرآن .

 

تعتيم الأجواء لتضليل الرأي العام

عرفنا ممّا تقدم بيانه لحد الآن ، أنّ أساليب أعداء الدين والقرآن تختلف كلياً في إطار الفتنة والهجوم العسكري عمّا عليه في هجومهم في صيغة الهجوم والفتنة الثقافية ، لقد تقدم القول إنّهم ـ وفي إطار الفتنة الثقافية وعلى العكس من الهجوم العسكري ـ لا يظهرون بشكل سافرٍ في موقف إنكار الدين ومعارضة الثقافة الدينية للناس ، ولا يعبّرون بشكل صريح عن معتقداتهم القلبية ؛ لأنّ المستمعين ـ في مثل هذه الحالة ـ لكلام هؤلاء وبعد قليل من التأمل إمّا أن يقبلوا هذا الكلام أو يدركوا بطلانه ، وفي جميع الأحوال فإنّ الضلال الحاصل في حالة القبول بعقائدهم الباطلة إنّما يكون قد جاء عن علم ودراية ، وما وقع لا ينطوي تحت عنوان الفتنة لأنّ الإضلال لم يقع عن طريق الخداع وتضليل الأفكار .

 إنّ ما يجري اليوم في مجتمعنا من فتنة ثقافية ، ويقوم به أعداء القرآن والثقافة الدينية بكل جدّ عن طريق الغزو الثقافي هو ، العمل على توتير وتعتيم الجو الثقافي للمجتمع بنحو يفقد معه الشعب لاسيما شريحة الشباب من الطلبة القدرة على التمييز بين الحق والباطل ، ويقعون دون إرادة منهم في مصيدة أفكارهم الباطلة والمنحرفة ، ومن الطبيعي إذا ما أُصيبت الطبقة المثقفة في البلاد بانحراف فكري فستتهيّأ الأرضية لضلال وانحراف الرأي العام في ذلك المجتمع ؛ لأنّه إذا فسد العالِم فسد العالَم .

بناءً على هذا ؛ إنّ الفتنة الثقافية المذكورة ، التي حذّر منها النبي ( صلّى الله عليه وآله ) من أخطر الأمور التي تهدّد سعادة الناس في الدنيا والآخرة ، ويبدو أنّه من أجل التصدي لمثل هذه

 

الصفحة 115

الأخطار يجب أن تكون الدولة الإسلامية قويةً ، من حيث القدرة على بيان حقائق الدين ، ونشر ثقافة القرآن ومعارفه ، وأن يخضع النظام التعليمي بدءً من المرحلة الابتدائية وحتى الجامعة وجميع المراكز الثقافية في البلاد لرقابة صارمة ؛ حيث لا يستطيع ذوو النوايا السيئة وأعداء الإسلام إضلال الآخرين من خلال تشويش الجو الثقافي .

من جهة أخرى أنّ أهم واجبات علماء الدين هداية الناس ، لاسيما شريحة الشباب في المجتمع التي لا تتمتع بمعرفة كافية بمعارف الدين وعلوم القرآن ، والتصدي للفتنة الثقافية ، فالعارفون بعلوم الدين هم المكلّفون ـ من خلال إرشاداتهم ـ بتوعية الناس وجيل الشباب بالأخطار الثقافية ، ومؤامرات أعداء الدين ، وتحذيرهم من مكائد الشيطان ، والمتدينون لهم المقدرة على إسناد الملتزمين من علماء الدين ، وإعانتهم في أداء رسالتهم الكبرى في هداية المجتمع .

كما ذُكر في بداية الكتاب فإنّنا نتطرق في هذا المقطع من الكتاب إلى ذكر أسباب ودوافع المناهضين للثقافة الدينية من منظار علي ( عليه السلام ) في نهج البلاغة ، فنتناول هنا وفي البداية التعريف بهؤلاء من وجهة نظر علي ( عليه السلام ) ، ومن ثَمّ ننهي ببيان الأسباب ودوافع الأشخاص المذكورين في مناوئة الثقافة الدينية وتعاليم القرآن وأحكامه .

 

 

محرفو العلوم الدينية من منظار علي ( عليه السلام )

يصف الإمام علي ( عليه السلام ) الذين يعملون على تحريف حقائق الدين وإفساد الثقافة الدينية للناس بأنّهم جهلاء ، متظاهرون بالعلم فيقول ( عليه السلام ) :  ( وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ ) (1) ففي مقابل الأتباع الصادقين للقرآن ، هنالك فئة أخرى قد يعتبرون في المجتمع من العلماء في حين أنّهم لا حظّ لهم من العلم ، وهؤلاء يستغلون العناوين الاعتبارية التي لا حقيقة لها لإضلال الناس .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 86 .

 

الصفحة 116

 ربّما يتبادر هذا التساؤل للقرّاء وهو : ما هذا الذي يطرحه هؤلاء على أنّه موضوعات علمية ودينية ؟ هؤلاء الذين يقدّمون كلامهم على أنّه فهم واستنباط عن الدين والقرآن ، يقول علي ( عليه السلام ) في الإجابة : ( فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ ) (1) .

إنّ ما يقدّمه هؤلاء تحت يافطة الموضوعات العلمية وأفهام عن الدين ، وتحت ذريعة القراءات المتعددة للدين ، ينبرون لإملاء العقائد الباطلة على الدين إنّما هي جهالات أخذوها عن أناس جهّال آخرين ، ويقدّمونها باسم معارف دينية وموضوعات علمية ، لعلّكم تتعجبون كيف يمكن لأناس أن يقتبسوا الجهل عن غيرهم ! فماذا يعني اقتباس الجهل عن الغير ؟! لغرض أن نقف على الإعجاز في كلامه ( عليه السلام ) ، ونقف كذلك على مسؤوليتنا في النهوض بعملية الإرشاد إزاء المنحرفين عن الحق أكثر فأكثر ، نشير إلى نموذج من اقتباس الجَهَلة المتظاهرين بالعلم للجهالات عن الآخرين ، الذي يُطرح الآن على أنّه إنجازات علمية .

تشيع اليوم في الغرب الفكرة الفلسفية القائلة بتعذّر حصول العلم بالنسبة للإنسان ، وعلى الإنسان أن يشك في كل شيء ولا يحصل لديه يقين بأمر قط ، فيعتقد أنصار هذه الفكرة أنّ إذا ما قال أحد بأنّني أَتَيقّن أمراً فذلك دليل على عدم فهمه وحماقته لتعذّر العلم بأي شيء ، ويقول هؤلاء مفتخرين بشكهم وجهلهم هذا : إنّ أمارة العلم والمعرفة والعقل أن لا يعلم أو يتيقّن الإنسان بأي شيء دينياً كان أم غير ديني ، وكان هذا الكلام السخيف قد طُرح قبل ما يناهز المِئة عام بين أوساط الأوربيين ، وكان قبلها القاعدة الفكرية للشكاكين .

واليوم هنالك أناس في مجتمعنا أيضاً قد اتخذوا المنطق الجاهلي لأولئك ، وانبروا للتشكيك في العقائد الدينية للناس ، متذرعين بالقول إنّنا عاجزون عن الحصول على معرفة يقينية في أي مجال ؛ لإضعاف العقائد الدينية للناس وتمرير مآربهم وأهواءهم النفسية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر .

 

الصفحة 117

 والظريف أنّهم يقدّمون كلامهم هذا على أنّه مطالب علمية ، ويتوقعون من شعبنا الواعي النبيه أن يتقبّله .

يشير علي ( عليه السلام ) إلى وجود أمثال هؤلاء الناس الشيطانيين على مدى التاريخ فيقول : ( فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلاّلٍ ) ، فهؤلاء يقتبسون من فئة ضالة وجاهلة أموراً ملؤها الجهل ، ويطرحونها على أنّها كلام علمي .

 إنّ كلامهم العلمي يتمثل في وجوب الشك بكل شيء ، وليس للإنسان أن يعلم أو يتيقّن شيئاً ! فكل ما يفهمه المرء في الأمور الدينية هو حق ؛ لأنّه لا وجود للحق والباطل على الإطلاق ! ولا ملاك للحق والباطل سوى الفهم الشخصي للإنسان !

( وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ ) (1) فهذه الفئة الضالة والجاهلة وهؤلاء الجَهَلة المتظاهرون بالعلم قد نصبوا للناس مصائد من حبال الخداع والقول الكذب ، وأخذوا يخدعونهم بأقوالهم وأفعالهم الخاطئة .

( قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ ) (2) فهؤلاء يفسّرون القرآن الكريم بآرائهم ، ويحملون آياته على أفكارهم ، ويصنّفون الحق طبقاً لرغباتهم وأهوائهم النفسية .

ثمّ يشير ( عليه السلام ) إلى الأساليب الدعائية لهؤلاء الناس ويقول : إنّ هؤلاء ولغرض إثارة اهتمام الناس واستقطاب الآخرين ، يجعلون الناس يأمنون كبائر ذنوبهم والعواقب الوخيمة لأعمالهم وأفعالهم ، ويقلّلون من شأن الذنوب الكبيرة في أنظار الناس ، ويشجّعونهم على ارتكابها ، ويهوّنون اقتراف الجرائم المعاصي ، ويصوّرونه سهلاً في أعين الناس ، وهم في الحقيقة إنّما يُضعفون الحَمية الدينية والخوف من الله لدى الناس بانتهاكهم للحرمات .

يقول ( عليه السلام ) : إنّ هؤلاء الناس يقولون لدى الحديث والجدال : إنّنا نتحاشى ارتكاب الشبهات ، ونتجنّب قول الكلام والأحكام المشكوك بها والمشبوهة ، في حين بما أنّهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 86 .

(2) نفس المصدر .

 

الصفحة 118

يجهلون أحكام وموازين الشرع والدين فهم يخوضون في وَحل الشبهات ، ففي معرض الكلام يقولون : إنّنا نتحاشى البدع والأحكام المخالفة للدين بينما هم يرقدون في وسط البدع ، وكل ما يدلون به في شأن الدين على أساس رأيهم هو بدعة ، وأمثال هؤلاء رغم أنّهم بصورة إنسان لكن قلوبهم وأرواحهم قلب وروح حيوان ؛ لأنّهم لا يعرفون باب الهداية ليهتدوا ، ولا يعرفون باب الضلال والغواية كي يتجنبوه ، وهؤلاء أموات بين الأحياء .

ثمّ يخاطب ( عليه السلام ) الناس قائلاً : بعد اتضاح الحق من الباطل ومعرفة أتباع كلٍّ منهما ، وقد ارتفعت رايات الحق وتجلت وبانت معالمه فأين تذهبون ؟! لماذا تحرمون أنفسكم من علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وتبقون حيارى تائهين وبين ظهرانيكم صراط الهداية المستقيم ، وعترة النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، وبإمكانكم الانتهال من أنوار هداية الأئمة ( عليهم السلام ) ؟! .

وفي بيان أشد بكثير من كلامه ( عليه السلام ) يذكر القرآن الكريم هؤلاء الجَهَلة المتظاهرين بالعلم ، ويوجّه التحذير للناس من مكائدهم فيقول : ( وَكَذلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) (1) .

بالرغم من أنّ أعداء الأنبياء ومناوئي الهداية الإلهية بشر في الظاهر والصورة ، ولكن بما أنّ جميع أفعالهم لا مردود منها سوى إضلال الآخرين ، ولا عاقبة لها سوى إثارة الشبهات ، وبالتالي إضعاف العقائد الدينية لدى الناس ، ومواجهة الهداية الإلهية ، فإنّ القرآن يصفهم بشياطين الإنس ، ويحذّر الناس من اتّباعهم .

 

تعامل عبيد الدنيا المتظاهرين بالإسلام مع القرآن

إنّ الذين ليسوا أقوياء من حيث الإيمان بالله ولوازمه ، ولم يترسّخ الإيمان في قلوبهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأنعام : 112 .

 

الصفحة 119

وأرواحهم كما يجب وينبغي ، لا يستبشرون إزاء الدين والقيم الدينية لدى حصول تعارض بين رغباتهم النفسية وإرادة الله والقيم الدينية ، ويميلون من الناحية النفسية لأن يفسّروا ويوجّهوا الأحكام والقيم الدينية بما يلائم ميولهم وباتجاه أهوائهم النفسية ، وسيكون مفرحاً بالنسبة لهذه الفئة إذا ما غدا تفسير الدين والقرآن مباحاً بما يتناسب مع أهوائهم النفسية ؛ لأنّهم بذلك يكونون قد حقّقوا مطامحهم النفسية من جهة ، ولم يخرجوا حسب الظاهر من ربقة الإسلام ، ويتمتعون بامتيازات الإسلام داخل المجتمع الإسلامي من جهة أخرى .

من الطبيعي أيضاً أن يُقبل الذين لم يترسّخ الإيمان والتقوى في قلوبهم وأرواحهم ، وليسوا من الملتزمين كثيراً بالقيم الدينية والأحكام الإلهية على مثل هذه الاستنباطات للدين والقرآن ، وأن يحتذوا بالذين يفسّرون ويوجّهون الدين والقرآن والقيم الدينية طبقاً لميولهم النفسية ، ويتخذوهم قدوةً لهم ويُطرون عليهم ويمدحونهم ، ومن الطبيعي أيضاً أن لا تربط هؤلاء الناس علاقة حسنة مع تلك الطائفة من علماء الدين ، الذين يفسّرون القرآن والأحكام ويبينوها كما هي عليه ، دون الأخذ بنظر الاعتبار رضا الناس وأذواقهم .

ومع شديد الأسف أنّنا نشهد اليوم أناساً يعملون وتحت طائلة القراءات المتعددة للنصوص الدينية ؛ لإضفاء صبغة دينية على مطامحهم وأهوائهم النفسية ، ويتلاعبون بدين الله وبالقرآن الكريم ؛ لغرض بلوغ مآربهم الدنيوية .

إلى جانب توقعه للوضع المذكور يشكو علي ( عليه السلام ) غربة القرآن في زمانه وفي آخر الزمان فيقول : ( إِلَى اللَّهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالاً ، وَيَمُوتُونَ ضُلاّلاً ، لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاوَتِهِ ، وَلا سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً وَلا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، وَلا عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَلا أَعْرَفُ مِنَ الْمُنْكَرِ ) (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة : الخطبة 17 .

 

الصفحة 120

ويقول ( عليه السلام ) حول موقع القرآن ومعارف الدين بين أهل آخر الزمان : وإنّه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ، ولا أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله ، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ، ولا أنفق منه إذا حرّف عن مواضعه ، ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر ( فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَتَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ ، فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَأَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ ، وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ ، لا يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ ، فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَلَيْسَا فِيهِمْ ، وَمَعَهُمْ وَلَيْسَا مَعَهُمْ ؛ لأَنَّ الضَّلالَةَ لا تُوَافِقُ الْهُدَى وَإِنِ اجْتَمَعَا ، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ وَافْتَرَقُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ ، كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ ) (1) .

حريّ جداً وضروري أن يضع مجتمعنا وشعبنا في الحسبان نبوءات القرآن ونهج البلاغة هذه ، حول الأجيال القادمة والأوضاع والوقائع الدينية ، ويستقرؤوا الوضع الثقافي السائد في مجتمعهم ويعرضوه على هذه التنبؤات ؛ ليشعروا بالخطر إذا ما وجدوا الوضع الديني للمجتمع لا يسير بالاتجاه المنشود ـ لا سمح الله ـ وينبروا لإصلاح الثقافة الدينية في المجتمع ، على أبناء كل عصر أن يتبعوا الولي الفقيه وعلماء الدين وأعلامه ، ويعملوا على الحفاظ وصيانة ثغور العقيدة وقيمهم الدينية ، ويتخذوا القرآن أسوةً لهم ؛ ليأمنوا فتن آخر الزمان ، ويكونوا على حيطة وحذر ؛ لئلا يصبحوا مصداقاً لهذه التنبؤات .

على أية حال ، إنّ أمير المؤمنين يتنبأ فيقول : سيأتي من بعدي زمان ليس فيه أخفى من الحق ، ولا أشهر من الباطل ، وأكثر الأمور في ذلك الزمان هو الكذب والافتراء على الله ورسوله ، يتشبث به الجهلاء بالعلم والمنافقون عبيد الدنيا ؛ لبلوغ مآربهم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 147 .

الصفحة 121

 

تحذير علي ( عليه السلام ) للناس

ما يحظى بأهمية أكثر من هذه الخطبة ويعتبر تحذيراً جدياً للناس هو ، ما يصوّر ويرسم الوضع الروحي والثقافة العامة للناس في المستقبل ، وما خضع للبحث والنقاش في هذا الكتاب من آيات القرآن ومن كلام علي ( عليه السلام ) رغم أنّه خطاب موجّه للناس ، لكن الحديث في الكثير منه موجّه إلى خواص المجتمع ، والذين لهم التأثير على ثقافة المجتمع ، في هذه الخطبة يتنبّأ ( عليه السلام ) بكل وضوح بالوضع الروحي وبالثقافة الدينية للناس في المستقبل ، ويحذّرهم من الابتلاء بمثل هذه الثقافة أو الغفلة إزاءها ، وبعد بيانه ( عليه السلام ) للروح الحاكمة على بعض خواص المجتمع من أنّهم ولغرض بلوغ مآربهم وأهدافهم الدنيوية ، ينسبون إلى الله ورسوله أنكى الافتراءات والأكاذيب ، ويفسّرون القرآن والدين بآرائهم ، ويجرفون الناس نحو الضلال ، يتنبّأ ( عليه السلام ) بالثقافة السائدة على عامة الناس كما يلي : إنّ حال أهل ذلك الزمان هو ، إذا ما فُسّر كتاب الله وتلي حق تلاوته فهو أنجس شيء لديهم ، وهو أكثر شيء رواجاً وازدهاراً عندهم إذا ما فُسّر طبقاً لأهوائهم النفسية ، والقيم الدينية والإلهية هي أنكر الأشياء في نظر الناس في ذلك الزمان ، أمّا القيم المناهضة للدين فهي تُعتبر من أحب الأمور .

لا يخفى على الواعين أنّ أعداء القرآن والقوى المستكبرة تعمل اليوم على تحكيم مثل هذه الثقافة على مجتمعنا ، ففي إطار مؤامرة الغزو الثقافي يحاولون من خلال الهجوم على المقدسات الدينية ، وترويج القيم المناهضة للدين ، لأن يُحكموا على مجتمعنا ذلك الوضع ، الذي تنبّأ به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وحذّر الناس من الوقوع به .

ويستطرد ( عليه السلام ) قائلاً : لا ترى في ذلك الزمان من العارفين بكلام الله ، ومن حَفَظة القرآن ، الذين واجبهم الحفاظ على القيم الدينية ، سوى التناسي والتقاعس في أداء الواجب ، ورغم أنّ القرآن وأتباعه الصادقين وعلماء الدين في ذلك الزمان هم بين الناس ، لكنّهم في الحقيقة بمعزلٍ عنهم ، والناس بمنأىً عنهم أيضاً ؛ لأنّ الناس يُقصونهم

 

الصفحة 122

ولم يتّبعوهم ، فرغم أنّهم يعيشون مع الناس لكن قلوب الناس ليست معهم ؛ لأنّ الطريق الذي يختاره الناس هو الضلال ، الذي لا يجتمع مع طريق القرآن الذي هو طريق الهداية .

في النهاية يقول ( عليه السلام ) : فاجتمع الناس على الفرقة ، وافترقوا عن الجماعة ، كأنّهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم ، فأهل ذلك الزمان يجتمعون على الفرقة والاختلاف ، وكأنّهم يتفقون على أن لا يتآلفوا مع القرآن ومفسريه الحقيقيين ، ويتبعون الجهلاء المتظاهرين بالعلم ، وفي نفس الوقت الذي يجعلون من أنفسهم أئمة للكتاب ، ويفسّرون القرآن ويوجّهونه طبقاً لأهوائهم النفسية ، ينأون بأنفسهم عن المسلمين الحقيقيين ، وعلماء الدين ، والمفسرين الصادقين للقرآن ، ويبتعدون عنهم ، ويتقدمون على القرآن بدلاً من أن يتخذوه إماماً ودليلاً وقائداً لهم في الفكر والعمل ، ويتمردون على إمامته وقيادته ، ويفسّرون القرآن والدين حسب آرائهم .

لقد حشّد أعداء الدين والقرآن اليوم كافة جهودهم ؛ لإفراغ الشعب المسلم من هويتها الدينية ، وهم يحاولون سلب استقلاله وحريته وهويته من خلال إضعاف عقائده الدينية ، وفي ضوء أهمية الأوضاع وحساسيتها من الجدير جداً أن يشعر الشعب المسلم لاسيما علماء الدين بالخطر ، ويكونوا واعين وأن لا يروا أنفسهم في مأمنٍ من خطر أعداء الإسلام والقرآن .

في هذه الأثناء ، وكما تقدمت الإشارة أنّ الأمر المهم هو ، أنّ أعداء الإسلام والكفر العالمي ولغرض بلوغ أهدافه الاستكبارية ، لا يظهر عداءه بشكل سافر للإسلام والأمّة الإسلامية ، في مواجهة الثقافة الدينية للناس وفي إطار الغزو الثقافي ، وذلك على العكس من الهجوم العسكري ، فهم وفي إطار هذا الهجوم غالباً ما يستغلون أناساً مسلمين حسب الظاهر ، ويعيشون وسط المجتمع الإسلامي ، وهم من ناحية يتمتعون بمكانات اجتماعيات وثقافية ، ومن ناحية أخرى يمتلكون معلومات ـ وان كانت ضئيلة ـ

 

الصفحة 123

في مجال العلوم الدينية فيصبحون عن علم أو جهل أداةً بيد الأجنبي ، فيمهّدون أسباب انحراف الأُمّة من خلال تحريفهم للمعارف الدينية ، وهؤلاء الناس كانوا عرضةً للذم والتوبيخ في الكثير من آيات القرآن الكريم ، وأحاديث الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) ، وجرى حثّ الناس على أن يحذروا الاستماع لكلامهم ؛ لأنّه يؤدي إلى الضلال ، وعدم بلوغ السعادة في الدنيا والآخرة .

 

دوافع الجهلاء المتظاهرين بالعلم في تحريف علوم الدين في منظار علي ( عليه السلام )

كما قلنا آنفاً إنّ القرآن يُسمّي ممارسات أمثال هؤلاء الناس في المجتمع الإسلامي ( فتنة ) ، ويعتبر الذين يعملون على تحريف القرآن وحقائق الدين ومعارفه مثيري فتنة ، يعينون الشيطان في تضليل الناس من خلال تحريفهم لمعارف الدين ، والآن ربّما يتبادر هذا السؤال : لماذا يعمل الذين يعرفون الحق وهم مطّلعون على خواء الأوهام والجهالات التي اقتبسوها عن الآخرين ، على تبرير خدعهم وإضلال غيرهم ؟ وبعبارة أخرى : ما هي المشكلة النفسية ـ في نظر علم النفس ـ التي يعاني منها الذين ينبرون لتحريف علوم الدين ، ومن خلال حرفهم لحقائق الدين يمهّدون أسباب ضلال الناس ، فيسعون لعلاج هذه المشكلة بثمنٍ ، هو التلاعب بدين الله ؟ وفي الحقيقة من أين تنشأ الفتنة في الدين التي تظهر بصورة تحريف معارف الدين ؟

يقول علي ( عليه السلام ) في الإجابة على هذا السؤال : ( إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ ) (1) فمن الناحية النفسية أنّ الذي يمهّد الأرضية لمثل هذا الانحراف في الإنسان ، ويُعتبر منشأ للفتنة ، عبارة من الأهواء النفسية ، فالفتن التي تحصل في الدين إنّما تنشأ عن الأهواء النفسية والميول والأغراض الدنيوية ، فالذين يجرفون الناس نحو الضلال من خلال تحريف العلوم الدينية ، هم أناس لا يتمتعون بروح التسليم والعبودية أمام

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر : الخطبة 50 .

 

الصفحة 124

الله سبحانه وتعالى ، أو إنّهم فقدوا روح التسليم والعبودية جرّاء الإيحاءات والوساوس الشيطانية .

إنّ روح التسليم والعبودية تقتضي أن يكون الإنسان مسلّماً أمام الله وأحكامه ، ومتمسكاً في مقام العمل والقول بالشريعة والقيم الدينية ، إنّ وجود هذه الروح ضروريّ ؛ لأنّه قد لا تتلاءم الكثير من تعاليم الشريعة والدين مع رغبات الإنسان النفسية ، ولا يكون الإنسان على استعداد للقبول والعمل بها عن طواعية ورغبة ، وفي مثل هذه الحالات يقف البشر على مفترق طريقين ولابد لهم من انتخاب طريق واحدٍ ، فإمّا أن يختاروا إرادة الله والشريعة ومخالفة هوى النفس ، أو يقدّموا إرادتهم على إرادة الله والقيم الدينية .

وليسوا قلةً الذين تتغلب عليهم النزوات النفسية في هذا الامتحان الكبير ، ونتيجةً لتحريض الشيطان ووسوسته يقدّمون الرغبات والأهواء النفسية على الله والقيم الدينية ، وفي هذه الأثناء هنالك البعض من بين هذه الطائفة مَن يمتلكون روح الرجولة ، ويقولون بصراحة إنّنا لا نلزم أنفسنا بالعقائد الدينية وقيمها ، كما إنّنا لا نعمل من أجل تحريف ومناهضة القيم الدينية ، وهذا التعاطي مع الدين لا يعدّ فتنةً في الدين ، ومثل هذه الروح ليست منشأ للفتنة ، فليس هنالك من انجرف نحو الضلال بسبب الخديعة .

إنّ فقدان روح التسليم والعبودية إزاء الله والتعاليم الإلهية ، إنّما يصبح منشأ للفتنة في الدين عندما ينبري فاقدو هذه الروح ، وبتبريرات واهية إلى تفسير الدين طبقاً لأهوائهم النفسية .

مثل هؤلاء الناس ـ لاسيما إذا كانوا في موقع ربّما يصغي البعض لكلامهم ـ يكونون أكثر من أي أحد آخر عرضةً لطمع الشياطين ؛ لأنّ لهؤلاء رغبات قد نهت الشريعة والدين الإنسان عنها من ناحية ، ولأنّ التغاضي عن هذه الأمور وتجاوزها في غاية الصعوبة بالنسبة لهؤلاء الأشخاص ؛ بسبب ضعف روح العبودية من ناحية أخرى ،

 

الصفحة 125

ومن جهة ثالثة أنّ هؤلاء يتمتعون بقابليات ربّما يشتبه عليهم الحق جرّاء استخدامهم لها ، والشيطان يستغل هذه الفرصة الذهبية بأقصى حالات الاستغلال ، ويعمل من خلال نفوذه في قلوب وأرواح أمثال هؤلاء على تشجيعهم وترغيبهم باتجاه الفتنة والانحراف في الدين ، فلغرض أن يحقّق الشيطان مخططه يقوم بتجسيد رغباتهم النفسية أمام أعينهم ، ويلهب في نفوسهم نيران الاندفاع لاستثمارها ، ومن ناحية أخرى يوحي إليهم القول أنّى يكون الذي يطرحه العلماء وعظماء الدين ـ على أنّه واجبات وقيم دينية ـ هو عينه الذي يريده الله والدين منا ؟

نظراً لأنّ أمثال هؤلاء يرون أنّهم لا يصلون إلى مآربهم وأهوائهم النفسية ، بوجود كلام العلماء بالدين ، وعلوم أهل البيت ، وبوجود القرآن ، فهم يعملون على العثور على طريق جديد لينالوا رغباتهم ، ولا يكونوا قد خرجوا من ربقة الإسلام حسب الظاهر ، ويتمتعوا بالامتيازات والمكانات الاجتماعية في المجتمع الديني .

على هذا الأساس ؛ إنّ الذي يسوقهم من داخل أنفسهم نحو الانحراف هو ، فقدان روح التسليم والعبودية ، والانقياد للأهواء النفسية .

يقول علي ( عليه السلام ) للإجابة على هذا التساؤل : ما السبب في أن ينبري أناسٌ في المجتمع الإسلامي إلى إثارة الفتنة في الدين ؟ : إنّ أصل جميع الفتن التي تحصل في الدين هو ، الأهواء النفسية التي يعجز الأشخاص المذكورون عن التغاضي عنها ، ويتشبثون لبلوغها بالفتنة ، من خلال ابتداع طريق جديد في مقابل الأحكام والقيم الدينية .

لكن ما الطريق الجديد الذي يتوسل به هؤلاء لبلوغ مقاصدهم ؟ يقول ( عليه السلام ) إنّهم يبتدعون أحكاماً بما يطابق أهوائهم النفسية وينسبونها للإسلام ، ويقومون بتحريف حقائق الدنيا من خلال تفسيرات وتوجيهات مصطنعة لا أساس لها ، ويفسّرون القرآن وآيات الله بآرائهم ، وبالنتيجة يطلقون كلاماً لا ينسجم مع حقيقة الدين والقرآن الكريم ، ويسوقون الناس باتجاه يعاكس القرآن والقيم الدينية .

 

الصفحة 126

 من البديهي ـ بطبيعة الحال ـ أن يحاول هؤلاء العمل بنحو لا يطّلع الناس على أهدافهم الشيطانية ؛ لعلمهم بأنّهم لن يتبعونهم في مثل هذه الحالة .

بناءً على هذا يرى ( عليه السلام ) أنّ منشأ جميع الفتن والبدع التي توضع في الدين هو ، فقدان روح التسليم والعبودية ، ووجود روح عبودية الهوى ، ويحذّر الناس لاسيما خواص المجتمع من اتّباع الهوى ، محذراً إيّاهم من أن يكونوا مصداقاً للآية : ( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) (1) .

لعلّ الذين يؤدون الآن دور أكثر العناصر وأدوات الشيطان فعاليةً في تحريف المعارف الدينية ، لم يكونوا قد اتخذوا مثل هذا القرار في البداية ، فما أكثر الذين كانوا بادئ الأمر من المسلمين الصادقين ، وفي عداد المبلّغين الصالحين للقرآن ومعارف الدين ، لكنّهم غيّروا وجهتهم في منتصف الطريق ، والتحقوا في صفوف أعداء الإسلام ، وخرجوا عن ولاية الله ، وتقبّلوا ولاية الشيطان ، وكثيرون الذين تابوا بعد سنوات من الضلال والانحراف وتضليل الآخرين ، وعادوا إلى أحضان الإسلام ، وكرّسوا ما بقي من أعمارهم للتعويض عن ماضيهم المشين .

على أية حال ؛ إنّ هذا التغيير وانتقال البشر على مرّ الحياة أمر كثيراً ما يحصل في ميدان حياة الناس ، لكن ما هو ضروري الانتباه إليه هو ليس هنالك ذنب ـ من منظار القرآن ـ أخطر وأعظم من الفتنة في الدين ، إنّ أعظم ذنب هو ، أن ينبري أناس وبعد معرفتهم للحق وأحكام الدين ومعارفه إلى صدّ الناس عن التعرّف عليها والعمل بها .

إنّ ما نلفت انتباه الجميع إليه في الختام ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا إليه ، هو هذا الكلام النفيس للرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) حيث يقول : ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ) (2) فاعملوا على تقيم أنفسكم وعقائدكم وأفكاركم وأعمالكم ، وحاكموا أنفسكم في محكمة الضمير ، وعودوا إلى أحضان القرآن ودين الحق قبل فوات فرصة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفرقان : 44 .

(2) بحار الأنوار : ج70 ، ص73 .

 

الصفحة 127

التوبة والعودة إلى الله ، وخلّصوا أنفسكم من مصيدة الشيطان والنفس الأمارة ، واتقوا سوء العاقبة والمصير الأسود .

نختتم حديثنا بتحذير القرآن الكريم بهذا الصدد حيث يقول : ( ثُمّ كَانَ عَاقِبَةَ الّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى‏ أَن كَذّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) (1) .

نسأل الله تبارك وتعالى أن يهدي الجميع إلى طريق الحق والهداية .

 

والسلام على مَن اتبع الهدى

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الروم : 10 .