شرح الخطبة التطنجية

آية الله السيد كاظـم الـحسيني الرشتـي (الأمجد)

الناشر : جامع الإمام الصادق عليه السلام - الكويت
سنة الطبع : 1421 هـ 2001م

 

المجلد الأول

 

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ولعنة الله على مخالفيهم وظالميهم أجمعين أبد الآبدين ، ودهر الداهرين .
أما بعد ؛ فيقول العبد الفقير الفاني الجاني ، ابن محمد قاسم محمد الكاظم الحسيني الرشتي : أن بعض السادة الأجلاء النبلاء - حرسه الله تعالى عن كل ضراء ولأواء وأيده بصنوف النعماء والآلاء بمحمد وآله السادة النجباء النقباء عليهم سلام الله ما دامت الأرض والسماء , قد التمس من الفقير بيان الخطبة الغراء العلية العلوية الموسومة بالتطنجية ، وكشف رموزها ورفع أستارها على نهج الحقيقة الواقعية الأولية لا الثانوية ، وكان ذلك أمراً منيع الوصال وبعيد المنال , لاشتمالها على أسرار وحقائق وبدائع ومعاني لم تسمح بها الأفكار ، ولم تحظ لإدراكها الأنظار ، لكونها من أسرار ظهورات ولي الله الملك الجبار القهار ، وقد ضل دونها أسرار أولي الأخطار ، والذي طفح علينا رشح من قطرة من بحار تلك الأنوار ، وكثير منها ليست له عبارة ولم أعط بياناً ولا إشارة ، ومنها ما لا يمكن بيانه؛ لقول مولانا الصادق عليه السلام : (( ما كل ما يعلم يقال ، ولا كلما يقال حان وقته ، ولا كلما حان وقته حضر أهله ))1 , ومنها ما يتوقف بيانه على ذكر المقدمات الغريبة البعيدة عن الأفهام ، فيجب طيها لقوله عليه السلام : (( لا تتكلم بما تسارع العقول إلى إنكاره ، وإن كان عندك اعتذاره ، وليس كل ما تسمعه نكراً أو سعته عذراً ))2 , ومنها ما يطول بذكر جميع ما يتوقف عليه الكلام فتخل
________________
1 البحار 53/155 ح 138
2 لم نجد الـرواية كما هي في هذا الـشرح المبـارك , ووجدنا هذه الرواية (( إيـاك أن تتكلم بما يسبق إلى القلـوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره , فلـيس كل من تسمعه نكرا يمكنك لأن توسعـه عذرا )) البحار 71/229 ح 6

بالمقام ، مع ما ظهر في هذه الخطبة الشريفة من الأحوال ، والأمور الغريبة العجيبة التي كانت مطوية في بواطن القرآن وسائر أخبارهم عليهم السلام ، بحيث ما تحملها العلماء وطرحوها وأمثالها ، محتجين بأنها من وضع الغلاة , وحيث كان الأمر كذلك تسوفت في الجواب لعلمي بالناس ، وما يوسوس في صدورهم الخناس ، فعاد سلمه الله تعالى في الالتماس وألح في السؤال ، فأجبت مسألته والتزمت طاعته ، إلَّا أني آتي بما يسهل بيانه ولا يعسر برهانه ، وأعتذر من البسط في المقال وشرح الحال وذكر الأحوال لتبلبل البال ، وتراكم الأعراض والأمراض وأنواع الاختلال ، والميسور لا يسقط بالمعسور وإلى الله ترجع الأمور ، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم ، وإني أمهد قبل الشروع في المقصود مقدمة؛ لتنبيه الغافلين، وإرشاد المسترشدين .

 


مقدمة

اعلم أن العلماء في هذه الخطبة الشريفة وأمثالها من الخطب ، كخطبة البيان وخطبة الافتخار وغيرها من الأخبار كخبر معرفتهم بالنورانية وخبر بيان مقامات المعرفة وغيرها تشعبوا على أربع شعب.
الأولى : طرحوا هذه الأخبار وأسقطوها عن نظر الاعتبار ، وقالوا أنها أخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً ، ومن قال بحجية الظن المطلق قال وإن استفيد الظن بصحة مضمون هذه الأخبار إلَّا أنه لا يعول عليه في مثل هذه المطالب , ومن قال بحجية الخبر الواحد قال إن ذلك هو الخبر الصحيح من العدل الإمامي ، وتلك الأخبار أكثرها ضعيفة سيما الخطب وأغلبها في مشارق الأنوار للشيخ رجب البرسي وقد حكم العلماء بغلوه ، وما هذا شأنه لا حجية فيه مع أن هذه الأخبار والخطب تخالفها العقول وفيها رفع الإمكان عن مكانه ، وإثبات الربوبية للمخلوق ، واستلزام التفويض الذي أطبق العلماء وفاقاً للأخبار الصحيحة الصريحة المحكمة على بطلانه وتكفير القائل به ، ومخالفة الكتاب الصريح حيث يـقول الله سبحانـه { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ
اللَّهِ }1 { أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ }2 { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }3 وقد دلت الأخبار وشهد صحيح الاعتبار أن الخبر إذا خالف الكتاب المجيد يضرب على عرض الحائط , وقد شاع وذاع شيوع الغلاة القائلين بالألوهية لأمير المؤمنين عليه السلام وأولاده الطيبين الطاهرين عليهم السلام كالنصيرية والخطابية والشلمغانية وأمثالهم ، وأغلب رواة هذه الأخبار هم , فثبت أن هذه الخطب ليست من أمير المؤمنين عليه السلام ، ولا الأخبار من أولاده المعصومين عليهم السلام ، وإنما هي من موضوعات الغلاة والمفوضة .
الثانية : توقفوا في تصديقها وتكذيبها حيث رأوا شيوع هذه الأخبار وتكررها وتواردها في كتب الفرقة المحقة ، وورود الأدعية الكثيرة بمضمونها والزيارات الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام ، وورود الأخبار الكثيرة بمعناها عن أخبار الثقاة أيضا إلا أن هنا أخبارا بظاهرها تنفي هذه المضامين ويؤيدها ظواهر بعض الآيات مع أن العقل يقصر عن إدراكها ومعرفتها فالتوقف والسكوت فيها أولى لما قال عليه السلام (( الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ))4 .
الثالثة : تلقوها بالقبول وشهدوا على حقيتها لكنهم حاولوا معرفتها بالعقول ولم يستندوا فيها إلى آل الرسول صلى الله عليه وعليهم بباطن دعوتهم ولسان أعمالهم وإن ادعوا خلافه بظاهر مقالهم ، فجروا في بيان هذه الخطب مجرى الصوفية الملاحدة القائلين بوحدة الوجود ، قال الملا محسن في قرة العيون ( قال بعض العارفين إذا تجلى الله بذاته لأحد يرى كل الذوات والصفات والأفعال متلاشية في أشعة ذاته وصفاته وأفعالـه , ويجد نفسه مع جميع المخلوقات كأنها مدبرة لها وهي أعضاؤه لا يلم بواحدة منهـا شيء إلا
_______________
1 فاطر 3 2 فاطر 40
3 الروم 40 4 الكافي 1/68 ح 10


وهو يراه ملما به ، ويرى ذاته الذات الواحدة وصفته صفتها وفعله فعلها لاستهلاكه بالكلية في عين التوحيد ، ولما انجذبت بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة ، وارتفع التمييز بين القدم والحدوث لزهوق الباطل عند مجيء الحق ) إلى أن قال ( ولعل هذا هو السر في صدور بعض الكلمات الغريبة من مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة البيان وفي خطبته الموسومة بالتطنجية وغيرها من نظائرهما كقوله عليه السلام (( أنا آدم الأول أنا نوح الأول )) إلى آخر ما قال من أمثال ذلك ) انتهى كلامه .
الرابعة : عملوا بمقتضى قوله تعالى { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا }1 فأولئك المؤمنون الممتحنون الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان وشرح صدورهم للإسلام ، وهم المتبعون لقادة الدين الأئمة الهادين الذين يتأدبون بآدابهم وينهجون نهجهم ، فهجم بهم العلم على حقيقة الإيمان فاستجابت أرواحهم لقادة العلم واستلانوا من أحاديثهم ما استوعر على غيرهم وأنسوا بما استوحش منه المكذبون وأباه المسرفون ، فانقطعوا إلى ربهم وحاولوا قراءة الألواح الآفاقية والأنفسية التي قد نقش الله سبحانه فيها جميع أسراره المخزونة في ملكوته وجبروته ولاهوته ، فعرفوها بتعليم الله سبحانه وتعالى بألسنة أوليائه بعد ما جاهدوا في الله حق جهاده ، فنظروا في العالم والكتاب والسنة من غير معاندة ولجاج ولا قاعدة مأخوذة من غير أهل الحق عليهم السلام ليقبلوا ما يوافقها ويتركوا ما يخالفها أويؤولوا إليها ، ولا استئناس بطائفة ليميلوا بقلوبهم ليمنعهم عن إصابة الواقع بتلون مرآة حقائقهم بلون ذلك الميل ، بل نظروا إلى الكتاب والسنة والآيات الآفاقية والأنفسية بخالص الفطرة وصافي الطوية طالبي الحق والصواب من الله سبحانه بأهل فصل الخطاب عليهم سلام الله في المبدأ والمآب ، فقابلت مرايا قلوبهم عالم النور الذي هو وجه الله سبحانه قال الله تعالى {* اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }2‏
________________
1 النساء 65 2 النور 35


فظهرت في قلوبهم صور الحقائق المنتزعة من كتاب الأبرار في عليين ، فنطقوا بالحق والصواب وهو قـوله عز وجل { وَالَّـذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }1‏ وهذه كيفيتها وطريقها فعرفوا الشيء الواحد في مقامات عديدة هي خزائن وجوده قال الله تعالى { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ }2 فعرفوه في جميع الخزائن وإن قال تعالى {* وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ }‏ 3 لكنه قال تعالى { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ }4 وقالوا (( نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون ))5 إذ كلهم محمد أولهم محمد وآخرهم محمد وأوسطهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولما كان الشيء الواحد له أطوار وأحوال قال تعالى { مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا }‏6 طور الإجمال وطور التفصيل وطور البساطة وطور التركيب وطور التصوير وطور التجريد كما قال عز وجل { وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ }7 وعرفوا كل هذه الأطوار وما تقتضيه الأوطار في عالم الأنوار بتعليم الأئمة الأطهار عليهم السلام صار لا يشتبه عليهم شيء في مقام الاختلاف والكثرة وعدم الائتلاف ، فيعطون كل ذي حق حقه من الأحكام وإن ظهر بألف طور مختلف ، إذ عرفوا اللطيفة السارية في المجموع الواحد ، فلا يحصل عندهم تعارض ولا تناقض ولا تضاد ، لا في الأكوان ولا في الصفات ولا في الألـفاظ والعبارات ولا في أخبار سادة البريات ، ولا في الآيات من المحكمات والمتشابهات فهم مطمئنوا القلب باردوا الفؤاد بالغوا المراد ، يعرفون الغريب من القريب ويأخذون النصيب من المعلى والرقيب ، فلا يحتاجون إلى طرح الأخبار ولا إلى اختلاف الأنظار، وهم
___________________
1 العنكبوت 69

2 الحجر 21

3 الأنعام 59
4 الجن 26
5 الكافي 1/34 ح 4 وهذا نص الرواية كاملا عن أبي عبد الله عليه السلام قال (( يغدوا الناس على ثلاثة أصناف عالم ومتعلم وغثاء , فنحن العلماء وشيعتنا المتعلمون وسائر الناس غثاء )) .
6 نوح 13 _ 14 7 يونس 19


الذين قال الله تعالى فيهم { فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ }1 لأن أهل البيت عليهم السلام علماء حكماء عارفون بمواقع الكلام ولحن الخطاب ، ولم يتكلموا بشيء إلا جعلوا فيه من تسديدهم قرينة تنفيه أوتثبته وإلا لم يكونوا حجة بالغة ، والقول بأنهم يتكلمون بلسان قومهم وما جرت به عادة العرب على نصب القرينة في كل مقالاتهم ولا يمكن لأحد معرفة القرينة لو فرض وجودها باطل لأنهم ما يتركون نصب القرينة إلا إذا عجزوا عن ذلك ، وإلا فمهما يمكنهم لا يتركونها وهو معلوم بديهي لكل عاقل ، وأما عدم الفهم فإنما يتصور إذا لم يمكنه أن يجري كلماته على نهج واحد وطور متسق ، فيختلف في المقال فتختل معرفة كلامه , وأما الذي يقدر على أن يجري كلماته على اختلافها على نظم محكم متقن مضبوط متسق يتميز مقاله عن غيره لمن عرف السياق ونظم الكلام فلا يترك ذلك وإنما يتكلم كذلك البتة ، ألا ترى القرآن فإنه على نظم وسياق محكم مضبوط لا يشتبه بغيره لمن عرفه وقرأه وواظب عليه ، ولا ريب أن الإمام عليه السلام يقدر أن يجري كلامه كما ذكرنا فلا يشتبه بكلام غيره فلا يضره دس الداسين وافتراء المفترين ، إذ في كلامهم عليهم السلام قرائن صدق على حقيته وفي كلام غيرهم قرائن صدق على بطلانه ، ألا ترى إلى الذين أرادوا أن يأتوا في مقابلة القرآن بسورة كمسيلمة وسجاح فأتوا بشيء يقطع كل من سمع القرآن أنه لا يشبهه ولا ينسبه إليه ، وكذلك أخبارهم عليهم السلام عند من يعرف سياقهم ويطلع على نظم كلامهم وعنده موازين قسط من أخبارهم المحكمة ، وقـد قـالوا عليهم السلام (( إن على كل حق حقيقة ،
____________________
1 البقرة 213


وعلى كل صواب نور ))1 وقالوا أيضا عليهم السلام (( إن نخلة مريم إنما كانت عجوة نزلت من السماء فما نبت من أصلها كان عجوة وما كان من لقاط فهو لون ))2 .
والناس لما لم يطلعوا على سياق كلامهم ونظم مقالهم وطور بيانهم ولم يعرفوا كيفية الوزن وأخذ الـقواعد الكلية من الأخبار المحكمة ورد غيرها إليها ، فوقعوا فيما وقعوا من التحير فاحتاجوا إلى طرح الأخبار واختلاف الأنظار وهم الذين أوقعوا الخلاف فيهم لعلمهم بأنهم في مقام المجادلة بالتي هي أحسن ، فذكروا الشيء الواحد بوجوه كثيرة وأطوار مختلفة غير مؤتلفة ليختلفوا فتسلم رقابهم عن شر الأعادي لكونهم لم يكونوا من أهل ذلك الوادي مثالهم العميان والفيل ، وأما الذي عرف نظام كلامهم وعلم سياق مقالهم فهو على بصيرة من ربه ، فيجري هذه الأخبار المتكثرة المختلفة مجرى الشيء الواحد الظاهر بالأطوار المختلفة كالتراب الجامع بين الإنسان والحيوان والجماد والنبات ، وفي كل ما يقول ويحكم ويجمع ويفرق مستند إلى كتاب محكم تفسيره، أو إلى خبر واضح تأويله أو إلى عقل تعرف العقول السليمة
________________
1 الكافي 1/69 ح 1
2 الكافي 1/400 ح 6


عدله { ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء }‏1 وهذا معنى قول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام كما سبق معناه (( إن المتبعين لقادة الدين )) إلى أن قال (( ويستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم ، ويأنسون بما استوحش منه المكذبون وأباه المسرفون وأولئك أتباع العلماء ، صحبوا أهل الدنيا بطاعة الله تبارك وتعالى وأوليائه ، ودانوا بالتقية عن دينهم والخوف من عدوهم ، فأرواحهم معلقة بالمحل الأعلى ، فعلماؤهم وأتباعهم خرس صمت في دولة الباطل منتظرون لدولة الحق ، وسيحق الله الحق بكلماته ويمحق الباطل ، ها ها طوبى لهم على صبرهم على دينهم حال هدنتهم ، ويا شوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم وسيجمعنا الله وإياهم في جنات عدن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ))2 ، وهؤلاء تلقوا هذه الخطبة وأشباهها من الخطب والأخبار بالقبول وعرفوها وبينوها على ما فهموا من كلمات آل الرسول عليهم السلام كما نبين إنشاء الله في خلال الشرح .
وأما الطائفة الأولى : الذين طرحوا هذه الخطبة وشبهها من الأخبار وأسقطوها عن الاعتبار ونسبوها إلى الغلاة والمفوضة وغيرهم من الأشرار فأخطئوا جدا واستعجلوا كثيرا ، أما دعواهم بأنها من أخبار الآحاد فليس بصحيح لأنها فوق الاستفاضة بل لا يبعد تواترها معنى لكثرة تكررها وورودها في الكتب في مواضع عديدة والأدعية المأثورة سيما في دعاء رجب المروي عن القائم عليه السلام على ما رواه الشيخ في المصباح ، والزيارات سيما الزيارة الرجبية والزيارة الخارجة عن الناحية المقدسة للحجة عجل الله تعالى فرجه (( سلام على آل يس )) وزيارات أمير المؤمنين عليه السلام ، وشيوع أنهم عليهم السلام يد الله وعين الله ولسان الله وأذن الله ، والزيارة الجامعة الكبيرة ، وأحاديث خلق أنوارهم قبل الخلق وأمثالها من الأمور التي لا يشكون ولا يختلفون في صحتها وأنها منهم ، فنشير إلى كل ذلك إنشاء الله على حسب الجهد والسعة والإقبال فيما بعد إنشاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وكذلك هذه الخطبة الشريفة بروايـة جابر بن عـبد الله الأنصاري ،
____________________
1 المائدة 54 2 الكافي 1/335 ح 3


وخطبة الافتخار برواية الأصبغ بن نباتة ، وخطبة البيان وخطبه الأخرى أيضا من هذا القبيل ، وحديث معرفتهم بالنورانية برواية سلمان وأبي ذر رضوان الله عليهما ، وحديث البيان والمعاني برواية جابر بن يزيد الجعفي ، وحديث مقامات المعرفة برواية جابر في كتاب أنيس السمراء للشيخ سليمان الحلي ، وحديث الأكوان الستة برواية المفضل ، وحديث الرتق والفتق بروايته أيضا ، والأخبار في هذا المعنى كثيرة وربما تزيد على ألف بل ألفين ، وليت شعري أي حكم من الأحكام التي يثبتونها عندهم عشرة أحاديث أوعشرين ، فإذا أمكن رد هذه الأخبار أمكن رد غيرها الذي لم يبلغ معشارها وكلها في كتب الشيعة الفرقة المحقة ، وفي ذلك خروج من الدين وكفر بما أتى به سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ، وطرح الأخبار الكثيرة لعدم المعرفة والبصيرة ليس من شأن المؤمنين الممتحنين ، ولو سلمنا أنها من أخبار آحاد نقول أن الخبر الواحد إذا طابق العقل الصحيح الصريح وجب القول به والعمل عليه ، وكذلك هذه الأخبار فإن الأدلة العقلية القطعية دالة على مضامينها ومدلولاتها ، بل لا يستقيم التوحيد إلا بالقول بها ، ولعمري إن المنكرين يقرون بها من حيث لا يشعرون كما نذكره إنشاء الله تعالى عند الشرح فوجب اعتبارها وقبولها ، وأيضا إن الخبر الواحد إذا لم يكن له معارض أقوى من الكتاب والسنة وإجماع الفرقة المحقة يجب العمل به لكونه حجة لتقرير المعصوم عليه السلام على ما بينا في سائر رسائلنا بالبراهين العقلية والنقلية وذكرها هنا يؤدي إلى التطويل ومن أراد ذلك فعليه بما كتبنا في جواب من سأل عن الأدلة الأربعة التي يذكرها الأصوليون وبيانها فإن ما فيه كفاية للمستوضح المسترشد وهذه الأخبار كذلك ، ودعوى معارضتها ببعض الأخبار باطلة لصحة الجمع بينها ووجدان الدليل عليه من الأخبار الصحيحة أوما يقوم مقامها ، والقول بأنها من حيث السند ضعيفة فيه أنه ليس كلها كذلك بل فيها أخبار صحيحة الأسانيد باصطلاحهم ، والذين حكموا عليهم بالغلوما ثبت عندنا ذلك وما وجدنا منهم شيئا يدل عليه وليس الحكم بغلوهم إجماعيا حتى يحصل القطع به ، وأخبار الخطابية والشلمغانية وأضرابهم ليست معمولا بها عندنا إلا إذا كانت محفوفة بقرائن الصدق لقولهم عليهم السلام (( إن لنا أوعية من العلم نملأها علما لننقلها إليكم فخذوها وصفوها تجدوها نقية صافية، وإياكم والأوعية فإنها أوعية سوء فنكبوها ))1  .
مع أن القميين الذين كان أكثر الجرح والتعديل في الأخبار والرواة عنهم كانوا يحكمون بالغلو بأدنى شيء ، فعلى قولهم فنحن كلنا غلاة عندهم كما قال الصدوق في الفقيه عن شيخه محمد بن الحسن بن الوليد إن أدنى الغلو إنكار سهو الأنبياء والأئمة عليهم السلام ، ولا شك أننا ننكر ذلك بل نجعلهم معصومين مطهرين عن كل دنس فتبصر .
والقول بأنها تخالف العقول باطل لما ذكرنا وما نذكر إنشاء الله تعالى من دلالة العقول الصحيحة عليها ، نعم تخالف العقول المعوجة ، وليس فيها رفع الإمكان عن مكانه وإنما هي تنزيه القديم والأزل عن شوائب الجهات الإمكانية كما ستعرف إنشاء الله تعالى ، ولا فيها إثبات الربوبية للمخلوق وإنما هي كما قال عز وجل { عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ
________________
1 لم نجد نص هذه الرواية بعينها في ما عندنا من المصادر ولكن وجدنا رواية مشابهة في البحار 2/93 ح 26 هذا نصها قال أبو جعفر عليه السلام (( إن لنا أوعية نملأها علما وحكما وليست لها بأهل فما نملأها إلا لتنقل إلى شيعتـنا , فانظروا إلى ما في الأوعية فخذوها ثم صفوها من الكدورة تأخذوها بيضاء نقية صافية , وإياكم والأوعية فإنها وعاء سوء فتنكبوها )) .


يَعْمَلُونَ }1 ولا تستلزم التفويض المجمع على بطلانه وإنما هي كما قال الله تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا }‏2 وقـال تعالى {* قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ }‏3 ولا يـنـافي قـوله تعالى { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ }‏4 ، وإنما هي كما قـال سبحانـه { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }‏5 { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي }‏6 ، والخبر إذا خالف الكتاب المجيد لا شك أنه يضرب على الحائط ، إلا أن هذه الخطبة موافقة للكتاب المجيد ومفسرة ومفصلة كما ستعرف إنشاء الله ، فثبت أن هذه الخطبة من مولانا علي أمير المؤمنين عليه السلام على القطع واليقين ، إذ فيها كلمات ومقامات يقصر مقام المخلوقين سواهعليه السلامعن ذلك .
وأما الطائفة الثانية فهم وإن سلموا في ظاهر الأمر حيث أقروا بعجزهم وقصورهم عن إدراكها ، إلا أن دعوى معارضتها بالأخبار وظاهر الكتاب باطلة كما عرفت ، وأما موافقة الجمهور فليست شرطا سيما في مثل هذه الأمور التي معرفتها حظ المؤمنين الممتحنين الذين هم أعز من الكبريت الأحمر ، والعوام ليسوا مخاطبين بأمثال هذه المعارف المطوية في هذه الخطبة الشريفة فيلهى عنهم ليظهر لهم الأمر يـوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين .
وأما الطائفة الثالثة فقد أصابوا في القبول والتصديق وأخطئوا في التبيين والتحقيق حيث أولوها على غير مرادهم عليهم السلام ، بل بما يلزم منه المفسدة العظيمة والزندقة الكبيرة ، ألا ترى قول الملا محسن حيث قال عن بعض العارفين ( إذا تجلى الله بذاته لأحد .. إلخ ) فإنه مبني على القول بوحدة الوجود ، ومعنى تجلى الله بذاته لأحد عندهم كشف حجاب الإنية والتعين الفارقة بين القدم والحدوث فإن ذات العبد عندهم هو الوجود الصرف الذي
__________________
1 الأنبياء 26 _ 27

2 الزمر 42

3 السجدة 11
4 فاطر 3

5 المؤمنون 14

6 المائدة 110
 

 

هو ذات الله سبحانه قد تعين بالتعين المخصوص كما قال هو في كلماته المكنونة ( كما أن وجودنا بعينه هو وجوده سبحانه إلا أنه بالنسبة إلينا محدث وبالنسبة إليه قديم ، كذلك صفاتنا من الحياة والقدرة والإرادة وغيرها فإنه بعينه صفاته سبحانه إلا أنها بالنسبة إلينا محدثة وبالنسبة إليه قديمة ، لأنها بالنسبة إلينا صفة لنا ملحقة بنا والحدوث اللازم لنا لازم لوصفنا ، وبالنسبة إليه سبحانه قديمة لأن صفاته لازمة لذاته القديمة ، وإن شئت أن تتعقل ذلك فانظر إلى حياتك وتقييدها بك فإنك لا تجد إلا روحا تختص بك وذلك هو المحدث ومتى رفعت النظر عن اختصاصها بك وذقت من حيث الشهود أن كل شيء في حياته كما أنت فيها وشهدت سريان تلك الحياة في جميع الموجودات علمت أنها بعينها هي الحياة التي قامت بالحي الذي قام به العالم وهي الحياة الإلهية وكذلك سائر الصفات إلا أن الخلائق متفاوتون فيها .. إلخ ) .
وهذا القول هو كفر بالله العلي العظيم وإثبات الكثرة في ذاته تعالى لاستلزامه الاقتران والانفعال والحركة والتغير وأمثال ذلك مما شرحنا تفصيلها في تفسيرنـا على آية الكرسي ، مع التهافت العظيم الذي في كلامه إذ قوله ( إذا تجلى الله لأحد بذاته ) يريد ظهوره بذاته على زعمه وذلك الظهور لا يتم إلا إذا انكشفت الحجب بكلها وأعظم الحجب بل حقيقتها هي نفس العبد فلا يظهر المتجلي إلا بكشفها ولا معنى لكشفها إلا عدم النظر إليها بالوجدان ونسيانها وتنزيلها منزلة الفقدان من دون النظر إلى الفقدان والوجدان فهناك يظهر له بذاته على زعمه ، وبوجهه ودليله وآيته عندنا ، فإذن أين الذوات وأين الصفات وأين الأفعال حتى يراها متلاشية في أشعة ذاته لأنه نسي نفسه فلا يراها فضلا عن غيرها لأن النظر إلى الغير بالكثرة فرع النظر إلى نفسه والالتفات إلى المدرك الذي يدرك ويعرف الغير فإذا نسي نفسه فأين يجد غيره وإن لم ينس نفسه فأين يجد ربه بتجليه له بذاته لأنه يرى غيره فلا يمكن أن يرى غيره حين يرى ربه أويرى ربه حين يرى غيره ، والنظر على جهة الاضمحلال دليل رقـة الحجاب وهو دليل عدم تجلي الذات ، تعالى ربي عما يقولون علوا كبيرا، فما صح كلامه على مقتضى مقامه في مرامه .

وقوله ( ويرى ذاته الذات الواحدة فيه ) أنه يمتنع عند تجلي الذات وكذا في مقام رقة الحجاب لأنه كلما يقرب يعدم نفسه فيرى نفسه باطلة زائلة مضمحلة فانية بحيث يستحيي أن يقول أنا أويجدها شيئا ليرى ذاته ذاتا واحدة مستولية على كل الذوات ، وصفته واحدة تستولي على كل الصفات فإن وجدان ذاته دليل الفرق وهو هناك عند رقة الحجاب يراه باطلا زائلا لا ينسب إلى نفسه شيئـا ، ولذا قـال عليه السلام (( وأن كل معبـود مما دون عرشك إلى قـرار أرضك السابعة السفلى بـاطل مضمحل ما خلا وجهك ))1 فظهر أن في مقام رقة الحجاب فقر محض واحتياج صرف وعدم بحت فانقطع قوله أنا ، كما قال مولانا الحسين عليه السلام (( إلهي حكمك النافذ ومشيتك القاهرة لم يتركا لذي مقال مقالا ولا لذي حال حالا ))2، وأما في مقام كشف الحجاب فلا حس ولا محسوس فلا يجد شيئا ينسب إلى نفسه برؤيته تجلي ربه شيئا ، فأين يرى ذاته ذاتا واحدة والصفة صفتها والفعل فعلها ، وبالجملة فقوله هذا إن كان في مقام رقة الحجاب فباطل لكونه مقام الفقر ، وإن كان في مقام الكشف فكذلك أيضا لأنه مقام عدم الوجدان ، ولا ينبئك مثل خبير ، ومن العجب قوله لاستهلاكه في عين التوحيد ، وكيف يكون مستهلكا في عين التوحيد من يرى نفسه الذات والصفات والفعل والكثرة ويفرق بينها ويجعل الكل واحدا ، ليس هذا في ذلك المقام بل في مقام الجبروت ، لكنه لو فرض نفسه أثرا لوجد الفقر المحض في هذا المقام ، لكنه يعتقد أن ذاته هو الله مع التعين ، ففي مقام المعاني يتخيل له هذا الخيـال الفاسد ، سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم .
_______________
1 مصباح المتهجد 220
2 البحار 98/225 ح 3


ثم الأعجب قوله عليه السلام ( ولما انجذب بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة وارتفع التمييز بين القدم والحدوث لزهوق الباطل عند مجيء الحق ) ، إذ بعد الإغماض عما تستلزم هذه الكلمات من الكفر الصريح ، نقول إذا شاهد جمال الذات وارتفع التمييز بين القدم والحدوث على زعمه ، فهل حينئذ يشاهد جمال الأحدية والواحدية ، فإن قلت الواحدية ، قلت هل فيها كثرت الأسماء والصفات أم لا ، فإن قلت لا ، قلت إذاً ما الفرق بين الأحدية والواحدية ولا يسعك تدعي الترادف بينهما ، فإن قلت : بلى ، قلت : إذأ بطلت الأحدية إذ جعلتم رتبة الذات مقام الواحدية وبطل توحيدكم لأن مقام الواحدية مقام الكثرة الذكرية الصلوحية الغيبية وإن لم تكن محسوسة إذ فيها مقام الأسماء المتمايزة والصفات المختلفة , فقوله هذا يتم لو قيل أن مقام الذات مقام الواحدية ولا يقول به عاقل ، فإن قلت الأحدية ، قلت أين هناك ذكر الغير حتى يقول عليه السلام (( أنا آدم الأول ونوح الأول أنا خالق السموات والأرض بأمر ربي )) إذ لو كان الأمر كما يقول كان الحق متكلما بلسانه لاستغراقه في عين التوحيد فحينئذ فما معنى قوله عليه السلام (( أنا خالق السموات والأرض بأمر ربي )) ، إذ ليس هذا كلام العبد من حيث هو عبد وإنما لسانه على زعمه كالشجرة لموسى ، والرب لا يقول أنا خالق السموات والأرض بإذن ربي إذ ليس له رب يؤوب إليه سبحانه وتعالى ، ولا يمكن التوجيه لهذا الكلام بعد ما قال استهلاكه في عين التوحيد ، ويرى ذاته الذات الواحدة وصفته صفتها وفعله فعلها ، وأيضا لو كان الأمر كما يقول فلم لم يقل ما قاله علي عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه أفضل منه وأكمل ، وكان يحصل له يحصل ما له عليه السلام من الاستهلاك في عين التوحيد بل ربما كان أكثر وكذلك الأئمة المعصومون عليهم السلام ما تكلموا بذلك مع ما هم عليه من عين الاضمحلال في عين التوحيد حتى قالوا عليهم السلام (( لنا مع الله حالات هو فيها نحن، ونحن فيها هو، وهو هو ونحن نحن )) ، وكذلك أحد من شيعتهم المخلصين كسلمان الذي بلغ في المعرفة والتوحيد ما بلغ ولم يسمع منه مثل هذه الكلمات ، نعم قد سمع ذلك من الصوفية وأتباعهم من الملاحدة مثل قول الحلاج ( أنا الحق ) ، وقول أبي يزيد البسطامي ( سبحاني سبحاني ما أعظم شأني ) و ( ليس في جبتي سوى الله ) وقول مميت الدين ( أنا الله بلا أنا، سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها ) وقول الآخر :

أنـا ذلك القدوس في قد س الـعمـاء محـجـب

أنا قطب دائرة الـرحى أنـا العلي المستـوعـب

أنـا ذلك الفرد الـذي فيـه الكمال الأعـجـب

إلى أن قال : أنا غافر والمذنب .
انظر كيف خلطوا كلام هؤلاء الكفرة الفجرة ومع ذلك يدعون أنهم من شيعتهم ومحبيهم، حاشا وكلا { وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ }1 .
وإذ قد عرفت هذه المقدمة عرفت أن هذه الخطبة الشريفة وما في معناها من الأخبار كلها صحيحة واردة عنهمعليهم السلام، وبيانها لما كانت مشتملة على أسرار وعجائب وغرائب لا يجوز بل لا يمكن إلا من تفسيرهم عليهم السلام وإرشادهم وتسديدهم وتأييدهم عليهم السلام فإن لهم مع كل ولي أذنا سامعة .
ثم اعلم أن الأدلة ثلاثة كما قال تعالى { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }2 فدليل المجادلة للعوام وأهل الظاهر فإنه لا يوصل إلا إلى الصور والقشور والظواهر ، وهو دليل إلزامي إقناعي مسكت مفحم ولا يوصل إلى البصيرة التامة والمعرفة الكاملة وهو كما ذكر أهل المنطق وأهل الأصول عن بيان الحجة والقول الشارح وكيفية الاستدلالات اللفظية ومواقع جريان الأصول الأربعة من الاستصحاب والظاهر والقاعدة والدليل .
____________________
1 التوبة 56 2 النحل 125
 

 

ودليل الموعظة الحسنة للخواص ولأهل الطريقة لأنه يوصل إلى مرتبة اليقين الذي لا شك فيه وصاحبه أبدا على برد اليقين من غير اضطراب واغتشاش ، وإن لم يوصل إلى المعرفة الكاملة والبصيرة التامة .
ودليل الحكمة لأهل الحقيقة وأهل الأسرار ، السالكين بل الواصلين إلى عالم الأنوار لأنه يوصل إلى المشاهدة والمعاينة والبصيرة التامة والمعرفة الكاملة ، وأنت تعلم أن المدلول نتيجة للدليل ، فإذا كان سرّيّا باطنيا فدليله أيضا كذلك لأنه المنبئ عن دليله فلا يمكن الاستدلال عليه إلا بدليل باطني غيابي شهودي ومن دونه لا يزداد السائر إلا بعدا وهو قـولهم عليهم السلام (( وسر لا يفيده إلا سر )) ، فمن حاول معرفة البواطن والأسرار بدليل المجادلة فقد أخطأ الطريق ، ولما كانت هذه الخطبة من أسرار باطن باطن القرآن وهوقد خفي عن أهل هذا الزمان لصعوبة مسلكه ودقة مأخذه وغموض دليله ، فلو كان يعرف بدليل المجادلة لما جهله أحد ، فنحن إنشاء الله نتكلم في هذه الخطبة الشريفة بذلك الدليل ونشاهدها بعين الفؤاد ، فمن ورد موردنا وأكل زادنا يبلغ مرادنا ، ومن لم يفرق بين إدراك العقل والفؤاد ولم يحصل لقلمه مداد ففرضه التسليم لعـل الله يفتح له الباب ويلهمه الصواب ، قال الشاعر :

فإن كنت ذا فهم تشاهد ما قلنا وإن لم يكن فهم فتأخذه عنـا

فما ثم إلا ما ذكرناه فاعتمـد عليه وكن في الحال كما كنـا

ونحن نذكر الخطبة برواية الشيخ رجب الحافظ البرسي في مشارق الأنوار .
قال رضوان الله عليه ( خطبـة لعلي عليه السلام يقال لها التطنجية ظاهرها أنيق وباطنها عميق فليحذر قارؤها من سوء ظنـه ، فإن فيها من تنزيه الخالق ما لا يطيقه أحد من الخلائق ، خطبها عليه السلام بين الكوفة والمدينة )1  .
_________________
1 مشارق أنوار اليقين 166


أقول : إنما يقال لها التطنجية لاشتمالها على أكوار الوجود وأدواره منحصرة في الكرتين والدائرتين المتعاكستي السيرين المتحاذيتي السطحين والمتقابلتي الميلين ، في حال اجتماعهما مفترقتان وفي افتراقهما مجتمعتان ، وهما التطنجان أي الخليجان المتشعبان من البحر المحيط ، وذلك البحر هو الماء الذي خلق الله منه بشرا فجعله نسبا وصهرا ، فجرى خليجان أحدهما من باطنه وهو الماء العذب الفرات السائغ شرابه ومنه انشعبت أربعة أنهار ، فالنهر الذي من الماء من ميم بسم الله الـرحمن الرحيم ، والذي من العسل المصفى من هائها ، والذي من اللبن الذي لم يتغير طعمه من ميم الرحمن ، والذي من الخمر من ميم الرحيم ، وثانيهما من ظاهره وهو الماء المالح الأجاج ومنه انشعبت أربعة أنهار ، عين الكبريت ، وعين أبرهوت ، وعين أفريقية ، وجمة ماسيدان ، وهو الماء الذي نزله الله سبحانه من القرآن فجعل منه خليجين أحدهما شفاء ورحمة للمؤمنين ، وثانيهما عذاب ونقمة للكافرين ، قال الله تعالى { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا }1 .
ولما كانت هذه الخطبة الشريفة مشتملة على بيان دوران الكاف المستديرة على نفسها السارية بأسرها وكينونتها في هذين الخليجين الذين هما التطنجان سميت بهما ، فقيل للاستعمال التطنجية تخفيفا أوتغليبا لجهة النور لسر نسوا الله فنسيهم وسيأتي زيادة شرح وبيان في محله لهذا إنشاء الله .
قوله قدس سره ( ظاهرها أنيق ) لاشتمالها على أسلوب غريب وترتيب عجيب يدهش العارف الناظر بحسن التأدية قائلا { اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }‏2 لأن الإمام عليه السلام سر الله المكنون وأمره بين الكاف والنون ، ولما كان في غاية الاعتدال والاستقامة ظهرت الخطبة حاكية لها في دار الخلد ودار المقامة إذ الأثر على مثال ظهور مؤثره والفرع على هيكل تجلي أصله ، وباطنها عميق جريا لحكاية الأثر لقوله عليه السلام (( ظاهري
___________________
1 الإسراء 82 2 الأنعام 124


ولاية وإمامة ، وباطني غيب لا يدرك )) ، وظاهرها شرح ظاهر الصنع والصناعة ، وباطنها ذكر باطن الصنع والصناعة ، وظاهرها ذكر ظاهر الأكوار ، وباطنها شرح حقيقة الأدوار ، وظاهرها ظهور الكور في الدور والدور في الكور والحركات الوضعية الكروية من المستقيمة والمعوجة ، وباطنها حركات الأقطاب وجريان الألباب ، وظاهرها مقام الأسباب ، وباطنها مقام المسببات ، وظاهرها بيان الاتصال ، وباطنها حقيقة الانفصال ، وظاهرها مقام الفصل ، وباطنها رتبة الوصل ، وظاهرها عالم الأسماء والصفات ، وباطنها عالم التوحيد والذات ، وظاهرها مقامات التجلي ، وباطنها علامات المتجلي ، وظاهرها مقامات السر وسر السر ، وباطنها مراتب السر المستسر بالسر والسر المقنع بالسر ، وظاهرها مقامات الواحدية ، وباطنها مظاهر الأحدية ، وظاهرها قوابل الدلالة ، وباطنها الكلمة التامة بحروفها وألفها ونقطتها ، وظاهرها إقليم الأسماء ، وباطنها عالم المسمى ، وظاهرها ظهور الفاعل ، وباطنها لب الهوية ، وظاهرها حقيقة الفاعل ، وباطنها العماء المطلق ، إلى غير ذلك من الأحوال والأمور التي أكثرها لم يجر بها قلمي ولم ينطق بها فمي ، وكل المراتب التي يمكن تصورها في عالك الكينونة وعالم البينونة وعالم الصفة وعالم الاسم وعالم التجلي وعالم التقدس وعالم العزة وعالم الحمل في عوالم ألف ألف كل أحوالها مشروحة في هذه الخطبة الشريفة بظاهرها وباطنها وهي كما قال رضوان الله عليه ظاهرها أنيق وباطنها عميق .
قوله عليه السلام قدس سره ( فليحذر قارؤها ) الغير المطلع على أسرارها من ظاهرها وخافيها الغير المتحمل لعلومها الغير الوارد على حوض صاحبها ( من سوء ظنه ) بإمامه وسيده عليه السلام في احتمال ادعائه أمرا عظيما أو كما صنع أيوب عليه السلام حيث شك وبكى وقال هذا أمر عظيم وخطب جسيم ، أو سوء ظنه براويه ليؤول أمره إلى الإنكار الذي هو الكفر فيقول ليس هذا وليس هذا , أوسوء ظنه في إدراكه وفهمه لعدم استقامته وإقامته فيفهم منها ما لا ينبغي ويتوهم الغلو لجهله بالمراد ، أويعتقد ذلك لعدم إدراكه بالفؤاد ، ويصغر عظمة الله قهار العباد ، أو سوء ظنه كما ظنته الملائكة لما تجلى نور صاحبها عليهم في عالم الأنوار فقالـوا هذا هو الإله القديم ، فقال هو وأخوه وزوجته وأبناؤه عليهم السلام لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
قوله قدس سره ( فإن فيها من تنزيه الخالق ما لا يطيقه أحد من الخلائق ) وهو كما قال وهذا التنزيه في الظاهر وما اشتمل عليه ظاهر الخطبة الشريفة ظاهر ، وأما التنزيه الحقيقي فهو الذي فعل عليه السلام في مطاوي كلماته الشريفة عند قوله عليه السلام (( أنا الأمل والمأمول )) وهذا وأشباهه مما يدل على تنزيه الخالق بما لا تطيقه الخلائق وهو قول الحجة المنتظر عجل الله فرجه (( فبهم ملأت سماءك وأرضك حتى ظهر أن لا إله إلا أنت ))1 ، وهو معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام (( انتهى المخلوق إلى مثله وألجأه الطلب إلى شكله الطريق مسدود والطلب مردود دليله آياتـه ووجوده إثباتـه )) ، وقال أيضا عليه السلام (( رجع من الوصف إلى الوصف ودام الملك في الملك ، وعجز القلب عن الفهم ، والفهم الإدراك )) ، وشرح هذا المعنى مولانا الحسين عليه السلام في دعاء عرفة (( إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فأرجعني إليها بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار ، حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك عنها مصون السر عن النظر إليها ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها إنك على كل شيء قدير ))2 وهذه الخطبة وأمثالها شرح وبيان لكيفية انتهاء المخلوق إلى مثله ورجوع الوصف من الوصف إلى الوصف ودوام الملك في الملك ، وفيها تنزيه لله سبحانه وتعالى عن الاكتناه والاقتران والاكتساب وتعدد الجهات والاعتبارات وعدم الأسماء والصفات ، وتعظيم لله سبحانه بعموم القدرة وشمول السلطنة وعظم الألوهية ، ويلزم هذا وأشباهه الذي ينكر هذا المعنى المذكور في الخطبة الشريفة ويزعم أن الله سبحانه فاعل بذاته والفاعل يصدق عليه بذاته ولم يعلم المسكين أن الفاعل إذا كان هو ذات الله سبحانه لزم التغير والاقتران ضرورة أن الفاعل مقترن بمفعولـه لا يذكر من حيث هو فاعل إلا والمفعول معه وهو مقام الواحديـة
___________________
1 البحار 98/393 ح 1

2 البحار 98/226 ح 3


ومقام الكثرة الأسمائية ، فإذا صح الاقتران صح الانفعال ، وإذا صح الانفعال صح التركيب ، وإذا صح التركيب صح الافتقار ، وإذا صح الافتقار صح الحدوث ، وإذا صح الحدوث صح له محدث ، فننقل الكلام فيه فإن أثبت له الفاعلية والعلية فيجب أن تثبت له هذه الأمور ، وإذا نزهت الذات الحق سبحانه وتعالى عن الكثرة الأسمائية والصفاتية فلا بد أن تنسبها كلها إلى الفعل ، والفعل لا يتقوم إلا بالمتعلق والمحل ، فانتهت الأمور كلها مما فيه اقتران وارتباط وإضافة ومساوقة وتجاور وتعاقب وامتزاج وحركة وسكون وغير ذلك كلها إلى الفعل من حيث ظهوره بالمحل الذي هو الفاعل المشتق من الفعل فهناك يتم لك التنزيه الصرف الغير المشوب بشيء من التشبيه ويصفو لك التصديق بقوله عز وجل { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ }‏1 ، ومعنى الحديث الذي أخبرني به شيخي وثقتي ومعتمدي جعلني الله فداه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جواب اليهودي إلى أن قال صلى الله عليه وآله وسلم ما معناه (( فإن الله عز وجل أوحى إلي أن فضلك على الأنبياء كفضلي وأنا رب العزة على كل الخلق ))2 ، انظر في تصريح ما لوح بقوله وأنا رب العزة ، ويأتي الكلام في ذلك إنشاء الله تعالى .
والظاهرية أرادوا بإنكار هذه الخطبة والأخبار التي في معناها تنزيه الخالق ولكنهم وقعوا في التشبيه والتشريك من حيث لا يشعرون ، وإنما قـال بما لا تطيقه الخلائق نظرا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم السلام لأمير المؤمنين عليـه السلام (( يـا علي ما عرف الله إلا أنـا وأنت ))1 فكان وصفهما فوق وصف الواصفين ، وتنزيههما فوق طاقة
___________________
1 الصافات 180
2 هذه الرواية كما ترى أورده المصنف أعلى الله مقامه وأنار الله في الدارين أعلامه بالمعنى ونحن نوردها بالنص تيمنا وزيادة في الفائدة قال صلى الله عليه وآله وسلم (( قال ربي يا محمد إن فضلك على جميع النبيين والمرسلين والملائكة المقربين كفضلي وأنا رب العزة على سائر الخلق أجمعين )) البحار 9/309 ح 10


المخلوقين ، لأنه سبحانه استخلصهما في القدم على سائر الأمم وأقامهما مقامه في سائر عوالمه في الأداء إذ كان لا تدركه الأبصار ولا يحويه خواطر الأفكار فافهم .
قوله ( خطبها بين المدينة والكوفة ) ، هذا الذي دعاه إلي بيان الطتنجين وذكر ملتقى البحرين ومزج العالمين لانطباق الظاهر مع الباطن والصورة مع الحقيقة ، فإن المدينة منتسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنها أول أرض آمنت بالله وبولاية ولاة الأمر عليهم السلام بعد أرض مكة ولذا شرفها الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه صلى الله عليه وآله وسلم أول من آمن بربه وأول من قال بلى حين قال ألست بربكم ، والكوفة منتسبة إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لأنها أول أرض آمنت بالله وأذعنت بالولاية لولاة الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أرض المدينة فشرفها الله سبحانه بعلي عليه السلام ، فجرى لأرض الكوفة ما جرى لصاحبها المتمكن فيها من حكم الطتنجين ، وجرى عليها حكم زحل الذي هو كوكب أمير المؤمنين عليه السلام ، ألا ترى إلى الذم الذي ورد عن أهل العصمة عليهم السلام لهم وما قال فيهم أمير المؤمنين عليه السلام حتى
_________________
1 تأويل الآيات 145


قال فيهم عليه السلام (( اللهم إني قد سئمتهم وسئموني ))1 وخاطبهم مولانا علي بن الحسين عليـه السلام (( يا أهل الكوفة ، ويا أهل الغدر والحيلة )) ويكفيهم ذما وخسرانا ما فعلوا بالحسين عليه السلام سيد شباب أهل الجنة ، وترى ما في أرض الكوفة من غور مياهها ويبس أنهارها وعدم نمو أشجارها وملوحة مائها ، وقد سمعت الممادح الكثيرة التي لها ولأهلها من كونها قطعة من أرض الجنة وإليها تأوي أرواح المؤمنين وهي مختلف الملائكة وقد صلى في مسجدها ألف نبي وألف وصي ، وأن القائم عليه السلام إذا خرج يكون محل حكمه وقضائه مسجد الكوفة وبيت ماله مسجد السهلة وخلوته النجف الأشرف على ساكنها آلاف التحية والشرف ، وفي آخر الرجعات تظهر الجنتان المدهامتان عند مسجد الكوفة وما ورائها إلى ما شاء الله ، وأمثال ذلك من الفضائل الجمة والمناقب الكثيرة فجرى فيها بالتبع تأويل قوله تعالى { بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ }2 وقـولـه تعالى { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ }3 ، وهما الطتنجان ولما كان ينبوعهما واحد ومجمعهما هو البحر المحيط ، وكانت المدينـة مظهر لذلك السطوع وحاملا لذلك الينبوع وجرى فيها ذلك بحكم المجاورة والمنـاسبـة
_________________
1 البحار 42/195 ح 13
2 الحديد 13
3 المائدة 54


اقتضى المقام أن يكون بيان هذه المقامات والأحكام بين المدينة والكوفة ، لأنهم يضعون الأشياء في مواضعها ويجرون الأمور في أوقاتها الصالحة لها ، لأنهم عليهم السلام مظاهر الرحمانية التي استوى بها { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }1 فأعطى كل ذي حق حقه وساق إلى كل مخلوق رزقه .
__________________
1 طه 5

 

قال عليه السلام

الحَمْدُ للهِ الذي فَتَقَ الأَجْواءَ وَخَرَقَ الهَواءَ

وعَلَّقَ الأَرْجاءَ وأَضاءَ الضِّياءَ وأَحْيى المَوْتى وأَماتَ الأَحْياءَ

 

أقول : مادة الحمد بيان الشكل المربع وصورته شرح شكل المثلث ، فعند الجمع هو السبع المثاني والقرآن العظيم ، فاستنطق منه اليد قال الله تعالى { وَقَالَتِ الْيَهُودُ } أهل العرب أول المنكرين لنبوة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم في عالم الذر الأول ، أي أوله في القابلية الأولى ، أي الثانية الظلية ، ومن تبعه من الأولين والآخرين إلى ما لانهاية له في التشريع والتكوين ، وإن كان بعد امتياز الغث والسمين فإن رحمة الله لا تتناهى فكذا غضبه لعدم تخلف الظل عن الأصل والظلمة عن النور فافهم ، { يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ } توهموا ذلك حسب دعواهم المجتثة عند ملاحظة إنياتهم الملعونة المشركة وإلا فلا استقلال ولا تذوت لهم إلا بها ، { يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ }1 ، { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ
________________
1 النمل 24


السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا }1 { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ }‏ ، وطردوا عن الرحمة المكتوبة وعن التجليات الشهودية السرمدية الإلهية بلا حجاب أن قالوا ذلك بلسان أعمالهم عند المباحات وعدم حفظ السر وفي الحجاب الأبيض الأعلى ، أن قالوا ذلك بلسان أعمالهم عند المرجوحات الغير المحرمة وفي الحجاب الزبرجد ، أن قالوا ذلك بما ذكر عند المحرمات مع التألم الحسي الذي هو في الحجاب الأسود أي الأخضر ، كل ذلك مع الدوام الأبدي السرمدي ، أن قالوا ذلك بلسان اعتقادهم وفي الدنيا مع كل ذلك أن قالوا ذلك بلسان مقالهم { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }‏ يد الفضل ويد العدل ، وهما الطتنجان المتشعبان من الحمد من ظاهره وباطنه وموافقته ومخالفته ، { يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء } في التكوين والتشريع والتأصيل والتفريع ، من أحكام الخزائن الغيبية والقياسات اليقينية والبراهين العلمية والكشوف الحقيقية في الأكوار والأدوار في الليل والنهار ، في عالم الأنوار والأكدار في الإعلان والإسرار ، فدلت الآية الشريفة بالمعرفة العيانية أن باليد ظهر الكون والوجود فامتاز الشاهد والمشهود والموجود والمفقود ، وتبين العابد من المعبود ، فاليد هي مجمع الكمالات وينبوع الخيرات ، وهي مشتقة من الحمد ومستنطقة عنه فهي واحد في مقام الجمع ، وأربعة في مقام الصفة ، وسبعة في مقام الفرق ، وأربعة عشر في مقام التفصيل ، فلما استنطقت منه اليد استنطق منه الجواد والوهاب ، إذ كل الممكن في أحوالهم وأطوارهم وأوطارهم من فاضل جود الجواد وهبة الوهاب ، إذ لم يتصور للممكن حال إلا وهو طارق باب جوده ورشحة من رشحات عطاياه ومننه التي هي عين حمده ، فكلهم لسان للحمد بل نفس للثناء الذي هو الحمد ، بل مشتق من الجواد والوهاب المشتقين من اليد المشتقة من الحمد ، فلما اشتقت هذه الثلاثة منه ظهر مقام
_________________
1 مريم 88 _ 90


الوجه والجناب ، فإن المشتق منه وجه للمشتق وظهور له قال تعالى { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ }1 ، فالحمد هو الوجه للذات التي هي ذو الوجه ، ولذا تقول لله مطلقا سواء كان وجها للتوحيد وآية للتنزيه والتفريد أووجها للتجليات الأسمائية والصفاتية والفعلية ، وظهور الجلال والعظمة والكبرياء بجميع مراتبها وأحوالها وهو قوله عز وجل { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }2 ، فالحمد هو المدار في عالم الأكوار والأدوار وفي الأظلال والأنوار وهو السبع المثاني ، ولقد فسر قوله تعالى { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }‏3 بسورة الحمد لكونها سبع آيات تثنى في كل صلاة في التكوينية في أول مقام الفرق { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }4 إلى آخر نهايات مراتب التفصيل والكثرة ، وفي التشريعية كذلك إلى هذه الصورة ذات الأركان والأوضاع ، والحمد في كل صلاة يتكرر لتمام أربعة عشر لكمال ظهور الوجهية في الحروف النورانية ، وهذا التكرار وتفاصيل الآيات في السورة المباركة إنما هي وجوه لفظ الحمد المطابق لمعناه لما بينا أن الكثرة في مقام التفصيل هي وجوه الواحد في مقام الإجمال ، وهذا الذي ذكرنا ملاحظة الصورة مع المادة مجتمعين ، وإن لاحظتهما مكعبتين فيدل على ظهور العرش في الكرسي في المنطقة التي هي أكمل مقامات ظهوره على اثني عشر برجا تسير الشمس فيها فتمد العوالم الكلية والجزئية بالشموس الكلية والجزئية فيكون مكث الشمس في كل برج شهرا كاملا شمسيا في كليات العوالم العلوية والسفلية التي آخرها العالم الجسماني والشمس الجسمية قال الله تعالى { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا
___________________
1 القصص 88 2 الصافات 180 _ 182
3 الحجر 87 4 الفاتحة 5


عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ }1 على جهة العموم والتفصيل ، والشمس هي النبوة والقمر هو الولايـة ، فالحمد ظاهر بالولايـة المطلقة في مقام التفصيل ، أي تفصيل الشجرة إلى الأصول والأغصان ، ومالك لها بتمليك الله الذي هو أولى بالتملّك بل هو المالك حقيقة قال سبحانه وتعالى { هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ }‏2 في مقام الوحدة ، فصار الحمد هو الكلمة الأولى العليا والمثل الأعلى والنبي والولي من شجرة واحدة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا الشجرة وعلي أصلها
____________________
1 التوبة 36
2 الكهف 44



وفاطمة فرعها والأئمة أغصانها وعلومهم ثمرها ))1 ، وهذه الشجرة هي الشجرة الإلهية الزيتونة التي ليست شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولولم تمسسه نار ، فظهر في الحمد العدد الكامل بنفسه مصرحا ، وبمثناه كناية وملوحا في الظهورات الغيرية والعدد التام بمثناه مصرحا وبنفسه ضمنا ، وكل الكمالات العددية والحرفية ترجع إليهما ، والظاهر مثال الباطن والصورة على طبق الحقيقة ، قال مولانا الرضا عليه السلام (( قد علم أولوا الألباب أن ما هنالك لا يعلم إلا بما ههنا ))2 ، وليس الحمد إلا إظهار صفة الكمال من حيث هو من غير مقابلته بشيء بل نفس الظهور ، فإن المظهر حقيقة إنما هو الظهور إذ لو كان في المظهر جهة غير جهة الظهور كان بتلك الجهة حاجبا لا مظهرا ، فدل على أن الحمد المطلق هو الكمال المطلق وهو في الحقيقة واحد لكونه إما مثال الواحد وأثره الحاكي لما تحقق عندنا أن الأثر على مثال مؤثره من حيث هو هو ، أو نفس الواحد الذي هو تجلي من تجليات الأحد ، والأمران مرادان إلا أن كل واحد في صقع غير الآخر ، إذ الواحد
___________________
1 لم نجد هذه الرواية بعينها فيما لدينا من المراجع ووجدنا ما يقاربها ففي معاني الأخبار ص 93 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا أصلها ( أي الشجرة ) وأمير المؤمنين فرعها , والأئمة من ولده أغصانها , وشيعتهم ورقها وعلمهم ثمرها )) , وفي بصائر الدرجات ص 95 عن عمر بن يزيد قـال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى ( شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء ) قال : فقال (( رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جذرها وأمير المؤمنين فرعا والأئمة من ذريته أغصانها وعلم الأئمة ثمرها وشيعتهم المؤمنون ورقها , هل ترى فيها فضلا يا أبا جعفر , قال : فقال : والله إن المؤمن يولد فيورق ورقة وإن المؤمن ليموت فتسقط ورقته )) .
2 لم نقف على هذه الرواية بهذا اللفظ ولكن وجدنا ما يقرب منها ففي عيون أخبار الرضا 1/175 قال عليه السلام (( قد علم ذووا الألباب أن الاستدلال على هناك لا يكون إلا بما ههنا )) .


استنطاق البسملة وظهر ذلك في الحمد إذ استنطاق الواحد هو الألف القائم المعبر عنها بالهمزة التي لها من العدد واحد ، والواحد لما تكرر وتضاعف صار منه اثنان ، وكذلك الألف القائم لما تنزل أي انبسط صار منه الباء وهي الألف المبسوطة في اصطلاح أهل الجفر ، والباء لما تكررت وانبسطت صارت منه الدال فهي تكرر الباء لفظا ومعنى ، كما أن الباء تكرر الألف كذلك ، والدال هي أول المربع والمربعات كائنة ما كانت وبالغة ما بلغت إنما تنتهي إليها ، وهي هيئة الولاية الظاهرة بالـتدبير والتأليف والتصوير والتكييف ، ولذا يقال للولي المطلق أبو تراب وهو مقام الدال ، والسر في ذلك أن المقبول لا يوجد عينا إلا بالقابل فوجوده من شرائط وجود المقبول ووجود المقبول من متممات وجود القابـل ، فوجبت بينهما المساوقـة والحواية ، وقد ينسب التقدم إلى المقبول للأصل والذات ، وقد ينسب إلى القابل للظهور والبقاء والاستمرار والتعبير كذلك إنما هو لبيان حكم المساوقة ولذا ورد تقدم خلق السماء على الأرض والعكس وذلك لأن حرارة حركة الفاعل لكونها في مقام الاسم المستقر في ظله فلا يخرج منه إلى غيره لحقتها اليبوسة فكانت نارا ، والأثر الصادر منها لكونها يشابهها وهو الرابطة بين الفاعل والقابل لحقته الرطوبة فكان هواء ، والمنفعل وهو حيثية القبول ووجهه من نفسه لكونه ناظرا إلى الأثر ومرتبطا به لحقته الرطوبة ، ولانفعاله لحقته البرودة فكان ماء ، ومن جهة إمساكه وحفظه لأثر الفاعل لحقته اليبوسة فكان ترابا فبالأربعة ظهر الائتلاف والتثبت وبالرابع يتم لأنه جزء أخير للعلة التامة ، ولذا قلنا أنها هيئة الولاية المطلقة فظهرت الدال في الحمد دون الألف والباء لسر التربيع على ما ذكرنا فإن الألف والباء لهما حكم التثليث فقد ظهر حكمهما في صورة الحمد لا في مادته ، فلما تكررت الدال نطقت الحاء لبيان حملة العرش وأنها من ظهورات الأصل الواحد في مقام التفصيل لا التأثير ، والعرش هو مبدأ البداء وعلل الأشياء وعلم الكيفوفة ، ولما تكررت الحاء خمس مرات ظهرت الميم وهي تمام ميقات موسى عليه السلام ، وإنما كررت خمسا للإشارة إلى المقامات والعلامات الخمسة في كل من هذه المراتب ، وتوسطت الميم لأنها محاط أولأنها شرح الحاء والدال ، وتقدمت الحاء لكونها حياة العالم وبها قد جرى القلم لأن الحياة من الصورة ، وتأخرت الدال لكونها المداد ومنه يستمد القلم ، فالمادة إنما تظهر بعد الصورة وإن كانت مقدمة عليها ، فلوح بما يشار به إليها بما يقتضيان من حكم الظهور والبطون والتقدم والتأخر في الوجود والظهور ، فتم بذلك صوغ الحمد ظاهرا مطابقا لصوغ معناه باطنا ، فالحمد هو الصفة الكمالية المطلقة الكلية التي لها هيمنة على كل الكمالات وهو في أعلى مقامات المعاني إذ كل المعاني تـؤول إليه وتنتهي لديه ، لأن الحمد هو الثناء وهو فعل المثني من حيث هو ، أي أثره الصادر من فعله ، فالثناء ركن المثني فلا يظهر بل لا يوجد كونه مثنيا إلا بالثناء فالمثني إنما هو كذلك بالثناء فإن كان في ظهوره في مقام الثناء فيتحد الثناء والمثني ، وإن كان لا في مقامه فلم يكن مثنيا به بل بغيره وهذا خلف وإن كان في مقامه ، فإن قلت باتحادهما صح وإن قلت باختلافهما فصار المختلف من حيث هو كذلك متفقا وبالعكس ، هذا هو الحكم في كل المشتقات ، فصار معنى المثني هو الظاهر بالثناء وظهور الفاعل بالثناء ليس إلا عين الثناء وإلا لزم أن تكون الذات عين الظهور وهذا خلف , ولا شك أن ظهور الشيء هو صفته كالصورة في المرآة فإنها صفة المقابل وظاهريته لها بها أولك بها ، فأنت نصف المقابل بما تجلى بفعله فيها فإذا نظرت إلى المرآة تشاهد المقابل فيها مع أن تلك الصورة المشهودة إنما هي أثر المقابل بفعله ، فصار ظاهرية المقابل أثرا لفعله وهذا معنى قولنا أن أسماء الفاعلين كلها مشتقة من الفعل ، ومعنى قولهم أنها مشتقة من المصدر ونحن نجتمع معهم في اسم الفاعل في المصداق والواقع لا المراد .
فإذا عرفت أن الثناء فعل المثني وفعله صفته وهو الحمد ولا شك أن كل الثنايا تقصر عن ثناء الحق سبحانه إلا ما أثنى به على نفسه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ))1 ، فثناء الله على نفسه ليس إلا إيجاد تلك الصفة الساريـة الجارية في كل شيء بجميع أنواع الجريان والسريـان في جميـع أنـواع الأكـوان
___________________
1 شرح النهج 1/59


والأعيان ، في بعضها سريان المؤثر بظهوره بفعله في الأثر ، وفي بعضها سريان الباطن في الظاهر ، وفي بعضها سريان المطلق في المقيد ، وتلك الصفة هي الحمد لله سبحانه وهو اللائق بجناب قدسه ، وكل ثناء رشحة من رشحات ذلك وقطرة من بحر ظهوره ، فلا ثناء يصل إليه ولا حمد يتصل به وذلك الحمد لله سبحانه والولاية المطلقة ظهوره وتفصيله ، أما سمعت قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( أعطيت لواء الحمد وعلي حامله ، وأعطيت الحوض وعلي ساقيه ، وأعطيت الجنة والنار وعلي قسيمها ))1 ، هذا معنى الحمد على الظاهر .
ثم تلك الصفة المعنوية الإلهية لوحظ فيها من حيث ظهور الفاعل فزيد فيها الوأو والياء واللتان هما من حروف اللين في الوسط فقيل محمود وحميد والثاني مبالغة للأول ، قال تعالى (( أنا المحمود وأنت محمد شققت لك اسما
_________________
1 لم نقف على هذه الرواية بعينها وإنما وقفنا على ما يقرب منها وهي ما رواه في الفضائل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أعطيت ثلاثا وعلي مشاركي فيها , وأعطي علي ثلاثة ولم اشاركه فيها , فقيل : يا رسول الله وما الثلاث التي شاركك فيها علي عليه السلام , فقال : لواء الحمد لي وعلي حامله , والكوثر لي وعلي ساقيه , والجنة لي وعلي قاسمها , وأما الثلاث التي أعطيت عليا ولما شاركه فيها فإنه أعطي رسول الله صهرا ولماعط مثله , وأعطي زوجته فاطمة الزهراء ولم اعط مثلها , وأعطي ولديه الحسن والحسين ولم اعط مثلهما)).


من اسمي ))1 وقال تعالى { صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللّهِ الَّذِي }2 ، وقال عز وجل { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا }3 فافهم السر المعمم والسر المتمم فإنه من الأسرار المقنعة بالسر .
ولوحظ فيها جهة التعلق والارتباط فزادوا في التكرار تارة وفي إظهار الأصل الواحد المكرر أخرى ، فقالوا محمد وأحمد فزادوا الميم الذي هو تكرار الحاء الذي هو تكرار الدال الذي هو تكرار الألف القائم ، وإنما زادوا الميم في الأول وشددوا الميم الثاني لبيان ثمانين ألف سنة التي كان يطوف حول جلال القدرة قبل أن يصل إلى جلال العظمة ، وزادوا الهمزة في أحمد في الأول لبيان الأصل الواحد الذي نشأ منه الحمد وأنه شيء واحد تضاعف وتكرر إلى أن ظهرت منه الأربعة عشر المنازل النورانية واثنا عشر البروج في الأكوار والأدوار الكونية فافهم فكم من خبايا في زوايا لا يمكن البيان خوفا من فرعون وملئهم .
وأما سر الألف واللام وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية مع أنها أدخل في المقام وأوفق بمدارك الأفهام فاعلم أن الألف واللام للتعريف والتعريف هو الظهور وعدم الخفاء ولما كان الحق سبحانه أظهر الأشياء بل لا ظهور إلا ظهوره ولا يرى نور إلا نوره ولا يسمع صوت إلا صوته وهو سبحانه وتعالى لا يظهر بذاته وإنما يظهر بأدلته وآياته كان وجهه ودليله وآيته هي المعرفة التي لا تنكير فيها بوجه من الوجوه فإن النكارة جهة الكثرة ولما كانت الألف اللينة هي آية ظهوره ومثال تجلي نوره في عالم الحروف وكانت صورة لا حركة لها ولا تعين أضافوا إليها وقارنوا بها اللام التي هي مظهر الألف لأن اللام هي الثلاثون ليلة لميقات موسى وهي مراتب القابليات والألف هي الواحدة ومقام الواحد الذي هو رتبة المقبول فبالقابل ظهر المقبول فناسب أن ينضم إلى الألف اللينة اللام وخصوها بها دون غيرها ومن هذه الجهة توهم
________________
1 أمالي الصدوق 354 2 إبراهيم 1 _ 2
3 الإسراء 79


بعض أهل الجفر أن اللام والألف حرف مستقل فجعلوا الحروف تسعة وعشرين حرفا وما دروا أن الألف هي سر الحروف ومحقق حقائقها ومذوت ذواتها وهي أبوها وكل الحروف أولادها ، فصارت الألف واللام هما باجتماعهما حرف التعريف يفيد تعريف مدخولهما وهي للحقيقة والأصل ، إنما هو ذلك لا الاستغراق ولا العهد الذهني ولا الخارجي ، وتوهم أن العهد الخارجي إشارة إلى الثناء الذي يثني الله سبحانه نفسه جهل بذلك الثناء ونسبته مع غيره فأدخلت الألف واللام التعريف على الحمد لبيان أنه صفة الله ووصفه ودليله وتجلي تجليه وأقامه مقامه في سائر عوالمه فدل بالألف واللام على أن الظهورات كلها تنتهي إليه لأنه أول من تجلى بالألف واللام بعد الله الرحمن الرحيم ولذا ورد في الكتاب الكريم بعد { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }1 ولاحظ ما سبق ملوحا في المبدأ والمشتق .
ودل بالجملة الاسمية على أنه خلق ساكن لا يدرك بالسكون وأنه ذات الذوات والذات في الذوات للذات ، ودل بالرفع على أنه مثال الأسماء الحسنى والصفات العليا ولذا ذكره بعد البسملة ومثال الفاعل هو الرفع قال عليه السلام (( كل فاعل مرفوع )) ودل بالابتدائية على أنه ينبوع كل خير ومبدأ كل إحسان بل هو العرش للرحمن ولذا صار في كل الاستعمالات والاطلاقات مختصا بالله سبحانه و راجعا إليه تعالى ، فكان عرش الرحمن ومعدن الامتنان ، ودل بالمصدرية على أنه حدث صار عن محدث مؤثر ومعنى رابط فاصل واصل ما تمحض في الاسمية ولا في الأثرية بل أمر بين الأمرين قال تعالى { لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ }‏2 .
والله اسم للظاهر بالألوهية ، وهي الذات المستجمعة لجميع الصفات الكمالية من صفات القدس والإضافة والخلق ، وله هيمنة وتسلط على كل الأسماء والصفات والتعلقات ، ولذا يوصف ولا يوصف به قـال تعالى { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى }‏3، وهـو
___________________
1 الفاتحة 1 _ 2 2 النور 35 3 الإسراء 110


مشتق من أله والإله يقتضي مألوها والاسم غير المسمى ، فمن قال أن الله علم للذات المقدسة القديمة تقدست وتعالت أخطأ الصواب فإن المسمى أمر خارج عن حقيقة الذات المقدسة مع ما في المسمى والاسم من الاقتران والاتصال والانفصال والنسبة الذاتية ولا أقل من الوضعية ، ومن قال أنه كلي جامع أخطأ لأن الكلية والجزئية من صفات المخلوقين والله منزه عن ذلك ، وذلك يستلزم الكثرة النسبية الإضافية الذاتية وذلك يستلزم التركيب ، ومن قال أنه صفة مشتركة في أصل الوضع وانحصر في الفرد أخطأ لأن الاشتراك يستلزم اتحاد الأصقاع وفي ذلك رفع للواجب والإمكان عن مكانهما ومرتبتهما ، ومن قال أنه اسم للذات الظاهرة بالألوهية فمن قال أنها هي للذات القديمة من حيث اعتبارها مع الألوهية فقد قارنه بشيء فثناه ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد حده ومن حده فقد عده ومن عده فقد أنكر أزله ، ومن قال أنها هي الظاهرة بالألوهية بنفسها بها والرحمن اسم للذات الظاهرية بالرحمانية نفسها بها وهي آية ودليل وعلامة ومقام للذات ( القدسية ) القديمة سبحانه وتعالى حال التوجه والالتفات لا فرق بينها وبينها في التعريف والتعرف والمعرفة إلا أنها خلقها وعبدها فتقها ورتقها بيدها بدؤها منها وعودها إليها ، قـال عليـه السلام (( من عرف نفسه فقد عرف ربـه ))1 ، وقال عليه السلام أيضا (( لم تحط به الأوهام بل تجلى لها بها وبها امتنع عنها وإليها حاكمها ))2 ، فمعنى الأسماء اللفظية هي الأسماء المعنوية وهي الدوال على مسماها المقارن لها المتصف بها ، والمجموع وجه الله الواحد القهار تلتفت إليه سبحانه من غير التفاتك إلى الاسم والمسمى والدال و المدلول ، كما أني إذا قلت لك يا قائم فإني ما أعني إلا ذاتك من غير ملاحظة القيام ولا جهة اقترانك به ، وإنما جعلته وجها أتوجه به إليك كالصورة في المرآة لملاحظة المقابل الخارج ، فالأسماء في مقام الواحدية وكذا مسمياتها ، والذات رتبتها الأحدية ، فمن قال هذا المعنى وأراد هذا المعنى وعرف هذا المعنى فقد أصاب فإن الاسم ليس لصرف الذات بالضرورة ، وإنما
____________________
1 الصراط المستقيم 1/156 2 شرح النهج 13/44
 

 

 

هو لظهوراتها أي ظهورات الفعل .
والظهور على قسمين عام وخاص ، فالظهور العام لعمومه يخص وهو اسم الله ، والمراد بالعموم سريانه في كل الأسماء والصفات بحيث تكون الأسماء كلها وجه من وجوهه وطور من أطواره ، ولما كانت الألوهية هي المعبودية وهي الاستيلاء التام القائم على كل نفس بما كسبت ، كانت الأسماء كلها جهات ظهوراتها فإن المعبود يجب أن يكون خالقا وما يتعلق به وكاملا وما يتعلق به من الكمال والأحوال ومنزها من جميع الشوائب واللواحق المتعلق بالمخلوقين العابدين ، والأسماء والصفات كلها لا تخلو عن هذه الثلاثة ، فمنها صفات الخلق كالخالق البارئ المصور الرزاق المحيي المميت المهلك الغافر المنعم وأمثالها ، ومنها صفات الكمال التي يعتبر في مفهومها الإضافة وإن لم يتعلق بالخلق من حيث هو كذلك كالعالم والقادر والسميع والبصير والحي وأمثالها ، ومنها صفات القدس وهي صفات التنزيه كالقدوس والسبحان والعزيز وأمثالها ، وكل هذه من ظهورات الألوهية التي هي المعبودية ولذا لا يضاف العبد إلا إلى الله كما في قوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }1‏ .
وأما الاسم الخاص فقد يكون إضافيا وأنحاء الاضافيات تختلف ، والعام الكلي بعد اسم الله هو الرحمن وهو الجامع للقسمين من الصفات أعني الإضافة والخلق ، فإن الرحمن اسم للذات الظاهرة بالرحمة الواسعة مقام الاستواء على العرش فلا يعتبر فيه إلا الإضافة وليس له مقام التنزيه الصرف وليس من أركانه الأحدية كما في اسم الله قال تعالى{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }2 فالظاهر بالرحمة الواسعة أنزل من الظاهر بالألوهية بمرتبة واحدة ويشتركان في كل الأحوال قال تعالى { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى } 3 وتفصيل المقال في هذه الأحوال يطلب في تفسيرنا على آية الكرسي وكتابنا اللوامع الحسينية .
_____________________
1 الفاتحة 5 2 الإخلاص
3 الإسراء 110


اعلم أن هنا كلمات وأسرار عجيبة غريبة طويت أكثرها ورمزت بعضها فإن شافهتني ربما تحظى بعض ذلك ، فإن إيراد كل ما يخطر بالبال يؤدي إلى تكثير المقال فإن لبيان هذه الخطبة الشريفة مقامين ، الأول : شرح العبارات والفقرات المذكورات ، وحل العبارات واستخراج المراد من غامض الإشارات ، والثاني : خصوصيات التعبير وجهات التقدير وسر التقديم والتأخير ، وكل واحد خصوصا الثاني يحتاج بيانه إلى تمهيد مقدمات غريبة ليفهم السامع المراد ، ولا يمكن إيراد كل ذلك نعم نشير إنشاء الله إلى المجموع إشارة ليقف الجاهل ويعرف الحق من سبقت له من الله الحسنى .