قوله عليه السلام : وأقامها بغير قوائم

يريد مقام الإصدار فإنّ قيام الشيء بالشيء له أربع مقامات شرحناها مفصّلا في تفسيرنا على آية الكرسي عند قوله تعالى { الْحَيُّ الْقَيُّومُ }1  وإلاشارة إليه أنّ القيام إما قيام صدوري وهو قيام الأثر بالمؤثر والمعلول بالعلّة كل واحد في رتبة مقام ، أو قيام تحقيقي ركنّي عضدي وهو قيام الشرائط بمشروطاتها واللّوازم بملزوماتها والصّور بموادّها والعروق بأصولها ، أو قيام ظهوريّ كقيام أشعة الشمس بالأرض و قيام الصّور بالمرآة ، أوقيام عروضي كقيام الألوان والأعراض بالأجسام.
فقيام الأشياء بفعل الله سبحانه قيام صدوري ليس بينهما اتصال ولا انفصال ولا تباين ولا تناسب ولا تضادّ ولا توافق ولا اجتماع ولا افتراق ولا غيرهما من الأحوال المتعلقة بالخلق الظاهرة ، لأنّ فعله سبحانه قد سبق هذه الأشياء كلّها فلا يوصف بها ولا يجري عليه ما هو أجراه .
وقيام الأشياء بموّادها و صورها قيام ركني عضدي أي كل واحد منهما عضد و دعامة مستقلة في تكوّنه و إصداره و انصداره ، وهذا القيام يشترط فيه التناسب والتّوافق والاتصال وعدم البينونة الافتراقيّة وقيامها بمظاهرها أي قيام المبادئ والعلل الظاهرة بأركان ظهورها التي هي نفس معلولاتها وعين أثرها قيام ظهور وهو قوله عزّ وجلّ (( فخلقت الخلق لكي
_____________________
1 البقرة 255


أعرف ))1 وهذا هو السّر في معموليّة الفاعل للفعل في قولك ضرب زيد عمروا فإنّ زيدا مرفوع على الفاعليّة و العامل فيه هو ضرب و هو فعلـه فافهم .
فالموجودات على أقسام وأنحاء منها ما يحتاج إلى الغير ويقوم به في هذه القيامات الأربعة وهو أضعفها كالألوان ، ومنها ما يحتاج إلى المقوم في الثلاثة كالوجود المقيد بأسره فإنّ كل واحد من أجزائه وجزئيّاته متقوم بمادته وصورته قيام تحقق وعضد وركن ، وبعلّته ومصدره وموجوده قيام صدور ، ومادته متقومة بصورته قيام ظهور ، وصورتها متقومة بمادّته قيام تحقق و قيام عروض أيضا على اعتبار ، وهذه الموجودات تختلف أحوالها وأوضاعها في اللّطافة والكثافة بحسب قلّة الافتقار إلى حدود الصّورة وأجزائها ومتمماتها وكثراتها ، وإلى تركب المادة البسيطة أشرف وأعلا من المفتقر إلى المادة المركّبة , والمركبة بالتركيب الأول أعلا وأشرف من التركيب الثّاني ، وكذا الصّورة وهكذا إلى ما لا نهاية له بحسب الأكوار والأدوار والأطوار والأوطار وهذين القسمين من الموجودات لا رجحان لوجودهما وكونهما لأنهما متوقفان في الكون الوجودي العيني إلى الشرائط الخارجة عن حقيقة ذاتها فإن وجدت الشرائط وجدا وإلا عدما بالعدم الإضافي الإمكاني .
ومنها ما لا يحتاج إلى الواحد وهو المصدر خاصة ولايترتب وجوده على شرط وحكم خارج عن حقيقة ذاتـه كالإمكان الراجح والوجود الراجح ، والله سبحانه لما استوى برحمانيته على العرش فأعطى كل ذي حق حقه فأعطى ذي الأربعة وذي الثلاثة حقهما وظهر بنوره سبحانه وتعالى في ذي الواحدة فتجلى له به و أظهر أمثاله و آيته ودليله فيه فهو فاعليته فيه وفي الأشياء وهو فاعل فعل اللازم الذي لا يتعدى إلى المفعول به إلا بأمر خارج عن حقيقة ذاته ، فالسموات إن كان المراد بها سموات عالم الإطلاق فالقوائم وإلاعضاد كليّاتها بها منتـفية هناك مما ترى وما لا ترى لأن تلك هي أفلاك
___________________
1 البحار 87/99
 

 

الأنوار التي تمحى بها الأغيار ، والقوائم أغيار وهي تستلزم الأكدار قال مولانا سيد الشهداء الصديقين روحي فداه (( محقت الآثار بالآثار ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار ))1 فتدور تلك السموات دورة متوالية لا إلى نهاية لها بل ليس هنا توالي وعدمها ، وإنما تدور على قطبها لا إلى جهة ولذاكانت الجهات كلها جهاتها قال تعالى { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ }2 قال الحجة عجل الله فـرجه وجعلني فـداه (( ومقاماتـك التي لا تـعطيل لها في كل
_____________________
1 الإقبال 350 دعاء عرفة للحسين عليه السلام
2 البقرة 115


مكان ..الخ ))1 ، فلو كان لتلك المقامات جهة ومكان لكان لها تعطيل ، وتلك السموات هي التي سمع أيوب صوت حركة أفلاكها سماعا جزئيا ولم يطق حتى شك وبكى وقال هذا أمر عظيم وخطب جسيم فأوحى الله تعالى إليه ما أوحى وابتلاه الله سبحانه ما ابتلا به كما هو في حديث سلمان ويأتي بيانه إنشاء الله مفصلا مشروحا ، وتلك السموات لا محور لها إذ لا غاية لسيرها ولانهاية لكرّها سبحان من هو ملكه دائم لا يزول .
وإن أريد بها سماوات عالم التقييد على ما هو المحقق عندنا لا على ما يعرفون من معنا الإطلاق والتقييد فتلك السموات لها دعائم ذاتية غير مرئية وهي مواد وجوداتها وذوات أعيانها وأكوانها السائرة لا إلى جهة المسخّرة لها إليها لأن تلك رشح تلك السموات ودليل ذلك العالم البحت البات وصورها وأشباح هياكلها وأمثالها السائرة إلى جهة لكون سيرها إلى المحور وعلى المحور فحدث لها قطبان قطب جنوبي وقطب شمالي فيكون لها مشرقان فهنالك التدبير لحكم التقدير ، ولما كانت تلك الأشباح وإن كانت كما قال الله عز وجل (( وطبيعتك من خلاف كينونتي ))2 لكنها على ما قال سبحانه كما في الحديث القدسي (( إني جعلت معصية آدم سببا لعمارة الدنيا )) كانت تلك الأشباح حجبا رقيقة وأستارا دقيقة لا تمنع من نفوذ النور من عالم السرور فاستولى عليها حكم ذلك الصقع فخرجت مشابهة له و حاكية عنه فظهرت بهيئة الاستدارة لبيان العبارة ، فاستدارت على نفسها في مركزها من جهة مبدئها و خالقها وما ارتبطت بشيء آخر غيره فأقامها الله سبحانه مقامها وما ربطها بقائمة ودعامة غيرها وتفضل عليها بالتأثير لأنها وصلت مقام ( أجعلك مثلي ) حيث عملت على مقتضى الأولى ( أطعني ) وهذا معنى قولهم أحسن الأشكال شكل المستدير ، فصارت السموات مرتفعة ظاهرا وباطنا بغير قوائم وحيث أن مولانا الإمام الرضا آتيت لها قوائم ودعامة و
_____________________
1 دعاء الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه في رجب
2 علل الشرائع 10
 

 

استدل بمفهوم الصفة و أشار إلى حجيته في قوله تعالى { رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا }1 فلا بأس أن نشير إلى قوائمها الغير المرئية فنقول أن الدعامة العظمى والقائمة الكبرى لكل السموات وما فيهن وما بينهن وما فوقهن وما تحتهن هو أمر الله سبحانه القائم به كل شيء وهو الجوهرة الإلهية و اللطيفة الإكسيرية السارية في كل أكوان البرية قال أمير المؤمنين وإن من شيء إلا وفيه منه أصل أوفرع وهذا مادة الإكسير ويصلح للتعلق بكل اسم لكل فلز من فلزات العالم والسماء السابعة لها دعامة من تلك الدعامة الكبرى إلا أنها من الدرة البيضاء والسماء السادسة لها دعامة من الزمردة الخضراء والسماء الخامسة لها دعامة من الياقوتة الحمراء والسماء الرابعة لها دعامة من الذهب والسماء الثالثة لها دعامة من العقيق الأصفر والسماء الثانية لها دعامة من الحديد المزعفر والسماء الأولى لها دعامة من الفضة البيضاء الصافية وهذه دعائم الأفلاك وقوائمها إلا أنها ليست مستقيمة وإنما هي مستديرة وكل ذلك صفة العمود الذي من النور عند أهل البيت المعمور لأن الله تعالى يعطي وليّه عمودا من نور يرى به أعمال الخلائق في تكوينهم وتشريعهم وذواتهم وصفاتهم وقراناتهم واعتباراتهم حين التكوين وقبله وبعده وذلك العمود هو أول ظهور النور الأمري وهو دعامة العرش وقائمته فافهم وإلا سلم تسلم ، ثم اعلم أن المتبادر من القوائم هو إلاربعة إذ ذات القوائم هي التي كل أضلاعها تكون قائمة و هذه لم يتحقق إلا في المربع فتعليق الإمام الإقامة بالقوائم إشارة أن الشيء لا يقوم ظاهرا معروف الحكم مشروح الأسباب ومبين العلل إلا بأربعة أضلاع بتمام الوفق المربع فمهما نقص منها ضلع واحد لا يتحقق ولا يتقوّم ولذاكان شكل المثلث شكل الإعدام وإلافناء وإلاهلاك بخلاف المربع فإنه للتأليف و المحبة و المودة ولا تتوهم أن ذلك ينافي ما أطبق عليه علماء الهيئة ودلت عليه التجربة إن نظر التثليث في الكواكب نظر محبة وصداقه وألفه ونظر التربيع نظر العداوة والبغضاء لأن التثليث عندهم هو التربيع والتربيع هو التثليث واختلفوا في الاسم بحسب الظاهر للأمر الظاهري من بعدهما بثلث
_____________________
1 الرعد 3
 

 

الفلك أوربعه و ثلث الفلك هو مائة و عشرون درجة و هذا مربع لكونه مخرج الربع بخلاف ربع الفلك لأنه تسعون وهو مخرج الثلث وليس له مخرج الربع أبدا أبدا فيكون مثلثا فنظره عداوة و خسار و لهذا الكلام مرادات كثيرة طويتها للتطويل .


 

قوله عليه السلام : و زينها بالكواكب المضيئات

اعلم أن الله سبحانه لما خلق نار الشجر الأخضر نظرت إلى نفسها فخمدت وبردت ثم نظر إليها الرب سبحانه وتعالى فذابت وماعت فخلق الله سبحانه من نارها الأفعال التي من صفاتها عند ظهور المثال الفاعل ومن برودتها وخمودها وجمودها المفعول ومن الرطوبة الذاتية السيالة ارتباط الفاعل إلى المفعول وارتباط المفعول إلى الفاعل فإذا تعددت المفاعيل تعددت وجوه تلك النار في ذلك المفعول الذي هو الأرض والماء بنفخ ريح الجنوب فأدام الملك في الملك ورجع من الوصف إلى الوصف فإن كان ذلك في صقع واحد يكون التعدد في الأشخاص وإن كان في صقع مختلف فإن كان على جهة الإنجماد فالفاعلية على حسب تلك الجهة فإن كان في العقول يظهر الفاعل باستوائه على العرش الذي هوالعقل الكلي وبظهوره ووجوهه في العقول الجزئية فكانت فاعلية كل جزء ووجه من العقول هو الوجه الجزئي من العقل الكلي الذي ظهر له به وإن كان في عالم النفوس يظهر باستوائه على العرش الذي هو النفس الكلية وبظهوره ووجوهه في النفوس الجزئية فكانت فاعلية كل جزء ووجه من النفوس هو الوجه الجزئي من النفس الكلية التي ظهر لها بها وهكذا إلى عالم الأجسام ولما كان الفاعل إنما يوجد المفعول في رتبة المفعول لا في رتبة ذاته يكون ظهور الفاعلية على حسب ذلك المفعول فإن كان المفعول غيبا كان الفاعل بظهوره كذلك وإن كان شهوديا كان الفاعل أيضا بظهوره شهوديا وهكذا الحال في كل الأحوال في كل الأطوار إلا أن في كل عالم فظهرت ذلك النار التي هي مثال الفاعل وظهوره على كل ذلك العالم مجملا ثم تظهر بوجوهه ورؤوسه في تفصيل ذلك العالم فلما كان الفاعل محيطا بجميع مراتب المفعول وقد قلنا للفاعل في كل عالم ظهوران إجمالي وتفصيلي فيكونان هذان الظهوران فلكين محيطين بكل مراتب المفعولات ، وفي الفلك الثاني الذي هو مقام التفصيل تظهر شعلات تلك النار متمايزة بالتعلق إلا أن تلك الشعلات في كل عالم بحسبه ، فإن كان في عالم الأرواح فأنوار ، وإن كان في عالم الأجسام فشعلات جسمية نورية حاملة لظهور الفاعل على حسب استعداد القابلين ، وتلك الشعلات التي هي حوامل ظهور الفاعل بالتدبير والتقدير هي الكواكب لينطبق الظاهر بالباطن والمعنى باللفظ ، ولما كان الفلك الأول لا كثرة فيه لكونه مقام الإجمال لم يظهر كوكب فيها لشدة اللطافة ، وأما الفلك الثاني فمن جهة كونه مقام التفصيل ظهرت الكواكب فيه مفصلة مشروحة فكان كل كوكب مظهر فعل من الأفعال الجزئية ومتعلقا بمفعول من المفعولات السفلية ، والفلك بمنزلة جسد الكوكب والكوكب بمنزلة قواه لا يستغني أحدهما عن الآخر بل قوام الفلك بالكوكب كما قال صلى الله عليه وآله وسلم (( إن أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن الكواكب أمان لأهل السماء ))1 ، فجعل الله سبحانه الكواكب كلها في الفلك الثاني ، فالله سبحانه زين السموات بالكواكب وجعل الكواكب كلها في الثامن وأمد الأفلاك بها و جعل لكل فلك من السبعة كوكبا واحدا ، والوجه كما ذكرنا لأن الكواكب هي مظاهر التدبير ومحال مشيئة الله المتعلقة بالعوالم الجسمية ومهابط التّجليات الروحانية ومواقع الفيوضات الرحمانية في المقامات التفصيلية ، ولما كان الكرسي هو محل التفصيل ومظهر الأنوار العرشية من الجليل والقليل ظهرت الكواكب التي هي محال تلك الأنوار ومجالي تلك الآثار على التفصيل فيه فليس للكوكب موقع ومحل إلا هناك وإلا لم تكن الكواكب أسباب التأثير أولايكون الكرسي مقام التفصيل وقد دلّ الدليل العقلي والنقلي على الأمرين ، وهو مثال اللوح المحفوظ والنفس الكلية والظاهر طبق الباطن كما أن العرش مثال القلم والعقل ، وأما السبعة فلما كانت أسباب التمكين وآلات التكوين و بدونها لم تتحقق الفيوضات والوجودات في العالم السفلي وقد قـلنا أن المـؤثر في الحقيقـة هو الكوكب والفلك هو محل لذلك وإن كان له أيضا تأثير من نوع تـأثير
___________________
1 لم نقف على هذا الحديث كما ذكره المصنف أعلى الله مقامه ولكن وجدنا ما يقرب منه في علل الشرائع صفحة 123 وهو (( النجوم أمان لأهل السماء كما أن أهل بيتي أمان لأهل الأرض )) .
 

 

الكوكب ، ونظيرهما في العالم الصغير هو القوى الأربع بالنسبة إلى كلّ البدن من الجاذبة والهاضمة والدافعة والماسكة وجب أن يكون كل فلك من السبعة محلا لكوكب .
وأما وجه انقسام الكرسي من جهة الكواكب إلى البروج والمنازل والدرج واختصاص كواكب البروج والمنازل بأغلب التأثيرات دون غيرها فاعلم أن النفس الرحماني الأولي أوالثانوي لما تعلق بالإيجاد على جهة الابتداء ظهر من كل واحد منها على جهة الترتيب ثمانية وعشرون اسما من أسماء الله سبحانه وبها قوام الأكوان والأعيان والانقلابات التي تقع في الزمان والمكان ، ولذا جرت الحروف التدوينية التي هي أصول الصفات الحرفية والأشباح المنفصلة من كل التأثيرات والـتركيبات الغير المتناهية على ذلك العدد ، فتلك الأسماء مظاهر ومجالي تظهر في كل عالم بحسبه فظهرت في الصفات الحاكمية التدوينية حروفا وفي العوالم الغيبية حقائق وفي العوالم الشهودية كواكب ، ولذا انقسمت منطقة البروج إلى هذه الأقسام الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر لأنها المبادئ والعلل في الجسمانيات وهو مقام الباء في البسملة ، قال عليه السلام (( ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم )) ، وهنا وجه آخر دقيق وهوما قلنا سابقا أن الوجود مع ما فيه من الأحوال والأوضاع إنما هو متقوم بيد الله سبحانه وكل ما في الكون قبضات تقبضة اليد إما باليمين أو بالشمال وإن كانت كلتا يديه يمين فالإشارة إلى الأول قوله عز وجل { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}1.
وإلاشارة إلى الثاني قوله عز وجل { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ }2 ، والإشارة إلى أن كل الوجود بيد الله سبحانه قوله عز وجل { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }‏3 واليد قد ظهرت في اليمين والشمال وهما اليدان وكل يد مشتملة على أربعة عشر عقد فالمجموع ثمانية وعشرون وهو عدد المنازل وأربعة عشر منها نورانية أبدا وهي ( صراط علي حق نمسكه ) وأربعة عشر منها ظلمانية أبدا لتمام ظهور اليدين في المقامين .
وأما البروج فاعلم أن الأسماء الكلية التي عليها مدار الكون إثنى عشر اسما وهو قوله عليه السلام (( إنّ الله خلق اسما بالحروف غير مصوّت )) إلى أن قال عليه السلام (( فجعله أربعة أجزاء ليس واحدا منها قبل الآخر وحجب واحدا منها وهو المكنون المخزون وأظهر ثلاثة منها لفاقة الخلق إليها
______________________
1 الزمر 67
2 الأنعام 125 _ 126
3 المائدة 164


ثم جعل لكل واحد أربعة أركان فذلك اثني عشر ركنا ))1 وهذه الإثني عشر هي الأصول وعليها يدور الأملاك الأربعة جبرائيل وعزرائيل وإسرافيل وميكائيل وبها قامت أركان العرش ، ثم يفصّل كل ركن أو قل كل اسم إلى ثلاثين اسما أوركنا فيكون التقسيم في الإثنى عشر ثلاث مائة وستين اسما وكل هذه الأسماء مندرجة تحت هيمنة اسم الله والرحمن ، ولما كانت رتبة الألوهية رتبة البساطة والقدّوسية والتنـزيهية وليس فيها تكثر الأسماء والصفات والإضافات إلا ذكرا ومكانا وإجمالا ، والظهور في عالم البروز إلى هذه المراتب والمقامات والأسماء والصفات في رتبة الرحـمانية والعوالم متطابقة والأكوان متناسقة جرت الحكمة في إبداع عالم الشهادة والأجسام على ذلك النهج ، ولما كانت المشابهة والمناسبة بين الأثر وصفة المؤثر مما لا بد منه ليمكن للأثر التلقي والاستفاضة من المؤثر وجب أن تكون لتلك الأسماء مظاهر تتجلى بها في العوالم الشهودية ، وقد أثبتنا أن المبادئ العالية في الكون الجسمي هي الأفلاك لا غير إذ لا ألطف وأشرف منها فوجب أن تكون هي المظاهر ، ولما كانت الألوهية والرحمانية لهما هيمنة وتسلط وإحاطة على كل الأكوان والأسماء ، فكذلك الفلكان الأعظمان لهما إحاطة تـامة لكل الأجسام ، ولما كانت الألوهية مقدمة ومحيطة على الرحمانية كان مظهرها في عالم الأجسام وهو الفلك الأول كذلك ، ولما كانت الألوهية ليس فيها الكثرات الأسمائية إلا بالذكر وجب أن يكون المظهر على هيئة الظاهر فلم يكن في الفلك الأعلى كوكب وكثرة بوجه من الوجوه ، ولما كانت الرحمانية تحت الألوهية وعندما ظهرت الأسماء وفصلت ووجدت المتعلقات والأسماء المتقابلة كان مظهرها تحت مظهر الألوهية ، ولما كان مظهر الألوهية هو الفلك الأول كان مظهر الرحمانية هو الفلك الثاني ، ولما كانت الكواكب على ما عرفت مظاهر التدبير ومواقع الأسماء ظهرت الكواكب كلّها في فلك البروج فظهرت أولا مبادئ الأسماء وأصول مظاهرها وهي الكواكب المركوزة في منطقة البروج المحيطة بكل ذرة من ذرات الوجود فكانت البروج إثنا عشر
____________________
1 الكافي 1/87 _ 88
 

 

على طبق الأسماء والأركان الإثني عشر فطابق المظهر الظاهر ذلك تقدير العزيز العليم .
ثم قسّم كل برج ثلاثين قسمة على قياس تقسيم كل من الأسماء الإثني عشر إلى ثلاثين اسما منسوبا إليها فبلغت الأسماء إلى ثلاثمائة وستين كذلك البروج قد قسمت على ذلك النهج فصار تقسيم مجموع الدورة ثلاث مائة وستين درجة وهي تمام الدورة ، وقد علمت أن الكواكب كلها في الكرسي وما سواه من الأفلاك ليس في كل منها إلا كوكب واحد وأما قوله سبحانه { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ }1 فالمراد به الدنيا بمعنى الأدون، فإن السماء الحقيقة سماءان سماء عليا وسماء دنيا فالعليا هي العرش وهو الفلك الأعظم ثم من بعدها تكون السماء الدنيا والسماء الدنيا هي الكرسي على هذا الاعتبار والكواكب كلها مركوزة فيه على الواقع ، ويراد من السماء الدنيا آخر الأفلاك كما هو الظاهر المتبادر من إطلاقات كلمات أهل العصمة عليهم السلام ، فحينئذ يكون المراد بتزيينها بالكواكب لكونها أول محط نظر النّاظر فتظهر الكواكب فيها منطبعة كالهواء المنطبع فيها الصور والهيئات والأشكال والمقادير ، وعدم الظهور لا يستلزم عدم الوجود مع أن هذا أمر واضح فإن الكواكب تختلف هيئاتها بحسب النظر لغلظة الهواء ورقته وكثافته ولطافته ألا ترى الشمس في بعض الأيام كبيرة عند الطّلوع فإذا بلغت كبد السماء تصغر وكذا القمر وكذا سائر الكواكب وليس ذلك إلا للانطباع وإلا فذات الشيء الواقعي لم تتغير ولم تتبدل ولم تزل على حالها والتّغيير دليل الانطباع كصورتك في المرآة ، فعلى هذا كل ذلك من الأفلاك يحكي الكواكب بل كل السوافل إذا كانت صيقلية ألا ترى المرآة والماء وسائر الأجسام كيف تحكي الكواكب بمثالها و شبحها وهي في مكانها فإذا أريد بيان أمر من الأمور يذكر ما هو الأقرب إلى المبين له فتكون السماء الدنيا أعم من فلك القمر وكرة النار وكرة الهواء و كرة البخار والهباء
________________
1 الصافات 6 _ 7
 


فإنّ السماء تطلق عليها كما في قوله تعالى { وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء }1  .
وأما كيفية تركيب الكواكب وخلقتها فاعلم أن الله سبحانه خلقها سبع طبقات من صفو العناصر الأربعة من عالم هورقليا كل كوكب على حسب ما فيه من القوة وتختلف قوى الكواكب وطبائعها ، والدليل على اختلاف طبائعها اختلاف ألوانها وأعمالها وآثارها وأشعتها وتأثيراتها في العالم السفلي ، ولا تسمع إلى ما يقولون من أنّ الأفلاك بسيطة ليست مركبة من الطبائع المختلفة فإن ذلك إنكار للإحساس والوجدان ودليل العقل يأبى عن ذلك ، إذ من المحال أن يجعل الله سبحانه الشيء الواحد في الطبيعة والمزاج والذات مختلف الأحوال والتأثير والألوان وما هكذا جرت عادة الحق سبحانه لأن ذلك يستلزم الجبر وخلاف الحكمة ، بل الكواكب مركبة من الطبائع المختلفة فالشمس من نور النار وصفاء الماء ، والقمر من صفاء الماء ونـور النار ، وزحل من صفو التـراب وخالص الماء ، والزهرة من صفو الهواء وهكذا ، وهذه العناصر ليست من عناصر هذه الدنيا وإنما هي من عناصر أسفل هورقيليا .
وقولي أنها سبع طبقات أريد به وفاقا لأخبار الكمال المطلق فإن صنع الله سبحانه على نظم محكم متقن وخلقه على طور واحد ، والشيء لا يبرز في الوجود إلا جامعا للأصلين أصل راجع إلى المبدأ وأصل راجع إلى نفسه ، فالأصل الأول مبدأ الفرد لفرديـة المبدأ ، والأصل الثاني مبدأ الزوج
_________________
1 البقرة 22


لزوجية المصنوع { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ }1‏ ومبدأ الفرد ليس إلا الثلاثة ، لأن الفرد الظاهر في المفعول والمقترن به ليس إلا الواحد وهو ليس إلا الثلاثة لنظر ذلك الواحد حين الاقتران إلى أعلاه وأسفله ونفسه ، وهذه الثلاثة في عالم الجمع يعبّر عنها بالواحد وفي عالم الفصل والفرق يعبر عنها بالثلاثة ، ومن هذه الثلاثة في عالم النور يعبر عنها بالظاهر والمظهر والظهور ، وفي عالم الخلط والمزج يعبر عنها بالعقل والنفس والجسد وهكذا الأمر في كل شيء فافهم إن شاء الله .
ومبدأ الزوج ليس إلا الأربعة لأن التأليف لا يتحقق إلا بقيام الزاوية ولا يكون كذلك إلا المربع والمثلث القائم الزاوية مربع حقيقة .
ولما كانت كل الأشياء جامعة لهذين الأصلين خرجت كلها في الوجود مسبعة إلا أن هذا التسبيع يختـلف في الخفاء والظهور فكلما هو أقرب إلى النور وإلى المبدأ أظهر في الفعل والتأثير لأنه جامع مملك فيكون واسطة في الإيجاد في المراتب السبعة كلها ولذاترى مبادئ الكون من حيث الكمال إما سبعة أومثنّاها قـال تعالى { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }2 .
روى علي بن إبراهيم عن الباقر عليه السلام أنه سئل عن الشمس لأي شيء صارت أشد حرارة من القمر فقال عليه السلام (( إن الله خلق الشمس من نور النار وصفوالماء طبقا من هذا وطبقا من هذا حتى إذاصارت سبعة أطباق ألبسها الله لباسا من نار فمن هنالك صارت الشمس أحر القمر ، قيل : فالقمر ، قال عليه السلام : إن الله خلق القمر من ضوء النار وصفو الماء طبقا من هذا و طبقا من هذا حتى إذا صارت سبعة أطباق ألبسها الله لباسا
__________________
1 الذاريات 49
2 الحجر 87

 


من ماء فمن هناك صار القمر أبرد من الشمس ))1 وشرح كيفية هذه الأطباق وبيان حقيقة المزج يطول به الكلام فاكتفينا بذكر الحديث وما تقدم من الكلام ينبئ عن هذا المرام .
قوله عليه السلام (( الكواكب المضيئات )) أما الشمس فلا شك ولاريب أن ضوئها ذاتي ليس بمكتسب وحديث (( الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي ))2 لا يراد منه حكم الجسمي وإنما يراد منه الإمداد الباطني الحقيقي ، وقولي أن ضوءها ذاتي لا يراد به أنها مستقلة في ذلك كلا وحاشا بـل على ما روى الصدوق في التـوحيد بـإسناده عن أبي ذر قال (( كنت آخذا بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نتماشى جميعا فما زلنا ننظر إلى الشمس حتى غابت ، فقلت : يا رسول الله أين تغيب فقال صلى الله عليه وآله وسلم : في السماء ثم ترفع من سماء إلى سماء حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا حتى تكون تحت العرش فتخر ساجدة فتسجد معها الملائكة الموكلون بها ، ثم تقول يا رب من أين تأمرني أن أطلع أمن مغربي أم من مطلعي فذلك قوله عز وجل { وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }3 ، يعني بذلك صنع الرب العزيز في ملكه العليم بخلقه ، قال : فيأتيها جبرائيل بحلة ضوء عن نور العرش على مقادير ساعات النهار في طوله في الصيف أو قصره في الشتاء أوما بين ذلك في الخريف والربيع ، قال فتلبس تلك الحلة كما يلبس أحدكم ثيابه ثم تنطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطلعها قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكأني بها قد حبست مقدار ثلاث
___________________
1 تفسير القمي 2/17
2 التوحيد 108
3 يس 38


ليال ثم لا تكسي ضوء و تؤمر أن تطلع من مغربها فذلك قوله عز وجل { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ }1‏ ، والقمر كذلك من مطلعه ومـجراه في أفق السماء ومغربه وارتفاعه إلى السماء السابعة ويسجد تحت العرش ثم يأتيه جبرائيل بالحلة من نور الكرسي و ذلك قوله تعالى { جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا }2 ))3 .
وروى الكليني في الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام (( إن للشمس ثلاثمائة وستين برجا لكل برج منها مثل جزيرة من جزائر العرب فتنـزل كل يوم على برج منها ، فإذا غابت انتهت إلى حد بطنان العرش فلم تزل ساجدة إلى الغد ، ثم ترد إلى موضع مطلعها ومعها ملكان يهتفان معها ، وإنّ وجهها لأهل السماء وقفاها لأهل الأرض ولو كان وجهها لأهل الأرض لاحترقت الأرض ومن عليها من شدة حرّها ، ومعنى سجودها ما قال سبحانه { أَلَمْ تَـرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
___________________
1 التكوير 1 _ 2
2 يونس 5
3 التوحيد 281



وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ }1 ))2 .
فمعنى ذاتيّة ضوء الشمس مع ما ذكر في الحديثين الشريفين أنّ الله سبحانه وهبها النور تفضلا ومناً لما سألت الحق سبحانه عن ذلك لما منّ الله عليها بقوة الطلب فهي دائما تسأل النور والله سبحانه يمدها به من جوده وموهبته ويده فيفيض سبحانه بها على ما سواها، والوجه في ذلك ظاهر ظاهرا وباطنا
أما الأول فلأنّ الشمس إذا غابت تغيب معها الأنوار كلها فلو لم تكن الأنوار لها أو هي مكتسبة مما هو أقوى منها يجب أن يقوم ذلك النور مقام نورها إذا غابت ولم تحدث الظلمة ، كالقمر إذا غاب يقوم نور الشمس مقام نوره وهو أقوى منه وذلك في محل المحاذات ، مع أنّ الشمس إذا ظهرت تغيب أنوار غيرها من الكواكب ، ولا شك أن القويّ يضمحل عنده الضعيف فلو كان في الكواكب ما هو أقوى منها لما خفي عند ظهورها لأن العالي إذا أشرق يضمحل السافل كنور السراج عند نور الشمس ، وهذا ظاهر معلوم .
وأما الثاني فاعلم أنّ الشمس مربية للوجود الثاني في السفليات وهي مربية للمواد ، والمواد أصل لوجود الشيء فإن الشيء ليس إلا مادة وصورة ، والصورة ليست إلا الحدود والعوارض والهيئات ، وهي لا قوام لها إلا بالمادة ، ولا شك أن المادة هي جهة الفاعل لعلوها وشرفها ووحدتها وبساطتها ، والصورة هي جهة القابل لاختلافها وتكثرها وتضادها ، ولما كان الأثر يشابه صفة مؤثره وجب أن يكون مربي المادة أشد وأقوى وأظهر وأتم وأثبت وأنور من مربي الحدود والصّور أوالمجموع من حيث الصورة وإلا لزم عدم دلالة الأثر على المؤثر فإن الأثر القوي يدل على المؤثر كذلك ، ولما كانت الشمس هي مظهر الفاعلية لكونها تربي المادة التي هي جهته وجب أن تكون
_____________________
1 الحج 18 2 الكافي 8/157 ح 148
 


نيّرة لذاتها من غير الاكتساب لكون الفاعل نيّر بذاته قال تعالى {* اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }1‏ ، والمظهر لو كان له جهة من غير جهة الظهور لم يكن مظهرا فوجب أن تكون الشمس مضيئة بذاتها أي بأن جعلها الله سبحانه حين خلقها كذلك ، فلما كانت هي مظهر الفاعلية فتكون مستوى الرحمن وقلب الإنسان فتدور الكواكب الأخر التي هي بمنزلة القوى والآلات لها فوقها وتحتها كالقوى الإنسانية بالنسبة إلى قلبه، فظهرت فيها الأنوار وصارت مجمع الأسرار فأمدت الفلك السابع أي كوكبه وهو زحل من ذات النور الأبيض فكان باردا يابسا كما قال الرضا عليه السلام (( ما بعث الله نبيا إلا صاحب
_______________________
1 النور 35


مرّة سوداء صافية ))1 وحارا ورطبا ليحكي مثال الشمس الظاهر فيه فإنّ النبوة هي الشمس ، وأمدّت السماء الأولى الدنيا أي كوكبها وهو القمر من صفة النور الأبيض التي هي الحياة والتصوير ، وأمدت السماء السادسة أي كوكبها وهو المشتري من ذات النور الأخضر فكان باردا رطبا ، وأمدت عطارد صاحب السماء الثانية من صفته ، وأمدت المريخ من ذات الـنور الأحمر ، وأمدّت الزهرة من صفته ، فكانت الكواكب الستة كلها مستمدة من الشمس ومكتسبة عنها لأنّ حكم الله سبحانه وتعالى في الأكوان واحد كما أنّ الفيض إنما يصل إلى شئون كل شيء وإضافاته وأحواله وأطواره وأوطاره بواسطة الفيض المفاض على مادة ذلك الشيء ، كذلك العلّة المادية المطلقة بالنسبة إلى العلة الصورية وقد بينا أن الشمس هي العلة المادية بمعنى أنّ المواد إنما تربى بنظرها فتكون العلل المتعلقة بشئون المواد مكتسبة عن العلة المتعلقة بأصل المواد وهذا معنى قوله عليه السلام (( وبالمشيئة كانت الإرادة وبالإرادة كان القدر وبالقدر وكان القضاء )) وقوله عليه السلام (( لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلا بهذه الخصال السبع بمشيئة وإرادة وقدر وقضاء وإذن وأجل وكـتاب ، فمن زعم أنه يقدر على نقض واحدة فقد كفر ، وفي رواية أخرى فقد أشرك ))2 ، ولما كان عالم الوجود المطلق الذي هو عالم الفعل عالم البساطة والوحدة كان اعتبار المقامات السبعة فيه على جهة التعلق والالتفات والتوجه إلى المتعلق ، ولما كانت الكواكب هي مظاهر الأفعال في عالم التفصيل أي عالم الأجسام خرجت تلك السبعة التي لا يكون شيء إلا بها مفصلة مشخصة إذ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ، والسافل هو تفصيل وجوه العالي ولما كانت المشيئة في تلك المراتب هي الأصل وسائر المراتب كلها عنها تشعّبت وتأصلت وهي وجوهاتها وأولادها كان الأمر كذلك في عالم التفصيل , فمثال المشيئة التي هي الشمس أصل لمثال المراتب الأخر التي هي الكواكب الأخر ، وإنما كانت الشمس مثالا
___________________
1 تفسير القمي 2/334
2 الكافي 1/149 ح 1
 

 

للمشيئة لأنهم فسروا المشيئة بأنها الذكر الأول للشيء والمراتب الأخر حدود لذلك الذكر والذكر الأول للشيء لا يكون إلا إحداث مادة الشيء إذ ليس للشيء قبل مادته ذكر أصلا إلا في الإمكان والصلوح ، ولا شك أن الشمس هي مربية للمواد فتكون مثالا للمشيئة في عالم المواد فتكون أصلا للكواكب الستة الباقية ألا ترى السبع المثاني في قوله عز وجل { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }1 إن الأصل فيهم واحد والباقون كلهم متشعبون منه وهو الشجرة والباقون أصلها وفرعها ولقاحها و تلك السبعة هي محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وجعفر وموسىعليهم السلام ( ااا مح ااا هـ و ) فإذا ثنيت تكون أربعة عشر كما ظهر في الخاتم المكرّم سبعة بأربعة عشر حرفا ، ولاشك أنّ محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هو الشمس فيهم وهو أفضلهم وسيدهم وهم مستضيئون بضوئه كالضوء من الضوء صلوات الله عليهم أجمعين ، وكذلك الأمر قد جرى في مثال تلك الأمثال العليا الأسماء الحسنى ، وكذلك الأمر في السبعة الإنسانية وهي قلبه اللحم الصنوبري وصدره الذي هو وعاء لقلبه والبطون الخمسة التي هي الدماغ التي هي محل المشاعر الخمسة ، ولا شك أن القلب هو سيدها ومولاها وفخرها وشرفها وكلها تستمد منه وهو محل الحرارة الغريزية التي هي حياة كل البدن بها وتلك الستة رؤوسها وألطف ما في البدن من القوى والآلات فصارت محلا للأرواح ومسكنا لظهور الأشباح ، والقلب هو مثال الشمس لكونها هي الحرارة الغريزية للعالم ، ولذا إذا كورت الشمس تتكدر النجوم فإن كان تكويرا تفكيكيا يخرب العالم ويفسد النظام ، وإن كان إنكسافيا يحصل خلل كلي بقدر الكسف من محاذي المنكسفة عنه فيجبر ذلك بالصلاة كالحرارة الغريزية إذا انطفت في البدن ينطفئ سراج البدن فإن البدن لتلك الحرارة كالدهن للنار وإصلاح البدن وإفساده بحسب قوة الحرارة الغريزية وضعفها وصفائها وكدوراتها كما هو مقرر عند الأطباء ، ولا شك أن القوى كلها مستمدة منها فإذا ثـنّيت هذه السبعـة بـالروح والجسد فـإنّ القلب روح واللحم
___________________
1 الحجر 87
 

 

الصنوبري جسده وكذلك الصدر وسائر القوى فيكون المجموع أربعة عشر ، فجسد الشمس وروحها كليّان بالنسبة إلى غيرها كالقلب فافهم .
فدلّ العقل والنقل والآيات الآفاقية والأنفسية على أنّ الشمس هي الأصل في الكواكب السبعة وضوء الكل مكتسب عنها ، وأما الكواكب الأخر المركوزة في الفلك الثامن فضوؤها لظهورها أيضا منها وإن كانت لذاتها من العرش بالكرسي ، أما في عالم الوجود المطلق فالكواكب هناك هي الأعيان الثابتة في العلم الإمكاني في الإمكان الرّاجح ، ولا شك أنّ ذلك غيب لا يظهر في الكون العيني والكوني مشروح العلل مبين الأسباب إلاّ بالمشيئة التي هي مثالها الشمس كما مرّ ، وأما في عالم هياكل التوحيد وقصبة الياقوت فجلال القدرة التي هي الولاية المطلقة لم تظهر إلا عند الطّواف حول جلال العظمة فكان جلال العظمة التي مثالها الشمس سببا لظهورات جلال القدرة كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر و كان يطوف حول جلال القدرة فإذا انتهى إلى جلال العظمة ثمانين ألف سنة خلق الله نور علي عليه السلام فكان نور علي عليه السلام يطوف حول جلال القدرة ونوري يطوف حول جلال العظمة )) وظاهر جلال القدرة هي اللّواء الذي يؤتى به في القيامة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم على الوسيلة وهي المنبر التي لها ألف مرقاة ومن كل مرقاة إلى الأخرى عدوالفرس والجواد ألف سنة ، وعلي عليه السلام تحته بمرقاة وذلك اللّواء له سبعون ألف شقة وكل شقة تسع الخلق أجمعين فتعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يسلمها بيد علي عليه السلام قال صلى الله عليه وآله وسلم (( أعطيت لواء الحمد وعلي عليه السلام حامله وأعطيت الحوض وعلي عليه السلام ساقيه وأعطيت الجنة والنار وعلي عليه السلام قسيمها ))1 والنبي الطائف حول جلال العظمة هو الشمس والولي الطائف حول جلال القدرة قبل الطائف حول جلال العظمة هو الكرسي ، والولي الطائف حول جلال القدرة بعد الطائف حول جلال العظمة هو القمر فتلك الولاية الأولية الأصلية التي هي ولاية الله في قوله تعالى { هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ }2 ظهرت مشروحة مفصلة حين قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( من كنت مولاه فهذا علي مولاه ))3 ، حين انتجبه الله في القدم على سائر الأمم وأقامه مقامه في سائر عوالمه في الأداء إذ كان لا تدركه الأبصار ولا تحويه خواطر الأفكار ، وكان ذلك في شهر رجب من أشهر الحرم وكان الإظهار في عالم الأسرار وعالم الأنوار وعالم الأظلة وعالم الأشباح وعالم الأجسام وعالم الأجساد وعالم الأعراض وعالم الأوضاع والإضافات والقرانات والإلزامات كلها في شهر ذي الحجة من أشهر الحرم فأُمِر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإستزادة لقوله عز وجل { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا }4 لإظهار تلك النجوم وهو طلب التحيّر فاقتضى التحيّر أن يدور على منطقة ذلك الفلك ولا يتعدّاه لا إلى نهاية ولاإلى جهة وقولي منطقة هو عين قولي القطب في الحقيقة وإن كان باعتبار الفرق في الظاهر و تلك المحاذاة صارت سببا لظهور ما أراد الله سبحانه من
__________________
1 لم نقف على هذه الرواية بعينها وإنما وقفنا على ما يقرب منها وهي ما رواه في الفضائل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أعطيت ثلاثا وعلي مشاركي فيها , وأعطي علي ثلاثة ولما شاركه فيها , فقيل : يا رسول الله وما الثلاث التي شاركك فيها علي عليه السلام , فقال : لواء الحمد لي وعلي حامله , والكوثر لي وعلي ساقيه , والجنة لي وعلي قاسمها , وأما الثلاث التي أعطيت عليا ولما شاركه فيها فإنه أعطي رسول الله صهرا ولماعط مثله , وأعطي زوجته فاطمة الزهراء ولماعط مثلها , وأعطي ولديه الحسن والحسين ولماعط مثلهما )) .
2 الكهف 44

3 أمالي الصدوق 122
4 طه 114
 

 

تلك الكواكب.قال تعالى { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ }1‏ فعلمه سبحانه في الكرسي الذي وسع كل شيء وقال عز وجل { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ }‏2 فالشمس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خلقه يفيض عليها من نور العرش الظاهر بالكرسي فهي مظهر لتلك الأنوار وحاوية لتلك الأسرار ، فلولا الشمس ما ظهرت تلك الأنوار ، فيها ظهرت وعنها برزت (( نحن الأعراف الذي لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا ))3 و (( أنا عبد من عبيد محمد ))4 و (( أنا من أحمد كالضوء من الضوء ))5 ، والمراد بالكرسي هو بحر القدر الذي هو ( سر من أسرار الله و حرز من حرز الله وستر من ستر الله مختوم بخاتم الله موضوع عن العباد علمه رفعه الله فوق شهاداتهم ومبلغ عقولهم لأنهم لا ينالونه بحقيقة الصّمدانيّة ولا بعزة الوحدانية بحر زاخر كثير الحيّات والحيتان يعلو مرة ويسفل أخرى في قعره شمس تضيء لا ينبغي أنّ يطّلع عليها إلا الواحد الفرد فمن تطلّع عليها فقد ضاد الله في ملكه ونازعه
___________________
1 البقرة 255

2 الجن 26 _ 27
3 تأويل الآيات 182

4 التوحيد 174
5 أمالي الصدوق 513



في سلطانه و باء بغضب من الله و مأواه جهنّم وبئس المصير )1  .
وتلك الشمس هي مظهر ما في البحر ومضيئة ما فيه من أحكام البداء وعلل الأشياء وكون المحو والإثبات فانتشر العلم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي عليه السلام وفاطمة والطّيبيّن من أولاده صلوات الله عليهم أجمعين كالشمس الظاهرية بالنسبة إلى الكواكب الأخر و ذكر جـميع الأحكام يطول به الكلام فاكتفينا بما ذكرنا، ما أسعدك لو وفقت لفهمه .
وأما في العالم الإنساني فاعلم أنّ القلب هو مظهر ما في النفس من أحكام الصّنع والإيجاد والتربية والإدراك و كلّ الأحوال المنبثة في الجوارح والأعضاء والامدادات الزوجية الغيبية المجرّدة المتعلقة بالبخار اللطيفة الذي في تجاويف القلب المتعلّق بالدم الأصفر الذي في أسافل تجاويف القلب المسمى في عرف الأطباء بالروح الحيواني ، كلّها إنما تظهر ظاهرة منبثة في الأعضاء والجوارح والعروق والأعصاب والغضاريف والأوردة والعضلات وسائر المخارج والمداخل البدنية وما يتصدّع إلى الدماغ و يصير مبدأ للقوى النّفسانية المسمى في عرفهم بالروح النفساني ، وما يتسافل إلى الكبد ويصير
___________________
1 هذا المعنى اقتبسه المصنف أعلى الله مقامه وأنار في الدارين أعلامه من حديث عن أمير المـؤمنين عليـه السلام ذكر في البحار ج 5/97 هذا نصه (( ألا إن القدر سر من سر الله وحرز من حرز الله مرفوع في حجاب الله مطوي عن خلق الله مختوم بخاتم الله سابق في علم الله , وضع الله عن العباد علمه ورفع فوق شهادتهم لأنهم لا ينالونه بحقيقة الربانية ولا قدرة الصمدانية ولا بعظمة النورانية ولا بعزة الوحدانية , لأنه بحر زاخر موج خالص لله عز وجل , عمقه ما بين السماء والأرض عرضة ما بين المشرق والمغرب , أسود كالليل الدامس كثير الحيات والحيتان تعلو مرة وتسفل أخرى , في قعره شمس تضيء لا ينبغيأن يطلع عليها إلا الواحد الفرد , فمن تطلع فقد ضاد الله تعالى في حكمه ونازعه في سلطانه وكشف عن سره وستره وباء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير )) .

 


مبدأ للتوليد والتنمية والتغذية المسمى في عرفهم بالروّح الطبيعي ، كل ذلك إنما هي ظهورات الروح الأصلي الظاهر بالبخار اللطيف المتعلق بالحرارة الغريزية التي بها قوام الجسد ، فما ظهرت تلك النجوم الغائبة إلا بالشمس التي
هي الحرارة الغريزية المستجنّة في القلب ولذا كانت الحرارة دائمة النّظر والتعلّق الالتفات بذلك البخار فلا تفارقه أبدا وإلا لاختل الجسد وفسدت البنية ، ولما تطابقت العوالم و صار العالم السّفلي وجها للعالم العلوي اقتضى أن تكون الشمس الظاهرية التي هي أحد الكواكب السّيّارة مظهرة للكواكب المركوزة في الفلك الثامن ، وإن كانت تلك الكواكب أعلى مرتبة منها كما ورد أنّ (( الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي والكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش ))1  .
ومن ذلك ظهر لك سر كون سير الشمس دائما على منطقة البروج وعدم مفارقتها إيّاها والإمدادات الواردة على العالم السفلي كلّها من قرانات الشمس مع تلك الكواكب وذلك الفلك وهو من الفلك الأعلى وهو من العرش المركب من الأنوار الأربعة النور الأحمر الذي منه احمرت الحمرة والنور الأخضر الذي منه اخضرت الخضرة والنور الأصفر الذي منه اصفرت الصفرة والنور الأبيض الذي منه البياض ومنه ضوء النهار ، وأنت لو نظرت إلى الشمس تحت الحجاب الأسود لرأيت هذه الأنوار كلها ظاهرة فيها متمايزة .
وأما إضاءة الكواكب فهي إشارة إلى إمدادها لأهل السموات ولأهل الأرضين على ما في الحديث (( إن أهـل بيـتي أمان لأهل الأرض كما أن
________________
1 التوحيد 108


الكواكب أمان لأهل السموات ))1 ووجهه الإشارة في قوله عز وجل { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }2 فالعلة مطلقا فاعلية كانت أم مقدمة أم مادية منوِّرة ومضيئة لمعلولاتها ، ولذا أتى عليه السلام بالضوء بصيغة المتعدي للإشارة إلى السر كما في الدعاء (( اللهم إني أسألك من بهائك بأبهاه وكل بهائك بهي ))3 فالإضاءة هي التأثير بالضوء سواء كان كالضوء من الضوء كالعلويات أو كالنور من المنير كما في السفليات ، لأن الإضاءة إشارة إلى اللطيفة الزائدة على ذات الشيء فتلك الزيادة تمد سافلها من الأحكام الوجودية والتكليفية الذاتية والصفتية وأمثالها فقامت السموات والأرض بإضاءة الكواكب ، أما الأرض ومتولداتها من الجماد والمعدن والنبات والحيوان فظاهر ، وأما السموات فالأفلاك محال ومواقع للنجوم وجسد للقوة الفاعلية الطبيعية ولا شك أن المحل متقوم بالحال والحد بالمحدود والجسد بالقوة الطبيعية من المرارة مثلا فلولا المرارة لم تتقوم البنية ، فالحرارة واليبوسة مثلا وإن كانت في كل الجسد إلا أن مجمعها في المرة الصفراء ومنها تستمد باقي الأعضاء وكذا سائر القوى ، فالكوكب يفضل على الفلك كفضل القوة على الجسد ولذاترى الكواكب ولم تر الأفلاك وذلك لقوة التركيب لقوة ظهور النور فيها دون الفلك فإن التركيب والتصوير مستلزم للرؤية لا الكثافة على ما يزعمون من أن الكواكب أجسام كثيفة ترى والأفلاك أجسام لطيفة لا ترى فإن ذلك باطل إذ لو كان كذلك للزم الطفرة لإجماع الكثيف واللطيف في الرتبة الواحدة ويلزم على هذا التقدير أن يكون الهواء ألطف من الكواكب وفي هذا بطلان ، كل شيء يعود إلى مركزه لقول أمير المؤمنين عليه السلام
_________________
1 لم نقف على هذا الحديث كما ذكره المصنف أعلى الله مقامه ولكن وجدنا ما يقرب منه في علل الشرائع صفحة 123 وهو (( النجوم أمان لأهل السماء كما أن أهل بيتي أمان لأهل الأرض ))
2 النور 35
3 دعاء السحر في ليالي شهر رمضان المبارك
 


(( إنما تحد الأدوات أنفسها و تشير الآلات إلى نظائرها ))1 فيجب أن يكون الهواء على هذا التقدير أعلى رتبة ومكانة من الكواكب ، ويجب أن تقتضي الحكمة كونها تحت كرة الهواء مع أن الواقع خلافه والله سبحانه لا يفضل المفضول على الفاضل إذ كل ما كان أكثف أقرب إلى الأرض وأحوالها فلا يقرب إلى السماء بل يكون عين السماء إلا أن يقولوا بجواز الطفرة وجواز تقديم المفضول على الفاضل كما تقوله المعتزلة فحين إذن ينقطع الكلام .
فصريح القول وصحيحه أن الكواكب أجسام لطيفة عالية صافية والرؤية ليست لأجل الكثافة والثقالة إذ ليست شرطا للرؤية ، ألا ترى الأشباح الظاهرة في المرايا وغيرها من الأجسام الصيقلية مع أن رتبتها فوق محدد الجهات ولطافتها أشد من لطافة محدد الجهات أي محدبه ، وكذا الأرواح المتنزلة إلى مقام البشرية مثل جبرائيل إذا تصور بصورة دحية الكلبي وأمثال ذلك فإن المقادير والهيئات لا وزن لها ولا ثقل ، والماء الصافي إذا حركته يتكدر ويحجب وليس ذلك من جهته عروض كثافة عليه زائدا عما عنده أولا فمقتضى الرؤية وعلتها قوة التركيب وهو لايستلزم الثقل المستلزم للنزول فالكواكب قوى نورانية صيغت بنور قدرة الله تعالى صيغة أشد وأقوى من صوغ الأفلاك فلها تركيب أقوى وأشد من تركيب الأفلاك ، وقد ورد في الأخبار على ما تقدم أن الشمس لها سبع طبقات وكذا القمر ولذا ترى التأثير في الكواكب أكثر وأشد بل لا يحس تأثير الأفلاك بأجرامها إلا قليلا ولذا إذا غربت الشمس يبرد الهواء مع وجود فلك الشمس وكذلك القمر وسائر الكواكب وهذا معلوم ، فالكواكب لها رتبة تساوي فيها جرم الأفلاك وزيادة ولذا لما انشق القمر ما انخرق الفلك ولما نزل إلى الحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما حصلت في الفلك ثقبة ألا ترى إلى الجسم المطهر النبوي صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه يرى لم يكن له ظل لشدة نورانيته و صفائه وإنه أعلى من عقول النبيين عليهم السلام وقد صعد بجسمه الشريف المحسوس إلى
_____________________
1 شرح النهج 13/72 , البحار 4/254 ح 8
 


السماء وما حصل منه خرق فدل العقل والنقل أن مدار الأبصار ليس للكثافة كما عرفت وإنما هوالتركيب والتحديد فافهم .
ثم إن الإمام عليه السلام أشار بذكر خلق السموات أولا إلى أن خلق السموات مقدم على خلق الأرض كما هو الواقع وخلق اليوم مقدم على خلق الليل وإن كانت الآيات والأخبار بظاهرها على ما تعرفه العامة مختلفة إذ يستفاد من بعض الآيات تقدم السماء على الأرض كما في قـوله عز وجل { وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا }1 ومن بعضها العكس كالأخبار كقوله تعالى { خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }‏2 ولا منافاة في الحقيقة لأن الله سبحانه وتعالى لما أجرى عادته على الخلق والإيجاد على مقتضى القابلية استدعى ظهور المقبول بعد وجود القابل وترتب آثار الفاعل الذي وجهه المقبول إنما هو بعد وجود القابل ألا ترى أن اتصاف ظهور زيد بالقائم ما يمكن إلا بعد تحقق القيام فبالقيام يظهر القائم فافهم المثال التقريبي ، ولما كانت السموات مبادئ وعلل والأرض ومن فيها قوابل لم تظهر السموات تامة الحركات صحيحة الطبقات ظاهرة الدلالات إلا بعد إتمام وجود الأرض القابلة لفيضها فمادة السموات موجودة ومتحققة قبل الأرضين وأما تسويتها سبع سماوات وظهور الحركات ما تحققت إلا بعد ذلك ولذا قال عز و جل { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ } فدل على أنها كانت دخانا فإن الله جل وعلا لما خلق الياقوتة الحمراء فنظر إليها بعين الهيبة فماعت وذابت ثم سلط الريح على ذلك الماء فتموج فأزبد وصعد منه دخان فخلق الله سبحانه من الزبد الحاصل بعد الدخان الأرض ثم سوى الدخان سماوات وأخرج الشعلات المستجنة في زبد البحر فزينها بالكواكب المضيئات ، ثم أدار العلويات على السفليات فأخرج ما أراد من الحيوان والنبـات ، كذلك صنع ربنا لا إله إلا هو العزيز الغفار ، وكذلك
__________________
1 النازعات 30 2 فصلت 9 _ 11
 

 

حكم الليل والنهار فإن الله سبحانه لما خلق الدنيا كان طالع الدنيا السرطان والكواكب في أشرافها فكانت الشمس في كبد السماء أول وقت صلاة الظهر فلما تحركت الأفلاك ظهر الليل ثم دار الفلك حتى ظهر النهار فصار مبدأ حساب اليوم من الليل فتقدم الليل على النهار لتقدم الظلمة على النور في قوس الصعود وتقدم القوة على الفعل وإلا فالنور مقدم على الظلمة والنهار على الليل في القوس الأول النزولي ، وتمام الكلام في هذا المرام ربما ذكرناه فيما بعد إنشاء الله .

 

 

قوله عليه السلام

وحبس في الجو سحائب مكفهرات

لما فرغ الإمام عليه السلام عن ذكر المبادئ وعلل الكينونات التي هي السموات والكواكب المضيئات في عالم التفصيل ومقام التحويل أراد أن يبين كينونة المعلولات وكيفية تلقيها الفيض عن العلل العاليات فابتدأ بذكر السحائب المكفهرات فهو كلام جامع للمقامات وحاو للأمور الشتات .
والإشارة إلى مجمل بيانه ، اعلم أنا قد ذكرنا أن المبادئ هي الحديدة المحماة بالنار وأنها خلقت من النار ، والمعلول والسافل هو الأرض التي هي مطرح أشعة المبادئ وقابلية فيضها ، ولما أنّ المبادئ فعلها وتأثيرها في المفاعيل ليس في رتبة ذاتها إذن لاحترقت المفاعيل إذ لا تقوى فيجب أن يكون ذلك الفعل والتأثير تحت الحجاب لتتمكن من التلقي من ذلك الـباب بذلك الجناب ، ويجب أيضا أن يكون ذلك الحجاب من رتبة مقام المفعول وإلا لارتفعت فائدة أخذ الحجاب وجعل الجناب والأمر بقرع الباب ، ولما كان نظر الفاعل إلى جميع مفعولاته على حد السواء كان حجابه أيضا كذلك واختلاف الحجب لاقتضاء كينونة المفعول وجب أن يكون ذلك الحجاب هو عين حقيقة المفعول وتجلي الفاعل له به ، ولما قررنا أن السموات هي المبادئ والكواكب وهي لا تؤثر في المفعولات أي المتولّدات بذاتها إذن لتقدّمت وفسدت واختلت ، وإنما هي ذوات مستقلة لا يطرأ عليها الفساد والبيود والدثور بالنسبة إلى سافلها كانت لا تؤثر إلا بمثالها وهو أشعتها وذلك المثال من حيث حكايته لتأثير المبدأ من حيث هو تأثير للبدء ولما ذكرنا وشرحنا ، فظهرت الكرة الناريّة التي هي مجمع أشعة الكواكب من حيث كونها حاملة لنار الشجرة الزيتونة التي ليست شرقية ولا غربية، وكانت شجرة موسى عليه السلام حكاية ومثالا لها .
إن قلت : إنك قررّت سابقا أن الكواكب مختلفة في الطبائع نارية وهوائية ومائية وترابية فكيف تكون الكرة النارية أشعة للكواكب على الإطلاق .
قلت : لا منافاة لأن تلك الطبائع في صقعها ونسبة بعضها مع بعض ، وأما بالنسبة إلى السافل كلها نار بل أشد لكونها حينئذ حاملة للمثال الملقى في هويتها ، كالفتاة الغربية المعبر عنها بالحمامة عند أهل الصناعة ويحكمون عليها بالبرودة والرطوبة مع أنها في الشدّة والحرارة أشد من النار المعروفة ، وكذلك الماء الأول الذي يأخذون عنده تفصيل المادة إلى النطفتين يحكمون عليه بالبرودة والرطوبة مع أنه في الحرارة بحيث لو استشم إنسان بخاره المتصاعد لمات في ساعته وهم إنما قالوا بالإضافة ، فهي الفتاة الغربية بالنسبة إلى الفتى الشرقي والفتى الكرشي وفي الماء الأول بالنسبة إلى الماء الثاني الغليظ الذي هو في قوام العسل ، و كذلك إذا قلنا أنّ القمر بارد رطب وزحل بارد يابس والزهرة حارة رطبة والمريخ حار يابس فافهم .
ولما كانت الأرض التي هي القابلية باردة يابسة لا تقوى على الحرارة النارية الفلكية لاحتراقها وفنائها وعدمها إذ البرودة ما تبقى عند ظهور سلطان الحرارة واليبوسة من سنخها فتعدم الغريب وتجذب إليها القريب فيبطل تركيب ذلك الشيء ، وإليـه الإشارة بقول أمير المؤمنين عليه السلام (( جذب الأحدية لصفة التوحيد )) بعد قوله عليه السلام (( محو الموهوم وصحو المعلوم )) و هذا فناء المعدول وعدمه وهو خلاف ما هو المقصود والمراد وجوده وتحققه وربط الأسباب بالمسببات والعلل بالمعلولات احتاجت إلى وقاية لتحفظ وجودها باستمرار إشراق نار الإيجاد عليها ، وتلك الوقاية هي الرطوبة المعتدلة لأنها تحفظ تأثير النار لعدم الغرابة الكلية وتحفظ اليبوسة أيضا عن الإعدام بالمرة ولذا كانت الوقاية هي النون إذا أرادوا أن يقوا الفعل عن الكسر الـذي هو من خواص الاسم في قـولهم ضربني زيد والنون هي
الرطوبة وهي مداد القلم في قوله عز وجل { ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ }1‏  فافهم ضرب المثل .
ولما كانت هذه الرطوبة ببساطتها تضاد الطرفين أي اليبوسة النارية واليبوسة الأرضية وفي ذلك إعدامها إذ الضدّ لا يقوم مع ضدّ الآخر ، فجعل معها شيئا من طبيعتها لتكون رابطة حافظة فانقسمت إلى قسمين قسم أضيفت إليه الحرارة فلطفت ودقت وصعدت إلى العلو وقسم أضيفت إليه البرودة فثقلت وكثفت و نزلت إلى السفل (( روحك من روحي وطبيعتك
__________________
1 القلم 1 _ 2


من خلاف كينونتي ))1 سبحان من حكمه متقن وأمره محكم تعالى ربي لا إلـه إلا هو ، فتمت هذه المراتب و صارت أصولا للمبادئ أي لظهوراتها وحقائق وموادا للمفاعيل وخزينة خامسة لا نفاد لها ينفق منها كيف يشاء وهي العناصر الأربعة التي تحت كرة القمر الأول أو الثاني أو الثالث وهكذا إلى أن يتم أربعون أوألف ألف وهكذا إلا ما لا نهاية له من الأكوار والأدوار والأطوار ، ولما كانت النسمات وحقائق الذوات من الملأ الأعلى الذين وصفهم مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بأنهم (( صور عارية عن المواد عالية عن القوة والاستعداد تجلي لها فأشرقت وطالعها فتلألأت فألقى في هويتها مثاله فأظهر عنها أفعاله ))2 فأبان عليه السلام أنها كالحديدة المحماة لقربها إلى عالم النور وأن فيها مثال الفاعل ، وقد عرفت أن مثال الفاعل ليس إلا النار لأن الله سبحانه خلق الفاعل من نار الشجرة وتلك النسمات ، لما أراد الله عز وجل إظهار القهّارية والجبروت ويعرّفهم توحّده في الملك والملكوت وتقدّسه في عالم اللاهوت أنزلهم من عالم إلى عالم ومن مقام إلى مقام حتى انتهى بهم إلى عالم الأجسام فرمى بهم إلى الكثافات والكدورات لينالوا نصيبهم من الكتاب ويستوفوا حظّهم من الخطاب ويثبته وقوفهم بذلك الباب ولواذهم بذلك الجناب، فأنزلهم إلى الأرض الجسمية فاستجنوا واستكنوا فيها عند نهايات الإدبار ، فلما دعاهم إلى الإقبال وجب فلق الأرض لتظهر منها تلك الحقائق والأنوار لتمكين قابليّتهم للإجابة والفلق على أنحاء ومراتب من الظاهري والباطني ، أما الباطني فقد مضى الكلام في شيء يسير منه عند قولهعليه السلام (( فتق الأجواء )) .
وأما الظاهري فهو على قسمين ، قسم هو الشق المعروف كالينابيع والعيون والبحار ، أو الشق لاستخراج الكنوز وهذا لا يراد به إلا في المواضع التي يكون المستجن فيها استجنانا ظاهريا وعائيا ، ولا هكذا استجنان الأرواح في الأجسام بـل استجنانها استجنان غيـبـي لابد من حل الأرض
__________________
1 علل الشرائع 10
2 البحار 40/165/ ح 54
 

 

وذوبانها لتخلص عن الأعراض المانعة وتحكي تلك الحقائق الإلهية ، والحل لا يكون إلا بالحرارة والرطوبة واليبوسة ، إذ الحرارة تفرّق المجتمع والرطوبة تربط الأجزاء المنحلّة بعضها مع بعض واليبوسة تجمعها قبل التفصيل والذوبان وبعدهما ، واليبوسة إذا كانت يبوسة أرضّية كثيفة غاسقها لا يلينها ولايحلها إلا الرطوبة التي هي من سنخها وجنسها ، وأما الرطوبات اللطيفة فلا تنفع لتليين الكثيف الغاسق لأنك إن زيّدت الحرارة تحترق وإن زيّدتها تحتاج إلى مدّة طويلة يفوت بها المقصود وهذا أمر ظاهر بديهي ما يحتاج إلى البيان ، فثبت أن الرطوبات الهوائية اللطيفة لمجاورة النار ما تؤثر في حل الأجزاء الأرضية الكثيفة فيجب أن تضاف إليها عند الحل الرطوبة المناسبة لمقامها ، وليس ذلك إلا الماء ولما كانت الأنوار المستجنّة من النباتيّة والحيوانية والإنسانيّة أمورا غيبّية يجب أن يكون الحل الواقع مؤثرا في الجهات الغيبّية على حسب مقامه ، ولا شكّ أن الكثيف من هذا الكثيف لو فرض حلّه يبلغ إلى أدنى مرتبة اللطافة وفي ذلك طول العمل من غير طائل ، وكذا الرطوبة التي تحل الأجزاء كلما كانت ألطف وأعلى كانت في النفوذ أشد ، ولما كان الانحلال في غير الكبد ما يتحصّل لحكم الحرارة والرطوبة اللائقة وجب أن يكون ذلك الانحلال في الهواء فحصلت ثلاثة أشياء ، الأول الأجزاء الأرضية اللطيفة الغير الكثيفة الغير المجاورة للأرض وهذه هي الهباء وإذا أطلقنا الهباء نريد في هذا المقام هذه الأجزاء، الثاني الأجزاء المائية اللطيفة المتصاعدة عن وجه الماء المختلطة بالأجزاء الهوائية وهي البخار ، الثالث الهواء بنفسه في الربع الأخير من حيث كونه حاملا لتأثير النار مترجما له عنها ، ولما وجب ميل السافل إلى العالي وميل العالي إلى السافل في تكون الشيء صعدت الأجزاء الأرضية إلى العلو إلى جهة السماء ونزلت التأثيرات الكوكبية من كرة النار بحاملها إلى الهواء فاجتمعت الأمور الثلاثة كلها في الهواء ، فلما انضمت الرطوبة مع اليبوسة بالحرارة ونفخ عليها بريح الجنوب مالت اليبوسة إلى الانحلال وإلى الرطوبة ومالت الرطوبة إلى الانعقاد وإلى اليبوسة إلى سبعة أيام من أيام الشأن فانعقدت هذه الأربعة انعقادا لطيفا فصارت بالنسبة إلى الذوبان والبساطة كثيفة، فبقيت في الجو وانعقدت فكانت سحابا مكفهرا وهذه هي المادة لكلما يتكون في الجو من الأمطار والثلوج والطّلّ والرعد والبرق والبرد والشهب وغيرها ولو أردنا شرح تفصيل هذه الأمور إن كان كما ذكروا فلا فائدة لذكرنا وإن كان على ما عندنا من دليل الحكمة فيطول به الكلام و ليس لي الآن إقبال ذلك لكن الذي ذكرنا من دليل الحكمة من بيان مادّة السحاب يظهر الباقي لمن له نوع فطانة وذكاوة وأنس بكلماتنا ، وهذا معنى قوله عليه السلام (( وحبس في الجو سحائب مكفهرات )) أي مغلّظات وإنما وصفها عليه السلام بها للإشارة إلى أسرار كثيرة يضيق الصدر بإظهارها ولا يضيق بكتمانها { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ }1   .
وهذه الكثافة أمر عرضي ليست بذاتيّة و إنما هي لتحقق الأعراض واستخراج الذوات فجاء سر المتشابهات ، وهذه إنما كانت من المفعول قد حجبت عن الفاعل الذي قوامها به وهو العلويات من الأفلاك والنجوم فقَلَّ النور على وجه الأرض وتكدّرت تغيّرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبّر قبيح ، لكن هذا الحجاب ليس كليا وإنما هو جزئي أسرع ما يكون في الاضمحلال لأنه مجتث وإنما أتي به إتماما لقابلية المفعول واستنطاقا لطبائعهم مع أنه ليس محيطا بكل أقطار الأرض ليحتجب نور الشمس بالكلية وإنما هو محاذي جزء من أجزاء الشمس أو القمر بالنسبة إلى الناظر فإذا تطرّف عند الـناظر يـرى الشمس ظاهرا عيانا من غير حجاب ويشاهد جمال المحبوب
_________________
1 الحجر 75


المطلوب من غير نقاب إن في ذلك لآيات لأولي الألباب و إليه الإشارة بقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا * * وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا }1 ‏  .
وقوله عليه السلام (( وحبس في الجو .. الخ )) جواب عن كل الاعتراضات ورد لكل الشبهات ومتمم لما سبق من الكلمات فإنه عليه السلام أثبت بقوله عليه السلام (( الحمد لله الذي فتق الأجواء )) الولاية المطلقة الظاهرة في جلال القدرة رتبة الواحدية حضرة الأسماء والصفات والإضافات
________________
1 النساء 97 _ 100


و مقام { قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ }1 ‏وأثبت بقوله عليه السلام (( خلق السموات بلا دعائم … الخ )) مقام حامل اللّواء وقوله تعالى { وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ }2 و مقام قوله تعالى { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }3 .
فلما تمت البراعة وأظهر السر التفت إلى ما ألقى الشيطان في قلوب أوليائه إما بذاته أو باللطخ والخلط من أن الأمر لو كان كذلك فما وجه الضعف وعدم الظهور ، لأن العلة ما تخفى ولا تهان فأجابعليه السلام ونسخ ما ألقى الشيطان بقوله عليه السلام (( وحبس في الجو سحائب مكفهرات )) إشارة إلى أن الخالق هو الحابس والسحاب هو جهة إنية المفعول القابل حيث حجبته من مشاهدة نور الظهور الساطع على الطور ، فلو كشف الحجاب لرأوا الأمر واضحا ظاهرا فهو احتجب بهم فلو تطرفوا عن هذا الحجاب ودخلوا الباب لوجدوا الشمس ظاهرة بارزة تشرق الكون وتمد الخلق من المعنى والعين ، ولذا لما قيل لطلحة وهو يجود بنفسه (( من رماك يا طلحة قال رماني علي بن أبي طالب عليه السلام قيل : إنه لا يرمي بالنبل وإنما يقاتل بالسيف قال : ويحك أما تنظر إليه كيف يصعد إلى السماء ويخرق الأرض ويذهب إلى المشرق والمغرب و يقاتل بالسيف ويرمي بالنبل و يقول مت يا عدوّ الله فيموت في ساعته )) وذلك عند ارتفاع السحاب ، وصرح عليه السلام بالذي فهمنا من التلويح من أن هذا جواب لما يتوهمه المتلونون أو إثبات حقيقة الأمر والواقع ولأبدية الوجود المشوب بالظلمة من ذلك بقوله عليه السلام (( وكأني بضعيفكم يقول ألا تسمعون إلى ما يدعيه ابن أبي طالب في نفسه وبالأمس تكفهر عليه عساكر أهل الشام فلا يخرج إليها وباعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم )) .
____________________
1 المؤمنون 88
2 الحج 62
3 الزمر 67
 

 

و إنما أتى بلفظ تكفهر للإشارة إلى أن ذلك من تلك السحب ونحن إنشاء الله نكشف عن الواقع و الحقيقة على التصريح إذا بلغنا شرح هذه الكلمات .

 

 

قولـه عليه السلام و خلق البحار والجبال

على تلاطم تيار رقيق رتيق فتق رتاجها فتغطمطت أمواجها

لما فرغ الإمام عليه السلام عن بيان تفاصيل المبادئ والأصول ومظاهر العلل الفاعلية وكيفية ربط الفاعل بالمفعول واتصال المسبب بالسبب ومعنى الإيجاد والإحداث والإختراع والابتداع والأمر الفعلي والمفعولي وبراعة هذه الخطبة الشريفة ، وإلى مظاهر التوحيد وهياكل التنزيه والتفريد إلى غير ذلك من الأمور التي جهلنا أكثرها وأشرنا إلى بعض ما عرفنا ، شرع عليه السلام في بيان العلل المادية ويلزمه بيان العلة الصورية وأن الشيء في مكانه له مكانان مكان ذاتي طبيعي بحسب كينونته الثانية ومكان غير طبيعي في الظاهر المتوقف إلى المعين لا القاسر ، فيتحلى حينئذ بحلية أهل ذلك المكان ويلزمه بيان أن الشيء قد يتعلق به النور فيصعد به إلى أعلى المقامات ومكانه الأصلي في أسفل الدرجات بل الدركات إلا أنه ما يتحلى بحلية أهل ذلك المكان لأن هذا الصعود والبلوغ عرضي يزول حكمه سريعا .
ولا تتوهم أن الذي ذكرنا هو المتحصل من هذه العبارات خاصة بل هذا وغيره وأمور أخر مما لم يحط به علمنا ولم تبلغ إليه سعتنا وقد قالوا عليهم السلام (( إن حديثنا ذكي أي طري أبدا لا تفنى عجائبه ولا تبيد غرائبه )) كلما يتغوص السابح في تلك اللجة يرى البحر أعمق والساحل أبعد كيف لا وهو طمطام بحر الأحدية ولجة يم الوحدانية ولاساحل لذلك وقد قال سبحانه و تعالى { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ  أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ }1 وهم تلك الكلمات الأربعة التي بني عليها الإسلام المكررة ثلاث مراتب ، قال مولانا الكاظم عليه السلام (( نحن الكلمات التي لاتدرك فضائلها ولا تستقصى ))2 .
وبالجملة إياك أن تحصر معاني كلماتهم فيما تفهم أو فهم العلماء وإن بلغوا ما بلغوا لأنهم ما أوتوا العلم إلا قليلا وهم سلام الله عليهم أوتوا العلم كله قال تعالى { وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ }3 { وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }4 { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ }‏5 فاحفظ وصيتي والله خليفتي عليك .
_________________
1 لقمان 27

2 المناقب 4/404
3 يس 12

4 الأنعام 59
5 الجن 26 _ 27