قوله عليه السلام والتزموا بيعتي

 

اعلم أن الربوبية لها خمس مقامات المقام الأول هو الربوبية إذ لا مربوب لا ذكرا ولا عينا ولا ظهورا وهي الذات البحت القديمة سبحانه وتعالى ولا كلام فيها ولا بيان ولا عبارة ولا إشارة الطريق مسدود والطلب مردود ، والمقام الثاني دليل تلك الربوبية وصفتها وآيتها أي العين التي نستدل بها إليها وهي أيضا لا ذكر ولا عين ولا ظهور للمربوبين فيها بوجه من الوجوه لأنها وجه الله ودليله فـلوكانت فيها كثرة لعرفنا الله بالكثرة لأن معرفة الوجه عين معرفة ذي الوجه وهو معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام (( يا من دل على ذاته بذاته وتنـزه عن مجانسة مخلوقاته وجلّ عن ملائمة كيفياته ))1 ، والمقام الثالث مقام الربوبية إذ مربوب ذكرا وإذ لا مربوب عينا وظهورا وهو الهوية أعلى مراتب الواحدية فهناك ذكر إجمالي للمربوبين فيها إلا أن جهة الاضمحلال والاستهلاك أغلب ، والمقام الرابع مقام الربوبية إذ مربوب ذكرا تفصيليا مقارنة للمربوب العيني وغير واقعة عليه العام الواسع الجامع المحيط على الأفراد كلها ، والمقام الخامس مقام الربوبية إذ مربوب ذكرا وعينا ووقوعا وظهورا ، وهنا مقام سادس وهوالربوبية الواقعة الملقى في هوية المربوب وإليها أشار مولانا الصادق عليه السلام (( العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد من العبودية وجد في الربوبية وما خفي عن الربوبية أصيب في العبودية قال الله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن
_______________
1 دعاء الصباح لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام

 


لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ}1 ‏أي موجود في غـيـبتـك وحضرتك ))2 ، وهذه الربوبية السادسة وجه للربوبية الخامسة وهي وجه للأولى فانقطع عندها مقام الذكر وجهة الكثرة ، فالأوّليتان لا اسم لهما ولا رسم ولا عبارة ولا إشارة ، والثالثة اسمها هو وهو أعظم لأن هو العلي الكبير والعلي أول الأسماء على ما قال الإمام الرضا عليه السلام إنه سبحانه (( فأول ما اختار لنفسه العلي العظيم لأنه أعلى الأشياء كلها فمعناه الله واسمه العلي العظيم وهو أول أسمائه لأنه علا على كل شيء ))3 ، والرابعة اسمها الله لأنه اسم للظاهر بالألوهية الجامعة المحيطة لكل الظهورات والمظاهر والمهيمنة على كل الأسماء والصفات هيمنة الواحد على الأعداد يعني أن كل الأسماء ظهور من ظهورات الاسم الله وتجلي من تجلياته فهو في مقام نفسه واحد وفي مقام ظهوره متكثر ومرجع الكثرات كلها إلى الوحدة الحقيقية في ذلك الاسم المبارك فافهم ، والخامسة اسمها الرحمن المستوي على العرش المعطي كل ذي حق حقه السائق إلى كل مخلوق رزقه ، ولما كان المربوبون متقومين بالربوبية ولا قوام لهم في حال من أحوالهم إلا بها وحكم الرب سبحانه بمقتضى الربوبية أن يعطيهم ما سألوه ويسألونه بإراداتهم واقتضاءاتهم في كل أحوالهم لا يتحقق ذلك إلا بمعرفة المسئول وكيفية السؤال عنه وكانوا جهالا لا يعرفون ذلك لأنهم معدومون من دون ذلك وجب في الحكمة على الرب سبحانه أن يعرفهم نفسه ويعرفهم أبواب فيوضاته ليأتونه ويسألونه من تلك الأبواب ، والأبواب هي تلك الربوبيات الأربعة المتأخرة ، ولما كان محمد وعلي والطيبون من أولادهما صلوات الله عليهم حاملي تلك الربوبية ومظاهر تلك القيومية وهم أبواب الإفاضة والاستفاضة وأعضاد لكل البرية ومناة للعطية وبهم قوام الخليقة وجب أن يقرن باسمه اسمهم ومعرفته معرفتهم وولايته ولايتهم لأنهم عليهم السلام فاعلوا فعل اللازم الغير المتعدي إلى غير الفعل الاسم المستقر في ظل الله الذي لا يخرج إلى غيره ، ولذا اشتق الله سبحانه أسماءهم من أسمائه ونوههم بأسمائه ، ولما كان الفيض الإلهي لا يجري إلا على

________________
1 فصلت 53 – 54 2 مصباح الشريعة
3 معاني الأخبار 2 , عيون أخبار الرضا 129

 


الاختيار من غير جبر واضطرار أبان لهم من تلك المعـرفة على جهة السؤال المستدعي للإجابة إما بالإدبار أو الإقبال ليـجري عليهم حكمه على مقتضى الحالين في كل الأحوال ، ولما كان السؤال المستدعي لمعرفة السائل بنفس ذلك السؤال تكوينيا وتشريعيا والحقيقة أن التكوين عين التشريع والتشريع عين التكوين والشيء الواحد يجمع الأمرين ، والخلق لهم مراتب في تكوينهم وكينوناتهم وكل مرتبة في عالم من عوالم القدس والعزّة أقامهم في تلك العوالم بتلك المراتب فسألهم ألست بربكم و محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيكم وعلي عليه السلام وأولاده الأحد عشر عليهم السلام وفاطمة الزهراء عليها السلام أولياؤكم فأجاب من أجاب وأنكر من أنكر وتوقف من توقف وتقدم من تقدم وتأخر من تأخر وتوسط من توسط ، فما بقي ذرّة من ذرات الوجود إلى ما لا نهاية له أبد الأبد إلاّ وقد سألهم الله سبحانه بذلك السؤال وأجابوا في مرتبة من مراتبهم إما بكلّها أو ببعضها أو بأكثرها أو بأقلها ولم يخرج شيء من الأشياء مما يتصور أو يتعقل أو يشاهد أو يتوهم أو يتخيّل أو يحسّ أو يعاين من الأعيان والذوات والأكوان والصفات والاعتبارات والإضافات مما أحاطته لجة الإمكان إلا وقد أجابوا ذلك السؤال وعرفوا حقيقة الحال إما أدبروا أو أجابوا بالإقبال وإليه يشير قول مولانا الهادي عليه السلام في الزيارة الجامعة الكبيرة (( حتى لا يبقي ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا صديق ولا شهيد ولا عالم ولا جاهل ولا دني ولا فاضل ولا مؤمن صالح ولا فاجر طالح ولا جبار عنيد ولا شيطان مريد ولا خلق فيما بين ذلك شهيد إلا عرّفهم جلالة أمركم وعظم حظركم وكبر شأنكم وتمام نوركم وصدق مقاعدكم و ثبات مقامكم وشرف محلكم و منزلتكم عنده وكراماتكم عليه وخاصتكم لديه وقرب منزلتكم منه بأبي أنتم وأمي ))1.
إذ لا يمكن أن يوجد شيء من الأشعة إلا بعد معرفة السراج والنور الساطع الساري منه فيها ، فلما أن الله سبحانه عرّف الخلق السائلين الواقفين ببابه الفقراء اللائذين بجنابه معرفة المسئول أراد أن يعرّفهم كيفيّة السؤال لجهلهم وعجزهم وقصورهم عن إدراك ذلك من دون تعريفه سبحانه , ولما كان السؤال ليس إلا جهة السائل إلى المسئول وهي جهة الافـتـقار والذل
____________
1 الزيارة الجامعة الكبيرة
 

 

والانكسار والاستقامة مع المسئول في الإعلان والإسرار وهذه الجهة لم تتم ولم تكمل في كل الأحوال إلا في محمد وأهل بيته الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين وكان كلهم وجزؤهم وذاتهم وصفتهم وقولهم وفعلهم وحركتهم وسكونهم ونومهم ويقظتهم سؤال الله سبحانه واستمداد منه تعالى وتوجّه وإقبال إليه عزّ ذكره أمر الخلق كلهم بطاعتهم عليهم السلام إذ ليس لهم عليهم السلام جهة غير وجه الله ، فكانت طاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله وحبهم حب الله وبغضهم بغض الله وغضبهم غضب الله ورضاهم رضى الله ، فطاعة الخلق لهم عين طاعتهم لله وطاعتهم لله ليس إلا سؤالهم منه سبحانه الإفاضة والاستمداد والاستعداد لبلوغ المراد ، فأخذ الله سبحانه في كل عالم من العوالم وكل مرتبة من المراتب عن كل الخلق من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين وسائر الخلق أجمعين من الذوات والصفات والإضافات والأعراض ومن الأسقام والأمراض العهد بطاعتهم وجعل على أعناق كل البرايا مبايعتهم في الذرّات كلها فأخذ لهم البيعة عن كل ذرّة من ذرات الوجود إلى أقصى نهايات الشهود ، وجعل ذلك العهد والعقد والبيعة وديعة عند ملك من الملائكة كان شديد الحب لآل محمد صلى الله عليهم أجمعين وكان ذلك عنده إلى أول مقامات ظهور الطاعة بكل وجوهها وبروز مراتب العبوديّة بكلها وهو عند خلقه أبينا آدم عليه السلام أبي البشر ، ولما كان أول مظهر لإشراق تلك الأنوار أمر الله سبحانه الملائكة كلهم وسائر الخلق أن يسجدوا لله سبحانه عبودية لآدم عليه السلام من حيث كونه حاملا لتلك الأشباح النورانية هياكل التوحيد تعظيما وتجديدا للعهد والعقد والبيعة المأخوذة عنهم في تلك العوالم من العبودية لله سبحانه والسؤال منه تعالى بالتوجه إلى تلك الأشباح المطهرة المقدسة اللاهوتية وذل الطاعة والانكسار بالرقية لها وهو قولهعليه السلام (( من أراد الله بدء بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم )) وقوله عليه السلام (( طأطأ كل شريف لشرفكم وبخع كل متكبر لطاعتكم وخضع كل جبار لفضلكم وذل كل شيء لكم ))1 ، ولما أن الله سبحانه أنزل آدم إلى الأرض وكان مستودع تلك الأنوار نزل ذلك الملك الذي عنده الوديعة وصحيفة عقد العهد وأخذ البيعة
____________
1 الزيارة الجامعة الكبيرة
 

 

على كل الخلق من الأنبياء والرعايا بالطاعة لآل محمد عليهم السلام بالانكسار لهم والتوجه إلى الله بهم والعبادة لله بحبهم وبما أسسوا من إرشاداتهم عليهم السلام وذلك لشدة استئناس ذلك الملك بآدم عليه السلام لكونه حاملا لظهور تلك الأنوار ، وتنـزل بصورة الحجر ليكون قبلة مستمرة لكل من أخذت عنه البيعة وتذكيرا لهم عند توجههم إلى ربهم في حال صلواتهم التي هي أصل عباداتهم وقوام أمرهم وعماد دينهم ، ثم أن الله تأكيدا للعهد وإتماما للحجة وإكمالا للنعمة أظهر تلك الأرض التي أخذ البيعة عن الخلق لآل محمد عليهم السلام بالولاية ولنفسه بالربوبية وبنى عليه بيتا مربعا نسبه إلى نفسه وعظمه وكرمه ، فالركن الأول بإزاء ألست بربكم وهو سبحان الله والركن الثاني بإزاء ومحمد نبيكم وهو الحمد لله والركن الثالث بإزاء علي وليكم والأئمة الأحد عشر من ولده وفاطمة سلام الله عليها وعليهم أولياؤكم وأمناؤكم وهولا إله إلا الله ألا تراه اثنى عشر حرفا والركن الرابع بإزاء أوالي من والوا وأعادي من عادوا وهو الله أكبر ، والمجموع تمام الاسم الاعظم وهو قول مولانا الكاظم عليه السلام (( إن الاسم الأعظم أربعة أحرف الحرف الأول لا إله إلا الله والحرف الثاني محمد رسول الله عليها السلاموالحرف الثالث نحن والحرف والرابع شيعتنا )) ، ثم أوجب سبحانه الطواف على ذلك البيت أسبوعا تذكيرا لهم بعدد الهياكل التي أخذ لهم البيعة عن الخلق ثم أظهر تلك السبعة في الحمد فجعلها في صلواتهم في الأوليين ، ولما كانت الصلاة لا تنقص عن الركعتين أبدا أوجب سبحانه عليهم في كل منهما الحمد خاصة لتمام أربعة عشر قياما بحقّهم ووفاء ببيعتهم ، ولما كانت الأخيرتين في الصلاة قد تنقص واحدة منهما كما في المغرب جعل التسبيح في كل منهما ثلاث مرات لتمام الاثني عشر فجـعل الكل في الكعبة فجعل البيت مربّعا والطواف أسبوعا ، ولما كان كل حج لا يتم إلا بالعمرة منفردة أو متمتّعا بها وكليهما ما يتمّان إلا بالطواف الأسبوع فيتم أربعة عشر ، ثم جعل سبحانه الملك المنـزّل بصورة الحجر المخزون عنده ودائع العهد والبيعة على ركن من أركان البيت وهو الركن العراقي إشارة إلى ظهور الأصل والمولى وسيد الملك في أرض العراق أي الكوفة ليكون وجهه إليه أبدا وأوجب على كل الخلق البدء بالطواف من محاذاة الحجر وأوجب عليهم استلامه تجديدا للبيعة لأنه حامل الوديعة والقراءة عنده بالدعاء المأثور (( أمانتـي أدّيتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة )) وذلك موافاة للعهد المأخوذ عنهم في العوالم المتقدّمة، ثم أوجب على الخلق كلّهم من أهل الأرض من أهل المشرق والمغرب التوجه إلى الكعبة عند الصلاة التي هي أعظم العبادات وأشرف الطاعات وأوجبها على البريات بحيث لا ينفك عنهم في حال من الحالات من الصحة والمرض والسفر والحضر والخوف والأمن والشباب والشيب والسعة والضيق والفقر والغنى والحرق والغرق وسائر أحوالهم ، فجعلها التي هي مثال لتلك الحقائق المقدسة المطهرة وذكرا للبيعة المأخوذة لهم عن الخلق وجها لكل الخلق من الإنس والجن والطيور والوحوش والملائكة ، إلا أن ملائكة السموات يتوجهون إلى البيت المعمور الذي هوعلى محاذاة الكعبة ومقابلتها وعلى وصفها وهيكلها وهيئتها ، فصار الخلق في كل يوم وليلة يذكرهم الله سبحانه العهد الذي أخذ عنهم في عالم الذر والبيعة التي أحكمها هناك لأمير المؤمنين عليه السلام وليّه وخليفته بأوقات الصلاة حيث جعلها خمسة أوقات لظهور الهاء في هو في أهل العباء عليهم السلام ، فوقت الظهر لكمال الاستيلاء وبدء الوجود وهو إشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ووقت العصر الذي هو بعد الظهر بلا فاصلة وهو إشارة لأمير المؤمنين عليه السلام لأنه ظهر في جلال العظمة بعد جلال القدرة فالثاني للشمس والأول للقمر ، ووقت المغرب وهو إشارة إلى فاطمة الصدّيقة روحنا فداها عليها السلام وهي أول وقت بعد غروب شمس النبوّة ولذا كان وقت المغرب ضيّقاً جدا لأنها قد توفّيت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مدّة قليلة الظاهر أنها خمس وسبعون يوما ، ووقت العشاء وهو إشارة إلى مولانا الحسن عليه السلام إذ في زمانه وأوانه اشتدّت ظلمة النفاق والكفر والطغيان وانمحت بالكلّية ظهور آثار النبوّة ، ووقت الصبح وهو إشارة إلى مولانا الحسين عليه السلام {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}1 لعن الله قاتله فإن شهادة الحسين عليه السلام أذهبت الظلمة أي الشكوك والشبهات عن قلوب المؤمنين لكنه بعدما طلعت الشمس عجّل الله فرجهم وسهّل الله مخرجهم وسنشرح الأمر إنشاء الله في ما بعد ، وهذه الأوقات الخمسة المتعلّقة بهؤلاء الطاهرين وجبت فيها الصلاة إشارة إلى أن التوجّه إلى الله ما يمكن إلا بهم صلوات الله عليهم
______________
1 الإسراء 78
 

 

(( من أراد الله بدأ بكم ومن وحّده قبل عنكم ))1 ، وكذا ذكّر الله سبحانه الخلق ذلك العهد بكيفيّة الصلاة من أعدادها وهيئاتها وفرائضها ونوافلها ، وكذا ذكرهم الله سبحانه إياها بقبلة الصلاة التي هي جهة الكعبة لاستقرار الحجر في ركن من أركانها ، وكذا غيرها من شرائطها ومقدّماتها وأركانها وأفعالها ومنافياتها ، وكل العبادات غيرها أيضا تذكير للعهد والبيعة المأخوذين في عالم الذر لأمير المؤمنين والطيّبين من أولاده عليهم السلام .
وإنما خصّ عليه السلام تلك البيعة بنفسه المقدّسة مع أن الأئمة عليهم السلام كلّهم مشتركون فيها حيث قال عليه السلام (( والتزموا بيعتي )) لأنه عليه السلام قد مرّ مفصّلا أنه حامل لواء الرّحمانية وحامل لواء الحمد وسائر الأئمة عليهم السلام منه كالبدل مع المبدّل منه وهو الأصل في هذا اللواء كالألف وهم متشعّبون منه كالحروف المنقطعة من الألف وكالأفلاك المنشعبة عن الكرسي والكرسي المنشعب عن العرش فافهم إنشاء الله ، والروايات والآيات في كل ما ذكرنا كثيرة لا تحصى من الفريقين من طرقنا وطرق المخالفين وذكر المجموع يؤدّي إلى التطويل وقد مرّ ذكر بعضها وسنذكر فيما بعد إنشاء الله في خلال الكلام إذا اقتضى المقام .
ولما كانت طاعة الله سبحانه ليست إلا العمل بمقتضى الربوبيّة إذ مربوب كونا وعينا ، ومقتضاها أمران عبادة وعبوديّة ، والعبادة هي فعل ما يرضي والعبوديّة هي رضا ما يفعل ، فكل عبد يلزمه الطّاعة على النهج المذكور ، وكان حامل تلك الربوبيّة علي أمير المؤمنين عليه السلام فوجب أخذ البيعة على الكل بولاية أمير المؤمنين عليه السلام ويجب على كل أحد الالتزام ببيعته والانقياد عند دعوته حتى أنفسهم المباركة المقدّسة في مقام الطاعة والعبوديّة ، فتتحد المقامات هناك لأن الله عز وجل لما جعلهم محالّ المعرفة ومساكن البركة ومواقع الربوبيّة ثم أمرهم بالقيام بمقتضى تلك الربوبيّة الظاهرة فيهم بهم وذلك الأمر إنما تعلّق بهم بهم قال عليه السلام (( تجلى لها بها وبها امتنع منها ))1 فافهم ، إذ لا يجوز التصريح بأزيد من ذلك ، فأول ما
______________
1الاحتجاج 204
 


أخذ الميثاق والعهد عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال له به ألست بربّكم ومحمد نبيّكم وعلي وليكم فهو صلى الله عليه وآله وسلم أول من أجاب وهي الاستقامة التي أمر الله نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يستقيم عليها ثم أجاب أمير المؤمنين عليه السلام ثم الحسن ثم الحسين عليهما السلام بذلك ثم القائم المنتظر عجّل الله فرجه ثم الأئمة الثمانية سلام الله عليهم ثم فاطمة الزّهراء عليها السلام فهؤلاء هم قصبة الياقوت وحجاب الملك والملكوت وأبواب اللاهوت والجبروت لقد التزموا هذه البيعة وأجابوا هذه الدعوة أشد التزام وأعظم إجابة ما قام بها أحد سواهم ولذا ورد أن في الصراط عقبات كئود لا يقطعها بسهولة إلا محمد وأهل بيته الطيّبونعليهم السلام فقد قاموا بحقّها وأدّوا واجبها و ما التفتوا إلى ما سوى الله ووقفوا وبقوا في مقام ( لنا مع الله حالات هوفيها نحن ونحن فيها هو وهو هو ونحن نحن ) ففي عالم التوحيد لا كلام ولا مقام ولا مذهب فإن بالبيان يظهر عناد المنافقين وريبة الجاهلين .
ومستخبـر عن سرّ ليلى أجبته بعمياء من ليلى بلا تعيين يـقولون خبـرّنا وأنت أمينـها وما أنـا إن خـبّرتهم بأمـيـن
ففي عالم الأسماء هم أسماء الله الحسنى قال عليه السلام (( نحن والله الأسماء الحسنى الذين لا يقبل من أحد إلا بمعرفتنا قال : فادعوه بها ))1 ، وفي عالم المعاني هم معاني الله ومعادن كلماتهم قال عليه السلام (( أما المعاني فنحن معانيه ونحن علمه ونحن حقّه وإذا شئنا شاء الله ويريد الله ما نريد )) ، وفي عالم العظمة والجبروت هم عظمة الله وجبروته وهم قدرته وعلمه وجنبه ورحمته وكبرياؤه وهم عرشه والمستوي عليهم السلام أوالمستوى عليه ، وفي عالم الربوبيّة هم ربوبيّة الله سبحانه وهم باب الله وهم بيت الله وهم روح الله وهم نور الله وهم ذات الله وهم نفس الله القائمة بالسنن ، وفي كل ذلك وقع التصريح في كلماتهم عليهم السلام يجده المتفحّص الفطن المتتبع في الأخبار بنظر الاعتبار .
____________
1 تفسير العياشي 2/42
 


وبالجملة هم لما التزموا هذه البيعة اختصوا بالله سبحانه قال عزّ وجل (( لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل والعبادات حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش به ورجله التي يمشي بها إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته وإن استعاذني أعذته ))1 وقال أيضا عز وجل (( يا بن آدم أطعني أجعلك مثلي )) ، وأجمل القول في ذلك مولانا أمير المؤمنين عليه السلام كما ذكر غير مرّة (( أقامه في سائر عالمه في الأداء مقامه إذ كان لا تدركه الأبصار ولا تحويه خواطر الأفكار))2 وهو كلام جامع لجميع ما ذكرنا وما لم نذكر فتفطّن ، فهم عليهم السلام كل أفعالهم وأقوالهم حكم الله الواجب عليهم والمستحب لهم وربّما يرتكبون المكروه وهو واجب عليهم .
وأما الأنبياء عليهم السلام فلما سمعوا نداء الحق سبحانه ألست بربّكم وذلك النداء نور قد سطع من نور النداء الذي وقع على محمد وآله عليهم السلام فأخذ عنهم البيعة لأمير المؤمنين بالولاية كما رواه محمد بن جرير الطبري من العامة عن ابن عباس في تفسير قوله عز وجل {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا
____________
1 إرشاد القلوب 91
2الإقبال 461


مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا}1 أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (( لما عرج بي إلى السماء فاجتمعت مع الأنبياء بأجمعهم فجاءني جبرائيل فقال يا محمد واسألهم بماذا بعثوا فسألتهم فقالوا بعثنا بشهادة أن لا إله إلا الله وبنبوّتك وبولاية أمير المؤمنين عليه السلام ))2 وكلّهم عليهم السلام أجابوا هذه الدعوة والتزموا البيعة إلا أنه تختلف مراتبهم في ذلك ، فأولوا العزم ثبتوا واستقرّوا في التزام البيعة وما تردّدوا وما شكوا وما توفّقوا وقد مضى قليل من أحوالهم ، وأما غيرهم عليهم السلام فوقعت منهم بعض الهفوات الموهمة بالتردد والشك كما في أيّوب عليه السلام أنه لما كان عند الانبعاث عند المنطق شكّ وبكى وقال هذا أمر عظيم وخطب جسيم فأوحى الله إليه يا أيّوب أتشك في صورة أنا أقمته إني ابتليت آدم عليه السلام بالبلاء فوهبت له بالتسليم له بإمرة المؤمنين وأنت تقول خطب جسيم وأمر عظيم لأذيقنّك عذابي أوتتوب إليّ بالطاعة لأمير المؤمنين عليه السلام ، وذلك لما ظهر لأيّوب نور التجلي وسمع الوحي من كل جانب بكل المشاعر وعلم أن ذلك من مخلوق مصنوع لا يشغله شأن من شأن استعظمه عند ذلك إذ غاية ما يفرّقون بين المخلوق والخالق إنما هو ذلك فلما وجده منتفيا في المخلوق استعجب وبذلك حدثت حرارة باطنيّة استلزمت ذوبان الجوارح فاستعبر وبكى وأخرج الدموع المتحقق من عصر القلب الساري في الجوارح كلها بحرارة حركة الباطن واضطرابه ، وإنما تخرج الدموع من العين لأنها أقرب القوى إلى الرطوبة والرطوبة فيها دائمة مستمرّة كالأنف فميل المناسب إلى المناسب أشد وأعظم بالنسبة إلى غيره ، ولما كانت تلك الحرارة الداعية لذوبان الباطن المستـلزم
_______________
1 الزخرف 45
2 وجدنا ما يقرب من هذا الحديث في كتاب الصراط المستقيم 1/244 أنه صلى الله عليه وآله قال (( لما أسري بي إلى السماء جمع الله تعالى بيني وبين الأنبياء وقال سلهم على ما بعثتم فسألتهم , فقالوا : على شهادة ألا إله إلا الله والإقرار بنبوتك والولاية لعلي بن أبي طالب عليه السلام ))


للبكاء لم تكن من جهة الحق سبحانه أحدثت الداء فإن الدواء ليس إلا اسم الله وذكره (( يا من اسمه دواء وذكره شفاء ))1 ، ولما كانت تلك الحرارة مجتثّة لم يكن لها أصل من النور الإلهي ذهبت وولّت بعدما عفنت القوى والجوارح وأذابت وما أتى لها مدد قوي لانعقادها ونضجها اقتضت دوام عفونة البدن وتكوّن الدّود بذلك ، ولما كان ذلك التردّد والخطور ليس أمرا حقيقيا قلبيا من أيوب النبي عليه السلام ليقتضي الظهور يوم القيامة ظهرت تلك العفونة الرديئة المستلزمة لتكوّن الدّود في ظاهر جسده ولم يتسلّط على قلبه اللّحم الصّنوبري لأنه لم يزل متصلا بحرارة ظهور الحق سبحانه فافهم إنشاء الله .
__________________
1 دعاء كميل


وأما آدم عليه السلام فقد ورد عن أبي جعـفر عليه السلام في قول الله عز وجل {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}1‏ قال (( عهدنا إليه في محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من بعده فترك ولم يكن له عزما فيهم أنهم هكذا ، وإنما سمّي أولوا العزم لأنهم عهد إليهم في محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأوصياء من بعده عليهم السلام والمهدي عليه السلام وسيرته فأجـمع عزمهم أن ذلك كذلك والإقرار به ))2 ، وعن أبي عبد الله عليه السلام في قـوله تعـالى {وَلَقَدْ عَهِدْنَـا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ} (( كلمات في محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام والأئمة عليهم السلام من ذرّيتهم فنسي كذا أنزلت على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ))3 .
في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام في حديث الطينة إلى أن قال عليه السلام (( ثم أخذ الميثاق على النبيّين فقال ألست بربّكم وأن هذا محمد رسولي وأن هذا علي أمير المؤمنين عليه السلام قالوا بلى فثبتت لهم النبوّة وأخذ الميثاق على أولي العزم إنني ربّكم ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولي وعلي أمير المؤمنين عليه السلام وأوصياؤه من بعد ولاة أمري وخزان علمي عليهم السلام وأن المهدي أنتصر به لديني وأظهر به دولتي وأنتقم به من أعدائي وأعبد به طوعا وكرها قالوا أقررنا يا رب وشهدنا ولم يجحد آدم ولم يقر فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به وهو قوله عز وجل {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} ‏قال إنما هو ، فترك ثم أمر نارا فأحجبت فقال لأصحاب الشمال ادخلوها فهابوها وقال لأصحاب اليمين ادخلوها فدخلوها فكانت عليهم بردا وسلاما فقال أصحاب الشمال يا رب أقلنا فقال قد أقـلتكم اذهبوا فادخلوا فهابوها
_________________
1 طه 115 2 علل الشرائع 122
3 المناقب 3/320


فثم ثبتت الطاعة والولاية والمعصية))1  .
ولما كان الظهور الكلي التام الذي به القوام إنما يكون بالقائم عليه السلام صعب الإقرار به كصعـوبة الإقرار بعلي عليه السلام بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولذا قال عز وجل { {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} فالصبر هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصلاة هو أمير المؤمنين عليه السلام {وَإِنَّهَا} أي الصلاة التي هي ولاية أمير المؤمنين عليه السلام‏ {لَكَبِيرَةٌ} عظيمة لصعوبة أمرها وشدّة ثقلها { إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ}‏2 عند ظهور القائم عليه السلام فلذا أقرّوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقرّوا بعلي عليه السلام فصار المقرّين بعلي عليه السلام هم الخواص ، وترى كثيرا ممن أقر بأمير المؤمنين عليه السلام في الظاهر وجعله إماما في الاعتقاد بلا فصل لكنه أنكر القائم وكل من أقرّ بالقائم عليه السلام واستقام فمن أهل النجاة يـقيـنا فهم أخص الخواص وإليهم الإشارة بقوله عز وجل {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}3 وقـال عز وجل
_________________
1 الكافي 2/8 ح 1 2 البقرة 45 - 46
3 هود 40


{وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}1 ولذا كان توقّف الأنبياء عليهم السلام كلّهم في القائم عليه السلام وهذا التوقف هوبعينه التوقف في غيره عليه السلام كما سمعت من الأخبار المتقدّمة في توقّف آدم على المجموع وعلى القائم عليه السلام وذلك حين أظهر الله من أسرار الربوبيّة الظاهرة فيه عليه السلام ما لم يتحمّلها آدم عليه السلام لعدم الاعتدال التام فيه وغلبة اليبوسة الترابيّة المانعة عن الذوبان والانتشار في عوالم القدس ليرى مقاماته عليه السلام الظاهرة فيه به فتوقّف عن حمل تلك الأسرار والسير في خلال تلك الديار لا أنه هل هو ولي أم لا فإن هذا التوقّف يؤدي إلى الكفر العياذ بالله ، وآدم عليه السلام أجل شأنا من ذلك وإنه المخلص في ولائهم {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ}2 وهم الأئمة الأربعة عشر المعصومين عليهم السلام ، أو أن عدم التزام البيعة في آدم كان من جهة أكل الشجرة المنهية وأمثال ذلك من الأمور التي يطول بذكرها الكلام ، وهكذا كان تردد يونس عليه السلام { {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ
_______________
1 البقرة 37
2 سبأ 13


نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ }1 وتردد يعقوب لما {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ}2 وتردد يوسف عليه السلام {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ}3 وهكذا الكلام في غيرهم من الأنبياء الكرام عليهم السلام الشامل التام العام ، وهكذا التردد إنما هو حسنات الأبرار التي هي سيئات المقربين ، وبيعة أمير المؤمنين عليه السلام هي الدين الخالص في قوله عز وجل {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}4 فالتزام البيعة لكل أحد هو أن يقول لا إلـه إلا الله ولا نعبد إلا إيّاه مخلصين له الدين ولوكره المشركون .
وأما الطبقة الإنسانية فلما سمعوا ذلك النداء من نور النداء السّاطع من نور نداء الأنبياء عليهم السلام أجابوا ذلك وقبلوا بيعة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام والتزموا بيعته على مقتضى المشيئة الحتمية ، لكن ذلك الالتزام ما يثمر لهم النور ولا يبلغهم إلى عالم السرور إذ لم يتخلف عنها أحد إلا فنى وعدم واضمحل سواء قبلها على جهة الموافقة أو على جهة المخالفة لأن عليّا عليه السلام هو باب السّور الذي باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب وكل الوجود من الغيبة والشهود يجري على البيعة التي أخذها الله عز وجل له عليه السلام عنهم وتلك هي البيعة العامة الشاملة ، فالكافر إنما دخل النار بالتزامه بيعة علي عليه السلام والمؤمن إنما دخل الجنة بالتزامه إياها ، والمستقيم إنما استقام بالتزامها والمعوج إنما اعوج بالتزامها ، وهي البيعة المطلقة العامة للمقصود بالذات والمقصود بالغير .
وأما البيعة الحقيقية فهي وفق المشيئة العزمية وهي صرف ما خلق لما خلق أولا بالذات لا ثانيا وبالعرض ، وهي صورة الكينونة الإلهية واللطيفة الربانية وهيكل التوحيد وشبح التفريد والتمجيد ، وهذا الهيكل مركبة ملتئمة عن حدود وخطوط ، حدّ التقوى وحدّ الإيمان وحدّ العمل وحدّ الذكر وحدّ الفكر وحدّ التوجه والإقـبال إلى الله سبحانه وحدّ الرضا بقضاء الله وقدره وحدّ الصلاة وحدّ الزكاة وحدّ الصـيام وحدّ الحج وحدّ الجـهاد كلها في
_______________
1 الأنبياء 87 -88 2 يوسف 13 3 يوسف 42
4 الزمر 3

الظاهر والباطن وحدّ الصبر وحدّ الاطمئنان وحّد التوكل وحدّ الصمت عن الخلق وحدّ الانقطاع عن المخلوقين وحدّ الإخلاص وحدّ الورع وحدّ الزهد وحدّ الخوف وحدّ الرهبة وحدّ العلم وحدّ الخشوع والخضوع والمسكنة وحدّ اليقين وحدّ التواضع وحدّ الرجاء وحدّ السكون وحدّ طمأنينة القلب وحدّ المعرفة وحدّ المحبّة وحدّ الفقر المحض والفناء الخالص وأمثال ذلك من الشرائط الإنسانية ، فالأخذ بكل حدّ من هذه الحدود هوالتزام بيعة أمير المؤمنين عليه السلام والعاصي لا يلتزم البيعة حين عصيانه بل مخالف لها وحاد عنها قال {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ}1 , وكل من أقبل على أعداء أمير المؤمنين عليه السلام في أمر من الأمور وحال من الأحوال في المآكل والمشارب والملابس والصحبة الظّاهرية أو أخذ المسائل عنهم من دون تقية أو مراجعة كتبهم ومطالعة مصنّفاتهم وتفحّص الحق من أساطيرهم وزبرهم أو النظر في تفاسيرهم وأخبارهم وسيرهم وعن كل ما ينسب إليهم فهو ممن ما التزم بيعة أمير المؤمنين عليه السلام وما امتثل بقوله عليه السلام (( والتزموا بيعتي )) ولذا قال عليه السلام (( إن شيعتنا لا يسألون أعدائنا ولو يموتون جوعا )) والسؤال عام شامل لما ذكرنا كله وما لم نذكر فإنه عليه السلام وروحي فداه عالم مطلق وغنيّ مطلق وكامل مطلق جعله الله سبحانه أمينا على خلقه وحافظا لعباده وعينا في بلاده فعنده عليه السلام جميع ما يحتاج إليه الخلق في تكوينهم وتشريعهم وذواتهم وصفاتهم ولا فرق بين حياته وموته فإنه يتصرّف في مماته كما يتصرّف في حياته ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء بفضل الله وحوله وقوّته لأنه عليه السلام حامل إرادته ومحلّ مشيئته
_______________
1 المجادلة 22

 

والله سبحانـه يقول {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ}1‏ والمرتضى من محمد صلى الله عليه وآله وسلم هوعلي عليه السلام فأحوال الخلق كلهم كلها عنده عليه السلام كالدرهم بين يدي أحدكم فما طلبه أحد إلا وقد وجده وما استغاث به أحد إلا وقد أغاثه وما دعاه مريض إلا وجده طبيبا وعطشان إلا وقد وجده ساقيا وجوعان إلا وقد وجده معطيا ومظلوم إلا وقد وجده ناصرا ومكروب إلا وقد وجده كاشفا ومتوحّد إلا وقد وجده مؤنسا وغريب إلا وقد وجده صاحبا وسائل إلا وقد وجده معطيا ملبيا ومتعلّم إلا وقد وجده عالما معلّما ، وبالجملة هوغياث المضطرّ المستكين وملجأ الخائفين وعصمة المعتصمين ولا تضرّه غيبته عن أبصار الخلائق وإنما هو يراهم ولا يرونه ويدبّرهم ولا يشعرونه فأنى يعدل عنه وأنّى يسأل غيره ، وكيف تراجع كتب المخالفين المملوءة من إلقاء الشياطين وشبهات المنافـقين وكيد الفاسقين وضغن الكافرين ، والله لقد ارتكب العار والتزم الشنار من توهّم أن الحق يطلب من غيره والطيّبين من أولاده عليه السلام أو أنه يحصل من كتب الحكماء الفاسقين وخرافات الصوّفية الملحدين و مخترعات المشّائين وهذيانات المتكلّمين وقياسات أصحاب الظنّ والتّخمين واستحسانهم بمجرّد الرأي من دون بصيرة ويقين لعنة الله عليهم إلى يوم الدين ، ما للشّيعة ولهم وقد بدت بينهم وبينهم العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده فـكل من تبعهم فإنه
_________________
1 الجن 26 - 27


منهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}1 {مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}2 {وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ}‏3 ويأتي إنشاء الله لهذا الكلام زيادة شرح فيما بعد بعون الله وقوّته .
وأما البهائم من أنواع الحيوانات الغالب عليهم التراب كالفرس والبقر والغنم وأمثالها مما يدبّ في الأرض ، والغالب عليهم عنصر الهواء كالطيور والحيوانات المتكوّنة في الجو ، والغالب عليهم عنصر الماء كالحيتان والحيوانات المتكوّنة في الماء ، والغالب عليهم عنصر النار كسمندر آكل النار وأمثاله ، والغالب عليهم الطّبيعتان كالتراب والماء كالحيوانات التي تعيش في الماء والأرض معا ، وكالهواء والماء والتراب كالحيوانات التي تعيش في الماء من الطيور كالبط وأمثالها ، والحيوانات التي هي برازخ بين النبات والحيوان كالحشرات من الحيّة والوزغ وأقسام الدّود وغيرها منها ، وكذا غيرها من الحيوانات لما أتاهم النداء بالبيعة قبلوا إلا أن البيعة وقبولها على قسمين كما ذكرنا في الإنسان حرفا بحرف ، وهكذا حكم النباتات والجمادات ويعرف أمرها مما سبق في التوحيد وقد جمع مولانا الحسين عليه السلام كل ذلك في حديث زرارة بن أعين في ذكر عبد الله بن شدّاد اللّيثي حين مرض وعاده الحسين عليه السلام ، فلما دخل من باب الدّار طارت الحمّى عن الرجل فقال (( قد رضيت بما أوتيتم به حقا حقا والحمى لتهرب عنكم فقال له والله ما خلق الله شيئا إلا وقد أمره بالطاعة لنا يا كبّاسة قال فإذا نحن نسمع الصّوت ولا نرى الشخص يقول لبّيك قال أليس أمرك أمير المؤمنين عليه السلام ألا
_______________
1 الممتحنة 13

2 المجادلة 14

3 التوبة 56


تقربي إلا عدوّا أو مذنبا لكي تكوني كفّارة لذنوبـه فما بال هذا ))1 الحديث ، وقد نطقت الحمى بلسان عربي مبين حين ناداها الحسين عليه السلام وهي ليست في الظّاهر من الجواهر والكلام المسموع منها فعل الأجسام وقد أقسم عليه السلام وأخبر أنه ما خلق الله شيئا إلا وقد أمره بالطاعة لهم وأخذ البيـعة لهم عليهم السلام عنهم وقد صرّح بذلك مولانا الصادق عليه السلام في تـفسيـر بسم الله الرحمن الرحيم قال عليه السلام (( الباء بهاء الله والسين سناء الله والميم ملك الله والله الألف آلاء الله على خلقه من النعيم بولايتنا واللام إلزام خلقه ولايتنا والهاء هوان لمن خالف محمدا
________________
1 لم نجد هذه الرواية كما هي في هذا الشرح وإنما وجدنا ما يقرب منها وهو ما روي في البحار 44/183 ح 8 عن زرارة بن أعين قال (( سمعت أبا عبد الله عليه السلام يحدث عن آبائه عليهم السلام أن مريضا شديد الحمى عاده الحسين عليه السلام فلما دخل من باب الدار طارت الحمى عن الرجل فقال له : رضيت بما أوتيتم به حقا حقا والحمىتهرب عنكم , فقال له الحسين عليه السلام: والله ما خلق الله شيئا إلا وقد أمره بالطاعة لنا , قال فإذا نحن نسمع الصوت ولا نرى الشخص يقول لبيك , قال : أليس أمير المؤمنين عليه السلام أمرك أن لا تقربي إلا عدوا أو مذنبا لكي تكوني كفارة لذنوبه فما بال هذا , فكان المريض عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي ))


وآل محمد ))1  .
فلما ألزم كل الخلق ولايتهم فوجب على كلّهم التزام بيعتهم وإلا فهوان عليهم وبوار ودثور وقوله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}2 إشارة إلى هذا الذي ذكرنا فإنه قد تواردت الأخبار والآثار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام أن الأمانة هي ولاية أمير المؤمنين عليه السلام لقد عرض الله سبحانه عرض تحمّل فأبين عن ذلك وإبائهن وإقرارهن بالتابعيّة للولاية إذ لا واسطة بين التابع والمتبوع في هذا المقام ، وقد تقدّم حديث عرض الولاية على الخلق لنذكره أيضا إيضاحا للأمر في حديث الرضا عليه السلام على ما رواه السيد في الإقبال في وصف يوم الغدير إلى أن قال عليه السلام (( في يوم الغدير عرض الله الولاية على أهل السموات السبع فسبق إليها أهل السماء السابعة فزيّن بها بالعرش ثم سبق إليها أهل السماء الرابعة فزيّنها بالبيت المعمور ثم سبق إليها أهل السماء الدّنيا فزيّنها بالكواكب ثمّ عرضها على الأرضين فسبقت مكّة فزيّنها بالكعبة ثم سبقت إليها المدينة فزيّنها بالمصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم سبقت إليها الكوفة فزيّنها بأمير المؤمنين عليه السلام وعرضها على الجبال فأول جبل أقر بذلك ثلاث جبال أجبال العقيق وجبل الفيروزج وجبل الياقوت فصارت هذه الجبال جبالهن وأفضل الجواهر ، ثم سبقت إليها جبال أخر فصارت معادن الذهب والفضّة وما لم يقرّ بذلك ولم يقبل صارت لا تنبت شيئا ، وعرضت في ذلك اليوم على المياه فما قبل منها صار عذبا وما أنكر صار ملحا أجاجا ، وعرضها في ذلك اليوم على النبات فما قبله صار حلوا طيبا وما لم يقبل صار مرا ، ثم عرضها في ذلك اليوم على الطير فما قبلها صار فصيحا مصوّتا وما
__________________________
1 التوحيد 230 2 الأحزاب 72


أنكرها صار أخرس مثل اللكن))1 الحديث ، وهو ما ورد في هذا الشأن من سائر الأخبار الصريحة فما ذكرنا من أخذ البيعة على كل مخلوق ووجوب التزامها عليهم إذ للمخالف الهوان الأكبر العياذ بالله منه .
___________________
1 الإقبال 465

 

قوله عليه السلام وواظبوا على الدين بحسن اليقين

تأكيد وتثبيت للزوم البيعة وبيان أن تلك الملازمة هي دين الله الخالص إلا أنه عليه السلام أشار بهذه الفقرة المباركة الشريفة إلى بيان مراتب ملتزمي البيعة والمواظبين على الدين أي المعاهدين والملازمين والمداومين عليه ورفع العذر في عدم تفرّده بجهاد المنافقين والكافرين وتجنيد الجنود وجمع العساكر لذلك وقطع شبهة الجهّال حيث ركنوا إلى كل من ينتحل الولاية وقبلوا منه كلّما يقول ويختار .
وبيان ذلك بالإجمال اعلم أن الله سبحانه لما أقام الخلق في الخلق الأول في عالم {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}1‏ فسألهم عن الولاية الجامعة للربوبيّة والنبوّة والإمامة فصار الخلق كلّهم في الإجابة على خمسة أقسام وتجمعها ثـلاث أقسام ، الأول الذين أجابوا وقبلوا عن معرفة وبصيرة ويقين خالص وهم الذين قال الله سبحانه {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}2 وهؤلاء خلقهم الله سبحانه في الخلق الثاني من طينة علّيين على هيكل التوحيد الصورة الإنسانية ، الثاني الذين أنكروا وعاندوا وكفروا عن بصيـرة ومعرفة قـال الله سبحانـه فـيهم‏ {وَجَحَدُوا بِهَا} أي الولاية { وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا
_______________
1 البقرة 213 2 الزخرف 86


وَعُلُوًّا}1‏ وقال عز وجل {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ}‏2 وهؤلاء خلقهم الله سبحانه من طينة سجّين أسفل السافلين وألبسهم صور البهائم والحيوانات كالكلب والخنزير والقرد والسبع والفيل وأمثالها، لكن لما كان المنكرون في غاية النفاق ومنتهى مقامات الشقاق أظهروا النفاق وأقروّا ظاهرا ليلتبسوا على المقرّين ويخرجونهم عن الدّين ، والتلبيس لا يمكن إلا بتحقيق المناسبة أما سمعت أن إبليس كيف توصّل إلى آدم عليه السلام وصعد إلى السماء بواسطة الطّاووس والحيّة فلو لم يكونا لم يتوصّل إبليس إلى آدم عليه السلام أبدا ، فهؤلاء الأخباث لإظهار النفاق وإغواء الخلائق عن طريق الرشاد أقروا بظاهر اللسان فعاملهم الله سبحانه بظاهر دعواهم فألبسهم الصورة الإنسانية كما قال مولانا سيد الساجدين في دعاء السحر (( فإن قوما آمنوا بألسنتهم ليحقنوا به دماءهم فأدركوا أمّلوا ))3 الدعاء ، فهم كلاب وخنازير وقردة وسباع وغيرها من صور البهائم ناكسوا رؤوسهم عند ربّهم وفي الظّاهر إنسان في الصورة ، الثالثة الذين توقّفوا وتحيّروا ما عرفوا الأمر وما ظهر لهم الحق لغلبة الرطوبة عليهم أو لتمكّن شبه المخالفين فيهم بحيث أوصلتهم إلى مقام التوقّف وعدم ترجيح الأمر ، أو لتعلّق قلوبهم بأمراض لم يشعر بما سواه ولعدم دخول البيت من بابه لجهله أو بأمور أخر فهؤلاء توقّفوا في الباطن وتحيّروا وأجابوا في الظّاهر فخلق ظاهرهم من الصورة الإنسانيّة أي صورة الإجابة وبقيت بواطنهم لم تخلق ، فمنهم من تخلق بواطنهم في الدّنيا ومنهم في البرزخ ومنهم في الآخرة على حسب رقّة الموانع وغلظتها ، وهؤلاء الأقسام كلّهم في الصّورة الظّاهرية سواء قد قبلوا الولاية حسب دعواهم .
ولا ينجو من هذه الثلاثة إلا الأولون الذين واظبوا على الدين الذي هو ولاية أمير المؤمنين عليه السلام على اليقين وشهدوا بالحق وهم يعلمون ولا بد أن تظهر هذه الفرقة من بينهم فلهم علامات ، وعلة هذا الظهور أمور وأسبابه أشياء نذكرها إنشاء الله عند قوله عليه السلام فيما بعد (( وبالأمس تكفهر عليه جنود أهل الشام فلا يخرج إليها )) .
ثم والمواظبة على الدين هي المعاهدة بتلك الحدود السابقة المتقدمة من حدود الصورة الإنسانية وقد أشار إلى المقامات مولانا أبو جعفر عليه السلام قال (( إن القلوب أربعة قلب فيه نفاق وإيمان وقلب منكوس وقلب ومطبوع وقلب أزهر أنور ، فقلت : ما الأزهر ؟ ، قال : فيه كهيئة السراج ، وأما المطبوع فقلب المنافق ، أاما الأزهر فقلب المؤمن إن أعطاه الله عز وجل شكر وإن ابتلاه صبر ، وأما المنكوس فقلب المشرك ثم قرأ هذه الآية {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}1 ، أما القلب الذي فيه إيـمان ونفاق فهم قوم كانوا بالطائف وإن أدرك أحدهم أجله على نـفاقه هلك وإن أدركه على إيـمانه نجى ))2 ، وعنه عليه السلام قال (( القلوب ثلاثة قلب منكوس لا يعي شيئا من الخير وهو قلب الكافر ، وقلب فيه نكتة سوداء فالخير والشر فيه يعتلجان فما كان منه أقوى غلب عليه ، وقلب مفتوح فيه مصباح يزهر ولا يـطفأ نوره إلى يوم القيامة وهو قلب المؤمن ))3 ، فشيعة أمير المؤمنين عليه السلام هوالثالث لأن ذلك الانفتاح وظهور تلك المصابيح لا يتحقق إلا بالإخلاص ، والإخلاص مسبب عن اليقين ، واليقين مسبب عن دوام النظر والفكر في الآفاق والأنفس ، ودوام النظر مسبب عن الصمت ، والصمت هو الإعراض بالقلب عن كل ما سوى الله تعالى ، فلما أوجب عليه السلام المواظبة على الدين بحسن اليقين أوجب هذه الأمور كلها إذ ما لا يتم الواجب إلا به وهو مقدور واجب فمن لم تجد فيه هذه الأمور فاعلم أنه في انتحاله ولاية أمير المؤمنين عليه السلام مدّع بغير حقيقة ولذا قال مولانا أبوعبد الله عليه السلام لأصحابه ذات يوم (( تجد الرجل لا يخطي بلام ولا واوالا وتجده خطيبا مصقعا ولقلبه أشد ظلمة من الليل المظلم ، وتجد الرجل لا يستطيع يعبر ما في قلبه بلسانه وقلبه يزهر كما
______________
1 الملك 22 3,2 معاني الأخبار 395
 


يزهر المصباح ))1  .
ولا تتحقق الموالاة الكاملة والعبودية المحضة إلا بحسن اليقين واليقين له درجات و مقامات وهوأقل ما قسم الله بين العباد ، وقد سئل مولانا الرضا عليه السلام عن الإيمان والإسلام فقال قال أبوجعفر عليه السلام (( إنما هو الإسلام والإيمان فوقه بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة واليقين فوق التقوى بدرجة ولم يقسم بين ولد آدم شيء أقل من اليقين ، قال : قلت فأي شيء من اليقين ، قال : التوكل على الله والتسليم لله والرضا بقضاء الله والتفويض إلى الله، قلت : ما تفسير ذلك ؟ قال هكذا قال أبوجعفر عليه السلام ))2 .
وعنه عليه السلام قال (( الإيمان فوق الإسلام بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة ولم يقسم بين العباد شيء أقل من اليقين ))3 .
وعن أبي بصير قال قال لي أبوعبد الله عليه السلام (( يا أبا محمد الإسلام درجة ، قلت : نعم ، قال : والإيمان على الإسلام درجة ، قلت : نعم ، قال : والتقوى على الإيمان درجة ، قال : قلت نعم ، قال : واليقين على التقوى درجة ، قلت : نعم ، قال : فما أوتي الناس أقل من اليقين ، وإنما تمسّكتم بأدنى الإسلام فإيّاكم أن ينفلت من أيديكم ))4 .
وأما حقيقة هذا اليقين الذي أمر عليه السلام بالمواظبة على الدين به فهي كما روي عن أبي جعفر عليه السلام قال عليه السلام (( بينا رسول الله ذات يوم في بعض أسفاره إذ لقيه ركب فقالوا : السلام عليك يا رسول الله ، فالتفت إليهم فقال : ما أنتم ، قالوا : مؤمنون ، قال : فما حقيقة إيمانكم ، قالوا : الرضا بقضاء الله والتسليم لأمر الله والتفويض إلى الله ، فقال رسول الله عليه السلام : علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء ، فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون ولا تجمعـوا ما لا تأكلون واتقوا الله
____________________
1 مجموعة ورام 2/210

2 مشكاة الأنوار 11 - 12
3 العدد القوية 299

4 البحار 70/137 ح 3
 


الذي إليه ترجعون ))1  .
وعن مولانا الصادق عليه السلام (( أن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم صلى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرا لونه وقد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه ولصق جلده بعظمه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كيف أصبحت يا حارث ، فقال : أصبحت يا رسول الله موقنا ، فقال : فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله ، وقال له : إنّ لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك ، فقال : إن يقيني يا رسول الله هو أحزنني وأسهر ليلي واظمأ هو اجري فعزفت نفسي عن الدنيا و ما فيها حتى كأني أنظر إلى عرش ربي نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون فيها ويتعارفون على الأرائك متكئون ، وكأني أنظر إلى أهل النار فيها معذبون ويصطرخون ، وكأني أسمع الآن زفير النار يدور في مسامعي ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان ، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم : إلزم ما أنت عليه , قال : فقال له الشاب : ادع الله لي يا رسول الله أن أرزق الشهادة معك ، قال : فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هـو
_________________
1 الخصال 146



العاشر ))1  .
ويقابل اليقين الظّنّ والراجح والشك والوهم والمرجوح والريب والوسوسة والنجوى والسفسطة ، أما الراجح والظن فإن كانا ممن له الاستيضاح فهما علم ويقين لا أنهما ظاهر وظن قائمان مقام العلم ، والفرق بينهما مع اشتراكهما في الرجحان أن الراجح هو ما تظهر إمارات تحققه في نفسه بنفسه وانتفاء الطرف المقابل له ، والظن تظهر إمارات تحققه وانتفاء الطرف المقابل له في نفس الظّان أو من خارج غير جهة المظنون ، وأما الشك فهوتردد النظر في الطرفين وانتقاله من واحد إلى الآخر قبل استقراره وإن قوى ميله إلى أحدهما دون الآخر ما لم يكن ذلك الميل سببا لزهده لذلك لأن مجرد الميل لا يخرجه عن التساوي في الجملة ، وأما الوهم فهوالطرف المرجوح من الظن ، والمرجوح وهو الطرف المرجوح من الرّاجح ، وأما الريب فهواحتمال الطرف المقابل للطرف المتحقق باستقرار النظر القلبي واطمئنانه عليه ولا تتحقق في متعلقه إذا كان الطرف المتحقق من علم أو لاحقا بالعلم كظن المستوضح بأدلة الحق وترجيحه ، ولوكان الطرف المتحقق عن اعتقاد بغير علم أو عن علم وأنس نظره بذلك الريب فهو أول مبادئ الشك ولا يـزيد في كل أحواله عن الشك وفي الحديث النبوي صلى الله عليه وآله وسلم (( لا
____________________
1 مشكاة الأنوار 14


ترتابوا فتشكوا ولا تشكوا فتكفروا ))1 ، وأما الوسوسة فهو أن يلتفت النظر إلى الطرف المقابل للحق أو إلى ما نهي عن الالتفات إليه غير مريد للالتفات ولا محبا له وإنما ذلك لأنه عوّد نفسه بالالتفات إلى مثل ذلك من خدع الشيطان بواسطة الغفلة عن ذكر الله فتبعث النفس نظرها إلى ذلك بما تعوّدته مما علّمه الشيطان ، وعلامة هذا أنه إذا وقع ذلك منه تضجّر وتأوّه وتألّم لأنه لم يحب وقوعه منه ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم لمن وقع ذلك التأوّه لأجل ما وقع منه ذلك من محض الإيمان ، وكما أتاه ذلك الرجل فقال (( يا رسول الله هلكت فقال له : هل أتاك الخبيث ، فقال : لك من خلقك ، فقلت : الله فقال لك الله من خلقه ، فقال أي والذي بعثك بالحق لكن كذا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ذاك والله محض الإيمان ، قال ابن أبي عمير فحدّثت بذلك عبد الرحمن بن حجاج فقال حدّثني أبـو عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما عنى بقوله هذا والله محض الإيمان خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض له ذلك في قـلبه ))2 .
وأما النجوى فهو أن يذكره الشيطان شيا ينافي الحق والمحبة في اليقظة أو في النوم وربّما استجرّه إلى ما يناسبه فيذكره القائل به وربما قاده إلى أنه لو كان القائل كيف كان يكون فيدخل هما من ذلك عليه وربما يكون ذلك الهمّ شاغلا عن حظّه من ذكر الله وربما يكون منشأ للوسوسة ، فمثال ما ينافي الحق كأن يذكّره ولاية الغير ويستجرّه إلى أن تلك ولاية تدعو إلى النار لمناسبتها لدخول النار ثمّ يذكره فلانا الذي تولى ذلك الإمام الضال المضل يقوده إلى أن يفرض نفسه لوكان هو المستولي فيدخل عليه من ذلك همّا شديدا يشغـله عن ذكر الله ، ومما ينافي المحبة مثلا أنه إذا كان يقرأ في قوله
______________
1 أمالي المفيد 206 2 البحار 58/324 ح 13
 


تعالى {وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}1 يسبب له سببا حتى يمس صدره عند قراءة هذه الآية فيذكّره أن ذلك المسّ قد يكون سببا لأن يدخل قلبه في إطلاق هذه الآية فـيدخل عليه من ذلك حزنا يشغله عن ذكر الله ، وفي النوم كما يصوّر له ما ينافي الحق أو محبّته بحيث يحزنه كذلك قال الله تعالى {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}2‏ يعني بأن يذكر الله كما تقدّم سابقا ويعتقد أن ذلك لا يضرّه إلا أن يشاء الله فيستريح من ذلك الهمّ والحزن فيذهب عنه طائف الشيطان ، والفرق بين النجوى والوسوسة أن النجوى يقدر المكلّف على الخروج عنها ما لم تعتد نفسه بها فتكون من الوسوسة لأن الوسوسة بسبب اعتياد النفس بها لا يكاد يتمكن من تركها لظهور الشيطان في النفس التي تعوّدت بذلك حتى ملك قيادها فهو يأمرها وينهاها فهي قطيعة كارهة له ولطاعته .
وأما السفسطة فهو اعتقاد أن كل ما يمكن موجودا ويجوز أن يوجد في عالم الأجسام على جهة التمايز ولا تزاحم بين شيء منها بحيث يكون ألف جبل مثلا كل واحد منها طوله خمسة فراسخ وعرضه فرسخ فدخلت كلّها بيت حيوان أصغر من النملة فلما كانت تلك الجبال الجسمانية في هذا المحل الصغير الجسماني بقي منه مكان يسع أجرام السموات والأرض ويدخل ذلك الحيوان في بيته ولا يحس بشيء من تلك وهي أجسام محسوسة في مكان محسوس ، ولا شك أن هذه لا تتحقق بشيء منها فهذا الكلام ومثله في هذه الأشياء المذكورة على الظاهر .
وأما على جهة الباطن فكل شيء من هذه الأمور فلها تحققات لكل بنسبته فكما أن المعلوم متحقق كذلك المعتقَد بفتح القاف والراجح والمظنون والمشكوك والموهوم والمرجوح والمرتاب فيه أوبه والموسوس فيه والمناجى فيه أوبه والمسفسط فيه فإن لكل تحققا في محله ، وكذلك فعل فاعله وكذلك حكم فاعلها معها وحكم فعله لها وحكم ما يترتب فيها من التكوينيات بحسب ملائكتها أوشياطينها وحكم ثوابها أوعقابها أوعدم المؤاخذة بها والتأثر
______________
1 الحج 46

2 المجادلة 10
 

 

بها وعدمه كمّا وكيفا في الوجود وشرعه وفي الشرع ووجوده إلى غير ذلك من أحكام الذوات والصفات فافهم .
وأما مراتب اليقين فإنها تختلف وتنقسم إلى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين ، فالأول للعامّي الكامل في مقامه ، والثاني للخواص ، والثالث لأخص الخواص ، وقد كتبنا بعض أحوال هذه المراتب في بعض ما كتبنا من الفوائد في العلم وذكرها هنا يؤدي إلى التطويل ، وبالجملة فاليقين في كل مرتبه هو المطلوب للمتوالي ثم لما كان لهذا المتوالي الشيعي علائم وإمارات تدل على يقينه وعدمه كما قال عليه السلام (( يقين المؤمن يرى في عمله )) أشار عليه السلام إلى ظهور مراتب اليقين في كل أحواله وأطواره بقوله عليه السلام (( وتمسّكوا بوصي نبيّكم الذي به نجاتكم )) .
أما أنه وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليه السلام فمما لا إشكال فيه ولا خلاف لأحد من المسلمين فيه وعلى مدعي الغير الفاصل بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم البيان ، ولا يحتاج في هذا المقام إثبات وصايته عليه السلام ونفي الغير فإن علماءنا شكر الله مساعيهم الجميلة قد تصدّوا لذلك فالكتب المبسوطة والمطولة والمختصرة مع أنه لا يحتاج إلى البيان والعميان لا يرون الحق بألف ميزان ، ولما نصّ الحق سبحانه على علي عليه السلام بأنه نفس رسول الله في قوله تعالى {وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ}1‏ دلّ على أنه عليه السلام حكمه حكمه في كل عالم من العوالم ، فكل من أقر لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوّة أقر لعلي عليه السلام بالوصاية إذ ليس أقرب بين الشيء ونفسه ولوكان لقال ذلك سبحانه وتعالى في حقه عليه السلام ، فهو عليه السلام كان وصيا في البدء الأول يوم الذي استخلص الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه في القدم على سائر الأمم فكان علي عليه السلام أول من آمن به ذلك اليوم وأعطاه لواء الحمد وكذلك يوم العود حين عرج إلى الله عز وجل لتمام القوسين الكوني والشرعي والاسمي فهناك ختمت له الوصاية كما في الكافي عن علي بن أبي حمزة قال (( سأل أبو بصير أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر فقال : جعلت فداك كم عرج برسول الله صلى
_______________
1 آل عمران61


الله عليه وآله وسلم ، فقال : مرّتين فأوقفه جبرائيل موقفا فقال له مكانك يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلقد وقفت موقفا ما وقفه ملك قطّ ولا نبي إن ربّك يصلي ، فقال : يا جبرائيل وكيف يصلي ، قال : يقول سبّوح قدّوس أنا رب الملائكة والروح سبقت رحمتي غضبي ، فقال : اللهم عفوك عفوك ، قال : وكان كما قال الله قاب قوسين أو أدنى ، فقال له أبو بصير : جعلت فداك ما قاب قوسين أو أدنى ، فقال عليه السلام : ما بين سيتها إلى رأسها ، فقال كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق ولا أعلمه إلا وقد قال زبرجد فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة ، فقال الله تبارك وتعالى : يا محمد ، قال : لبيك ربي ، قال : من لأمتك من بعدك ، قال : الله أعلم ، قال : علي بن أبي طالب عليه السلام أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجّلين ، قال : ثم قال أبو عبد الله لأبي بصير : يا أبا محمد والله ما جاءت ولاية علي عليه السلام من الأرض ولكن جاءت من السماء مشافهة ))1  وهذا العود الذي ذكرنا هو عين البدء لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد وقف على كل شيء في عروجه يوم خلقه حين خلقه ولذا نودي يا محمد أدن من الصاد وتوضّأ لصلاة الظهر ، والظهر هو مبدأ الوجود وأول الشهود والصلاة لقاء المعبود ومناجاته بالركوع والسجود ، والمصلي يناجي ربه والنجوى هي الكلام السري والظهور الأمري وهو قوله عليه السلام (( جاءت من السماء مشافهة )) فإن السماء هي جهة المبدأ والأرض جهة السفلى فكلما ينسب إلى الله فهو حق وصواب لقد نزل من السماء وكلما صدر عن النفس وانتسب إلى الشخص فهو كذب وباطل لأن الأول شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء والثاني شجرة مجتثّة فهي خبيثة ما لها من قرار قال تعالى {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا}2 انظر إلى مخالفينا حيث أجمعوا على أن الرسول لم ينصّب خليفة من بعده ولم يجعل له وصيا كالذين جعلوهم خلفاء لم يتّصل سببهم إلى السماء إذ لم يصل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بزعمهم ، فإذا انقطعوا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انقطعوا عن الله إذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم باب وسفير بين الله وبين خلقه فمن شذّ عن الباب شذّ إلى غير الله ومن شذّ
________________
1 الكافي 1/424 ح 13 2 التوبة 40

إلى غير الله فقد شذّ إلى النار ، وأما استنادهم إلى حديث لا تجتمع أمتي على الخطأ فإن أريد منه مطلق الاجتماع أو الأغلب أوبما يحصل القطع بدخول المعصوم أو اجتماع الكل ، فإن كان الأول فيكذّبه الحديث الآخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم المتّفق عليه بين الفريقين (( ستفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة فرقة منهم في الجنة والباقي كلهم في النار ))1 وهذا الحديث كذّب مطلق الاجتماع وكذّب القول بالأغلب أيضا إذ الفرقة الواحدة بالنسبة إلى اثنين وسبعين فرقة قليلة جدا ، ويكذّبه أيضا قوله عز وجل في ذمّ الأكثر الأغلب في مواضع عديدة من كلامه عز وجل كقوله تعالى {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}2 {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}3 {بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ}4 {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}5 {وَمَا يُـؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ}6 وأمثـالها
______________
1 لم نقف على هذه الرواية بعينها ولكن وقفنا على ما يقرب منها وهو كثير منها ما روي في الصراط المستقيم 2/96 قوله (( ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار )) .
2 الفرقان 44

3 العنكبوت 63

4 الفتح 5

5 فصلت 4
6 يوسف 106


من الآيات ، ومدح الله القلة في كتابه وقال ‏{وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}1 { وقليل ما هم } {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ }2 وأمثالها من الآيات الكثيرة ، كيف يذمّهم الله سبحانه والرسول شهد بزعمهم على صوابهم وعدم خطئهم إذاً أين قوله عز وجل‏ {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}3 ويكذّبه أيضا ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم وفاق بيننا وبينهم وتصديقا لقوله تعالى {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ}4 وقوله تعالى {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}‏5 قال صلى الله عليه وآله وسلم (( كلّما كان في الأمم الماضية والقرون السالفة يكون في هذه الأمة حذوالنعّل بالنعل والقذّة بالقذّة حتى أنهم لوسلكوا جحر ضبّ لسلكتموه )) وكان موسى عليه السلام في بني إسرائيل لما أراد أن يذهب إلى ميقات ربه جمعهم في محل واحد فكانوا سبعين ألف وأخذ عليهم العهد والميثاق عليه السلام بولاية هارون عليه السلام واتباعه فلما مضى إلى ميقات ربّه نكث كلهم بيعة هارون عليه السلام وخالفوا أمر موسى وعبدوا العجل وما بقي مع هارون إلا أربعة ، فوجب أن يكون في هذه الأمة مثالها ودليلها وقد كشف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا السرّ حيث قال (( يا علي أنت مني بمنـزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي )) وصرّح الحق سبحانه بالأمر لأهله حيث قـال‏ {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَـدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ
_____________
1 ص 24

2 هود 40

3 النجم 3 – 4
4 الانشقاق 19

5 الأحزاب 62


أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا}1 ونصّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على علي عليه السلام بالوصاية في مخاطبته لعائشة يا حميراء إشارة إلى أنها أخت صفوراء التي تدعى صفيراء زوجة موسى بنت شعيب حيث خرجت من بيتها وخالفت ربها وخانت نبيّها وأنكرت إمامها وسيدها وخرجت على يوشع بن نون وصي موسى وابن عمّه ، وأشار إلى أن حميراء أشد منها عملا وأقبح فعلا وأشنع آثارا فإن الحمرة أشد من الصفرة حرارة وشدّة وغلظة وغضبا ، وأشار إلى تأويل ما روت العامة أن نعل موسى كان من جلد حمار ميت فإن النعل هي الزوجة ولذا من يرى في المنام أن نعله فقدت تموت زوجته فقال لها يا حميراء إشارة إلى قوله تعالى {إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}‏2 هذا كله في تفسير ظاهر الظاهر ، ولما كانت الحمرة إنما تنعقد من خلط المرّة الصفراء التي هي طبع النار مع البلغم ، والمرأة طبعها بارد رطب والرجل حار يابس فأشار إليها بالخلط واللطخ إشارة إلى خروجها الذي هو فعل الرجال وركوبها على الجمل مرّة وعلى البغل أخرى ونعم ما قال الشاعر الشيخ مفلح الصّيمري :

أبوها يولّي الدبر في كل موقف وابنتـــه عند اللــقاء تتقدّم

وفيه إشارات أخر أرادها صلى الله عليه وآله وسلم يطول الكلام بذكرها وربما ينكرها بعـض السفهاء ، وبالجملة لا يصحّ من هذا الحديث (( لا تجتمع أمتي على الخطأ )) إرادة مطلق الاجتماع ، وأما الاجتماع الموجب للقطع بدخول المعصوم فهو لم يتحقق أبدا فإن العصمة ما ادعيت لأحد من الخلق إلا لعلي عليه السلام والطيبين من أولاده عليه السلام وهم قد اعترفوا أن ذلك اليوم لم يكن حاضرا ولم يبايع إلا بعد ثلاثة أيام مكرها ، وأما اجتماع كل الأمة فما حصل يقينا لا ذلك اليوم ولا بعد ذلك ، فثبت أنهم مجتثّون لا اتصال لهم مع الله أبدا بدليل إجماعهم في عدم اشتراط العصمة في الإمام وجعلهم أولياء الله أولياء الشيطان فإن العاصي حين المعصية ولي الشيطان لا ولي الرحمن لأنه مدبر معرض ولو لم يكن في اجتثاثهم إلا هذا
_____________
1 آل عمران 144 2 الفرقان 19
 


لكفى ، وكذا تجويزهم الصلاة خلف كل بر وفاجر ، فجاءت ولاية كل إمام غير علي عليه السلام عن الأرض من مبدئها من تحت الثرى إلى الثرى إلى الطمطام إلى سجين إلى جهنّم إلى نار السموم إلى ريح العقيم إلى الماء المالح الأجاج إلى الأرض السبخة إلى البحر إلى الحوت إلى الصخرة إلى بهموت إلى الثور إلى أرض الشقاوة إلى أرض الإلحاد إلى أرض الطبع إلى أرض الشهوة إلى أرض الطغيان إلى أرض العادات إلى أرض الممات إلى الشياطين إلى شياطين الجن إلى شياطين الإنس الذين هم أولياء شياطين الجن {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}1 فتلك الولاية والوصاية هي الشجرة الخبيثة المجـتـثّة الملعونة في القرآن وهي المثل السّوء ، وأما ولاية مولانا علي عليه السلام ووصايته إنما جاءت من السماء من الرب الأعلى إلى الحجب والسّرادقات إلى بحر الصاد والنون إلى القلم إلى اللوح إلى ميكائيل إلى إسرافيل إلى جبرائيل إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}‏2 .
والدليل على أن ولايتهم من الله إجماع تابعيه على أنه معصوم مطهّر وأنه منصوب من قبل الله سبحانه وأن الله منـزّه عن أن يجعل الأرض خالية عن الحجّة المعصوم عليه السلام وأن عند وليه ووصي نبيه علم البلايا والمنايا وفصل الخطاب وكلما يحتاج إليه الخلق من أول الوجود إلى آخره ، فتكون ولايته عليه السلام ووصايته هي الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها وهي الكلمة العليا والمثل الأعلى ، وقد مرّ بعض ما يدل على ذلك من الآيات والروايات .
__________________
1 121 2 الأنعام 81


وأما التمسك به عليه السلام فاعلم أنه عليه السلام حكيم لقد وصفه الله سبحانه بذلك في كلامه العزيز بقوله تعالى {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}1 والحكمة هي الاستقامة كما وصفه الله سبحانه بها في قوله تعالى {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ}‏2 بقراءة الحسن ويعقوب من غير إضافة ، وإن كان المقامان واحدا إلا أن في هذه القراءة تصريح بالأمر ، والحكمة هي التي قال عز وجل فيها {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}‏3 وقد شرحها سبحانه في سورة بني إسرائيل من قوله عز وجل {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ}‏4 إلى قوله تعالى {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ}‏ لأنه يقول {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ}5 فالتمسك به عليه الصلاة والسلام الذي هو التمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم ، والمعتصم بحبل الله جميعا هو الراسخ في الحكمة بقسميها من العلمية والعملية ، وإني أحب أن أبين تلك الآيات القرآنية الواردة لبيان الحكمة الحقيقية على جهة الباطن ليظهر للمؤمن كمال التمسك به عليه السلام ويتبيّن كذب المنافق من صدق الشيعي الصادق والذي نذكر إجمالا إن شاء الله كلها مأخوذة من أحاديثهم إذ التفسير الباطني من غير بيان عنهم عليهم السلام كذب وزور وباطل وغرور ولا تكذب بما لم
__________________
1 الزخرف 4

2 الحجر 41

3 البقرة 269
4 الإسراء 22

5 الإسراء 39


تحط به علما { إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ}1‏   .
قال الله سبحانه في بيان كيفية التمسك بولاء وصي النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم {*وَقَضَى رَبُّكَ} أي بوصي النبي كما قال عز وجل في علي عليه السلام على ما بيّنا مجملا {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ}2 وهذا القضاء في هذه الآية في هذه السورة من ذلك القضاء ولما أني لست بصدد بيان باطن الباطن أعرضت عن بيان ما يقـتـضي قوله تعالى {*وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} شرع سبحانه في بيان الحكمة العلمية لأنها مقدّمة مع أن العلمية والعملية ليست إلا محض الاصطلاح وفي الحقيقة الحكمة العلمية عملية والعملية علمية ، وشرع في بيان التوحيد لأنه الأصل لكل الأعمال إذ أول مقام الشيعي الموالي هو الإقرار بالتوحيد في المراتب كلها من توحيد الذات والصفات والأفعال والعبادة ، ترى المجموع في أربعة مقامات أي التوحيد الحقيقي وهو أخص الخواص ، والتوحيد الشهودي وهو للخواص ، والتوحيد الذاتي وهو للعوام أهل التحقيق ، والتوحيد العبادتي وهو للعوام أهل التقليد ، والمجموع في ثمانية مراتب في مرتبة أهل البيت عليهم السلام والأنبياء والإنسان من الرعية والملائكة والجن والحيوان والنبات والجماد فتبلغ المراتب وقد شرحناها على التفصيل في تفسيرنا على آية الكرسي فلا نعيدها هنا خوفا للتطويل ، {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}‏ وهما والدا العقول وذلك الإحسان بعدم إطاعة والدي الشرور أي والدي النفس الأمارة ووالدا الجسد إن تبعا والدا الشرور أي النفس الأمارة يلحقان بهما وإن تبعا والدا العقول بإحسان يلحقان بهما فإن الوالدين ثلاثة كما أشار إليهم سبحانه
__________________
1 هود 35 2 النساء 65


في قوله {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ}1‏ وهما والدا العقول {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} وهما والـدا النـفس الأمارة { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}2 وهما ولدا الجسد وهما الأبوان المعروفان ، وأما والدا العقول فهما محمد وعلي عليهم السلام قال صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا وعلي أبوا هذه الأمة ))3 .
وأما والدا النفس الأمارة وهما حبتر والأدلم أي أبو الدواهي وأبو الشرور فإن الجهل الكلي الذي من أعظم مظاهره إبليس هو جهلهما فنشرت ظلمتهما كل الوجود وإلى شدّة ظلمتهما وقساوتهما وظلمة تابعيهما بالحقيقة أشار سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} وهو حبتر أبو الدواهي {يَغْشَاهُ مَوْجٌ} وهو أبوالشرور {مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ}‏ وهو النعـثـل {مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ} وهو المنافـق الملعون ألد الخصام أي الرابع
_________________
1 لقمان 14

2 لقمان 15

3 البحار 16/95 ح 29


{ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ}1 وهي فتن بني أمية أو بنوا العباس فوق بني أمية ، فالإحسان بالوالدين إنما يكون بترك متابعة الوالدين الآخرين الذين يجاهدان أن يشرك بالله وترك المتابعة لا يكون إلا بترك المعاصي ، {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا}2 المراد بالكبر هو ضعف الظهور لغلبة رطوبات الجهل وزيادة بلغم الحمق والكفر بحيث ضعف نور العقل عن الظهور وبقي في حجاب الخفاء تحت الستور، أحدهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة مختفيا مدّة متمادية في شعب أبي طالب إذ كان صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن متمكنا لإظهار الأمر فالضعف بالنسبة إلى ظهور الأمر ، أوكلاهما وذلك بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم وثوران الفتنة ورجوع القوم قهقرى وانقلابهم على أعقابهم وارتدادهم كفارا فبلغهم الكبر أي الضعف فلم يقدرا للمصلحة والحكمة على الإظهار فحينئذ أنت يا أيها الذي ظهر لك الحق وعرفت أمرهما وفهمت قدرهما وأنهما المتبوعان { فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}‏ ولا تظهر التضجّر والتكاسل عن طاعتهما والاعتقاد الثابت الجازم بأنهما المدار في عالم الأكوار والأدوار ما اختلف الليل والنهار ، ولا تقل عند ظهور الغيبة ووقوع التقية أنهما لن يدبّراني وعليّ أن أبذل مجهودي وأنظر كلمات أعدائهما وأطلب الحق فيها فإن ذلك علامة التضجّر عن طاعتهما وانقياد سلطنـتهما والإقرار بذلّ عبوديّتهما كما قال سيد الساجدين عليـه
______________
1 النور 40 2 الإسراء 23


السلام في الصحيفة (( اجعلني أهابهما هيبة السلطان العسوف ))1  فلا يمنعك عدم ظهور أمرهما فإن لهما مع كل وليّ أذن سامعة {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} بكثرة المعاصي والسيّئات وبارتكاب القبائح والخطيئات فإن أعمالك كل يوم وساعة ودقيقة وثانية وثالثة تعرض عليهما فإن وجدا فيها قبائح حزنا صلوات الله عليهما وانتهرا وتأذّيا وإن وجدا فيها طاعات وحسنات أسرّا صلوات الله عليهما ، {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا}2 أي عاملهم معاملة العبد الذليل مع المولى الجليل الكريم المليّ الوليّ الوفيّ ولذا قال عز وجل {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}‏ إشارة إلى قوله عز وجل
___________________
1 الصحيفة السجادية في الدعاء لأبويه عليهما السلام
2 الإسراء 24


{فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً}1‏ أي ذلّل لطاعتهما وأقم نفسك بين يدي أمرهما ونهيهما واسلك سبيل معرفتهما وطاعتهما وانقطع في كل الأمور إليهما وادخل في كل الشدائد عليهما واحزن لحزنهما وافرح لفرحهما وصلّ في جمع أحوالك عليهما واطلب لهما من الله الوسيلة والفضيلة ، حيث ما أنعم الله عليك بهما وربّياك صغيرا في تكوينك وتشريعك وظاهرك وباطنك وسرّك وعلانيتك وأولك وآخرك وعلّماك ما لم تعلم وأوصلاك إلى ما لم تصل إليه إلا بهما ، فأنت في يوم الجهل والفقر صغير وعند العلم والغنى كبير فهما يزيلان الجهل والفقر ، فكان الجهل الثاني عين العلم وفـقره حقيقة الغنى قال (( الفقر فخري وبه أفتخر ))2 فأنت لم تزل صغيرا وكبيرا وهما صلوات الله عليهما يربّيانك في الصغر إلى ما لا نهاية له .
ثم اعلم أن الله سبحانه عطف القول على المؤمن الموالي الظاهر بالتشيع والتمسك بوصيّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا }3 أي مربيّ وجوداتكم وكينوناتكم ومقوّم أحوالكم وصفاتكم أعلم بما في نفوسكم من حسن السريرة وخبثها والعمل بما وصّيناكم من التوحيد وطاعة الوالدين قال مولانا الصادق عليه السلام حيث سأله المفضّل (( قال كيف كنتم حيث كنتم في الأظلّة ؟ فقال : يا مفضّل كنا عند ربّنا ليس عنده أحد غيرنا في ظلّة خضراء نسبّحه ونقدّسه ونهلّله ونمجّـده وما من ملك مقرّب ولا ذي روح غيـرنا حتى بدا له في خلق الأشياء فـخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة
________________
1 النحل 69 2 البحار

72/30 ح 26
3 الإسراء 25


وغيرهم ثمّ أنهى علم ذلك إلينا ))1 ، { إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ } أي مخلصين لأمير المؤمنين الولاية والمسلّمين لأمره ونهيه والمؤمنين بسرّه وعلانيته حيث أمركم الله بذلك وجعله من شرط الإيمان كما قال عز وجل خطابا لعليّ عليه السلام { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا }2 { فَإِنَّهُ } أي الرب { لِلأَوَّابِينَ } الراجعين المنيبين إليه على ما قلنا في بيان قوله عليه السلام (( أنيبوا إليّ شيعتي )) { غَفُورًا } مجبرا للكسير و مسهّلا للعسير قال عليه السلام (( إنا لا ندخلكم إلا فيما يصلحكم )) وقال أيضا عليه السلام (( راعيكم الذي استرعاه الله أمر غنمه أعلم بمصالح غنمه إن شاء فرّق بينها لتسلم وإن شاء جمع بينها لتسلم )) ، ثمّ لما أن الله سبحانه شرح الحكمتين مجملا وأشار إلى العلميّة بقوله {* وَقَضَى رَبُّكَ }‏ الآية وإلى العملـية بقوله { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }‏ الآية ، عطف القول على محمد وآله صلوات الله عليهم أجمعين فيبيّن له ما أوجب له عليه السلام بالنسبة إلى رعيّته وأظهر ليفهم الرعيّة وتطمئن بذلك نفوسهم وتستقر عليه عقولهم فيصبرون في البأساء والنعماء والضرّاء واللأواء فقال عز وجل { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ
_____________
1 الكافي 1/441 ح 7

2 النساء 65
3 الإسراء 25



وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا }1 أمره سبحانه وتعالى أن يؤتي كل ذي حق حقّه من الامدادات الوجودية والشرعية لكل شيء من الموجودات بحسب مقاماتها الثلاثة خصوصا الإنسان لشرفهم وتكرمتهم خصوصا المسلمين منهم خصوصا الفرقة الناجية بمراتبهم الثلاثة من ذوي القربى وهم أخص الخواص الذين عرفوا الوالدين عليهما السلام بالنورانية وزادوا عليها بالعمل والإيمان ووقفوا مقام الإيقان والاطمئنان وعرفوا باطن باطن القرآن كما قالوا عليهم السلام (( سلمان منّا أهل البيت ))2 و (( سلمان من العلماء ))3 و (( سلمان محدّث كما أن عليّا عليه السلام محدّث )) فآتاهم عليهم السلام من الأنوار الباطنية والأسرار الإلهية والحقائق اللاهوتيّة بدليل الحكمة، والمساكين هم المسكين ذو متربة وهم أهل الأجساد والأجسام { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ
__________________
1 الإسراء 26 2 عيون أخبار الرضا 2/64
3 بصائر الدرجات 25


يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ }1 وهم العوام أهل المجادلة بالتي هي أحسن فآتاهم من العلوم الظاهرية القشرية بدليل المجادلة ، وابن السبيل وهم الخواص الذين يرجى لهم الوصول إلى الوطن الحقيقي الواقعي وهم أهل الموعظة الحسنة فآتاهم من الأنوار القلبية اليقينية بدليل الموعظة الحسنة ، وعدم التبذير إشارة إلى عدم الزيادة من إعطاء كل ذي حق حقه فيعطي للخواص ما للخصّيص وللعوام ما للمقرّبين وهذا النهي وارد لمعرفة الخلق وظهور العبودية وإلا فهو عليه السلام أجل من أن يرد عليه نهي وإنما هو تعليم للمؤمن مراتب ظهورات الحق للخلق بوليّه عليه السلام يعرفه المؤمن الصادق ، ثم عطف القول سبحانه على مبدأ المعاصي والإنكار وبيان أن كل ما ينسب إلى الشيطان فهو باطل زور ومخالف ومناف للتمسك بوصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال عز وجل { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا }2 وهم الذين أسرفوا وتعدّوا حكم الله وخالفوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم الذين قدّموا المفضول على الفاضل وتبعوا سحر الجن على ملك سليمان { وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ }3 والشياطين هم سلسلة جهنّم سبعون ذراعا بذراع إبليس والشيطان هو الذي قال الأول ( إن لي شيطانا ليعـتريـني ) ، فنهى الله عن اتباعهم قولا وعملا واعتقادا وميلا و محبة وإرادة ، وهذه الأحكام من الأوامر والنواهي في الحكمة العلمية والعملية إنما هي بحسب الكينونات الأوليّة من الظاهرية والباطنيّة والقشريّة واللبيّة ، لكن لما كان الحق لم يخلص ولوخلص الحق لم يخف على ذي حجى ولكن أخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فامتزجا ليهلك من هلك عن بيّنه وينجو من سبقت له من الله الحسنى ، ووجب تـقديـم الظلمة لاجتـثاثها وزوالها وثبات الحق واستمراره كما قال عز وجل { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ
___________________
1 المنافقون 4 2 الإسراء 27 3 البقرة 102


لِلْمُتَّقِينَ }1 ولما كان حكم الله سبحانه يجري على صفات المكلّفين في التكوين والتشريع ويدور على اختلاف أحوالهم كما قال عز وجل { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }2 فحين اختلاط النور بالظلمة وظهور الظلمة وخفاء النور وشيوع الباطل يقتضي الحكم الثانوي الظاهري لا الأولي الواقعي وذلك في مقام التقيّة ومحل الهدنة وغيبة الحجة عجل الله فرجه إما مطلقا أوظاهرا لحكم نافذ الأمر فأشار سبحانه إلى حكم عالم التقية وإثبات الحكم الثانوي وأن ذلك لا يكون إلا بنظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليه السلام وبمرءً ومسمع منهما قال عز وجل { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ
________________
1 القصص 83
2 الرعد 11


عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا }1 أي إذا أعرضت عنهم حيث لم تتمكن من إجراء الأحكام الإلهية الواقعية الأولية عليهم لعدم اقتضاء كينوناتهم لشوب الباطل ولطخه وتمكّنه فيهم إما بنفسه الشريفة كما كان عليه السلام مختفيا في مكّة أوبنفسه الشريفة كما كان علي عليه السلام ساكتا عن الأمر الأولي وكالأئمة عليهم السلام وكالقائم عجل الله فرجه حيث خرج وأعرض خائفا يترقّب ، وذلك الإعراض وعدم الإيصال إلى الأمر الواحد الغير المختلف الغير المشوب بالشكوك والشبهات الظاهرية والباطنيّة من التكوينية والتشريعية ليس من جهة الغضب والسخط على المؤمنين وإنما هو لأجل ابتغاء رحمة الله ورحمة الله ترجى لهم لتبقى بينهم وأشخاصهم تزكّى وتستأهل لوقوع تلك الأحكام عليهم { فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا }‏ أي لا تقطع نظرك عنهم بل أجرِهم إلى سبيل اليسر ولا تسلك بهم سبيل الحكم الأول حيث لا يقدرون عليه بل احملهم على ما يسلمون به من شر المنافـقين والكفار الملحدين ولذا قال عليه السلام (( إنا لا ندخلكم إلا فـيما يصلحكم )) و (( لوكشف لكم الغطاء لما اخترتم إلا الواقع )) ، فإذا كان الله سبحانه أوصى نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بأن لا يهمل رعيّته حال التقية ولا يقطع نظره صلى الله عليه وآله وسلم عنهم فهو صلى الله عليه وآله وسلم أولى برعاية وصيّة الله سبحانه وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين أولى بمراعاة وصيّته ، فالمؤمن الموحّد يجب أن يمد عنقه في كل حال من أحواله إليهم ويطلب الحق في العلم والعمل والاعتقاد والديانة والرشاد عنهم فإنهم عليه السلام لا يهملون رعاياهم وغنمهم ولا يجعلونهم في حيرة وشدّة كيف وهم غياث المستغيثين وملجأ الهاربين ، نعم ذلك لا يكون إلا لمن هرب إليهم ودخل عليهم وتمسّك بحبل ولايتهم (( وإنك لا تحتجب
_________________
1 الإسراء 28
2 لم نقف على هذه الرواية بهذا اللفظ ولكن وجدنا ما يقرب منها في وسائل الشيعة 27/109 عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال (( إنا والله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم )) .


عن خلقك إلا أن تحجبهم الآمال دونك ))1  .
ثم لما كان الباطل لا يقوم إلا بالحق فلو جرى حكم الباطل كليا بطل الكون وفسد النظام { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ }2 ، ولوجرى حكم الحق أيضا يلزم إما بطلان الكون كليّا لإجماع أهل الباطل على إبطال الحق وإفنائه وذلك يستلزم اختفاء القطب الكلي الذي هو الغوث ومادة الحياة عن العالم فتسيخ الأرض بأهلها وتبطل السموات ومن عليها ، أوالجبر والظلم الممتنعان على الله سبحانه ، فوجب الأمران معا إذا امتنع الجبر فيجري الحكم الأولي الواقعي تارة حدّ الإمكان لاقتضاء الأكوان والحكم الثانوي الظاهري أخرى مشيا على حد التقية والهدنة .
لما كان الأمر كذلك أمر نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم لتعليم الرعية بذلك فـقال عز وجل { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ
______________
1 دعاء أبي حمزة الثمالي
2 المؤمنون 71


الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا }1 أي لا تمنع الخلق المكلفين من الأمور الإلهية الواقعية من الأسرار والمعارف والحقائق والإرشادات إذا وجدت لها حملة وحفظة ، أو عن إجراء الأحكام الواقعية الأولية إذا اغتنمت الفرصة بواسطة أو بغير واسطة أي بنفسك الشريفة أو بأوصيائك ، ولا تمنع الحكمة من أهلها فتظلمهم ولا تظهر ولا تبيّن لكل أحد حتى يصل الذين ما يستأهلون لها فيكفرون أو لا يتحمّلون فيقتلون ، أو لا تظهر الأحكام الأولية كل الإظهار ‏{ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا } ولذا قال مولانا الباقر عليه السلام ما معناه (( أن أمير المؤمنين عليه السلام إنما لم يسلّ السيف ولم يقاتل الناكثين لبيعة يوم الغدير لأنهم كانوا حديثوا عهد بالإسلام فيردّون كفارا )) وهو قول هارون لموسى عليه السلام حين قال { إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}2 فافهم .
____________________
1 الإسراء 29
2 طه 94


ثم قال عز وجل { إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا }1 فأبان عز وجل أن هذه السعة والضيق في العلم والمعرفة والمعيشة الدنياوية والأخراوية لحكمة إلهية جرى عليها قلم التقدير بإذن اللطيف الخبير ، فالتوسعة بالله والضيق به ولا يكونان إلا بأوليائه وأحبائه لأنه عز وجل خاطبهم بعدما منحهم وقال { هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }‏2 وقال { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا }3 (( وكل ميسّر لما خلق له ))4 وكل عامل بعمله ، فقد كشف الله سبحانه عن حقيقة الحكمة في هذه الآيات المباركة وذكر جميع مراتبها بالإجمال ثم أخذ في التفصيل ونحن نكتفي بما ذكرنا فإن من عرف ما أردت من هذه الكلمات في هذه الآيات ظهرت له حقيقة التمسك بوصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليه السلام وكيفيته .
ومجمل القول أن أمير المؤمنين عليه السلام هو باب الله في كل شيء لأنه وليه وكل شيء من آثار الولاية وظهوراتها وشئوناتها وهو الوجه الذي لا تعطيل لهه في كل مكان فالعارف العاقل يتمسّك في كل أفعاله وأقواله وأعماله ومعتقداته في أصوله وفروعه به وبالطيّبين من أولاده عليهم السلام ، ومعنى هذا التمسك الإعراض عن كل ما يخالفهم وكل ما ينسب إلى الأعداء وإلى كتبهم وزبرهم وتصانيفهم وإشاراتهم علما وعملا ، أما بالعلم فبأن يكون يأخذ علمه عنهم فإن من أخذ عنهم فقد أخذ النصيب الأوفر من العلم
____________________
1 الإسراء 30 2 ص 39
3 الحشر 7 4 البحار 4/282 ح 16


قال عليه السلام (( أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا ))1 وقال الله عز وجل { فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ } ‏قال عليه السلام (( أي إلى علمه ممن يأخذ )) { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا }‏ وهو ماء المعرفة والإيمان عن سحاب كلمات الأئمة عليهم السلام { ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا }2 أي أرض قلب المتعلم والآخذ من الإمام عليه السلام قال عليه السلام (( نحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون وسائر الناس غثاء ))3 وإليه أشار عز وجل { وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت }4‏ { فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا }5 وهو علم صافي المحبة وخالص المودّة وظهور أسرار ( أحببت أن أعرف ) { وَعِنَبًا }‏ سكر المعرفة وعلم معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته على مراتبها وأحوالها من العلوم والأمور والأحوال الباطنية { وَقَضْبًا } من العلوم الظاهرية المتعلّقة بظواهر أفعال المكلّفين { وَزَيْتُونًا }‏ من علوم الطريقة علم الأخلاق وتهذيب النفس { وَنَخْلًا }‏ علم الإيمان والتقوى ، وجامع العلوم الثلاثة الآية المحكمة والفريضة العادلة والسنة القائمة ، { وَحَدَائِقَ غُلْبًا }‏ من سائر أنواع العلوم المجملة الكثيرة الملتفّة بعضها ببعض المنشعبة كلها من الأصل الواحد ولاء أهل البيت عليهم السلام { وَفَاكِهَةً } وهي لذّة الولاية { وَأَبًّا } من العلوم القشريّة { مَّتَاعًا لَّكُمْ } وهي الفاكهة وما فوقها من العلوم التي كلّها تحـتها
_______________
1 معاني الأخبار 1 2 عبس 24 - 26
4 بصائر الدرجات 9 5 الحج 5


{ وَلِأَنْعَامِكُمْ }1 وهي الأب أي رعاياكم قال عليه السلام (( انظروا إلى رجل منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فلترضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما ))2 .
ثم اعلم أن مدّعي هذا المقام كثير وكل من هذه الفرقة يدّعون أنا قد أخذنا علومنا عن أهل البيت عليهم السلام لكن للآخذين علامات يمتازون عن غيرهم ، ومن العلامات أن لا يكونوا من أهل العناد والجدال والعصبيّة بل يكون مدارهم مدار الحق فإن وجدوا قبلوا ، ومنها أن لا يكون عندهم قواعد اعتمدوا عليها مأخوذة عن الناس غير مصحّحة بميزان أهل الحق عليهم السلام فكلّما يوافق قواعدهم يقبلون وكل ما يخالفها ينكرون وإن لم يكونوا من أهل الجدال والعصبيّة فإن ذلك أيضا مبعّد عن الحق إذ قد يكون الخطأ في تلك القواعد التي اعتمدوا عليها ، ومنها أن لا يكونوا مستأنسين بطائفة ليميلوا إليهم ويعموا عن الحق فإن حبّك للشيء يعمي ويصمّ ، ومنها أن لا يكونوا ممن غلبت عليهم مادّة البلغم فيؤول أمرهم إلى البلادة فلا يفهمون ولا يعـقلون ، ومنها أن لا يكونوا ممن غلبت عليهم المرّة الصفراء فيؤول أمرهم إلى الجربزة فلا يستقيمون على شيء ويدورون مع كل شبهة ويميلون مع كل ريح ، ومنها أن لا يكونوا ممن غلبت عليهم الرطوبة فـيؤول أمرهم إلى النسيان فلا يحفظون ما يسمعون ، ومنها أن لا تكون قلوبهم مشغولة بهموم الدنيا إذ الدنيا باطلة وهمومها زائلة باطلة { مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي
_________________
1 عبس 27 – 32
2 عوالي اللآلي 3/192


جَوْفِهِ }1 ، ومنها أن لا تكون قلوبهم متعلّقة بأمور كثيرة تميل إلى كل جانب فتتعارض الميول والجهات فتبقى متوقّفة لا إلى هذا ولا إلى ذاك ولذا قال عليه السلام (( إن حديثنا صعب مستصعب شريف كريم ذكوان ذكي وعر لا يحتمله ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا مؤمن ممتحن ، قلت : فمن يحتمله جعلت فداك ، قال عليه السلام : من شئنا ))2 وفي رواية نحن وفي الأخرى (( أو مدينة حصينة وهي القلب المجتمع ))3 ، ومنها أن لا يكونوا منهمكين في الدنيا وطالبين زخارفها ومتشبّثين بذيل قبائحها وراغبين إلى رآستها فإنهم في هذا الوقت منكسي رؤوسهم إلى أسفل السافلين فأين يجدون الأنوار المشرقة من أعلى علّيين ، ومنها أن يكونوا باقين على الفطرة وطالبين للحق الواقعي مبتغين رضا الله ودار الآخرة من الباب الذي قرّر الله سبحانه لهم ومخلصين في ولاء أهل البيت الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين معتقدين على أنه لا يخفى عليهم شيء من أحوالهم وظواهرهم وبواطنهم وأن لهم عليه السلام مع كل ولي أذن سامعة وأن الله سبحانه لا يدع الخلق متحيّرا ضالا وأن من طلبه بالتوجه إلى أهل بيت العصمة والطهارة وجده ، ولا يريدوا إلا الإخلاص في العبادة والتوجه في الطاعة غير ملتفتين إلى الشهوات النفسانية والميولات الشيطانية فإن هؤلاء هم المحسنون إذ ليس للإحسان معنى سواه وهم المجاهدون في الله ، فوجب أن يصلوا إلى الصواب ويعرفوا الشيء على ما هو عليه ، فإن كان في حكم الاعتقادات فعلى الواقعي الأولي وإن كان في الشرعيّات فعلى ما تقتضي كينوناتهم وصفاتهم ولا يخطئون من هذه الجهة لأن الله معهم وليس الله مع المخطئين والله سبحانه وعد أن يهدي المجاهدين فيه إلى
_________________
1 الأحزاب 4

2 بصائر الدرجات 22
3 أمالي الصدوق 4


سبيله { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }1 { وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ }2 قال تعالى { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }3 ومنها أن لا يخرجوا في مسألة من المسائل الدينيّة من الاعتقادية والعملية عن الكتاب والسنة ولا يتّكلون على الآراء الفاسدة والعقول الضعيفة الناقصة ولا يقولوا أن الكتاب أغلبه متشابهات وظواهر فلا يوصل إلى القطع ، وأما الأخبار فغير المتواترات كلها أخبار آحاد لا يفيد علما ولا عملا فإن المنافقين قد كذبوا على الله ورسوله وافترقوا على أولياء الله ودسّوا في كتب أصحاب الأئمة ونـقلوا الحديث بالمعنى وحذفوا بعض الحديث وذكروا الآخر أنهم قالوا عليهم السلام (( إني لأتكلّم بكلمة وأريد منها أحد وسبعين وجها لكل منها
_________________
1 النساء 122

2 الحج 47
3 العنكبوت 69


المخرج ))1 وقالوا عليهم السلام (( أنتم أفـقه الناس إذا عرفـتم معاني كلامنا ))2 (( وإن الكلمة من كلامنا لتنصرف إلى سبعين وجها ))3 ، فلو شاء إنسان أن يصرف كلامه إلى ما أحب لم يكذب وأمثالها فلا يمكن لنا الاستدلال بها لأن الله سبحانه قطع حجة كل محتج وشرح هذه المسألة في الكتاب الكريم وأجاب عنها حيث قال { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ } وفي قراءة أهل البيت عليهم السلام ولا محدّث { إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
____________________
1 لم نقف على هذه الرواية بهذا اللفظ ووقفنا على ما يقرب منها في بصائر الدرجات ص 329 قوله عليه السلام (( إني لأتكلم بالكلام ينصرف على سبعين وجها كلها لي منها المخرج ))
2 معاني الأخبار 1
3 البحار 2/184 ح 5


حَكِيمٌ }1 والأمنية هي القراءة قال الشاعر :

تمنى كتاب الله في كل ليلة تمني داود الزبور على الرسل

وإلقاء الشيطان هي ما ذكر من أنواع الاحتمالات والشكوك والشبهات والاحتمالات والافتراءات والدس وأمثال ذلك ونسخ الله سبحانه هو إثبات القرائن الدالة على المراد النافية لغير المراد فيقع عليها المتصفّح البالغ ويعرض عنها الكسل الجاهل ، وهكذا أولياؤه عليه السلام ما ذكروا شيئا بل لا يوجد شيء وجهة من جهات العبارات ولا نحو من أنحاء النفوس ولا مذهب من مذاهب العقول إلا وقد وضعوا لنا عليهم السلام عليه دليلا يبيّنه من صحّة أوفساد وإمارة توصل إلى المراد وإلى ما فيه السداد وحجّة واضحة موضحة لسبيل الرشاد وذلك يحصل بالعبارة أو بالإرشاد أوبالإلهام أو بالتنبيه أوغير ذلك في نص أو ظاهر بخصوص أو عموم أو تقييد أو إطلاق أو إيماء بعمل أو تقرير أو مثل وما أشبه ذلك ولهذا قال عليه السلام (( ما من شيء إلا وفيه كتاب أوسنة ))2 فإذا استفرغ من له أهلية الاستيضاح وسعة في تحصيل معرفة حكم الإمام عليه السلام وقع عليه وعرف قوله وحكمه فيه لأنه عليه السلام مهما طلب من النحوالذي أمر بطلبه منه وجد لأنه هو القيم على هذه الفرقة وهم رعيّته وعليه تسديدهم كما أشارت إليه النصوص، وأما إرادة السبعين وجه في كلماتهم فإذا أرادوا عليهم السلام معرفة كل المعاني من الرعية يعلّمونها إياه بنصب القرائن وإلا فعلى حسب ما يريدون من تلك المعاني .
وبالجملة فالمتمسك بهم ناظر إلى نور ربه ومهتد إلى صراط مستقيم ، فإذا استقام في التمسك يعرّفونه الحيث والكم والكيف وإذ و من وعن وعلى وإلى و مذ وقد ، ويعرّفونه مفصوله وموصوله وما تـؤول إليه أموره فهو لا يخطئ حين يعرف ويقول ويـبـين حين تمت له هذه الشرائـط وقوي نـظره وتفكّره في العالم في الآفاق وفي الأنفس لأن الله عز وجل أمر بمتابعتهم
__________________
1 الحج 52

2 الكافي 1/59 ح 4
 


ولا يأمر بمتابعة المخطئ مع أنه سبحانه نصّ بصوابهم حيث قال {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ }1 قال عليه السلام (( نحن القرى التي بارك الله فينا والقرى الظاهرة شيعتنا ))2 ، وإذا كان الشيعة هي القرية الظاهرة لا يكون السير فيهم إلا الأخذ عنهم علوم أئمتهم عليهم السلام بالليالي أي بالتقليد في الأحكام الشرعية الفرعية والأيام هي المعرفة الموصلة إلى المراد ومعرفة المأخذ والدليل ، والأمن هو الأمن عن الخطأ لأن تلك البلدة والقرية إنما عمّرها الله سبحانه فلا يسلّط عدوّه الشيطان الرجيم على تخريبها وتضييع أهلها فلا يتطرّق في كلام أهل الله ما دام هم ناظرين إلى سبيل الله الخطأ وسبيل الله للخلق هو أمير المؤمنين عليه السلام والطيبون من أولاده عليهم السلام فمن تبعهم فقد انسلك في مسلكهم واستنار بنورهم وأدركته نور عصمتهم وولايتهم كما قال أمير المؤمنين عليه السلام (( المتّبعون لقادة الدين الأئمة الهادين الذين يتأدّبون بآدابهم وينهجون نهجهم فعند ذلك يهجم بهم العلم على حقيقة الإيمان فتستجيب أرواحهم لقادة العلم ويستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم ويأنسون بما استوحش منه المكذّبون وأباه المسرفون أولئك أتباع العلماء صحبوا أهل الدنيا بطاعة الله تبارك وتعالى وأولياءه ودانوا بالتقيّة عن دينهم والخوف من عدوّهم فأرواحهم معلّقة بالمحل الأعلى فعلماؤهم وأتباعهم خرس صمت في دولة الباطل منتظرون لدولة الحق وسيحق الله الحق بكلماته ويمحق الباطل ها ها طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنـتهم ويا شوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم وسيجمعنا الله وإياهم في جـنات عدن ومن صلح من آبـائـهم وأزواجهم
_________________
1 سبأ 18
2 لم نقف على هذه الرواية بعينها ولكن وجدنا ما يقرب منها وهو ما روي في الاحتجاج 327 حيث قال عليه السلام (( فنحن القرى التى بارك الله فيها وذلك قول الله عز وجل , فمن أقر بفضلنا حيث بينهم وبين شيعتهم القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة , والقرى الظاهرة الرسل والنقلة عنا إلى شيعتنا وفقهاء شيعتنا إلى شيعتنا )) .


وذرّياتهم ))1 وقال مولانا الباقر عليه السلام (( ما من عبد أحبّنا وزاد في حبّنا وأخلص في معرفـتـنا وسئل مسألة إلا ونفثنا في روعه جوابا لتلك المسألة )) .
وبالجملة فالذي تمسك به عليه السلام فقد فاز وبلغ المنى (( سعد والله من والاكم وهلك والله من عاداكم وخاب من جحدكم وضلّ من فارقكم وفاز من تمسّك بكم وأمن من لجا إليكم وسلم من صدقكم وهدي
_______________
1الكافي 1/335


من اعتصم بكم ))1 وهذا الذي ذكرنا هو كيفية التمسك به عليه السلام في العلم .
وأما العمل فهو الصدق مع الله في كل المواطن ، وتختلف مراتب الخلق في هذا الصدق ، وجامع القول في الصدق أن لا يجدك الله حيث نهاك عنه ، فللخصّيص في فعل المباحات وللخواص في فعل المكروهات وللعوام في فعل المحرّمات ، وتفصيل المقال يؤدي إلى التطويل وقد روى مولانا وسيّدنا علي بن موسى الرضا عليه السلام عن أبيه الكاظم عليه السلام عن أبيه الصادق عليه السلام عن أبيه محمد بن علي الباقر عليه السلام عن أبيه علي بن الحسين عليه السلام عن أبيه الحسين بن علي عليه السلام عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرائيل عن إسرافيل عن ميكائيل عن اللوح عن القلم عن الروح عن الله سبحانه وتعالى أنه تعالى قال (( ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي ))2 ، فأشار عز وجل إلى باطن قوله { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ
________________
1 الزيارة الجامعة الكبيرة
2 البحار 39/246 ح 1


وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ }1 وهذا البيت هو أول بيت من البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه كما في قوله عز وجل { {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا } على البناء للمفعول { بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ }2 على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم رجال والرجال هم أولي الأيدي والأبصار بل هم الأيـد والأبصار { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ }‏3 والأيدي هم مظاهر الوهّاب والجواد ووجه الله الذي لكل ذي روح من الإنسان والحيوان والجماد وهم آل محمد الأمجاد عليهم سلام الله إلى يوم التـناد أولهم هو أمير المؤمنين ، ولما كان الظاهر قد جرى على طبق الباطن صار تولّده البشري عليه السلام في مكة فقال تعالى { {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } إماما وسيدا وقبلة ووجها لكل الوجود والموجود للذي ولد في مكة التي هي بكة { مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ }4 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا المنذر وعلي الهادي ))5 وهو عليه السلام رحمة الله الواسعة نعمة على الأبرار ونـقمته على الفجار وهو المـاء النازل من القرآن
________________
1 آل عمران 96

2 النور 36 – 37

3 الذاريات 47
4 آل عمران 96

5 المناقب 3/84


{ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا }1 { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ }‏ قال عليه السلام (( ما لله آية هي أكبر مني وما لله نبأ هو أعظم مني ))2 وقال مولانا الصادق عليه السلام (( فأي آية في الآفاق غيرنا أراها الله أهل الأفاق )) في تفسير قوله عز وجل { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } الآية , { مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ }‏ إشارة إلى الشجرة الزيـتـونة التي لا شرقية ولا غربـية أي شجرة إبراهيم لا يهوديّة ولا نصرانـية ، والمقام هو المظهر والآية كما في قوله عليه السلام في الدعاء (( وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك )) الدعاء ، وإبراهيم هو إبراهيم الأول قال عليه السلام (( أنا آية محمد صلى الله عليه وآله وسلم )) لقد ظهر صلى الله عليه وآله وسلم به على كل الوجود فهو حامل اللواء و مكلّم موسى في الشجرة ( إني أنا الله ) { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا }3 لأنه عليه السلام حصن الله المحكم وذمامه المنيع الموقي عن شر كل غاشم وطارق ، وهو النور الذي كل من قرب إليه استنار ، وهو الهداية التي من تمسّك به اهتدى ، وهو الوجه الباقي الذي كل من توجّه إليه خلص ونجى من الفناء ، وهو عين الله الشاهدة على الورى ، وهو يد الله الباسطة { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ
_____________
1 الإسراء 82 2 تأويل إلايات 733
3 آل عمران 97


حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }‏2 وهو قوله عليه السلام (( وتمسّكوا بوصيّ نبيّكم )) وهو اللواذ به والإتيان بباب كرمه .
فعلى ما ذكرنا اتضح لك الأمر في سر تقديم الجار والمجرور في قوله عليه السلام (( به نجاتكم )) فإن النجاة في الدنيا والآخرة منحصرة بالتمسك به وهو الحصر المستفاد من قوله عليه السلام في الزيارة (( بموالاتكم علّمنا الله تعالى معالم ديننا وأصلح ما كان فسد من دنيانا وبموالاتكم تمت الكلمة وعظمت النعمة وائتلفت الفرقة وبموالاتكم تقبل الطاعة المفترضة ولكم المودّة الواجبة))1 الزيارة فافهم واغتـنم فإن فيما ذكرنا كفاية لأولي الرشد والدراية .
__________________
1 الزيارة الجامعة الكبيرة