قوله عليه السلام : فتق الأجواء

اعلم أن الفتق هو ضد الرتق وهو الحركة بعد السكون والانفصال بعد الاتصال والإظهار بعد الخفاء ، والاشتقاق عند وجود المبدأ وعند الذكر في المبدأ ، والتكون في الأكوان بعد ما كان مستجنا في الإمكان ، والجو هو سماء الاعتدال ومرتبة الوصال ومقام الاتصال وصلوح الانفصال ، وهوالإشارة إلى قوله عز وجل { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا }1 ، وجمع الجو لبيان تعدد الأصقاع وتكثر الأجناس والأنواع وهو قوله عز وجل { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }‏2 والخزائن أعم من أن تكون في السلسلة الطولية وحدها أوالطولية والعرضية معا ، وأعم من أن يكون كون الشيء من حيث هو أوكونه من حيث تجلي مبدؤه فيه ، والتجلي أعم من أن يكون تجلي الوحدانية أوتجلي الوجوه والمبادئ المتوسطة الحاملة ، وتجلي الوحدانية أعم من أن يكون تجلي الأحدية أوتجلي الواحدية ، وتجلي الواحدية أعم من يكون تجلي الهوية أوتجلي الألوهية والرحمانية أوتجلي سائر الأسماء والصفات وجهات التعلقات ، وكون الشيء من حيث هو أعم من أن يكون من حيث نظره إلى وجه مبدئـه أي
_________________
1 الأنبياء 30
2 الحجر 21

 


عمله بمقتضى إجابته لتكليف ربه حيث خاطبه بلسان نفسه { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى }1 إجابة لسؤاله لما أجاب سؤالهم بأن كلفهم ، أو يكون من حيث نظره إلى نفسه من حيث مخالفة مبدئه من حيث دورانه على خلاف التوالي ، وللكل أصقاع وأجواء كانت رتقا فجرى الفتق فيها على نظم واحد محكم متقن ، كذلك الله ربنا لا إله إلا هو له الحكم وإليه ترجعون .
فالجو الأول جو الظهور والكلام في هذا المقام وإن لم يحسن ، إلا أنّا نشير إشارة ما إلى نبذة يسيرة قليلة لتنبيه المستوضح المسترشد ، ومرتوقية هذا الجو ومفتوقيته يتصور على أنحاء منها الظهور المطلق للخلق ، بقول مطلق مما أحاط به اسم العالم الكرة الواحدة المستديرة الدائرة على قطب واحد من غير محور ، وهذا الظهور كان رتقا كما هو الآن في نظر أبناء الزمان من إنكارهم الوسائط ونسبة الكل إلى الله الخالق وهو حق وصواب لكنهم أخطئوا الصواب ، ففتق هذا الرتق بامتياز الظهور في عالم السرور وصقع النور فتشعبت إلى الظهور الجمادي والنباتي والحيواني والجني والملكي والإنساني والنبوي والولوي والظهور الإطلاقي وهذه تسعة أفلاك في عالم الظهور الإلهي بالآيات قال تعالى { أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا }2 فإذا تحققت الأفلاك في عالم الظهور فاعلم أن الظهور في كل مقام أيضا كان رتقا ففتق إلى الظهور المطلق الذي ليس هناك إلا ذكر المظاهر والظهور المتوجه إلى التعلق والظهور المتعلق ، فالأول هوالأفلاك والثاني هو العناصر والثالث هو المتولدات .
وأما بيان كيفية تربيع العناصر وتثليث المتولدات في الجو الأول فاعلم أن الظهور المتوجه إلى التعلق على أربعة أقسام ، الأول الظهور المتعلق بمظهر الخلق والإيجاد وهو طبع النار ، والثاني الظهور المتعلق بمظهر الحياة وهو طبع الهواء ، والثالث الظهور المتعلق بمظهر الرزق وهو طبع الماء ، والرابع الظهور المـتعلق بمظهر الموت وهو طبع الأرض ، فلما دارت أفلاك الظهور الصرف
_____________________
1 الأعراف 172 2 الأنبياء 30
 

 

على هذه الظهورات وامتزج بعضها في بعض وحصل التعلق فاختلف بين ما تعلق بالقشر واللب ولب اللب ، فالأول هو الجماد ، والثاني هو النبات , والثالث هو الحيوان ، فدارت الأفلاك على العناصر فتولد منها الأسماء والصفات ولا نهاية لهذا الدوران فلا نهاية ولا غاية لهذا التوليد ، وإنما صار كذلك لأن أول مقامات الظهور وهو الواحد كان رتقا ففتق منه الثلاثة بنظره إلى الأحد وإلى الأعيان الثابتة وإلى رتبة مقامه ، وهذه الثلاثة كانت رتقا ففتقت منها التسعة بتجذيرها بالتفاتها إلى مراتب نفسها فدارت تسعة ، وهذه هي الأصول والعلل فلما لوحظ الأحد مع الواحد الذي هو الثلاثة كانت أربعة وهذه هي العناصر فدارت الأفلاك على هذه العناصر فتولدت منها الأسماء الإلهية الفعلية الحقيقية اللاتناهية ، فأول الأفلاك المفتوقة من الظهور المرتوق هو اسم الله وهو الفلك الأعظم الكلي المحيط المسخر لكل الأفلاك الأسمائيـة ، والفلك الثاني هو اسم الرحمن { أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى }1 ، وأما الأفلاك السبعة المستمدة من هذين الفلكين الأعظمين فالسابع منها الذي هو الرابع هو اسم الله البديع فإنه مطرح ظهور الاسمين الأعلين فيستمد من باطن اسم الله ويمد الفلك السابع الذي هو الرب ومن ظاهره فيمد الفلك التاسع الذي هو المبين ، ويستمد من ظهور باطن الرحمن ويمد الفلك السادس الذي هو الباعث أوالعليم ومن ظاهره إلى الفلك الثامن الذي هو المحصي { وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ }‏2 ويستمد من باطن قران الاسمين من حيث النظر والالتفات ويمد الفلك الخامس الذي هو القاهر ، ومن ظاهر القران والامتزاج يمد الفلك السابع الذي هو المصور .
وأما العناصر فعنصر النار وهو اسم الله القابض ، وعنصر الهواء وهو اسم الله الحي ، وعنصر الماء هو اسم الله المحيي ، وعنصر التراب وهو اسم الله المميت ، وروح هذه الأفلاك ومقوم وجودها هو الاسم الأعظم وهو هو لأنه باطن الله ، وروح هو هو هُـ من غير إشباع ، وظاهر هذه الأسماء الشريفة وجامعها ومقدرها وحاملها ومجليها هو اسم الله العلي وقد قال مولانا الرضا
_________________
1 الإسراء 110 2 يس 12
 

 

عليه السلام (( إن أول الأسماء هو العلي العظيم لأنه أعلى كل شيء ومعناه الله ))1 وقد علمت أن معنى الله هو هو ومعنى هو هو هـُ ، فكان هـ قطبا لهو وهو قطبا لله واسم الله قطبا لعلي ، وهو الكرة المحيطة بكل الأسماء وقد قال عز وجل { وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}2 وذلك من غير الإشباع وصف بالحكمة { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا }‏3 ، وقال مع الإشباع { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }4 ، فوصف بالعظمة فكان ذكرا للركوع قال تعالى { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ }‏5 قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( اجعلوها في ركوعكم ))6 ، كما كان العلي الأعلى في السجود قال تعالى { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى }7 قال صلى الله عليه وآله وسلم (( اجعلوها في سجودكم ))8 ، وفي الدعاء (( وباسمك الأعظم ، وذكرك الأعلى )) .
وعلى هذا يصح أن تقول أن الفلك الأول الأعظم هو اسم العلي ، والفلك الثاني هو العظيم ، لأن الإحاطة والاستدارة الإمدادية لا تكون إلا عند التنزل إلى عالم الظهور ، فلما تنزل هو إلى الرتبة الثانية التي هي مقام الظهور وظهر العلي العظيم حال الاستنطاق فكان علي حال الظهور هو هو
_________________
1 لم نقف على هذه الرواية المذكورة وإنما وقفنا على ما يقرب منها في المعنى وهي ما رواه في البحار 4/88 ح 26 (( فأول ما اختار الله لنفسه العلي العظيم لأنه أعلى الأسماء كلها فمعناه الله ))
2 الزخرف 4

3 البقرة 169

4 البقرة 255
5 الواقعة 74

6 علل الشرائع 333
7 الأعلى 1

8 البحار 90/135 ح 4



حال البطون قال تعالى { قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ }1‏ سواء قرأت بالإضافة أورفع الصراط ليكون خبر إن والمعنى في كلا الحالين واحد .
والدليل على أن الأفلاك تعتبر في الأسماء زيادة على ما قدمنا قول سيدنا ومولانا الحسين عليه السلام في دعاء عرفة (( يا من استوى برحمانيته على العرش فصار العرش غيبا في ذاته ( كما صارت العوالم غيبا في عرشه ) محقت الآثار بالآثار ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار ))2 فافهم الإشارة لئلا تضل وتشقى .
ثم إن الظهور في كل مرتبة من هذه المراتب التسعة كان رتقا ففتق سبحانه إياه فتقتين ظهور كلي وظهور جزئي ، والظهور الجزئي كان رتقا ففتقه إلى الظهورات وأطوار التعينات ، والظهور الكل كان رتقا ففتقه إلى قسمين فالقسم الأول منه هو الله أي الظاهر بالألوهية ، والقسم الثاني منه هو الرحمن أي الظاهر بالرحمة الواسعة ، والظهور بالألوهية كان رتقا ففتقه إلى الأحدية والواحدية ، وهنا مقامات للرتق والفتق ينقطع دونها الكلام .
والجو الثاني جو الوجود المطلق كان رتقا ففتقه إلى الحال والمحل ، والحال هو النقطة الجوهرية الإلهية الثابتة في العالم السرمدي ، كانت رتقا ففتق منه الألف النفس الرحماني الأولى والرياح المثيرة للسحاب على شجر البحر ، وهو كان رتقا ففتق منه الحروف العاليات وهي السحاب المزجى ، ثم اجتمعت الحروف وتراكمت السحب فتحققت الكلمة التامة ، والسحاب المتراكم والمحل كـان رتقـا ففتقه إلى الإمكان الراجح والوجود
__________________
1 الحجر 41
2 الإقبال 350


الراجح قـال تعـالى { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَـوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ }1‏ ، والوجود الراجح كان رتقا ففتقه إلى قسمين أي إلى الإجمال والتفصيل والفضل والنور والرحمة ، والقسم الثاني كان رتقا ففتقه إلى خمسة أشباح وهو أبو الخمس الذي في الدعاء ، والقسم الرابع كان رتقا ففتقه إلى ثمانية أشباح أخر فلما تمت الأشباح الأربعة عشر التي هي قصبة الياقوت وحجاب اللاهوت فاستقرت الكلمة عليها وظهرت فيها فكانت محلا لها ، فلما تمت الكلمة بتمام محلها ظهرت دلالتها وتم السحاب بوجود الأرض الجرز البلد الطيب التي هي من تمام قابلية ظهور آثاره الذي هو الماء فترى الودق يخرج من خلاله ، أوتم السراج الوهاج بتعلق نار الشجرة الإلهية على الزيت الذي يكاد يضيء ولولم تمسسه نار ظهر النور ، وهذا النور والماء والدلالة هو .
الجو الثالث وكان رتقا ففتقه الله تعالى إلى سبع طبقات متطابقات بالعلو والسفل ، وكل طبقة كانت رتقا إلى الأفلاك التسعة والفلك الكرسي في كل من السبعة كان رتقا ففتقه إلى الكواكب والبروج والمنازل ففتقه أفلاك تداوير لكل كوكب ، وسائر الأفلاك السبعة كانت رتقا ففتقها إلى الأفلاك الجزئية بين الاثنين والثلاثة والأربعة فتحققت سبعة أجواء ، وكل جو كان رتقا وفتقه إلى تسعة أفلاك ، والجو الجسماني المفتوق إلى الأفلاك الجسمانية آخر الأجواء ، وقد أشار الإمام عليه السلام إلى جميع ما ذكر لمن عرف على ما رواه في مجمع البحرين قال عليه السلام (( كان عرشه على الماء ، والماء على الهواء والهواء لا يحد ولم يكن حينئذ خلق غيرهما ، والماء يومئذ عذب فرات ، فلما أراد أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربت الماء حتى صار موجا ، ثم أزبد فصار زبدا واحدا فجعله في موضع البيت ، ثم جعله جبلا ثم زبد ، ثم دحى الأرض من تحته ثم مكث الرب تعالى ما شاء الله ، فلما أراد أن يخلق السماء أمر الرياح فضربت البحور حتى أزبدت فخرج من ذلك الموج والزبد من وسطه دخان ساطع من غير نار فخلق منـه السمـاء وجعل فيها البروج
____________________
1 النور 35
 

 

والنجوم ومنازل الشمس والقمر وأجراها في الفلك ، وكانت السماء خضراء على لون الماء الأخضر وكانت الأرض غبراء على لون الماء العذب وكانتا مرتـوقتين ليس لهما أبواب ، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات وذلك قوله تعـالى { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } ))1 ويأتي لهذا الحديث الشريف بيان إنشاء الله فيما بعد عند بيان خلق السموات والأرض .
وقوله عليه السلام (( فتق الأجواء )) براعة استهلال لما يريد أن يبين في هذه الخطبة الشريفة ، وقد قال علي عليه السلام على ما رواه في مجمع البحرين (( إن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هو الفاتق الراتق ))1 ويؤيده قوله عليه السلام في خطبة يوم الغدير في وصف محمد صلى الله عليه وآله وسلم (( أقامه مقامه في سائر عالمه في الأداء إذ كان لا تدركه الأبصار ولا تحويه خواطر الأفكار ))2 ولذا اشتق اسمه من اسمه وهو المحمود وحبيبه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الأعلى ووليه علي عليه السلام .
وقد قال مولانا الصادق عليه السلام على ما رواه المفضل (( إن القديم هو هو بلا كيفية ، ولما شاء أن يظهر حجاب ذاته اخترع نورا من نوره لا بائن عنه مفتوقا ولا ملتصق به مرتوقا ، فأقامه في نفسه مخترعا له شعاع يتوقد فقال له اعرفني في ذاتك ولا تكن لي حاجبا ، فنطق النور بالتقديس وقال : أنت لا شبيه لك أقمتني من مشيئتك بقدرتك ظاهري من نورك وباطني نفسك )) ، قوله عليه السلام (( حجاب ذاته )) هذا الحجاب مخلوق وإلا لم يكن حجابا قال عليه السلام في الزيارة (( وعلى أوصيائه الحجب ))3 ، وكذا الذات المحتجبة بالحجاب فإنها مرتبطة ، والارتباط حركة والحركة افتقار مع إضافة الذات إلى الضمير فإنها تفيد التمليك والاختصاص فهي ذات شريفة
_________________
1 مجمع البحرين 5/224
2 الإقبال 461
3 الإقبال 631
 

 

خلقها الله سبحانـه ونسبها إلى نفسه كقولـه تعالى { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي }1 ، والكعبة بيتي .
وقوله عليه السلام (( اخترع نورا من نوره )) يعني من تلك الذات المخلوقة وقد يعبر عنها بالحق المخلوق به .
وقوله عليه السلام (( لا بائن عنه .. إلخ )) يريد معنى قول جده أمير المؤمنين عليه السلام (( ليس بينه وبين خلقه بينونة عزلة بل بينونة صفة )) .
وقوله عليه السلام (( فـأقامه في نفسه )) هو من معنى قولـه عليه السـلام (( أقامه مقامه في سائر عالمه )) .
وقوله عليه السلام (( وباطني نفسك )) يريد بها النفس المخلوقة التي معرفتها عين معرفة الرب ولا فرق بينه وبينها إلا أنه عبده وخلقه قال عليه السلام (( من عرف نفسه فقد عرف ربه )) أو النفس التي لا يعلم ما فيها عيسى على نبينا وآله وعليه السلام وكما حكى الله سبحانه عنه { تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ }2 .
فإذا عرفت هذه الإشارات عرفت أن ما نذكره فيما بعد في هذه الخطبة الشريفة شرح وبيان لفاتق الأجواء وفالق الإصباح ، وقد قلت لك سابقا أن الفاتق ليس صرف الذات لارتباطه إلى الفتق فلا يكون إلا في رتبة الفتق بتنزله إليه بظهوره ، والمتنزل ليس هو الذات وإنما هو الظهور المرتوق المفتوق بالأسماء والصفات وأنحاء التجليات .
______________________
1 الحجر 29
2 المائدة 116

 

 

قوله عليه السلام وخرق الهواء

يريد بيان توليد المتولدات وشرح استخراج النبات بالمياه النازلة من السحاب ، فخرق سبحانه الهواء بتصعيد الأبخرة والأدخنة بشمس اسم الله القابض ، ثم تقطيع هذه الأبخرة وتجزئتها في الهواء باسم الله الباسط والباعث ، ثم مزج كل قسم بربعه من اليبوسة الهبائية باسم الله الرحمن والحي ، ثم تعفين هذه الأجزاء لتميل اليبوسة إلى السيلان والرطوبة إلى الانجماد والانعقاد باسم الله الرب المؤلف ، ثم الانعقاد التام ثم التأليف والتراكم في الهواء ثم إخراج الماء من خلاله وإحياء الأشياء المتولدة كلها به ، وهذه الفقرة متممة للفقرة الأولى المشار بها إلى الآية وهي قوله تعالى { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } ، وإشارة إلى الآية التي بعدها وهي قوله تعالى { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ }1 من المتولدات من الجماد إلى أن يصير معدنا ، ومنه إلى أن يصير نباتا ، ومنه إلى أن يصيرا حيوانا ، ومنه إلى أن يصير إنسانا ، وحياة هذه المراتب كلها بالماء الذي هو المتقاطر من السحاب الحاصل من خرق الهواء في كل عالم بحسبه ، في عالم الأنوار والأسرار والأرواح والأظلة والأشباح والأجسام في الأفلاك والعناصر والمتولدات ، إلا أن التصعيد والتعفين في كل عالم بحسبه ، ففي الأنوار نورانيان ، وفي الأسرار سريان ، وفي الأرواح روحانيان وهكذا .
والهواء هو الرابط والفاصل بين الفاعل والقابل ، فهو السائر والمتحرك إليهما وهو الباب وحامل الخطاب يتلقى من الفاعل الفيض والتأثير ويحمل إلى القابل بعد تمكينه القابلية بالطبخ والنضج والتعفين ولذا كان طبعه الحار والرطب ، أما حرارته فلارتباطه بالفاعل الذي ليس هوإلا الظهور والحركة الكونية أي التكوينية الإمدادية والكلمة العليا الصدورية والحركة لا تقتضي إلا الحرارة ، وأما يبوسة الفاعل من جهة أنه الاسم الذي استقر في ظله فلا يخرج منه إلى غيره ، والباب والفأصل البرزخ من جهة مجاورته للجهة العليا اقتضى
___________________
1 الأنبياء 30
 

 

الحرارة ، ومن جهة ميله إلى القابل وارتباطه به مترجما لوحي الفاعل للقابل اقتضى الرطوبة ، فوقع في الصقع مجاورا لصقع الفاعل فلما كان دائم الاستمداد للمجاورة كان طبع الحياة واسم الله المدبر له هو الحي فلا يتحقق موجود مكوَّن بفتح الواو إلا بتوسطه سواء كان في الشرع الوجودي أو الوجود التشريعي وسواء كان في الصفات وصفات الصفات وصفات صفات الصفات وهكذا ، أو في الألفاظ والحروف ، أو في الإعراب والحركات ، فكان به قوام كل متحرك وساكن وظاعن وقاطن وهو معنى قول الإمام عليه السلام (( إن الله لا يخلي الأرض من حجة وإلا لساخت بأهلها ))1 وذلك لعدم حامل الفيض وباب الخطاب وطبع الحياة .
ولما كان الباب والحجاب هو النسبة المستدعية للطرفين ، طرف القابل وطرف الفاعل كان لا يظهر إلا بظهور القابل المتقوم المتأصل بوجوده ، ولما كان القابل ليس شيئا إلا بفعل الفاعل وتأثيره فلا يتحقق إلا بمقابلته واتصاله بفعل الفاعل ، وكان فعل الفاعل لا ينزل إلى رتبة القابل لكمال المباينة والمنافاة (( وطبيعتك من خلاف كينونتي ))2 وجب وجود القابل بذاته للمقابلة ونزول الفاعل بأثره للمواصلة ، ومجمع الوصال وباب الاتصال ومحل اللقاء هو الهواء ، فيخرق الهواء بتصعيد لطائف القابلية إليه ونضجه إياها وتعديله لها بإيصال تأثير أثر الفاعل إليها وتمكينه إياها به القبول حتى يتم الشيء ويظهر مشروح العلل مبين الأسباب ، ولذا لا تجد شيئا من الأشياء في كل أحواله وأطواره وأوطاره يتم ويكمل إلا إذا نضج في الحرارة والرطوبة ويعفن في حمام مارية ، وكلما كان فيه الحرارة والرطوبة المعتدلتان الغير المشوبتين بالأعراض والغرائب أقوى كان قوتـه ونشاطـه وبقاؤه ودوامـه
____________________
1 لم نقف على هذه الرواية بعينها وإنما وقفنا على ما يشابهها من الروايات منها ما رواه في البصائر ص 488 (( لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت )) وفي ص 489 (( لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها )) .
2 علل الشرائع 10
 


وحركته أقوى وأشد ، ولذا حكموا على أن الذهب حار رطب لطول بقائه وعدم اضمحلاله وفنائه .
وخرق الهواء وإن كان في الهواء الأول الذي كان قبل خلق الخلق ، وكان أول المخلوقات والموجودات كما دلت عليه الأخبار الكثيرة كان خرقه عبارة عن أمرين وكلاهما مرادان .
الأول : خرق ذلك الأمر الواحد بذكر الكثرات والنسب والإضفافت وصلوح القرانات ، أي تهيؤه لانشعابه بالشعب الكثيرة وهذا أول الخرق في هذا المقام يراه أهل الظاهر والإحساس شيئـا واحدا غير منخرق بل هو مرتوق ، ويراه أهل الحقيقة العارفون منخرقا خرقا فعليا واقعيا لا يصلح لجريان أحكام الوحدة المحضة أصلا كما يتوهمه بعض الناس .
والثاني : خرقه بلحوق المشخصات وإضافة المعينات وتمايزه بالجهات والاعتبارات ، وهذا الخرق على قسمين كلي وجزئي ، وكل منهما حقيقي وإضافي في تلك الرتبة ، وإن كان المراد بالهواء هو ما قال الإمام عليه السلام لما سئـل عن الله أيـن كان قبل خلق السموات والأرض قال عليه السلام (( كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ))1 ، والعماء هو السحاب الرقيق ، وخرق ذلك الهواء عبارة عن إيجاد ذلك السحاب فيه به منه عنه ، فإن الهواء في الحديث عبارة عن الإمكان الراجح أول التعين عالم فأحببت أن أعرف أول مقام الظهور وليس بعده إلا المجهول المطلق ، وأين سؤال عن ظهور الله سبحانه كما هو الآن في السموات والأرض ، أي هل كان لله سبحانه ظهور في صقع من الأصقاع قبل خلق السموات والأرض أم لم يظهر إلا بعـد خلق السموات والأرض أوحين خلقهما وهما الخلـق الذي عنـاه
_________________
1 عوالي اللآلي 1/54


سبحانه بقوله الحق في الحديث القدسي (( فخلقت الخلق لكي أعرف ))1 ، فأجاب عليه السلام بأن هذا الخلق الذي يصير سببا ودليلا للمعرفة لا ينحصر في خلق السموات والأرض بل ذلك الخلق هو بحر الإمكان الذي هذه الأمور الموجودة من السماء والأرض قطرة من ذلك بل رشحة من رشحات قطرة من قطراته ، وهو بحر لا يساحل وطمطام لا يحاول ، بحر أسود مظلم كالليل الدامس كثير الحيات والحيتان يعلو مرة ويسفل أخرى ، في قعره شمس تضيء لا يطلع عليها إلا الواحد الفرد ، فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في ملكه ونازعه في سلطانه وباء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ، لكونه الظهور المحض الذي تقصر كل الظهورات عنده وتنتهي المظاهر لديه ، فهو يسبق المدارك والمشاعر لأنه أقرب إليها من أنفسها قربا لا يتناهى ، فخفي لشدة ظهوره واستتر لعظم نوره، فلا يطلع عليها إلا الواحد الفرد ، فهو أول خرق وقع في الهواء فقبض من رطوبة الرحمة المتصاعدة من أرض الوجود المطلق الإمكان الراجح بنفس تلك الرحمة ، فأقامها في الهواء الذي هو نفس تلك الأجزاء فخلطها بالهباء المنبث في ذلك الهواء الذي هو عين الهواء ، فعفنها وقدرهما فيه به منه فتحقق العماء فيما لا نهاية له في الأكوار والأدوار فحكى مثال ظهور الله الواحد القهار ، فكان هو المثل الأعلى والآية العظمى ، أو هيكل التوحيد ومثال التنزيه والتفريد ، فالسحاب الذي هو العماء هو سحاب المعرفة أولا والماء النازل منه ماء المحبة والمعرفة يحكي وجه ذلك السحاب ، فجرى في أرض القابليات فسالت أودية بقدرها من المعرفة بتقدير الكم والكيف والجهة والوقت والمكان والوضع ، وذلك الماء النازل من السحاب المنخرق في الهواء وإن كان ليس فيه تكييف وتحديد إلا أنه من عالم
__________________
1 البحار 87/99


اللانهاية ووصف اللاكيفية وعين معرفة الحق (( اعرفوا الله بالله ))1 (( يا من دل على ذاته بذاته وتنزه عن مجانسة مخلوقاته ))2 ، إلا أنه يظهر على حسب ذلك التقدير من غير التفات إليه كالصورة الظاهرة في المرآة الحاكية للمقابل على ما في المرآة وما لمرآة عليه مع قطع النظر عن خصوصية المرآة وتقاديرها ، فالخرق الواقع في هذا الهواء على ضربين الأول خرق ينفتح وينفجر منه ماء المعرفة وشراب المحبة في مقام بينونة الصفة في عالم الإمكان وأشار إلى هذا المعنى في قوله العزيز { كهيعص }3 فالكاف هو الكاف المستديرة على نفسها والكلمة التي انزجر لها العمق الأكبر وقول كن هو مظهر الهوية والشمس المضيئة والعماء الذي فوقه هواء وتحته هواء في الأزلية الثانية ، فانفجر من هذه العين ماءان وتشعب منه طتنجان الماء الأول والطتنج الأول مقام الظهور الإلهي والبيان الحالي والتجلي الوصفي فـأشار إليـه بالهاء التي تكون بعد
____________________
1 التوحيد 285
2 دعاء الصباح المروي عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام
3 مريم 1



الإشباع هو قال تعالى { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }1 وإنما لم يأت بالواو إشارة إلى أن مقام الظهور المطلق لا يلتفت إلى الإشباع وهو في عالم النسبة وهذا في مقام قطع النسبة ولذا يقال لسورة التوحيد نسبة الرب ، واختار الهاء لأنها إشارة إلى تثبيت الثابت وأن التوحيد ظاهره في باطنه وباطنه في ظاهره ، ظاهره موصوف لا يرى وباطنه موجود لا يخفى ، لأن صورة ظاهر الهاء عين صورة باطنها ، ولأن ذلك التجلي الذي هو خرق الهواء إنما ظهر في خمس مقامات وهي المقامات والعلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفه بها من عرفه لا فرق بينه وبينها إلا أنها عباده وخلقه ، ولتوضيح هذا الشان وتشييد هذا البنيان قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام (( إن قلت هو هو فالهاء والواو كلامه صفة استدلال عليه لا صفة تكشف له , وإن قلت الهواء صفته فالهواء من صنعه رجع من الوصف إلى الوصف ودام الملك في الملك انتهى المخلوق إلى مثله وألجأه الطلب إلى شكله ، الطريق مسدود والطلب مردود دليله آياته ووجوده إثباته )) .
ولعمري إن الهواء هو هو وإنما زيد فيه الألف والهمزة اللتان هما من أغيب الغيوب لمبيالغة الغيبة الذاتية والشهود الفعلي المشار إليه بالوأو التي هي من حروف الشهادة ، فالهواء أثبت في الغيبة من هو وهو جزء منه ظهور له انفصل منه وانخرق عنه ولذا يشار به إلى الإمكان الراجح والجائز أيضا في بعض المقامات لعدم وجود الإمكان وظهوره في الأكوان والأعيان حتى سموه عدما وليساً ، والعدم المتصور والعدم المخلوق المدرك المميز المعبر عنه ليس إلا الإمكان وكل الأشياء مما كان أوما يكون من الذوات والصفات والتوصيفات والامدادات الوجودية والعدمية والأكوان الشرعية والشريعة الكونية كلها قد انخرقت من هذا الهواء إلا أن أول ما خرق منه كان هو العماء الذي كان الله سبحانه ظاهرا ومتجليا فيه ، وأول ما ظهر من ذلك العماء هو الهاء لنفسه ولغيره ، والماء الثاني والطبخ الآخر هو ماء الوجود ، والمداد الأول والدواة الأولى والـنفس الرحماني الثانوي مادة المواد وهيـولى الهيـولات واسطقس
___________________
1 الإخلاص 1
 

 

الاسطقسات وقد يطلق الهواء على هذا الماء أيضا لذكر الماهيات وصلوح الإنيات وظهور النشأة وقد خرق منه ما شاء من خلقه بالمشية الكونية كما ذكرنا سابقا، وروى الصدوق رضوان الله عليه في التوحيد عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال (( إن الله عز وجل خلق العرش أرباعا لم يخلق قبله إلا ثلاثة أشياء الهواء والقلم والنور، ثم خلقه من أنوار مختلفة ))1 يريدعليه السلام بالهواء هو العمق الأكبر على الوجه الحقيقي لا المجازي فإن المجاز لا يسبق الحقيقة بل يستلزمه ولو سلم عدم الاستلزام فلا بد من تقدم الوضع ويقبح من الحكيم أن يمنع المستحق أولا من عطيته ثم يجعله فرعا وتابعا في الاسم لفرعه وتابعه في الذات تعالى تعالى ربي عن ذلك علوا كبيرا ، ويريد بالقلم الماء الذي به حياة كل شيء وقد يطلق عليه المداد أيضا ، ويريد بالنور هو أرض الجرز والبلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه ، هكذا قال شيخنا أطال الله بقاه وجعلني من كل محذور فداه .
أقول : ويجوز أن يراد بالهواء هو السحاب المزجى ، وبالقلم هو السحاب المتراكم لأنه القلم الأعلى يمده سبحانه من طمطام يم الوحدانية وسماء فلك القيومية أنحاء الامدادات وأنواع الفيوضات والتجليات المكنونة المخزونة في حقيقة ذلك السحاب بقيومية نفسه بظهوره عليه وهو أول غصن أخذ من شجرة الخلد على أعلى المعاني ، لأن شجرة الخلد حقيقة هي الشجرة الزيتونة التي ليست شرقية ولا غربية لكونها مغروسة على سواء الجبل من أرض الإمكان الراجح ، وهو البيت الذي من دخله كان آمنا من العدم والفناء، وما دخله إلا أناس مخصوصون فحيوا بحياة الأبد وداموا بدوام السرمد
_________________
1 التوحيد 325 _ 326


فتشرفوا بمقام الوجهية وفازوا بمقام البابية { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ }1 لانقطاع ارتباط حقائقهم وانفصام روابط ذواتهم وإنياتهم في أصل التذوت في التكوين والتشريع عن غير المبدأ فما استدعوا شرطا ولازما ومقوما غير بارئهم وخالقهم ، فما احتاجوا إلى مقوم إلا في الصدور خاصة ، وجل جناب الباري جل اسمه أن يطرد من أناخ ببابه ولاذ بجنابه وانقطع عن غيره ، فذلك البيت بيت الأمان وتلك الدار دار الخلد وتلك الشجرة شجرة الخلد فليس من أهل الخلود حقيقة واقعيا إلا من كان واقفا مقام الرجحان في عالم الوجود والإمكان ، وأما في مقام الوجود المقيد الذي هو إلامكان الجائز فهو وإن كان أيضا مقام الخلود لكنه البيود والفناء والتغير والاضمحلال والانقطاع والانفصال وعدم الاستمرار والكسر والصوغ بخلاف الوجود المطلق إذ لا يجري عليه شيء من هذه الأحوال لأنه لا يجري عليه ما هو أجراه ، فشجرة الخلد هي شجرة الوجود المطلق وأول غصن منها هو المشيئة وهي القلم الأعلى والحجاب الأدنى ، هذا بناء على أن ما فوق العقل من المراتب كلها من الوجود المطلق ، وأما إذا حصر الوجود المطلق بالمشيئة وأجري على المراتب الأخر حكم البرزخ فيكون هو المشيئة وأولادها من المشيئات الجزئية فتكون المشيئة الكلية أول غصن منها وباقي الأغصان كلها كليها وجزئيها غصن لهذا الغصن الكلي .
__________________
1 القصص 88


فإذا ظهر المراد من قوله عليه السلام (( أول ما خلق الله القلم ))1 من غير تكلف الحمل على الأولية الإضافية ، ويراد بالنور هو الوجود المقيد أي الوجود الصالح للتقييد لأنه النور الذي استضاء منه كل نور ونورت به الأنوار في الإعلان والإسرار ، فإذا أريد بالهواء العمق الأكبر فمعنى خرقه هو ما ذكرنا لك سابقا ، وإن أريد به السحاب المزجى كما ذكرنا فخرقه عبارة عن انقسامه إلى أحد عشر قسما من غير زيادة ولا نقصان كل ذلك من الألف الذي هو النفس الرحماني الأولي قد نشأت منه وعادت إليه وكلها مجتمعة في
_________________
1 تفسير القمي 2/189



السحاب المتراكم وإليه يشير تأويل قوله تعالى { حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ }1 روى القمي بإسناده عن أحدهم عليهم السلام أنه قال عليه السلام (( { حم } هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ }‏ هو أمير المؤمنين عليه السلام ، والليلة المباركة فاطمة الزهراء عليها السلام { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ }2 أي إمام حكيم بعد إمام حكيم ))3 . ‏
فلما دلت الأخبار وصحيح الاعتبار أنهم كلمة الله العليا والمثل الأعلى والكلمة الطيبة كان مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو النقطة ومقام علي عليه السلام هو إلالف والنفس ومقام الأئمة عليهم السلام مقام الحروف العاليـات وهو مقام السحاب المزجى في قولـه تعالى { وَهُوَ الَّذِي
____________________
1 الدخان 1 _ 3

2 الدخان 4
3 لم نقف على هذه الرواية بالنص ولكن وقفنا على ما يقرب منها ففي الكافي 1/479 ح 4 , وفي تفسير الصافي 4/404 أن رجلا نصرانيا سأل الإمام الكاظم عليـه السلام عن تأويل هذه الآيات فقال عليه السلام (( أما ( حم ) فهو محمد صلى الله عليه وآله وهو في كتاب هو الذي أنزل عليه وهو منقوص الحروف , وأما الكتاب المبين فهو أمير المؤمنين علي عليه السلام , وأما الليلة ففاطمة عليها السلام , وأما قوله ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) يقول يخرج منها خير كثير , فرجل حكيم ورجل حكيم ورجل حكيم , فقال الرجل : صف الأول والآخر من هؤلاء الرجال , فقال : إن الصفات تشتبه , ولكن الثالث من القوم أصف لك ما يخرج من نسله وإنه عندكم لفي الكتب التي نزلت عليكم إن لم تغيروا وتحرفوا وتكفروا وقديما ما فعلتم )) .
 



يُرْسِلُ الرِّيَاحَ } وهو علي عليه السلام { بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }1 والرحمة هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام هو دليل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيته واسمه ونوره ويرجع في الكرة الثانية بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال في الآية الأخرى { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا }2 وهذا السحاب إنما أثير من الرياح لقوله تعالى { اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا }2 وهذا السحاب المزجى هو إلائمة المعصومون عليهم السلام الأحد عشر من أولاد أمير المؤمنين عليه السلام ، وهذا هو الهواء المنخرق إلى هذا المقدار والعدد المعين { ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا }‏4 وإنما عبر عنهم عليهم السلام حيث كونهم مجتمعين في صقع واحد هواء لأنه عليه السلام أبو تراب ومقام الحجاب ووجه الباب ، ورسول الله صلى الله عليه وآلـه وسلم هو النقطة الجوهرية الإلهية وهي النار المشرقة عن شمس الأزل ، وهي الحديدة المحمية بالنار في ثاني المقام إذ ليس ذاته إلا حركة الظهور بالبطون فهو صلى الله عليه وآله وسلم دائم الحركة حاكي لصرف الوحدة ، وليس في ذاته مقام سكون ووقوف ، بل ذاته مجرى الإفاضة وفوارة القدر بل نفس القدر الذي يفور بل ظهور المقدر بالتقدير كما سنشرح لك إنشاء الله فيما بعد .
وأما علي عليه السلام فهو حامل الخطاب وطارق الباب بل هو الباب وحقيقة الخطاب ولذا كني بأبي تراب ، وأما الهواء في ذلك الصقع والفضاء ليس إلا الأئمة الهداة عليهم السلام لأنهم الروابط والنسب والفاصلة بين البحرين بحر النبوة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم والولاية العلوية عليه السلام الخارجون من الدرة الفاطمية صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها كالهواء الفأصل والرابط بين النار والماء والتراب ، وكرة التراب في عالم الأنوار مقدم على الهواء والماء وفي عالم الأكدار مؤخر لسر يطول بذكره الكلام ، ولذا ترى البرج الترابي واقعا بين الناري وقبل الهوائي فنقول الحمل ناري والثور ترابي والجوزاء هوائي والسرطان مائي فافهم .
_________________
1 الأعراف 57 2 , 4 النور 43 3 الروم 48
 

 

وأما فاطمة عليها السلام فهي مزاج القابلية وطبع الحاملية ومقام الصورة وهو طبع الماء فتمت العناصر الأربعة في عالم السرمد ورتبة الأبد ، فخرق الهواء لإظهار الاسم الأعظم هو فهو منخرق من الهواء لفظا ومعنى كما أشرنا إليه ، وإنما كان هو منخرقا عن هذا الهواء لظهور كل أركان التوحيد مشروحا مبينا في الأحد عشر هيكل التوحيد لظهور التوحيد والنبوة والولاية وأحكام ليلة القدر كلها فيهم بخلاف ما عداهم عليهم السلام ، لأن في عالم التفصيل يظهر ما كان مخفيا متفرقا في عالم الإجمال ولذا ما ظهر اسم هو في { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }1 إلا في هذه الهياكل وراثة عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام وفاطمة عليها السلام قال عليه السلام (( فبهم ملأت سماءك وأرضك حتى ظهر أ0ن لا إله إلا أنت ))2 وهذا المعنى هو المراد من قوله عليه السلام (( خرق الهواء )) لمن ويفهم ويعقل .
ثم أنك عرفت مما سبق أن الهواء هو محل الاعتدال ومقام النضج ورتبة الطبخ ، وأنت لو كان لك بصر حديد عرفت أن النضج والطبخ والتعفين في التشريع والتكوين والتمكين والتمرين والإطلاق والتعيين والإبهام والتبيين إنما صار في هذا الهواء وليس بعده إلا التقطير والتصفية وأخذ الصافي ورمي الثفل التراب ، ولذا ورد (( إذا خرج الحسين ابن علي عليه السلام يطهر الأرض عن كل رجس ودنس ونجس ، حتى الحيوانات التي لا تؤكل لحومها )) ، هذا معنى قولهم ( خذ الثفل وارم الرماد ) ، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو معرف المادة الإكسيرية ومميز نوعها ، قـال تعالى { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ }‏3 { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ }‏4 وعلي صلى الله عليه وعلى أولاده مفصل المادة إلى الماء والثفل إلى النار والماء ، والأئمة الأحد عشر المعصومون عليهم السلام معفنوا المادة أحد عشر مرة ، مرتان لتحصيل النطفتين ، وتسع مرات لتكون إكسيرا فعالا يحيي العظام وهي رميم ، فلما كان التعفين أحد عشر
_________________
1 الإخلاص 1
2 دعاء مولانا صاحب العصر والزمان أرواحنا فداه في شهر رجب
3 الرعد 7 4 النور 54
 

 

مرة ليصفي المادة الإكسيرية عن كل الغرائب والأعراض ويحصل له مقام (( أطعني أجعلك مثلي أقول للشيء كن فيكون وأنت تقول للشيء كن فيكون ))1 ، وقد عرفت أن التعفين لا يكون إلا في الهواء مادة الحرارة والرطوبة اقتضى التقدير من العليم الخبير أن يكون الهواء المتصل المرتوق منفتقا ومنخرقا إلى أحد عشر قسما لا إله إلا هو العلي الكبير ، وشرح هذا الرمز وبيانه مما يطول به الكلام ولست بصدده وإنما أتيت بالإشارة لأن لا أكون ظالما لأهل الحكمة ، وإظهارا للمرادات المخفية من كلامه عليه السلام وشاهدا على قولهم عليهم السلام (( إن حديثنا صعب مستصعب خشن مخشوش ، فانبذوا إلى الناس نبذا فمن عرفه فزيدوه ومن أنكر فأمسكوا ))2 .
ثم اعلم أن قوله عليه السلام (( فتق الأجواء )) لبيان خلق السموات والأفلاك ، (( وخرق الهواء )) لبيان خلق كائنات الجو والحوادث الواقعة في الأرض وهما إشارتان إلى قوله تعالى { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ }‏3 ، وأراد عليه السلام أن يبين مبدأ هذا الماء ومنشأه قال عليه السلام (( خرق الهواء )) لبيان أن الماء الذي به كل شيء حي إنما حدث وحصل بخرق الهواء ، لكنه عليه السلام ذكر كلاما عاما من بعض أفراده وجزئياته تكوّن الماء الذي به كل شيء حي ، إذ بخرق الهواء تتحقق الرياح بأقسامها من الشمال والجنوب والدبور والصبا ، والرياح المظلمة المهلكة كالريح العقيم وريح صرصر عاتية وريح السموم وأمثالها ، والرياح المنجية النافعة وهي معروفة ، وتتحقق أيضا الشهب والنيازك والكواكب ذوات الأذناب والسحب والرعد والبرق والمطر والطل ، ويتصاعد البخار والدخان والهباء ، ويحصل من تصاعدها قرانات وأوضاع وعجائـب كقوس الله المشهور عند العامـة بقوس قزح ، وشرج
___________________
1 لم نقف على نص الرواية كما هو هنا وإنما وجدنا ما يقرب منها في إرشاد القلوب وهو قول تعالى (( يا ابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون )) .
2 بصائر الدرجات 21 3 الأنبياء 30
 

 

السماء المعروف عندهم بكهكشان ، والحمرة والشفق والصبح الكاذب ، واختلاف ألوان الكواكب ومقادير عظمها بحسب الحجم وبحسب القلة والكثرة في العدد بحسب الإحساس ، وخضرة السماء ، وتحقق الهالة التي أحاطت بالقمر ، ووقوع الأمراض والأسقام العامة البلوى كالوباء وأمثالها ، وهبوب الرياح السوداء والصفراء والحمراء ، وأمثالها من الأمور والأحوال وكل ذلك إنما هو بخرق الهواء لانبعاث الماء لإحياء الأرض ، ويأتي مجمل شرح هذه الجملة في خلال الكلام بعون الله سبحانه ، وقد قال مولانا الرضا عليـه السلام (( قد علم أولوا الألباب أن ما هنالك لا يعلم إلا بما ههنا ))1 وقد قال جده الصادق الأمين عليه السلام (( العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في ( من ) العبوديـة وجد في الربوبيـة ، وما خفي
________________
1 لم نقف على هذه الرواية بهذا اللفظ ولكن وجدنا ما يقرب منها ففي عيون أخبار الرضا 1/175 قال عليه السلام (( قد علم ذووا الألباب أن الاستدلال على هناك لا يكون إلا بما ههنا )) .


( عن ) في الربوبية أصيب في العبودية ))1 ، قال الله تعالى { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ }2 ، فإذا وجدت شيئا في هذا العالم الجسماني فأجره على العوالم على طبقه الأشرف فالأشرف على النهج الأشرف إلا أنه في السافل مفصل مشروح بخلاف العالي فإن فيه مخفي مجمل ، فكلما رأيت بحاستك قد حصل بخرق الهواء في عالم العناصر فاعلم أن مبادئ كل ذلك في عالم المثال موجود على طبق عالم النفوس على طبق عالم العقول على طبق عالم الحقائق الأولية في الخلق الأول على طبق الفعل على طبق نفس الفعل حين حدث وانفعل بالوجود عن المبدأ ولو أردنا أن نشرح كل ذلك ما تسع الدفاتر وأما التلويح فقد لوحنا إلى نوع المسألة فيما تقدم آنفا ، وأما الإشارة فتطول بها العبارة وليس لي الآن إقبال ذلك ، لكن الإشارة المجملة أن الهواء كما ذكرنا هو الواقف بين الطتنجين والبرزخ بين العالمين بل ملتقى البحرين بحر الفاعل الظاهر بأثره وبحر القابل فيتوجه القابل ويصعد إلى جهة الفاعل إلى حد الهواء إذ لو تقدم لاحترق لخرق الحجاب وفي الحديـث (( إن لله سبعين ألف حجاب من نـور وظلمـة لو كشفها
________________
1 مصباح الشريعة 7
2 فصلت 53



لاحترقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ))1 ، وينزل العالي بأثره أيضا إلى حد الهواء إذ لو نزل إلى الماء والتراب لذهب تأثيره وبطل تقديره إذ كل شيء له مقام معلوم وحد محدود قـال تعـالى { وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }2 ، فلطائف الماء والأرض تصعد خارقة للهواء طالبة لتلقي فيض الإله ، وأشعة الكواكب المضيئات تنزل هابطة إلى مقام الهواء خارقة له بالحرارة الأصلية لتتميم القابلية وتمكين الماهية ، فهناك يتصل فعل الفاعل بأثره بالمفعول فينفذ هذا التأثير وهذا الأثر في كل أجزاء القابل وأطواره وأوطاره وأحواله وحركاته وسكناته وصفاته وأعراضه وباقي أحكامه فيتم بذلك الشيء ، وهذا هو القول الكلي فاصرفه في كل عالم في كل صقع إلا أنه يختلف في الشرافة والكثافة واللطف والغلظة حسب ما بينا .
___________________
1 عوالي اللآلي 4/106
2 الصافات 164

 

 

قوله عليه السلام علق الأرجاء

إشارة إلى قوله تعالى { وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ }1 ، والأرجاء هي نهايات الشيء وأطرافه وجوانبه وهو أول عالم النهاية ، شرع في بيانه عليه السلام بعدما فرغ عن بيان عالم اللانهاية فإن الوجود على ثلاثة أقسام ، الأول الوجود الحق وهو الله سبحانه الحي القيوم الأزل الأبد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فلا نهاية له سبحانه ولا بداية ولا أولية ولا آخرية ولا ظاهرية ولا باطنية والطريق إليه مسدود والطلب مردود .
الثاني الوجود المطلق وهو فعله ومشيئته واختراعه وابتداعه ومحل ذلك الفعل وانفعاله الأول الذي هوإلامكان الراجح وهو الجوالأول من الأجواء التي فتقها الله سبحانه كما مر وهو الهواء الذي خرقه إلى أربعة عشر هيكلا وأحد عشر على ما عرفت ، ويمكن أن تجعل لهذا المقام أجواء كل جو فتقه سبحانه بظهوره له به فيه ، كجو النقطة وجوالألف النفس الرحماني وجو الحروف العاليات وجو الكلمة التامة وجو الباطن الظاهر في النقطة وجو الباطن من حيث هو باطن الظاهر في الألف والسر المستسر بالسر ، وجو الظاهر الظاهر في الحروف العاليات وجو الظاهر من حيث هو ظاهر الظاهر في الكلمة الـتامة ، وهذه هي الأجواء التي فتقها سبحانه وتعالى بظهور التوحيد وهيكل التفريد وإظهار النقش الفهواني ولا نهاية لهذا الوجود ولا بداية بل هو متقوم بفاعلية الله سبحانه المتقومة بنفس ذلك الوجود فالنهايات والأطراف والغايات كلها منتفية عنه ولا يلزم من ذلك قدمه لأن القديم سبحانه وتعالى لا يحيط به شيء وهذا الوجود يحيط به الحق سبحانه وتعالى فيما لا يتناهى بما لا يتناهى ، ولو فرض تناهيه إلى الله يلزم اقتران الأزل وتحديده واتصاله وهذا كفر بالله العظيم وخروج عن الدين القويم ، وليس مرادنا بنفي النهاية والأولية نفيهما
__________________
1 الحاقة 17
 

 

مطلقا وإنما المنفي هوالأولية والآخرية والنهايات الموجودة الثابتة في المخلوقات إذ كل ما يصدق عليه الشيئية ما سوى الله سبحانه متحقق بهذا الوجود ومتقوم به وصادر عن الله بـه والشيء إنما كان شيئا لأنه مشاء بالمشيئـة قال أمير المؤمنين عليـه السلام (( ليس كمثلـه شيء إذ كان الشيء من مشيئته ))1 فـإذا صح أن الأشياء كلها صادرة عن الله بالمشيئة فـلا يجري عليه ما هو أجراه ، فالنهايـات والجهات والحيثيات المعتبرة في الخلق كلها منفية عن هذا الوجود ولذا سميناه مطلقا لعدم توقفه على شرط سوى خالقه وبارئه ، وفيض الله لا ينقطع وباب الإفاضة لمن لا مانع له من ذاته لاستدعائه الشرائط والأسباب والمعدات وسائر المتممات والمكملات لا تنسد، فخلق سبحانه ذلك الوجود فيما لا نهاية له بما لانهاية له فخرج كعموم قدرة الله سبحانه واسعا كليا بوحدته يسع كل شيء مما كان وما يكون إلى يوم القيامة وما بعده إلى ما لا نهاية له ، وهو بحر وخزينة لا يشذ عنها شيء ينفق منها
___________________
1 مصباح المتهجد 752 ( من خطبة الغدير ) .


كيف يشاء ولا نفاد لها‏ { مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ }1 ولما أراد الحق سبحانه أن يكون الأكوان ويبرز ما كان من غيب الإمكان إلى عالم العيان والأعيان أوجد بفعله أي بذلك الوجود المطلق القسم الثالث من الوجود الذي هو الوجود المقيد ، وهذا الوجود قبل أن يقيد شيء واحد بسيط منبسط يعبر عنه تارة بالماء لأن حياة الشيء وتأصله وتحققه بحقيقته وهو حقيقة الأشياء وذوات الموجودات ، فبه جعل الله سبحانه كل شيء حي ، وأخرى بالهواء لأنه الرابطة والفاصلة بين تأثير المؤثر وقبول المنفعل المتأثر ، فتنزل الفيوضات والامدادات كلها إلى هذا المقام ثم منه تفيض إلى قوابل الأعيان وإنيات الأكوان ، ولما كان هذا الوجود هو أول أثر صدر عن الوجود المطلق ظهر حاكيا لمثاله وواصفا لحاله لأنه جهته ، فلا نهاية لهذا الوجود أيضا لكونه ظهور ما لانهاية له مع قطع النظر عن المظاهر فهو مثاله ودليله والدليل لا يخالف مدلوله والمثال لا يناقض ممثله ، فهذا الوجود مجرد عن كل القيود ومنزه عن كل الحدود لأن الحدود جهة المخالفة والتكثر والمباينة والتعدد ، فلولا هذا الوجود من أين تظهر الوحدة السارية في كل مفقود ومشهود ومعدوم وموجود ، فلما صحت الوحدة لا يجوز أن يكون متأخرا عن الكثرة لأن الكثرة مذمومة فيجب أن يكون متقدما ، ولما كانت الكثرات وأنحاء التمايزات والاختلافات واعتبار الجهات والحيثيات إنما هي بالحدود والتعينات ، وهذا الوجود جهة الوحدة البحت البات لم تكن فيه لذاته شائبة من تلك الحالات والإضافات والأوضاع والقرانات فلا توصف بالأولية المتداولة ولا بالآخرية المتعاكسة بل هو صرف الشيء ووجه الوجود المطلق ، بل ربما جعل من ذلك الصقع فجعله الله بلطيف صنعه مادة الأشياء وخرق هذا الهواء بتعليق الأرجاء التي هي الأطراف وهي الحدود المشخصة والقيود المعينة لتلك الحقيقة المطلقة المقيدة من الكم والكيف والجهة والرتبة والزمان والمكان ، فبتعليق هذه الحدود بتلك الحقيقة ظهرت منها الأشياء على حسب الحدود ومقتضى القيود ، فبتراكم القيود تكاثفت وغلظت حتى
_______________
1 النحل 96
 

 

صارت جسما وجسمانيا ، وبرقة الحدود وقلتها تلطفت فصارت روحا وروحانيا وعقلا وعقلانيا ، وكلما تكاملت مرتبة ظهر منها أثر من نوع تلك المرتبة ، وذلك الأثر هو جمالها ولجمالها جمال ولجمال جمالها جمال وهكذا إلى ما لا نهاية له من ترامي سلسلة الإيجاد بقابلية الانوجاد في الأيام الثلاثة أيام الإيلاج أوالاقتران وأيام الغشيان أول التعفين وتمام التمرين وأيام الشأن لتمام التكوين وظهور التمكين ، وكل هذه الكثرات وأنحاء الاختلافات وأحكام الإضافات والقرانات وتكثر الدقائق والساعات بل واقتضاء الآنات عند تصادم الكيفيات إلى أن امتلأ الوجود وظهر سر المعبود باختلاف الركوع والسجود كل ذلك بضم الحدود والقيود التي هي عبارة عن الأرجاء والأطراف وهي الجهات واقتضاء الإنيات ولذا قال عليه السلام (( علق الأرجاء )) بعد (( خرق الهواء )) ، بل تعليق الأرجاء لمن يفهم الكلام بيان وشرح لقوله عليه السلام (( وخرق الهواء )) ومتفرع عليه ومتأصل به .
والملك الذي على الأرجاء هو الملك الذي له رؤوس بعدد رؤوس الخلائق ممن وجد أولم يوجد إلى يوم القيامة ، وهو روح القدس أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش ، ومعنى كونه على الأرجاء أنه حامل لها وهي تنتهي إليه وتنقطع دونه فليس فوقه طرف ولا نهاية ، وذلك الملك واقف أول مقام النهاية ، والعرش هوالأنوار الأربعة وهي النور الأحمر الذي منه احمرت الحمرة ، والنور الأخضر الذي منه اخضرت الخضرة ، والنور الأصفر الذي منه اصفرت الصفرة ، والنور الأبيض الذي منه ابيض البياض ومنه ضوء النهار وهو نور الأنوار ، والثمانية الحاملون أربعة من الأولين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، وأربعة من الآخرين محمد وعلي والحسن والحسين عليهم سلام الله أبد الآبدين ودهر الداهرين ، ومعنى حملهم قيامهم بالامدادات المفاضة منهم عليهم سلام الله حين استوى الرحمن برحمانيته عليه ، وتأديتهم إلى من دونهم حسب ما جرى قلم التقدير على لوح التدبير بإذن الله اللطيف الخبير ، والآخرون هم الأولون والأولون هم الآخرون ، يؤدي إليه الكروبيون حينما يؤدي إلى الكروبيين العالون وذلك في الرتبة الثالثة رتبة الأبواب مقام الحجاب ووجه الجناب وقرع الباب ، وأما في المقامات الأخر فلهم عليهم السلام مقام الحديدة المحماة ورتبة الظاهر في المرآة ومقام (( نزلونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا )) فكم من عجائب قد تركتها ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وإن أريد بالملك هو الجنس لا الواحد من قوله تعالى { وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا } بدليل ضمير هم في قوله عز وجل { فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ }1‏  فالمراد بالسماء مطرح الفيض والإمداد ومهبط الوجود والإيجاد في كل عالم بحسبه من السرمد إلى الدهر وهو السبع السموات المتطابقات في قوله تعالى { الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا }‏2 وهي سماء العقول وسماء الأرواح وسماء النفوس وسماء الطبائع وسماء المواد وسماء الأشباح والمثـال وسماء الأجسام ، والملائكة هم حملة الإفاضة ومظاهر التدبير .
والأرجاء هي النهايات والأطراف المتعلقة على المفاض عليه بواسطة الملك الذي هو على ذلك الرجاء في الأجسام جسمانيون ، وفي الأشباح شبحيون ، وفي المواد ماديون ، وفي الطبائع طبيعيون ، وفي النفوس نفسانيون وفي الأرواح روحانيون ، وفي العقول عقلانيون ، وحملة العرش هم جبرئيل وعزرائيل وإسرافيل وميكائيل ، في العرش العقلي بأجنحتهم العقلانية يحملون الامدادات العقلية إلى متعلقاتها وهكذا إلى آخر المراتب ، فقولـه عليه السلام (( علق الأرجاء )) كلام عام يشمل هذه الراتب كلها .
وتعليق الأرجاء في عالم البيان ظهور الأسماء الكلية والجزئية والمتقابلة والمتآلفة إلى ما لانهاية له ، التي قد تحصر كلياتها من أربعة أسماء ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) إلى اثني عشر عالم إلى ثلاثين إلى ثلاثمائة وستين إلى تسعة وتسعين إلى المائة إلى الألف إلى الألف ألف .
_____________________
1 الحاقة 17
2 الملك 3
 


وفي عالم المعاني ظهور المفاعيل المطلقة والمصادر السيالة التي هي متعلقات الأسماء في عالم العماء .
وفي عالم الأبواب ظهور الحجب الثمانية من الحجاب الأبيض والأصفر والأخضر والأحمر والكمد والأخضر المائل إلى السواد والأسود والأسود البالغ في السواد .
وفي عالم الأجسام ظهور الشرق والغرب والجنوب والشمال والبروج والمنازل وتعدد الأفلاك الجزئية واختلاف الأنظار الكوكبية والقرانات الجسمية في السماء .
وفي الأرض ظهور الأقاليم السبعة والجهات الستة والرياح الأربعة والبحار والأنهار والجبال والأشجار ، وفي الإنسان في الظاهر الجسمي أعضاء الوضوء ، والرابطي هي الحواس الظاهرة ، والباطني هي الحواس الخمسة ، واللبي هي تجاويف القلب المعنوي حسب تجاويف القلب الظاهري اللحم الصنوبري ، وظهور العرش الكلي في الكلمة الواحدة من المراتب الأربعة والكلمات الأربعة والأنوار الأربعة ، وكل هذه مقامات تعليق الأرجاء وشرح هذه المقامات قد مضى ويأتي إنشاء الله تعالى .

 

 

قوله عليه السلام وأضاء الضياء

يريد عليه السلام بالضياء هو البهاء وهو نور الأنوار والنور الذي نورت به الأنوار ، والإشارة إليه في الكلام الكريم بباء بسم الله الرحمن الرحيم قال عليه السلام (( الباء بهاء الله ))1 وهو الذي ابتدأ به في دعاء السحر بقوله عليه السلام (( اللهم إني أسألك من بهائك بأبهاه ))2 ، وهذا الضياء أول ما ظهر من تعليق الأرجاء ، وأول مصباح أوقد مادته من الدهن الذي يكاد يضيء ولولم تمسسه نار من الزيت المأخوذ من الشجرة الزيتونة لا شرقية ولا غربية بالنار التي هي من الشجرة التي قال سبحانه { الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ }3 قال تعالى { يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ }4 وهو بلسان أهل الشرع روح القدس ، أول ذائق الباكورة في جنان الصاقورة من حدائق آل محمد صلى الله عليهم ، والقلم أول غصن أخذ من شجرة الخلد أي الوجود التكويني (( إنكم خلقتم للآخرة لا للدنيا وللبقاء لا للفناء )) ، وأول خلق من الروحانيين عن يمين العرش المركب من الأنوار الأربعة ، والروح محمد صلى الله عليه وآله وسلم والنور المحمدي صلى الله عليه وآله وسلم ، والعقل الكلي الذي استنطقه الله بالمدد النوري والفيض الإلهي وبما جعل عنده من السر الغيبي والظهور المعنوي ، وبما ظهر عليه من الإيجاد الكوني والعيني وكونه مخزنا ومحلا لكل المعاني ثم قال له أدبر فأدبر إدبارا امتثاليا الذي هو إلاقبال حقيقة لا الإدبار موليا كما في الجهل فإن خطاب الإدبار قد ورد عليهما فواحد أدبر امتثالا والثاني أدبر موليا عنادا ، فصار إدبار الأول نورا وضياء لاتصاله إلى الحق سبحانه أظهر الأشياء، وصار إدبار الثاني جهلا وظلمة لانفصاله عن
_______________
1 التوحيد 3 2 الإقبال 33
3 يس 80 4 النور 35
 

 

القضاء وهو قوله عز وجل { قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ }1 ، فأدبر العقل ممتثلا لأمر الله سبحانه وتعالى ومتنزلا بسر اسم الله البديع إلى مقام الروح الرقيقة المعنوية والعلقة الصفراء بسر اسم الله الرحمن وهو أول مقام الحل الثاني في الخلق الأول من عالم الوجود المقيد ، وقد سبقه الخلق الأول بأطواره في عالم الوجود المطلق .
ثم أدبر متنزلا إلى مقام النفس الصورة المجردة عن المادة الجسمية والمثالية والمدة الزمانية والشبحية السفلية عالم الذر الأول أوالثاني أو الثالث ، فتمام الخلق الأول والصوغ الأول وكمال العقل الثاني وتمام ظهور المعاني والمباني .
ثم أدبر متنزلا بسر اسم الله الباعث إلى مقام الطبيعة مقام الكسر الأول للصوغ الثاني حجاب الياقوت .
ثم أدبر متنزلا بسر اسم الله الباطن إلى عالم المواد الجسمانية تمام الكسر والحل وجوهر الهباء .
ثم أدبر متنزلا بسر اسم الله الآخر إلى عالم المثال أول الصوغ الثاني محل الصور المقدارية .
ثم أدبر متنزلا بسر اسم الله الظاهر إلى عالم الأجسام مقام النقش والارتسام .
___________________
1 التوحيد 13 _ 14
 


ثم أدبر متنزلا من الأشرف إلى الأدنى حتى قطع الأفلاك وظهرت العناصر وتولدت المتولدات وكثرت الأنوار وتحققت الأضواء ، فصارت الأفلاك بل العالم كرة واحدة تدور على قطبها ، وهو ذلك الضياء الذي أضاءه الله بنور توحيده ، وانقياد ذلك النور له بالتسليم والرضا والخضوع والخشوع والمسكنة ، ولك أن تجرد هذه الحركة على المحور لتكون حركتها على القطب وحده لا إلى جهة إذا نظرت إلى ذلك النور نظر الظهور كالحديدة المحماة فيكون حينئذ قيام الأشياء به قياما صدوريا وحركتها إليه حركة كينونة سيالة لا بقاء لها إلا بنفس تلك الحركة حين الحركة لا إلى جهة فلا وضع ولا كيف ولا كم ولا أين ، وأشار إلى هذا المعنى في هذا المقام بقوله الحق {* اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }‏ فهذا النور الذي هو الضياء هو مظهر الألوهية قد ظهرت فيه له ولغيره به ، ويكون هذا القوام حين سير ذلك النور في عالم اللانهاية في صقع اللاهوت حين تمحضه في القرب إلى ربه والبعد عن نفسه ، فرق ولطف إلى أن شابهه في الصفة الفعلية قال الله سبحانه في الحديث القدسي (( أطعني أجعلك مثلي أقول للشيء كن فيكون وأنت تقول للشيء كن فيكون))1 ونعم ما قال :
رق الزجاج ورقت الخمر وتشاكلا وتشابه الأمر
فكأنـما خمر ولا قـدح وكأنما قدح ولا خمـر
ولذا قال عليه السلام (( لنا مع الله حالات نحن فيها هو ، وهو فيها نحن ، وهو هو ، ونحن نحن )) .
ولك أن تجعل هذا النور هو المحور لتكون حركة فلك الوجود عليه وذلك حين كونه مترجما للخطاب وحاملا ومؤديا على مقتضى القوابل بتنزله وترقيه، فيكون هذا مقام قوله عز وجل { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ }
_________________
1 لم نقف على نص الرواية كما هو هنا وإنما وجدنا ما يقرب منها في إرشاد القلوب وهو قول تعالى (( يا ابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون )) .
 

 

ولما كان المحور هو الخط الفأصل بين القطبين اللذين أحدهما عين الآخر أشار سبحانه وتعالى إلى بيان هذه الفاصلة والرابطة بقوله الحق { الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ }1 فدل البيان على أن هذا الضياء هو النور الذي نورت به الأنوار وهو نور كل نور ومظهر اسم البديع ورفيع الدرجات ، ألم تنظر إلى قوله عز وجل { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا }2 والأنوار والأضواء التي في العالم الجسماني في كلها من الشمس وهي قد سقط إليها نور من ذلك النور بقدر سم الإبرة ، وإنما كانت الشمس ضياء مضيئة لهذا العالم لكونها محلا لظهور العلية الفاعلية التي هي الحرارة واليبوسة ، ونسبة الشمس إلى العالم كنسبة الحرارة الغريزية إلى جميع أقطار البدن ، لأنها نور أي نار قد انفعلت الأجزاء الأرضية القلبية التي هي اللحم الصنوبري عنها بالاستضاءة فاستنارت القوى والمشاعر والمدارك والآلات والعروق والأعصاب والغضاريف والأوردة والشرايين والعضلات كلها من الحرارة الغريزية الظاهرة في القلب ، وتلك الحرارة التي يعبر عنها بالدم الأصفر في تجاويف القلب ، والعلقة متعلقة بالريح وهي الدخان والبخار اللطيف في القلب الذي هو الروح في عرف الأطباء ، وتلك متعلقة بالهواء الذي النفس الحيوانية الحسية الفلكية الغيبية ، وتلك النفس متقومة بالنفس القدسية الإنسانية ، وتلك متقومة بالعقل في الجزئي وأما في الكلي فالإنسانية متقومة بالنفس الملكوتية الإلهية وهي متقومة بالعقل ولذا قال أمير المؤمنين عليه السلام في بيان هذه النفس أن (( أصلها العقل منه بدأت وعنه وعت وإليه أشارت ودلت وهي ذات الله العليا وشجرة طوبى وسدرة المنتهى وجنة المأوى )) وهذه الذات والشجرة والسدرة والجنة التي هي صافي الوجود ونور الإله المعبود وثمرة الركوع والسجود والأنوار التي بها ظهر الوجود والموجود كما قـال عليـه السلام (( ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم )) كلها ظهور وشئون لذلك الضياء الذي قال عليه السلام (( أصلها
____________________
1 النور 35 2 يونس 5
 

 

العقل .. إلخ )) ، وأول ما خلق الله النور وهو نور الرب في قولـه عز وجل { وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا }‏1 والأرض هي أرض النفوس في هذا التفسير في هذا المقام .
ثم اعلم أن قوله عليه السلام (( أضاء الضياء )) رد على من زعم أن الماهيات ليست بمجعولة ، وأن الله ما جعل المشمش مشمشا بل جعله موجودا ، فإن قوله عليه السلام معناه أنه سبحانه جعل الضياء ضياء كما في قولـه عليه السلام (( إن الله عز وجل كيّف الكيف فهو بلا كيف وأيّن الأين )) أي جعل الكيف كيفا والأين أينا والمشمش مشمشا ، إذ لا يجوز أن يكون في ملك الله سبحانه شيء يترتب عليه الأثر لم يكن من خلق الله , أو يكون في الوجود لا يكون في ملك الله سبحانه ، فإن لم يكن شيء ولم يترتب عليه شيء لم يكن لقولهم فائدة وإنما هو كذب محض ، وإلا فإما هو خلق الله أو قديم مع الله أو هو الله أوخلق لغير الله أوأحدث نفسه من غير الله أوحدث لقديم غير الله تعالى ، وما عدا الأول كله باطل وذلك ظاهر إنشاء الله ، وليس هذا المقام مقام هذه المسألة ببسطها وشقوقها .
ثم أن قوله عليه السلام (( أضاء الضياء )) استنباط واستخراج مما ظهر مستجنا فيما تقدم من كلماته الشريفة فإن هذا الضياء هو المصباح الذي في الآية الشريفة فأشار بقوله عليه السلام (( فتق الأجواء )) إلى الشجرة الإلهية التي تخرج منها النار فبفتق تلك الأجواء ظهرت تلك الشجرة الكلية ، والمراد بالشجرة هو الإختراع الأول والابتداع الأول قال مولانا الرضا عليه السلام (( إن أول ما خلق الله الإختراع والابتداع ، ثم خلق الحروف فجعلها فعلا منه يقول للشيء كن فيكون )) وتلك الأجواء هي مقامات الإمكان الراجح من الظهورات الفعلية الإلهية ، ومحل المقامات والآيات والعلامات على ما سبق ، فنبتت تلك الشجرة في تلك الأرض بفتق أجواء أفلاكها وعناصرها ودوران بعضها على بعض ، وليس من متولدات تلك العناصر والأفلاك من
____________________
1 يونس 69
 

 

الآباء والأمهات سواها ، فإن جعلتها جماد ذلك العالم أونباته أوحيوانه أو إنسانه صدقت إذ كل ذلك جمع فيها بطور الوحدة إذ في الكـل خاصية الكل ، ألم تسمع أن في الجنة تعمل الأجسام عمل الأرواح من غير توسطها والأرواح تعمل عمل الأجسام من غير توسطها لأن دار الآخرة هي دار الحيوان وحياة دار الآخرة من فاضل فاضل حياة هذه الشجرة ، بل ليست الجنة بقضها وقضيضها إلا ثمرات ثمرات هذه الشجرة فلا تستغرب إذاً مما قـلت .
وأشار بقوله عليه السلام (( خرق الهواء وعلق الأرجاء )) إلى ظهور نار الشجرة في الهواء لما ذكرنا من أن الهواء مجمع البحرين وملتقى العالمين ، فيصعد القابل المتلقي إلى المبدأ إلى مقامه ويتنزل العالي بأثره للإمداد إلى مقامه فهو الرابطة والفاصلة ، والمراد بالهواء بلسان الظاهر هو الوجود المقيد قبل التقييد وهو ظهور المشيئة بأثرها وهو أثرها ونسبته إليها نسبة الضرب إلى ضرب كما سيأتي إنشاء الله ، فكان هو مس النار والأرجاء هي الدهن ، وأرض الجرز والبلد الطيب وهي القابلية ، وخرق الهواء إشارة إلى مس النار للدهن أي التعلق المحض ، وتعليق الأرجاء إشارة إلى ميل القوابل إلى مقبولاتها وصعودها إليها بلطائفها وصافيها وهو تكلس الدهن إلى أن يصير أجزاء قريبة الاستحالة إلى الدخان ، إلى أن يصير دخانا ينفعل بمس النار بالإضاءة ، وذلك التكليس هو تمكين القابلية لقبول أثر الفاعل ، فإذا تعلقت النار بالدهن وكلسته إلى أن يصير دخانا تحقق المصباح وأضاء الضياء وهو السراج الوهاج قال تعالى { وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا }‏1 فمنه استضاء العالم , فأشار عليه السلام إلى بدو الوجود وظهور الشهود بما لا مزيد عليه ، ولعمري إنه عليه السلام شرح أحوال المبدأ والخلق الأول بكل أحواله وأطواره وصفاته وشئونه وجهاته وكلياته وجزئياته في هذه الكلمات بين ما صرح تصريحا وما أشار إشارة وما لوح تلويحا بالكلمات والحروف وصفاتها وأعدادها وطبائعها وقراناتها وولاداتها ، قـد انقطع دونها علم العلماء وفهم
___________________
1 النبأ 13
 

 

البلغاء ، لا تفنى عجائبها ولا تبيد غرائبها وهي طرية أبدا ، وما طوينا مما عرفنا أكثر مما كتبنا ، وما لم نعرف ولم ندرك ولم نتخيل بل لم نعقل أكثر وأكثر ، أشهد أن كلامهم نور صعب مستصعب .
 


 

 

قوله عليه السلام

وأحيى الموتى وأمات الأحياء

اعلم أن الموت قد يطلق على مجرد الفقدان سواء سبقه وجدان أم لا كما في قوله عز وجل { فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ }1‏ وهو الأرض المعدة المستأهلة للنبات والإثمار إذا وقع عليها المطر ، فتكون قبل وقوعه عليها ميتا غير موجودة بالعمارة والظهور والشهود وإنما هي ذكر وصلوح قابلية محضة فإذا أتاها المطر الخارج من السحاب ووقع على تلك الأرض انفتقت وحييت بإذن الله تعالى قال تعالى { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ }2 فهذا موت قبل الحياة قد أطلق الموت عليه .
وقد يطلق على الكسر بعد الصوغ ، وعلى الوجود بعد العدم ، والغيب بعد الشهود ، والإمكان بعد الأكوان والأعيان ، والظلمة بعد النور ، والخفاء بعد الظهور ، والإطلاقان كلاهما يحتملان في هذا المقام .
ثم اعلم أن الموت بقول مطلق هو قطع العالي نظره عن السافل فينقطع السافل فيبقى ميتا لا حراك له ، وذلك القطع لا يكون إلا بعد إقبال السافل إلى العالي لضعف قابليته وانهدام بنيته وغلبة برودته ويبوسته أو رطوبته مع البرودة المانعة عن ظهور الحرارة التي هي مثال الفاعل العالي ، أولاشتغال العالي ونظره واشتياقه ومحبته إلى أعلى منه أوالمناسب له في الغاية والنهاية فإذا حصل له الشغل الكلي يقطع عن السافل فيقع ميتا ، فظهر لك أن علة القطع أمران .
فإذا عرفت هذا فاعلم أن الموت موتان إقبالي وإدباري ، فالأول هو موت الوفاء والفناء ، والثاني هو موت العناء والشقاء والثاني امتثالي وانفصالي انقطاعي ، فالأول هو الرحمة والثاني هو النقمة .
________________
1 فاطر 9 2 فصلت 39
 

 

والإشارة إلى بيان هذه الجملة هي أن الله سبحانه لما أحب أن يعرف خلق الخلق لكي يعرف ، فالمحبة الحقيقية للإيجاد هي المعرفة وهي محل المحبة ، والمحب ليس نظره إلا إلى محبوبه ومطلوبه بالمحبة التي هي عين ذلك المحبوب ، فإيجاد تلك المعرفة وتلك المحبة والوجدان الحامل لتلك المحبة والمعرفة لتساوقهما لا شك أنه متقدم ، فأوجد سبحانه العارف المحب المحبوب أولا قبل كل شيء لكونه الغاية في الإيجاد ومحل نظر رب العباد ، فوهبه الحياة والدوام الأبدي والبقاء السرمدي لأنه محل التجلي وظهور المتجلي ، لأن الله سبحانه أحبه به وتجلى له به قال مولانا علي عليه السلام (( لم تحط به الأوهام بل تجلى لها بها وبها امتنع منها ))1 فذلك النظر هو علة الحياة وعين الحياة بقاء لا فناء فيه ودوام لا زوال له واستقلال لا اضمحلال له وغنى لا فقر له ، لأنه محل رحمة الله ومنبع فيضه وإحسانه ، وهذا الهواء في قوله عليه السلام المتقدم (( خرق الهواء )) لأن الهواء هو طبع الحياة والاسم المربي له الحي وهو قوله عليه السلام
_________________
1 شرح النهج 13/44


(( لأن الروح مجانس للريح ))1 وقوله عليه السلام (( فإن روحه متعلقة بالريح والريح معلقة بالهواء ))2 وهذا هو الوجود المعبر عنه بنور الله وآيته مبدأ الوجود المقيد ، وأما في عالم الوجود المطلق فهوعالم أحببت أن أعرف ، والمحبة الحقيقية التي هي الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم وهو مقام الأحدية الظاهرة للمخلوق التي يعرفون الأحد بها ، ثم لما أراد أن يخلق مراتب الخلق لإظهار كبريائه وعظمته وجلاله وجماله وقهره وغلبته أمر ذلك النور الحقيقي والسر الغيبي الخفي الحقيقي الإلهي بالإدبار والنظر إلى القوابل المدلهمة الغاسقة الموجودية المتحققة بعين ذلك النظر ، ولا شك أن القابل طبيعته البرودة واليبوسة التي قد أحاطت بظاهرها الذي هو ظهور الميل إلى المبدأ البرودة والرطوبة وقد قلنا سابقا أن الشيء لا يتم إلا بالمقبول ، والقابل لا يتحقق ولا يقبل إلا بتمكين المقبول أوالفاعل إياه للقبول ، وذلك التمكين ما يمكن إلا بمزج أثر الفاعل وظهوره وكينونته للقابل مع طبيعة المقبول في أرض الجرز والبلد الميت الطيب ، ففي أول ظهور الأثر الذي هو النار والحرارة المصلحة المنضجة لتكوين المكون القابل فالغلب والظهور وجريان الأثر للقابل ببرودته ويبوسته الممزوجة بالرطوبة، وأنت عرفت أن البرد الخالص إذا أصاب الرطوبة التي فيها اليبوسة الجزئية يجمدها ، فالحرارة التي هي أثر الفاعل وهو ذلك لما كانت من عالم الغيب والباطن تبقى في الباطن ولم يظهرها أثر في الظاهر بل ظهور الأثر وجريان الأحكام إنما هو للبرودة واليبوسة اللتان هما طبع الموت فهذا أول موت وقع في الوجود ، ومثاله وآيته في عالم التفصيل فصل الشتاء فإن الحرارة في ذلك الفصل تتوجه إلى الباطن فتنجمد الظواهر بالبرودة والرطوبة المشوبة باليبوسة وتنسد المسام ولم يبق للحرارة حكم ولا أثر ، فيحتاج الخلق حرارة أخرى غير ما في الغرائز والطبائع ، وإنما كثرت الرطوبة في هذا المقام وهذا الفصل لكونه أول مقام القابلية وميل القابل إلى الانفعال للتأثير وذلك يستدعي الرطوبة ، وأما سر انجمادها فلمزجها مع
_________________
1 معاني الأخبار 17 , التوحيد 171
2 علل الشرائع 97
 

 

اليبوسة الحافظة الماسكة لذلك التأثير ، وأما سر زيادة البرودة فلبعده عن الحرارة وتأثير الفاعل بالتأثير الخاص أو العام ، وهذا الموت إدباري إلا أنه امتثالي ولذا كان رحمة وفضلا ، فإذا تمكنت الحرارة ورسخت واستقرت في الباطن لتمكين القابلية وتسويتها تؤثر فيها وتنضجها شيئا فشيئا إلى أن يضمحل ذلك البرد الكلي الموجب لانجماد القريحة المانع لذوبانها وميلها إلى مبدئها وبارئها فتذوب تلك اليبوسة والرطوبة المجتمعة الجامدة وتفتح المسام وتؤثر الحرارة في الظاهر فيظهر النبات ، وهنا أول الحياة وأول مقام الاعتدال ومثاله هو فصل الربيع بعد الشتاء ولذا تكثر الأمطار وتقل الثلوج في هذا الفصل وذلك لسر الذوبان ، فبقدر ما تقل البرودة تظهر وتتضاعف الحرارة ويقوى النبات ويظهر طلع الثمار ، فكلما تزيد يوما إما من القمري أو من أيام الشأن تزيد الحرارة والرطوبة ، فإذا زادت الحرارة خففت الرطوبات الفضلية فتزيد اليبوسة إلى آخر فصل الربيع وهو انتهاء غلبة الرطوبة ففي فصل الصيف تكون الغلبة لليبوسة مع الحرارة وهنا مقام نار السبك فتنضج الثمار وتتقوى الأشجار وهذا تمام الحياة بعد الموت ، فالموت الأول في أول الإدبار والنظر إلى القابلية وميله إليها وميلها إليه كما قال سبحانه وتعالى { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ }1‏ وقال عليه السلام في الصحيفة (( يولج كل واحد منهما في صاحبه ويولج صاحبه فيه بتقدير منه للعباد فيما يغذوهم به وينشؤهم عليه ))2 ليصير المجموع شيئا واحدا مخمول الحكم ومعزول الوصف حتى تتم الخلقة في بطن الأم أي الصورة من أحكام التقدير وإجراء التدبير وهذا هو التعفين ، فبعد ذلك ينشئ خلقا آخر من إيلاج الروح المناسب للصورة أي الأم وهو الحياة ، فالحياة بالصورة والقوام بالمادة وعند الانفصال كل منهما ميت { ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }‏3 .
فأحيـا الموتى أولهم آدم الأول حين عانق حواه ومات في حبها وهو
________________
1 الحج 61
2 الصحيفة السجادية الكاملة دعاؤه عليه السلام عند الصباح والمساء
3 يس 38
 

 

عبارة عن تعلق المشيئة الكلية والرحمة الواسعة بأرض الإمكان الراجح وهذا كان موتها لانقطاعها عن النظر إلى نفسها التي هي جهة مبدئها وعلتها وفاعلها ، وقد قلنا أن الموت هو قطع نظر العالي عن السافل بالوجدان أو الوجود أوبالأمرين ، ولا شك أنها إذا نظرت إلى نفسها من حيث تعلقاتها منقطعة عن النظر إلى نفسها مجردة عنها مع إنه قد ارتفع تمييزها حينئذ أي في حال التعلق فهو موت .
لا يقال أن المشيئة حياة لا موت لها ، لأنا نقول بلى بالنسبة إلى ما عداها كما نقول أنها بسيطة ليس في الإمكان أبسط منها ممكنة ، وكل ممكن زوج تركيبي فافهم ، وحياتها الإضافية ظهورها بالواحدية وتمام الكلمة التامة التي هي كلمة كن ، وإنما قلنا الإضافية لأن هنا مقام ظهور أولادها التي هي وجوهها ورؤوسها ، ومقام ظهور الأسماء الحسنى والصفات العليا ، أو ظهور العلم الإمكاني والأعيان الثابتة الحدوثية .
ولك أن تجعل الموتى هي الإمكانيات والصلاحيات التي لا حياة لها ولا ظهور لها ولا وجود لها في الأكوان حتى أطلق عليها العدم كما قال عز وجل { أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا }1 وقد ورد في بعض الأخبار أن الله خلق الأشياء من العدم يراد به العدم الإمكاني ، فيصح أن تجعلها موتى حياتها بإيجادها في الأكوان ، فأول حياتها وظهور بعض أحكامها في الهواء كما تقدم ، وثاني ظهورها بفرد من أفرادها الضياء فيكون قوله عليه السلام (( وأحيى الموتى )) بيان أصل من الأصول الكونية ومرتبة من مراتب البدو في الكونين الكون الإطلاقي والتقييدي والإختراعين الأولي والثانوي ، ولما كان قوله عليه السلام (( فتق الأجواء )) إشارة إلى الإختراع الأول و (( أضاء الضياء )) إلى الإختراع الثاني و(( خرق الهواء )) إلى البرزخ المتوسط الجامع لأحكامهما والهواء عبارة عن ماء الوجود وأرض القابليات ، والموتى قد تحققت في الإختراعين أتى عليه السلام بعدهما بحكم المشترك بينهما
____________________
1 مريم 67

 


لما ذكرنا من تأثير الفاعل العالي المقبل المدبر إلى السافل المفعول بأثره ، فالموت للأثر إذا امتزج مع قابلية المتأثر وغلبت عليه البرودة واليبوسة ، وحياته إذا ظهر الأثر في كينونة القابل المتأثر مشروح الحكم ظاهر التأثير متفردا في الأمر بالعمل ، ولما غاب ذلك النور المعبر عنه بالهواء في أرض الجرز والبلد الميت وتحقق موته بتلك الغيبوبة ، ولما صعد بالأبخرة والأدخنة اللطيفة إلى سماء الصاقورة أي جهة العلة الدائرة على نفسها بنفسها فأصابته برودة الرحمة مبدأ العلة الصورية تحت الكرة الأثيرية مبدأ العلة المادية فانجمدت يبوسة هباء تلك الأرض إلى أن تكون السحاب المزجى جهات الميل إلى القابلية فانعقد سحابا متراكما بتحقق الصورة الشخصية فجرى بإشراق شمس الإيجاد من عالم الأمر عليه بحكم الانوجاد ماء ذائبا صالحا صلوحا نوعيا لكل ما يمكن في حقه ووقع على أرض القابليات الشخصية الجزئية المتقابلة المتمايزة وهو قوله تعالى { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء }‏ أي من سماء الإختراع الابتداع وسماء المتجلي ماء التجلي والإحداث والإيجاد بعد الحل الأول والعقد الأول { فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ } تلك القوابل { بِقَدَرِهَا }1 فإذا أرادوا النبات أخذوا من ذلك الماء الصالح جزءان لمزج القابل مع المقبول فإن النسبة لها طرفان ، وأخذ من تلك الأرض جزء واحدا لئلا تنجمد فلا تتمكن من الصورة المطلوبة الممكنة في حقها المطلوب وجودها بتوفر الأسباب والدواعي واجتماع الشهوات والطلبات ، ولئلا تذوب فلا يصح الانعقاد والمطلوب على الوجه المطلوب فتمت مراتبه ومتممات قابليته ومكملاته فظهر الأثر ومال إلى صقعه فتحرك ذلك الشيء بقابليته إلى جهته ، فإن كان ذلك الأثر من المؤثر بيمينه فيصعد به إلى أعلى عليين وإن كان بشماله فيهبط به إلى أسفل السافلين سواء ، كان في الأصل غرفة من العليين أوالسجين أولا بل باللطخ والخلط كما قرر في محله .
وبالجملة فحياة الشيء بعد مماته ظهور الشيء بتأثير الفاعل مشروح العلل مبين الأسباب فهذا يتصور في كل شيء من الأشياء إلا أن الأشياء في الـظهور والخفاء مختلفة ، فدل العقل بدلالة قول علي عليه السلام أن الحياة
_______________
1 الرعد 17
 

 

الأولية التي هي عين لحاظ الرب متقدمة على الموت ، وأما الحياة التركيبية المزجية الحاصلة من الائتلاف فإنها مؤخرة عن الموت ، فإن الإدبار موت وهو الأول والإقبال حياة وهو الثاني ولذا قال عليه السلام (( أحيى الموتى وأمات الأحياء )) وإن قيل أن الواو لا تدل على الترتيب لأن سياق الكلام يقتضي ذلك مع أن في عدم دلالة الواو على الترتيب نظر .
اعلم أن الشيء لما كان لم يتحقق إلا بحلين وعقدين ولما كان العالم كرة واحدة وحقيقة واحدة وشخصا واحدا كان الحلان والعقدان فيه عبارة عن الخلقين في العالمين عالم الغيب والشهادة والخلق الأول والثاني ، فالخلق الأول في عالم الغيب قد انعقد بعدما حل ، فالحل هو الموت والعقد هو الحياة ، فالحل الأول في ماء الوجود حين مزجه بأرض القابليات وهنا أمات الأحياء ، وأول العقد الأول في العقل ووسطه في الروح وآخره وتمامه في النفس عالم الذر الثالث أو الثاني أو الأول وهنا أحيى الموتى أول الحياة في مقام العقل على جهة البساطة والمعنوية وأول ظهورها في عالم التفصيل جامعة الشئون تامة الاقتضاءات والإضافات والقرانات في مقام الروح الرقيقة الحاجزة بين الإجمال والتفصيل ، وتمام ظهورها وكمالها مجتمعة المراتب حاوية المآرب في النفس ولذا خصوا التكليف في الخلق الأول بهذا المقام مع أن التكليف سار في كل ذرات الوجود بكل أنحائها وأنواعها ، ففي عالم النفس كمال الحياة الممكنة .
ثم إن الله سبحانه كسر هذا المركب ونثر هذا المنظوم في الحل الثاني إرادة للخلق الثاني الذي هو خلق عالم الشهادة والأجسام مقام النقش والارتسام وكان هذا الكسر تحت الحجاب الأحمر عالم الطبيعة فهي أول الحل الثاني وتمامه في المادة الجسمانية جوهر الهباء ، فأمات الأحياء الذين كانوا ذوات الشعور والإدراك والمعرفة والبصيرة المكلفين الطائعين والعاصين بحيث قد اضمحلت إنيتهم واندكت جبلتهم وذهب شعورهم وإحساسهم فبقوا أمواتا فيحييهم الله سبحانه بل أحياهم في الخلق الثاني الذي هو العقد الثاني وهولايكون إلا في عالم الأجسام .
فأشار الإمام عليه السلام في هذه الفقرات الموجزة تفصيل مراتب الوجود من بدء الإيجاد والانوجاد بتفاصيل أحوالها مجملة إلى تمام الخلق الأول وقد أشرنا إلى بعض منها في هذه الأوراق وقد أعرضنا عن أغلبها وأكثرها .
ثم شرع عليه السلام في بيان كيفية الخلق الثاني أي عالم الأجسام لأن الخلق الأول والثاني عندنا إطلاقان ، قد نطلق ونريد بالخلق الأول عالم الغيب وبالخلق الثاني عالم الشهادة كما هنا ، وقد نطلق ونريد بالخلق الأول في مقام الحل في الماهية الأولى والهيولى الأولى قبل السعادة والشقاوة ولـزوم الحكم عليه ، وبالخلق الثاني العقد الثاني وحله في الماهية الثانية مقام امتياز هيكل التوحيد عن هيكل الكفر والشرك والصورة الإنسانية عن الصورة الإنسانية ، وأما هنا فلا نريد إلا الأول فقال عليه السلام (( أحمده حمدا سطع فارتفع وشعشع فلمع حمدا يتصاعد في السماء إرسالا ويذهب في الجو اعتدلا )) .

 

 

قوله عليه السلام

أحمده حمدا سطع فارتفع وشعشع فلمع

 

أقول : ما من عالم من العوالم ومقام من المقامات من العلوية والسفلية والجوهرية والعرضية والحقيقية والمجازية إلا وهو مظهر اسم من الأسماء ومجلى صفة من الصفات ومهبط فيض من الفيوضات ومجلى تجلي من التجليات ومطرح إشراق من الإشراقات ، يحكي بما نقش فيه من الأوصاف والتوصيفات ظهورا من ظهورات خالق الأرضين والسموات قال الله سبحانه في كتـابه العزيز { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }1‏ وقال عليه السلام في الزيارة الجامعة الصغيرة (( يسبح الله بأسمائه جميع خلقه ))2 ، وقال سبحانه وتعالى { وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ }3 .
وقد قلنا أن الحمد هو صفة التجلي والبهاء الدال على جمال المتجلي وجلاله وعظمته وكبريائه من غير ملاحظة ظهوره بالمتجلي له ليشمل الصفات القدسية والأسماء التنزيهية ليكون مقام الحمد مقام الولاية المطلقة الحاملة لجميع الظهورات الإلهية بأنواع التوصيفات فإن الظهور ليس إلا للتوصيف ، والتوصيف أعم من الوحدانية والعظمة والكبرياء , والوحدانية أعم من الواحدية بل يشمل الأحدية وهي هيكل التوحيد المطلق لا من حيث هو هيكل ، فهو سبحانه في كل مقام من المقامات ظاهر بالحمد فيستحقه .
وأما إذا لاحظت المقامات مترتبة فيلاحظ فيها ظهور الصفة وخفاؤها فيحكم عليها بما ظهر من تلك الصفة وإن خفيت فيها الصفات الأخر واشتملت عليها كما تقول في الأمزجة وتحكم بعضها بالصفراوية وبعضها بالدموية وبعضها بالبلغمية وبعضها بالسوداوية مع أن المـزاج لا يتحقق إلا
__________________
1 الإسراء 44

2 البحار 100/189 ح 12
3 الأعراف 180

 


بالمجموع ، ولذا تعددت الأوصاف بحسب الظهور بالمقامات فكانت الكلمات الأربع ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) جامعة لأركان الإسلام والإسلام هو الدين قال تعالى { الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ }1 ‏والدين هو الماء الذي كان حاملا للعرش قبل خلق السموات والأرض قال تعالى { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء }2 ، فيكون الإسلام أعم من أن يكون تكوينيا أوتكليفيا تشريعيا فهذه الكلمات جامعة لمقامات المقامين ، فالتسبيح في حجاب العظمة والجبروت ، والتحميد في حجاب القدرة والملكوت إذ الولاية ظهرت في هذا المقام كما قال عليه السلام (( ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم )) مع أن الألف مقدم على الباء وهو متقوم به كما قرر في محله ، والتهليل في مقام حجاب الياقوت لظهور القهارية الماحية لكل متكبر ومقام خطاب الملك لله الواحد القهار إذ في مقام حجاب الملكوت ظهر ظاهر الولاية على بعض الإنيات المدبرة فقامت تدعوإلى نفسها مولية عن
__________________
1 الأعراف 19
2 هود 7


ربها { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ }1 فقهرهم الله سبحانه وأحرقهم بنار الغضب فخلص التوحيد وظهر التهليل فقبل ذلك ما من مقام إلا مقام التسبيح والتحميد ، والتكبير في حجاب الكبرياء حجاب الزمردة الخضراء لمكان الظهور على القشور .
فاختلفت الصفات في مقام تعدد المقامات على الترتيب مع أن الكل ظاهر في الكل ، وأما مولانا الإمام عليه السلام لما كان في مقام بيان الخلق الثاني وإن كان هو العالم الجسماني فابتدأ بالحمد لبيان سر { مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ }‏2 وبيان ظهور الولاية بالتوحيد الذي هو البيان والمعاني في هذا المقام الذي هو الخلق الثاني ، وجعل كل عالم تام الصنعة ظاهر الحكمة وإليه ناظر كلام مولانا الصادق عليه السلام (( كمال التدبير وتمام الصنع )) ، ولذا نقول أن العالم الجسماني من حيث المجموع ما وجد في الزمان وإن كانت أجزاؤه وجدت فيه ، ولا يتحرك إلى جهة وإن كان من حيث ظهوره وتفصيله يتحرك وضعا على المحور وإنما يتحرك حركة الصدورية لا إلى جهة وحركة على القطب الذي هو وجه المبدأ بكل جهة بل بلا جهة ، فلو تحرك على المحور لم يكن كرة وإنما كان دائرة فلم يتمحض في الافتقار فافهم .
لكنه عليه السلام أتى بالحمد بالجملة الفعلية سيما المضارعة لبيان أن هذا العالم الظاهر فيه الحمد زماني متغير متجدد متصرم سيال ، والمدد الذي هو الحمد وإن كان متجددا إلا أن تجدد الإمداد من بحر المداد لا يظهر إلا في هذا العالم الطري الاستعداد ، وهو وإن كان طريا مطلقا إلا أن ظهوره وتفصيله على كمال الاختلاف الظاهري لم يكن إلا في هذا العالم ولذا لم يأت في ذكر العالم الأول في الإختراع الأول بالجملة الفعلية وإنما أتى هناك بالاسمية لبيان أنه خلق ساكن لا يدرك بالسكون وبيان أنه الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها بخلاف هذا العالم الثاني الجسماني فإنه زماني متجدد مختـلف والفعل يؤدي هذا المؤدى ،
_________________
1 الجاثية 23 2 الملك 3
 

 

والمضارع إلى التجدد الإني والسيالية الزمانية ، ولك أن تجعل هذا المقام تفاصيل ما أجمل في الكلمات الأول فيكون هذا الحمد وما بعده تفصيلا وشرحا للحمد الأول ، ولذا أتى بالحمد في المقام الأول وحده وأتى به هنا مفصلا و وصفه بما وصف ليطابق التدوين التكوين ويوافق الظاهر الباطن والصورة الكينونة فإن في عالم الكينونة على جهة الإطلاق ما يوجد الشيء إلا مجملا ثم يفصل بمرتبة أخرى ، فالأحدية بالواحدية والواحدية بالألوهية والألوهية بالرحمانية والرحمانية بالملكية وهكذا ، والوجود بالعقل والعقل بالروح والروح بالنفس وهكذا ، والنطفة بالعلقة والعلقة بالمضغة والمضغة بالعظام والعظام باكتساء اللحم وهكذا ، والنقطة بالألف والألف بالباء والباء بالبسملة والبسملة بالحمد والحمد بالكتاب وهكذا ، فلو تأملت وأمعنت في النظر لرأيت كلام الحكيم الذي عرف الحيث والكيف والكم وأشهده الله خلق نفسه وخلق السموات والأرض على هذا الترتيب مطلقا سواء مع العالم أو الجاهل ، إلا أنه للجاهل يأتي بعبارة واضحة لو فصلتها وذيلتها رأيتها بعينها العبـارة التي للعالم فمـا تـرى في خلق الرحمن ومن تفاوت ، لكن { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }1‏ فأعطى كل ذي حق حقه وساق إلى كل مخلوق رزقه { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى }‏2 فافهم هذه القاعدة المطردة .
فعلى هذا يكون كلامه عليه السلام في هذا المقام تفاصيل تلك المجملات وبيان تلك المبهمات ومآل المعنيين اللذين ذكرنا إلى واحد ، فإن نقطة الإيجاد سرت في القوابل الكونية والعينية كلها على طور واحد ، وإنما أتى بصيغة المتكلم الواحد دون الذي معه غيره مع أنه أولى في مقام العظمة لأن الأولوية إنما تتحقق إذا كان الغير معه في صقع واحد في السلسلة العرضية ولا كذلك في هذا المقام بالنسبة إلى هذا المتكلم روحي فداه فإن الأغيار كلها عنده عدم بحت ولا شيء محض فهو وحده، كيف لا وهو ذات الذوات والذوات في الذوات من يد المتناول ، نعم قد يتنزل مع الغير بظهوره في رتبته
________________
1 طه 5 2 طه 50
 

 

في مقام { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ }1 ومقام { يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ }‏2 ولكن مقام إنشاء هذه الخطبة ليس مقام التنزل إذ لا يشارك أحد معه في هذه الأحكام فيجب التوحد كالواقع .
إن قلت : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفاطمة عليها السلام وسائر الأئمة عليهم السلام معه في رتبة واحدة فلو أتى بصيغة المتكلم معه غيره لكان أتم وأولى .
قلت : إن الله سبحانه خلق محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في جلال القدرة فبقي يطوف حول ذلك الجلال ثمانين ألف سنة إلى أن وصل إلى جلال العظمة فخلق الله سبحانه هناك نور علي عليه السلام فبقي نور علي عليه السلام يطوف حول جلال القدرة ونور محمد صلى الله عليه وآله وسلم يطـوف حول جلال العظمة وهو معنى قـولـه صلى الله عليه وآله وسلم (( أعطيت لواء الحمد وعلي حامله ))3 فعلي عليه السلام هو حامل اللواء وهو الظاهر بالولاية وهو الباء الذي ظهرت الموجودات كلها منه وبه بخلاف الألف الذي استضاء منه الباء كالضوء من الضوء ، ولا يأتي إلى الباء أمر وحكم إلا بالألف إلا أن التفاصيل وإعطاء كل ذي حق حقه ليس مفصلا في الألف كالباء ، فالباء هو المتوحد في هذا المقام أي في الظهور وإن كان غيره
__________________
1 الكهف 110

2 المؤمنون 33
3 لم نقف على هذه الرواية بعينها وإنما وقفنا على ما يقرب منها وهي ما رواه في الفضائل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أعطيت ثلاثا وعلي مشاركي فيها , وأعطي علي ثلاثة ولما شاركه فيها , فقيل : يا رسول الله وما الثلاث التي شاركك فيها علي عليه السلام , فقال : لواء الحمد لي وعلي حامله , والكوثر لي وعلي ساقيه , والجنة لي وعلي قاسمها , وأما الثلاث التي أعطيت عليا ولما شاركه فيها فإنه أعطي رسول الله صهرا ولما عط مثله , وأعطي زوجته فاطمة الزهراء ولماعط مثلها , وأعطي ولديه الحسن والحسين ولماعط مثلهما )) .
 

 

 

معه في المبدأ ، ولما كانت هذه الخطبة في مقام إظهار الولاية لابيان حقيقتها يختص حكمها به عليه السلام .
وأما أولاده المنتجبون عليهم السلام فهو أمير المؤمنين عليه السلام والمؤمنون هم يميرهم العلم ، لأن مقامه الألف والنفس الرحماني في الكلمة ومقامهم الحروف ، فكل الامدادات الحرفية كلها تأتي من الألف كالألف بالنسبة إلى النقطة ، فلا يصلون أيضا مقامه فهو المتوحد روحي فداه في هذه الخطبة الشريفة وإن كان أولاده الطيبون عليهم السلام يشاركونه في هذا الحكم وشبهه إلا أنه به فيجب التنزل إلى مقامهم والمقام يأبى عن ذلك .
وأما فاطمة عليها السلام فإن { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ }1 ، فهو عليه السلام المتفرد في هذا المقام .
هذا كلام في مقام الفرق والتفصيل وأما في مقام الجمع فهم شيء واحد وحقيقة واحدة على الحقيقة سيما عند ظهور الولاية إذ في ذلك المقام لا فـرق بينهم عليهم السلام قال عليه السلام (( أولنا محمد وآخرنا محمد
_________________
1 النساء 34




وأوسطنا محمد وكلنا محمد ))1 ، وفي هذه الخطبة الشريفة (( أنا محمد ومحمد أنا )) فقولهم عليهم السلام واحد وعملهم واحد وحكمهم واحد ونورهم واحد وأمرهم واحد لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون قال عليه السلام (( وأشهد أن أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة طابت وطهرت بعضها من بعض ))2 فافهم .
وإنما أكد الفعل بالمصدر لأن المصدر هو أول ما اشتق عن الفعل وهو أول ظاهر ظهر عن الفعل فلا يظهر الفعل إلا بالمصدر وهو الأثـر الحاصل منه ، فالمصدر له ثلاثة وجوه الوجه الأول الأعلى إلى الفعل من حيث المبدئية لا من حيث أنه فعل وفي هذا الوجه مثل للمبدأ وحاكي لتجليه له به فيظهر ويستنطق منه الحامد في هذا المثال، فالحامد هو مثال الشخص الظاهري في الحمد ، وإذا قلنا أن الحمد الذي لله رب العالمين هو الولاية التي لله الحق فإذا نسبته إلى الله سبحانه يكون مبدأ لكل الأسماء والصفات التي هي المقامات والعلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان فليس اسم يشذ عنه ، فيكون مظهر اسم الله المستجمع لكل الأسماء والصفات الكمالية إذ المشتقات كلها مادتها المصادر وصورتها ظهور الذات بتلك المصادر ، وقد شرحنا وبينا هذه المسألة في كثير من مباحثاتنا ، فاسم الفاعل حقيقة مركب من المصدر ومن ظهور الفعل ولذا ترى النحاة قد اجتمعوا على أن أسماء الفاعلين كلها مشتقة من الفعل وإن اختلفوا في الفعل بين قائل باشتقاقه من المصدر وقائل باشتقاق المصدر منه ، وأما اشتقاق اسم الفاعل من الفعل فيما لا خلاف فيه فيكون الفاعل مشتقا من الفعل ، ولما كان الاشتقاق فرعا وتابعا فيكون المشتق فرعا وتابعا للمشتق منه وليس هذه التابعية إلا الصدورية ، فالصادر الأول من الفعل وهو الحدث قبل التعلق بمتعلق بالنسبة إلى الفعل المبدأ هو الفاعل في مثال فعل والقائم في مثال قام وضارب في مثال ضرب وهكذا ، فالحامدية لا توجد ولا تظهر إلا في مقام الحمد بل الحامد عين الحمد الذي هو المصدر لكنـه من جهة اضمحلاله في نفسه وفنائه في بقاء مبدئه تسمى باسمه وتحلى
__________________
1 البحار 26/1 2 الزيارة الجامعة الكبيرة
 

 

بحليته كالحديدة المحماة بالنار وبينهما بون بعيد قال عليه السلام (( لنا مع الله حالات هو فيها نحن ونحن فيها هو وهو هو ونحن نحن )) وقوله عليه السلام (( هو فيها نحن )) لا يريد به الذات البحت سبحانه وتعالى ولا يريد ارتفاعه عن مقامه ووصوله إلى مقام أعلى فإن ذلك مستحيل عقلا ونقلا ، بل إنما يريد به صرف المصدر مع ملاحظة ظهور المبدأ فيه بنفس ذلك المصدر ولذا أكد الفعل بالمصدر لبيان أن الفعل لا يظهر إلا بالمصدر ، والظهور بالمصدر ليس إلا عين ظهور الفعل الـذي هو عين المصدر الذي هو عين الفعل للمصدر ، والفعل قبل التعلق لم يوجد وبعدما تعلق أظهر نفسه بذلك المتعلق فليس لمتساويه أوأعلى منه سبيل إلى ذلك الفعل إلا بنفس ذلك المصدر ، فلا تظهر الحامدية إلا بنفس الحمد الذي هو تأكيده كقولك حمدتُ حمدت ، فحمدت الذي عند الشخص لا يعرف إلا بمثاله وهو حمدت الذي في نفس الحمد كالصورة في المرآة ، وإنما كررت العبارة لتحظى بغامض الإشارة .
وهنا دقيقة أخرى وهي أن علياعليه السلام ذكره في الذاكرين واسمه في الأسماء ونفسه في النفوس وأثره في الآثار فإذا قال إني أحمد الله فله معنيان .
أحدهما : حمده له سبحانه بذاته وبكينونته الذي هو حمده حقيقة .
وثانيهما : حمده له سبحانه بآثاره كما يقولون الحمد هو الثناء باللسان فإن هذا هو حمد بالأثر لا بالذات والكينونة .
فحمده عليه السلام بذاته لله سبحانه وتعالى هو ظهور المصدر الذي ظهر الحق سبحانه فيه بفعله الكلي بنفس ذلك الفعل بنفس ذلك المصدر ، فإن ذاته الشريفة هي المحبة التي كانت علة لإيجاد الموجودات لقوله عز وجل (( فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف ))1 ، فذاته المقدسة هي ذلك العالم وتلك المحبة ، وهي أول صادر وأول ناطق له بالثناء ، وتلك المحبة الإلهية هي التي قامت بها كل الأشياء والأسماء ، فإن الأسماء ما ظهرت إلا عند تعلق تلك المحبة بالأشياء ، فالمحبة الكلية هي الثناء الكلي والمدح العلي والحمد الجلي لله سبحانه ، وهي كلمات الله التي { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ }2 ، مع أن هذه الكلمة أعلاها وأسناها وأشرفها وأقدمها ، وأين الجزئي من الإحاطة بالكلي ، وتلك المحبة هي المصدر الأول ، فمحبة الله له ومحبته لله إنما كانت بـذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( لأعطين الراية غدا رجلا
___________________
1 البحار 87/99
2 لقمان 27



يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار ))1 ، وهذا الحمد والثناء والمجد لم يلحقه أحد من الخلق إلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما قال صلى الله عليه وآله وسلم (( يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت ))2 وهذا الحصر حقيقي ليس إضافي ، لأن عليا عليه السلام قد سبق الخلق كلهم وسبق أولاده الطاهرين عليهم السلام بحرف واحد في التوحيد والمعرفة لم يصل إليه أحد أبدا إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه قد سبق عليا عليه السلام بحرف واحد كذلك ، فتوحيده وحمده وثناؤه بكينونته بذاته قد فاق كل شيء وهو أقصى ما يمكن في عالم الإمكان .
وكذلك حمده لله سبحانه بصفات ذاته كما في عالم عقله الشريف وروحه ونفسه وطبيعته ومادته ومثاله وجسمه لأن علو الحمد وسمو مرتبته إنما يتصور في مقامين .
أحدهما : أن يكون الحامد في مقام المنير وكل ما عداه في مقام النور .
وثانيهما : خلوص حمده عن كل الشوائب الغيرية وجهات السوى ومرديات الهوى بحيث يكون كمالا صرفا في غاية مرتبة الاستقامة ، ولا يتأتى ذلك إلا له ولأخيه وزوجته وبنيه عليهم السلام لأنهم عليهم السلام المستقيمون في حقائقهم بأن جردوها ونزهوها عن كل ذكر سوى محبوبهم وسيدهم ، فمن شدة الصفاء والضياء والخلوص وعدم وجدان الإنية صاروا بحيث قولهم قول الله وحكمهم حكم الله ومعرفتهم معرفة الله وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله وجهلهم جهل الله وهكذا كل الأوصاف ، فصاروا في ذلك المقام مقام الله وآيته ودليله وعلامته إلى أن قال الحجة عجل الله فرجه
_______________
1 الكافي 8/351 ح 548
2 تأويل الآيات 145



(( لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك فتقها ورتقها بيدك ))1  .
وهكذا الحكم في عقولهم ونفوسهم حتى صاروا في ذلك المقام هيكل التوحيد والمثل الأعلى والكلمة العليا إلى أجسامهم المطهرة حيث كانت منزهة عن كل نقص ووصمة وعيب من حيث الاعتدال الطبيعي والمزاج الجسمي والصفاء اللبي والنور الكيلوسي والكيموسي لم تدنسهم الكثافات وما خرجوا عن الاستقامة طرفة عين بل ولا أقل ولا أقل عن الأقل ، فهم في كل مقام وكل رتبة حمد الله وآيته ووصفه ودليله ، فروحهم من روح الله وطبيعتهم موافقة كينونة الله سبحانه وتعالى .
وأما حمده العملي والقولي والجناني واللساني والأركاني التي كل منها لسان مستقل في الثناء على الله سبحانه فهو لايخفى على أحد ولا يحتاج إلى بيان ، فصار حمده وثناؤه وتوحيده لله عز وجل أمرا لا يلحقه أحد إلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنه صلى الله عليه وآله وسلم أقوى منه عليه السلام بكل المعاني وعدم اللحوق أيضا بكل المعاني فافهم .
وهذا الذي ذكرنا هو نوع حمده لله سبحانه وتعالى بذاته على المراتب أعم من أن تكون الذات في مقابلة الصفة أوفي مقابلة الغير ليعم جميع ما يستند إليه بلا واسطة من الأحوال والمراتب والأعمال والأقوال وغيرها .
وأما حمده عليه السلام بأثره وهو حقائق الأشياء كلها من أول الوجود إلى آخره إذ كلها خلقت من فاضل نوره من حيث هو نور الله ووصفه ، فصارت كل الكمالات والصفات الحسنة الظاهرة في عالم الخلق بالغة ما بلغت وكائنة ما كانت كلها من الأسماء والصفات وسائر الكمالات منه نشأت وعنه برزت وإليه عادت حين كونه باب الله للخلق ووجهه إليهم ووجههم إليه ، فهو يثني ويحمد الله سبحانه بما أظهر في الخلق من أثر حمده ونـور تجليه وظهوره ، فإذا قـال عليه السلام( أحمده ) يريد به الحمد الأول
____________________
1 دعاء رجب لمولانا الحجة عجل الله فرجه

 


الذي يحمد الله سبحانه في ذاته ، وإذا أكد بالمصدر الذي هو ( حمدا ) يريد به الحمد لله الذي ظهر في خلقه فإن ما في الخلق ليس هو نفس الفعل وإنما هو نفس الحدث الذي هو المصدر إلا أنه مثال المتجلى له به ، فصار كل ما في الخلق من الكمالات وأنواع الثناء مجد وثناء لعلي عليه السلام ، بل نفس الخلق بمادته وصورته ثناء منه على الله جل ثناؤه ، ألم تر إلى السراج فإنه نفس ثناء النار على النار وثناء نفسه على النار والأشعة ليست إلا ثناء السراج على النار على جميع مراتب الأشعة بكل أحوالها وأوضاعها ، وستعرف إنشاء الله تعالى حقيقة هذا القول .
فإتيانه بالمصدر لبيان الحمد الثاني له فإن المصدر تأكيد تابع وهو ظهور من ظهورات الفعل لا عين ذات الفعل وإلا لم يكن تابعا إذ الشيء لا يتبع نفسه ، فحمد المصدر يشير إلى هذه الدقيقة الشريفة فافهم .
وإنما نسب الحمد إلى نفسه في هذا المقام دون المقام الأول فإنه عليه السلام أثبت الحمد لله من غير الاستناد إلى أحد لما ذكرنا من أن المقام الأول مقام الإجمال فيطوي في ذلك المقام الوسائط ويجري الكلام على ما هو الأعم في النظر، وأما هذا المقام الثاني فهو مقام التفصيل، وفي هذا المقام ينظر إلى الوسائط لا نظر الاستقلال بل نظر المعرفة إثباتا للعظمة وتنبيها للقدرة ، وفي المقام الأول جعل الفعل مصدرا ليكون الفعل عين المصدر والمصدر عين الفعل لا مطلق المصدر بل الذي هو عين الفعل إذا جعلت الفعل حدثا وأثرا فله محدث ومؤثر ، فالحمد الأول هو حقيقة أحمد والحمد الثاني صفة تلك الحقيقة وظهورها ، والمصدر في الثاني صفة الصفة لتتم بسم الله الرحمن الرحيم فـافهم .
والوجه الآخر للإتيان بالمصدر للتأكيد لإثبات الصفة له من حيث هو فإن المصادر على ما قلنا لها ثلاث حالات .
الحالة الأولى : هو ما ذكرنا من أنها أسماء الفاعلين عند ملاحظة تجلي الذات بفعلها فيها .
والحالة الثانية : ملاحظة أنها آثار صدرت من حيث أنها آثار فهناك تقع عليها الصفات وتجري عليها الأحكام فالمفعول المطلق هو في هذا المقام ، فالمصدر المفعول المطلـق هو ركن للأسماء ومعان لها ، كالقيام ركن للـقائم ومعنى له ، والضرب ركن للضارب ومعني له وكذا غيرها من أشباهها ، فالمعنى من حيث هو معنى له حكم غير حكم الاسم وهو ظاهر .
والحالة الثالثة : ملاحظة ارتباط هذا المصدر المفعول المطلق بأمر آخر غير جهة الفاعل وهو المفعول به كالمضروب مثلا ، ولذا ترى النحاة يقولون أن المصدر قد يأتي على معنى اسم الأفعال وقد يأتي على معنى اسم المفعول ، ففي الحمد أربعة أمور الحامد والمحمود والمحمود عليه والمحمودية ، والحمد مصدر مادة لهذه الأربعة وهو شيء واحد ، ولا شك أن الشيء الواحد لا يمكن أن يكون له أصقاع متعددة وإلا لم يكن واحدا وتجاوز الشيء عن مبدئه مستحيل عقلا ونقلا ، فإذا كان كذلك فالحمد إذا اعتبرت فيه جهة المبدأ الذي هو الفعل يتحقق الحامد ، فالحامد اسم معناه الحمد وهو مركب منه ومن ظهور المبدأ فيه به ، وإذا اعتبرت فيه جهة التعلق أي تعلق أثـر فعل الحامد به أولا فيكون محمودا فإن أول ما يتعلق به فعل الفاعل الحامد ليس إلا الحمد ، والحمد المتعلق بغيره إن لوحظ جهة الغير لم يكن للحمد أثر ، إذ ذكر الشيء في الآخر لا يكون إلا إذا كان ذلك الآخر عن مرآة لا تلتفت إليها أصلا ، فإن المظهر لا يحكي الظاهر إلا إذا تمحض في المظهرية ولا يتمحض فيها إلا إذا لم تر له جهة غير جهة الظاهر ليستدل به عليه وإلا لكان محتجبا عنه أما تقرأ قول علي بن الحسين عليه السلام (( وأنك لا تحتجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الآمال دونك ))1 وقول مولانا علي عليه السلام (( بل تجلى لها بها وبها امتنع عنها وإليها حاكمها ))2 إذ الشيء الواحد في حال واحد لا يحكي أمرين متناقضين ، ولذا إذا نظرت في زيد من حيث هو هو احتـجبت عن معرفـة الإنسان ، وإذا نظرت إليه من حيث هو إنسان
_______________
1 دعاء أبي حمزة الثمالي
2 شرح النهج 13/44

 


اعتبرت الجهة الإنسانية فما عرفت إنسانية زيد إلا بالحصة الإنسانية التي فيه فعرفت الشيء به فافهم هذا الكلام المردد بالفهم المسدد .
فإذا قلت المحمود فإن لاحظت فيه جهة غير جهة الحمد فقد احتجب عن الحمد فلم يكن محمودا ، وإن لاحظته من حيث ظهور الحمد فيه به فليس ذلك إلا الحمد ، فإن المحمود هو الذي تقع عليه الصفة ووقوع الصفة ليس عين الموصوف ولا الصفة الذاتية له وإلا استحال الوقوع ، والمحمود ليس إلا الظاهر بالصفة والمقصود بالحمد وهو ليس إلا ما ظهر لك عندك ، فافهم فإنه دقيق فإن بيناه بواضح البيان لارتاب المبطلون وأنكر المعاندون .
وكذا القول في المحمود عليه والمحمود به ، ومجمل القول في هذا وأشباهه هوما ذكرت لك أن الشيء إذا فرض مجردا عن غيره إن ثبت واستقر لا يكون عين ذلك الغير وإن انتسب إليه إلا أن الانتساب ليس ذاتيا وإلا امتنع ملاحظة الانفكاك ، فإذا صح ذلك فنقول هذا الحمد مادة للحامد والمحمود عليه وبه أم لا ؟ والثاني باطل بحكم العيان ، إلا أن تقول أن إطلاق الحمد على هذه المواد والهيئات على الاشتراك اللفظي ولم يقل به أحد ، فإذا صح المعنوي فالحمد المأخوذ في تلك الهيئات بعد صحة المغايرة وكونه حدثا مصدرا لا يجوز أن يتصل بذات الحامد والمحمود عليه وبه وإلا لتغيرت الذات بحدوث أثرها وتنفعل بفعلها وهو باطل بالبديهة ، فيجب أن يكون الحمد شيئا واحدا اختلف بحسب الانتساب في مكانه وكينونته ، فهو شيء واحد مختلف الجهات والاعتبارات والحيثيات ، ومثال ما ذكرنا أشعة الشمس بالنسبة إلى الشمس والأرض ، والنار في الحديدة بالنسبة إلى النار الأصلية والحديدة ، والصورة في المرآة بالنسبة إلى المرآة والمقابل فافهم التصريح في التلويح , ولولا خوفي أن تقول بهذا تنخرم القواعد ولم يقل به علماؤنا فيكون باطلا لشرحت هذه المعاني وأريتك أن أحاديث أهل البيت عليهم السلام مشحونة بذلك ، وكلمات أهل النحو والصرف كلها جارية على هذا إلا أنهم كما قال الشاعر :

قد يطرب القمري أسماعنا ونحــن لا نعــرف ألحانه

وعلى هذا يظهر لك سر التأكيد بالمصدر الذي هو الحمد .

وأما وصفه بالسطوع والارتفاع والتشعشع واللمعان فلأن الحمد هو إظهار الصفة الكمالية الإلهية بالصفة الكمالية لا بغيرها إلا أن يكون ذلك الغير كالأرض الحاملة لشعاع الشمس أو كالزجاجة الحاملة للمرآة ، ولا شك أن الصفة الكمالية الجمالية والجلالية متكثرة والكل تحت هيمنة الاسم الواحد ، وهو تحت هيمنة الهوية القاهرة لكل الأسماء والصفات والإضافات والقرانات ، وتلك الهوية ظهور الأحدية فهي مرتفعة عن كل الكثرات والتعلقات الأسمائية والصفاتية ، ولا شك أن الكمال كلما كان خالصا عن شوب التعلقات والكثرات كان أعظم وأكمل لأنه حينئذ يغيب في ظهور الذات فيظهر بالهيمنة والسطوع في كل شيء ، وكلما كان بالتعلق أقرب كان من جهة الإطلاق أبعد حتى يكاد يخفى عن الظهور فيظهر في المتعلق ، فإن كان الحامد يحمده في مقام تلك الهوية الجامعة والكمال المطلق ، ويحمد الله سبحانه ويثني عليه في تلك الرتبة حمد الله لنفسه به يكون ذلك الحمد نوره ساطعا مرتفعا عن كل الشوائب والكثرات التي هي عين النقصان ولواحق الإمكان ، فالوصف البالغ هو الوصف المرتفع عن ذكر كل ما عدا الموصوف الكامل ، فالأسماء التعلقية وإن كانت مرتفعة ودالة على الكمال إلا أنه ليس ارتفاعا تاما بحيث لا يدل إلا على الواحد الأحد سبحانه وتعالى .
ولما كان مولانا علي أمير المؤمنين عليه السلام في حمد ذاته بذاته واقفا في ذلك المقام وهو نور صرف وكمال بحت مرتفع عن الخيال والأوهام خالص عن شوب الكثرات والظلام ، فيكون حمده حمدا أي ثناء على كمال مهيمن على كل الكمالات مرتفع عن كل التعلقات ، أو مرتفع على كل حمد على سائر الكمالات ، إذ مراتب الحمد تختلف فحمد على كل الكمالات الخاصة كالقادر العالم القاهر الجميل الجليل الغفار الستار وأمثالها مما نجد في الأدعية والآثار من الصفات الخاصة والأسماء المتعلقة ، وحمد على الكمال الجامع والاسم المطلق جزئيا كان أم كليا كالرحمن والله وهذان الاسمان وإن كانا أعظم الأسماء حسب الإحاطة إضافيا إلا أنهما ما خلصا عن شوب التعلق الذي فيه ذكر للغير ، وحمد على الهوية وهي الظهور المطلق المسمى باسم هو وهذا الاسم وإن كان أعظم فأعظم وأعظم خالصا عن شوب التعلق لكنه ليس خالصا عن ذكر المتعلق الذي فيه ذكر ذكر الغير ، وحمد على الظاهر بالظهور الذي هو عين الظهور من غير ملاحظة الظهور ليكون الحمد عين الحامد وهذا الحمد هو أعلى مراتب الحمد وأقصى مقاماته لأنه بالغ في الثناء على فوق طاقة الإمكان، فهذا الحمد ساطع أي ظاهر في عين خفائه ومرتفع على كل حمد وأعلى عن كل مقام إذ فيه من توصيف الخالق ما لا يطيقه أحد من الخلائق، هذا إذا كان سطع بمعنى ارتفع .
وذكر سطع إما للتأكيد أوللتجريد كما في قوله تعالى { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً }1 فإن الإسراء هو السير في الليل ، وإن قلت أن التأسيس خير من التأكيد تتعدى الارتفاع بعن فيفيد المعنى الأول بقوله عليه السلام (( سطع )) ويفيد أيضا تنزه هذا الحمد عن كل شوب تعلق وكثرة كما هو مقام الأحدية التي هي فوق مقامات الموحدين وفوق مقامات التوحيد .
ولك أن تجعل الحمد على الكمال المطلق جزئيا كان أم كليا خاصا كان أم عاما ، بل تقصد كل الكمالات على أنحائها متعلقها أم غير متعلقها وتخص الحمد بالحضرة العلوية روحي فداه ، فيكون حمده مطلقا بالنسبة إلى حمد من دونه من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين والشهداء والصديقين والمؤمنين الممتحنين بل الخلق كلهم أجمعون ما عدا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ساطعا مرتفعا على المعنيين .
أو تقول أن الحامدين مقاماتهم مختلفة فمن حامد باللسان وحده يقول الحمد لله والشكر لله بلسانه ، وقلبه ملته بالهوى وجوارحه مشتغلة بالدنيا وسره غافل عن ذكر الله ، وهذا حمده وبال عليه وقوله نكال عليه نعوذ بالله من ذلك .
_________________
1 الإسراء 1

 


ومن حامد يحمد الله سبحانه بلسانه ويستشعر بقلبه حين قوله لكنه ينكر ذلك بعمله ، فإن عمل المعصية إظهار ولاية الأعداء والإعراض عن الله سبحانه ، وهذا الرجل أحسن حالا من الأول ويرجى له الخير إن كان من أهل الولاية ولا يعصي متهاونا متكبرا جحودا .
ومن حامد يحمد الله سبحانه بلسانه ويستشعر ذلك بقلبه ويعمل على مقتضاه بظاهر عمله في الجوارح إلا أنه ليس مطمئن القلب بارد الفؤاد ، له قلب مضطرب وفؤاد مشوش يدور يمينا وشمالا ، بظاهر أعماله مطيع وبباطنها عاص لاضطراب القلب وتبلبل البال .
ومن حامد يحمد الله سبحانه بلسانه وقلبه وعمله بظاهره وباطنه إلا أنه قد يحصل له بعض الخواطر فينقص ذلك في مقام حمده .
ومن حامد يحمد الله بجميع ما ذكر إلا أن سره غير مصون ودره غير مكنون .
ومن حامد يحمد الله سبحانه بلسانه وقلبه وأركانه وأعماله الظاهرة والباطنة والسرية ويحفظ فؤاده عن ذكر الغير ويكون بحيث لا يسمع إلا صوته ولا يرى نورا إلا نوره ولا يخطر في قلبه إلا حبه وذكره ، فأولئك هم الأولياء والسعداء الفائزون بالدرجات العلا ، وهذا الحمد هو حمد سطع نوره وارتفع على كل حمد الحامدين المذكورين والغير المذكورين ، أوارتفع وتنزه عن حمدهم لأن حمدهم ما كان خالصا لله سبحانه بل كان مشوبا بالظلمات على حسب المقامات .
ولكـل رأيت منهم مقامــا شرحه في الكتاب مما يطول
وأما هؤلاء الحامدين فمراتبهم كثيرة ومقاماتهم عديدة حسب ملاحظة التجليات وسلب الإنيـات ومشاهدة جمال خالق الأرضين والسموات ، إلا أن عليا عليه السلام وأخاه وزوجته وبنيه عليهم السلام بلغوا
مقاما في الحمد لا يسبقهم سابق ولا يلحقهم لاحق ولا يفوقهم فائق ولا يطمع في إدراكهم طامع من أول الوجود إلى آخره .
أو يكون المعنى في مقام التنزل أوفي مقام الاضمحلال دعاء وطلب لتلك الرتبة أي يجعل الله سبحانه حمده من ذلك الحمد الساطع نوره والمرتفع عن النقائص وشوائب الإمكان وجهات الإنية وأمثلة ذلك في الأدعية كثيرة .
وأما وصف الحمد بالتشعشع واللمعان فاعلم أن شعاع الشمس في أول ظهورها يرى كالقضبان ويقال له التشعشع ، وأما في هذا المقام فإن الشخص إذا أراد أن يحمد الله سبحانه بالحمد الكامل المرتفع عن كل شوب السوى الذي هوالنور الإلهي وشمس الظهور الأزلي الأبدي ليكون هو نفس الحامد ليتحد مع حمده ويكون حمد الله عز وجل ينظر أولا في عالم التحديد إلى ذلك النور فظهر له من ذلك بقدر سم الإبرة من شعاع ذلك النور ، وإن شئت قلت تلك الشمس وإن شئت قلت ذلك الحمد وما الوجه إلا واحد غير أنه إذا أنت عددت المرايا تعددا فيتشعشع ذلك الشعاع ، فإذا استدام النظر وقوي البصر يقوى ظهور النور المشرق من صبح الأزل فيلمع بحيث يغشى الناظر ويحيط بكله في جميع جهاته الست من فوقه ومن تحته وقدامه وخلفه حتى لا ينظر إلى جهة إلا ويرى ذلك النور لامعا في تلك الجهة لا إلى جهة فتستوي الجهات وتتحد الأصقاع ويظهر له جلال العظمة ، فيحمد الله في سره وعلانيته , علانيته في سره وسره في علانيته ظاهره في باطنه وباطنه في ظاهره فلا يتوجه إلى جهة إلا ويرى الله ظاهرا في تلك الجهة { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ }1‏ فكان أول ظهوره نورا شعشعانيا لعدم الظهور بالكلية والتمام بل كان في أول مقام خرق حجاب اللانهاية وأول صعوده إلى عالم الحمد اللانهاية فتحصل الخطوط الشعاعية من مزج العالمين والتقاء البحرين ، ثم إذا انخرق الحجاب وفتح ذلك الباب التمع النور وأشرق بحيث أضاء الفضاء وملأ ما بين الأرض والسماء وظهر سر لا إله إلا الله ، فالحمد نقطة من عالم
____________________
1 البقرة 115
 

 

اللانهاية قد نظرت إلى عالم النهايات بتعليق الأرجاء فظهرت في كل مقام بنسبته وأعطت كل ذي حق حقه ، وهذه الأنظار والوجوه كلها التفاتات ورؤوس منه قد لحقته بالعرض ، وأما هو من حيث الحقيقة فليس إلا تلك النقطة الغير المنقسمة والغير المتعلقة ، وتلك النقطة ظهرت بالألف وهو مقام حقيقة مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام فالحمد هو النقطة والألف لواؤه فكان علي عليه السلام هو حامل لواء الحمد ، فحمد علي عليه السلام في مقام المسمى نور تشعشع وفي مقام (( أنا الذي لا يقع عليه اسم ولا صفة ظاهري ولاية وباطني غيب لا يدرك )) نور لمع , ولما كان عليه السلام في مقام التعلق بإعطاء كل ذي حق حقه عند إنشاء الخطبة الشريفة بين المدينة والكوفة ناسب تقديم التشعشع على اللمعان ولذا أتى بالفاء التعقيبية فصارت الفقرات مترتبة .
فقوله عليه السلام (( سطع )) أي علا وارتفع على الإطلاق وهذا يقتضي أن يكون مرتفعا عن الأوهام والأفهام وعن حمد كل حامد في كل مقام ، فأتى بفاء التفريع فعقبه بقوله عليه السلام (( فارتفع )) ولما كان هذا الحمد أي النور في بدو ظهوره لأهل عالم النهاية في حجاب رقيق يقتضي التشعشع فذكره بعد الارتفاع من غير الفاء لأن ذلك حال ظهور ذلك النور لا متفرع عليه ، نعم اللمعان متفرع عليه فعقبه به بالفاء .
هذا الذي ذكرنا هو أعلى مقامات الحمد وهذا المعنى يريده عليه السلام من هذا الكلام .
وأما كيفية ظهور حمده في كل ذرات الوجود ، وسريان ذلك النور في كل مفقود ومشهود ، وبيان أن كينونات الأشياء وذوات الموجودات حمده عليه السلام لله عز وجل وثناؤه عليه ، وأن الوجودات الشرعية والتكليفات الإلهية الكونية كلها تأسيس لثنائه على الله عز وجل ، وكون الحمد في كل ذرات الوجود نور سطع فارتفع وشعشع فلمع مما يطول بذكره الكلام ، مع أن بيان أكثرها تستنطق الطبائع المنكرة والغرائز المنتنة بنتن الجهل والإنكار إلا أن فيما ذكرنا كفاية لأهل الدراية ويأتي الكلام إنشاء الله في أثناء الشرح .
 

 

 

قوله عليه السلام

حمدا يتصاعد في السماء إرسالا

 

أقول : أهل الحقيقة يعرفون من هذه الفقرة تفريعا على الفقرة الأولى ويقصدون من السماء سماء المتجلي الظاهر بالتجلي الذي هو الحمد , ومن التصاعد التصاعد في مقام أعلى من مقام أدنى من مقامات التجلي إثباتا لقوله عز وجل في الحديث القدسي (( وليس لمحبتي غاية ولا نهاية ، وكلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ))1 فإن الواصلين إلى مقام الحمد أعلى مقامات الظهور على ما وصفت لك لا يزالون في السير والانتباه كلما ظهر لهم الجبار في الصحو والمحو يظهر لهم مقام أعلى من المقام الأول فيصعدون إلى جانب تلك السماء ولا غاية لصعودهم وتجدد ظهور التجلي لهم ولا غاية للسماء أيضا فلا يصلون ودائما يصعدون وفي الدعاء (( تدلج بين يدي المدلج من خلقك ))2 فهم في هذا المقام في أعلى مقامات جنة الرضوان في صحو دائم ومحو قائم ظهور بعد ظهور ونور بعد نور وإشراق بعد إشراق وتجلي بعد تجلي ، وفي كل صعود يظهر لهم مقام في التوحيد الحمد لم يكن عندهم قبل ذلك بحيث يجدونه الشرك الجلي لا الخفي ، ولذا كرر الحمد المصدر مرة أخرى بعد توصيفه أولا بالسطوع والارتفاع والتشعشع واللمعان فإن الأول بيان إثبات هذا الحمد وتحققه والثاني تجدد ظهوراته وبروزاته فيما لا نهاية له وهو من السر في الإتيان بالجملة الفعلية ، وإليه يشير قوله عليه السلام (( إرسالا )) أي أفواجا وفرقا متقطعة يتبع بعضها بعضا بلا انقطاع ، إذ الانقطاع إنما يتصور عند النظر إلى الحدود والإنية وكلها قد ارتفعت واضمحلت بل وفنيت وعدمت ، فهناك انتباه لا سنة بعده ولا نوم فضلا عن الموت ، فهو إذاً مقابل لفوارة النور من غير مانع ولا نهاية لفوران تلك الفوارة ولا غاية لمقابلته ، فحمد يتصاعد في سماء التجلي بالتجلي إرسالا أفواجا يتبع
_________________
1 إرشاد القلوب 199
2 مفتاح الفلاح 293
 

 

بعضها بعضا وهو قوله عز وجل { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ }‏ أي قول لا إله إلا الله { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }‏1 والعمل الصالح هو الخالص عن شوب السوى ودعوى إني أنا الله ، ولا يكون ذلك إلا بوصوله مقام الحمد وتحميد الله سبحانه بلسان المجد فهو سبب لرفع الحمد وتصاعده في السماء إرسالا أفواجا ، ومثال هذه الفقرة بالنسبة إلى الفقرة الأولى زيادة السقي للمركب بعد إتمامه إكسيرا ثم سقية لزيادة الفعل ، وكلما يزداد سقيا يزداد بهاء وفعلا إلى أن يبلغ القيراط في الطرح إلى القنطار ، فلا يقصر الحكيم إن كان له ماء زائد ولم تقصر قابلية المركب أيضا للقبول لصفائه من الأعراض والغرائب المانعة .
_________________
1 فاطر 10




 

قوله عليه السلام
ويذهب في الجو اعتدالا

 

يريد بالجو هو الجو المفتوق في قوله عليه السلام (( فتق الأجواء )) والسموات إنما فتقت منه على جميع المعاني المتقدمة على النهج المقرر المذكور فراجع ، والاعتدال هو إلاستقامة واستقامة كل شيء في كل مرتبة بحسبها وهي صفة الحمد بل عين ماهيته ، وإنما أتى عليه السلام بوصف الاستقامة فإن حمد الحامدين على أنحاء قد ذكرنا بعضا منها من الأقوال والأفعال والأحوال والأطوار والأوطار والمعتقدات والسرائر والضمائر من الشرعيات الوجودية والوجودات الشرعية ، وتختلف فيها جهات الاستقامة في كل مقام بنسبته ، والواقف على مقام الاستقامة على الحقيقة الواقعية هو الحامد حقيقة وهو الذي قد أُمر بها في قوله تعالى { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }1 وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( شيبتني هذه الآية )) فإن هذه الاستقامة هي لواء الحمد الذي له سبعون ألف شقة .

ومجمل القول أن الحمد له مقام ما وصل إليه على الحقيقة الأصلية بالأصالة إلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيتـه الطاهرين عليهم السلام ، وكلما عداهم فما وصلوا إلا إلى عالم المجاز إلا أن يكون قد انقطعت أنفسهم فوقفوا وثبتوا في مقام المجاز لمشابهتهم مع الحقيقة لتصحيح العلاقة المجازية وهو قول أمير المؤمنين عليـه السلام لمن يفهم في وصف الملأ الأعلى (( صور عارية عن المواد عالية عن القوة والاستعداد تجلى لها فأشرقت وطالعها فتلألأت وألقى في هويتها مثاله فأظهر عنها أفعاله ، وخلق الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكاها بالعلم ( والعمل ) فقد شابهت جواهر أوائل عللها ،
______________________
1 هود 1
 


وإذا اعتـدل مزاجها وفـارقت الأضـداد فقد شارك بهـا السبـع الـشداد ))1 والسبع الشداد هي ظاهر السبع المثاني والقرآن العظيم ، وهم أوائل جواهر العلل ، ومشاهدتك إياهم وصولك إلى الورقة الخاصة بك من شجرتهم التي غرسوها في جنان الصاقورة ، فإن وصلت إلى مقام تلك الورقة فأنت حينئذ مجاز مشابه للحقيقة ، فأنت إذاً مثل المثل ويكفيك في هذا المقام ما قال الله سبحانه وتعالى { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }2 ، فالحمد يخص بالله سبحانه
__________________
1 المناقب 2/49
2 الصافات 180 _ 182



أي الظاهر بالألوهية وهو رب العـزة والسبحان ، فالحمد الحقيقي هو مقام { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }1 وهذا ما وصل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما الحمد الحقي فهو الذي قال صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )) وثناء الله على نفسه هو مقام فوق مقام { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ‏، وهو مقام أوأدنى وفوق مقام الهوية المطلقة لا الظاهرة ، فهم من فهم .‏
___________________
1 الفاتحة 5


 

قوله عليه السلام

خلق السموات بلا دعائم وأقامها بغير قوائم وزينها بالكواكب المضيئات ، وحبس في الجو سحائب مكفهرات

 

أقول : لما فصل عليه السلام الحمد المعنون في أول الكلام مجملا مطلقا بما فصل ووصفه بما وصف وأبان عن مقامه وحقيقته وماهيته ومائيته ومراتبه ودرجاته وصافيه وكدره بما شرح وأوضح أراد أن يفصل فتق الأجواء المأتي به بعد الحمد لله ، وإنه عليه السلام لما فرغ من الثناء على الله عز وجل بظهوره وسطوع نوره على ما يقتضي المقام في الخلق الثاني أراد أن يبين تفاصيل مبادئ هذا الخلق وربط علله بمعلولاته وأسبابه بمسبباته ليظهر بذلك عظمة الله سبحانه المستغرقة لكل شيء المحيطة بكل شيء ، وأن الأكوان والأعيان والأزمان وما أحاط بها من الممكن والإمكان متحركة إليه دائمة الحركة مستديرة السير بحيث لا بقاء لها إلا حين صدورها ، ووجودها عين صدورها وصدورها عين وجودها ، فلم تزل صادرة طرية إلى ما لا نهاية فيفنى الخلق عند بقاء الخالق وينفخ في الصور ليوم النشور وينادي المنادي { لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ }‏ ويجيب المجيب { لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }‏1 بحيث يسمعه الآن من له أذنان ويعرفه ويراه من له عينان .
فقال عليه السلام (( خلق السموات )) والمراد بخلق أعلم من أراد وقدر وقضى وأمضى فإن هذه الكلمات منها افتراق عند الاجتماع كما إذا قيل خلق أو شاء وأراد فقدر وقضى وأمضى وعند الافتراق اجتماع كما هنا ، والدليل على المراد بخلق أعم بعد العقل بأن الشيء لا يمكن كونه إلا بهذه الأمور الأربعة أوالخمسة أو السبعة ، من النقل ما رواه في الكافي عن مولانا الصادق عليه السلام (( لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلا بهذه الخصال السبع بمشيئة وإرادة وقدر وقضاء وإذن وأجل وكتاب، فمن زعم أنه يقدر على نقض واحدة فقد كفر ))2 ، وفي رواية عن الكاظم عليـه السلام هذه السبعة بتقديم وتأخير في الجملة إلا أنه فقد أشرك3 ، وقد قـال الله عز وجل { الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ }4 .
وبالجملة فالله عز وجل خلق السموات بموادها وبرء كينوناتها وقدر هيئاتها وصفاتها وأعراضها وأعراض أعراضها ومقادير أشعتها ومدة بقائها ودوامها واستمرارها وفعلها ومقدار حركاتها وتقلب أوضاعها وحدودها من كمها من المقادير النورية والأجسام التعليمية ، وكيفها من الهيئات والألوان والصفات والحالات والاستدارت والمتممات والجوزهرات والممثلات وخوارج المراكز ، ووقتها من الأزمان والمدد النورية الفلكية الذاتية لا المنتزعة من الحركة فإن تلك تعريفات لا أوقات حقيقية ، وجهتها في الجهات الست

__________________
1 غافر 16

2 الكافي 1/149 ح 1
3 وهي قوله عليه السلام (( لا يكون شيء في السموات ولا في الأرض إلا بسبع بقضاء وقدر وإرادة ومشيئة وكتاب وأجل وإذن فمن زعم غير هذا فقد كذب على الله أورد على الله )) الكافي 1/149/2 .
4 الانفطار 7 _ 8

 


من الجهات الست الحاصلة من الحركة على المحور أولا إلى جهة إذا كانت الاستدارة على القطب ، ورتبتها ونسبتها إلى مبدئها ومنتهاها ونفسها وظهورها في مقامها وإذنها وأجلها وكتابها وسائر قراناتها وإضافاتها ونسبها وأحوالها وأفعالها ، وضبط مقادير حركاتها التسخيرية والتقديرية والممثلية والخارجية والحركات التقويمية ، والحركات المستقيمة والمقيمة والراجعة وأمثالها من الأحوال والأطوار والأوطار مما يجري عن فوارة القدر بحكم مستقر ، وقضى ما قدر وألزم ما فصل وركب ما فرق وفصل ما أجمل وأظهر ما ذكر ، وربط المعلولات بالعلل والأسباب بالمسببات ، واستنطق عجم الأكوان بفصيح البيان ، وأفاض على المسئول مأموله وبلغ الطالب مطلوبه ، ثم أمضى ما قضى وأذن له بالإظهار مشروح العلل مبين الأسباب ، فأظهر منها آثار التوحيد والعظمة والجلال والجمال والعزة والقدرة والكمال كما قال سبحانه إبانة عن هذا الشرح بقوله الحق { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }1 فأبان عن العلة الفاعلية بقوله عز وجـل { رَبَّنَا } وعن العلة المادية والصورية بقوله تعالى { مَا خَلَقْتَ هَذا } وعن العلة الغائية بقوله { بَاطِلاً } وعن الحركتين الساريتين في الحركات السماوية اللتين بهما تذوت كل متحرك وساكن وتوصلان الخلائق إلى مقاماتها ومراتبها التي خلقت لها وأتت منها وتعود إليها كما قال عز وجل { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ }2 بقوله الحق { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ، فأشار إلى أسباب الوقاية وهي نون الوقاية أوهاءها التي هي عين نونها من الأحكام التشريعية والوقايات التكوينية بالتضمن ، وهذا معنى قولنا مشروح العلل مبين الأسباب إذ كل مقامات العارفين ودرجات الموحدين ومراتب المتكلمين وسائـر العلماء من الروحانيين والجسمانيين كلها مطوية في مضمون الآيـة
_________________
1 آل عمران 190 _ 191 2 الأعراف 29
 


الشريفة ، قال مولانا سيد الشهداء عليه السلام إشارة إلى هذا الشرح والبيان بقوله عليه السلام (( إلهي أمرتني بالرجوع إلى الآثار فأرجعني إليك بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار ، حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك منها مصون السر من النظر إليها ومرفوع الهمة من الاعتماد عليها إنك على كل شيء قدير ))1 فالخلق دليل الخالق والخلائق والمبادئ الواسطة ، والحركات الكونية الصدورية والإصدارية والوجودية والعروضية والتكليفية الشرعية الباطنية والتكليفية الشرعية الكونية الظاهرية وأمثالها من الأحوال وسنذكر في خلال الكلام على حسب المقام بعون الله الملك العلام.
فقوله عليه السلام (( خلق السموات )) يريد به هذه المراتب كلها من لفظ خلق الحاكي لمعناه الحامل له ، فالخلق متعلق المشيئة وهو المصدر وهو الكون الصادر عن كاف كن وهو الذي إذا لاحظت المبدأ فيه يستنطق منه الهاء وهو كهيعص ، والعين والتسوية متعلق الإرادة وهي العزيمة على ما يـشاء ، وعندما يتم الخلق الأول الجامع بين الحل الأول والعقد الأول وهو مقام (أدعوك كما أمرتني) وتحقق المسألة للسائلين الواقفين ببابه الفقراء اللائذين بجنابه من فاضل جوده بيده اليمنى واليسرى وكلتا يديه يمين ، والهندسة والحدود وتقدير البقاء والفناء والأجل والكتاب متعلق القدر وهنا مبدأ الخلق الثاني وهو الحل الثاني مبدأ السعادة والشقاوة وظهور الأحكام الشخصية التفصيلية ، والإلزام والتركيب متعلق القضاء وهو تمام العقد الثاني وهذا الذي لا بداء فيه أي في كون الشيء تاما سويا وإن كان فيه البداء في محوه وتغييره واستمراره ، والإظهار مشروح العلل مبين الأسباب ليظهر جميع الآثار الفعلية الإلهية مفصلة مشروحة متعلق الإمضاء وهو إلاذن ، وإن كان شيء من الأحوال المتقدمة لا يخلو من الإذن إلا أن هذا آخر تمام الشيء وإن كان في أطواره وأوطاره لا يخلـو من الإذن إلى ما لا نهاية له وكذلك الكتاب ، فخلق كف الحكيم وهو إلاشارة إلى المراتب الخمسة المذكورة وهذا الكف له أربعة عشر عقدا وهو يد الله التي ينفق منها كيف يشاء في سبعة
_________________
1 دعاء الحسين عليه السلام في عرفة
 

 

أطوار إجمالها وتفصيلها ، فإذا لاحظت المراتب الخمسة في المراتب الأربعة للكلمة التي انزجر لها العمق الأكبر تستنطق الكاف المستديرة على نفسها فجعلت الكاف في أول حرف تلك الكلمة ، ولما كانت المراتب الخمسة متعلقة بالتعلق لا لنفس الكلمة ومتعلقها هي القبضات العشر والليالي العشر فلوحظت هذه المراتب مع مراتب المتعلقات حين التعلق فاستنطقت عنهما نون فجعلت في آخر تلك الكلمة التي انزجر لها العمق الأكبر فقيل ( كن ) ، فالاثنان إشارة إلى حق وخلق والوأوالمحذوفة إشارة إلى الدواة حتى تصلح وتتمكن من قبول المداد حتى يجري في القلم ، وهذه الواو هيالواو المنكوسة في آخر الخاتم الأعظم ، والقيام بين الواوين يدل على الواقف بين الطتنجين فتمت الكلمة التامة من الإشارة بقوله عليه السلام (( خلق )) فجاءت تلك الكلمة شرحا لبسم الله الرحمن الرحيم كما ذكرنا في كثير من رسائلنا ومباحثاتنا فلا نعيد .
ولما كانت هذه الفقرات تفصيلا وشرحا لما أجمله في الكلمات الأولى آثر لفظ خلق بذكر متعلقه وهو السموات تنبيها لجميع مراتب الفعل بجميع أنحائها وأطوارها ، لأن خلق إشارة إلى الإختراع الأول وهو بعد التعلق بالكون يستلزم الابتداع الأول وكلاهما يستلزمان الإختراع الثاني والابتداع الثاني ، وهذه الإختراعات كلها ما ظهرت إلا في السموات على جهة الإطلاق ، فالإختراع الأول الذي هو المشيئة هو القطب المدبر ( المدير ) لتلك السموات في حال استدارتها لا إلى جهة والابتداع الأول الذي هو الإرادة محول لها إن كانت استدارتها إلى جهة معنوية كانت أم صورية أم شبحية أم جسمية فافهم قال الله تعالى { الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ }1 ، والإختراع الثاني الذي هوإلالف اللينة هو البحر الذي تحصل من ذوبان النقطة التي هي الياقوتة الحمراء لما نظر إليها الله سبحانه بنظر الهيبة والقدرة ، وحمرتها لكونها على طبيعة الفاعل لكونها الحديدة المحماة بنار الشجرة الزيتونة التي ليست شرقية ولا غربية يكاد زيتها
___________________
1 الملك 3
 

 

يضيء ولو لم تمسسه نار ، فصار الزيت والنار من تلك الشجرة الإلهية والدوحة الأحدية الثابتة في الجنة الأحمدية بالسقيات العلوية في الأرض الفاطمية صلوات الله عليهم أجمعين فذاق روح القدس منها الباكورة .
والابتداع الثاني هو ظهور الألف اللينة الظاهرة في الألف المتحركة الظاهرة في الألف المبسوطة الظاهرة في الفلك الكرسي الظاهرة بثمانية وعشرين منزلة فتمت عنده الحروف الكونية في الرتبة الاسمائية ، ولما آن أوان ظهور الحروف الكونية في المراتب المفعولية ظهرت الأفلاك السبعة حاملة للأركان الأربعة على حسب مقامها من الظهور والخفاء لنشر العوائد على المستحقين السائلين ، فالملائكة الأربعة الذين هم جبرئيل وعزرائيل وإسرافيل وميكائيل في بعض السموات يتحملون وفي بعضها يؤدون ويلقون على تفصيل ربما ذكرناه فيما بعد بعون الله وتأييده .
فتمت الحروف الكونية بمراتبها الثمانية والعشرين ، ثم انعكست الحروف قهقرى وسارت معكوسة لإتمام عوالم الجهل الكلي بسمواتها وأرضيها على التفصيل المذكور في الأركان الأربعة التي هي العدم والحرمان والموت الأعظم الأكبر نعوذ بالله والإعراض والإدبار عن الله سبحانه ، هذا آخر إدبار الجهل النقطة الإدبارية الياقوتية الحمراء من نار السموم ونار الغضب فذابت من أول الثرى حتى تم كمال الذوبان والانتشار في الطمطام فظهرت في أربعة عشر منزلة ظلمانية وتقسمت إلى الثمانية والعشرين فتمت الحروف المعكوسة والأسماء السوأى الخبيثة في مقابلة الأسماء الحسنى فكانت مظاهر اليد الشمال كما أن الأسماء الحسنى مظاهر اليد اليمنى ، فتمت جميع مراتب الأفعال على حسب المتعلقات وإلا فالفعل من حيث هو ليس له مراتب ، هذا كلام على سبيل الإجمال .
وأما تفصيل الأسماء من حيث كليتها وجزئيتها على جهة التلويح لأهل الإشارة فأشار إلى الاسم الأكبر الأعظم الذي هو الله لكونه بمنزلة الذات بالإضافة إلى سائر الأسماء على ما تقدم بقوله عليه السلام (( خلق )) فإن المتعلق بالخلق من حيث الكينونة لا من حيث هو خلق ليجمع صفات القدس والإضافة والخلق هو الاسم ( الله ) كما قال عز وجل { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ }1 فجعل متعلق الخلق هو الله لكن كما ذكرنا بدليل قوله عز وجل { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }2 حيث كانت الأحدية تحت الألوهية لأن الألوهية هي الجامعة كما أن الأحدية هي الفارقة فكانت مقاما من مقامات الألوهية ، وإنما قلنا أن الأحدية مقام من مقامات الألوهية لأنها ما ظهرت إلا فيها فتجلى لها بها فافهم ، فاجتمع عند هذا الاسم المبارك كل الأسماء الحسنى .
ثم أراد تفصيل كليات الأسماء والأصول المتشعبة عنها الصفات العليا ليكون تفصيلا بعد تفصيل وشرحا بعد شرح إذ فيه تفصيل كل شيء { وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }3 { وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيـْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ }4 { وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }5 ، فأشار بالتعلق الخاص أي تعلق الخلق بالسموات على الصفة المخصوصة على ما قال عليه السلام (( خلق السموات بلا دعائم )) إلى الاسم الذي رفعت به السموات بلا عمد وسطحت به الأرض على فوق ماء جمد ، وذلك الاسم هو البديع لقوله تعالى { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ }6 .
ولما كانت السموات خلقت ونشأت في ستة أيام كما سنذكر إنشاء الله، وقد تحقق عندنا أن الأيام جزء لماهية الشيء سواء جعلت أوقات أومراتب ودرجات ، ولا شك أن الدرجات إذا تفاوتت بالقرب والبعد كان ألطف الدرجات وأقربها إلى المبدأ أول ما تعلق به الفعل الظاهر في الاسم على نهج المتعلق بفتح الفاء الذي هو المظهر الذي هو المفعول المطلق الإضافي ، ولا شك أن أقرب المقامات وألطف الدرجات في السموات هوعالم العقول ثم عالم النفوس وهكذا إلى عالم الأجسام ، ثم العرش الذي هو أول السموات ثم الكرسي ثم فلك البروج ثم فلك المنازل ثم فلك الشمس ثم فلك زحل والقمر
____________________
1 الزمر 62

2 الإخلاص 1

3 الأنعام 59
4 يس 12

5 يوسف111

6 الأنعام 101
 

 

ثم فلك المشتري وعطارد ثم فلك المريخ والزهرة ، فظهرت الأسماء الكلية خمسة عشر منها وهي البديع والباعث والباطن والآخر والظاهر والحكيم والمحيط والشكور وغني الدهر والمقتدر والرب والعليم والقاهر والنور والمصور والمحصي والمبين ، ثم يذكر عليه السلام باقي المراتب ويشير إلى اسم تلك المرتبة التي هو ربها قال تعالى { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا }1 .
ثم اعلم أن الأسماء وإن كانت هي الأمثال والمقامات والعلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان ، وهي مشتقة من الأفعال المتحققة بها المصادر الحاملة لظهورات الأفعال التي هي عين تلك المشتقات إلا أنها قـد أقيمت مقام الحق جل شأنه في الأداء إذ كان لا تدركه الأبصار ولا تحويه خواطر الأفكار ، فليست فيها إلا وجه الحق وجهته بحيث لا يلتفت الناظر إليها إلا إليه سبحانه إما من حيث هو أومن حيث ظهوره بظهوره لا بذاته في الأسماء الخاصة أو العامة من حيث المتعلق أولا من حيث هو كذلك ، ولذا ترى العوام ما يعرفون من هذه الأسماء إلا الواحد الحق جل وعلا ، ولا يعرفون الذي نذكر وذكرنا من أنها هي الظهور الاسمي والتجلي الخلقي ، ولذا قال الحجة المنتظر عجل الله فرجه وروحي له الفداء (( لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك )) فمن هذه الجهة أن الأسماء المتعلقة قبل التعلق وحين التعلق لها مقامات منها مقام الظهور الصرف وهو مقام لا فرق بينك وبيها وهنا ترد الأسماء كلها إلى الواحد لا من حيث الواحدية بل ولا من حيث الأحدية المقابلة للواحدية , ومجمل القول فيه هو ما أجمله المعصوم عليه السلام بالإجمال الوافي التفصيلي (( لا فرق بينك وبينها )) وهذا يشمل ويوضح كل أحكام هذه المرتبة دقيقها وجليلها صغيرها وكبيرها وكليها وجزئيها ، ويوضح أيضا تعبيري بالأحكام الدقيقة والجليلة بحسب الأطوار ، ويبين أن لا طور هناك وهذا أعظم مقامات الأسماء وهذا هوالاسم الأعظم الأعظم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى ، فالداعي بهذا الاسم هو عين
_________________
1 الأعراف 143
 

 

هذا الاسم وليس هذا بلفظ إذ ليس مرادنا من الأسماء هي الأسماء اللفظية بل الأسماء الحقيقية إذ اللفظ ما عسى أن يبلغ .
ومنها مقام الظهور الاسمي وهذا هو الحضرة الواحدية وينبوع الأسماء والصفات ومنتهى جميع التعلقات ، إليه تنتهي علوم العلماء ورسوم الحكماء وأفهام العقلاء وتكثر الأسماء ، هذا آخر مواقع الإشارة وأقصى معاني العبارة وآخر درجة الكلام ، ومرادي بالعلم والحكمة والفهم والإدراك هو الذي في علم التوحيد في معرفة أحوال المبدأ جل شأنه ، وإلا فالعلوم الحقيقية كلها دون هذه المرتبة .
ومنها مقام التعلق أي التوجه إلى التعلق ، قبله فلا تعدد أيضا في هذا المقام إلا التعدد الرقائقي يكاد أن يظهر في عالم التعلق بالمفعولات الذي هو مقام بعدها عن أصلها .
ومنها مقام التعلق الفعلي الوجودي الكوني ، وهنا مقام ظهور الكثرات وإراءة الآيات وخلق السموات ، فأول ما ظهر من الأسماء في عالم البيان قال الله سبحانه { خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ }1 هو الاسم الله فظهر به أي خلق وأوجد العرش الأعظم الأعلى ، وثاني ما ظهر منها هو اسم الرحمن فاستوى به على العرش فأعطى كل ذي حق حقه وساق إلى كل مخلوق رزقه ، وثالث اسم ظهر هو اسم البديع خلق به قلب السموات ، ثم الباعث خلق به نفس السموات وروحها ، ثم الباطن خلق به طبيعـة السموات ، ثم الآخر خلق به مادة السموات ، ثم الظاهر خلق به صورة السموات وشكلها ومثالها ، ثم الحكيم خلق به جسم السموات ، ثم المحيط خلق به قلب السموات وهذا ظاهر القلب الأول ، ثم الشكور خلق به صدر السموات ، ثم الغني خلق به نور السموات وظهوراتها بالتأثيرات ، ثم المقتدر خلق به القوى التقديرية للسموات تقدر بها فيض الله النازل إليها ثم تؤديها إلى
___________________
1 الرحمن 3 _ 4
 


قوابل السفليات {* إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا }1 ثم الرب خلق به عقل السموات ، ثم العليم خلق به علم السموات ، ثم القاهر خلق به وهم السموات ، ثم النور خلق به وجود السموات ، ثم المصور خلق به خيال السموات ، ثم المحصي خلق به فكر السموات ، ثم المبين خلق به حياة السموات ، ثم باستدارة هذه الأفلاك المعنوية بعضها مع بعض ظهرت الأسماء الأخر كلها ، فهذه الأسماء هي المبادئ والأصول والأسماء الأخر متولدة منها ومتشعبة عنها ، فبكل اسم ظهر سر من أسرار المعبود بظهور كون من أكوان الوجود فلا نهاية لهذه الأكوان إذ لا غاية لهذه الاستدارة ، فلا حد ولا انتهاء لظهور الأسرار من الملك الجبار وهو قـوله تعالى في حديث الأسرار (( كلما رفعت لهم علما )) بظهور ذلك السر بحقيقة كون ذاته وحروف نفسه عند حلول رمسه عند تساوي غده وأمسه (( وضعت لهم حلما )) بـإظهار نور العظمة والجبروت ونسخ إلقاء الشيطان في أمنية الرحمن بقهر الملك والملكوت (( ليس لمحبتي غاية ولا نهاية )) لأنه سبحانه يحب الإفاضة والإمداد على قوابل العباد بسر الاستمداد بلسان الاستعداد ، فمن توكل عليه حسبه وكفاه ومن انقطع إليه قربه وأدناه ، ومن أراد الاستمداد على مقتضى نفسه وهواه فقد أمده بما هو يهواه , ولذا ترى الصوفيين بلغوا صدر الحديث (( رفعت لهم علما )) لكنهم تكبروا واستقلوا
__________________
1 النساء 58



{ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى }1 فادعوا إني أنا الله ، فما وضع الله لهم حلما لأنه سبحانه عند ظن كل امرئ فمن طلبه وجده ، فلما لم يضع لهم حلما انقلب علمهم جهلا فافهم .
فشمل قوله عليه السلام (( خلق السموات )) علل كل الذوات ومبادئ جميع الكائنات والأسماء المنتهية إليها جميع التعلقات ، والأسماء التي هي روابط العباد إلى استمدادهم لاستحقاق الفيض من الله سبحانه ووجههم إليه ، وفي تلقيهم المدد الكوني والمدد الشرعي والمدد الذاتي والمدد الصفتي والمدد النسبي والمدد الإضافي والمدد الجمعي والمدد الفرقي والمدد الإجمالي والمدد التفصيلي والمدد العروضي والمدد الظهوري والمدد التحقيقي والعضدي والركني والمدد الصدوري الفعلي والمدد الافتقاري والمدد الاستغنائي والمدد الفعلي والمدد الانفعالي والمدد الشرطي والمدد اللزومي وسائر جهات الإمداد على نهج الاستمداد بالاستعداد عن الله سبحانه ، فلكل شخص أي فرد من أفراد الوجود اسم خاص به يكون ذلك الشيء ثمرة ذلك الاسم ومفتاحا لذلك الطلسم وبابا لإيجاده ومتمما لانوجاده يدعو الله بذلك الاسم ، وذلك الاسم الخاص بالشخص من حيث هو هو كلي وله وجوه ورؤوس كل رأس ووجه اسم خاص بذلك الشيء من حيث ذلك الشأن وذلك الطور وذلك اللحاظ ، ولطوره طور آخر وعلى ذلك الاسم يخص به وهكذا إلى ما لا نهاية له ، فالذوات من شئونات ذلك الشيء الواحد تستفيد التذوت من ذلك الاسم ، والصفات من صفته ، والتوصيفات وهي النسب والإضافات والقرانات وأنحاء الإلزامات من هيئات ذلك الاسم الشريف ، فالاسم الأعظم هو ذلك الاسم الشريف وما سواه كله رؤوس ووجوه له ، عند المواظبة يظهر له وجه من ذلك الباب الكلي الإلهي ، فمن قرع الباب فتح له على مقدار ما يقرع والمقام الذي هو واقف عليه فالكلي في الكلي والجزئي في الجزئي والعرضي في العرضي والذاتي في الذاتي والكثيف في الكثيف واللطيف في اللطيـف والوضيع في الوضيع والشريف في الشريف ، وهنا مقامات كثيرة
____________________
1 العلق 6 _ 7
 

 

يجمع الكل قوله تعالى { وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ }1 وقال الإمام عليه السلام في الزيارة الجامعة الصغيرة (( يسبح الله بأسمائه جميع خلقه ))2 وهو قوله عز وجل { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }‏3 ، ولو أردنا أن نذكر تفاصيل ما أراد الإمام عليه السلام من بيان الأسماء في قوله عليه السلام (( خلق السموات بلا دعائم )) لأدى إلى تطويل كثير ، وإن كان ذلك أنفع ما يكون لكنه ما يسعني الوقت ولا يساعدني الإقبال والله الموفق ، إلا أن فيما ذكرنا كفاية لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد وعرف نوع الاستنباط .
ثم لما أشار عليه السلام إلى تفاصيل العلل الفاعلية أراد أن يذكر تفاصيل المفاعيل والمعلولات ، وأراد أن يبين أن المفعول به هو عين المفعول المطلق باعتبار فقال عليه السلام (( خلق السموات )) فخلق هو الفعل أي المشيئة والضمير المستتر هو باطنه الظاهر بالأثر الذي هو حكاية وصف عدم استقلاله وافتقاره إلى غيره وفنائه في بقائه بوصفه لأثره ، فالوصف الذي هو إلاثر في رتبة ذاته يصف وصف الفعل له الذي ليس بمستقل ، والفاعل الضمير الذي هو تلك الحكاية ، وذلك المثال ترجمة من الفعل إلى المفعول ، فالضمير يعود إلى مثال نفس الفعل الذي هوجهة عليته كما قال عليه السلام (( خلق المشيئة )) والفعل جسد لذلك ، ومرادي بالفعل هو الظاهر بالمفعول لا الفعل المطلق ، فلما كان ذلك الضمير مثال المستقل في الغير المستقل وحكاية كينونته له تحلى بحليته وتلبس بلباسه فارتفع بالفاعلية لسر قوله تعالى (( يا ابن
_________________
1 الأعراف 80
2 الزيارة الجامعة الصغيرة
3 الإسراء 44



آدم أطعني أجعلك مثلي ))1 والإشارة إلى هذا الضمير من قول أمير المؤمنين عليه السلام (( استخلصه في القدم على سائر الأمم ، أقامه مقامه في سائر عوالمه في الأداء إذ كان لا تدركه الأبصار ولا تحويه خواطر الأفكار ))2.
وأما السموات فاختلفت كلمات أهل النحو في ذلك فمن قائل أنه المفعول به وأورد عليهم بأن المفعول به هو الذي وقع عليه فعل الفاعل وهذا يستلزم أن يكون شيئا يقع عليه فعل الفاعل مع أن السموات ما كانت شيئا حتى يتصور الوقوع عليه .
ومن قائل بأنها المفعول المطلق لكنه بدل أي بدل البعض عن الكل ، فتقدير الكلام خلق خلقا منه السموات ، فحذف المفعول المطلق وأقيم بدله مقامه وأعرب بإعرابه ، وأورد عليهم أولا بأن بدل البعض عن الكل إنما يتحقق إذا كان البدل والمبدل منه في صقع واحد ورتبة واحدة ولا شك أن الخلق مصدر حدث اسم معنى ، والسموات ذات اسم عين فلا يكون أحدهما بعضا للآخر .
وثانيا : إن خلق لا شك أنه الفعل المتعدي والفرق بينه وبين اللازم هو نصب المفعول به خاصة لا سائر المفاعيل كالمفعول المطلق والمفعول له وأمثالهما ، فعلى هذا التقدير يلزم أن لا يكون لخلق الذي هو الفعل المتعدي مفعولا به فبطل الفارق أوبطل كونه مفعولا مطلقا ، والأول مستحيل لإجماعهم عليه فثبت الثاني .
أقول : أما قولهم بأنه يجب أن يكون شيء يقع عليه فعل الفاعـل متقدما على الفعل باطل .
___________________
1 في إرشاد القلوب قال تعالى (( يا ابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون )) .
2 الإقبال 461
 

 

أما أولا : فلأن في مثال ضرب زيد عمرواً لا شك أن عمرواً من حيث الحقيقة والماهية والذات ليس مفعولا ، ووصفك عند قولك رأيت عمرواً المفعول ليس وصفا ذاتيا له وإلا لما تخلف لأن الوصف الذاتي دائم بدوام موصوفه الذي هو الذات ومقتضى ذلك أن لا يوصف بضده ما دام وجود الذات لامتناع توارد الضدين والنقيضين على شيء واحد من حيث هو ، والواقع بخلافه فإن عمرواً يوصف بالفاعلية وزيدا يوصف بالمفعولية وأنك إذا أردت أن تتصور عمروا أوزيدا تصورهما لذاتهما من غير عروض فاعلية ولا مفعولية بخلاف الإنسان فإنك ما تقدر أن تدركه إلا بالأمرين الحيوان والناطق لمكان ذاتيتهما لأن الأعراض تحترق عند ظهور الذات فما بقي مع الذات وما احترقت عند تجليها فاعلم أن ذلك من سنخها إما عينها أوجزؤها وهذا ظاهر معلوم إنشاء الله ، فإذا بطل كون المفعولية صفة ذاتية لعمرو فليس المفعول هو حقيقة عمرو ، فإذا كان كذلك فتسميتك بأنه مفعول لا تكون إلا عند ذلك الفعل كالمضروب عند الضرب والمكتوب عند الكتابة وهكذا ، فهذه الصفة التي حصلت حين الفعل لا يجوز أن يكون موصوفها الذات فلو كان موصوفها الذات وهذه الصفة إنما لحقت الذات وجب أن لا يوصف بضدها إلا أن تعدم، مع أنها توصف بضدها ولم تعدم تقول عمرو فاعل ومفعول وهذا بديهي لمن فتح الله عين بصيرته .
فإن كان كذلك فمن المفعول ؟
إن قلت هو الذات لم يصح لما ذكرنا .
وإن قلت هو ظهور الذات إذ لا ثالث .
قلت : هل هو الظهور المطلق ؟ أم الظهور المخصوص ؟
فإن قلت بالأول لم يصح بعين ما ذكرنا إذ الظهور قد يختص بغيره .
وإن قلت بالثاني ، قلت : ما المراد بالظهور المخصوص ؟ أليس قبول ذلك الضرب إذ ليس أمرا آخر ؟ فإن قلت : بلى ، قلت : من قابل هذا القبول ، إن قلت هو الذات عدنا إلى الكلام من صحة السلب في حقيقة الذات ، وإن قلت بظهور الذات بالقبول ، قلت : هل كان لهذا الظهور قبل الضرب ذكر وكون في مرتبة من المراتب وعين من الأعيان أم لا ؟ ، إن قلت بالأول فقد أتيت بما تشهد الضرورة على بطلانه ، وإن قلت بالثاني فقد أقررت أن المفعول ما تحقق إلا حين وجود الفعل ، فإذن بطل قولهم أن المفعول يجب أن يكون مقدما على الفعل ، كيف ذلك وإن الفعل مأخوذ في حقيقة المفعول مع أن المعروف أن المبدأ مقدم على المشتق لا العكس ولا شك أن المفعول مشتق من الفعل ولا يتحقق إلا بعد تحقق الفعل ذاتا ومعه زمانا ، وإن الفعل عامل في المفعول والعامل لا يتأخر عن معموله .
لا يقال إن هذه أمور لفظية لا تجري على الحقيقة .
لأنا نقول الألفاظ قوالب المعاني وحكم الألفاظ على مقتضى حكم المعاني وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام (( إن المعنى في اللفظ كالروح في الجسد )) ولو أن لك بصر حديد وتأملت في كيفية صدور الأفعال لرأيت عيانا أن المفعول غير الذات وأن المضروب غير المنصور وهو غير المرجو وهو غير المطلوب وهو غير المردود وهو غير الموعود وإن كان الجميع ظهورات لشيء واحد ، إلا أن كل ظهور في مقام لا يشتبه مع الآخر ، وكل ذلك أمثال الشخص وأشباهه ومعاني جهاته ومُثُل حيثياته وصور أعماله وكلها منفصلة عنه كل في مكانه وزمانه وحدوده ، ألا ترى أنك إذا رأيت زيدا مضروبا في عصر يوم الجمعة في المكان الفلاني فكلما تلتفت إلى مضروبية زيد ما تراها إلا في ذلك المقام وذلك الوقت على ذلك الشبح بل هو عين الشبح ، فذلك الشبح هو المفعول في مقام المفعول وهو الفاعل في مقام الفاعل ، فإنك ما يمكنك أن ترى مضروبية زيد مثلا إلا بذلك الشبح في ذلك المكان وما يمكن أن تراها في غيرهما ، فدل على أن المفعول ليس إلا ذلك الشبح وهو ظهور من ظهورات زيد قائم به قيام صدور وبظهوره قيام تحقق وبذلك المكان والزمان والهواء والأرض قيام عروض وقيام ظهور ، إلا أن الذات لما كانت غيبت الصفات لا يلتفت الناظر إلى الصفات والمثال فيزعمون أن تلك الأوصاف للذات والذات متعالية عن كل هذه الصفات .
فعلى هذا فالمفعول به مساوق للفعل في الوجود والظهور ، فالفعل الظاهر بالمصدر هو المفعول المطلق وملاحظة للمصدر مع حدوده ومشخصاته من زمانه ومكانه وكمه وكيفه وجهته ورتبته ووضعه وإضافته وقرانه ووصله مع غيره وفصله وجمعه وفرقه وسائر حدوده ، فالشخص جزء العلة الصورية وركن القابلية لا بذاته بل بظهوره وذلك الظهور أيضا ما تحقق إلا بصدور الفعل وقد أقمنا براهين على أن القابلية متأخرة عن وجود المقبول ومتفرعة عليه ، فإن جردت المصدر عن الحدود والقيود فهو المفعول المطلق ، وإن لاحظته مع الحدود والمشخصات فهو المفعول به ، مع أن المعروف عندهم أن المشتقات مأخوذة من المصادر لا من الأفعال فتكون مادة اسم الفاعل واسم المفعول واحدة ولا شك أن الشيء لا يتقوم إلا بالمادة والصورة ، ولا شك أن الأصل والحقيقة هي المادة والصورة عرض وحد تابع ، والمضروب ليس إلا الضرب مع الخصوصية والصورة الخاصة فكيف يعقل أن يكون متقدما على مادته وأصله ، وهل هذا إلا القول بأن الشيء موجود قبل وجود نفسه ويتقدم الشيء على نفسه وهو باطل قطعا ، فإذاً لا يكون المفعول به مقدما على الفعل إنما هو مساوق له .
إن قلت : إن الاشتقاق بحسب الألفاظ وكون المصدر مادة لاسمي الفاعل والمفعول بحسب اللفظ لا يدل على أنه كذلك بحسب المعنى .
قلت : قد قررنا في مباحثاتنا ورسائلنا أن الألفاظ والمعاني بينهما مناسبة ذاتية فلا يتصرف في المعنى إلا ما كان في اللفظ وكذا العكس ، ولو قلنا بعدم المناسبة كما هو المشهور عندهم نقول قد بينا فيما كتبنا في الأصول أن الألفاظ لا حكم لها ولا شيء يترتب عليها أبدا لأنها مقصود بالعرض وما كان كذلك فهو يتبع المقصود بالذات ، فحكم الألفاظ من التقديم والتأخير والزيادة والنقصان والإعراب والبناء والعمل وعدمه والاستقلال وعدمه كلها تابعة للمعاني وإلا فلا تفاوت بين هذه الحروف ولا اختصاص ببعضها دون بعض في التأثير والعمل عن غيره وليس ذلك إلا من جهة المعاني والتأثيرات المعنوية وليس هذا المقام موضع استقصاء هذا المرام .
وبالجملة فلا ينبغي التشكيك في أن المفعول بـه ليس مقدما على الفعل ، بل لولم ندع تقدم الفعل كما هو الواقع فلا أقل من المساوقة ، فبطل الإيراد الوارد على الأولين حيث حملوا السموات في الإعراب على أنه مفعول به .
وأما إيرادهم على الآخرين باستحالة بـدل البعض لعدم السنخية فغلط ، لأن السموات أعظم في الحدثية وعدم الاستقلال من الخلق الذي يزعمون أنه المصدر الحدث ولا شك أن السموات مخلوق والخلق مادة لها والمادة أشد وأعظم في التأصل من الصورة ، فالخلق مادة واحدة منها سماء ومنها أرض ومنها بحر ومنها بر وهكذا ، بل هذا كمال السنخية بل العينية في السموات والأرض في كل عالم بحسبه ، فكيف يتصور القول بأن السموات ذات والخلق حدث ومعنى ، بل الأمر بالعكس فإن الخلق ذات وإن كان حدثا ولا يمتنع أن يكون الشيء الواحد ذاتا باعتبار وعرضا باعتبار آخر وحدثا باعتبار آخر ولا تنافي بين هذه الأشياء في الوجود بوجه .
وأما إيرادهم الآخر بأن المتعدي ما يتعدى إلى المفعول به فساقط لأن المفعول به حأصل في هذا المقام إلا أن لك لحاظان لحاظ نفس الحدث وهو الخلق ، ولحاظ ربط الحدث ، ففي الصورة الأولى يكون الفعل مفعولا مطلقا ، وفي الصورة الثانية يكون مفعولا به وهو شيء واحد فيصح أن يكون بدلا ، فهناك متمحض في الأثرية وهو أعلى مقاماته ، ويصح أن يكون مفعولا به لملاحظة الرابطة .
فإن قلت : لو جعلت مطلق الرابطة دليل المفعول به فلا يتحقق إذاً المفعول المطلق النوعي والعددي لصحة الارتباط .
قلت : المراد بالارتباط هو أن يصير المرتبطان بالارتباط شيئا واحدا تغفل عن أحدهما حين تلاحظهما ، كالمركبات مثل ضرب زيد عمروا فإن عمروا يلحظ من حيث وقوع الضرب عليه لا من حيث الضرب ، بل ليس في عمرو الذي هو ظهور الذات ذكر من الضرب إلا بالتحليل العقلي والدليل الوجداني ، ولا كذلك في المفعول المطلق النوعي والعددي ، فإن النوع والعدد صفتان تعرض الحقيقة ، والصفة لا تعارض الموصوف ، فالملحوظ بالذات فيهما هو المصدر والحدث لا المجموع المركب بخلاف المفعول به إذ الملحوظ فيه ذلك فافهم .
ثم اعلم أن الفعل لا يظهر بل لا يوجد إلا بالمفعول , فإذن فما معنى قولهم أن الفعل اللازم لا يتعدى إلى المفعول .
والجواب : إن الفعل لا يتقوم في الظهور إلا بالأثر وهو المصدر ، فمن جهة تلازم المصدر مع الفعل وعدم انفكاكه عنه قالوا أن الفعل مشتق من المصدر فجرى فيهم ما قال مولانا الصادق عليه السلام (( بدت قدرتك يا إلهي ولم تبد هيئة فشبهوك ، جعلوا بعض آياتك أربابا يا إلهي فمن ثم لم يعرفوك ياإلهي ))1 فالمصدر أثر للفعل ومحل لظهوره وأول صادر عنه ومتقوم به قيام صدور لوقوعه تأكيدا للفعل والمؤكَّد فرع للمؤكِّد ، ووقوعه معمولا للفعل وعمله بشرائطه لمناسبته للفعل ولا يجوز في الحكمة أن يكون المتبوع بالذات تابع في الصفات إلا أن تختلف الاقتضاءات وهو عند الله مستحيل ، فصح أن المصدر أول ظاهر من الفعل فهو في الحقيقة مفعول ولكن له ثلاث جهات ونظرات .
جهة ونظر إلى المبدأ والعلة والذات وهذا النظر لا يكون إلا بنظر العلة له به فذلك هو الفاعل في الفعل والقائم في القيام والضارب في الضرب وأمثال ذلك وهو بهذا النظر مرفوع لما ذكرنا فلا نعيد ، ولذا يقولون أن العامل في الفاعل هو الفعل يعمل فيه الرفع ، ولا شك أن العامل أقوى من المعمول فيه ، وكذا يقولون أن الاسم الفاعل والاسم المفعول مشتقان من الفعل كالضارب من ضرب بغير واسطة أوبواسطة يضرب ، ومآل الحكمين واحد ، ولا شك أن المشتق منه أقوى من المشتق وأقدم ، لكن المفعول لما نظر إلى جهة الحق سبحانـه ومحا الموهوم وهتك الستر وغلب عليه السر تمحض في الأثـريـة
_________________
1 مصباح المتهجد 115

 


فتمحض في المظهرية إلى أن صار ظهور الظاهر عين الوصف الحاكي للمبدأ بالوصف الحاكي , فاندكت إنية المفعولية وما بقى إلا النظر الواحد إلى الواحد فحكى مثال الذات وظهرت فيه الفاعلية ، ولذا ترى الفاعل مستتر في الفعل ، والفعل هو الفعل الظاهر في المفعول إما بنفسه في نفسه أو بظهوره في غيره ، فكان ذلك النظر الذي هو المثال فاعلا فارتفع في الصفة والإعراب طبقا للظاهر على الباطن ، ولذا ترى زيدا الواحد يرتفع في ( قام زيد ) بالفاعلية ، وهو ينتصب في ( رأيت زيدا ) بالمفعولية ، ويجر في ( غلام زيد ) بالإضافة ، فظهرت المقامات لمن فهم الإشارات ، والرفع هو أعلى الصفات وأشرف الإعراب وهو صفة القيومية مقام الحديدة المحماة بالنار ، فظهر لك أن فاعل فعل اللازم هو الجهة الأعلى من مفعوله ، ولما قصر نظره إلى تلك الجهة بقي واقفا في مقامه شاهدا جمال مبدئه وجلاله فلا يرتبط بالغير إلا بالقسر لا الواقعي بل المتعارف ، والدليل على مفعوليته معموليته كما ذكرنا ، وأما عمل الفعل اللازم في المفعول المطلق والحال والتمييز والمفعول له والمفعول معه وغيرها فمن جهة بقاء ذلك الارتباط بخلاف المفعول به كما ذكرنا حرفا بحرف في المفعول المطلق النوعي والعددي .
والنظر الثاني نظره إلى نفس المصدر ومن حيث أنه صادر فهناك أمور ثلاثة صادر وصدور ومصدر ، وهذا وإن كان متمحضا في الأثرية لكنه ليس متمحضا في المظهرية حيث ذكر عنده المبدأ ووجده حيث شعر به فلم يبلغ مقام ( هو نحن ونحن هو ) بل في مقام ( هو هو ونحن نحن ) فصار مفعولا مطلقا لعدم انفكاكه عن فاعله وعدم تحقق مقام له لا يكون مبدؤه ظاهرا فيه وكونه مقام (( أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ))1 فنزل في الإعراب كما في المقام فكان إعرابه نصبا لأنه في المقام تحت مقام الرفع وفوق مقام الجر .
والنظر الثالث نظره إلى نفسه الصادرة من حيث حدوده المشخصة كالزمان والمكان والجهة والرتبة والوضع والإضافة والكم والكيف وأمثالها فهناك أمور أربعة ، الصادر والمصدر والصدور والقابلية فتآلف الحدث وقامت زوايا المربع وتمت بالتأليف فخفي المبدأ من هذا التأليف ، فليس متمحضا في الأثرية المقصودة بالأصالة بل فيه ذكر للغير وإن كان بالتبعية وهو قوله عز وجل (( روحك من روحي وطبيعتك من خلاف كينونتي ))2 وقال أيضا خطابا له عليه السلام (( بروحي نطقت وبضعف طبعك تكلفت ما لا علم لك به ))3 ولكن لما كان ذلك الغير ليس مقصودا بالأصالة وإنما هو مقصود بالتبع ما ارتفع ذكر المبدأ بالكلية بل بقي لكنه أقل من المفعول المطلق ، ولذا ترى ما ارتفع المفعول به وإنما انتصب مع أن مقامه أن لا يكون ذلك إذ الجر علامة الشر ودليل خفاء الظهور وفي المفعول به علامة المبدأ وظهوره ، وإن كان قليلا مقام المستدلين على المؤثر بالأثر والواقفين مقام الدليل الإني فلم يناسب الخفض والجر والكسر فناسب النصب والفتح وإن كان أقل مقاما من المفعول المطلق ، لأن المفعول المطلق المتعين بالتعين الارتباطي ، فالمفعول المطلق والمفعول به واحد والفرق ملاحظة الارتباط وعدمه فافهم إن كنت تفهم وإلا فاسلم تسلم فإني أظهرت ما جهله الأكثرون وكتمه العالمون وأشار إليه العارفون ولوحوا إليه في ظواهر أقوالهم الحكماء الإلهيون .

فإن كنت ذا فهم تشاهد ما قلنا وإن لم يكن فهم فتأخــذه عنا

فما ثم إلا ما ذكرنا فـاعتمـد عليه وكن في الحال كما كـنـا


وأهل الإشارة يفهمون من قوله عليه السلام (( بلا دعائم )) تحقيق حقيقة القول في المفعول بـه ، وردوا القول أن المفعول بـه لا يتـقدم على
____________________
1 دعاء عرفة لمولانا الحسين عليه السلام
2 , 3 علل الشرائع 10

 


الفعل ، وسبب اشتباه القائلين بالتقدم لأن الخلق هو إحداث المادة وهي لا تحدث إلا لا من شيء إذ لو فرضته من شيء لم يكن مادة صرفة أولية وإنما هو الهيولى الثانية المركبة مع المادة الأولى والصورة الأولى فما تمحضت في المادية ، فالمادة من حيث هي غير مشوبة بصورة من حيث هي فيكون هذا الخلق الثاني الناشئ الصادر من خلق مادة كما هو المفروض فيكون مادة للسموات ، وليست السموات إلا الخلق الذي هو النور والمادة وأمر الله مع حدود العلو والطبقات والهيئات والحركات والاستدارات فإذا زالت عنها هذه الحدود لم تبق إلا المادة الواحدة وإن شئت سميتها ماء أوهواء أودخانا أوغير ذلك ، فقبل هذا التحديد كان رتقا لم تكن سموات ولا أرضون فبعد الفتق بالتحديد قيل سماء وأرض ، ولا شك أن الحدود إنما هي متأخرة عن المادة والهيئة وعرض لها ، والمفعول به الذي هو السموات مجموع المادة والصورة ، فتكون السموات المفعول بها متأخرة عن الفعل ولا أقل مساوقة له لا قبله ، والقول بأن هذا هو المفعول المطلق لهذه الشبهة التي دخلت ، وإن كان صحيحا لا لهذه الشبهة إلا أنه كلام قشري ليس بحقيقي لأن بدل البعض لا يخالف كله ولا شك أن جهة السموات من حيث هي غير جهة الخلق من حيث هو ، إذ الأولى جهة البساطة والثانية جهة التركيب وحكم مجموعي ، فلا يكون الثاني من حيث هو جزء وبعضا للأول من حيث هو وإن كان جزء منه من حيث البساطة والجزء لا يكون إلا عند ملاحظة الحصص في تلك الحقيقة الإلهية الجامعة وتلك الملاحظة لا تكون إلا عند ذكر الحصص وأما في ذاتها فلا .
ثم لما أشارعليه السلام إلى هذه الدقيقة اللطيفة وأراد أن يذكر وينبه سبب اشتباه الذين حكموا بتقديم المفعول به لأنهم سلام الله عليهم يعرفون من نجى بما نجى ومن هلك بما هلك فأشارعليه السلام إلى أنهم نظروا إلى المحل وموقع الظهور ودعامة البروز فتوهموا أن تلك الدعامة والمحل هو المفعول به وما عرفوا أنها سبب لظهوره ، وهو في ذاتها ما يحتاج عند تحققها إلى هذه المحال والمواقع والدعائم كالصورة في المرآة إذ لولا المرآة التي هي الزجاجة لم تظهر الصورة فهي صارت سبب ظهور المرآة الأصلية التي هي الصورة ولا تحكي المقابل إلا وهي لا تتقدم على المقابل بل هي متأخرة عنه ومساوقة لظهوره الخاص بها الذي هو عينها ، وأما الزجاجة فإنها قبل الظهور للإظهار ووجودها كعدمها عند العارفين ، وكذا الأرض لإظهار أشعة الشمس ، وكذا ذات زيد لإظهار المفعولية أوالفاعلية فإنها كالأرض والمرآة ، أي الزجاجة دعامة لظهور ذلك النور أي الشمسي والشخصي والشبحي ، والفاعلية والمفعولية أشباح متقومة بظهورات تلك الذات في مراتب أماكن تلك الأشباح والظهورات وما تحققت إلا بالفعل لا قبله ولا بعده ، فالمحال الجسمية دعائم للظهور ، وهم لما اقتصروا نظرهم على الظواهر وما التفتوا إلى حل الشيء وعقده وبث كل شئوناته ليختص كل شيء بما يناسبه فجعلوا المحل أصلا والفرع ذاتا أوالذات فرعا والأصل محلا ، وقولي بالمحل لا أريد محل كون الشيء الذي هو جزء لماهيته بل أريد محل الظهور ولا بحيث اتحد الظاهر والمظهر والظهور وإنما أريد مثل الزجاجة بالنسبة إلى المرآة والأرض إلى الأشعة فافهم وأبطل هذا التوهم ، تبقى هذه الدعامة في أول المفعولات التي ما كانت له ذاتا إلا نفس كونه مفعولا به الذي استنطقه فقال له أدبر فأدبر فجرى كل الأفعال في كل الأحوال على ذلك المثال .
ثم استدل عليه السلام على هذا المطلب من تساوق المفعول به مع الفعل واتحاده مع المفعول المطلق بقوله عز وجل كن فيكون الملوح إليه والمستفاد من قوله عليه السلام (( خلق السموات بلا دعائم )) فإن الخلق كما ذكرنا هو متعلق المشيئة الذكر الأول ، والارتباط بالسموات هوإلارادة وهي العزيمة على ما يشاء وهما تمام الكلمة التي هي كن وهي كلمة خطاب وكلمة أمر ، ويكون إخبار وإعلام بالامتثال وبالوقوع على المخاطب ومن المأمور بالتكون حتى صار فاعلا ، ويرجع ضمير الفاعل في فيكون إليه .
إن قلت : هو ذات الله سبحانه وتعالى ليكون هو الآمر وهو الفاعل وهو القابل وهو المخاطِب بالكسر والمخاطَب بالفتح كما قالوا ، والفاعل بعينه هو القابل والفعل والقبول له يدان ، وهو الفاعل بإحدى يديه والقابل بالأخرى والذات واحدة والكثرة نقوش ، فيصح أنه ما أوجد شيئا إلا نفسه فليس إلا ظهوره ، فهذا لا شك أنه ليس قول المسلمين .
وإن قلت أن المخاطب المأمور هو الخلق المتحقق الموجود فلا شك في بطلانه وقبح هذا الخطاب لاستلزامه تحصيل الحأصل .
وإن قلت أن المخاطب أعيان ثابتة في الأزل معدومة العين صالحة لامتثال أمر كن ، كما قالوا أن الأعيان الثابتة مستجنة في غيب الذات ومندرجة فيها اندراج اللوازم في الملزومات ، وقالوا أيضا أنها مستجنة فيها استجنان الشجرة في النواة ، فهذا أيضا كفر بالله العلي العظيم لما فيه من تعدد القدماء ووقوع التركيب في ذات الله سبحانه ولزوم التغيير والإبادة والفناء تعالى ربنا وتقدس ، حتى قال بعضهم أن هذه الأعيان شئون وذاتيات للحق ، وذاتيات الحق لا تقبل الجعل والتغيير والتبديل والزيادة والنقصان ، وهذا القول في البطلان بمكان .
فإن قلت أن هذه الكلمة تعبير عن الإيجاب وليست بخطاب ولا أمر فإن ذلك كله في مقام كثرة الألفاظ .
قلت : إذن عبر الحق سبحانه عن خلاف الواقع وخلاف الحقيقة ، أم كان عاجزا عن التعبير بما هو في الواقع ، تعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا .
إن قلت أن ذلك من أقسام المجازات وهي في القرآن شائعة وفي كلمات أمناء الرحمن عليهم السلام ذائعة .
قلت : لو سلمنا ذلك نقول أن المجاز خلاف الأصل لا يصار إليه إلا بدليل قطعي فحيث انتفى الدليل امتنع المصير لانسداد الطريق .
إن قلت : إن الدليل موجود من النقل والعقل ، أما الأول فلقول مولانا الرضا عليه السلام (( فإرادته إحداثه لا غير ، لأنه لا يروي ولا يهم ولا يفكر وهذه صفات منفية عنه وهي من صفات الخلق ، فإرادة الله هي الفعل لا غير ذلك يقول له كن فيكون من بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همة ولا تفكر ولا كيف لذلك كما أنه بلا كيف ))1 ولقول أهل اللغة أن الخطاب توجيه الكلام إلى نحو الغير ، والأمر تعلق الخطاب إلى المأمور به وهما يستلزمان وجود الغير والمأمور به حين الخطاب .
وأما العقل ومن المعروف بالوجدان والعيان أن الخطاب والأمر لا يكونان إلا بشخص آخر إذ الوحدة تستلزم تحصيل الحأصل ، وفي الخلق الأول لم يتصور ذلك فوجب حمل الآية على المجاز كناية عن القهر والسلطنة والجبارية والقهارية .
قلت : أما قول مولانا الرضا عليه السلام فالمستفاد منه أن المعبر عنه ليس بلفظ وهذا لا شك فيه ، ولا يستفاد منه أن هذا التعبير على خلاف الواقع والحقيقة ، ولا تلازم بين الخطاب والأمر واللفظ حتى يثبت به المطلوب بل هو مطلوبنا لقوله عليه السلام (( ولا كيف لذلك )) فلو كان هو محض الإيجاد من غير أمر وخطاب وتكليف له كيف يعرفه كل أحد بمثل ما يعرفون من معنى الإيجاد ، وإنما هو خطاب وأمر اختياري بالنسبة إلى المخاطب لكنه لا كيف له ليعرفه أهل التكييف والتحديد .
وأما قول أهل اللغة فمسلم لكنه ليس فيه اشتراط تقديم المأمور على الأمر والمخاطب على الخطاب ، وما فهم بعضهم ذلك من كلامهم ليس بحجة .
وأما العقل فليس بحاصل لأن الوحدة الحقيقية ممتنعة ، وقد تكون وحدة لا تنافي الكثرة وكثرة لا تنافي الوحدة وتحقق هناك الاختيار ولا امتناع لهذا الاحتمال ممكن وإن لم تدركه الأفهام ولم تنله أيدي العوام ، فإذا أخبر به الملك الحكيم العلام وجب القبول والإعراض عن التأويل بسخيف الكلام .
________________
1 عيون أخبار الرضا عليه السلام 1/119



فاستشهاد الإمام عليه السلام بالآية الشريفة ملوحا استشهاد تام لا يعتريه شك ولا شبهة ، لأن المخاطِب بالكسر هو فعل الله سبحانه ومشيئته واختراعه ، وهو لسان الله المعبر عن كل ظهوراته بكل أطواره وشئونه من أيام الشأن ، والخطاب هو دلالة تلك الكلمة التامة الواقعة على أرض قلب المخاطب ، وهو الغدق المغدق النازل من سحاب الكرم والجود من بحر الصاد من الماء الذي توضأ منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المعراج لصلاة الظهر ، وهذا البحر تحت العرش وهو الفعل ، وهذا العرش هو الخطاب الصادر والمخاطَب بالفتح هو نفس هذا الخطاب مع الحدود والمشخصات كما أن اللفظ كذلك فجرى التطابق بين اللفظ والمعنى هنا المجموع وهو فاعل يكون في قوله تعالى { كُنْ فَيَكُونُ }1 ، فالمفعول به هو فاعل فعل الفاعل فإن التكون عبارة عن فعل الفاعل لكنه ما تحقق وما وجد إلا بالمفعول وهذا المفعول هو ذلك الفعل الظاهر الذي هو الحدث وهو المصدر ، فحقيقة أول الموجود في الحقيقة الأولية هو المفعول المطلق وهو خطابا وأمرا وكونا في قولك خاطبت خطابا وأمرت أمرا وكونت تكوينا وغير ذلك ، وفي الحقيقة الثانية هو المفعول به الذي وقع عليه فعل الفاعل فكانت له جهتان وثبتت له حقيقتان في البدوإلاصلي والظهور الخلقي والنور القدسي الإلهي فما احتاج الخطاب إلى مخاطب مقدم في الوجود ، وكذا الفعل إلى مفعول به كذلك ، نعم في الظهور والبروز الشهودي الحسي في كل عالم يحتاج ، فالمخاطب هو قابلية الخطاب والخطاب هو مادة المخاطب وهو صورة له فإذا اقترنتا ظهر الخطاب على مقتضى الاختيار في الكينونة وإلا فيبقى الخطاب متعلقا بمركزه مشغولا بحمد ربه إلى أن يحصل له متعلق فيظهر في ذلك بعين ما ظهر في غيره ، فالخطاب واحد والمخاطب لا يتناهى من أول الوجود إلى آخره ومن ظاهره إلى باطنه ، فالخطاب الشفاهي أمر مستقر وصوت مستمر ، فقول الله سبحانه ( كن ) حقيقة باقية كان في الخلق الأول التكويني هذه صورتها وفي الخلق الثاني صورة التعبير عنها ( أدبر ) إلى نهاياته ،
____________________
1 يس 82
 

 

وفي الخلق الثالث كانت الصورة ( أقبل ) ، وفي الخلق التشريعي صورة التعبير صل وزك وحج وكل من سمع الخطاب نادى ملبيا ومن لم يسمع بقي على وجهه مكبوبا ملويا ، فهو نداء واحد والسامعون متفاوتون في الاستماع لحدة سامعتهم وعدمها فافهم وسنزيد القول إنشاء الله .
وإنما ابتدأ عليه السلام بذكر السموات دون غيرها من المخلوقات لأنها هي المبادئ العالية ، ولتطابق الوصف التدويني واللفظي مع الوصف التكويني والهيئة الوجودية فإن الطفرة في الوجود باطلة ، فأول الموجودات هو جمال الله وجلاله ، والجمال له جمال ولجمال جماله جمال كالجلال وهكذا إلى ما لانهاية له ، فقدم المبادئ على قول مطلق على غيرها والفواعل على القوابل ، وإنما خصص السموات بالذكر دون سائر المبادئ لبيان قسمي المبدأ وشقيه فإن المبدأ على قسمين ، مبدأ هو علة فاعلية ، ومبدأ هو ترجمان وباب وواسطة الفيض ، فالسموات إنما هي الثاني ومحل لظهور الأول فكانت وصفا جامعا مع اشتمالها لتفاصيل أحكام المبادئ والعلل كلها من ظهور مراتبها في مقام الإجمال والتفصيل وشرح قوله عز وجل { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ }1‏  وقوله عز وجل { وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ }‏2 وبيان الكمال المطلق الملوح إليه في قـوله عز وجل { وَلَقَدْ آتَيْنَـاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }3 وظهور الأركان الأربعة مع تفاصيل نسبها الحاصلة من ملاحظة بعضها مع بعض ، وذكر الاسم الأعظم الأعظم الذي ليس بالحروف مصوت ولا باللفظ منطق ولا بالشخص مجسد وأجزائه الأربعة وأركانه الاثني عشر وأسمائه الثلاثين وصفاته الثلاثمائة والستين ، وكيفية ترتب العلل في الإمداد والإفاضة ، وكيفية الحركات الذاتية والاستدارة العرضية ، وكيفية استمداد السافل عن العالي ، وكيفية حجب السافل عن مشاهدة العالي مع تقومه به ، وعلة قطع التفات العالي عن السافل ، وكيفية ظهور التجلي وحركة المـتجلي وحدوث الـفاعل وفاعلية القابل وقـدس الألوهية وخزائن الرحمة
_________________
1 المائدة 64

2 الزمر 67
3 الحجر 87
 

 

ومفاتح الغيب والسر اللاريب ، وعلل الـترقي وأحواله وسبب التنزل وأطواره ، وسر المحبة السارية والمودة المستجنة في الذرات غير المتناهية ، ودوران الوجود بالميل ، وتمام الستة وأحوالها ، وأقاليم الظهور ، وكشف حجاب النور , وظهور مقام الطور ، بأبي هو وأمي قد أشار لأهل الإشارة في هذا المقام بهذا الكلام إلى أسرار وعجائب وغرائب يقصر عنها النظر ويضل دونها الفكر ، ولو أردنا أن نشرح جزء من مائة ألف جزء من رأس الشعير من ذلك يطوى الزمان ولم يظهر شيء منه ، لا إله إلا الله العلي العظيم ‏{ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }1 عجبا لقوم يقولون أن هذه الخطبة من وضع الغلاة أنى لهم ذلك ، ونحن نشير بعون الله إلى بعض ما ذكرنا مجملا وتلويحا إذ البيان يقصر عنه اللسان مع ما في طبائع بعض أشباه الإنسان من المعاندة والطغيان .
فنقول اعلم أن النقطة الإلهية السرمدية لما ظهرت استدارت على نفسها فساوت كل أجزائها وأطوارها وشئوناتها وأوليتها وآخريتها وظاهريتها وباطنيتها فنطقت بالواحدية لله الواحد القهار فكان بسم الله الرحمن الرحيم في أول كتاب الله العليم الحكيم في الكتاب الأولي التكويني الوجودي ، فدارت ثلاث دورات حال النظر إلى ربه وإلى نفسه وإلى غيره ، ولذا استنطقت عنه الكاف من الحروف المكتوبة، فلما نظرت الثلاثة إلى نفسها الجامعة تمت التسعة وكملت الرتبة ، لأن الشيء في تحققه له ثلاث حالات الأولى حالة الإجمال والثانية حالة التفصيل والثالثة مقام الظهور مشروح العلل مبين الأسباب ، ولكل حالة ثلاث حالات الأولى حال مبدأ التلقي من عالم اللانهاية ، الثانية تمام مقام التلقي في النهاية الإجمالية في العقد الأول بعد الحل الأول ، والثالثة حال ميله ونزوله إلى عالم الغير إما لتحقق بينونة الصفة أو لارتباط الجهة ، فلما دارت تلك الثلاثة على هذه الثلاثة تمت التسعة وهذا الحكم جار في أول مقام المحبة في نفسها لنفسها إلى آخر مقام التفصيل وهي السموات الظاهرة الشهودية إذ في مقامات المحبة ثلاث مراتب .
____________________
1 الأنعام 124
 

 

الأولى : مقام المحب الظاهر بالمحبة المعبر عنه بعنوان كنت فأحببت .
الثانية : نفس المحبة المتحققة في أحببت أن أعرف وهي الموصلة وباء التعدية والصلة التي هي حجاب بين المحب والمحبوب .
الثالثة : حقيقة المحبوب ولا حقيقة له إلا عين تلك المحبة التي هي الرابطة بينهما إذ المنافر لا يكون محبوبا (( وطبيعتك من خلاف كينونتي )) فإذا ارتفعت المخالفة بقيت نفس الكينونة وهي قوله تعالى (( روحك من روحي ))1 وهو عين تلك المحبة فافهم .
وهذه الثلاثـة لا تتم ولا تظهر إلا بالتجذير إذ لا غيرها في نظرها هذا ، فمجذورها تمام المبادئ ، فالمبادئ لا تكون إلا تسعة لأنها مجذور أول الأعداد وتمام رتبة الآحاد التي بها تقومت الأعداد وهي المبادئ لها في التكون والإيجاد وإليها ترجع يوم الرجوع والمعاد ، وإنما كان مجذوز أول الأعداد هو المعاني إذ لا مذهب عنها في مقام التفصيل لأن المبدأ هو الواحد وهو الثلاثة والكثرات كلها قد تحققت به لأنها هي أول الأعداد وأول ما برز من الإيجاد ، فأول المنسوبات إليها في مقام التفصيل هو التسعة ، وحيث كانت أول مراتب التفصيل وأقرب الأحوال إلى البساطة ظهرت العلة التي هي مبدأ المبادئ وعلة العلل بمثالها وظهورها في كل التسعة لأنها صور عارية عن المواد خالية عن القوة والاستعداد تجلى لها فأشرقت وطالعها فتلألأت فألقى في هويتها مثاله فأظهر عنها أفعاله ، فظهر في كل التسعة بظهور واحد فهي في رتبة واحدة ومرتبة غير متعددة وخلقت من طينة واحدة لأنها المتحصلة من ملاحظة الشيء من نفسه مع نفسه قال صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا الشجرة وفاطمة عليها السلام أصلها ، وعلي عليه السلام لقاحها ، والأئمة
___________________
1 علل الشرائع 10


عليهم السلام أغصانها ))1 ولذا ظهرت الطاء مع كمالها الظهوري والشعوري في اسم مهبط الأنوار الإلهية ومجمع الشئونات الصمدانية والعنوانات الأزلية الثانية والكلمة التامة وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر بحكم المناسبة الذاتية بين الاسم والمسمى ، والمرابطة الحقيقية بين اللفظ والمعنى وذلك هو اسم فاطمة عليها السلام ، وكذلك القول في كل المبادئ وأنا قد بينت لك أشدها غموضا وخفاء في العالم الأعلى الأول الذي ليس فيه كثرة ولا تعدد ولا اختلاف .
وأما كيفية خلق هذه الأفلاك والسموات فاعلم أن الله سبحانه خلق ياقوتة حمراء من جزء من صفو النار وجزأين من صفو الماء بيبوسة أرض القابلية فنظر إليها بعين الهيبة فماعت وذابت وصارت ماء رجراجا وبحرا عظيما يضرب أمواجا ، فأشرقت على ذلك البحر شمس اسم الله القابض فظهر اسم الله الحي والرحمن بريح الجنوب ، فتموّج البحر واضطرب بتصفيق الرياح الشديدة فصعدت الأبخرة المختلطة بالأجزاء النارية والترابية المستجنة في زبد البحر فكانت تلك الأبخرة والأدخنة المتصاعدة مادة السموات السبع والأفلاك التسع وبقي الزبد على وجه الماء فجعله سبحانه مادة للأرضين

_____________________
1 لم نجد هذه الرواية بعينها فيما لدينا من المراجع ووجدنا ما يقاربها ففي معاني الأخبار ص 93 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا أصلها ( أي الشجرة ) وأمير المؤمنين فرعها , والأئمة من ولده أغصانها , وشيعتهم ورقها وعلمهم ثمرها )) , وفي بصائر الدرجات ص 95 عن عمر بن يـزيـد قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى ( شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء ) قال : فقال (( رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جذرها وأمير المؤمنين فرعا والأئمة من ذريته أغصانها وعلم الأئمة ثمرها وشيعتهم المؤمنون ورقها , هل ترى فيها فضلا يا أبا جعفر , قال : لا والله , فقال : والله إن المؤمن يولد فيورق ورقة وإن المؤمن ليموت فتسقط ورقتـه )) .
 


السبع ، فبعدما دحا الأرض واستوت واستقرت في يومين يوم المادة ويوم الصورة استوى الرحمن إلى السماء وهي دخان فسواهن سبع سموات ، فأول ما ظهر منها فلك الشمس فدارت الأفلاك فوقها وتحتها بها بحسب ما فيها من القوى الإلهية لكونها مهبط الأسماء الفعلية والأنوار الأربعة القدسية العرشية ، ثم لما كانت تلك الأدخنة متفاوتة في الغلظة والتصفية رتبت السموات على الترتيب المعروف ، فملأ ذلك البحر الوجود بمائه ودخانه وزبده فاستدار بعضها على بعض وتحقق الليل والنهار ، وظهرت مكنونات خبايا الأسرار هذا الذي ذكرنا كلام جار على الحقيقة بالإجمال .
والإشارة إلى حقيقة الأمر والواقع ، اعلم أن النون أي بحر الصاد أول المداد الماء الذي كان عليه عرش الرحمن والماء الذي منه كل شيء حي وبه قام كل شيء لما كان متمم ظهور الهاء عن الكاف لا كتتميم الهاء المشبع الذي هو هو للأسماء الحسنى وتتميم الأحد للواحد بل كتتميم الصفة لظهور الموصوف وتتميم الفرع لجهات تعريف الأصل ظهر مثالا للظاهر وحاكيا له بذاته فكان حافظا لوجوده في جميع مراتب التربيع والتكعيب فأحكم قوله تعالى { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ }1‏ فظهر حافظا لنفسه في كل الأطوار من الأكوار والأدوار ، فصار به كل شيء حي في الإعلان والإسرار من الأكوان الستة التي عليها المدار.
وأما الكون الأول فنوراني لا غير ، وأما الكون الثاني فجوهري لا غير ، وأما الكون الثالث فهوائي لا غير ، والكون الرابع فمائي لا غير ، والكون الخامس فناري لا غير ، وأما الكون السادس فأظلّة وذرّ ، ثم سماء مبنية وأرض مدحية ، وإن أردت أن تعرف حقيقة هذا الماء وسبب نشوئه ومادته وصورته ، فاعلم أن التكوين اقتضى الحرارة لأن الحركة بنفسها من الظاهر بالفعل إلى المكوَّن بالفتح و التكوّن اقتضى البرودة لأنه السكون المنتهية إليه الحركة مقام الجمود والوقوف ، ولما كان التكوين هو الفعل الاسم الذي
_________________
1 المجادلة 7
 

 

استقر في ظله فلا يخرج منه إلى غيره اقتضى مع الحرارة اليبوسة لثبات الاستقرار وتحقق القرار قال عز وجل { وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }1 ولما كان التكون هو الحامل لأثر التكوين والماسك له اقتضى مع البرودة اليبوسة وإلا لما استقرّ ولما كان المكون هو المتحقق بالتكوين ، ولايكون ذلك إلا بالارتباط ولايكون ذلك في استقراره في ظله إلا بإلقاء الأثر فيه ، اقتضى أن يكون ذلك الأثر حار لتحقق المثلية وكذا أن يكون رطبا للسيلان إلى التكون والربط إلى المكون ليتحقق الحل الأول المستلزم للعقد الذي هو للاتحاد ولما كان التكون لا يكون إلا بالقبول لأثر التكوين وذلك لا يكون إلا بالإقبال إلى المقبول والارتباط به من جهة القابل اقتضى الرطوبة مع البرودة فتمت العناصر الأربعة ، الأول الحار اليابس وهو النار أي الفاعل ، الثاني الحار الرطب وهو الهواء وهو أثر الفاعل أي الصدر وهو المفعول المطلق وهو الهاضمة وبطن فرس وحمام مارية ، الثالث البارد الرطب وهو الماء وهو جهة القابلية المحضة الفتاة الغربية والنبتة العذراء ، الرابع البارد واليابس وهو الأرض وهو جهة حفظ القابل لفعل الفاعل وإمساكه إياه وهوالأرض المقدسة و الجسد الجديد ، هذا في أصل الكون عند التكوين الأول في ثاني الأزل ، فلما اقترنت هذه العناصر الأربعة واتصلت بهذا الترتيب ووقع أثر الفاعل على القابل واستجنّت الحرارة الفاعليّة في الأجزاء الأرضية القابلة وكانت الحرارة الأصلية الأولية دائمة الإشراق على الأراضي القابلة تهيجت تلك الحرارة المستجنة في الأجزاء الأرضية وأقبلت إلى مبدئها بإعانة الامدادات الفائضة من الإشراق الدائم و صحبت معه الأجزاء المائية اللطيفة المستجنة فيها الأجزاء
__________________
1 الصافات164


الأرضية اللطيفة بحكم المشابهة والمناسبة الذاتية { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ }‏1 لكن الأجزاء الأرضية مستهلكة مضمحلة تكاد تفنى تتلألأ بخفق، والأجزاء المائية اللطيفة التي هي محض القابلية والاستعداد المقابلة لفوّارة النور بسر الإمداد مضاعفة فأصابه برد التكون بالتكوين ثانيا فانجمد وانعقد تحت سماء التكوين ، فثقل وتقاطر ونزل لحصول النسب والإفاضات المستدعية للنزول عن مقام البساطة الحقيقية فكان ماء رجراجا وبحرا مواجا ، فهذا هو الماء الأول وإن كان المصطلح عليه هو الماء الذي به حياة الموجودات المقيدة التي هي النون والصاد والمزن المذكور آنفا ، ولو كان لك بصر حديد علمت أن هذا القول يجري في كل ما تلاحظ مخلوقيته من السرمد إلى الدهر إلى الزمان ، وبالجملة نحن نحكم حكما كليا فإن قدرت أن تجريه في جميع الجزيئات فعلت ملاحظاً للصدق اللفظي والوصف التأثيري وإلا فعلى مقدار ما استطعت .
ولما تحقق ذلك البحر المواج والماء الرجراج وقابلته نار التكوين صعدت بها الأبخرة وهي اللطائف المستجنة والأرواح المستكنة فتراكمت الأبخرة وتطابقت وظهرت على هيئة اللطافة والبساطة التي هي هيئة الاستدارة وهيئة الفقر والفاقة وهيئة الغنى والإفاضة ، ودارت للاتصال بالمبدأ بحكم المناسبة لوجود المثال الملقى في الهوية وهي الأفلاك مادتها وحقيقتها وأصلها ومنشؤها ، فلما اختلفت مظاهر ذلك الماء ومراتبها باللطافة والشرافة والكثافة والغلظة والبعد والقرب وبطلت الطفرة جرى الفيض الاختراعي والابتداعي عليها على ذلك الترتيب ، فدارت العلويات على السفليات وأحاطت على الجزئيات فأعطى الله بها كل ذي حق حقه وساق إلى كل مخلوق رزقه ، وهذا الحكم يجري في كل دور وكور وعالم من العوالم من الألف الألف فيكون ألف ألف أفلاك وألف ألف سموات وألف ألف أرضين فافهم .
_____________________
1 التوبة 11
 


هذه مبدأ الأفلاك والسموات وأما منتهاها فاعلم أنها لا تنتهي إلى حد في حركتها وسيرها بل هي سائرة دائمة إلى الأبد وإن سكنت وتفككت عند ظهور سلطان الجبار وخلوص الأمر لله الواحد القهار وطي الوسائط ومحو الأغيار بإذهاب الغرائب والأعراض واندكاك جبال الإنية لخلوص التوحيد في الذات والصفات والأفعال والعبادة { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ }‏1 ثم تعود إلى ما كانت عليه من الصفاء وتتحرك حركة شوقية إلى خالق الأشياء ولا نهاية لذلك ولا فنـاء إنما خلقتم للبقاء وما خلقتم للفناء وإنما تنتقلون من دار إلى دار ، فإذا ذهبت صفوة الأفلاك والأملاك و بقيت القشور والأعراض فتستدير ذلك دورة عرضية تبعية وتربي سوافلها المحيطة بها من القشر والعرض وهكذا إلى أن تصفو تلك وهكذا إلى ما لا نهاية له سبحان من هو ملكه دائم وسلطانه قديم لا إلـه إلى هو الحي القيوم .

قال مولانا الباقر عليه السلام (( إن الله تعالى إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يخلق خلقا آخر من غير فحولة ولاإناث يعبدون الله وهو قوله تعالى { أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } ))2 وأما العبارة الظاهرة في كشف هذه الأفعال فلا يسعني الآن بيانها لتطويل المقال

__________________
1 الزمر 3
2 لم نقف على هذا الحديث كما هو مذكور في هذا الشرح الشريف ووجدنا ما يقاربه في الخصال ص 652 وهذا نصه (( عن جابر بن يزيد قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل ( أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ) فقال يا جابر : تأويل ذلك أن الله عز وجل إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم وأسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار جدد الله عز وجل عالما غير هذا العالم وجدد عالما من غير فحوله ولا إناث يعبدونه ويوحدونه , وخلق لهم أرضا غير هذه الأرض تحملهم وسماء غير هذه السماء تظلهم لعلك ترى أن الله عز وجل إنما خلق هذا العالم الواحد وترى أن الله عز وجل لم يخلق بشرا غيركم بلى والله لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين )) .
 

 

 

وتبلبل البال و عدم الإقبال ، إلا أن حقيقة الأمر ظهر بما ذكرنا من دليل الحكمة .
وإنما جمع السموات لبيان تعددها وهي إذا أطلقت لا يراد منها في عرف أهل البيت عليهم السلام إلا السموات السبع وقد تطلق في كلماتهم عليهم السلام ويراد منها غيرها كما في قوله تعالى { وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا }1 والمراد منها في هذه الآية الشريفة على ما دلت عليه الأخبار البحر الذي في الجو بين السماء والأرض ، وقوله تعالى { وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ }2 ويراد منها هنا على ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( البحر المكفوف فوق السموات السبع بحيث يكون كلهن ومن فيهن ومن عليهن كحلقة ملقاة في فلاة قي )3 وكذا في غيرهما من المواضع في كتاب الله وكلمات آل الله ، ومحصل هذه الإطلاقات أن السماء يراد منها جهة العلو مطلقا وهي من أول الهواء إلى أعلى الهواء في الخلق ، إلا أن السموات على قسمين .
أحدهما : مجردة بمراتبها من العقلانية والروحانية والنفسانية وغيرها ، والثانية : جسمانية وهي اتفاق العلماء ومساعدة الأدلة العقلية والنقلية تسعة وهيالسموات السبع والعرش والكرسي في اصطلاح أهل الشرع ، والأفلاك التسعة في اصطلاح الحكماء الرياضيين والطبيعيين وغيرهم ، وهم إنما عرّفوها حسب مشاهدة الحركات المقدرة بالأرصاد لأنهم وجدوا تسع حركات مختلفة وأثبتـوا لكل حركة فلك وجوزوا أقل من ذلك أيضا وأما الأكثر فإمكانه لا إشكال عنـدهم لأنهم ما قـالوا إلا ما شاهدوا بـأبصارهم وإحساسهم من
________________
1 ق 9

2 النور 43
3 هذا الحديث مذكور هنا بالمعنى وأما نص الحديث في التوحيد ص 277 فطويل نأخذ منه موضع الحاجة وهو وقوله صلى الله عليه وآله (( وهذه السبع ( يعني السموات ) ومن فيهن ومن عليهن عند البحر المكفوف عن أهل الأرض كحلقة في فلاة قي )) .
 

 

الحركات المختلفة ، وقد يكون أفلاك أخر متشابهة الحركة أوبطيئة بطأً لا يحس ، وبالجملة ليسوا على بصيرة في الأمر لا في حصر العدد ولا في كيفية الترتيب وخصوصيته حيث أرادوا أن يأخذوا الحق بعقولهم و يستندوا في معرفة حقائق الموجودات على ما هي عليه بآرائهم وأفهامهم ولم يركنوا في معرفتها إلى أئمة الدين عليهم السلام فصاروا كما ترى غير جازمين بأمر من الأمور وحكم من الأحكام كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ، وأما نحن قلنا في هذه المقامات من جهة دليل الحكمة المستنيرة بنور أهل بيت النبوة عليهم السلام كلمات يطول بذكرها الكلام ونشير إلى بعضها في هذا المقام مجملا ليتنبه العارف إلى نوع الاستدلال .
فنقول اعلم أن المبدأ لابد وإن كان عرشا لاستواء الرحمن وخزانة لجميع ما تستحق السوافل من الأركان والأكوان والأعيان وإلا لم يكن واقفا بالباب بل ضرب بينهما ألف حجاب ، ولما كان الباب واقفا مقام ( أطعني أجعلك مثلي و روحك من روحي ) وجب أن يكون كاملا في رتبة البساطة لمكان المشابهة ، على أن الفيض لا يجوز أن يصدر عن المبدأ جزئيا لعدم سعته بل يجب أن يكون كليا معنويا محيطا لكل الأجزاء والجزئيات ، ولما كانت العلويات هي المبادئ وجب أن يكون هنا فلكا كليا محيطا بجميع المراتب السفلية ومهبطا لجميع الأنوار وخزانة لكل الأسرار وذلك هو العرش مستوى الرحمن فهو أول الأفلاك وأعظمها وأشرفها وأرقها وألطفها وتنتهي إليه الحدود الجسمانية وتنقطع عنده الإشارات الحسية ويكون ذلك طبق الفلك الأعظم والعرش الأقدم في عالم التجرد أوعالم الوجود المطلق ، فإن مراتب الإختراع ومقاماتها متطابقة وإن اختلفت بالأولية والثانوية فإن الثاني دليل الأول وحكايته { مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ }1 والعبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبيـة أصيب في العبوديـة قـال الله تعالى { سَنُرِيهِمْ آيَـاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ }‏2 فافهم .
_______________________
1 الملك 3

2 فصلت 53
 

 

فكان المبدأ الجسماني طبقا للمبدأ الروحاني والمبدأ الزماني طبقا للمبدأ الدهري كما أن البيت أي الكعبة على طبق البيت المعمور في السماء الرابعة وهو على طبق العرش وهو على طبق الكلمات الأربعة ( سبحان الله والحمد لله ولا إلــه إلا الله والله أكبر ) ، ثم لما كانت الفيوضات المستقرة في الفلك الأعلى أي عرش الرحمن معنوية كلية غيبية مجملة ولا استئهال للسوافل أن تتلقاها ، كذلك مع امتناع ذلك مع أنه لو كان كذلك لما اختلفت الأشياء وما حصلت الجزئيات فلم يظهر مقام العظمة الذي هو مقام العلماء الخائـفين ، وجب أن يكون لتلك الإجمالات مقام تفصيل وتلك المغيبات رتبة ظهور لتمييز الأسماء الإلـهية وتبيين النعم الغير المتناهية ليعلم كل أناس مشربهم ويصل كل أحد مطلبهم .
ولما كان هذا المقام تحت المقام الأول الذي ظهر بالفلك المحيط وجب أن يكون هذا التفصيل في الرتبة الثانية الجسمية ولا يكون ذلك إلا في الفلك الثاني تحت الأول وهو فلك الكرسي مقام تفصيل العرش ، وكلما كان مخفيا غيبا في العرش قـد ظهر في الكرسي فكان هو بمنزلة الباء للألف والنفس للعقل ، و هذا هو فلك البروج وفلك المنازل وقد يعد كل منها فلكا على حدة لإجراء الأحكام وإلا فهما في الحقيقة شيء واحد ، فظهرت في هذا الفلك القوى الجزئية الاسمية المدبرة للعالم الجسماني أو مطلقا إن كان نظرك مطلقا من الاسم الأكبر الأعظم الكلي المتعلق بالعرش , ومن هنا ظهر سر عدم الكواكب في الفلك الأعلى ووجودها هنا مع كثراتها فتم الفيض الأول مجمله ومفصله ، وهذا هو الحل والعقد الأوليان باعتبار في تكون هذا العالم وهو رتبة المقبول.
ثم لما كانت الإفاضة لا تتم إلا بتمكين القابل وتهيئته للقبول وإلا لم يتحقق الفيض ولم يوجد الشّيء وذلك التمكين يجب أن يكون من جهة المكون المفيض لكن بآلات وأسباب تناسب المفاض عليه وتوافقه ، ولما كانت تلك الآلات هي جهات التدبير والتقدير وجب أن تكون محيطة بكل السفليات لكونها متممات لقوابلها ولا تتم إلا بالمحاذاة بإيقاع الأشعة وهي تستلزم الإحاطة فتكون أفلاكا دائرة على القابليات ومهيئة إياها لقبول الفيض الأول على الوجه الأكمل ووصلة بينهما وبين المفيض ، واقتضى الكون أفلاكا أخر تحت الفلكين المذكورين ، ثم لما كانت الأكوان خرجت مسبعة متمايزة في التسبيع ولايتم الفيض إلا إذا تمت قابلية تلك المراتب ولايتم ذلك إلا أن يكون لكل منها مبدأ متميز فإن الأثر يشابه صفة المؤثر وجهته ، فالمجمل يؤثر المجمل و المفصّل المفصّل وجب أن تكون تلك الأفلاك التي هي روابط إيصال الفيض ومتممات قابليات المفاض عليه سبعة ، فخلق الله سبحانه أولا المبادئ السبعة التي هي السموات السبع فإذا أضفتها إلى الفلكين المذكورين كانت تسعة ، فالسموات السبع لتتميم القابلية وتكوين البنية الظاهرية والفلكان الأعظمان للفيض الباطني و إحداث المقبول وقد وردت الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام بشرح أسماء السموات وقواها وطبائعها وألوانها وثخنها وغلظها فمنها الخبر المشهور عن ابن سلام أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (( فأخبرني ما بال السماء الدنيا خضراء ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : يا ابن سلام اخضرت من جبل قاف ، قال : صدقت يا محمد ، فأخبرني مم خلقت قال صلى الله عليه وآله وسلم : خلقت من موج مكفوف ، قال : وما الموج المكفوف ؟، قال صلى الله عليه وآله وسلم : يا ابن سلام ماء قائم لا اضطراب له وكانت الأصل دخانا ، قال : صدقت يا محمد صلى الله عليه وآلـه وسلم : فأخبرني عن السموات ألها أبواب ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : نعم لها أبواب وهي مغلقة ولها مفاتيح وهي مخزونة ، قال : صدقت يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخبرني عن أبواب السماء ما هي ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : ذهب ، قال : فما أقفالها ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : من نور ، قال : فمفاتيحها ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : بسم الله العظيم ، قال : صدقت يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرني عن طول كل سماء وعرضها وكم ارتفاعها وما سكانها ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : يا ابن سلام طول كل سماء خمسمائة عام وعرضها كذلك ، وبين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام وسكان كل سماء جند من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى ، قال : صدقت يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخبرني عن السماء الثانية مم خلقت ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : من الغمام ، قال : صدقت يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخبرني عن السماء الثالثة مم خلقت ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : من زبرجدة خضراء ، قال : فالرابعة قال صلى الله عليه وآله وسلم : من ذهب أحمر ، قال : صدقت يا محمد ، فالخامسة : قال صلى الله عليه وآله وسلم : من ياقوتة حمراء ، قال : فالسادسة ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : من فضة بيضاء ، قال : فالسابعة ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : من ذهب ، قال : صدقت يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخبرني ما فوق السماء السابعة ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : بحر الحيوان ، قال : فما فوقه ، قـال صلى الله عليه وآله وسلم : بحر الظلمة ، قال : فما فوقه ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : بحر النور ، قـال : فما فوقه ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : الحجب ، قال : فما فوقه قال صلى الله عليه وآله وسلم : سدرة المنتهى ، قال : فما فوق سدرة المنتهى ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : جنة المأوى ، قال : فما فوق جنة المأوى ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : حجاب المجد ، قال : فما فوق حجاب المجد ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : حجاب الحمد ، قال : فما فوق حجاب الحمد ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : حجاب الجبروت ، قال : فما فوق حجاب الجبروت ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : حجاب العزة ، قال : فما فوق حجاب العزة ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : حجاب العظمة ، قال : فما فوق حجاب العظمة ، قال صلى الله عليه وآله وسلم: حجاب الكبرياء ، قال : فما فوق حجاب الكبرياء ، قال صلى الله عليه وآله وسلم: الكرسي ، قال : صدقت يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : قد أوتيت علوم الأولين والآخرين وإنك لتنطق بالحق اليقين ، قال : فما فوق الكرسي ، قال صلى الله عليه وآله وسلم: العرش ))1 ، وبيان هذا الحديث الشريف وذكر ما فيه من العجائب والأسرار يؤدي إلى التطويل إلا أني أشير إلى ما هو الأهم والمقصود على سبيل التلويح والإشارة .
فقوله صلى الله عليه وآله وسلم في السماء الدنيا هي آخر السموات والأفلاك وأقربها إلى الأرض وهي مبدأ الصور وعلة البرودة والرطوبة وينسب إليه المد والجزر في البحر وهيكما قال صلى الله عليه وآله وسلم (( موج في البحر مكفوف )) أي ماء قائم ، فطبعها الحياة وطعمها قال عليه السلام الماء سيد الشراب في الدنيا والآخرة وطعمه طعم الحياة ))2 ، ولا اضطراب لها كما يوجد في هذا الماء الموجود في الأرض لخلوصه عن الغرائب والأعراض ولكونه مبدأ بالنسبة إليه والمبدأ خلق ساكن لا يدرك بالسكون في كل مقام بحسبه .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( وكان في الأصل دخانا )) يشير صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيان عدم تناقض قوله وقول الله عز وجل حيث
___________________
1 البحار 57/228
2 البحار 62/285 ح 72


قال { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ }1 تنبيها بأن المادة تنصبغ بصبغ الصورة حين التحديد بل وتجري عليها أحكامها .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في أبواب السماء أنها من ذهب إشارة إلى التأثير إلى العالم السفلي بإحداث الأشعة فالأشعة أبواب السماء إلى الأرض ينزل الفيض منها إلى الأرض بواسطتها فهي حارة لكونها مثال التأثير الفلكي الحار اليابس ورطبة لحكم السيلان والاقتران والنسب وهي طبع الحياة بناء على أن الذهب حار رطب على ما هو التحقيق ، وهذا لا ينافي كون بعض الأشعة باردة أو يابسة أومختلفة فافهم .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( ومفاتيحها بسم الله العظيم )) يريد بهذا الاسم هو الظاهر المتجلي على الطائف حول جلال العظمة وهو أول أسماء الله عز وجل بعد اسمه العلي قـال مولانا الـرضا عليه السلام (( فأول
____________________
1 الدخان


أسمائه العلي العظيم لأنه علا على كل شيء قدير ))1 انتهى .
والاسم العلي هو الطائف حول جلال القدرة كما أن الاسم العظيم هو الطائف حول جلال العظمة فظهر الاسم في الظاهر بالطواف حول جلال القدرة وبقي على الحقيقة في السجود في ذكره للطائف حول جلال القدرة حقيقة والعظيم للطائف حول جلالة العظمة وهو قول مولانا علي عليه السلام (( أنا الذي كتب اسمي على البرق فلمع وعلى الودق فهمع وعلى الليل فأظلم وعلى النهار فأضاء وتبسم )) فهذا الاسم العظيم هو مفتاح كل برّ وخير ففي الأفلاك والسموات الجسمية بظاهر ظهوره وفي السموات الباطنية الغيبية بباطن ظهوره فافهم .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( طول كل سماء خمسمائة عام )) اعلم أن المراد بهذا العام ليس هو العام المقدّر بالتّقدير اليومي المعروف إذ ما أقصر هذه الأيام عند مدد الأفلاك وأوقاتها فلا تتقدّر بهذا التقدير ، وقد ورد أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المعراج سأل جبريل عن زوال الشمس هل زالت أم لا قال لا نعم ثم قال من مقدار قولي لا سارت الشمس مسيرة خمسمائة عام .
فإن قلت : إن العام يراد به على حسب الأفلاك .
قلت : إن الأفلاك تختلف فالوصف الجامع في العام هو مبادئ العام من الثلاثمائة والستين درجة فكل درجة يوم من أيّام كل فلك على مقداره في الصغر والكبر ، والمراد من خمسمائة مراتب الأفلاك بعضها مع بعض فإن كل فلك لا يتصل بالفلك الآخر إلا بخمسة أفلاك فاصلة بينهما وهيالممثل والمتممان الحاوي والمحوي في كل فلك من السبعة فتكون خمسة ، فإن السماء
___________________
1 لم نقف على هذه الرواية المذكورة وإنما وقفنا على ما يقرب منها في المعنى وهي ما رواه في البحار 4/88 ح 26 (( فأول ما اختار الله لنفسه العلي العظيم لأنه أعلى الأسماء كلها فمعناه الله )) .

 

 


التي عليها المدار والحكم هو الفلك الحامل أي الخارج المركز لا ممثلاتها إذ الممثل حركته حركة فلك البروج فلا تزيد عليها بشيء بل يسير في كل مائة سنة درجة واحدة فالمدار والعمل على الخارج الحامل للكواكب أو التدوير وبه يحصل التدبير المطلوب من الأفلاك لا ممثلاتها فإن ذلك لا ينفع في تكوين العالم السفلي وتدبيره إلا بشيء يسير إذ من العرش التّسخير ومن الأفلاك الأخر التدبير ، فلا يظهر التقدير إلا بعد إتمام التدبير واختلاف المدبر بالهيئات والأوضاع والأحوال ، والدليل على هذا الحمل والتّأويل زائدا على ما قلنا على ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث زينب العطّارة من أن كلّ سماء ومن فيها و من عليها بالنسبة إلى السماء فوقها كحلقة ملقاة في فلاة قي ، وفي هذا الحديث الشريف ساوى بين السموات في الحجم والمقدار والطول والعرض ، وإن جاز أن نقول أن ذلك على نسبة سعة كل فلك وكل سماء إلا أنه كلام ليس من التحقيق ، فصح أن المراد هو الدرجات الفلكية ومدد انتقال الكواكب في كل درجة حيث تطابق درجاتها مع المكوكب ، وإنما قال صلى الله عليه وآله وسلم (( وعرضها كذلك )) لبيان إثبات أنها كرة مستديرة صحيحة الاستدارة بمعرفة قول أمير المؤمنين عليه السلام (( وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشّداد ))1 والجهات أضدادا فافهم ، وهذا أوضح دليل على استدارة السموات السبع لمن يفهم ويعقل .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( وسكان كل سماء جند من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله )) يريد به من جهة الجزئيّات والأشخاص والأعوان والخدام وإلا فرؤساء الملائكة في كل سماء معلومون فالفلك الأول ملكه الكلي إسمعيل ، والفلك الثاني ميخائيل وسيمون وزيتون وشمعون وعطيائيل ، والسماء الثالثة سيديائيل وزهريائيل ، والرابعة صاصائيل وكليائيل وشمائيل ، والخامسة كاكائيل ومزقائيل ، والسادسة سمحائيل ومشوائيل ، والسابعة قرثائيل ورقيائيل ، والثامنة فملائكتها كثيرة وكذلك الرؤساء يجمعهم أنهم
______________________
1 المناقب 2/49
 

 

صنفان الأول أسماء الملائكة الكلية هكذا شراحيل عزرائيل إسرائيل نهفائيل شراطيل شهكيل سهراليل صرصائيل سربطائيل شمكائيل مهيكائيل فقبيائيل والثاني بأسمائهم هكذا معائيل بطائيل مهقائيل نهعائيل سمكائيل فقرائيل سعائيل ذوغائيل شرائيل قريتائيل كليائيل خبيائيل غفرائيل دخرائيل دثيائيل ذريائيل فرصائيل عروائيل هلدائيل رشائيل شرهائيل لقبائيل شولبائيل دبليائيل دربائيل عدبائيل حنائيل نودبائيل ، و لهذه الملائكة أسماء أخر وعليها اعتمادي فلا بأس أن نذكرها وهيهمقغائيل وغحائيل الذائيل وكفائيل هكثائيل وعقغائيل أمضيائيل وفخغائيل وعضائيل بكقائيل طمثغائيل ونفائيل أحيذقائيل حكذائيل ولظغائيل وسخائيل وطذائيل وصنائيل طتتائيل طكرائيل ومقغائيل وطخذائيل دكذائيل هلظائيل حكتائيل جفثقائيل لسقغائيل ذنقغائيل ، والسماء التاسعة وهو العرش والفلك الأعظم ومحدد الجهات وله ظاهر وباطن ، فالملائكة الظاهرة أربعة ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وجبرائيل ، والباطنة هم الملائكة العالون الذين ما سجدوا لآدم كما أخبر الحق سبحانه عنهم حين معاتبة إبليس { أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ }1‏ وهم أربعة أيضا ، روح القدس والروح من أمر الله وذات الله العليا وشجرة طوبى وسدرة المنتهى وجنة المأوى والرابع الروح على ملائكة الحجب ، وبيان حقائق هذه الظواهر مما لا تسعه الدفاتر والإجمال يورث الإخلال والله الموفق في كل حال .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في السماء الثانية أنها خلقت من الغمام أشار بأبي هو وأمي بهذا الكلام الموجز إلى كل أحوال الفلك الثاني ، فأشار بالغمام إلى أن طبعها بارد رطب مختلطة باليبـوسة الهبائية الممتزجة بالهواء ، فظاهرها البرودة واليبوسة الذائبة الغير المنجمدة و باطنها الحرارة والرطوبة ، ولما كانت مجاورة للسماء الأولى التي هي البرودة والرطوبة خفيت الحرارة فصار طبعها طبعا سيّالا ينقلب مع كل ذي طبيعة لاجتماعها الطبائع
_______________
1 ص 75


السيّالة كالغمام قال الشاعر :

عاشر أخا ثقة تحظى بصحبتــه فالطبع مكتسب من كل مصحوب
كالـريـح آخــذة مما تمر به نتـنا من النتن أو طيبا من الطيب

فعلى ما بينا ظهر لك وجه الجمع بين كلمات علماء أهل هذا الشأن فمنهم من قال أنها باردة يابسة ، ومنهم من قال أنها باردة رطبة ، وأهل الحروف ذكروا لها طبيعتان لظاهرها طبيعة التراب ولباطنها طبيعة الهواء ، وبعض أهل النجوم قال إنها ليست لها طبيعة خاصة فمع كل طبيعة تأخذ طبيعته ، وإن ارتفع التناظر فينظر مقارنتها مع البروج وهم وإن قالوا ذلك في عطارد إلا أنه لا فرق بين الكوكب وفلكه في الطبيعة إلا أن في الكوكب أقوى مما في الفلك ، وقول صلى الله عليه وآله وسلم النبي أتى بيانا جامعا لكل هذه المذاهب وشرحا لحقيقة هذه الكوكب والفلك وإنما سماء الفكر وإنه للكتّاب وأهل أرباب القلم كما نذكر إنشاء الله .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في السماء الثالثة أنها خلقت من زبرجد لأنّ باطنها حار رطب ولونه الصفرة وظاهرها بارد يابس على ما ذهب إليه بعض أهل الحروف ولونه السّواد والزّبرجد يطلق على هذا اللون .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الرابعة أنها خلقت من ذهب يريد بالذهب الطبع الذّاتي له أولاّ فإنه إنما يتكون بنظر الشمس حتى قال بعضهم أنّ طبيعته حار يابس لمشابهة الأثر مع مؤثره ، والذي يقول أن طبعه حارّ رطب كما هو التحقيق يقول أنّ ما من الشمس هو الحرارة واليبوسة ، والرطوبة إنما هي من المكان الذي يتولد فيه ، فطبعه الأصلي هو الحرارة واليبوسة المعتدلة كما في الفلك الرّابع ، وأمّا صفرة الذهب فكصفرة نور الشمس لاختلاطه بالأبخرة الرّطبة وكذا لاختلاط الذّهب مع الرّطوبة الأرضية كالمرّة الصفراء ، ومقتضى هذه الأمور كلّها الحمرة كما قرّر في العلم الطّبيعي .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( الخامسة من ياقوتة حمراء )) على مقتضى ظاهر السّماء فإن الفلك الخامس له جهتان بظاهره حارّ يابس لونه أحمر شديد الحمرة نحس أصفر ، وبباطنه بارد رطب كما قرّر في علم الحروف وهو بباطنه سعد وبظاهره نحس ، وبظاهره ياقوتة حمراء وبباطنه درّة بيضاء , ولذا يعّبرون عند الإشارة إلى كوكب المريخ صاحب السّماء الخامس يقولون أنه شيخ كبير قاعد على كرسّي من الدم إذ سنّ الشيخوخة يقتضي تزايد البرودة والرطوبة لتقليل الحرارة الغريزيّة التي في سنّ الشّباب ، وكونه على كرسي الدّم إشارة إلى أن هذه الحرارة إنما هي لاحقة له عارضة عليه وليست ذاتية كما في قوله عزّ وجل { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ }1 { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا }2 .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( السادسة من فضة بيضاء )) على ظاهره لأن السّماء السادسة هي سماء المشتري وهو بارد رطب إلا أنّ في باطنه أجزاء حارة لتقوية الحياة كالفضة فإن في باطنها جزء من الحرارة ، ولذا إذا أرادوا أن يصنعوا إكسير الفضة يأخذون جزءين من الفتاة الغربيّة ولبنة العذراء وجزء واحدا من الفتى الشّرقي وهو شيء يشبه البرق وجزء من الأنفخة وهو القاضي الذي يشير إليها بالتراضي فينفخون في المجموع بريح الجنوب فينعقد فضة صافية يؤثر فيها ، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم فضة بيضاء يشير إلى حقيقة الأمر في هذه السماء وهذا الفلك لأنهم عليهم السلام يتكلمون عمّا هو الواقع الأوّلي فافهم إن كنت تفهم .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( السابعة من ذهب )) وهو يشير إلى باطن تلك السماء لإظهارها ، فإن ظاهرها بارد يابس طبع الموت وهو النحس الأكبر لأبناء الدّنيا وأما باطنها حارّ رطب كما صرح بذلك علماء الحروف ودلّ عليه العقل والوجدان ، والحارّ الرطب لونه الصفرة كالذهب
_____________________
1 الحديد 13 2 الإسراء 82
 

 

فإنّه حارّ رطب على الأصح مطابق لونه طبعه ولذا شبهه صلى الله عليه وآله وسلم بالذهب مراعاة لباطن الأمر ، لأن السماء السابعة وكوكبها منسوبتان إلى علي عليه السلام هو عليه السلام عذاب على الكافرين وموت لهم وحياة ورحمة على المؤمنين كما في الزيارة (( السلام على نعمة الله على الأبرار ونقمته على الفجّار ))1 ولما ظهر طبع الباطن في طبع ظاهره ظهرت الحمرة المائلة إلى السواد في الكوكب وهو النجم الثّاقب ، ومرادي بالباطن والظّاهر ليس هو الغيب والشهادة والجسد والرّوح وإنما المراد بهما الذّاتية الأصلية والعرضّية الفرعية كما قال عزّ وجلّ { بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ }‏2 { وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }‏3 .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( فوق السماء السابعة بحر الحيوان إلى آخر الحجب )) بيانه على وجوه كثيرة و ليس لي الآن إقبال لبيان كلّها أو أغلبها أوأدقّها وأعظمها وإنما أذكر وجها واحدا من تلك الوجوه حسب ما يظهر في بادئ النّظر ، فنقول قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( بحر الحيوان )) يريد به البحر المكفوف الذي كل السموات السّبع والأرضين السبع ومن فيهن ومن عليهن عنده كحلقة ملقاة في فلاة ، وذلك البحر هو ينبوع الثلوج والأمطار وفيه جبال البرد وبه فسّر قوله تعالى { وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ }4 والقمر إنما يأخذ من ذلك البحر أي من صفته فهو بحر عند استمداد القمر منه بواسطة الشمس وجبل بالنسبة إلى مقامه و هذا معنى مكفوفيّته ولذاورد في القرآن بعنوان الجبل وفي الأخبار بعنوان البحر ، والحياة إنما نسبت إليه لكون القمر الذي هو العلة الصوريـة التي بها الحياة مستّمدا منه .
_____________________
1 الزيارة السادسة لأمير المؤمنين عليه السلام
2 الحديد 13

3 البقرة 189
4 النور 43
 

 

قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( وفوقه بحر الظلمة )) يريد بالظلمة الهواء كما في حديث زينب العطارة ، ويريد بها السماء الثامنة وهي فلك الثوابت والبروج والمنازل من حيث هي ، وعبر عنها بالظلمة لكونها عالم الكثرة وهي تستلزم السواد وهو قـوله عليهم السلام (( عليكم بالسواد الأعظم ))1 والظلّة الخضراء وحجاب الزبرجد وحجاب الزمرد وكل ذلك يريدون عليهم السلام به الكثرة المستلزمة للسواد المختلطة بألوان أخر أو باقية بصرافة سذاجته .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( بحر النور )) يريد به البهاء الجسماني في العالم الظلماني وذلك ليس إلا العرش محدد الجهات الجسمانية الحسية وهو نور لخلوصه من ظلمة كثرات الكواكب وكونه مهبطا للأنوار الإلهية القدسية ومحلا لاستواء الرحمن في العوالم الجسمية و مثالا للعرش الأعظم الأعلى .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( الحجب )) أقول هذه المراتب التي سيذكرها كلّها أنوار متصلة بالأجساد الفلكية ولاشك أن الأنوار مقامها أعلى من الأجساد ، فلما فرغ صلى الله عليه وآله وسلم من بيان مراتب الأجساد أراد أن يبين مراتب الأرواح والأنوار فأشار إلى الأنوار المتعلّقة بالسماء الأولى وهيفي عالمها ووصفها بالحجب لتعدّد المتعلقات حيث أن لها أربعة أفلاك وعلى كل فلك قد تعلق نور من الأنوار وهو واسطة لإيصال الفيض من المبدأ إليه ومنه إلى ما تحته ، فهو الحجب بجميع مراتبه والواسطة بين الممدّ و المستمدّ فإن المبادئ كلها تنتهي إلى السماء الأولى ولذاكانت هي سماء الحياة المتحققة بالصورة الشخصية فالصورة حجاب المادة ، ولما كانت الشمس هي العلة الماديـة وهي جهة الفاعل و المبدأ ، والقمر هو العلة الصورية ، والحجاب إنما هو بالصورة فإنّ بالمادة من غير الارتباط بالصورة وصال واتصال وبالصورة كائنة ما كانت حجاب وفراق وانقطاع ، أو أن الظاهر بالصورة حجاب للحقيقة و هذا الفلك آخر مراتب الصور في المبادئ
_____________________
1 شرح النهج 8/123
 

 

العلّيّة العالية ولذايستنطق من الحروف الطاء مع كمالها الشعوري والظهوري إثباتا لمقام { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ }1 أي إمام حكيم بعد إمام حكيم والكمال الشعوري للطاء فاء والكمال الظهوري لها ( مه ) فإذا جمعتهما مع الطاء يكون المستنـطق فاطمة عليها السلام فافهم السر الحقيقي وكن به ضنينا .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( سدرة المنتهى )) يريد بها النور المتعلق بالفلك الثاني والسماء الثانية ، وعلى هذا يكون هذا النور المتعلق بهذا الفلك آخر مراتب السدرة ، وأما أعلاها فهو الكرسي الذي يأتي ذكره إنّ شاء الله ، وبينهما من المراتب كلها مراتب أغصانها الكلية والجزئية وأوراقها وأوراق أوراقها وهكذا إلى ما لا نهاية له ، و إنما اختص هذا الفلك بهذه المرتبة لكونه فلك الفكر المتقلب في الأشياء وظهور الكثرة فيها ، ولذا كان التحير الذي هو الإقامة والاستقامة والرجعة فيه أكثر من غيره وله أوجان وحضيضان بخلاف غيره ، وهو مع كل طبيعة يميل إلى طبيعته ، وأمثال ذلك عن التقلبات المتشبعة من أصل واحد كالشجرة مع أنّ هذا الفلك هو كاتب الكرسي فانتهت السدرة إليه فافهم .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( جنة المأوى )) يريد بها النور المتعلق بالسماء الثالثة وهي محل الطرب والعيش والفرح والحسن والجمال والغناء والنغمات المطربة وأمثالها من أنواع النعيم ، وهذه ظاهر الجنة الحقيقية الظاهرة كالسدرة حرفا بحرف .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( حجاب المجد )) يريد به النور المتعلق بالفلك الرابع إذ له العلوّ على كل الأفلاك السبعة ، وهو العرش الثاني في العالم الجسماني ، وهو باب الوجود و منه مواد الموجود وباقي الأفلاك تستمد منه وهو يمدها بأوائل جواهر علله ولذا سماه صلى الله عليه وآله وسلم حجاب المجد ، وإنما سماه حجابـا لكونه ليس إلا حكايـة مثال المبدأ فكان
___________________
1 الدخان 4
 

 

حجابه وبابه ، وليس المراد منه ما ذكرنا في الفلك الأول الذي هو التاسع أولا .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( حجاب الحمد )) يريد به النور المتعلق بالفلك الخامس من حيث باطنه لكونه من تلك الحيثية رحمة عظيمة على المواد السفلية والرحمة الواسعة هي الحمد كما ذكرنا سابقا مرارا فراجع تفهم إنشاء الله ، لأنّ مرجع الرحمة إلى الولاية وهيلواء الحمد قال صلى الله عليه وآله وسلم (( أعطيت لواء الحمد وعلي عليه السلام حامله ))1 قال تعالى { هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا }2 .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( حجاب الجبروت )) يريد به النور المتعلق بالفلك السابع فإنه حجاب الجبروت الذي هو النور الأعظم الذي حامله روح القدس ، وهو ملك له رؤوس بعدد رؤوس الخلائق وهذا ظاهر إنشاء الله ، ونسبة هذا الحجاب إلى الجبروت نسبة الدماغ إلى القلب .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( حجاب العزّ )) يريد به النور المتعلق ببحر الحيوان وهو جبال البرد كما ذكرنا سابقا و إنما عبر عنه بالعز لأنّ كلما تحته مستمد منه ومستقهر لديه و له هيمنة له فكان عزيزا منيعا غالبا .
___________________
1 لم نقف على هذه الرواية بعينها وإنما وقفنا على ما يقرب منها وهي ما رواه في الفضائل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أعطيت ثلاثا وعلي مشاركي فيها , وأعطي علي ثلاثة ولما شاركه فيها , فقيل : يا رسول الله وما الثلاث التي شاركك فيها علي عليه السلام , فقال : لواء الحمد لي وعلي حامله , والكوثر لي وعلي ساقيه , والجنة لي وعلي قاسمهما , وأما الثلاث التي أعطيت عليا ولما شاركه فيها فإنه أعطي رسول الله صهرا ولماعط مثله , وأعطي زوجته فاطمة الزهراء ولماعط مثلها , وأعطي ولديه الحسن والحسين ولماعط مثلهما )) .
2 الكهف 44
 


قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( حجاب العظمة )) يريد بها النور المتعلق بفلك الثوابت وفلك البروج وفلك المنازل والوجه هنا ظاهر وقد تكرر منا في هذا الشرح ما يدل على ذلك ، فإنّ العظمة مقام ظهور مشروح العلل ومبين الأسباب وتجلي الأسماء الفعلية الإلهية ظاهرة مفصّلة كلية وجزئية نوعية وشخصية كما ظهرت العظمة في باء بسم الله الرحمن الرحيم ولذا شرع التسبيح باسم الله العظيم في الركوع فافهم .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( حجاب الكبر )) يريد به النور المتعلق بمجموع الأفلاك والسموات الجسمانية فإنّ الكبرياء هي الظهور في العالم الأدنى الإضافي ، وحكم المجموع كالشجرة غير حكم كل واحد كالغصن والورقة ، فالكبرياء هي النور المقوم لكل هذه الكرة من حيث هي ، ومثال البحر الحيوان في الإنسان كالحرارة الغريزية الظاهرة بالدم الأصفر المتخللة في تجاويف القلب ، والظلمة هي البخار اللطيف الغير المحسوس في تجاويف القلب الذي يعبر عنها الأطباء بالروح الحيواني ، وبحر النور هو الروح القديمة التي هي عبارة عن الخلق الآخر في قوله عزّ وجلّ { ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ }1‏ وهذه الحجب جهات تجليات تلك الروح من حيث كونها حاملة لظهور اسم من أسماء الله تعالى بصفة من صفاته .
قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( الكرسي )) يريد به صلى الله عليه وآله وسلم مبدأ سدرة المنتهى وجنة المأوى ونهايات الأشياء ، وهو نور الستر الظاهر بظهوره في الفلك الثامن نفسه لا من حيث البروج والمنازل كما تقدمت إليه الإشارة ، وهو ذات الله العليا والنفس التي لا يعلم ما فيها عيسى عليه السلام وسدرة المنتهى وجنة المأوى من عرفها لم يشق أبدا ومن لم يعرفها ضلّ وغوى ، والإضافة في ذات الله لامية تمليكية يعني ذات مملوكـة لله سبحانه وهي أعلى الذات المملوكة وأشرفها وهي سر بسم الله الرحمن الرحيم وباؤها .
____________________
1 المؤمنون 14
 

 

قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( العرش )) يريد به القطب الأعظم والنور الأقدم وعلم الكيفوفة ومصدر البداء وعلل الأشياء على حسب مراتبه وأركانه وأنواره وأسراره وإمداداته إلى غيرها من الأحوال التي لو تصدينا لشرحها لأدى إلى التطويل فاكتفينا بالإشارة لأهل التلويح .
وهذا الحديث الشريف صلى الله على قائله جمع أصول مراتب المطويّات العلويّات مما يطلق عليه السموات في الظاهر والباطن بطبائعها وألوانها .
وأما أسماء السموات فعن أمير المؤمنين عليه السلام (( اسم السماء الدنيا رفيع وهي من ماء دخان ، واسم السماء الثانية فيدوم وهي على لون النّحاس ، واسم السماء الثالثة المادوم وهي على لون الشبة ، واسم السماء الرابعة أرقلون وهي على لون الفضة ، و السماء الخامسة اسمها هيعون وهي على لون الذهب ، والسماء السادسة اسمها عروس وهي ياقوتة خضراء ، والسماء السابعة اسمها عجماء وهي درّة بيضاء ))1  .
وأهل الحروف ذكروا لكل سماء اسماً آخر و قالوا أن السماء السابعة اسمها عجويبا والسماء السادسة اسمها بريقا والخامسة عرتقا والرابعة أفلون والثالثة ماعون والثانية برقيد والأولى برقيقا .
ولا تتوهم أن قول أمير المؤمنين عليه السلام في السماء الثانية أنها على لون النحاس ينافي على ما تقدم من تلويح الحديث وما اتفق عليه أهل الفلك من أن طبعها بارد يابس أو بارد رطب وحار رطب كما عن أهل الحروف ولا يقتضي أحد من هذه الطبائع لون النحاس لأنه حار يابس في الثالثة ، لأنا نقول أن لون النحاس هو الحمرة إلا أنها على ثلاثة أنواع فيه أحدها حمرة تميل إلى البياض وثانيها حمرة تميل إلى الصفرة وثالثها حمرة تميل إلى السواد ، وأنت قـد علمت أن في طبع ذلك الفلك رطوبة سيّالة وهو في باطنها حار رطب
_____________________
1 روضة الواعظين 44
 

 

فباطنه يقتضي الصفرة و ظاهره يقتضي البياض أوالسواد فاجتماع البياض والصفرة تحدث عنها الحمرة فإن نظرت إلى ظاهره من جهة السواد بملاحظة البرودة واليبوسة يكون اللون حينئذ حمرة يميل إلى السواد لأن البرودة واليبوسة مختلطة مع البرودة والرطوبة فافهم ، وإن نظرت إلى خفاء الحرارة فيه واستجنانه وعدم ظهوره إلا قليل تكون الحمرة إلى البياض أقرب ، ولك أن تجعل لون النحاس إشارة إلى الخضرة من جهة زنجاره كما ورد التصريح به في بعض الروايات في المولود الفلسفي وزنجار النحاس الأخضر فحين إذن يكون المراد بيان لونه من جهة ذاته ورتبته وفعله فإن آخر مراتب سدرة المنتهى التي تغرد على أغصانها طيور خضر .
وأما بيان قوله عليه السلام في السماء الرابعة أنها على لون الفضة مع أن لونها الحمرة على مقتضى طبيعتها من الحرارة اليبوسة ولم يذكروا لها طبيعة أخرى والفضة لونها البياض على مقتضى طبيعته التي هي البرودة والرطوبة وهذا يقتضي ما هو المعروف من الشمس والإمام عليه السلام ما يقول إلا الحق ، والمعروف عنهم أيضا حق لدلالة العقل والنقل والوجدان والمشاهدة ، فاعلم أن الشمس التي هي صاحب السماء الرابعة لها أحوال منها حال مبدئيتها وأنها أصل ومنشأ للأفلاك الستة الباقية وهي منها نشأت وعنها برزت وإليها عادت ، ومنها حال كونها ظاهر العرش المركب من الأنوار الأربعة المعروفة من النور الأبيض والنور الأصفر والنور الأخضر والنور الأحمر ومنها حال كونها مرتبة للمواد ومضيفة على الاستعداد وكل هذه الأحوال ذاتية حقيقية يترتب عليها أحكام ظاهرية وباطنية .
فالحالة الأولى تقتضي البساطة وسلب الإضافة ورتبة القهارية ، فإذا أردنا أن ننسب إليها لوناً في هذه الحالة ما لا يلق لها إلا البياض لأنه أبسط الألوان وأشرفها حتى قالوا أنه ذاتي وليس بلون وهذا هو لون المبدأ وقد ظهر هذا اللون من الشمس ، أوما ترى بياض النهار خصوصا الصبح الكاذب والصادق ولا شك أن بياض نهار الصبح ليس إلا من الشمس وقد صرّح بذلك مولانا علي بن الحسين عليه السلام في حديث ألوان العرش إلى أن قال عليه السلام (( ونور أبيض منه ابيض البياض ( ومنه ضوء النهار ))1 فعلى هذا فالمناسب هو لون الفضة التي في الغاية والنهاية في صفاء البياض .
والحالة الثانية حالة الامتزاج وقوة التركيب المستلزم للأعاجيب فإذا أردنا أن ننسب إليها اللون في هذه الحالة تعبر عنها بألوان الطّواويس وهو كما ترى من ضوء الشمس إذا نظرت إليها تحت حجاب أسود فإنك ترى ألواناً مختلفة من الحمرة والصفرة والخضرة .
والحالة الثالثة تقتضي الحرارة واليبوسة للتصعيد والتجفيف ونضج المواد وظهور مثال الفاعل فيه الظاهر يوم الرجعة فإن الناس يرون جسد أمير المؤمنين عليه السلام في عين الشمس فإذا أردنا أن ننسب إليها اللون في هذه الحالة تعبّر عنها بالحمرة أو الذهب أو أمثال ذلك وهذا كما ترى من ظهور الحمرة المشرقية والمغربية عند تكاثف البخار أو تراكم السحاب المزجي قبل أن يتراكم ، فعلى هذا فلا تنافي ولا تعارض بين الأخبار و الروايات وكلمات سادة البريات .
وقوله عليه السلام في السماء السادسة أنها من ياقوتة خضراء يشير به إلى حقيقة الأمر في ذلك فإن السماء السادسة هي سماء العلم وهو النور الأخضر الذي في الحديث المتقدم والنور الأخضر الذي منه خضرّت الخضرة وقوله عليه السلام في السماء السابعة أنها من الدرّة البيضاء وقد قال في الحديث المتقدم أنها من الذهب يشير به أيضاً إلى الواقع لأن السماء السابعة سماء العقل ولا شك أن العقل نور أبيض فصح التعبير بالدرّة .
____________________
1 الكافي 1/129 ح 1 ولكن من غير عبارة ( ومنه ضوء النهار ) .


روى علي بن إبراهيم عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قـال (( قلت له أخبرني عن قول الله عز وجل { وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ }1 فقال عليه السلام : هي محبوكة إلى الأرض و شبك بين أصابعه ، فقلت : كيف تكون محبوكة إلى الأرض والله تعالى يقول { رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ } فقال عليه السلام : سبحان الله أليس الله يقول { بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا }2 ، فقلت : بلى ، فقال عليه السلام : ثَمّ عمد ولكن لا ترونها ، قلت : كيف ذلك جعلني الله فداك ، فبسط كفّه اليسرى ثم وضع اليمنى عليها فقال عليه السلام هذه أرض الدنيا والسماء الدنيا عليها فوقها قبّة ، والأرض الثانية فوق السماء الدنيا والسماء الثانية فوقها قبّة ، والأرض الثالثة فوق السماء الثانية والسماء الثالثة فوقها قبّة ، والأرض الرباعة فوق السماء الثالثة والسماء الرابعة فوقها قبة ، والأرض الخامسة فوق السماء الرابعة والسماء الخامسة فوقها قبة ، والأرض السادسة فوق السماء الخامسة والسماء السادسة فوقها قبة ، والأرض السابعة فوق السماء السادسة والسماء السابعة فوقها قبّة ، وعرش الرحمن تبارك الله فوق السماء السابعة وهو قول الله تعالى

‏____________________
1 الذاريات 7
2 الرعد 3


{ خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ }1 فأما صاحب الأمر فهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والوصي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم هو على وجهه الأرض فإنما يتنزّل الأمر إليه من فوق السماء من بين السموات والأرضين ، قلت : فما تحتـنا إلا أرض واحدة ، فقال عليه السلام : ما تحتنا إلا أرض واحدة ))2 .
وأما مقدار السموات وسعتها ومركز جرمها ووزنها وسعة دائرتها وأبعادها فهي مذكورة في كتب القوم فليراجع إليها إذ ليس في ذكر ما هنا لنا مزيد فائدة إذ لسنا بصدد ذكر أقوال العلماء فما هو منسوب إليهم موكول إلى كتبهم .
قوله عليه السلام (( خلق السموات بلا دعائم )) يريد به دعامة غير ذاتها عرضية لها كما في دعامته حيث لا يستقر بدونها وهو كذلك ، فإن هذه الحاجة من جهة ضعف البنية وخلطها مع طبيعة غيرها فإذا أرادوا رفعها إلى أحد مرتبة بسائطها لا يمكن إلا بدعامة ارتباطها إلى الجهة الأخرى ، ألا ترى الجماد من المركبات فإنه لا يمكن رفعها وتصعيدها إلا بإسطوانة رابطة بين الجهتين جهة العلو من جهة الهواء والنار وجهة السفل من جهة التراب والماء ، هذا إذا كانت الغلبة لأحد الجهتين ، وأما التساوي من جميع الجهات فالأطباء والحكماء على امتناعه لاستلزام عدم المكان ، وأما نحن فعلى جوازه وإمكانه ووقوعه في الحضرة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم كما وصفه الله سبحانه
___________________
1 الطلاق 12
2 تفسير القمي 2/328


بذلك حيث قال تعالى { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }1‏ ومكانه أيضا في الوسط وهو رتبة القطبيّة ، وخلوص مقام الفقر الذي كان يفتخر به و حدوث الكرة المصمتة الصّحيحة الاستدارة وهذا كمال رتبة العبودية ، ولذا لما أراد الله سبحانه وصف تـلك الحضرة فحكى عنها بلسانها بقوله عزّ وجلّ { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }2 وأشهد أنّ محمد عبده ورسوله ، ولذا كانت تلك الحضرة المقدسة هي الاسم الأعظم الذي ينجذب إليه كل شيء وينفعل له كل شيء لاعتدال المزاج وبلوغه رتبة السراج الوهّاج ، وأما إذا غلبت إحدى الجهتين فالحكم للغالب مكانا وزمانا ووصفا وحكما لكن فيه ملاحظة ارتباط مع الجهة الأخرى ، وأما إذا خلصت عن الأعراض والغرائب وبلغت رتبة البساطة فهي في مركزها تدور ولا تلتفت ولا تميل ولا ترتبط لشيء أبدا في تقوّمها أصلا فلا تحتاج إلى الدعامة لقوله عزّ وجلّ { وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }‏3 فلمّا كانت السموات في كمال بساطتها وشرفها وعلوها وخلوصها عن تدنّس السفليات فهي في مقامها من غير دعامة تسبح الله سبحانه بسبعين ألف لغة كل واحدة لا تشبه الأخرى فأقامها الله سبحانه مقامها وأدارها حول مركزها فهي دائمة الحركة بمدد الله سبحانه إلى جهة إمدادها واستمدادها إلى ما لا نهاية ولها دعائم ذاتيّة وهي أمر الله الذي قام به كل شيء قال سبحانه { وَمِنْ
___________________
1 القلم 4
2 الفاتحة 5
3 الصافات 164


آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ }1 قال عليه السلام (( كل شيء سواك قام بأمرك ))2 ، و هو العمد التي لا يرونها قال تعالى { رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا }‏3 وتلك العمد هي باب فيض الله من المبدأ إليها أي السموات فتقوم بذلك بمادتها وصورها ، وتلك العمد هي العضد والركن ، قال في الدعاء (( أعضاد وأشهاد ))4 وقال عزّ وجلّ { وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا }5 فدلت الآية بمفهومها على أنّ الله سبحانه اتخذ الهادين عضدا لخلقه والعضد هو الدعامة ، إلا أنّ لهذه الدعامة حكم ذاتي حقيقي لا تدرك بالحواس الظاهرة بل ولا الباطنة أيضا وإنما تدرك بعين الله سبحانه وطرقه الـذي يرى به نفسه وخلقه قـال تعالى { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ }6 وذلك النّور هو قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ))7 وذلك النور هو نفس الدعامة ، قال صلى الله عليه وآله وسلم (( إنّ الله خلق المؤمن من نوره وصبغهم في رحمته فالمؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمّه أبوه النور وأمّه الرحمة ))8 ، وهذه الدعامة هي قول الله سبحانه للشخص ألست بربكم فافهم السرّ .
___________________
1 الروم 27

2 البحار 90/148 ح 10
3 الرعد 3

4 دعاء الإمام الحج عجل الله فرجه
5 الكهف 51

6 الأنعام 122
7 معاني الأخبار 350
8 المحاسن ص 131 ( بزيادة عبارة ( وأخذ ميثاقهم لنا بالولاية ) بعد كلمة في رحمته .