شرح الخطبة التطنجية

آية الله السيد كاظـم الـحسيني الرشتـي (الأمجد)

الناشر : جامع الإمام الصادق عليه السلام - الكويت
سنة الطبع : 1421 هـ 2001م

 

المجلد الثاني

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف جميع الأنبياء والمرسلين العبد المؤيد والرسول المسدد المصطفى الأمجد المحمود الأحمد حبيب إله العالمين أب القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين الخيرين المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، أما بعد فهذا الجزء الثاني من كتاب شرح الخطبة التطنجية ، لمصنفها أعلم العلماء الراشدين وأفضل الفضلاء الكاملين ورئيس المجتهدين وقطب الموحدين جامع المعقول والمنقول حاوي الفروع والأصول الذي تغمده الله برضوانه وأصعده إلى أعلى جنانه المرحوم المبرور المغفور فخر الأعاظم جناب الحاج السيد كاظم الحائري الحسيني الرشتي أعلى الله مقامه .
قال عليه السلام : (( أيها الناس أنيبوا إلي شيعتي والتزموا بيعتي وواظبوا على الدين بحسن اليقين وتمسكوا بوصي نبيكم الذي به نجاتكم وبحبه يوم الحشر منجاتكم )) .
لما وصف الحق سبحانه على ما وصف الله سبحانه على قدر ما نطيق وندرك ونفهم إذا عرفنا أنفسنا ووصلنا إلى مقام ذواتـنا وحقائقنا من بارئـنا ومبدئنا وإدراكنا بالعين التي جعلها الله سبحانه فينا لنشاهد بها جماله وجلاله وعزه وقدسه ، ولما كانت تلك العين لا نهاية لإدراكها ولا غاية لمعرفتها ولا نفاد لأمدها ولا انقطاع لمددها لأنها ظهور من ظهورات الوجه الأعظم وإشراق من إشراقات النور الأقدم الذي لم يطرأ ولا يطرأ عليه العدم ولا تزال له في توحيد الحق سبحانه قدم ، فهي لم تزل في الإرتفاع ولا تزال في الوصل والاتصال ، فإذا كان النهر منبعه ذلك البحر والكلام مستمد من ذلك النور والسر فلا ينقطع ولا يتكرر وإن ظهر الكلام والبيان بصورة الحدود لكنه متصل بذلك البحر فدائما يأتيه المدد ودائما يتجدد ، ومع ذلك كله لا يتبين المراد لقصور الاستعداد فإن مقام التعبير مقام الحدود ومقام التفهيم والتصوير مقام الكيف والنهاية ففهم ذلك العالم منقطع وإدراكه في مقام العبارة منعدم ، ثم إن مراتب الناس أهل الطبقة الإنسانية مختلفة إذا بلغوا ذلك المقام وسمعـوا ذلك الكلام من الملك العـلام الذي هذه الخطبة الشريفة قد شرحت خافيها وأظهرت ما فيها لمن ورد ذلك المنهل وأدرك العل والنهل ، فكل أحد من هـؤلاء الأخيار يعرفون من تلك الأسرار المطوية في هذه الكلمات الشريـفة على مقدار ظهور ذلك النور الذي ظهر لهم من فاضل ظهور صاحب هذه الخطبة المباركـة فأبدا يـترفون وفي بحر الترقي يسبحون ، فكلما اشتدت السباحة كثر ظهور اللآلئ ثم لا يلحقون قعره ولا يبلغون قدره .
وبالجملة بأبي هو وأمي كذلك وصف ربه لخلقه في توحد ذاته وظهور أسمائه وبروز صفاته ومواقع تجلياته وأفعاله وإشراقات أنواره وسطوع عظمته وجلاله وكيفية بدء مخلوقاته واستداراتهم على أقطابهم واستدارات الأقطاب على أقطابها وأقطاب أقطابها وهكذا إلى ما لا نهايه له على حد قوله عز وجل (( ليس لمحبتي غايه ولا نهايه ))1 .
ثم وصف أول ظهور التجلي الأول والتعين الأول وقطب دائره الأكوار والأدوار من مبدأ الوجود إلى آخر نهايات ظهور المعبود مقام السفارة الحقيقية مبدأ شكل المثلث آدم الأول ، ولذا كان المثلث أحسن الأشكال وأبو الأشكال وهو شكل آدم النبي عليه السلام في كل مقام في كل آدم من الآدميين الألف ألف ، ولكل آدم حواء وهي أحد أضلاعه وهي الضلع الأيـسر ، وظهر بيانه عليه السلام أن الشكل المستدير هو وجه من وجوه المثلث الوجه الأعلى ، والشكل المربع وجهه الأسفل كالأحد والواحد الظاهرين من الله ، ولما كانت هذه النقطة هي المحبة الأولية فلها استدارات تجمعـها استدارتان ، استدارة على الوجـه الأعلى وهي بذاتها وكينونتها وهي استدارة ذاتية وحركة جوهرية ، واستدارة على نفسها في إظهار شئونها وكمالاتها ومراتبها ودرجاتها ومشاهدةظهور الجلال والجمال والكبرياء والعظمة كالتدوير للكوكب بالنسبة إلى الحامل ، واستدارة على غيرها استدارة إمداد وإيجاد وإظهار وإرشاد ، ففي الاستدارتين الأخيرتين لا بد لها من ظهور في مقامات التفصيل عن مقام الإجمال وفي الانبساط عن الوحدة المطلقة إذ بدون ذلك يمتـنع الظهور لمراتبه السافلة أولآثاره النازلة ، ولما كان
___________________
1 إرشاد القلوب 199
 

 

مقام الإجمال غير مقام التفصيل ومقام الانبساط ظاهر الدلالة واضح الحجة غير مقام الوحدة المحتجبة بشعاع نورها عن نواظر المخلوقين ، وكانت المراتب والمقامات والآثار وروابط العلل بالمعلولات والأسباب بالمسببات واللوازم بالملزومات والشرائط بالمشروطات ومظاهر القدر والقضاء والإذن والأجل والكتاب وغيرها كلها منتسبة إلى المقام الثاني لا المقام الأول ، فظهور الربوبية إذ لا مربوب لا يمكن إلا في تلك النقطة التي هي الربوبية الثانية إذ لا مربوب عينا وإذ مربوب ذكرا، وظهور هذه الربوبية يمتنع إلا في مقام تفصيل تلك الربوبيه الثانية في عالم الظهور أي في مقام الربوبية إذ مربوب عينا وكونا وذكرا ، فوجب معرفة الربوبية الثالثة أولا للتوصل إلى الثانية للتوصل إلى الأولى ، فمن لم يعرف الثالثة أو أنكرها فقد أنكر الثانية وجهلها ومن أنكر الثانية وجهلها فقد أنكر الأولى وجهلها ومن أنكر الأولى وجهلها فهو كافر خارج عن ربقة المسلمين ومستحق للخلود الدائم في العذاب المقيم وعليه لعـنة الله أبد الآبدين ودهر الداهرين ولا يزكيه الله ولا ينظر إليه يوم القيامة وله عذاب عظيم .

ولما كان السافل جاهلا في حد ذاته بل ليس شيئا إلا بظهور العالي له به فلا يعرف ولا يدرك شيئا إلا بوصف العالي وبيانه له ، ولما أن هذا البيان والوصف ليس في مقام الذات البحت لأنها صمد لا يخرج منها شيء ولا يدخل فيها شيء وليس في مقام الربوبية الثانية لأن فيها ذكر وإجمال وقدس وعزة ووحدة وبساطة ، والبيان يقتضي بسطاً وكثرة وانتشارا ودعوة وتفصيلاً وظهوراً وليس ذلك إلا في مقام الربوبية الثالثة ، فوجب البيان في هذا المقام لعامة الخواص والعوام ، ولما كان آية الربوبية الأولى هي النقطة وهي الوحدة الأحديّة المنزهة عن كل اقتران وانتساب ، وآية الربوبية الثانية هي الألف اللينة المائلة إلى الألف القائمة بل آخر مراتبها الألف القائمة ، وآية الربوبية الثالثة في مقام الظهور هي الألف المبسوطة التي هي الباء قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما رواه ابن أبي جمهور الإحسائي في المجلي (( ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم )) فإن مقام الظهور والانبساط متميز الدرجات والمقامات في الباء ونسبة الباء إلى الألف نسبة الكرسي إلى العرش ونسبة الحروف إلى المداد، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الواقف مقام الربوبية إذ لا مربوب عينا وإذ مربوب ذكرا وصلوحاً أي حامل ظهوراتها وآثارها وتجلياتها ومولانا علي عليه السلام هو حامل ظهورات الربوبية إذ مربوب ذكرا وعينا وهو عليه السلامالواقف في هذا المقام قالعليه السلام (( وكل ما في البسملة في الباء وكل ما في الباء في النقطة وأنا النقطة تحت الباء )) وهذه هي النقطة الظاهرة في الباء ونسبة هذه النقطة إلى الباء نسبة الكرسي إلى البروج والمنازل ، ولما كان مقام الربوبية الثانية ليس فيها إلا محض التأدية إلى الربوبية الثالثة وفي مقام الربوبية الثالثة ينتشر الفيض ويتميز وينال كل أحد نصيبه من الكتاب ويعطى كل ذي حق حقه ويساق كل مخلوق إلى رزقه إن خيرا وإن شرا وإن نورا وإن ظلمة ، قال عز وجل خطابا لنبيه {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}1 وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا المنذر وعلي الهادي ))2 ، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاحب المقام الثاني ومولانا عليا عليه السلام صاحب المقام الثالث ولما كان الاختلاف والامتياز إنما هو في المقام الثالث دون المقام الثاني فـإن فيه وحدة نوعية وفي الثالث الوحدة الشخصية المستلزمة للكثرة الشخصية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأول وعلي عليه السلام في الثاني كما مر آنفا قـال رسول الله عليه السلام (( ما اختلف في الله ولا فيّ وإنما الاختلاف فيك يا علي )) وقال الله عز وجل {عَمَّ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}2 قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام (( ما لله نبأ هـو أعظم مني ))4 .
ولما كان وصف الله نفسه لخلقه هدايته لهم إلى ما فيه صلاحهم وما فيه هلاكهم في كل مقام بمعنى الإرادة في المشيـئة العزمية وبمعنى الإيصال في المشيئة الحتمية ، وكان صاحب الهداية على ما نص الله عز وجل هوعلي عليه السلام ، كان ذلك الوصف إنما أتى إليهم به عليه السلام فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما أدى خطاب (( ألست بربكم ومحمد نبيكم وعلي وليكم والأئمة من ولده وفاطمة الصديقة عليهم السلام أولياؤكم )) عن الله
___________________
1 الرعد 7

2 المناقب 3 / 84

3 النبأ 1 – 5
4 تاويل الآيات 733
 

 

سبحانه ومكن قابلياتهم وأثبته في هوياتهم ويسر السبيل وسبب التيسير لهم ليقولوا بلى أو نعم علي عليه السلام ، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو المبلغ وعلي عليه السلام هو الكاتب المثبت ، بل هذه المبلغيه ما ظهرت له
صلى الله عليه وآله وسلم إلا بعلي عليه السلام ، فكان علي عليه السلام هو الواصف للخلق حدود الربوبية ، ولما كان الوصف وصفين حالي ومقالي وقد تحقق بالأمرين كان علي عليه السلام هو مصور حقائق الخلق على فطرة التوحيد عن الله عز وجل كما كان مبين شريعـته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله عز وجل ، كما أن الله لم يكن عاجزا عن التأدية والتبليغ في التشريع كذلك لم يكن عاجزا في التكوين تعالى عن ذلك ، كما أنه جعل واتخذ سبحانه رسلا وسفراء في التبليغ التشريعي كذلك في التكويني لأن الاختلاف في التدبير ليس من شأن الحكيم الخبير ، وقد اتخذهم الله سبحانه لخلقه أعضادا ووسائطا في التكوين كما أنه جعلهم واتخذهم في التشريع ، كما أن السفير والواسطة في التشريع ليس مستقلا كذلك في التكوين كما أن هنا {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * ‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}1 كذلك هنا {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ}2 ، ولما كان الإيجاد لا يكون إلا في مقام الربوبية إذ مربوب عـينا وكونا ، ولا يصح أن تكون هذه الربوبية ذات الله عز وجل إذ لا تعـتور على الله حالتان فتكون ربوبيتة إذ لا مربوب وربوبية إذ مربوب فـتنقسم تلك إلى العدم الكوني والوجود الذّكري
_______________________
1 النجم 3 - 4 2 الملك 3


والوجود الكوني والذّكري معا لأن مختلف الأحوال محدث ولا يصح أن تعرض تلك الحالتان ذاته سبحانه إذ نقول أنهما حادثتان أوقديمتان ، فإن فكانتا حادثتين تكون ذاته محلا للحوادث ، وإن كانتا قديمتين تعددت القدماء مع أنها لا يفرض ولا يتصور سيما في المقام ، فإذا صحّ حدوث بين الربوبيتين فنقول لا يخلو أنهما أمران اعتباريان لا محصّل لهما في الوجود الخارجي وليسا إلا فرض الذهن والتصور على ما يزعمون في الأمور الاعتبارية ، أم لهما تأصّل في الوجود والتحقق في الشهود .
فإن قلت بالأول ، نقول : إن قوام الموجودات وأصولها إنما نشأت من الربوبية ، فإن الأشياء كلها ما سوى الله مربوبون والأصل في المربوب هي الربوبية لأنها مادة اشتقاقهم ، فإذا كانت الربوبية أمرا اعتباريا فالمربوب الاعتبارية فيه أولى وأحرى وأحق ، ألا ترى أنك إذا تصورت الضرب واعتبرته يكون المضروب أمرا اعتباريا ولا يتحقق مضروب متحقق موجود في الخارج بحيث تجري عليه الأحكام الخارجية بمحض تصور الضرب واعتباره ولا يكون ذلك إلا بإيجاد الضرب في الخارج فيكون المضروب حدودا عارضة لذلك الضرب والضرب أصل للمضروب ، فلوكانت الربوبية أمرا اعتباريا لم يوجد في الخارج شيء أبدا ، ثم إن الاعتبار والوجود الذهني هو أن لا يحصل له إلا باعتبار المعتبر وفرض الفارض وقبل ذلك لم يكن له وجود أصلا ، فعلى هذا يلزم أن لا تكون لله ربوبية إذ ما فرضها أحد وهذا كفر بالله العلي العظيم وعناد للدين ، ثم إن الربويبه إذا لم تمكن موجودة عينية لكان وصف الله عز وجل رب كل شيء كذبا ، كما إذا قلت لك أنت سلطان ولم تكن لك سلطنة خارجية كان كذبا نعوذ بالله من ذلك وأستجير به من طغيان الأفهام وزلل الأقدام، فإن الحكم إن كان ذهنيا لا يشترط وجود الصفة في الخارج نعم يشترط حضورها في الذهن، وإن كان خارجيا يجب وجودها في الخارج وإلا كان كذبا وهذا لا إشكال فيه لمن له فهم وألقى السمع وهو شهيد .
فإذا وجب أن تكون الربوبيتان موجدتين في الخارج فنقول هل هما عرضان أم جوهران ذاتيان ، فإن كان الأول فما معروضهما فإن كان هو ظاهر الله يلزم المحال وإن كان خلق الله فهو مربوب ، فالربوبية أصل له ولا يصح أن يكون الأصل عرضا والفرع ذاتا والمشتق ذاتا والمشتق منه فرعا بحكم الضرورة والبديهة ، فإذا بطل كونهما عرضان ثبت أنهما ذاتان إذ لا واسطة بينهما معقولة ، فإذا أثبت أنهما ذاتان فهل تقدم عليهما خلق أم لا ، فإن تقدم فهل هو مربوب أم لا ، والثاني يبطل مخلوقيته فيتعدد القدماء والأول يثبت تقدم الربوبية لما مرّ ، فتكون الربوبيتان أقدم الخلق ولسبقهم فتكونان أشرفهم وقد انعقد الإجماع الضروري بين الفرقة الناجية على أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أشرف الخلق وأقدمهم وكذا علي بن أبي طالب عليه السلام أمير المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يسبقهما سابق ولا يلحقهما لا حق ولا يطمع في إدراكهما طامع وكذلك الطيبون من أولادهما عليهم السلام فإنهم طينة واحدة وحقيقة واحدة بإجماعنا مع قطع النظر عن الأخبار الواردة من الفريقين البالغة على حد التواتر ، فإذا كانا سلام الله عليهما أسبق الخلق لم يسبقهما خلق وما فاقهما موجود، وقد أثبتنا بالبرهان القطعي الذي لا ينكره إلا جاحد معاند أن الربوبية هي أسبق الخلق وأقدمها فوجب أن يكونا إما عين الربوبيتين أو محلهما كالمضروب الذي هو محل للضرب والحديدة المحماة بالنار والتي هي محل للنار والقلب الذي هو محل للحركات القلبية والخطورات الذهنية وأمثال ذلك ، ولما كانت الربوبية إذ مربوب ذكرا أشرف وأعظم من الربوبية إذ مربوب كونا وعينا لأن الثاني مقام للكثرة المتمايزة والأول مقام الوحدة وهي أشرف من الكثرة المتمايزة وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشرف من علي أمير المؤمنين عليه السلام بإجماعنا معاشر الشيعة وفوق كل مقام تحت مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولذا قال (( يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت ))1 ، كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم هوحامل الربوبية الثانية وعلي عليه السلام هو
___________________
1 تأويل الآيات 145


حامل الربوبية الثالثة ، وأما الربوبية الأولى لا ثاني لها وهي الربوبية إذ لا مريوب بوجه من الوجوه هو الحق سبحانه وتعالى فلا كلام فيها ولا سبيل إليها الطريق مسدود والطلب مردود دليلها آياتها و وجودها إثباتها .
ولما كانت الربوبية إذ مربوب بها ظهر الكون وبرز الوجود وتحقق الشهود وامتاز العابد من المعبود وانتشرت آثار الرحمة الواسعة التي عمت ووسعت كل شيء وكانا مولانا أمير المؤمنين عليه السلام هوالحامل لها والقائم بها والمقوّم لها بتقويم الله سبحانه إياها له عليه السلام ، كانت تلك الأوصاف كلها منتسبة إليه وراجعة إليه فهو عليه السلام الكتاب الناطق على كل شيء بالحق قال تعالى {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ}1 فنطق للخلق بصفات الأحدية والواحدية والنبوة والولاية وألقى في هويات الأشياء هذا المثال أي هذه الصفات ، وإليه أشار بقوله عليه السلام (( وألقى في هويتها مثاله فأظهر عنها أفعاله ))2 وهذا التوصيل وإلقاء المثال هوالرشح الذي أشار إليه عليه السلام لكميل (( ولكن يرشح عليك ما يطفح مني )) فهو عليه السلام الهادي والكاتب في قلوب الخلق الإيمان والكفر ، ففي كل شيء مكتوب بقلم النور من مداد السرور والكاتب أمير المؤمنين عليه السلام باملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الله سبحانه لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ولي الله فما تجد ذرة إلا وهذه الكتابة فيها ظاهرة في ذاتها وصفاتها وشئـونات أطوارها وهنادس هيئاتها كما دلت عليه أخبارهم وشهدت له آثارهم مجملة وأنا أذكر لك حديثا تعرف نوع ما ذكرنا ، في الاحتجاج روى القاسم بن معاوية قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام (( هؤلاء يروون حديثا في معراجهم أنه لما أسرى برسوله صلى الله عليه وآله وسلم رأى على العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق ، فـقال : سبحان الله غـيروا كل شيء حتى هذا ، قلت : نعم ، قال عليه السلام : إن الله عز وجل لما خلق العرش كتب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ، ولما خلق الله عز وجـل الماء كتب في
___________________
1 الجاثية 29
2 المناقب 2/ 49 , الغرر والدرر 231 , البحار 40/ 165 ح 54
 

 

مجراه لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ، ولما خلق الله عز وجل الكرسي كتب على قوائمه لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ، ولما خلق عز وجل اللوح كتب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ، ولما خلق الله عز وجل إسرافيل كتب على جبهته لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ، ولما خلق الله عز وجل جبرائيل كتب على جناحيه لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ، ولما خلق الله عز وجل السماوات كتب في أكنافها لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ، ولما خلق الله عز وجل الأرضين كتب في أطباقها لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ، ولما خلق الله عز وجل الجبال كتب على رؤوسها لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ، ولما خلق الله عز وجل الشمس كتب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ، ولما خلق الله عز وجل القمر كتب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ، وهو السواد الذي ترونه في القمر ، فإذا قال أحدكم لا إله إلا الله محمد رسول الله فليقل علي أمير المؤمنين ولي الله))1 .
ولما كانت حقائق الخلائق وذواتهم أمثلة ونقوش لا إله إلا الله محمد رسول الله عليها السلامعلي أمير المؤمنين ولي الله ، وتلك النقوش والصور إنما حصلت في الربوبية الثالثة التي كان أمير المؤمنين عليه السلام حاملا لها و مظهرا إياها وهي آثار ولايته أي ولاية الله الظاهرة فيه ، ولما حكم الله سبحانه أن يقرن الوصف الحالي بالوصف المقالي إتماما للحجة وإكمالا للنعمة وإيضاحا للحجة وكان حكم الله سبحانه واحدا لا يخـتلف من ذاته وجب أن يكون الـواصف المبين المظهر المعلن في التشريـع والتدوين هو الواصف
_____________________
1 الاحتجاج 158
 


والمبلغ في التكوين ليطابق العالمان ويتّحد الوصفان ، ولما عرفت أن الواصف في التّكـوين بالوصف الحالي هو مولانا علي عليه السلام كان الواصف في التشريع والتدوين أيضا هو عليه السلام ولذا اختصّ عليه السلام بإنشاء مثل هذه الخطبة الشريفة دون محمدّ صلى الله عليه وآله وسلم ودون سائر الأئمة عليهم السلام على هذا التفصيل والتبـين ، وإن ظهر منهم علـيهم السلام أمرا أعجب وخطبا أغرب لكن على جهة الرمز والتلويح والإشارة وإن كـانت في بعض المواضع بصريح العبارة إلا أنهم عليهم السلام صانوها عن الجهّال وعن أصحاب القـيل والقال بجـعل أغلب تلك الأحاديث مرفوعة السند أوضعـيفه على مصطلحهم وأمثال ذلك من الأمور التي يطـغـون بها في الحديث ولا يعلمون به ، وأما أهل تلك الأحاديث والأخبار وشيعـتهم المقتبسون من تلك الأنوار فما أخفوا عليهم بل أظهروها لهم بل القرائن القطعية والأدلة العلمية المسندة إليهم عليهم السلام لقولهم عليهم السلام (( لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم واكتموها من غير أهلها لئلا تظلموها ))1 وكيفية الكتمان من بعض وجوهها ما أشرنا إليها آنفا من إخفاء تلك الأحاديث وعدم جعلها مشهورة متكررة في الكتب والأصول وجهل بعض الرواة واستنادها إلى الـذين يزعم الذين ما يعرفـون أنهم غـلاة أو جعل بعض الأحاديث الدالة بظاهرها على خلافها لتتعارض عندهم ليسكـتـوا عـنها أو يرجّح الأخبار المعارضة على الظاهر ويقولوا بمضمونها ويتركوا تلك الأحاديث والأخبار إذ اقتضى لمصلحة ذلك .
وبالجملة هم عليهم السلام أعلم بمصالح غنمهم ، يدبّرونهم حيث لا يشعرون {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ
____________________
1 لم نقف على هذه الرواية بعينها وإنما وجدنا مايقارب منها في البحار 36/217 ح 19 قوله عليه السلام (( لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم واكتموها من غير أهلها لئلا تظلموها ))


عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ }1 فافهم .
ولما كان مولانا وسيدنا علي عليه السلام أمير المؤمنين ، والمؤمنون هم الأئمة عليهم السلام وهو عليه السلام أميرهم وسيدهم يميرهم العلم وهو أمير النحل في قوله تعالى {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}‏2 الآيه قـالوا عليهم السلام (( نحن النحل ))3 وهو عليه السلام أصل الولاية وقطبها وكتاب الله الأكبر وولي الله الأعظم وجب أن ينطق على الخلق بالحق مما أودع الله من سرّ هياكل التوحيد الذي أودعه عليه السلام في أسرار الخلق فقام عليه السلام خطيبا لسانا للحق سبحانه لكن لا في مقام ( هو هو ونحن نحن ) ولا في مقام ( نحن هو وهو نحن ) بل في مقام أنزل من الثاني في البساطة وأعلى من الأول في الكثافة الإمكانية بل هو في مقام (( كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ))4 ومقام {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * ‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}5 ومقام المفعول المطلق المنصوب لا الفاعل الموفوع ولا المضاف إليه المجرور ، ومقام الكرسي شارحا معلنا عن المبهمات البسيطة العرشية ومفصلا للمجملات الكلية ومظهرا للخفايا الغيبية ومبينا لمعرفته بالنورانية وكاشفا عن حقيقة الصمدانية الإلهية وموضحا لسر الفاعلية وشارحا للتوحيد الحقيقي بالوحدة الحقيقية ومنزها لربه عز وجل عن جميع الشوائب الإمكانية ومقدسا له تعالى عن كل القرانات والإضافات الخلقية ومطهرا ساحته عز وجل عن الأوهام الخيالية والتصورات الإفكية وواصفا لما عليه الكينونة البشرية وحاصرا جميع المقامات الخلقية والحقية مما يمكن الوصول إليه لأحد من البرية .
فقال روحي فداه (( أيها الناس )) على جهة المشافهة والخطاب طبقا لذلك الكتاب المستطاب ألست بربكم وبيانا لسر كن فيكون ، وتعليما على
__________________
1 القصص15

2 النحل 68

3 تفسير القمي 1/387
4 عوالي اللآلئ 4/103

5 النجم 3 - 4
 


أن للأشياء جهه إنّيه متأخرة عن الخطاب فبلحوقها إياه يكون مخاطبا فإن مخاطب كن هو فاعل يكون مع أن فاعل يكون معمول له ويكون إنما هو أثر كن مع حرف المضارعة وحركة الآخر ، فإن اقتضى المقام نذكر حقيقة الأمر في ذلك فيما بعد إنشاء الله .
والمخاطب بفتح الطاء كل أكوار الموجودات وأدوار الكائنات وأوطار الروابط والقرانات من العالم الأعلى الأول من آدم الثاني إلى آخر الآدميين الألف ألف وما وراءه إلى ما شاء الله ، وكلما يتصور ويتخيل ويتوهم ويتعقل ويشاهد ويحس ويجس من الوجودات القوية التامة والوجودات الضعيفة الناقصة من الأعراض والألوان والأسقام والأمراض والآلام والممات والحياة والأنوار والظلمات والأصول والظلال وكل شيء من خلق ربنا مما يرى و ما لا يرى ، إما للطافة ذاته ولظلمة ماهيته أو لشدة نورانيته أو لاستعلائه عن مقامات الإدراك وهوعلى أقسام من رتبة الأعراض إلى الأجسام إلى النبات إلى الحيوان إلى الإنسان إلى الملائكة إلى الجن إلى الأنبياء إلى الكروبـيـين إلى العالين ، وفي نسبهم وإضافاتهم وقراناتهم وروابط إنياتهم وخصوصيات مراتبهم من أفئدتهم وعقولهم وأوراحهم ونفوسهم وطبائعهم وموادهم وأجسامهم وأجسادهم وأفلاكهم وعناصرهم وأعراضهم غرائبها وذاتيها ، وخصوصيات كل مرتبة من مراتبهم من نطفتهم وعلقتهم ومضغتهم وعظامهم ولحمهم وحياتهم ، ثم خصوصيات مراتبهم بعد حياتهم من لحومهم ودمائهم وأعصابهم وعروقهم وعضلاتهم وأوردتهم وشراسيفهم وأضلاعهم وجوانبهم ورؤوسهم وأسماعهم وأبصارهم وألسنتهم وحركات لفظ ألسنتهم ومغرز حنك أفواههم ومنابت أضراسهم وأضراسهم وحبائل وتينهم وأعناقهم ومساغ مطاعمهم ومشاربهم وحمالة أم رؤوسهم وأم رؤسهم وتامور صدورهم وحجاب قلوبهم وأفلاذ حواشي أكبادهم وأطراف أناملهم وقبض عواملهم وشعورهم وأشعارهم وجلودهم وقوائهم و مشاعرهم وسائر مداركهم وشؤناتهم إلى ما لا يحصى في كل مرتبة من المراتب ، وإنما فصلت هذا التفصيل مع أن الكلية المذكورة في أول الكلام تشمله إشعارا على أنّا ما نريد من هذه الكلية الكلية العرفية حتى يخرج منها الأفراد النادرة الـتـي لا ينصرف إليها الإطلاق سيما في مثـل هذا المقام فـإن أهل هذا
لزمان لا يـرون لهـذه الأشياء في أغلبها وجودا وفي بعضها شعورا حتى يصح عليها الخطاب سيما خطاب أمير المـؤمنين عليه السلام دون خطاب الله سيما كونها شيعة ومنقادة لأمير المؤمنين عليه السلام ، ولما أنّـا في هذا الـشرح تبعا لإمامنا وسيدنا روحي فداه لم نسلك مسلك أهل الظاهر في الحكم الظاهري كما أن الإمام عليه السلام أيضا ما سلك هذا المسلك بل المطلوب منّا هنا هتك الأستار وكشف الأسرار فصلنا تلك المجملات الكلية وأشرنا إلى الأفراد النادرة الـتي ما كان يخـطر ببـالهم ولم يتصوروا ذلك {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ}1 .
وإنما قلنا أن المراد بالناس المخاطب كل الخلق لأنهم كلهم شيعـة عـلي عليه السلام وكلهم مأمرون بطاعته عليه السلام ، وأما الأنبياء المرسلون والملائكة المقربون وغيرهـما منهما والجن والإنس والوحوش والطيور والجماد والنبات وغيرها من الجواهر من كل أنواعها طاعـتهم لأمـير المؤمنين عليه السلام كادت أن تبلغ حد الضرورة بين الشيعة فإن أحاديث عرض ولايته على كافة الخلق سيما الجمادات والنباتات كادت أن تبلغ حد التواتر ، وأما عندي فمن المـتواترات ، وأما الأعراض فدلت عليها جملة من الأخبار والأدعـية والزيارات عموما وخصوصا ، وأما العمومات فأكثر من أن تحصى كـزيارة الجامعة فإن فيها هذا المعنى كثير مثل قوله عليه السـلام (( حتى لا يـبقى ملك مـقرب ولا نـبـي مرسل ولا صديـق ولا شهيد ولا عالـم ولا جاهل ولا دنـي ولا فاضل ولا مؤمن صالح ولا فاجـر طالح ولا جبار عنيد ولا شيطان مريد ولا خلق فيما بين ذلك شهيد
_______________
1 الزمر 47
 


إلا عرّفهم جلالة أمركم ))1.
وأما الخاص فكما في الدعاء للحمى عن رسول الله صلى الله عليه وآلـه وسلم (( يا أم ملدم إن كنت آمنت بالله فلا تأكلي اللحم ولا تشربـي الدم ولا تـفوري من الفم وانتقلي إلى من يـزعم أن مع الله إله آخر فإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريـك له وأن محمدا عبده ورسوله ))2 والإيمان بالله لا ينعقد إلا بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإيما ن به لا ينعـقد إلا بالإيمان بمـولانا علي أمير المؤمنين عليه السلام لأنه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومظـهر ولايـته وباب حطته ، وفي الرواية المشهورة أن مولانا الحسين علـيه السلام عـاد عبد الله بن شداد في مرضه فلما دخل عليه ارتـفعـت الحمى عنه فقام وقـال (( رضيت بكم أئمة وإن الحمى لتهرب عنكم فـقعد عليه السلام فقال إن الله سبحانه لم يخلق خلقا إلا وقـد أمره بالطاعة لنا ثم قال عليه السلام يا كباسة فسمعوا الصوت ولم يروا الشخـص يقول لبـيـك فقـال عليه السلام ألم يأمرك أمير المـؤمنين عليه السلام أن لا تـقربي إلا
____________________
1 الزيارة الجامعة الكبيرة
2 مصباح الكفعمي 161


عدوا أو مذنبا لتكون كـفّارة لذنوبه فما بال هذا الرجل ))1 انظر في صراحه هذا الحديث على المطلوب وأمثاله كثيرة .
وأما الأجزاء فكما دلّت الأخبار على أن كل جزء من الإنسان مكلف بما لا يكلف به الجزء الآخر ، وأما الأدلة العقلية في هذا المعنى فنذكرها إنشاء الله فيما بعد .
وإنما قلنا أن الناس يشمل كله ذرة من ذرات الوجود مع أن الناس في ظاهر اللغة لا يطلق إلا على الإنسان لأن الصورة الإنسانية المعينة للمادة الحيوانية الخاصة بهذة المرتبة المعينة أي مرتبة الرعية صورة وآيه للصورة الإنسانية التي هي مبدأ وعلة لهذه الصورة ، وهذه إنما هي منها كالأشعة بالنسبة إلى الشمس إذ كل سافل حكاية العالي ودليله وآيته ، وكل المراتب النازلة والمقامات السافلة كلها أمثال وقشور لهذه الإنسانية فإن اختلفت الصورة باعتبار كثرة الاختلافات والمناقضات وظهور الغرائب والأمور الخارجة والأعراض المانعة كالمقابل بالنسبة إلى المرايا الكثيرة المختلفة ، ولما كانت الإنسانية هي مقتضى تعلّق التكاليف والأوامر والنواهي والأحكام الوجودية والشرعية وهي محل نظر العالي أطلق اللفظ الدال عليها ليعمها في كل مقام ورتبة فإن الأثر من حيث هو أثر والنور من حيث هونور على مثال
____________________
1 لم نجد هذه الرواية كما هي في هذا الشرح وإنما وجدنا ما يقرب منها وهو ما روي في البحار 44/183 ح 8 عن زرارة بن أعين قال (( سمعت أبا عبد الله عليه السلام يحدث عن آبائه عليهم السلام أن مريضا شديد الحمى عاده الحسين عليه السلام فلما دخل من باب الدار طارت الحمى عن الرجل فقال له : رضيت بما أوتيتم به حقا حقا والحمى تهرب عنكم , فقال له الحسين عليه السلام : والله ما خلق الله شيئا إلا وقد أمره بالطاعة لنا , قال فإذا نحن نسمع الصوت ولا نرى الشخص يقول لبيك , قال : أليس أمير المؤمنين عليه السلام أمرك أن لا تقربي إلا عدوا أو مذنبا لكي تكوني كفارة لذنوبه فما بال هذا , فكان المريض عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي )) .
 

 

المنـيـر واسمه وصفته ، فكل شيء إنسان على اختلاف المراتب كما تـقول لجرم الشمس الشمس والأشعة أيضا يقال لها الشمس ، وكما تقول أن محمدا وأهل بيته عليهم السلام إنسان والأنبياء إنسان والمؤمنون وغيرهم إنسان كذلك غيرهم من البهائم ، إلا أن جهة الظلمة لما غلبت عليهم وجهة النور لما خـفيت خفي الاسم النوري الذي هو الإنسانية وظهر الاسم المناسب لمقامه من الظلمة و نعم ما قال مجنون العامري مخاطبا للغزال :

أيـا شـبه لـيلـى لا نزاع فإنني أنـا لك من دون الأنام صديق

فعـيناك عيـناها وجيدك جيدها ولكن عظم الساق منك رقيـق

فافهم وتفهّم.
فإن قلت هب أن الإنسانية تطلق على محمد وآله عليهم السلام وعلى الأنبياء عليهم السلام وعلى الطبقة تحتهم على الاشتراك اللفظي أي الحقيقة بعد الحقيقة وعلى غيرهم بالمجاز إذ لم يوضع لهم هذا الاسم ، لكن من أين تحكم أن هذا الخطاب يشملهم أجمع لأن الخطاب لا يكون إلا للحكم والحكم يختلف باختلاف الموضوعات سيما إذا كان الاختلاف ذاتيا أصليا فما هذا شأنه لا يحكم عليهم بحكم واحد لاختلافهم ، ثم إذا كان اللفظ مشتركا معنويا يشمل الحكم الجهة الجامعة والمفروض انعدامها وإذا كان مشتركا لفظيا يبقى في زاوية الإجمال حتى تبين بالقرائن فإن كان على ما تزعمون أنه حقيقة بعد الحقيقة فالحقيقة الأولية مقطوع بها والباقي في محل الشّكّ فيتوقف مع أن مقطوعيّة الحقيقة الأولى أيضا في محل الشّكّ لجواز أن المتكلم ما أرادها وأراد غيرها ، ومع هذا كلّه كيف يشمل الحكم الوارد على الحقيقة المجاز لأنّ الأصل حمل الكلام على الحقيقة ولا يجمع الحقيقة والمجاز مقام واحد حتى يشملهما حكم واحد فلا ينطبق هذا القول وهذا التّعميم على القواعد اللـفظية .
قلت قولكم وعلى غيرهم بالمجاز ممنوع على مذاق أهل الألفاظ ، وأمّا على مذاق أهل الأذواق والإشراق فالحقيقة هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرون عليهم السلام وكلّما سواهم مجازات ، وهذه مجازات حقيقية لا لفظيّة ولا ارتباط لهذا الحكم في عالم الألفاظ لأنّه فوق مدلول الألفاظ ، وأمّا في عالم الألفاظ فلما كان الواضع هوالله سبحانه والوضع لا يكون إلا لمناسبة ذاتية بين المعنى واللفظ بحيث لا يؤدى ذلك اللفظ بتلك الهيئة الملتـئمة من المادة النوعية المناسبة والصورة الشخصية إلا ذلك المعنى ، فلما خلق الله سبحانه تلك اللطيفة الإلهية المسمى بهـيكل التوحيد التي هي الصورة الإنسانية التي هي أكبر حجة الله على خلقه وهي الشاهد على كل غائب والحجة على كل جاحد وهي الكتاب الذي كتبه الله بيده وهي الهيكل الذي بناه بحكمته وهي الصراط المستقيم وهي الصراط الممدود بين الجنة والنار فاستدعت اسما وظلت واقفة على باب فوارة النور فأعطاه الله سبحانه الإنسان مناسبا لها ومقترنا معها ، ثم لما تشعشعت أنوار تلك الحقيقة خرجت الأشعة من حيث هي حاكية لذلك المثال وشاهدة على حقيقة الحال ، فـهي في نفسها لا تدل إلا على تلك الحقيقة وليست إلا تلك اللطيفة في مقامها فلا تطلب من تلك الحيثية إلا اللفظ الدال عليها ، فالمناسبة الذاتية وحكمة الحكيم تـقـتضيان بأن يكون لها ذلك الاسم الذي كان للأصل بالدليل الذي كان ذلك الاسم للأصل إذ لا فرق بين الشعاع والمنير في مقام التعريف أبدا، ألا ترى أن السراج إذا أشرق في المرآة أو غيرها من الأجسام الصيـقلية كان ذلك النور على مثال السراج بل هوالسراج لا فرق بين الأمرين في الصورة والدلالة أبدا مع أن السراج أصل وهذا فرع ولا تسميه إلا سراجاً ولكن لا يجوز أن يكون ذلك اللفظ الذي للأصل يكون هو بعينه للفرع لمكان التـناقض مع أن فرض ذلك مستحيل فيجب أن يكون اللفظ من شعاع اللفظ الأول ويكون مشتقا منه كما أن المعنى من شعاع المعنى الأول وكان مشتقا منه ، فكما أن المعنى جزء من سبعين جزء من الأصل كان اللفظ أيضا كذلك، فالألف في الإنسان الذي يطلق على الأنبياء اشتقت من الألف الذي في الإنسان المطلق على محمد وآله عليهم السلام ونونه مشتق من نونه وهكذا بواقي حروفه أي كل حرف من الأصل أقوى من الحرف الذي في الفرع بسبعين أوسبعين ألف أوسبعمائة ألف درجة ، وأهل التجربة الكاملون الماهرون في علم الحروف إذا جربوا الأمرين يرون الذي قلت واضحا ظاهرا كالشمس في رابعة النهار ، فذلك اللفظ الثاني الموضوع للمعنى الثانى ليس مجازا وإنما هو وضع حقيقي لكنه على هيئة ذلك وصورته لسر المناسبة الذاتية وهذا حكم الله سبحانه في الأشياء كلها ، فالأثر لم يزل من حيث هو أثر على هيئة المؤثر وصفته واسمه لا يطلب إلا صفة المؤثر لفظا كان أم معنى ، ولذا في المفعول المطلق يقولون أنه تأكيد مع أنه لفظ مشتق من لفظ فعله الواقع عليه تقول ضربت ضربا فضربا في قوة قولك ضربت ضربت وهذا ليس بمجاز وإنما هو حقيقة ، ولكن لما كان الأثر له جهتان جهة من مؤثره وجهة من نفسه فالتي من مؤثره هي مثاله ودليله وآيته لافرق بينه وبينه إلا أنه عبده وخلقه ، والتي من نفسه خلاف مؤثره والإدبار عنه ، فالأولى تطلب اسم المؤثر والثانية تطلب عكسه ، فحين الضم والتركيب فإن كانت الجهة الأولى غالبة عالية والجهة الثانية مقهورة مضمحلة فيظهر ذلك الاسم الذي للمؤثر بالرشح والاشتقاق وهواسمه حقيقة كما أن المعنى ذاته حقيقة وليس ذات المؤثر حقيقة ، وإن كانت الجهة الثانية غالبة والجهة الأولى مقهورة مستهلكة فانية فلا يجري عليه حكم المغلوب فيوضع له لفظ يناسب تلك الجهه الغالبة باعتبار حياتها وقراناتها وإضافاتها وأمثال ذلك فحينـئذ ليس إطلاق الاسم الأول من جهة المؤثر إذا أرادوا التنبيه والإشعار بتلك الجهة حين يطلق على ذلك الأثر من تلك الحيثية مجازا وإنما هوحقيقة خفيت باختفاء مسماه وظهر عند ظهورها ، ولما كان الغالب في الأنبياء ورعاياهم جهة المؤثر لا جهة أنفسهم إما ظاهرا وباطنا كما في الأنبياء وخواص المؤمنبن الممتحنين ، وإما ظاهرا دون الباطن كالكفار والمنافقين أطلق عليهم الاسم الأول ولم يوضع لهم اسم آخر مناسب للجهة الأخرى ، وأما البهائم وحشرات الأرض وما سواهم لما كان الغالب فيهم الجهة الإنية ولذا كانوا ناكسوا عند ربهم واستقهرت فيهم الجهة الإلهية الربانية وضع لهم اسم يناسب مقامهم ومرتبتهم ويوافق كينونتهم فخفي ذلك الاسم ، فإطلاق الإنسان عليهم من جهة تلك الجهة التي من مؤثرهم قد كتبت فيهم حقيقة لا مجاز أما سمعت قول مولانا وسيدنا أمير المؤمنين عليه السلام (( أنا الذي كتب اسمي على البـرق فلمع وعلى الودق فهمع وعلى الليل فأظلم وعلى النهار فأضاء
وتبسم )) فكل شيء فيه إنسانية يكون إطلاق الإنسان عليه حقيقة لا مجازا فافهم إن كنت تفهم وإلا فأسلم تسلم .
وأما قولكم إن الحكم يختلف باختلاف الموضوعات فلا يشمل الخطاب، فجوابه من وجهين أحدهما في الظاهر والثاني في مقام الحقيقة .
أما الأول فاعلم أن حكم الله سبحانه واحد لا يختلف ولا يتكثر كما قال عز وجل {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ}1 {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}2 {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ}3 ونسبة الحق سبحانه على كل من سواه واحدة والاختلاف هذا من قبل أنفس الخلق لا من جهة الحق فما من الله عام كلي واحد منبسط وما من الخلق جزئي خاص غير منبسط ، لكن قد يكون للكلي أفراد متواطئة في الاقتضاءات الكلية وقد يكون فيها أفراد لقرانات أخر تغير الحكم الجاري على الكل ، فإذا كان كذلك فعلى الله سبحانه المطلع بالاقتضاءات والموانع أن يخرج تلك الأفراد كما أخرج البلل المشتبه وغسالة الحمّام وغيبة الحيوان عن حكم لا ينقض اليقين إلا بـيقـيـن مثله فإذا سكت عن الإخراج فيحصل القطع بأن الحكم عام ، ولا شك أن الخطاب جهة المخاطِب ووجهه لا المخاطَب بفتح الطاء فهوكلي وحكمه عام جار منبسط إلا إذا دلّ دليل إلهي على عدم جريانه وإذ ليس فليس ، واختلاف المخاطَبين لا يستلزم عدم عموم الخطاب إذ قد يكون بينهم جهة جامعة يتشاركون فيها ، وقولي جهة جامعة أعم من أن تكون في صقع واحد وفي أصقاع متعدّدة إلا أن السافل رشح وصفـة للعالي فلا يخالفه من تلك الجهة فيتّحدان في الحكم إلا أن في أحدهما بالأصالة وفي الثاني بالتبعية ، كما في قولك جاءني زيد القائم فإن القائم مرفوع بتبعيّة زيد ورفعه جزء من سبعين جزء من رفع زيد فالفعل منسوب إلى زيد بالأصالة وإلى القائم أيضا لأنه صفته ودليله وآيته بالتبع وهذا مرادي بالجهة الجامعة ، فخطاب الله سبحانه لا يتخصّص ببعض دون الآخر وفي مقام دون
_____________________
1 القمر 50 2 لقمان 28 3 الملك 3


الآخر إذ ليس لله سبحانه نسبة بأحد أزيد منه إلى الآخر فإنه سبحانه استوى على العرش فلا شيء أقرب إليه من شيء ، واختلاف الأشياء إنما هو بالنسبة بعضها إلى بعض ، فلما كان العالي قد تقدّم في الوجود وسبق إلى الإجابة وكان السافل تابعا له وأثرا منه و متفرّعا عليه كان حكمه سبحانه على العالي أولا وعلى السافل ثانيا إذ لم يرفع الله سبحانه نظره عن مخلوقاته ، وخطاب مولانا علي عليه السلام هوخطاب الله لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يتطرّق إليه الميل الداعي إلى السهو والغفلة ، كلا بل هوعين الله الناظرة ويده الباسطة واسم الله الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم أما سمعت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت تنام عينه ولا ينام قلبه وعلي عليه السلام نفسه وحكمه حكمه قال عليه السلام (( أنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم أنا )) فافهم .
وأما الثاني فاعلم أن الاختلاف متقوّم بالخطاب فلولا الخطاب لم يكن شيئا لا الاختلاف ولا الائتلاف ، فبالخطاب أنشأت الأحكام وتميز الحلال من الحرام ، فمنهم من قال بلى أصالة و منهم من قالها تبعا ومنهم من قالها أثرا ومتقوما بالغير ومنهم من أنكرها على هذا التفصيل ، فالخطاب يجري في الأحكام الشرعية والتكوينية مجرى الروح في الأجساد فإذا تحققت للشيء شيئيّة فذلك بوقوع الخطاب عليه ، ولما كان حكم الله واحدا وخطاب الله جهة الله سبحانه وطلبه من خلقه فيكون واحدا جاريا على كل شيء مما جرى عليه الإيجاد فافهم وإلا فأسلم تسلم .
وعلى هذا البيان ظهر الجواب عن القول بأن الحكم إذا تعلّق بالمشترك اللفظي يبقى في زاوية الإجمال فإنا نمنع الاشتراك في هذا المقام بأن تكون المعاني كلها في صقع واحد و نظر الواضع إلى محض خصوصية أحدها فوضع اللفظ المناسب لها بإزائها، ثم نظر إلى الخصوصية الأخرى ورأى صلاحية اللفظ بأحد وجوهه فوضعه لها وهكذا ، وهذا دليل على أن في المشترك اللفظي لا تلحظ إلا جهة المباينة والخصوصية مع الاتحاد في الحقيقة والذات التي هي جهة الحق سبحانه فالحكم لتلك الخصوصية لا للشيء من حيث هو هو في الحقيقة الإلهيه ليعم الحكم والخصوصية من جهة أنها مقام الكثرة جهة
النكارة فيحتاج إلى معيّن ، فإن اقتضى الحال التعيين فعل الحكيم فيـبقى في زاوية الإجمال إلى أن يأتي أجله وذلك مقدر عند الله سبحانه ، ولا كذلك الحكم في الحقيقة بعد الحقيقة فإنها لا تكون إلا لجهة الموافقة لا لجهة المخالفة وجهة الاتحاد لا لجهة الاختلاف ، فلولا أن كل واحد منهما في صقع غير الآخر لما قيل بالفرق ، ولما كان في عالم آخر مشابه مناسب للعالم الأول سمي باسمه وأجري عليه حكمه كالقائم المرفوع بتبعيّة زيد على ما مثّلت لك سابقا، فالحقيقة بعد الحقيقة جهة الموافقة ، والاشتراك اللفظي جهة المخالفة وبينهما بون بعيد ، فإذا جرى حكم على أمر من الأمور فكل المراتب المتـنـزلة التي نسبتها إليه كالشعاع من المنير المستدعي لإثبات الحقائق المترتبة المشتركة في ذلك الحكم على حسب مقامها و مرتبتها بالدليل الذي اختصت به الحقيقة الأولى فإن الثانية هي عين حكاية الأولى بل عين الأولى للثانية لا فرق بينه وبينها إلا أنها أثرها وشعاعها ، وهذه الجهة أي الأثرية مقطوع النظر عنها وإلا لم تكن مثالها أما سمعت قوله عليه السلام (( لنا مع الله حالات هو فيها نحن ونحن فيها هو إلا أنه هو هو ونحن نحن )) ، والمثال التقريـبـي لذلك أن الكلب المعلم بشرائطه صيده حلال ويجوز الأكل منه قال تعالى {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}1 لأنه حينئذ ليس له جهة إنية بوجه فلا يتريّب على جهته حكم أبدا ، وكذلك الذمي إذا غسل ميتا بأمر المسلم وإذنه فيطهر الميت على الأصح عن نجاسة الحدث وينجس بنجاسة الخبث وهو من مباشرة الكافر ، وكذلك أنت إذا حكيت عن الله وعن رسوله وعن الأئمة الطاهرين علـيهم السلام فالحكم الجاري على ماله حقائـق مترتبة على كل تلك الحقائق مقطوع به لا يشك فيه إلا الجاهل بالأمر وأما المجاز فلا يشمله الحكم الوارد على الحقيقة إلا إذا دلّ دليل قطعي عليه وليس في هذا المقام مجاز فافهم ما أسعدك لو وفّقت لفهم هذه الدقائق .
____________________
1 المائدة 4


وأما كيفيّة شمول الخطاب لكل شيء فاعلم أن الإمام عليه السلام قطب لكل أكوار الوجود وأدواره ، وكلما في الوجود المقيد من شئـونات ذاته وآثاره وأفعاله وصفاته وأحواله ، والذات لها قيوميّة على كل الصفات والآثار والإضافات والسبحات فكل الكائنات عنده عليه السلام كالدرهم بـين يدي أحدكم والمستقبل والحال والماضي عنده بمنـزلة سواء فأحاط بكل شيء علما في مكانه وزمانه ، فخاطب كل شيء في زمانه و مكانه بالخطاب الشفاهي وإن كان ذلك بالنسبة إلينا مستـقبل فإن الزمان عنده عليه السلام منقطع ، فأحاط بالذي يأتي بعد ألف سنة فأشرف على زمانه ومكانه فخاطبه هناك عند الخطاب فشافه كل شيء في وقته ومكانه ورتـبـته وسيأتي إن شاء الله في هذه الخطبة عند ذكر بعض المغيّبات عن الخلق إلى أن قال عليه السلام (( كل ذلك علم إحاطة )) فلو لم يكن الذي أخبر حاضرا عنده عليه السلام لم يكن العلم علم إحاطة بل ولا علم عيان وإنما كان علم إخبار الذي هوأدنى المقامات وأخس الدرجات وقد روي ما معناه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صعد المنبر وقال (( أيها الناس أتدرون ما في يدي اليمنى ، قالوا : الله ورسوله أعلم قال عليها السلام : إن في يدي أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وما يتوالدون إلى يوم القيامة وإن الرجل ليعمل أعمال أهل النار ثم عند الموت يختم له بالخـير فيدخل الجنة ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم : أتدرون ما في يدي اليسرى ، قالوا : الله ورسوله أعلم قال صلى الله عليه وآله وسلم : إن في يدي اليسرى أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وأمهاتهم وما يتوالدون إلى يوم القيامة وإن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة طول عمره ثم عند الموت يختم له بالسوء فيدخل النار ))1  .
وروي أيضا أنه صلى الله عليه وآله وسلم بلغ كل أحد مشافهة ، ولا شك أن هذا العلم لا يكون إلا بالمعلوم وهو وإن لم يكن شيئا كان كذبا وإن كان شيئا لا على ما هوعليه أيضا كان كذبا لأن العلم شرطه المطابقة بمعلومه وإلا لم يكن علما به ، ولما كان المشخصات الستة التي هي الزمان والمكان والكم والكيف والجهة والرتبة لا تنفك عن شيء بل لا شيئية للشيء إلى بهذه الستة ولا تخلتف الموجودات في السلسلة العرضية إلا بهذه ، فالمعلومات كلها مساوقة لهذه الستة وهي مختلفة فيجب أن يكون العلم بالمعلوم في زمانه ورتبته لا في زمان الغير ورتبته ، فأنت حين تعلم أنك غدا تفعل كذا فقد أشرفت نفسك على الغد ورأتك فاعلا له في غيبه فإذا أوقعته في شهادتك وهي يوم تصورك إياه في علمك به إذ الأمس هوالغد وبعد غد هو اليوم عند نفسك لأن الزمان والزمانيات كلها نقطة في الدهر .
وبالجملة فالعالي يرى السافل في وقته ومكانه وجهته ورتبته فيخاطبه ويحكم عليه في ذلك الوقت وذلك المكان , فبقي ذلك المخطاب واقفا على باب فوارة النور فيقع عليه في وقته ومكانه وهو حين سماعه ذلك الخطاب ، ألم تر أن الـرجـل إذا كان في مجلس واحد يخاطب أشخاصا كثيـرة وهم
_____________________
1 ذكر المصنف أعلى الله مقامه وأنار الله في الدارين أعلامه هذه الرواية بالمعنى ونحن نذكرها هنا بالنص تيمنا ففي بصائر الدرجات 192 عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال (( خطب رسول الله صلى الله عليه وآله الناس ثم رفع يده اليمنى قابضا على كفه قال : أتدرون ما في كفي , قالوا : الله ورسوله أعلم , فقال فيها أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة , ثم رفع يده اليسرى فقال : أيها الناس أتدرون ما في يدي , قالوا : الله ورسوله أعلم , فقال : فيها أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة )) .


متفاوتون في الاستماع والإدراك لا شك أنهم لا يفهمون خطابه دفعة واحدة بل ولا يسمعون كذلك فقبل السماع والفهم لا شك أنهم ليسوا مخاطبين وإن وقع الخطاب وإنما الخطاب بعد السماع والفهم فهناك مخاطبون حقيقة لا مجازا وذلك ظاهر لمن يفهم .
والأصل في المسألة اعلم أن الخطاب خطابان خطاب وجودي عيني ، وخطاب وصفي لفظي ، واللفظي لم يزل تابعا للمعنوي الوجودي فإن الألفاظ أعراض لغيرها فحسنها وقبحها والحكم عليها كلها من جهة المعاني والحقائق كما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ونفسي فداه (( إن المعنى في اللفظ كالروح في الجسد )) فالألفاظ مرايا لظهور المعاني وحكايات لها وإنما هي على طبقها ووفقها ، وأما الوجودي المعنوي فهو وجه الشيء للآخر وتوجهه إليه ووجه الشيء ليس إلا ظهور فعله ، والمراد بظهور الفعل أثره وهذا الأثر من حيث هو والفعل من عالم الوجود المطلق ، أي ليس لهما في تحققهما شرط خارج عن حقيقة ذاتهما ولا يفتقران إلا إلى مبدأ وجودهما وهوالعلة الفاعلية خاصة ، وهذا الأثر هو فيض الفاعل ولا انقطاع له أبدا إلا أن ذلك غيب يحتاج في إظهاره إلى قابل ، كالضرب فإنه لا يظهر إلا بالمضروب وتلك القابلية هي حدود ذلك الأثر وصورة متقومة به ومتحققة بعده في الذات ومعه في الظهور ، فإذا تحققت تلك القابلية ظهر ذلك الأثر الذي كان غيبا في ظهور المؤثر فلا تزال توجد القابلية وتظهر أثر الفاعل إلى ما لا نهاية له , كالشمس إذا قابلت نورها مرايا لا نهاية لها مجتمعة أو متفرقة متعاقبة أم متراخية يظهر في كلها نور واحد خاص بها من الشمس وليس من جهة ازدياد مرآة يزيد نور الشمس أو ينقص عند نقصانها بل النور على ما هو عليه إنما يختلف ظهور وخفاء لا ذاتا وحقيقة ، وهذا النور خطاب للشمس إلى المرايا والقوابل أي تكليف لها الاختيار في قبوله أوعدمه وأنحاء القبول كثيرة هي مختارة لها ، ولذا ترى يظهر النور في كل مرآة على مقتضى تلك المرآة فإن كانت حمراء فالنور أحمر وإن كانت صفراء فالنور أصفر وهكذا، فلوكان الأمر بالقهر لا بالخطاب والتكليف لما اختلفت أحوال نور الشمس التي بيدها أزمتها ، ولا شك أن المخاطَب التي هي الكثافة من المرايا
وأمثالها إنما هي متأخرة عن النور ولا أقل مساوقة معه لا أنها متقدمة عليه ، فتحقق عندنا ثلاثة مخاطِب وهو المؤثر الفاعل ومخاطَب وهو المفعول وخطاب وهوالأثر أي المصدر والمفعول المطلق ، فلولا الخطاب لم يكن مخاطِبا بالكسر ولا مخاطَبا بالفتح لأن الخطاب ركن لهما لأن المخاطِب بالكسر هو الظاهر بالخطاب فلا يكون ذلك الظهور الخاص إلا في الخطاب والمخاطَب بالفتح هو حامل الخطاب ولا يكون ذلك من حيث هو حامل إلا بالخطاب ، وقد تقدم الكلام في أن الفاعل والمفعول ليسا عين ذات الشيء وإنما هما أمثاله وصفاته وأسماؤه والاسم غير المسمى والصفة غير الموصوف ، وقد قلنا أن تلك الصفة ما ظهرت إلا بالخطاب فيكون الخطاب أصلا للمخاطَب بالفتح في المعنى كما كان في اللفظ فيوجد الخطاب فيظهر بذلك المخاطِب بالكسر فإن وجد المخاطَب بالفتح يتعلق به كالنور إذا وجد له جسم كثيف وإلا فيبقى مخفيا في عالمه ، فالمخاطَب بالفتح ليس إلا موجودا ولا يصح الخطاب بالمعدوم ولا يتصور ذلك ، ولكن لا يلزم أن يكون المخاطَبون في مكان واحد وزمان واحد بل يجوز أن يخاطب زيدا في هذه البلدة وعمروا بهذا الخطاب في بلدة أخرى وبكرا الآن وخالدا بعد سنه أو ألف سنه كما أن إبراهيم عليه السلام أذن في الناس بالحج فكل من سمع النداء حج وكل من لم يسمع لم يحج وذلك الاستماع عند الإحرام بالحج حيث يجيب نداء إبراهيم عليه السلام عن الله ويقول لبيك اللهم لبيك ، وكذلك الملك ينادي عند الظهر أوغيره من أوقات الصلاة (( قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فأطفئوها بصلاتكم ))1 فهو دائما ينادي فكل من سمع نداءه قام يصلى ويقول في افتتاح الصلاة لبيك وسعديك ، فمنهم من يسمع الآن ومنهم من يسمع بعد ساعة و منهم من يسمع بعد ساعتين وهكذا على اختلاف الآفاق في الطلوع والغروب ، فمن الناس من يصلى الظهر ومنهم من يصلى العصر في ذلك الوقت ومنهم من يصلى فيه العشاء و منهم من يصلى فيه الصبح ، ولما كانت أسماعنا مريضة ثقيلة لم تسمع خطاب الملك ونداءه عين حديد البصر والسمع لنا أوان حصول ذلك النداء إلينا فصدقنا قـوله وقـلنا لبيك وسعديك فمجرد عدم السماع لثـقل في الأذن لا ينفي
______________
1 أمالي الصدوق 496 , البحار 82/209 ح 21
 

 

الخطاب لأن المترجم هو لسان الأصل فقوله قوله حقيقة ، وكذلك عدم السماع لبعد مسافتنا عن المخاطِب بالكسر لا ينفي الخطاب إذا سمعنا لأن ذلك بعينه وصل إلينا بحامل وأمين مؤدٍّ ، وذلك الحامل حين التأدية حاك محض كاللسان بعينه للمخاطِب فإن المخاطِب ليس هواللسان وإنما هو الشخص وليس هو الجسد لأنه لا حراك وإنما هو ذاتك المجردة عن كل السبحات وإنما أوصل خطابه إليك بآلته الخارجة وهو اللسان ، وإنما كان اللسان لا تعتبر فيه إلا جهة المخاطِب بالكسر لأنه لا إنية له تدعي لنفسه فصار محض حكاية غيره ، وكذلك غيره إذا صار منزلته منـزلة اللسان كما أنك إذا قرأت القرآن وقلت {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي}1 ‏لا أحد يعترض عليك لأنك حينئذ في هذا المقام الخاص لسان الله تحكي عن الله سبحانه فما تقول أنت هوكلام الله حقيقة ولا ينكره إلا منكر ضروري الإسلام ، وكذلك إذا قلت قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ))2 فإنك حينئذ لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولذا نقبل منك إذا عرفناك صادقاً فيما تدعي من أنك لسان ، وأما إذا أخبرت عن نفسك بشيء مما ذكرنا فأنت كافر وجب قتلك ، انظر بين المقامين من الفرق الواضح البين ، فإذا كان الشيء لسانا لا ينسب الكلام أو الخطاب إلى اللسان حقيقة وإلى صاحب اللسان مجازاً وإنما النسبة إلى صاحب اللسان حقيقة وإلى اللسان مجازاً وإلا لكانت الخطابات القرآنية كلها مجازات لا حقائق لها أبداً لأنه ما وصل إلى القلم إلا بعد أن أتى إلى النون وهو ملك يؤدي إلى القلم وهو ملك والقلم أدى إلى اللوح واللوح أدى إلى ميكائيل وميكائيل أدى إلى إسرافيل وإسرافيل أدى إلى جبرائيل وجبرائيل أدى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو صلى الله عليه وآله وسلم أدى إلى الرعية وهولسان الله الناطق على الخلق ولم يكن ذلك مجازاً لكونه صلى الله عليه وآله وسلم لساناً لله مع الملائكة المتقدمة ، فكذلك خطابات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنسبة إلى الرعية لأنهم حين النقل والحكاية بمنـزلة اللسان بل اللسان حـقـيقة ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم (( رحم الله إمرء سمع
_____________________
1 طه 14 2 أمالي الصدوق 415


مقالتـي فوعاها وأداها كما سمع ))1  وقال تعالى { * إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}2‏ والفارق بـين المقامين مكابر مباهت إذ ليس له دليل لا من العـقل ولا من النقل ولا من اللغة {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} 3 فقولهم إن الخطاب توجيه الكلام نحوالمخاطب الحاضر مسلم لكن هذا الحضور يجب عند الخطاب ولا يجب اجتماع المخاطبين كلهم أجمعين في مشهد واحد ومحضر واحد ووقت واحد فإن الخطاب لو وقع الآن وأتى من شأنه أن يخطاب به بعد ألف سنة و نطق لسان المخاطِب بالكسر بذلك الخطاب فـخاطبه به حقيقة ، أما سمعت ما وردت الأخبار الكثيـرة
_____________________
1 دعائم الإسلام 1/378 ولكن في آخرها بعد كلمة ( وعاها ) قوله صلى الله عليه وآله (( وبلغها إلى من لم يسمعها ))
2 النساء 58 3 البقرة 111


المتكترة وشهد لها العقل السليم أن القارئ إذا قال {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}1‏ ‏  يقول في نفسه هوالله أحد وإذا قال {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}2 يقول يا أيها الكافرون وإذا قال‏ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} يقول لبيك يا رب وسعديك فإن الله يخاطبه بلسانه وقد أجمع المسلمون ظاهرا والفرقة المحقة يقينا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد خلقه الله قبل الخلق وقبل آدم وقال صلى الله عليه وآله وسلم (( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين))3 وما كان نبيا إلا بالقرآن كما في قوله تعالى {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}4 وإذا كان القرآن نازلا عليه صلى الله عليه وآله وسلم جملة في ذلك العالم وكله أو جله خطابات فأين المخاطبون، وكذا مولانا أمير المؤمنين عليه السلام يوم الذي تولد قرأ القرآن من أوله إلى آخره ولم ينـزل في ذلك اليوم حرف واحد فكيف وجد الخطاب من غير المخاطب فلنقبض الكلام فإن ذيل هذه المسئلة طويل وقد توصل فيها أصحاب القال والقيل فما أصابوا شيئا من حقيقتها لا كثيرا ولا قيلا من الطرفين من القائلين بعموم الخطاب والنافين له إلا أن فيما أشرنا إليه إن كنت علاّمة تستبصر لمنتهى المطلوب وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر .
فمولانا وسيدنا أمير المؤمنين عليه السلام قد خاطب أهل الأكوار الجسمية والأدوار البشرية بذلك الخطاب في ذلك اليوم في الخطاب اللفظي المطابق لخطابهم بالخطاب الوجودي الكينونتـي ، وخاطب أهل المثال النورية والأبدان النورانية والأشباح الظلية قبل خلق السموات والأرض في الإقليم الثامن من عالم هورقليا ألف سنة وكل سنة ألف شهر وكل شهر ألف أسبوع وكل أسبوع ألف يوم وكل يوم ألف سنة مما تعدون وكان الموقف في ذلك العالم بين المدينة والكوفة والخلق كلهم مجتمعون في صعيد واحد ، وخاطب عليه السلام أهل الأظلة والذر قبل خلق السموات والأرض بألفي عام على ذلك التقدير وربما يكون هنا أطول وأشد ، وخاطب عليه السلام أهل الكثيب الأحمر في الكون الناري قبلهما بثلاثة آلاف سنة ، وخاطب عليـه
____________________
1 الأخلاص 1

2 الكافرون 1

3 المناقب 1/214

4 الشورى 52
 

 

السلام أهل الرفرف الأخضر قبل خلق السموات والأرض بأربعة آلاف سنة ، وخاطب عليه السلام أهل أرض الزعفران قبل خلقهما بخمسة آلاف سنة وهم حينئذ ذر على هيئة ورق الآس مكتوب في وسط الورقة لا إله إلا الله وفي الجهة اليمنى محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله وفي الجهة اليسرى علي أمير المؤمنين ولي الله عليه السلام , وخاطبعليه السلام أهل الأعراف الذين لا تعتريهم وهجات النوم أبدا وقد تأخذهم سنة خاطبهم قبل خلق السماوات والأرض بستة آلاف سنة أوسبعة آلاف سنة وكل سنة دهر وهم حينئذ أنوار بيض قائمون بعبادة الحق المعبود جل جلاله ، وخاطب عليه السلام أهل الأفئدة الناظرين إلى عالم اللانهاية والسابحين في تلك اللجة بلا غاية يوم الذي كان العرش على الماء قبل خلق السماوات والأرض وقد سئل أمير المؤمنين عليه السلام (( كم كان العرش على الماء قبل خلق السموات والأرض قال عليه السلام : أتحسن أن تحسـب ، قال : بلى ، قال عليه السلام : أخاف أن لا تحسن ، قال : بلى، فقال عليه السلام : لو صب خردل في الهواء بحيث سد الفضاء و ملأ ما بين الأرض والسماء ثم لو عمرت مع ضعفك أن تنقل حبة حبة من المشرق إلى المغرب حتى ينفد لكان ذلك أقل من جزء من المائة ألف جزء من رأس الشعير مما بقي العرش على الماء قبل خلـق السموات والأرض وأستغفر الله عن التحديد بالقليل))1 ، وخاطب عليه السلام أهل الرضوان قال تعالى {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ}2‏ إلا أنهم لا
______________________
1 لم نعثر على هذه الرواية بهذا النص ولكن وجدنا ما يقرب منها وهي ما ذكر في إرشاد القلوب 277 (( قال الرجل : فكم مقدار ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء , قال علي عليه السلام : أتحسن أن تحسب , قال علي عليه السلام : أرأيت إن صب خردل في الأرض حتى سد الهواء وما بين الأرض والسماء ثم أذن لك على ضعفك أن تنقله حبة حبة من مقدار المشرق والمغرب وفي مد عمرك وأعطيت القوة على ذلك حتى تنقله وأحصيته لكان ذلك أيسر من أن أحصي عدد أعوام ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرضوالسماء , وإنما وصفت منقصة عشر عشر لعشر من جزء من مائة ألف جزء , وأستغفر الله عن التقليل والتحديد ))
2 التوبة 72
 

 

يوصفون بالقبل والبعد والقرب والبعد لأنهم خارجون عن حدود الزمان والزمانيات وانتفت مقتضياتها وخاطبهم بباطن باطن هذه الخطبة الشريفة التي هي سر التوحيد وحقيقة التفريد والتمجيد وخاطبهم من غير لفظ ولا إشارة ولا عبارة ولا تلويح ولا كيف ولا كم بل ذلك عين مقام الخطاب وبطلان وجود المخاطب ليتحد الخطاب والمخاطَب بالفتح وذلك غير ما الذي نريد من شرح هذه الخطبة فإننا بصدد شرح ظاهرها وبعض وجوه باطنها وأما باطن باطنها فأغلبه ما ندركه ولا نعلمه والذي نعلم لا يجوز البيان لقول الصادق عليه السلام (( ما كل ما يعلم يقال ولا كل ما يقال حان وقته ولا ما كل ما حان وقته حضر أهله ))1 ، وخاطب عليه السلام السموات قبل ذلك المجلس نسبة أو خمسمائة سنة أوسبعمائة سنة أوتسعمائة سنة أوألف، وخاطب عليه السلام الأرضيين بمراتبها من الأولى والثانية والثالثة والرابعة إلى السابعة التي كل أول بالنسبة إلى آخره كحلقة ملقاة في فلاة قيّ على ما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون الخطاب على كل أرض وأهلها بعد الأرض المتقدمة بألف سنة تقريبا للأفهام وإلا فهو أزيد ، وهكذا المراتب النازلة إلى أسفل السافلين إلى الثرى إلى ما تحت الثرى وهكذا إلى ما شاء الله إلى أن انقطع قلمه إلا عن الله سبحانه ومن أطلعه على مكنون علمه من خلفائه وحججه عليهم السلام ، وخاطب البهائم بعد ذلك المجلس في ذلك المجلس بألف عام ، وخاطب عليه السلام النباتات بعده بألف عام ، وخاطب عليه السلام المعادن بعدها بثلاثة آلاف عام ، وخاطب عليه السلام الجمادات بعدها بأربعة آلاف عام ، وخاطب عليه السلام الأعراض والكيفيات بعده بسبعين ألف عام ، وكذلك الصفات والهيئات والأمثلة القارة والغير القارة وأنحاء الروابط والنسب والأوضاع والمجازات المجازية والحقيقية وسائر الأوطار في نهايات الأكوار والأدوار وهذه البعديات هي عين تلك القبليات وتلك القبليات هي عين هذه البعديات إذ ليس لربك قبل ولا بعد وكذلك وجه ربك ذي الجلال والإكرام ، فإن الوجه إن لم يكن على صفة ذي الوجه أي آيته ودليله لم يكن وجها وإنما هوحجاب وقد دلت أخبارهم وشهدت آثارهم على أنهم هم وجه الله وما وصل على الكل إلا خطـاب واحد و ما
______________________
1 البحار 53/115 ح 138
 


خاطب عليه السلام إلا بأمر واحد ظهر ذلك الأمر الواحد على كل تلك المراتب المتقدمة على مقدار قابليته وحسب استعداده من ذات أو صفة لطافة أو كثافة علو أو سفل معنى أو لفظ أو صوت أو همهمة أو إيقاع صوت كوقع السلسلة في الطست كلها بخطاب واحد ، ولما كان أمر البدء كذلك عند الخطاب أي التكليف صار الأمر في العود عند مجازاة مواقع التكليف عند الحساب قال عز وجل إشارة إلى العود تصريحا وإلى البدء عموما وهو أيضا نوع من التصريح قال الله عز وجل {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}1 وقد تقدم ذكر ذلك عن أهل العصمة عليهم السلام أن الكتاب المشار إليه هو أمير المؤمنين عليه السلام فإنه يقف على المحشر والخلق كلهم كتابهم بيمينهم وشمالهم فيقرأعليه السلام بلفظ واحد ينظر كل أحد بكتابه ويرى أنه عليه السلام يقرأ عليه أعماله خاصة دون باقي الخلق هذا حكم العود وقد قـال عز وجل {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}2 فالخطاب عند البدء بل هوالبدء وحقيقته فصار خطابه عليه السلام خطاب واحد فسمع المخاطبين كلهم على مقدار أفهامهم بلغاتهم وإشاراتهم وما يناسب درجتهم إذ اختلاف تلك اللغات أيضا من الله سبحانه بولي الأمر عليه
______________________
1 الجاثية 28 - 29

2 الأعراف 29
 


السلام وروحي فداه قال الله عز وجل‏ {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}1 قال أمير المؤمنين عليه السلام (( ما لله آية أكبر مني ))2 وقال مولانا الصادق عليه السلام (( فأي آية في الآفاق غيرنا أراها الله أهل الأفاق ))3 في قوله عز وجل {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}4 ألا أنه بكل شيء محيط وخلق السموات والأرضين واللغات وما ذكر في القرآن من الآيات كلها تفاصيل ظهورات تلك الآية الكبرى والكلمة الحسنى والمثل الأعلى فافهم .
وكان خطابه عليه السلام للكل في مشهد واحد خاطب كل أهل الوجود المقيد دفعة واحدة إلا أنهم اختلفوا في سماع هذا الخطاب والوصول إليهم فجاءت الأعداد والسـنون والحساب والقبل والبعد كما بينا فافهم ولا
_______________________
1 الروم 22

2 المناقب 3/98

3 تأويل الآيات
4 فصلت 53


تكذب بما لا تحط به علما والله سبحانه يقول {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ }1 {إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ}2 .
وهذا الخطاب كان بين المدينة والكوفة في البدء فإن هذا الخطاب والبيان إنما كان بعد استقرار الإسلام وظهور التوحيد والنبوة وظهور شرف المدينة والكوفة وانتساب كل فرع إلى أصله وإن كان ذلك الظهور أيضا ما حصل إلا بهذا الخطاب إلا أنه على طور غير طور هذا الخطاب وهذا التفصيل وإن كان على هذا التفصيل لكنه ما أظهر لهم ذلك هناك ، ومثال ذلك أنك إذا قابلت مرآة تظهر صورتك فيها وإن قابلت مرآة أخرى هذه المرآة التي انطبعت فيها صورتك تنطبع فيها صورة مرآة وصورة ، فالناظر في الثانية له نظران مرة ينظر فيها لمشاهدة المقابل الخارجي الأصلي وما له التفات إلى خصوص المرآة والصورة والوسائط وقلتها أو كثرتها فيتوجه إلى المقابل بهذه المرآة من غير التفات إليها مصون السر عن النظر إليها ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها , ومرة أخرى ينظر إلى حقيقة المرآة والصورة والوسائط والتوصيفات التي وصف بها المقابل هل هي بلا واسطة أو مع الواسطة والوسائط قليلة أوكثيرة مغيرة للشيء عما هوعليه أم لا فهناك يلتفت فيرى أن الذي توجه إليه تحت ستة حجب .
الحجاب الأول الشبح المتصل بالمقابل ، والثاني الشبح المنفصل عنه الكلي ، والثالث الشبح المنفصل عن الشبح المنفصل وهو الجزئي الذي في المرآة الأولى ، والرابع الشبح المتصل بالصورة والمرآة ، والخامس الشبح المنفصل عنهما الكلي ، والسادس الشبح المنفصل عن الشبح المنفصل الذي هو في المرآة الثانية من الصورة والمرآة ، وهناك يعرف مقامه ومرتبته ولا يدعي ما ليس له به علم ولا شك أن النظر الأول ما حصل والذي فهم بالملاحظة الأولى ما تحقق إلا في هاتين المرآتين والصورتين فلهما هيمنة عليه مع أنه إذا ظهر بغيب المرايا والصور فافهم ، ولذا ترى النّحاة يقولون أن الفاعل مشتق من المصدر المشتـق من الـفعل ، فالفعل له هيمنة على الفاعل لأنه يؤثر فيه
____________________
1 الأحقاف 11 2 هود 35
 

 

ويعمل عليه ويرفعه مع أن الفاعل يمحي ذكر الفعل وحتى أن القوم ما يتصورون تأخر الفاعل عن الفعل وإني كررت هذا المثال في هذا الشرح تذكرة لمن يتذكر وتبصرة لمن يستبصر .
فعلى هذا فافهم ما ذكرنا لك أن هذا الخطاب إنما كان بعد ظهور التوحيد والنبوة مع أنهما ما ظهرا إلا به لأن مقام الولاية الظاهرة تحت مقام النبوة المطلقة وإليه أشارعليه السلام بقوله (( أنا آية محمدعليها السلام )) فولايته على الناس إنما وجبت بعد معرفة توحيد الله سبحانه والإذعان بنبوة محمدصلى الله عليه وآله وسلم ، وكان ذلك الخطاب بين المدينة والكوفة في كل عالم من العوالم الألف ألف إلى آخر نهايات الحركات في الأكوار والأدوار فظهرت تلك الفواصل الدهرية والسرمدية في عالم الزمان والمكان في ذلك الوقت في ذلك المكان ولم يسمع هذه الخطبة أحد إلى يوم القيامة و ما بعده إلى ما شاء الله إلا في ذلك الوقت وذلك المكان ، وعلى هذا المعنى قولهم أن كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء وكل مكان وكل وقت يوم الغدير لأن المدد لا ينقطع وسر الله لا ينفد ولا يتبدد فافهم .

 

قوله عليه السلام أنيبوا إلي شيعتـي

اعلم أن الأمر طلب لا يقوم المأمور إلا به وذلك الأمر على قسمين ، أمر هو فعل ، وأمر هو مصدر أي المفعول المطلق ، والأمر الثاني مشتق من الأمر الأول اشتقاق الحركة عن المتحرك والصورة في المرآة عن الشاخص والشعاع عن المنير وأمثال ذلك ، والفعل عند تمام قابلية المفعول ورفع الموانع عنه وسلب المنافي والمعارض لحكم التنجيز أمر حاضر أمر غائب ولذا كان آخره ساكنا وأوله متحركا من غير دخول عامل عليه ، فالحركة إشارة إلى الاستدارة على المفعول للإمداد والإحداث والميل إلى الصنع والإيجاد وسكون الآخر إشارة إلى وقوفه وثباته في مكانه وعدم تعديه إلى رتبة غيره ، وأن المفعول هوفاعل فعل الفاعل الظاهر بالأمر ولذا ترى الضمير الفاعل في الأمر أنت وقد قال مولانا الرضا عليه السلام في الإختراع أنه (( خلق ساكن لا يدرك بالسكون ))1 مع أنه عليه السلام قال (( إن الإبداع والمشيئة والإرادة
___________________
1 عيون أخبار الرضا 1/175


معـناها واحد وأسماؤها ثلاثة ))1 وقال عليه السلام (( فإرادته إحداثه لا غير ))2 والله تعالى فسر الأمر والإرادة بقوله عز وجل {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}3 فبين سبحانه وتعالى أن قول كن هو أمره وإرادته لمن يعقل ويفهم ، هذا هوالأمر الفعلي والأمر المفعولي متقوم بهذا الأمر تقوم الصورة بالشاخص قال عز وجل {وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً}4 وذلك هو المفعول المطلق وهو مادة المأمور والمأمور حدود ذلك الأمر وأعراضه مع الأمر لأن حقيقة المأمور أمر مع أمر خارج فلا تقوم للمأمور إلا بالأمر ولذا قال عز وجل {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ}5 وقال مولانا الصادق عليه السلام في الدعاء (( كل شيء سواك قام بأمرك ))6 فأبان أن قوله تعالى السماء يريد بها سماء المقبول وأرض القابليات ليشمل كل شيء ، وقد أشار سبحانه وتعالى إلى تفصيل هذا الأمر وكيفية تقوم السماء والأرض به في قوله عز وجل {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين}7 فيريد بالأمر الذي قامت به السموات والأرض هوالمعبر عنه بقوله ( ائتيا ) فلما قبلا وأتيا طائعين فتقوما بالأمر الذي هو من الله وإلى الله سبحانه ، فالمأمور إنما تقوم بالأمر فيكون فعل المأمور به واجبا وتركه حراما لأنه يستلزم إعدامه فالأمر الكلي يستلزم المأمور به كليا والجزئي يستلزم ذلك جزئيا فلا ينفك المأمور عن الأمر إلا وقد
_________________
2,1 عيون أخبار الرضا 1/175

3 يس 82

4 النساء 47
5 الروم 25 6 البحار 90/148 ح 10 7 فصلت 11


بطل قال تعالى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ}1‏ .
إن قلت كيف يكون قوام المأمور بالآمر مع أن ذلك خلاف المحسوس والواقع فـإن الآمر هو الله والمأمور هو المكلف والأمر هو قـوله تـعـالى { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ}2 وأمثالها مع أنه سبحانه قال {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ}3 والأهل هو المفعول الواقع عليهم الأمر ، قد شاع وذاع أن المفعول به يجب أن يكون موجودا ليقع الفعل عليه ولذا قالوا في خلق السموات والأرض أن السموات والأرض مفعول مطلق لا مفعول به .
قلت الواقع كما ذكرنا إلا أن معرفة ذلك صعب مستصعب والإشارة إليهما للمؤمن الممتحن أن الألفاظ حكاية للمعاني و مرايا لها قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام (( المعنى في اللفظ كالروح في الجسد )) ، وقد صح عندنا وعند العارفين أن المشبه في الكتاب والسنة عين المشبه به فالمعنى هو روح اللفظ ، وإن لم تسلم هذه المقدمة يظهر المراد من التشبه أيضا لأن الألفاظ قوالب وتوابع للمعاني فلا يوصف بحكم إلا باعتبار المعنى ، وتحقيق ذلك فيما كتبنا في أصول الفقه وما قررنا في أثناء البحث ويطول الكلام بذكره .
فإذا صح ذلك فنقول أن المأمور لا شك ولا ريب أنه ذات ثبت أو وقع عليه الأمر فقبل وقوع الأمر هل كان مأمورا أم لا ؟ ، والثاني باطل وعلى الأول ثبتت مساوقية المأمور مع الأمر ، ثم أقول أن هذه المساوقة في اللفظ فقط أم في المعنى ؟ ، فإن قلت في اللفظ فقد أبطلنا آنفا ، مع أنا نقول هل معناه كان موجودا قبل الأمر أم لا ؟ فإن قلت بلى ، قلت إذاً ما أثر الأمر الجديد شيئا والضرورة تقضي ببطلانه ، فإن قلت في المعنى ، قلت : هل المعنى هو ذات الشخص في رتبة ذاته أو في مقام ظهوره بآثاره ؟ ، فإن قلت ذاته في مرتبة ذاته فلا يجـوز سلبه عـنه ما دام وجود ذاته والبديهة تشهد بخلافه
__________________
1 النور 63 2 البقرة 43 3 مريم 55
 

 

فتقول زيد مأمور وليس بمأمور وذاته في كلا الحالتين باقية ، فإن قلت في مقام ظهوره بآثاره فلا شك أن مقام الذات غير مقام الظهور لأن الظهور أثر الذات وصفتها ولا تجمع الصفة والموصوف حقيقة واحدة لتجعل الذات والظهور أي الأثر شيئا واحدا ثم تسمي هذا المجموع المركب اسما واحدا فإن ذلك مستحيل عقلا فإن في التركيب يشترط تساوق الأجزاء وتجامعها في صقع واحد ليصح ميل أحدهما في الآخر والآخر فيه حتى يحصل من المزج والتعفين شيء واحد ، ولا يجوز ذلك في الأثر والمؤثر إذ ليس بينهما اتصال ولا انفصال ولا اقتران ولا افتراق ولا تناسب ولا تباين ، فثبت أن المأمور هو ظهور الشخص بتلك الصفة وذلك الظهور قابلية للأمر وصورة له والأمر هو مادة له ، فإذا تعلق الأمر بذلك الظهور ظهر المأمور فقبل الأمر ما كان مأمورا ولا أمرا ، فلما تعلق الأمر ووجد ظهر المأمور فصح أن الأمر والمأمور جهات الآمر ، ولذا قالوا أن المصدر يأتي بمعنى اسم الفاعل وبمعنى اسم المفعول ويستعمل في معناه المصدري وهذا لا إشكال فيه لمن تأمل و نظر ثم أن قوله تعالى كن لا شك أنه فعل أمر ، فمن كان المأمور ؟ ، فإن قلت كان المأمور موجودا وهوالأعيان الثابتة في غيب الذات على ما يزعمه أصحاب الجهالات يلزم منه مفاسد قبيحة لا نطول الكلام بذكرها لأنّا ذكرناها في كثير من مباحثنا ورسائلنا من أن تلك الأعيان إن كانت شيئا غير الله قديما مع الله فيلزم منه تركيب الذات وظهور الكثرات فيها وإن لم تكن شيئا لم تكن موجودة إذ لا واسطة بين الوجود والعدم معقولة كما قال مولانا الصادق عليه السلام إذ ليس بين الإثبات والنفي منـزلة ، فإن قلت لم يكن المأمور موجودا ، قلت إذن صح ما ذكرنا أن المأمور إنما يوجد بالأمر والأمر مادة له والتعلق صورة له والمجموع هو المأمور وهو ( يكون ) فإن الضمير فيه يرجع إلى المأمور بكن لا إلى الأمر، فإن قلت أن هذا الكلام تعيبر لفظي وليس في الواقع لفظ ولا كلام ولا أمر وإنما هو إيجاد وإحداث ، قلت هل التعبير مطابق للواقع أم مخالف له ، فإن قلت مطابق صح ما قلنا وإن قلت مخالف والله أجل من ذلك ، وإن قلت أن هذا التعبير مجاز ، قلت إن المجاز لا يصرف إليه إلا بدليل قطعي ومجرد عدم المعرفة لا يكون دليلا بل الدليل على نفي المجازية قائم كما ذكرناه وربما نذكر فيما بعد إنشاء الله .
فالأمر أمران أمر أولي وأمر ثانوي، وكلاهما تكويني وتشريعي ، والأمر الثانوي على قسمين أحدهما ما يتعلق بوجود الأمر الأولي وظهوره في الكون ولولا ذلك لم يظهر ولم يوجد ، وثانيهما لتكميل الأول وتتميمه في مقام الكمال ، فالأمر الأولي هو المقصود لذاته وهوالذي تعلقت به مشيئة الله العزمية وإرادته إرادة محبة وهوالمجعول بالأصالة وعليه يدور رحى التكوين والتشريع ، أي لولا ذلك لم تتكون الكينونة الأولية ولم يتقوم وجود الخير ولم يبلغ إلى الغاية التي خلق لأجلها ولم يتم له ما خلقه الله سبحانه لأجله ، فهذا هو الحتم المقضي اللازم الثابت الذي لا مرد عنه وإلا لانعدم أي طرق باب الإستغناء فولى مدبرا إلى جهنم وبئس المصير على حسب مراتبها ومقاماتها ، والأمر الثانوي هو المقصود بالعرض وهو شعاع من الأمر الأولي ونوره جزء من سبعين جزء منه كالظل للأصل ، وهذا لا يكون إلا لإظهار الأول حقيقة وذاتا أم كمالا وصفاتا ، فإن كان الأول فهي الواجبات الغيرية وإن كان الثاني فهي المستحبات ، والأول إن كانت فيه جهة مطلوبية ذاتية وتأثيرات حقيقية أو لأنه ليس السر الاستلزامي فيه ظاهرا ولا ينوط ذلك الأمر به فعلى حسب الظاهر فيتعلق به الأمر الظاهري كالواجبات الغيرية كالطهارة وإلا فلا يظهر تعلق الأمر به ظاهرا وإنما هو متعلق به حقيقة وذلك كمقدمة الواجب فإنه واجب شرعا إلا أنها ليست كذي المقدمة وإنما هي جزء من سبعين جزء منه فلا تجتمع معه في صقع واحد ، ولذا إذا ندب الرجل بأن يأتي بواجبين فأتى بالمقدمة وذيها فلا يكفي لأن المتبادر من الواجب الذي تعلق به الأمر الإلهي الأولي لا الثانوي العرضي ، وبالجملة الواجب والمستحب ليسا في صقع واحد ولا تجمعـهما حقيقة واحدة والواجب هو الأصل والمستحب هو الفرع ، واللفظ إذا أطلق على الأصل والفرع فلا شك أنه على الأصل حقيقة وأما على الفرع فهل هو كذلك أم لا ففي محل الشك ، ولما لم نجد علامة الحقيقة في الإطلاق على الفرع قلنا أنه مجاز ، ولما كان الأمر الثاني في الصورة على مثال الأمر الأول فإذا لم يتميزه الناظر فليحمل على الواجب قطعا لأن الله سبحانه إذا أراد منه المندوب لنصب له القرينة إذ لم يفعل فلا يريد إلا الوجوب .
فقوله عليه السلام (( أنيبوا إلي )) أمر وجوبي حتمي إلزامي زائدا على ما ذكرنا من أنه أمر يفـيد الوجوب والإلزام فيه إشارة إلى تمام ظهور الأمر
البدوي الذي هو ( كن ) لأنه لما ظهر بالتعلق أخذ في التنزل بالتعلق فكل نزول لا بد له من صعود وكل عسر لا بد له يسر قال عز وجل {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}1 فأشار عليه السلام في هذه الفقرة الشريفة إلى قوس الصعود ليتم ظهور استدارة الكاف على نفسها ذاتا وظهورا ويظهر معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئة يوم خلق الله السموات والأرضين ))2 فقوله عز وجل { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}3 فقوله ( إنا لله ) إشارة إلى قوله تعالى {كُنْ فَيَكُونُ}‏4 و( إنا إليه راجعون ) إشارة إلى ما قال الإمام عليه السلام لأن الله عز ذكره ذكر في محكم كتابه العـزيز { {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ}5 قـال تعالى {* مُنِيبِينَ إِلَيْهِ}‏6 وقال تعالى‏ {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُور}7 { {وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ}8 {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ
______________
1 الشرح 6

2 الخصال 487

3 البقرة 155-156
4 يس 82

5 الزمر 54

6 الروم 31

7 الشورى 53
8 هود 123


يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}1‏ وأراد الإمام عليه السلام شرح هذه الآيات وأمثالها في مقام كشف الأسرار وإشراق الأنوار على أن هذه الإنابة التي هي الرجوع إلى الله ليست هي الرجوع إلى ذات الله سبحانه فإنه تعالى أجل من أن يقرن بساحة جلاله الاقتران أو الاتصال أو النسبة أو الارتباط أو الإضافة أو الوصل أو غير ذلك من الأحوال المستلزمة للافتقار والتركيب والكثرة وساير الأمور القبيحة المنكرة فلا يصل أحد إليه ، إذ المحال أن يكون المراد الرجوع الاتصالي على ما تزعمه الصوفية بأن الخلق ليس إلا الحق مع التعيّن فالرجوع إلى الله على دعواهم سلب الكثرات ورفع الإنيات وإزالة الماهيات فيكون هناك حق لا خلق فيه فرجع إلى الله فإن هذا الاعتقاد كفر بالله العلي العظيم وخروج عن الدين القويم فإن ذلك يستلزم الاقتران والكثرة الذاتية وقد فصّلنا شناعة هذا القول في تفسيرنا على آيه الكرسي بما لا يزيد عليه ، فإذا بطل هذا القول فما بقي إلا القول بأن الخلق أثر لفعله سبحانه والشيء لا يجاوز مبدأه أي ذاته لأنه فوق ذاته عدم محض لا ذكر له فرجوعه عبارة عن الرجوع إلى مبدئه ، وهذا الرجوع له معنيان أحدهما رجوع ذاته وصفاته وأحواله وحركاته وسكناته وكلما له ومنه وإليه وفيه وعنه وبه وعليه وعنده ولديه كلها إلى الله تعالى بمعنى اضمحلالها وبطلانها وفـقرها واستمدادها من الحق سبحانه بحيث لا يجد لنفسه شيئا كما أنه لا يملك لنفسه شيئا نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، فالشيء في كل أحواله طارق باب فيضه وقارع باب رحمته بأنامل قابلية فقره وفي كل حاله راجع إليه فقير مضطر واقف بباب الإذن سائل منه سبحانه المدد ، ولما كان العالم يدور بالأسباب والمسببات والعلل والمعلولات والأدلة والمدلولات واللوازم والملزومات والآثار والتأثيرات والشرائط والمشروطات وسائر المتممات والمكملات والإضافات والقرانات والجهات والاعتبارات وأمثالها من الذوات والصفات ، والشيء لا يتم إلا بتلك الحالات وهي كلها بـيد قـهّار البـريات فاطر السمـوات بـارئ الممسـوكات ( الممسوكات ) ، فلا يـؤثر سبب في مسببه ولا ملزوم في لازمه ولا شرط في مشروطه ولا علة في معلوله ولا دليل في مدلوله إلا بمشيئته
_________________
1 الزمر 67
 

 

وإرادته وقدره وقضائه وإذنه وأجله وكتابه فرجع الأمر في كل شيء في كل حال إليه سبحانه وتعالى ، هو القاهر المتسلط في ملكه والمتصرف في خلقه لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، وإليه تشير الآيات المتقدمة من قوله عز وجل {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ}1 و {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ}2 و {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}3 وأمثالها مما قدمنا شطرا منها .
وثانيهما اعلم أن في كل شيء جهتان وكينونتان ، الكينونة الأولى هي التي من ربه وهي متعلق الجعل الإلهي أولا وبالذات وهي الغاية والغرض في الإيجاد وهي المحبة التي صارت علة للخلق لمعرفة الخالق وهي مهابط الأنوار الإلهية ومجالي إشراقات لمعان الصفات الفعلية ، ونسبتها إلى فعل الله عز وجل وظهور التوحيد له نسبة الحديدة المحماة بالنار أي النار الظاهرة في الحديدة وليس فيها إلا صرف ظهور النار ولك أن تقول أنها هي النار ولك أن تقول أنها غيرها لا فرق بينها وبين النار إلا أنها أثر النار وحدثها ودليلها وصفتها حكمها حكمها وأمرها أمرها ، والكينونة الثانية هي التي من نفسه وهي متعلق الجعل الثانوي العرضي لم يتعلق بها غرض بوجه غير إظهار تلك الكينونة وشأنها شأن مقدمة الواجب ونسبتها إلى الأولى كالظل خلف الجدار بالنسبة إلى النور الذي في وجه الجدار وهذه هي الإنية والماهية والتي تشير بها إليك وتقول أنا وبها يمتاز أهل السلسلة العرضية بعضها عن بعض وهي منشأ الكثرات و مبدأ الاختلافات ومحل الروابط والإضافات وتعدد الجهات ، والكينونة الأولى جهة الوحدة والبساطة والنورانية هي كظهور ربها لا يشوبها صفة من الصفات الخلقية وحال من أحوالهم وإضافة من إضافاتهم هي كالسراج الوهاج لكن باعتبار اقترانها بالكينونة الثانية تكثّرت ظهوراتها وتعددت جهاتها , فكل الكمالات المتشتتة في كل مقامات الشيء ودرجاتها ومراتبها فإنما هي كلها ظهورات تلك اللطفية الإلهيه والكينونة الحقية وكل الكمالات والصفات فيها شيء واحد بذاته مصداق كل الصفات وكل واحد منها هناك عين الآخر ، وتلك الكينونة هي لله سبحانه إذ كل ما سواه منقطع لديـها باطل عندها ، فرجوع الأمر إلى الله رجوع الأعداد كلها إلى الواحد
______________
1 هود 123

2 الشورى 53

3 البقرة 156
 

 

ورجوع الواحد إلى الأحد وجذب الأحد بظهوره كل صفات الواحد وفناؤها عند ظهوره وبطلانها عند سطوع نوره ، والأحد هوتلك الكينونة الأولية ، ومنشأ كثرات الأعداد هي الكينونة الثانية ، فالواحد الذي هو نور الأحد وظهوره عادّ العدد وترجع كلها إليه , وكذلك الأحوال الخلقية والإضافات الحقيقية كلها تفنى وتعدم عند ظهور تلك الحقيقة وهي ظهور الله سبحانه له به ، فرجعت الكثرات كلها إلى الوحدة الحقيقية عند كشف السبحات وهتك الستر ومحو الموهوم وإطفاء السراج فيظهر هناك الجلال والسر والمعلوم والنور الذي أشرق من صبح الأزل فيلوح على هياكل التوحيد آثاره ، وهذا الرجوع في الجزئي والكلي أي العالم الأكبر والعالم الأصغر موجود ، والرجوع في كل حال من أحوالهما متحقق إلا أنه يكون له ظهور غالب ، ففي الجزئي حين موته لا بعد إذ مات بالموت الطبيعي أو بغيره المتحقق بإزهاق الروح وهو في تلك الحالة لم يشعر بشيء أبدا وكذلك عند دخوله في النوم فإن هناك أيضا ظهور تلك الوحدة وكذلك عند خروجه منه إلا أن في هذه الأحوال لم تشعر بتلك الوحدة ولم تنظر إلى تلك الكينونة لأنه لم يكن باختياره ظاهرا ، كما أنك كثيرا ما ترى مطلوبك و محبوبك وما تعرفه أنه هو فإذا رأيته وأنت تعرفه فهناك بلوغ الآمال ومنتهى الوصال وهذه المعرفة والرؤية إنما تحصل في الدنيا إذا امتثل قوله تعالى {فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}1 وقوله تعالى {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ}2 وقوله عليه السلام (( موتوا قبل أن تموتوا ))3 فهناك يظهر له معنى قوله تعالى { إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ }4 .
وأما في الكلي فتظهر تلك الكينونة الباقية عند فناء كل شيء واضمحلاله ورجوع الأمر إليها الذي هو عين الرجوع إلى الله سبحانه {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ}5 وذلك هي تلك الكينونة التي خاطب الله سبحانه آدم عليه السلام (( يا آدم روحك من روحي وطبيعـتك من خلاف كينونتي ))6 فـهنـاك
____________________
1البقرة 54

2 الحجر 65

3 البحار 72/59 ح 1
4 البقرة 155-156

5 الزمر 68

6 علل الشرائع 10
 

 

جذب الأحدية لصفة التوحيد تكوينا كما كان تشريعا ، فهناك يسأل الله عز وجل أين الجبارون أين الذين يأكلون رزقي ويعبدون غيري لمن الملك اليوم لله الواحد القهار فتجيب تلك الكينونة وتقول للواحد القهار وذلك كما تقرأ القرآن وتقول‏ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} ‏ثم تقول لبيك اللهم لبيك وهذا معنى قولهم عليه السلام (( نحن السائلون ونحن المجيبون )) فافهم .
ولهذا الرجوع معنى آخر إلا أنه قريب من المعنى الأول ، وهو أن الله عز وجل لما جعل هذه الدار الدنيا دار التكليف ، والتكليف يستلزم أن يمزج سبحانه في بنية المكلفين بعض الغرائب والأعراض الخارجة لتمنعه عن مشاهدة ملكوت السموات والأرض في أول المرّة إلا بعد التصفـية لـئـلا يلزم الإلجاء والاضطرار وهو قوله عـز وجل {إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}1 وتلك الغرائب والأعراض وغفلته والنظر إلى نفسه تمنعه عن التبصر والاستبصار بأن لا مؤثر إلا الله ولا مالك إلا هو ولا مدبر غيره ولا متصرف سواه بل ينظر إلى الأسباب فيستدل عليه ذلك الباب فيراها مستقلة وهذه الرؤيا تختلف بحسب مراتب الرّائين فيها وجهات الإنيات التي يلاحظونها وذكرها يحتاج إلى بسط طويل ولسنا بصدده ، فإذا ماتوا انتبهوا ورأوا أن الأمور كلها بيد الله وراجعة إليه ومطيعة لأمره ونهيه ومنزجرة لإرادته ، فهناك يظهر لهم رجوع الأمر كله إلى الله ، ولذا استحب إذا مات الإنسان يقول الأحياء إنا لله وإنا إليه راجعون فإن الله سبحانه في الدنيا ابتلى بعضهم ببعض وعاملهم بالأسباب الجزئية وأظهر لهم عن أمره حسب ما يظنون فإذا ماتوا بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون .
هذا معنى الإنابة إلى الله سبحانه وتفصيلها في التكوين والتشريع مما يطول به الكلام والإشارة لأهلها كافية شافية ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام حامل ظهورات هذه المعاني كلها لا يظهر في الكون والوجود معنى منها إلا به ، أما المعنى الأول فهو إنما حصل عند ظهور الرحمن على العرش واستوائه عليه وإعطائه كل ذي حق حقه وسوقه إلى كل مخلوق رزقه وقد بينا ونبين إنشاء الله أن الرحمانية هي الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء وهي
_________________
1 طه 15
 


الولاية المطلقة الظاهرة بالتدبر والتصرف في كل ذرة من ذرات الوجود من الأزل إلى الأبد إلى الأزل الذي هو عين ذلك الأبد ، وأمير المؤمنين عليه السلام هوحامل الولاية المطلقة ولذا قال عليه السلام (( لا يخطو ملك خطوة إلا بإذني وأمري )) كما في حديث البساط والملائكة هي مظاهر التدبير ، فرجوع الخلق إلى الله سبحانه في كل أطوارهم وأحوالهم وأرزاقهم وآجالهم وسائر مقتضياتهم إلى الله سبحانه عين الرجوع إلى علي عليه السلام لأن تلك القيومية المحيطة القهّارية لكل شيء إنما ظهرت في علي عليه السلام بل هي عينه عليه السلام فولايته عين ولاية الله قال تعالى‏ {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}1 والأيدي هو محمد وعلي والطيبون من أولادهما سلام الله عليهم
_________________
1 الذاريات 47


وهم أربعة عشر بعدد يد وقال عز وجل {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}1 وعلي عليه السلام هواليد الباسطة بالنعم على كل الأمم وقال مولانا الصادق عليه السلام على ما في التوحيد في الله أن (( الألف آلاء الله على خلقه من النعيم بولايتنا واللام إلزام الله خلقه ولايتنا والهاء هوان لمن خالف محمدا وآل محمد ))2 ، فكانوا مظاهر التقدير والتدبير فعنهم بدأت الأشياء وإليهم تعود، ومثالهم عليهم السلام كالسراج فإنه يد النار وقيّوميتها للأشعة فبدء الأشعة من السراج وعودها في كل أحوالها على ما فصلت سابقا إلى السراج ورجوع الأشعة إلى السراج عين الرجوع إلى النار إذ ليس للنار باب إلى الأشعة وللأشعة باب إلى النار سوى السراج فالأشعة هي واقفة بباب النار الذي هوالسراج والفقراء اللائذة بجنابها، وهو هو ولذا قال عليه السلام (( إن إلينا إياب هذا الخلق ثم إن علينا حسابهم ))3 وقد ذكر شيخنا وأستاذنا أطال الله بقاءه في بيان إياب الخلق إليهم عليهم السلام كلاما شريفا مشتملا على أسرار شريفة أحببت أن أورده هـنا بلفظه الشريف تيمنا وتبركا .
قال أطال الله بقاءه ( أقول قد تقرر في أدلة الكتاب والسنة في بواطن التفسير وفي دليل الحكمة أن الله سبحانه لا يجري أفعاله في المفعولات إلا على ما هي عليه مما ينبغي لها ويمكن فيها حين كونها وذلك لا يجري على جهة قسرها بل تكون في تكوينه لها مختارة ، ويلزم من ذلك أن أفعالها تصدر عنها على جهة الاختيار وما تراه في بعضها من الاضطرار أو الجبْل بسكون الباء فهو ما يظهر لك في بادئ الرأي ولو نظرت بالعين الحديدة ظهر لك أنه ليس في شيء من الموجودات قسر أصلا بل كلها على الاختيار في صنع الله تعالى لها وفي صنعها لأفعالها وما يصدر عنها وذلك شيء تكون به وتكون فيه وليست شيئا قبل بدئها وأول ذكرها وهو سبحانه ذكرها بالاختيار ، وإذا أردت معرفة كونها مختارة في كل حال فعليك بما كتبناه في الفوائد فاطلبه لتعرف حقيقة ما ذكرنا ، ثم أنه جل وعلا نزلها من منازل ذكرها الأول في مراتب التكوين على حسب قبولها من عطائه لم تعدم في جميع أحوالها أوامره
_______________
1 المائدة 64

2 التوحيد 23

3 تفسير فرات 551
 


بما فيه نجاتها ونواهيه عما فيه هلاكها وهي كما كانت مختارة في نفسها لأنها صنع المختار بالصنع الاختياري ، كذلك أفعالها مختارة في نفسها وفي تعلقاتها لأنها صنع المختارين بالصنع الاختياري ، ولما كان الشيء المختار إذا لم يمنعه مانع من مقتضى اختياره لا يميل إلا إلى ما يلائمه ، وكان لا يلائم الشيء إلا ما كان أحدهما من الآخر أو لازما له أو متقوّما به أو مستمدا منه و مستعينا به وكان كل ما سواهم عليهم السلام من سائر الخلق إما لازما لهم متقوما بهم مستمدا من فضل خيرهم مستغنيا بهم أو متقوما باللازم لهم لازما له كسائر أعدائهم فإنهم ما وجدوا إلا بفاضل وجود شيعتهم من جهة شمائلهم ، وجب في الحكمة رجوع الخلق إليهم كل واحد من الخلق يرجع بحكم التمكين والاختيار إلى مبدئه منهم عليهم السلام ، ولما ثبت بالدليل كما أشرنا إليه فيما تقدم وقد يأتي أن المخلوق من حين ذكره الأول الذي هو مبدأ شيئيته إلى أن يعود إليه محتاج في بقائه إلى المدد وفي جميع تلك المراتب في كل ذرة وحال هو مكلف محصور بالأوامر والنواهي في غيبته وشهادته ، وبينا سابقا أن كل ذرة في الوجود التكويني والتشريعي إنما يوجدها الله سبحانه عنهم ولهم وقد أنهى علمها إليهم في كل شيء من الموجودين ، وقد جعلهم سبحانه مانّين لكل ما شاء أي مقدّرين كما تقدم عند ذكر بعض دعاء شهر رجب في بيان (( ومناة وأذواد )) وجب في الحكمة الإلهية أن يكون حسابهم عليهم وهذا بحمد الله لمن وفقه الله لفهم ما كشفنا له من السر واضح ليس عليه غبار بل ضروري لأولي الأبصار الذين يفرقون بتوفيق الله بين الليل والنهار وذلك لبيانهم لهذا المعنى في أحاديثهم في بواطنها وفي ظواهرها )1 انتهى كلامه أعلى الله مقامه .
وأما أمير المؤمنين عليه السلام فهو عليه السلام لما كان أميرهم وكبيرهم ورئيسهم وفخرهم وسيدهم عليهم السلام كان هوالأصل لأنهم عليهم السلام تفرّعوا عنه كتفرع الأغصان من الأصل وتفرع الحروف من الألف ، وأصل الولاية هو عليه السلام ونسبتهم إليه كنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسب الإنابه إلى نفسه الشريفة دونهم فقال عليه السلام (( أنيبوا
___________________
1 شرح الزيارة الجامعة الكبيرة 2/157 - 158
 

 

إليّ )) إنما لم ينسب إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه أقدم وأشرف لما ذكرنا سابقا من أن مقامه صلى الله عليه وآله وسلم مقام الربوبية إذ مربوب ذكرا وإمكانا ومقام أمير المؤمنين عليه السلام مقام الربوبية إذ مربوب عينا وكونا ، والأشياء في مقام تفصيلها وانبساطها ترجع إلى مبادئها الخاصة بها من وجوه ذلك المبدء الكلي الذي هوأمير المؤمنين عليه السلام .
وأما المعنى الثاني فاعلم أن تلك اللطيفة الإلهية التي هي جهة العبد من ربه هي مثال جزئي قد اشتق من المثل الأعلى كاشتقاق النور من المنير والمصدر من الفعل فهو متقوم بذلك المثل الكلي و متحقق به وراجع إليه رجوع الأشعة إلى الشمس إما على فنائها عند ظهورها أو فقرها واضمحلالها عندها واستمدادها منها وكلا المعنيين مرادان ، وهذه الكينونة وإن كانت مثالا للحق سبحانه في الجزئي إلا أنه معمول للفعل كالفاعل في قولك ضرب زيد عمروا فإنّ زيدا فاعل مع أنه معمول ومفعول ومتأثر من ضرب ، فالمثل الأعلى بمنـزلة ضرب لا لكونه مثلا بل لكونه فعلا وتلك اللطيفة بمنـزلة ضارب من حيث أنه مثال ، وإذا اعتبرت المثالية المحضة في المثل الأعلى يكون المثل الأعلى بمنـزلة قولك ضربت ضربا فالمثل الأعلى هو ضربت وهذه اللطيفة الجزئية كقولك ضربا الذي في قوة ضربت تأكيدا لضربت الأول فيكون ضربت الثاني المتحصل من ضربا مثال المثال وآية الآية ودليل الدليل وشبح الشبح كالمرآة الثانية بالنسبة إلى المرآة الأولى فافهم ، وقد دل العقل والنقل أنّ آل محمدعليهم السلام هم الأمثال العليا والأسماء الحسنى ، وعلي عليه السلام هو المثل الأعلى من الأسماء الحسنى والصفات العليا فيكون هوالمقامات والعلامات التي لا تعـطيل لها في كل مكان وكلما في الخلق من المظاهر والمجالي فكلها متـقومة بتلك المقامات قال أمير المؤمنين عليه السلام (( نحن الأعراف الذي لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا ))1 أي بمعرفتنا ولذا قالوا عليهم السلام (( لولانا ما عـرف ولولانا ما عبد الله )) وفي الـزيارة (( من أراد الله بدء بكم ومن وحده قبل عنكم ومن قصده توجه إليكم ))2 فافهم إنشاء الله .
_________________
1 الكافي 1/184 ح 9 2 الزيارة الجامعة الكبيرة
 

 

وأما المعنى الثالث فعلي عليه السلام هوسلطان الآخرة وإليه وإلى الطيبين من أولاده يرجع أمر الخلق في دار الآخرة ، فهم وإن كانوا ملوكا في الدنيا والآخرة إلا أنّ السلطنة إنما تظهر في الآخرة لا في الدنيا لما ذكرنا ، ففي الكافي عن مولانا الباقر عليه السلام (( إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الأولين والآخرين لفصل الخطاب دعى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعى أمير المؤمنين عليه السلام فيكسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلة خضراء تضيء ما بين المشرق والمغرب ويكسى علي عليه السلام مثلها ، ويكسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلة وردية يضيء لها ما بين المشرق والمغرب ويكسى علي عليه السلام مثلها ، ثم يصعدان عندها ثم يدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس فنحن والله ندخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ))1  .
وعن الكاظم عليه السلام (( إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله عز وجل حتمنا على الله في تركه لنا فأجابنا إلى ذلك، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم وأجابوا إلى ذلك وعوضهم الله عز وجل ))2 .
وفي المناقب عن الصادق عليه السلام قال (( إذا كان يوم القيامة وكّلنا الله تعالى بحساب شيعتنا فما كان لله سألنا الله أن يهبه لنا، وما كان لنا نهبه لهم ))3 .
وروى في المناقب أبوالحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن شاذان في كتابه الذي جمع فيه مائة فضيلة و منقبة لأهل البيت عليه السلام كلها من طرق العامة بإسناده إلى الحارث وسعيد بن قيس عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا واردكم على الحوض وأنت يا علي عليه السلام الساقي والحسن عليه السلام الرائد والحسين عليه السلام الآمر وعلي بن الحسين عليه السلام الفارط ومحمد
_______________
1 الكافي 8/156 ح 154 2 الكافي 8/162 ح 167 3 المناقب 2/153
 


بن علي عليه السلام الناشر وجعفر بن محمد عليه السلام السابق و موسى بن
جعفر عليه السلام محصي المحبين والمبغضين وقامع المنافقين وعلي بن موسى الرضا عليه السلام مزين المؤمنين ومحمد بن علي عليه السلام منـزل أهل الجنة في درجاتهم وعلي بن محمد عليه السلام خطيب شيعتهم و مزوجهم الحور والحسن بن علي عليه السلام سراج أهل الجنة يستضيئون به والهادي المهدي شفيعهم يوم القيامة حيث لا يأذن إلا لمن يشاء ويرضى ))1  .
وأيضا بإسناده قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب عليه السلام (( يا علي أنت نذير أمتي وأنت هاديها والحسن عليه السلام قائدها والحسين عليه السلام سائقها وعلي بن الحسين عليه السلام جامعها و محمد بن علي عليه السلام عارفها وجعفر بن محمد عليه السلام كاتبها وموسى بن جعفر عليه السلام محصيها وعلي بن موسى عليه السلام معبّرها و منجيها وطارد مبغضيها ومدني مؤمنيها و محمد بن علي عليه السلام قائدها وساقيها وعلي ابن محمد عليه السلام سائرها وعالمها والحسن بن علي عليه السلام ناديها و معطيها والقائم الخلف عليه السلام ساقيها و ناشدها وشاهدها إن في ذلك لآيات للمؤمنين ))2 .
والأخبار المذكورة والتي نذكرها إنشاء الله فيما بعد صريحة في أنهم عليهم السلام أولياء الخلق إيابا وابتداء وقـد قال تعالى إشارة إلى اتحاد حكم
__________________
2,1 المناقب 1/292


البدء والعود‏ ‏{كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}1 وعلي عليه السلام في كل حال من الأحوال له الرئاسة والسلطنة والمكنة والاقـتدار فقوله عليه السلام (( أنيبوا إلي شيعتي )) هو قوله تعالى {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ}‏2 وقـوله تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}3 .
وإنما قال عليه السلام (( أنيبوا إلي )) مع أن الخلق كلهم منيبون إليه لا يخالف أحد منهم محبته {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ}4 تبعا لقوله تعالى {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ}‏‏ وإنما قال الله ذلك لـدعوتهم ليقابلوا فـوّارة النور ليفور عليهم من أنـوار القدس ما
__________________
1 الأعراف 29

2 الزمر 54

3 الحج 62
4 الكهف 18


يشغلهم عن أنفسهم ولذا قال عز وجل {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا}1 وقال عز وجل {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}2 فإن الطهارة هي المحبة في (( أحببت أن أعرف )) وتلك لم تحصل إلا بالتوبة وهي الرجوع ، فإن الرجوع والإنابة على قسمين إنابة على مقتضى المشيئة الحتمية ولا يتخلف عنها أحد من الخلق {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}3 {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ}4 وهي إنما ظهرت على باب مدينة الحكمة وسور بلد المعرفة بظاهر الباب وباطنه قـال عز وجل {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ }5 .
والإنابة الثانية هي الإنابة على مقتضى المشيئة العزمية وهي المحبة الأصلية المقصودة لـذاتها المستدعية للـتكليف ، ويراد بهذه الإنابة الرجوع إليه والتمسك بحـبله كما قـال تعالى {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ
___________________
1 التحريم 8

2 البقرة 222

3 التكوير 29
4 العنكبوت 4

5 الحديد 13


تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ}1 والاعتصام بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله ليخرجه الله تعالى من الظلمات إلى النور ولذا خصّصها بالشيعة فقوله عليه السلام (( أنيبوا إلي )) هو قوله تعالى {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ}2 و { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه }3 وقوله { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ }4 هو معنى قوله عليه السلام (( أنيبوا إلي )) وكيفية هذه الإنابة زائدا على ما ذكرنا نذكره فيما بعد إنشاء الله .
وأما الشيعة فإنها إما مشتقة من الشعاع أو من المشايعة والأمران مرادان و مآلهما إلى واحد، وقال عليه السلام (( إنما سموا شيعة لأنهم خلقوا من شعاع نورنا ))5 ، ومنه قول الحجة عليه السلام (( اللهم إنّ شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بماء ولايتنا ))6 الدعاء ، فإنّ الشعاع هو من فاضل طينة السراج ولا شك في أن الشعاع تابع للسراج المنير بتبعية تكوينية وتشريعية اختيارية غير اضطرارية، إذ الشعاع صفة والصفة بذاتها وطبعها مائلة إلى الموصوف غير مفارقة عنه ومقترنة به في مقام ميلها إليه ، ونسبة الشعاع إلى المنير كنسبة القائم إلى زيد والصورة في المرآة إلى المقابل ، وقد ظهر مما قررنا أنّ محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام اتخذهم الله أعضادا لخلقه مطلقا في كل عالم من العوالم التكوينية والتشريعية ، وعضد الشيء إنما هو مادته وصورته إذ بهما قوام الشيء فلو فقدت إحداهما فقد الشيء وفنى ، فالعضد القوي إنما هو هما لا غيرهما وإن كانت المادة أقوى من الصورة وقد قررنا سابقا أن مواد الكائنات كلها من نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصورها كلها من نور مولانا علي عليه السلام والطيبين من أولاده عليهم السلام ، فالأخيار موادهم من موافقة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصورهم من موافقة علي عليه السلام ، والأشرار موادهم من مخالفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصورهم من مخالفة علي عليه السلام ، فالأشرار أظلال وعكوس للأخيار متقومون بهم فهم لوازم ذواتهم والمجموع من الأمرين متقوم بهما عليهما السلام كالسراج المتقوم به النور والظل وإليـه
________________
1 آل عمران 103

2 الزمر 54

3 هود 3
4 الزمر 54

5 البحار 25/23 ح 39

6 البحار 53/303
 


الإشارة بقوله عز وجل {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا}1 فمقام التضاد في رتبة الشعاع ، وأما في رتبة المنير فلا تضاد ولا تناقض ولا تعارض ولا تمانع ، فلا يقال أن الظل ضد للشمس كيف وإنما هو والنور نسبتهما إلى الشمس في التقوم متساويان إلا أن النور جهة موافقتها ومقصود لها بالذات ، والظل جهة مخالفتها ومقصود بالعرض ، فلوقيل لهذا المعنى ضد يلزم أن يكون لله سبحانه وتعالى أيضا ضدّا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، فإن الطاعة جهة موافقته و محبته والمعصية جهة مخالفته لكن الأمرين ما يتحققان إلا بسبعة بمشيئة وإرادة وقدر وقضاء وإذن وأجل وكتاب فمن زعم أنه يقدر على نقض واحدة فقد أشرك ، وقد علمت وستعلم أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام محال مشيئة الله وحملة قدرته وألسنة إرادته وتراجمة وحيه وأركان توحيده ، فهم العلة الفاعلية فليس لهم حينئذ شعاع وإنما هو في مقام أنهم أبواب الإفاضة والاستفاضة ، وهم في ذلك المقام العلة المادية والصورية للأشياء كلها على ما قال الإمام الصادق عليه السلام (( إن الله خلق المؤمنين من نوره وصبغهم في رحمته فالمؤمن أخ المؤمن لأبيه وأمه أبوه النور وأمه الرحمة ))1 ولا شك أن هذا النور والرحمة ليسا عين الذات الحق سبحانه فكانا مخلوقين و ما خلق الله سبحانه خلقا قبل محمد وعلي والطيبين من أولادهما عليهم السلام ولا يصح أن يكون النور الذي خلق المؤمن عنه هوعين ذاتهم فتكون ذواتهم كالبحر والخلق كالموج أو كالخشبة والخلق كالسرير والباب مثلا فإن ذلك كفر بالله وزندقة عظيمة ، فيجب أن يكون ذلك النور عن شعاع أنوارهم وظهور آثارهم وكذلك الرحمة ، ولما كانت الرحمة هي الواسعة المعطية كل ذي حق حقه وهي مبدأ الاختلاف والتمايز والكثرات وكان مولانا علي عليه السلام هو مبدأ الاختلاف ومحله ومنشؤه وهو النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون وعنه يسألون وعليه يعرضون ، فكانت الرحمة التي هي العلة الصورية من نور علي عليه السلام ، فبالنور والرحمة تحققت الأشياء وتذوتت وتأصلت، والمادة هي الأب وهي النور والصورة هي الأم وهي الرحمة قال رسول الله صلى الله عليه
___________________
1 بصائر الدرجات 80

 


وآله وسلم (( أنا وعلي أبوا هذه الأمة ))1 أي أمة الدعوة ، فإذا كان كذلك فكلما برأه الله وذرءه من شعاع أشعة أنوارهم وعكوسات آثارهم فالظل متقوم بنفس النور من حيث هو نور والنور متقوم بهم عليهم السلام ، فكل شيء في الوجود المقيد واقف بباب فيضهم ولائذ بمسألة فقرهم بجنابهم قال الحجة المنتظر عجل الله فرجه (( فما شيء منه إلا وأنتم له السبب وإليه السبيل خياره لوليكم نعمة وانتقامه من عدوكم سخطة فلا نجاة ولا مفزع إلا أنتم ولا مذهب عنكم ياأعين الله الناظرة وحملة معرفته و مساكن توحيده في أرضه وسمائه ))2 .
إلا أن الأشياء على قسمين نور وظلمة , فالنور هو جهة موافقتهم ومتابعتهم فهوالشيعة والشعاع { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}3 ، والظلمة جهة المخالفة والعداوة والبغضاء وهي العدوّ وأهل البغض ، فالظلمة والمتكونون فيها لا يميلون إلى النور أبدا ، والنور والمستنيرون به لا يميلون إلى الظلمة أبدا ، فيسير هؤلاء صاعدين إلى نقطة وجههم من مبدئهم ويسير أولئك هابطين إلى نقطة وجههم من مبدئهم من الظلمة ، وسير هؤلاء على التوالي وسير أولئك على خلاف التوالي ولا وقوف لهذا السير أبدا ، ولكن الله سبحانه قارن بين النور والظلمة لكمال قدرته وليعلم أن لا ضد له ، فصار المتحصل من هذا القران على أقسام ، قسم بقوا على صرافة نورانيتهم وصفاء طويتهم لم تكدرهم الظلمات ولم تنجسهم درن الجهالات فبقوا على ما هم عليه من الصفاء والنورانية وهؤلاء هم الأنبياء والمرسلون والملائكة المقربون والمعصومون المطهرون المنـزهون فصاروا لا يعصون ولا يغفلون فحكوا المثال وبلغوا الوصال حتى قال فيهم ولي الملك المتعال (( أنا آدم أنا نوح أنا إبراهيم أنا موسى أنا عيسى )) لأنهم أمثلة وأشعة ما غيرت مرايا قوابلهم إياها فبقيت تحكي الممثل هو هو بالحكاية الواضحة ، كصورتك إذا ظهرت في المرآة المستقيمة تحكي مثالك من غير تغيير فتجري أحوالك كلها عليها وكلها صحيحة ، ولذا قال عز وجل إشارة إلى عيسى بن مريم لما قال المنافقون إن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يـبالغ في مدح ابن عمه حتى يريد أنا نعبده
_______________
1 علل الشرائع 127

2 البحار 94/36 ح 23
3 إبراهيم 36
 


كما عبدت النصارى عيسى بن مريم وذلك حين قال صلى الله عليه وآله وسلم ما معناه ( إن لأخي فضائل لو بينتها لكم لقلتم فيه كما قالت النصارى في عيسى بن مريم )1  فأخبره سبحانه عما أسرّ المنافقون {*‏وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا
____________________
1 ذكر المصنف هذه الرواية بالمعنى ونحن نذكرها هنا بالنص تيمنا وتبركا ففي أمالي الصدوق ص 96 قال رسول الله صلى الله عليه وآله (( لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى للمسيح عيسى بن مريم لقلت اليوم قولا لا تمر بملإ إلا أخذوا التراب من تحت رجليك ومن فضل طهورك يستشفوا به , ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك ترثني وأرثك , وإنك مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبـي بعدي )) والحديث طويل أخذنا منه مقدار الحاجة


جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}1 ( إن هو ) أي عيسى على نبينا وآله وعليه السلام إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل وهم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي زيارة أمير المؤمنين عليه السلام (( السلام على إسرائيل الأمة ))2 فعيسى عليه السلام مثل لهم عليهم السلام وهم في كل ما يتعلق بأحوال الخلق على حد سواء ، والمثال لا يخالف الممثل ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم (( من رآهم فقد رآني )) إذ من رأى الصورة في المرآة أو نور الشمس الظاهر في الماء أوغيره من الأجسام الصيقلية فقد رأى الشمس لعدم ظهور الإنية لها من دون الشمس ويأتي إنشاء الله زيادة بيان لهذا في موضعه ، فهؤلاء هم الشيعة الحقيقي ، بل الشيعة الحقيقي المخلصون الكروبيون الذين جعلهم الله خلف العرش بحيث لوقسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم ولما سأل موسى ربه ما سأل أمر رجلا منهم فتجلى له بقدر سم الإبرة فدك الجبل وخر موسى عليه السلام صعقا ، فهؤلاء هم أفاضل الشيعة المخلصون عين المثال ليس فيهم شوب وشبه وربط ، لا جهة لهم إلا ظهور سيدهم و مولاهم ، وهم الخصيصون وأخص الخواص لا يضطربون ولا يتحيرون إذا ظهر لهم سر من أسرار آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والأنبياء تحتهم ودون مقامهم ومرتبتهم في مقام التشيع ولذا قد يحصل منهم ترك الأولى الذي هو تقصير في حقهم وتكاهل عن تأدية واجب حقهم وأمرهم ، كآدم عليه السلام حيث أخبر الله سبحانه عنه في كتابه {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ}‏ في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}1 ، وكأيوب لما كان عند الانبعاث عند المنطق شك وبكى وقال هذا أمر عظيم وخطب جسيم فأوحى الله إليه أتشك في صورة أنا أقمته إني ابتليت آدم بالبلاء فوهبته له بالتسليم له بإمرة المؤمنين وأنت تقول خطب جسيم وأمر عظيم فوالله لأذيقنك من عذابي أو تتوب إليّ بالطاعة لأمير المؤمنين ، وكيونس {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}2 وهكذا غيرهم ،
___________________
1 طه 115 2 الأنبياء 87 – 88


وما ثبت على ولايتهم وطاعتهم والقيام بواجب حقّهم من الأنبياء إلا الأربعة وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام .
أما نوح عليه السلام فقد قال الله تعالى ووصفه فقال {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا}1 .
وأما إبراهيم فقال سبحانه وتعالى فيه { *وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}‏2 وتلك الكلمات هي التي لا يجاوزهنّ بر ولا فاجر وقال مولانا الكاظم عليه السلام (( نحن الكلمات التي لا تدرك فضائلها ولا تستقصى ))3 والمراد بالإتمام هو القيام بحقهم لما كلفه الله سبحانه من طاعتهم حتى تسمى بذلك خليلا بمعنى أن الفقر إلى الله تخلل في كل ذرة من ذرات وجوده وبذلك وصل إلى مقام الخلّة التي هي المحبة وهو مقام عظيم ما نال ذلك إلا بالتثبت في ولايتهم والإقرار بفرض طاعتهم كما قال عز وجل { *وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ}4 ، وذلك لأن إبراهيم عليه السلام لما أراه الله ملكوت السموات والأرض رأى الأشياء كلها في أماكنها وأوقاتها ومحالّها ومراتبها ، فنظر إلى ظهور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووفاته صلى الله عليه وآله وسلم واختلاف الأوصياء والخلفاء المدعين ، وقد أخبر الله سبحانه عن قصّته فقال عز شأنه {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ}‏ بعد غروب شمس النبوة الأحمدية في المرتبة الحتمية وظهرت الاختلافات وظلمة الشبهات وظهر قـوله عز وجـل {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
________________
1 الإسراء 3

2 البقرة 124

3 المناقب 4/404
4 الصافات 83


الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}1 {رَأَى كَوْكَبًا} وذلك هو الثالث وإنما ابتدأ به لأن النظر الحقيقي لا يكون إلا هكذا فإن الأخبث أسفل مكانا ودركا ، ألا ترى الجهل الكلي فإنه في تحت الثرى تحت كل الظلمات والنجاسات ، فالعالي إذا نظر إلى السافل لا يكون نظره إلا بالترتيب من الأسفل إلى الأسفل إلى الأسفل وهكذا ، كما إذا نظرت في الماء إلى ظلّك ترى ظل رجلك أولا وظل بطنك ثانيا وظل رأسك أخيـرا وثالثا فافـهم ، {قَالَ هَذَا رَبِّي} أي صاحبي في مقام الإنكار فإن الله تعالى أخبره بأنه من شيعة وصي النبي الأمي {فَلَمَّا أَفَلَ}‏ أي رآه يعصي وتغشاه ظلمة العصيان والكـفران وذهب بـنوره فرط الطغـيان والعدوان {قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}2 فإني معصوم لا يكون رئيسي وصاحبي إلا معصوما مطهرا , والعاصي بدت بيني وبينه العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا}‏ وهو الثاني أي قمر الضلالة أبو الشرور العـلّة الصورية لكل الكفار والمنافقين والخبائث والنجاسات والرذائـل إلى يوم الدين الشجرة التي طعام
_________________
1 آل عمران 144 2 الأنعام 76


الأثيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين وهو المنكر {إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}1 {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}2 وهو المؤنث {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًـا مَّرِيدًا لَّعَنَـهُ اللّهُ }3 قال الأول ( إن لي شيطانا ليعتريني ) فلما رآه إبراهيم داعيا إلى نفسه وإلى عبادته من دون الله وقد عبده طائفة من دون الله { قَالَ هَذَا رَبِّي } ‏ في مقام الإنكار والتعجّب {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}‏2 حيث عبدوا الشيطان
______________
1 لقمان 19

2 المائدة 79

3 النساء 117 - 118
4 الأنعام 77


وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا}1 {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي } وهي الأول وإنما عبر عنه بالشمس لأنه أبو الدواهي مواد الظلمات وأصل الشكوك والشبهات ومنشأ الضلالات كلها منه وإليه وهو النقطة التي يدور عليها رحى الجهل الكلي بأحواله وأطواره وصعوده ونزوله وهو وشيطانه المعنيان بقوله عز وجل {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}2 وهو طبقة من طبقات جهنّم ، فلما رأى إبراهيم ما به من الرسوخ في الكفر والغي والضلالة لأنه الفحشاء وشيطانه المنكر في قوله تعالى {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ}3 هو ثالثهم قال { هَذَآ أَكْبَرُ } أشد كفراً وضلالة وبغيا وجهالة عن الثاني والثالث { فَلَمَّا أَفَلَتْ }‏ عصت وولّت دبرها وخرجت من بيتها وخالفت ربها ونبيّها وتبرّجت تبرّج الجاهلية الأولى وهـتكت ستر النبوة قال إبراهيم { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}4 حيث رآهم {يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ }5 أي ولاية علي عليه السلام قال مولانا الصادق عليه السلام (( من أصغى إلى ناطق فـقد عبده فإن كان الناطق عن الله عز وجل
________________
1 مريم 81 – 82

2 الرحمن 5

3 النحل 90
4 الأنعام 78

5 النمل 24


فقد عبد الله ، وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس ))1 ثم لما أعرض عنهم واعـتـزلهم وما يعبدون من دون الله توجّه وخلص له التوجه فـقال {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}2 وقد توجّه إلى فاطر السموات بعلي عليه السلام ، لأنهم يتوجّهون إلى رب عاجز حقير ذليل جاهل لشيوع عجزهم وجبنهم وفرارهم من الزحف وجهلهم في العلوم إذا سئلوا مسألة ، وعصيانهم فإن العاصي ذليل حقير ، فإذا توجّهوا إلى الله بالتمسك بحبل هؤلاء الجهّال فقد توجّهوا إلى ما ذكرنا فإن الوجه آية ذي الوجه ليست لها جهة سواه ، كما إذا نظرت إلى المقابل في مرآة سوداء غبراء عوجاء فإنك تصف المقابل بالاعوجاج والسواد والقبح ، وأما إذا توجه إلى الله سبحانه بعلي عليه السلام فقد توجه إلى رب علي على كل شيء مطهّر عن كل رجس ونقص وعيب لعصمته عليه السلام وطهارة ذيله عن الشهوات وخوفه وخشيته من بارئ النسمات ، وعزيز غالب قادر لشيوع ظهور المعجزات والكرامات وخوارق العادات التي لا يشك العاقل بل ولا الجاهل أنه من فاطر السماوات ، وعالم حكيم لعدم توقّفه عليه السلام في مسئلة من المسائل وحكم من الأحكام ومشكل من المشكلات ، وسكوته عن الاستيلاء مع الاقتدار عليها بياناً لقوله تعالى {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى
_________________
1 عيون أخبار الرضا 1/304
2 الأنعام 79


أَجَلٍ مُّسَمًّى}1 وأمثال هذه من الأحوال الظاهرية ، وأما الأمور الباطنية فقد شرحنا شيئا منها ونشرحها إنشاء الله فيما بعد ، فالتوجه بعلي عليه السلام إلى الله هو الدين الخالص وهو التوحيد الخاص وهو قول لا إله إلا الله من غير استكبار قال تعالى {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}‏2 وهي كلمة التوحيد التي أتمها إبراهيم عليه السلام فبذلك صار من أولي العزم وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلس ليلا يحدث أصحابه فقال (( يا قوم إذا ذكرتم الأنبياء الأولين فصلوا عليّ ثم صلوا عليهم وإذا ذكرتم أبي إبراهيم عليه السلام فصلوا عليه ثم صلوا عليّ ، قالوا : يا رسول الله بما نال إبراهيم ذلك ؟ ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : اعلموا أن ليلة عرج بي إلى السماء فرقيت السماء الثالثة نصب لي منبر من نور فجلست على رأس منبر وجلس إبراهيم عليه السلام تحتي بدرجة وجلس جميع الأنبياء الأولين حول المنبر فإذا بعلي عليه السلام قد أقبل وهو راكب ناقة من نور ووجهه كالقمر وأصحابه حوله كالنجوم ، فقال إبراهيم عليه السلام : يا محمد هذا أي نبي معظم أو أي ملك مقرب ، قلت : لا نبي معظم ولا ملك مقرب ، هذا أخي وابن عمي وصهري ووارث علمي علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال : و ما هؤلاء الذين حوله كالنجوم ، قلت : شيعته فقال إبراهيم عليه السلام اللهم اجعلني من شيعة علي عليه السلام فأتى جبرائيل بهذه الآية {* وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ
_____________
1 فاطر 45
2 الصافات 35


لَإِبْرَاهِيمَ }1 )) فكان إبراهيم عليه السلام بذلك الثبات والوقوف في مقام التشيع من أولي العزم حتى قال العلماء أنه أفضل من نوح عليه السلام ، وأما موسى وعيسى عليهما السلام فلا شك أنه أفضل منهما ، وكان شيخي أطال الله بقاءه يقول إن نوحا أفضل وأما أنا فعندي ترجيح إبراهيم قوي جدا لأن الذي أعرف من الأخبار ومن لطائف الآثار في بواطن الأسرار أمور عجيبة فيه على نبينا وآله وعليه السلام والله سبحانه أعلم .
وأما موسى عليه السلام فقد قال فيه مولانا الحسن العسكري عليه السلام في كتابه بخطه الشريف (( قد صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوة والولاية )) إلى أن قال عليه السلام (( فالكليم ألبس حلة الاصطفاء لما عهدنا
_______________
1 الصافات 83
 


منه الوفاء وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة ))1  فلما عزم موسى وثبت على ولايتهم وطاعتهم وفرض حقهم وما شك ولا ارتاب وبقي على العهد والوفاء في كل الأئمة الهداة عليهم السلام وما نسي مثل آدم أبينا عليه السلام وما توقف في القائم عليه السلام مثله عليه السلام فلما عهدوا عليهم السلام منه الوفاء في العوالم المتقدمة وفي البشرية الظاهرية شهدوا له بالوفاء فحلاه الله سبحانه حلة الاصطفاء فصار بذلك من أولي العزم .
وأما عيسى روح الله عليه السلام فقد أشار الحق سبحانه إلى تشيعه وبقائه على صفائه وعدم تغيير فطرته وحكايته للمثال كما تقدم من الآية الشريفة { *وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا}‏2 الآية على ما بينا ، ولوح أيضا إلى ذلك بقوله الحق {بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ}3 وقوله عز وجل {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ}4 فتعبيره سبحانه بالكلمة مع أنها إنما أطلقت على محمد وآله عليهم السلام في مواضع كثيرة من
______________
1 البحار 26/264 ح 50

2 الزخرف 57
3 آل عمران 45

4 النساء 171
 


القرآن كقوله تعالى { {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ}1 {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً}2 { كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ}3 و{لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي}4 .
ولما كان إطلاق الكلمة عليهم وعلى عيسى عليه السلام من باب الحقيقة بعد الحقيقة ، وقد ذكرنا سابقا أن الحقيقة الثانية إنما هي صرف ظهور الحقيقة الأولية الغير المشوب بشيء من أحوال تعيّنها وإنيتها علمنا أن عيسى عليه السلام قد بقي على الصّفاء الأصلي الذاتي فهو الشيعة المخلص لأمير المؤمنين عليه السلام والطيبين من أولاده وأحفاده عليهم السلام فبذلك صار من أولي العزم ، فهؤلاء الأربعة من أفاضل الشيعة بعد الملائكة الكرّوبيين ، ثم بعدهم سائر الأنبياء وتختلف مراتبهم في التشيع إلى آخر طبقاتهم في القرب والبعد من أولي العزم ، وهذا الذي ذكرنا مجمل أحوال القسم الأول .
وأما القسم الثاني فهم الذين غلبت جهة نوريّتهم لكن الظّلمة قد تمكنت فيهم وظهرت آثارها عليهم وبرزت جهة إنيتهم وادعت ، وإن كانت دعوى ضعيفة إلا أن هذه الدعوى والظهور أخفت المثال فلم يبلغ الوصال ولا يرى الحقيقة في كل الأحول كالنور المتشعشع الساطع على الجدران وعلى غيرها من الأجسام الكثيفة الغاسقة فإنه نور تجري عليه أحكام النور حقيقة ولا يحسب مع الظلال والظلمات إلا أنه ليس نور يحكي مثال الشمس والسراج كما إذا أشرقا على المرايا والمياه وسائر الأجسام الصيقليّة الشفافة ، وهؤلاء هم الشيعة غير المعصومين من طبقة الرعية ولهم مراتب كثيرة في علمهم وعملهم وتجمعهم ثلاث مراتب .
الأولى : مقام الخصّيص وهم الذين انقطعت جهات إنياتهم وذهبت ماهياتهم وماتوا قبل أن يموتوا ونظروا في الآفاق والأنفس حتى يتجلى لهم الحق تعالى بساداتهم ومواليهم عليهم السلام في كل شيء ، فعرفوا الكيف والكم
________________
1 البقرة 37

2 الأنعام 115

3 إبراهيم 24
4 الكهف 109
 

 

والحيث واللّم وعرفوا مفصولهم وموصولهم وما يؤول إليه أمورهم فبذلك عرفوا باطن باطن القرآن والأخبار والعلوم والصنائع والآداب والحركات والسكنات والأوضاع والقرانات وباطن باطن التأويل وهكذا المراتب التي فوقها إلى السبعة أو إلى السبعين على مقدار مقامهم وعملوا بمقتضى قوله تعالى {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ}1 .
والثانية : مقام الخواص وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرّمات والمكروهات وتوجّهوا في العبادة إلى فاطر السموات بأوليائه سبحانه وتعالى ، وعرفوا باطن القرآن وتأويله وظاهر ظاهره وعرفوا عليا عليه السلام والطيبين من أولاده عليهم السلام بالنورانية واستدلوا في أدلّتهم بالموعظة الحسنة .
والثالثة : مقام العوام وهم الذين فعلوا الواجبات وتركوا المحرّمات وتوجّهوا في العبادة إلى الله سبحانه بولاية أمير المؤمنين عليه السلام والطيبين من أولاده عليهم السلام ، وعرفوا تنـزيل القرآن والأخبار وظاهر الأحكام وهم على ثلاث طبقات .
الأولى أهل القشر وهم أصحاب الأشعار , والثانية أهل اللب من أهل الظاهر وهم أصحاب الأصواف , الثالثة أهل لب اللب وهم أصحاب الأوبار
________________
1 المجادلة 22


قال تعالى {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}1 .
والقسم الثالث وهم الذين بقوا على صرف الظلمة ومخالفة الحق المبدء وأجابوا نعم عند قوله تعالى {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ}‏2 ومحمد نبيكم وعلي وليكم والأئمة الأحد عشر من ولده وفاطمة الزهراء عليها صلوات الله وعليهم أولياؤكم فتلبّسوا بلباس الكفر والنفاق وتصوّروا بصورة الشيطانية وعاندوا الحقائق الربّانية ، فصاروا بتلك الإجابة عين الظلمة {خَتَمَ اللّهُ عَلَى
______________
1 النحل 80 2 الأعراف 172


قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }1 فقوام وجودهم بذلك السؤال المتقوّم بنور علي عليه السلام فهم ناكسوا رؤسهم عند ربّهم .
والقسم الرابع هم الذين تساوى فيهم النور والظلمة فيتعادلان في ظهور الآثار حتى تتم البنية وتكمل الصبغة وهم المرجون لأمر الله إما يعذّبهم إن مالوا بعد إكمال الصبغة إلى الظلمة أويتوب عليهم إن مالوا بعدها إلى النور {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ}2 .
والأقسام الثلاثة الأخيرة تتحقق في كل صقع من الأصقاع ونوع من الأنواع من الجن والبهائم والطيور والحشرات والنباتات والجمادات والصفات والأعراض والروابط والقرانات وكل شيء من خلق الله على القول المجمل ولا يسعني الآن تفصيل أحوالهم فكلهم توابع إما تابع بالأصالة كالشيعة أوتابع بالعرض كالأعداء فرجوع الأقسام كلها إليهم عليهم السلام .
وإنما خص الشيعة بالإنابة والرجوع وترك غيرهم لأنهم المقصودون بالأصالة والمعنيون بالذات وغيرهم منسيّون {نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ}‏3 فإنابة كل أنواع الشيعة إليه عليه السلام على مقتضى مقامهم ومرتبتهم ، فالسابقون الأولون الذين هم الأنبياء والمرسلون إنابتهم إلى علي عليه السلام الثبات على الأمر والدوران حول ربّهم ولم يروا لهم تذوّتا ولا تأصلا ولا يتركون الأولى في مقامهم ويمضون في طاعة ربّهم ولا يلتفت منهم أحد ولا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، وإنابة الكرّوبين إليه عليه السلام بدوام الاستمداد والوقوف على باب المراد وحكاية المثال وعدم قول أنا في حال من الأحوال
______________
1 البقرة 7

2 التغابن 2
3 التوبة 67


{*وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}1‏ أي يقول إني أنا ، وإنابة خصيص الشيعة أن يحفظوا سرهم ويعرفوا إمامهم وسيدهم بالنورانية في أعلى مقاماتها ودرجاتها وعدم التفاتهم إلى مصائب الدنيا وسيرهم إلى الله سبحانه ، وإنابة الخواص إليه عليه السلام بالعمل بقولهمعليهم السلام (( حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك ))2 فمن ارتكب الشبهات ارتكب المحرّمات فهلك من حيث لا يعلم وقولهم عليهم السلام (( الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ))3 وبالتسليم إلى أئمة الحق والرد إليهم في كل الأحوال من البدء والمآل ، وإنابة العوام إليه عليه السلام قريب مما ذكرنا في الخواص ، وإنابة الأكوان في الكينونات التكوينيّة أي تكون على صورة الإنسان لأنها هيكل ولايته عليه السلام وإنابة تلك الصورة أن تظهر حسنة جيّدة غير متناكرة ولا غير متناسبة في التركيب والترتيب وأن تكون معتدلة خارجة عن حدّي التفريط والإفراط في الأحوال كلها ولا تكون قبيحة غير ملائمة بل تكون بحيث إذا نظر إليها الناظر تهشّ إليها وتدهش عندها ، وتفصيل هذه الإنابة وكيفيّتها التكوينيّة الغير التشريعيّة ظاهرا يطلب في علم الطب ، وإنابة الحيوانات أن تكون ذليلة للإنسان على اختلاف مراتبها على اختلاف مراتب الذلّة في جميع الحالات ، وإنابة النباتات إليه عليه السلام أن تظهر مستقيمة مخضرّة مورقة مثمرة طيّبة الثمار على اختلاف مقاماتها ومراتبها ، وإنابة الجمادات أن تظهر معادن وما يقرب إليها ، وإنابة الأعراض والألوان والهيئات والصفات وغيرها إليه عليه السلام أن تظهر عند المحال المناسبة لها والمقتضية إياها كلون الصفرة عند الحرارة والرطوبة مثلا ووجود الحمى عند تعفّن الاختلاط وأمثالهما وهذه الاقتضاءات تختلف وكذا الحال المناسبة وقد تتداخل وتتعارض المناسبات فتقتضي صفة ثالثة إلى غير ذلك من الأحوال والأوضاع والإضافات التي يطول بذكرها الكلام ولسنا بصدد ذلك ، وإنابة الملائكة إليه عليه السلام أن تجري على حد ما قرر الله سبحانه لها من المقامات المعلومة فإذا تعدت عنها أعرضت واستحقت الغضب والسخط كالذين اعـترضوا على الله عز وجل
_______________
1 الأنبياء 29

2 عوالي اللآلي 3/548

3 الكافي 1/68 ح 10
 


حين قال لهم {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}1 وقصتهم مذكورة في الأخبار وكذا فطرس الملك الذي تاب الله عليه باللواذ بمهد الحسين بن علي عليهما السلام ولذا قال أميـر المؤمنين على ما في حديـث البساط المشهور (( إنه لا يخطو ملك خطوة إلا بإذني وأمري )) قال تعالى حكاية عنهم {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}2 .
ومجمل القول أن الموجودات كلها توابع ولوازم له عليه السلام فالطيب المعتدل المستقيم منها شيعة له عليه السلام ، والخبيث المعوج الباطل عدو له عليه السلام , ولما كانت الشيعة لهم مناسبة نوعية مع الأعداء وتتقوى تلك المناسبة بتكور الميل والالتفات وذلك يستلزم الغضب الإلهي والسخط الرباني كما أخبر الحق سبحانه عنهم أي المائلين عن الحق إلى جهة الأعداء بقوله الحق {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ}3 وهذه الإطاعة في بعض الأمر قد دعتهم وجرتهم إلى الإطاعة في البعض الآخر إلى أن يستوجب الغضب وإعراضه عليه السلامإلى الاستقامة والاعتدال وعدم الميل إلى الأعداء فقال عليه السلام (( أنيبوا إلي )) فإنّ مرجع العبد إلى سيده ومعوله إلى مولاه وقوله هذا اختبار وتنبيه على قول الله الحق عز وجل فيه عليه السلام حيث خاطبه وقال {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ} يـا علي {فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * فَلاَ وَرَبِّكَ}‏ يـا علي {لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ 

_________________
1 البقرة 30

2 الصافات 164
3 محمد 25 - 26


يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}1 فأبان سبحانه وتعالى عن حقيقة الإنابة إليه روحي فداه فإن حقيقة الإيمان اسم له عليه السلام فلا يكون مؤمنا إلا بالانتساب إليه عليه السلام ولا يكون منتسبا إليه عليه السلام إلا إذا كان مسلّما له ولا يكون مسلّما له إلا بأن لا يجد حرجا في نفسه مما قضى به إمامه وسيده {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}‏2 .
_______________
1 النساء 64 – 75
2 آل عمران 8