قوله عليه السلام وبحبّه يوم الحشر منجاتكم


فإن النجاة في الحشر منحصرة في محبّته عليه السلام كما دلّت عليه النصوص المتواترة بيننا وبينهم والأحاديث في هذا الباب لا تكاد تحصى وإنما أقتصر على واحد منها تذكرة لأولي الألباب ، روى الكليني في روضة الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في خطبة له عليه السلام (( أيها الناس إن الله تعالى وعد نبيّه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم الوسيلة ووعده الحق ولن يخلف الله وعده ألا وإن الوسيلة أعلى درج الجنّة وذروة ذوائب الزلفة ونهاية غاية الأمنية ، لها ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام ( وفي نسخة ألف عام ) وهو ما بين مرقاة درّة إلى مرقاة جوهرة إلى مرقاة زبرجدة إلى مرقاة لؤلؤة إلى مرقاة ياقوتة إلى مرقاة زمرّدة إلى مرقاة مرجانة إلى مرقاة كافور إلى مرقاة عنبر إلى مرقاة يلنجوج إلى مرقاة ذهب إلى مرقاة غمام إلى مرقاة هواء إلى مرقاة نور قد أنافت على كل الجنان ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ قاعد عليها مرتدٍ بريطـتين ريطة من رحمة الله وريطة من نور الله عليه تاج النبوّة وإكليل الرسالة قد أشرق بنوره الموقف ، وأنا يوم إذ على الدرجة الرفيعة وهي دون درجته وعليّ ريطتان ريطة من أرجوان النور وريطة من كافور ، والرسل والأنبياء قد وقفوا على المراقي وأعلام الأزمنة وحجج الدهور عن إيماننا وقد تجللّهم حلل النور والكرامة ، لا يرانا ملك مقرّب ولا نبي مرسل إلا بهت بأنوارنا وعجب من ضيائنا وجلالتنا، وعن يمين الوسيلة عن يمين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم غمامة بسطة البصر يأتي منها النداء يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الأمي العربي صلى الله عليه وآله وسلم ومن كفر فالنار موعده ، وعن يسار الوسيلة عن يسار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ظلّة يأتي منها النداء يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم والذي له الملك الأعلى لا فاز أحد ولا نال الروح والجنة إلا من لقي خالقه بالإخلاص لهما والاقتداء بنجومهما فأيقنوا يا أهل ولاية الله ببياض وجوهكم وشرف مقعدكم وكرم مآبكم وبفوزكم اليوم على سرر متقابلين ، ويا أهل الانحراف والصدود عن الله عز ذكره ورسوله وصراطه وأعلام الأزمنة أيقـنوا بسواد وجوهكم وغضب ربّكم جزاء بما كنتم تعلمون ))1 الحديث .

وفي روضة الكافي عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان عن أبيه قال كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه أبوبصير وقد حصره النفس فلما أخذ مجلسه قال له أبوعبد الله (( يا أبا محمد ما هذا النفس العالي ؟ فقال : جعلت فداك يا بن رسول الله كبر سني ودقّ عظمي واقترب أجلي مع أنني لست أدري ما أرد عليه من أمر آخرتي ، فقال أبوعبد الله عليه السلام : يا أبا محمد وإنك لتقول هذا ، قال : جعلت فداك وكيف لا أقول هذا ، فقال عليه السلام : يا أبا محمد أما علمت أن الله تعالى يكرم الشباب منكم ويستحيي من الكهول ، قال : قلت جعلت فداك فكيف يكرم الشباب ويستحيي من الكهول ، فقال عليه السلام : يكرم الله الشبـاب أن
______________
1 الكافي 8/20 – 21


يعذّبهم ويستحيي من الكهول أن يحاسبهم ، قال : قلت جعلت فداك هذا لنا خاصّة أم لأهل التوحيد ، قال فقال عليه السلام : لا والله إلا لكم خاصّة دون العالم ، قال : قلت جعلت فداك فإنا قد نبزنا نبزا انكسرت له ظهورنا وماتت له أفئدتنا واستحلّت له الولاة دماءنا في حديث رواه لهم فقهاؤهم ، قال فقال أبوعبد الله عليه السلام : الرافضة ، قال : قلت نعم ، قال : لا والله ما هم سمّوكم ولكن الله سمّاكم به ، أما علمت يا أبا محمد أن سبعين رجلا من بني إسرائيل رفضوا فرعون وقومه لما استبان لهم ضلالهم فلحقوا بموسى عليه السلام لما استبان لهم هداه فسموا في عسكر موسى الرافضة لأنهم رفضوا فرعون وكانوا أشد أهل ذلك العسكر عبادة وأشدهم حبا لموسى عليه السلام وهارون عليه السلام وذرّيتهما عليهم السلام فأوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام إني أثبت لهم هذا الاسم في التّوراة فإني قد سميّتهم به ونحلتهم إياه فأثبت موسى عليه السلام الاسم لهم ثم ذخر الله عز وجل لكم هذا الاسم حتى نحلكموه ، يا أبا محمد رفضوا الخير ورفضتم الشر افترق الناس كل فرقة وتشعّبوا كل شعبة فانشعبتم مع أهل بيت نبيّكم صلى الله عليه وآله وسلم وذهبتم حيث ذهبوا واخترتم من اختار الله لكم وأردتم من أراد الله فأبشروا ثم أبشروا فأنتم والله المرحومون المتقبّل من محسنكم والمتجاوز عن مسيئكم من لم يأت الله عز وجل بما أنتم عليه يوم القيامة لم يتقبل منه حسنة ولم يتجاوز له عن سيّئة ، يا أبا محمد فهل سررتك ، قال : قلت جعلت فداك زدني ، فقال : يا أبا محمد إن لله عز وجل ملائـكة يسقـطون الذنوب عن ظهور شيعـتـنا كما يسقط الريح الورق في أوان سقـوطه وذلك قوله عز وجل { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا }1 استغفارهم والله لكم دون هذا الخلق يا أبا محمد فهل سررتك ، قال : قلت جعلت فداك زدني ، قال : يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا }2‏ إنكم وفيتم بما
________________
1 غافر 7 2 الأحزاب 23


أخذ الله عليه ميثاقكم من ولايتنا وإنكم لم تبدّلوا بنا غيرنا ولولم تفعلوا لعيّركم الله كما عيّرهم حيث يقول جل ذكره { وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ } يا أبا محمد فهل سررتك ، قال : قلت جعلت فداك زدني ، فقال عليه السلام : يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال { إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ }1 والله ما أراد بهذا غيركم ، يا أبا محمد فهل سررتك ، قال : قلت جعلت فداك زدني ، فقال عليه السلام : يا أبا محمد { الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ }2 والله ما أراد بهذا غيركم ، يا أبا محمد فهل سررتك ، قال : قلت جعلت فداك زدني ، فقال : يا أبا محمد لقد ذكرنا الله عز وجل وشيعتنا وعدوّنا في آية من كتابه فقال عز وجل { هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ }‏3 فنحن الذين يعلمون وعدوّنا الذين لا يعلمون وشيعنتا أولوا الألباب يا أبا محمد فهل سررتك ، قال : قلت جعلت فداك زدني ، فقال : يا أبا محمد والله ما استثنى الله عز وجل بأحد من أوصياء الأنبياء ولا أتباعهم ما خلا أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته فقال في كتابه وقوله الحق { يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ }‏4 يعني بذلك عليا عليه السلام وشيعته ، يا أبا محمد فهل سررتك ، قال : قلت جعلت فداك زدني ، قال عليه السلام : يا أبا محمد لقد ذكركم الله تعالى في القرآن إذ يقول { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }5 والله ما أراد بهذا غيركم فهل سررتك يا أبا محمد ، قال : قلت جعلت فداك زدني ، فقال عليه السلام : يـا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فـقال { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ
__________________
1 الحجر 47

2 الزخرف 67

3 الزمر 9
4 الدخان 41 – 42

5 الزمر 53


لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ }1 والله ما أراد بهذا إلا الأئمة عليهم السلام وشيعتهم فهل سررتك يا أبا محمد ، قال : قلت جعلت فداك زدني ، فقال : يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال { فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا }‏2 فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الآية النبيّون ونحن في هذا الموضع الصدّيقون والشهداء وأنتم الصالحون فـتسمّوا بالصلاح كما سماكم الله عز وجل يا أبا محمد فهل سررتك ، قال : قلت جعلت فداك زدني ، قال : يا أبا محمد لقد ذكركم الله إذ حكى عن عدوّكم في النار بقوله { وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ }3 والله ما عنى ولا أراد بهذا غيركم صرتم عند أهل هذا العالم شرار الناس وأنتم والله في الجنة تحبرون وفي النار تطلبون يا أبا محمد فهل سررتك ، قال : قلت جعلت فداك زدني ، قال : يا أبا محمد ما من آية نزلت تقود إلى الجنة ولا تذكر أهلها بخير إلا وهي فينا وفي شيعتنا ، وما من آية نزلت تذكر أهلها بشر ولا تسوق إلى النار إلا وهي في عدوّنا ومن خالفا فهل سررتك ، قال : قلت جعلت فداك زدني ، فقال عليه السلام : يا أبا محمد ليس على ملّة إبراهيم إلا ونحن وشيعتنا وسائر الناس من ذلك براء يا أبا محمد فهل سررتك وفي رواية أخرى فقال
___________________
1 الحشر 42 2 النساء 69 3 ص 62 - 63


حسبي ))1  .
هاتان الروايتان مشتملـتان على حـقيقة البيان لقوله عليه السلام (( وبحبّه يوم الحشر منجاتكم )) فلا بيان أزيد من ذلك ، بقي الكلام في المحبة وحقيقتها وبيان مراتبها ونحن لوتصدّينا لشرح جميع أحوالها ومراتبها ومقاماتها لأدى إلى تطويل المقال زائدا عما يقتضي الحال لكني أشير إلى بعض أحوالها حسب ما ذكرته في اللوامع الحسينية عليه السلام في بيان قوله تعالى في الحديث القدسي (( كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف ))2 قلت هناك هل تجد في ذاتك تجدد وحركة أم لا ؟ فإن قلت لا صدقت ، وإن قلت نعم كذبت ، فإن الذات لا تتوقّع شيئا من حيث الكونة والتحقق غيرها فإن توقّعت فلم يكن ما فرضناه هو وهذا خلف فإذأً ليس في الذات إلا هي وهي من حيث هي ليست إلا هي وكلما يتأخر فهوالمتأخر ولا يكون إلا المتأثر فإن المتأخر تأكيد للمتقدّم في السلسة الطولية كقولك ضربت ضربا وقعدت جلوسا فأنت في كينونتك أنت ثم تميل إلى الشيء بحركة قلبك إليه لكنها في غاية السرعة لأنها في أعلى مراتب اللطافة بالنسبة إليك وبالنسبة إلى ما يصدر منك وهو أول ذكرك للشيء وذلك هو المشيئة قال عليه السلام (( أتـدري ما المشيـئة ، قلت : لا ، قال : هو الذكر الأول ، أتدري ما
__________________
1 الكافي 8/26 – 28 ح 6
2 البحار 87/199 ح 6


الإرادة ، قلت : لا، قال : العزيـمة على ما شاء الله ))1 قال عـليه السلام (( الإرادة من الخلق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل ))2 وهي الإختراع قال عليه السلام (( المشيئة والإرادة والاختراع معناها واحد وأسماؤها ثلاثة ))3 ومن حيث أن الميل لا يكون إلا إلى الملائم يسمى حبا ومحبّة , فالمحبّة هي ذلك الذكر الأول وهي سر الوجود وظهور الحق المعبود فيعبّر عنها حسب الإرادات بأسماء مختلفة ، ولما كان هذا الذكر المسمى بالإرادة يختلف في الشدّة والضعف والزيادة والنقصان وله مراتب كثيرة غير محصورة لكن كلّياتها تجتمع في تسع مراتب على الترتيب سمّيت كل مرتبة باسم يغاير الأخرى وإن اجتمعت في اسم المحبّة، وكل ذلك مظاهر ذلك الذكر وشئونه ومقاماته .
الأولى : تسمى ميلا وهو انجذاب القلب إلى مطلوبه .
والثانية : تسمى ولعا وهو إذا قوى ودام ذلك الانجذاب .
والثالثة : تسمى صبابة وهو إذا أخذ القلب في الاسترسال إلى من يحب فكأنه انصب كالماء إذا فرِّغ لا يجد بدا من الانصاب .
والرابعة : تسمى شغفا وهو إذا تفرّغ له بالكلّية وتمكّن ذلك منه .
والخامسة : تسمى هوى وهو إذا استحكم في الفؤاد وأخذه عن الأشياء .
والسادسة : تسمى غراما وهو إذا استولى حكمه على الجسد .
والسابعة : تسمى حبا وهو إذا نمى وزالت العلل الموجبة للمنع للميل .
والثامنة : تسمى ودّا وهوإذا هاج حتى يفنى المحب عن نفسه .
والتاسعة : مقام فناء المحبة والمحب والمحبوب قال مولانا الصادق عليه السلام (( المحبّة حجاب بين المحب والمحبوب )) وهذا مقام لا اسم ولا رسم وهذا مقام الدّنو بلا كيف ولا إشارة وفي هذا المقام يرى المحب محبوبه ولا يعرفه ، يعني ترتفع جهة التمايز في عالم الظهور فيتوجّه إلى محبوبه لا من حيث أنه كذلك قال عليه السلام (( كشف سبحات الجلال من غير إشارة )) فإن
_________________
1 تفسير القمي 1/24

2 عيون أخبار الرضا 1/119
3 عيون أخبار الرضا 1/173 , ولكن بدل كلمة الاختراع ( الإبداع ) .
 

 

الإشارة مبعدة ، وأهل المحبة المجازية سمّوا هذا المقام عشقا .
والوجه في هذه المراتب أن الشيء له شئون ذاتية وشئون عرضيّة وشئون إضافية ووصفيّة وحقيقة صرفة لطيفة محضة وهي المجرّدة عن الشئون المنزّهة عن الإضافات ، وتلك الشؤون هي سبحاتها وهياكل تنزلاتها ، وإذا التفت إليها كانت في عوالم غربتها وهجرتها وعدم الوصول إلى مسكنها وموطنها ، فإذا غفلت عنها فهي في أنسها وكمالها ، وذلك الذهول المطلوب لا يكون إلا بالميل إلى أعاليها كما أنها ليست إلا هو ، فإذا مالت إلى العالي أو إلى المناسب ميلا غريزيّا أخذت تنجذب تلك السبحات وتنكشف تلك الإضافات ، فأولا يذهل عن غيره من الشؤون العرضية وبينها تلك المراتب الأولية من الميل إلى الهوى ثم يأخذ في الذهول عن نفسه بمراتبه من الغرام إلى الودّ ثم يذهل عن العالي المنظور إليه ويتّصل به اتصالا عيانيّا من حيث فقدانه { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا }1 فإن المحبة حجاب بين المحب والمحبوب لاقتضائه التثليث وهو ينافي المحبة .
فإذا عرفت هذه المراتب فاعلم أن حبك للشيء جهتك إليه واستدارتك عليه ، فإن كانت ذاتيّة تدور لا إلى جهة ولا وضع ولا محور لها فإن كانت الاستدارة على خلاف التوالي كان ذلك عين محبوبك لك فإنه قد تجلّى لك بك فهو محبّك ومحبوبك أحبك بك وأحببته به فنظرت إليه به ونظر إليك بك وهذه هي المحبة الصادقة التي لا زوال لها ولا اضمحلال بل هي باقية ببقاء المحبوب فيما لم يزل ولا يزال ، فلا يزال هو متجلي له به وجاذبه عنه وهو فان فيه ومنجذب إليه كانجذاب الحديد للمغناطيس وهو مثال تقريبي لا تحقيقي ، وهذا الانجذاب بلا كيف ولا إشارة وهذا هوالاستئناس في ظلال المحب أحب محبّه فأحبه بعين محبّته له فمحبّه المحبوب في هذه السلسلة أقدم ، أحب جماله بجلاله فنظر جلاله إلى جماله بعين جماله كما نظر إلى جلاله بعين جماله فافهم هذا البيان المكرر المردد بالفهم المسدد فإن هذا عكس ما يزعمون فإن جهة العالي وميله إلى السافل لوكان في رتبة العالي لكان السافل عاليا فيجب أن يكون في رتبة السافل لا بحيث يلزم العكس من كون العالي
_________________
1 القصص 15
 

 

سافلا بل العالي عال والسافل سافل فالظهور للسافل بالسافل من حيث كونه عاليا وهوالمحبوب المتقدّم محبّته على محبّه ومحبة السافل للعالي بالعالي من حيث كونه سافلا قال الشاعر:

رأت قمـر السماء فـذكّرتني ليـالي وصلـنا بالـرقـمتـين

كلانـا نـاظـر قمرا ولكـن رأيت بعيـنـها ورأت بعينـي

وأما حب الشيء نفسه عين نفسه وهذا معنى محبة الخلق للولي عليه السلام ومحبة الولي لهم يحبّهم ويحبّونه ، فتام المحبة من لا يرى سوى المحبوب وكاملها من يفقد المحبوب بالإشارة لأنه دخل المدينة على حين غفلة من أهلها فاتحد المحبوب والمحب والمحبة إلا أنه هو هو ونحن نحن ، ولما كان الإيجاد بالمحبة سرت وجرت المحبّة في كل ذرات الوجود فما ثمّ شيء موجود أو معدوم جواهر أوعرض لفظ أو معنى إلا بها فهي شمس عالم الوجود لأنها نار الشجرة الغير الشرقية ولا الغربيّة الماسّة زيت تلك الشجرة الصافية التي يكاد زيتها يضيء في عالم الشهود ولولم تمسسه تلك النار في فلك الاسم الودود ، فبحرارتها استقام كل مزاج وهي منشأ كل سرور وابتهاج فهي مادة المواد وصورتها الاتصال بالمراد وببرودتها ظهر ذلك النور بما فيه من القابلية والاستعداد ، فكل محبة تستلزم الاتصال وكل اتصال يلزمه الانفصال ، فبالاتصال يسكن المحب المحبة وبالانفصال يتحرك سريعا ، فلولا الاتصال بطلت المحبة لكونها فرع مشاهدة الجمال فلا محب ولا محبوب ، ولولا الانفصال تمّت وانتهت وليس لمحبتي غاية ولا نهاية فهو دائما يسير إلى محبوبه ودائما يتجلى له محبوبه ، فإذا سكن عنده تجلى له في مقام أعلى ويشتدّ سيره ويعظم ميله كلما جاء كأس يأس مرير جاء كأس من الرجاء معسول ، فبالحب سكنت السواكن وتحركت المتحركات ، فالساكن لسرعته لا ترى له حركة قال عليه السلام في المشيئة (( خلق ساكن لا يدرك بالسكون ))1 مع أنها عين الحركة وقال عز وجل { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ }2 وتلك الحركة لتلك الحرارة الداعية المشوّقة السارية في كل الذرات من باب الآيات وهي أثر حب الله قد
_____________
1 التوحيد 438 2 النمل 88
 

 

سرى في خلقه ، وذلك الأثر حب الله قـد سرى في خلـقه وذلك الأثر هو ظهورات المولى من العز في الحقائق والذوات قال عليه السلام (( أنا ذات الذوات أنا الذات في الذوات للذوات )) وسرى ذلك الأثر في الخلق ليكمل به ميولاتهم إليه مع تباين أطوارهم ، وقد ضجّت إليه الأصوات بفنون اللغات واجتمعت لديه العقول المتخالفات، وهوسر توحيده وآية تفريده الظاهر في كل شيء لكل شيء بكل شيء قال عليه السلام

وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

وهي تلك المحبة السارية في كل أقطار الوجود ، وهي سر الإيجاد وعلّة الانوجاد وجهة الاتصال ومادة الانفصال ، تسرع بالأشياء إلى مبادئها وتوصلها إلى أصولها وجواهرها وتعرّفها مقامها ورتبتها ، أجمل لك المقال بأنها عين الكمال في المبدأ والمآل .
ثم اعلم أن العالي لا يزال يحب السافل ويلتفت إليه من حيث هو كذلك ولولاه لا سبيل للسافل إليه ، والسافل ليس إلا عين محبة العالي ومحبوبيّته له ومحبيّته له ، فالقول بأن العالي لا يلتفت إلى السافل بظاهره باطل إذ السافل ليس إلا التفات العالي فوجوده نقض لقولهم ، نعم التفات الانتفاع منتف وكذا الذكر عند الذات هذا في السلسة الطولية ، فكل سافل سائر إلى جهة العالي ومشتاق إليه وراغب فيما لديه ومنقطع إليه ولا يريد سواه ولا يطلب غيره من حيث هو ، وكذا العالي بالنسبة إليه إلا أن محبة العالي مقدّمة فأحبه بما جعل فيه من محبّته فأحبه بمحبته له لا العكس ، ومحبة السافل تقتضي الدوران والاستدارة الأبدية على نفسها لأنه يطلب العالي في سيره لفرط شوقه فكلما يصعد إليه يرجع قهقرى عند نفسه فيطلب الغير في مقامه ولا يمكن الوصول إليه ، فلذا لم يزدد إلا حبّا وشوقا وشغفا وغراما وولعا ، ولا يزال يتجدد له تجلي المحبوب ولا ينزل إليه أبدا .

قذفتهم إلى الرسوم فكل دمعة في طلوله مطلول

فجمال المحبوب له ظهورات حسب مراتب المحبين المشتاقين الولهين الفانين، ثم لجماله جمال ولجمال جماله جمال وهكذا، وللكل طالب ومشتاق لكن لا يطلب جماله إلا جماله ولا يريد وصاله إلا جلاله ولا يبصر نوره إلا  طرفه (( اعرفوا الله بالله ))1 ، قال الشاعر :

إذا رام عاشـقهـا نـظـرة فلم يستطعهـا فمن لطفها

أعارتـه طرفـا رآهـا بـه فـكان البصير بهـا طرفها

فافهم .
وإذ قد علمت أن الوجود قام بالحب وعاد إليه ، فاعلم أن المحبة محبّتان ذاتية وعرضية ، والذاتية ذاتيتان أحدهما هو اللانهاية السائرة الدائرة على محبوبها بالاستدارة الحقيقية لا إلى جهة وقد تقدم حكمها ، وثانيهما مقامات النهاية وكل نهاية سيرها إلى جهة فلا يكون الدوران على القطب بل على المحور فتختلف مراتبها في المحبة حسب ميولاتها التكوينية المحضة والتشريعة .
فأعلاها المقامات العقلية فإنها من حيث كينونتها لا تسير إلا إلى جهة تلك المحبة وتميل إلى الحدود الغيبية المعنوية وإلى المعاني الكلية ، وتقرّبها إلى المحبة الحقيقية سريعة الوصول بخرق حجب النهاية لإدراك اللانهاية ، ولذا لا يميل إلى ما ينافيها ويضادّها ، ولا يشتاق إلى خدمة المحبوب وملازمته وامتثال أوامره ونواهيه وإيثار محبوبه على ما سواه فهو لا ينظر إلا إلى تلك المحبة لكنها في حجاب رقيق يتلألأ بخفق وهو من زبرجد .
وأسفلها المقامات الصورية المترتبة إلى العشرين وتجمعها الصور النفسية والجسمية والعرضية من الكيفيات والكميات والجهات والأعراض وغيرها .
وأعلاها الأعلى وهي الأسفل الأدنى فاقدة للمحبة الحقيقية لكمال بعدها عنها واحتجابها بالغواشي حتى تشغله الكثرات وتلهيه الإضافات ، والميل في هذه المقامات لا تكون لذاته بل لجهة من الجهات وحيث من الحيثيات ، وذاتية هذا العرضي تنبئ عن ميل محبوبه إليه لتآلفهما في الذر الثالث حين تفردهما على دوحات سدرة المنتهى وتوجههما ، وقد لا تنبئ لجواز أن يكون على ذلك الغصن وجهه على ظاهره ، فأحدهما مقبل والآخر مدبر وهذه صورتهما ( دد ) ، وعرضي هذا العرضي يكون بـدواعي اللطخ
______________
1 التوحيد 285
 

 

والخلط ، وقد ينبئ ذلك عن ميل الآخر إليه إذا استحكم اللطخ والخلط بينهما ، فالواقف في هذا المقام لم يزل في احتجاب عن وجه المقصود الحقيقي وعن المحبة الإلهية وهم المشار إليه في قوله عز وجل { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }1 فسيرهم أبدا عرضي معكوس وشمس مداد حبهم في الأفول والطموس .
وأوسطها الأوسط وهو الأسفل وهوالحجاب الأسود لا يدور إلا إلى الجهة ، وهي الجهات الحسية المتكثّرة والمدارج الرسمية حجاب غليظ وميلها عكس الميل الكلي ، لا تميل إلا إلى الصور الجسمية ولا يشتاق إلا إليها ولا يهوى إلا إياها ، وفيها نسيان المحبوب الأول لأن كينونتها على خلافه وإن كان قوامها به ودلالتها عليه ، فشوقها الغريزي وميلها الذاتي إلى الجهات وذوات الأوضاع والحدود ، وكذا الشوق الوجداني والشعور الحيواني فإنهما قد يتخالفان عند احتجاب الواقفين بالحجب الظلمانية وإلا فلا اختلاف كأهل الجنة في درجاتهم ومقاماتهم حسب اقتضاء كينوناتهم بأعمالهم ودواعي إقـبالهم ولا يميلون إلى ما ليس لهم ولا يشتاقون إليه ليكدر عليهم صافي شربهم كما في الدنيا قال عز وجل { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ }2 { وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ }3 .
وأسفلها السفلى وهي مقامات الأعراض ، وتلك المحبة حجاب أسود غليظ كالليل الدامس كثير الحيّات والعقارب فيه أحوال مظلمة ومقامات منكرة ، ولا تميل إلا إلى الحدود الكثيفة وهي عن المحبة الحقيقية بعيدة بعيدة ، وفي هذا المقام يحصل الميل إلى الصور المقدارية الجميلة والشمائل المستحسنة والأصوات المطربة كما هو المعهود الآن في أبناء هذا الزمان من لعبهم بالصبيان وعشقهم بالمردان واستماعهم لصوت الغناء ومجالستهم لأهل الشقاء والعناء مدّعين بأنها من الكمالات وعشقهم مجاز يوصل إلى الحقيقة فإن المجاز قنطرة إلى الحقيقة ، وأنت إذا أمعنت النظر علمت أن هذا الكلام ليس إلا من جهة التسويـل والتمويه على الجهال وإلا فلا مناسبة بينهما إلا
__________________
1 آل عمران 14

2 النساء 54

3 النساء 32
 

 

باللفظ ، وها أنا أنبهك ولا حول ولا قوّة إلا بالله على حقيقة الأمر في ذلك فاعلم أن الحدود من حيث هي حدود لا تكون مجازا إذ حركتها تبعيّة وسيرها لظهور الحقيقة وحركتها ضدية مجتثّة فتدور على خلاف جهتها فبطلت المجازية ، نعم المحدود مجاز للمطلق والنور مجاز للمنير والحركة مجاز للمتحرّك لا من حيث الحدود ، فإذا نظرت إليها لا من حيث هي بل من حيث ظهور العالي كان مجازا فإذا انطوت الحدود واضمحل الوجود والشهود فالواقف في مقام المجاز حيث لم يصل إلى الحقيقة إن كان صادقا لم يكن نظره إلا إليها فحيث لم يصل إليها فهو بعد في مقام صحوه ورتبة فعله وعالم فرقه، ففي عالم الفرق للمحبوب ذكر عند المحب كما في عالم الجمع محو وسكر واتحاد بل وحدة في مقام الحب الحقيقي الذي هو عين المجازي الذي هو عين الحقيقي ، فأهل المجاز الواقفين في عالم الأغيار والأكدار حيث فقدتهم العين فأين هم من الذكر ، ولما كان ذكر المحبوب اللائق له لا يمكن إلا بعد الاتصال في مقام ( هو نحن ونحن هو ) ويتعذّر ذلك لأهل المجاز لأنهم بعد طالبون للجواز أبان لهم المحبوب في مستسرّات الغيوب وجعل لهم في عالم البين والفرق تلك الأذكار لتكون موصلة لهم إلى تلك الديار إذ قد عرفت أن المحبة في الرتبة الأولى هي ذكر المحبوب وذلك الذكر هو ما أسس الشارع عليه السلام من أنواع الطلب وأقسام الذكر لكونه هو المحبة في تلك المقامات ولذا قال عز وجل خطابا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم { {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ }1 ‏وقال عز وجل { وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ }2 ومن المعلوم البيّن أن المحب إن حرم على المشاهدة وهو صادق لم يزل في ذكر المحبوب وفكره فإذا نسي الذكر فهوكاذب في دعواه و مفتر في مدّعاه :

تعصي الإله وأنت تظهر حبــه هذا لعمرك في الفعال بديـع

إن كنـت فيه صادقا لأطعتــه إن المحب لمن أحب مطـيـع

فالذي نظر إلى الحدود واحتجب عن مشاهدة المعبود واشتغل بها عن الركوع والسجود ويدّعي أنه من أهل المجاز فهوكذب وزور وفرية وغرور فإذا اشتـغل بذكر المحبوب ذكره المحبوب { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ }3
___________________
1 آل عمران 31

2 البقرة 198

3 البقرة 152
 

 

فجذبه إليه وأخرجه عن الحدود فلا يرى شيئا إلا ويرى لمحبوبه فيه شهود فإن كان ليس من أهل المجاز يبكي ويشتد حزنه وبكاؤه وقلقه واضطرابه لفقدانه الجلوس مع المحبوب على سرائر القرب في عالم الغيوب فإذاً لا يتفاوت له مظهر دون مظهر وأثر دون أثر إذا لا غاية له إلا ملاحظة المؤثر المحبوب فكل الأيام له يوم واحد وكل الأشياء عنده شيء واحد وهو ظهور المحبوب ، فلم يزل ناظرا في آثاره وآياته ولاحظاً في مقاماته وعلاماته وملتزما ذكره وفكره كما كان للأولياء الصدّيقين والأحباء الراشدين وأهل العرفان واليقين مثل ذلك الرجل الهندي الذي كان ينظر إلى السماء فيبكي وإلى الأرض فيبكي وإلى الشرق فيبكي وإلى الغرب فيبكي ولم يزل يشتغل بتلك الأحوال ، ومثل سلمان أعجوبة الزمان وهؤلاء قليلون وهم عظيمون جليلون ، فمن فرّق بين مظهر ومظهر وأثر وأثر وقصر نظره في واحد دون الآخر فهو محدود محجوب ناسٍ لله عز وجل قال تعالى { نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ }1‏ فلا يريد في قصده المحبوب ولا يقصد إلا ذلك الشيء المطلوب , وجعل قوله المجازي شبكة لصيد الجهال و مجازا إلى الكفر والضلال ، ألم تنظر ما قاله أهل الأصول التي هي ظاهر الوصول وباطن الحصول أن استعمال الكلي في الفرد حقيقة إذا لم تلحظ فيه الخصوصية بوجه وإلا فهو مجاز ، ومرادهم بالحقيقة هو مجاز وبالمجاز هو ظاهر الجواز وهو الحقيقة الثانية المجتثّة ، يا إخواني لا تغّترّوا بأقوال بعض المتسمّين بالحكماء حيث رخّصوا أهل الدواعي النفسانية الشهوانية في عشق الصبيان والغلمان المردان وصرف بضاعة العمر في عشقهم الذي هوعين الطغيان بادعائه أنه المجاز والمجاز قنطرة الحقيقة ، فاشتغلوا بها عن الصلاة والصيام والإقبال على الله والخضوع والخشوع والتضرّع له والابتهال إليه في السر والإعلان ، فلا يتوجّه إلى الصلاة لو وقف إليها ولا يقوم لله بعبادة ونسك ، فلو وقف للصلاة فهو مشغول بذلك الأمرد بل ربما يخاطبه فإذا ناداه وهو في الصلاة قطعها ولبّاه وإذا رآه شهق شهقة ونعـق نعقة { كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ
________________
1 التوبة 67


مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ }1 ‏، كيف يكون المجاز مخالفا للحقيقة مع أن الصلاة وجه المحبوب وأعلى ما يتوجّه به المحب إلى المحبوب الحقيقي حتى أنها صارت من أعظم أصول العبادة ، فيهدم الصلاة لأجل هذا الغلام ولحبّه ومع ذلك يدّعي أنه مجازا إلى الحقيقة ، ولا يبعد أن يكون إرادتهم من الحقيقة أمر آخر بتكرّم الإنسان عن ذكره بئس ما سوّلت لهم أنفسهم، والداهية العظمى أنهم يجعلونه مع هذا من المحسنات الإلهية حتى ، قال صاحب الأسفار أنه من الأخلاق الإلهية المحمودة المترتبة عليها غايات شريفة وأنه فضيلة نفسانية ، وما أعجب ما استدل على هذا الطريق الباطل والمسلك الهائل بوجود هذا العشق في المبادئ العالية مثل أهل فارس وأهل العراق وأهل الشام والروم وكل قوم فيهم العلوم الدقيقة والآداب الحسنة والصنائع اللطيفة، وفقدانه في مثل الأكراد والأعراب والترك ، ويا سبحان الله ما عرف أن أكـثـر الناس لا يعقلون و
_________________
1 المدثر 50 - 51


{ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }1 { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ }2 { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا }3 وأن أهل الحق قليلون { وَقَلِيلٌ َمَا هُمْ }4 { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ }5 { وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ }6 والسر في ذلك عدم اطلاعه على حقيقة الأمر .
وها أنا أشير إلى ذلك مجملا فأقول اعلم أن الله سبحانه لما أمر اللطيفة الإلهية والحقيقة السرمدية بالإدبار لتصحيح الإقبال فنـزل إلى الجماد وكلما كان بالفعل كان بالقوة وخفيت المبادئ العالية والعوالم الأولية فلما أمرها بالإقبال لإتمام الإدبار أخذ في الصعود فكل مقام وصل إليه رآه حسنا وحسبه منـزلا لنسيانه تلك النفحات النورية والعوالم الغيبية ، وكل سافل يظهر في الصعود قبل العالي إلى أن وصل في صعوده إلى مقام النفس مقام الكثرة ومقام الاختلاف والصورة ورأى فضاء واسعا وعالما فسيحا أقام فيها ومكّن النفس في مدينة حقيقتها واستولت على عرش سلطنتها وإطاعتها الحواس والقوى والمشاعر فهي لا تشتهي إلا المخالف وبرهانه فليطلب من سائر رسائلنا ، فإذا ظهر العقل بعد تمكّنها واستقرارها ودعى القوى أن تتوجه إلى عالمه فإنه أحسن وأوسع وأشرف وفيه وجه المحبوب عصت النفس وصعبت على القوى إطاعتها لتمكّنها ومنعها ، فأرسل الله الرسل معينين ومظاهرين للعقل فكلّف سبحانه الخلق أي أمرهم بالكلفة والمشقة مع أن الطاعات كلها من مقتضيات العقل وراحة للملائكة العقليين ، ومشقّتها لما بيّنّا من صعوبة سلب ما عادت النفس عليه ولذا طلب الأكثر الراحة وما تقلّدوا بهذه القلادة وأقلّهم الذين قبلوا أكثرهم أنكروا ما يدعوهم إلى مخالفة النفس كثيرا كالولاية وأقلهم الذين قبلوا اقتصروا على الظواهر وغمضوا عن البواطن وما قتلوا أنفسهم إلا قليل قليل قليل وقد قال الإمام الكاظم عليه السلام ما معناه (( لو غربلت شيعتي ما خلص من الألف واحد )) مع أن كون هذا العشق من مشتهيات النفس في عالم الأعراض مما لا شك فيه لأن الصورة هي التي تدركها النفس وتميل إليها وليست في العالم العقلي صورة ولا شهوة إلا وجه الله وطاعته ، وما كان أهل فارس والروم من المبادئ
_____________
1 الأعراف 187

2 الأعراف 17

3 الفرقان 44
4 ص 24 5 سبأ 13 6 هود 40
 

 

العالية إلا من جهة شيوع اشتغالهم بالكثرات وغلبة الفسق والكفر فيهم ويجب أن يقال الرشد في خلافهم كما قالوا عليهم السلام ، وأما علومهم فليست مما يتعلّق بالدين ولو فرض ذلك فإنما هي صناعات لأن العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل ، ولا عمل إلا ذكر الله وليس ذكر الله إلا كما حدده الله في الكتاب وبيّنه رسله وخلفاؤه فمن تعدى ذلك الحدّ فقد استوجب الحدّ واستحق الرد ، وأما الأكراد والأعراب الذين أشار إليهم فهم بعدما ترقّوا من عالم الحس والجماديّة كلّهم خشب مسنّدة وما التفتوا إلى ما التفتت تلك المبادئ العالية من تسخير سلطان النفس إياهم ولَيْتَهم أيضا ما وصلوا وما ترقّوا وما التفتوا ليسلم الناس من شرّهم ، واعلم أن شرافة الكينونة هي الصور الإنسانية وحدودها التقوى والحب في الله والاشتغال بذكر المحبوب كما أراد منه { وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ }1 فإذا نقص شيء منها نقصت إنسانية وجاءت شيطانية وهل تجد تلك الحدود وخواصّ الإنسانية التي هي العلم والحلم والفكر والذكر والنباهة والنزاهة والحكمة في أهل فارس والروم التي أشار إليهم وهل وجدت هذا العشق عند أحد من خواص الأئمة سلام الله عليهم في مبادئ أمورهم وأوساطهم أو نهايتهم ، وما كان ذلك إلا دأب العباسيين وخلفاء الجور وخلفاء الشياطين ، ولما كان التصوف إنما وضع لإطفاء نور الله المبين وصد الناس عن أهل بيت العصمة والطهارة ، وكانت رغبة الخلفاء في محبة الغلمان والنسوان واستماع الغناء وكذلك طبائع الناس لكونهم في مقام النفس إلى هذه الأمور أميل رخصهم الصوفية الملحدون في ذلك وحببوا إليهم الكفر والفسوق والعصيان ثم مّوّهوها ببعض التمويهات واستدلوا عليها ببعض المزخرفات ليجلبوا الناس إليهم فإنهم همج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ، وجاء بعض المتشبّثين بالولاية حيث لم يدخلوا فيها بقدم ثابت وقلب مطمئن روي ولم يردوا على حوض ولاية أهل البيت عليهم السلام وإن ادّعوا ذلك وقلوبهم ناشفة عطاشى فوجدوا هذا السراب يلوح كأنه ماء فولجوا فاشتدوا ضماء
_________________
1 البقرة 198
 


وعطشا { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا }1‏   .
قال صاحب الأسفار ( وأما العناية في هذا العشق الموجود في الظرفاء وذوي لطافة الطبع فلما ترتب عليه من تأديب الغلمان وتربية الصبيان وتهذيبهم وتعليمهم العلوم الجزئية كالنحو واللغة والبيان والهندسة وغيرها والصنائع الدقيقة والآداب الحميدة والأشعار اللطيفة الموزونة والنغمات الطيبة وتعليمهم القصص والأخبار والحكايات الغريبة والأحاديث المروية إلى غير ذلك من الكمالات النفسانية فإن الأطفال إذا استغنوا عن تربية الآباء والأمهات فهم بعد محتاجون إلى تعليم الأساتيذ والمعلّمين وحسن توجّههم والتفاتهم إليهم بنظر الإشفاق والتعطف فمن أجل ذلك أوجدت العناية الربانية في نفوس الرجال البالغين رغبة في الصبيان وتعشّقا ومحبة للغلمان والحسان الوجوه ليكون ذلك داعيا لهم إلى تأديبهم وتهذيبهم وتكميل نفوسهم الناقصة وتبليغهم إلى الغايات في إيجاد نفوسهم وإلا لما خلق الله هذه الرغبة والمحبة في أكثر الظرفاء والعلماء عبثا وهباء فلا بد في ارتكاز هذا العشق النفساني في النفوس اللطيفة والقلوب الرقيقة الغير القاسية ولا الجافة من فائدة حكمية وغاية صحيحة ، ونحن نشاهد ترتب هذه الغايات التي ذكرناها فلا محال يكون هذا العشق في الإنسان معدودا من جملة الفضائل والمحسنات لا من جملة الرذائل والسيئات ) انتهى كلامه .
قوله ( فلما يترتّب عليه من تربية الغلمان .. الخ ) ، إن أراد كل الغلمان وكل الصبيان أو بعضها ممن له الشمائل الحسنة وتناسب الأعضاء وجودة التركيب قبل أن يبلغوا حدّ الالتحاء فإن أراد الأول فباطل بالضرورة إذ غالب الغلمان والصبيان ليسوا ممن يريده حتى بل ليس فيهم إلا القليل من الكثير أقل من الواحد بالألف ، بل أكثر أفراد الناس وأغلبهم بل كل أهل السواحل والبحر وبلاد الحبش والسودان وأطراف اليمن والمواضع التي غلبت فيها الحرارة واليبوسة من ذلك القبيل، والمواضع التي يمكن أن يتحصّل من ذكر لا يحصل إلا قليل ، فعلى هذا يلزم ألا تتعلّق العناية الإلهية في تربية أغلب أفراد الناس وأكـثرهم وجلّ الصبـيان والغلمان وتكون العناية خاصّة بمن
_______________
1 الجن 16
 

 

وجدت فيهم الشمائل اللطيفة ، فعلى هذا لا يبقى إلا القول بأحد الأمرين إما أن الله سبحانه أيضا يعشق الصبيان حتى جعل العناية بالنسبة إليهم أشد وأكثر بالنسبة إلى غيرهم تعالى ربي عن ذلك علوا كبيرا ، أو أنه رجح من غير مرجّح ، أو أن عدم جودة الشمائل يستلزم عدم حسن الذات في الواقع وجودتها تستلزم حسن الذات حتى تكون مرجحة ، فعلى هذا يلزم أن يكون أغلب الأنبياء مبغوضين عند الله وكذا لقمان الذي آتاه الله الحكمة وكذا مؤمن آل فرعون وأغلب الأخيار والصلحاء والمؤمنين والعلماء والمتقين من القسم الأول لا الثاني ، ويلزم أن يكون صبيان الكفار وغلمانهم ومعاندي الحق كلهم محمودون لأن حسن ظاهرهم دليل حسن باطنهم، وقوله هذا في الباطل أظهر من أن يرد ولا يشبه هذا القول بقول حكيم .
قوله ( والأشعار اللطيفة والنغمات الطيبة .. إلخ ) ، فيه أنه ليست تعليم هذه الأمور من العناية الربانية فإن العقل والنقل دالاّن على مذمّة هذه الأمور ، ولوفرضنا إباحتها ينبغي ترك هذه الآداب للصبيان لأنها كلها جهات النفس الأمارة بالسوء وهي تعينها إلى مطالبها من الشهوات ولذا ورد النهي عن تعليم النسوان سورة يوسف عليه السلام والأمر بتعليمهم سورة النور وكذا الصبيان فإنهم في أول الأمر لسذاجة طبائعهم يجب أن يعلّموهم المواعظ والنصائح وأحاديث أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام ويعلّمونهم طريقة الزهد والعبادة والنسك والطاعات ويزرون عنهم الأشعار والنغمات والقصص والحكايات ولذا قال عليه السلام ما معناه ( إن البطن يمتلئ قبحا خير من أن يمتلئ شعرا ) فإن الناس ما مالوا إلى التصوّف وإلى العشق وإلى الزنا واللواط إلا من جهة الأشعار والنغمات وأهل الأنس من أهل الملاهي وهو عند المؤمن الممتحن معروف وشرح ذلك يحتاج إلى تطويل المقال والعاقل تكفيه الإشارة .
قوله ( وإلا لما خلق الله هذه الرغبة في أكثر الظرفاء والعلماء ) فيه إن هذه الخلقة بسر الأمر بين الأمرين لا تدل على حسن ذلك لأن الله خالق كل شيء كتب الإيمان في قـلوب المـؤمنين بإيمانهم وخلق الكفر في قلوب الكافرين بكفرهم قال عز وجل { بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ }1 وخلق الشك والوهم والقساوة والريبة في القلوب على حسب مقتضيات طلباتها ، ولا شك أن أغلب الناس لو تركوا وشهوتهم لا شك أن رغبتهم إلى المعاصي كأنواع الفجور وشرب الخمر وأمثال ذلك أكثر من رغبتهم إلى الطاعات ، بل أغلب الناس ليست عندهم رغبة إلى الطاعة فيتكلّفون لذلك ، فعلى هذا يجب أن تكون المعاصي أحب إلى الله وإلا لما خلق الله هذه الرغبة في طبائع أكثر الظرفاء والعلماء ، فإن قلت إن العلماء لا يرغبون ، قلت عدم الرغبة لنهي الله لا لاقتضاء طبائعهم إلا قليل من المؤمنين الممتحنين الذين عرفوا الحيث والكيف واللّم وعرفوا مبادئ المعاصي ومبادئ الطاعات وسر الشريعة وهؤلاء أعز من الكبريت الأحمر وهؤلاء أيضا لا يرغبون في هذا العشق أبداً ولا يلتفتون أبدا لأنهم قد صعدوا وتجاوزوا عن مقام الصورة ، وبالجملة كل مؤمن مراقب لله وعظمته وقيّوميته مشتغل بطاعته وعبادته معرض عن هذا العشق ، ولذا ما نقل عن أكابر الصحابة من أحدهم هذا الأمر ولو فعلوا لوصل إلينا كما وصل إلينا مخفيات أمورهم ، نعم الظرفاء والعلماء الذين استشهد هو برغبتهم في السابقين بنوا أميّة وبنوا العباس لأنهم كانوا شديدي الرغبة في هذا العشق ولقد قال يزيد لعنه الله في مدح غلام أمرد :

دعوت بماء في إناء فجاءني غلام بها خمر فأوسعتـه زجرا

فقال هوالماء القراح وإنما تجلى له خدّي فأوهمك الخمرا

وهكذا غيرهم يطول الكلام بذكر أحوالهم وشدّة انهماكهم في هذا العشق ، وظهور هذا الأمر الشنيع في الغاية والنهاية إنما كان في دولة بني العباس حتى أنهم كانوا يعقدون المجالس فإذا سمعوا شيئا يذكرهم معشوقهم كانوا يشهقون ويقطعون ثيابهم ويغشى عليهم وأمرهم مشهور ، وفي هذا الزمان الظرفاء الجامعون لهذه الصفة الطيبة هم الحكام وخدّام السلاطين والفسّاق المتجاهرون والذين لا يبالون بصيام ولا صلاة ولا نسك ، وأما العلماء المشار إليهم فهم ليسوا إلا الصوفية ومن تبعهم من المنافقين المذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، وأما علماء أهل البيت عليه السلام الذين كانت ترد الـتوقيعات في مدحهم وجلالة شأنهم عموما وخصوصـا

________________
1 النساء 155

 


كالأبواب الأربعـة حتى قال بعض العلماء أنهم معصومون وكوالد الصدوق علي بن الحسين بن بابويه الذي ورد التوقيع في حقّه ويخاطبه الإمام الغائب عليه السلام ( شيخي وأبي وثقتي ) وكالكليني ثقة الإسلام وكالمفيد الذي ورود التوقيعات عليه خرق الأسماع وما بعدهم من علمائنا كالمقدّس الأردبيلي والعلامة والمحقق والشهيدين وأمثالهم من الأكابر من أهل الباطن والظاهر فما عهد منهم ظهور هذا الأمر الشنيع ولم يزل دأبهم وديدنهم الرد عليه والنهي عنه وهذا شيء معلوم ، أتجوِّز أن تقول أن هؤلاء وأمثالهم أرباب القلوب القاسية والجافة ، فإن قلت هكذا فلا جواب لك عندنا ، وإن قلت قد كان عندهم فلا يظهرونه فلا يمكن في العادة إذ ما من خصلة في شخص تخفى فلا بد أن تظهر ولو بعد حين مع أن هذا شيء أقرب الأشياء إلى الإظهار كما أنه قد ظهر من غيرهم من العلماء الذين يزعمون أنهم أهل ورع وتشمير ، وقد ظهر ذلك من الصوفية وباصطلاحكم من العارفين ، وأنتم في ما تزعمون أن أهل الباطن أشد احتمالا من أهل الظاهر فإذا ما احتمل أهل الباطن بزعمكم حتى أظهروه فأهل الظاهر أولى بذلك مع أن احتمال الوجود فيهم موهوم مرجوح فلا يصار إليه إلا بدليل قطعي فلو فتح هذا الباب أي المصير إلى كل شيء ممكن محتمل فيبطل أساس الدين، مع أنه ادّعى ظهور ذلك في العلماء وقد ثبت أن أولئك العلماء ليسوا من علماء أهل البيت عليهم السلام كما أنه الآن ديدنهم وطريقتهم لا ينكرون ذلك ولو لم يكن شيء في إبطال هذا الأمر إلا شيوعه عند الصوفية والعامة لكان كافياً في إبطاله وتزييفه لأن الرشد في خلافهم وقد قال الله عز وجل{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء }1 وقال علي بن الحسين عليه السلام في الصحيفة (( لا علم إلا خشيتك ولا حلم إلا الإيمان بك ، ليس لمن لم يخشك علم، ولا لمن لم يؤمن بك حكم ))2 والذي يخشى الله لا ينسى الله، والعاشق حين التفاته إلى معشوقه لا يذكر الله أبدا، وقد ذكر لي بعضهم أن قد التهيت بمعشوقي من أول الظهر وفقدت شعوري وإدراكي وما تنبّهت إلا وقد رأيت أن الدنيا قد اظلمّت والسرج قد علقت قلت ما الخبر قالوا جاء الليل وأنا ما صلّيت صلاة الظهر والعصر ، هل هذا من خشيـة الله { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيـمٌ
___________________
1 فاطر 28

2 مصباح المتهجد 472 من دعائه عليه السلام يوم الأربعاء

 


عَلِيمٌ }1 .
ثم قال صاحب الأسفار ( ولكن ولعمري هذا العشق ترك النفس فارغة عن جميع الهموم الدنياوية إلا هم واحد، فمن حيث يجعل الهموم على واحد ... إلى آخر ما قال ) ، وأنت خبير بأن الهم الواحد إن كان هوالله سبحانه هو المطلوب والمنى ، وأما غير الله فلا حسن فيه بل فيه قبح فإن الشخص وإن كان في عالم وقوفه له شؤون كثيرة لكنها ليست بثابتة بحيث لا تشغله عن كل شيء والكثرة دليل عدم الثبات فتساقط حال التعارف وينفق للشخص التخلية والإقبال إلى الله في بعض الأحيان وبعض الأحوال بل في أغلب الأحوال لكنه في تلك الحالة الميشومة المسماة بالعشق لا يرى لغير معشوقه تحقق وتأصّل لا يبوح في ذكره وفكره في الخلوات وأوقات الصلاة بل لا يلتفت إلى الله أبدا في تلك الحالات ويقطع الرحم وكل شيء يقطعه عن معشوقه وإن كان طاعة لله عز وجل شأنه فيكون العاشق في تلك الأحوال مشركا إلى أن يخرج منها وهو في محل الشك ، والغالب أن النفس إذا تعودت بذلك لا تفارقة أبدا بل تنتقل إلى الآخر إذ ارتفع حسن الأول كما قال شاعرهم :
ورد كل صاف لا تكن عند مورود تنقل فلذّات الهــوى في التنقل
نعوذ بالله من مضلات الفتن ، يا أخي تنّبه عن سنة الغفلة واعلم أن الله سبحانه لا يتوجّه إليه من جهة الغفلة عنه ولا سبيل إليه إلا بما دلوا وأمروا عن الله سبحانه وهم المعصومون المطهّرون المنزّهون عن الأخطاء والزلل، ودع غيرهم إن كنت آمنت بهم فإنهم الأعراف الذين لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتهم وطريق هدايتهم، فحبك للولي عليه السلام هو عين حبه لك بك لأنك مثاله وظهور جماله، بل الإنسان مثال المثال وجمال الجمال، فحبّك له عليه السلام هو توجّهك إلى جهته التي ظهرت لك وتلك الجهة هي نور جماله الظاهر فيك فأحبك بذلك النور لأنه مثاله وآيته ودليله فأظهر ذلك المثال إن كنت صادقا في حبه في كل أطوارك فيكون سمعك وبصرك ويدك ورجلك لأن هذه القوى والمشاعر شئونات ذلك النور والمثال وحكايات له ، فإن كان
___________________
1 الأنعام 139
 

 

الرجل غير ملتفت إلى المحبة وغير ملتفت إلى جهة المحبوب تستقل هذه القوى والمشاعر بالاستقلال الاجتثاثي ، وإن كانت ملتفتا و ناظرا ومنقطعا عن وجدان نفسه بدا الظهور الذي هو ذات الشخص ونفسه فغيب الصفات
والشئون فقال بي يسمع وبي يبصر كما تقول أنا سمعت وأنا رأيت ، ولا شك أن هذا السماع الخاص والإبصار الخاص ليسا عين ذاتك وإنما هما ظهوران من ظهورات ذاتك ، ولما كان الظهور فانيا مضمحلا عند الذات نسبتهما وأشباههما إليك وكذلك الحق عز وجل كما قال في الحديث القدسي (( لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل والعبادات حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته وإن استعاذني أعذته ))1 ، فإذا عرفت أن الكلام لا يقع في ذاته تعالى والمتكلم هو صفته علمت بأن المتكلم في هذا الحديث الشريف هو مكلم موسى في الشجرة بأني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ، وذلك المتكلم عن الله رجل من الكروبيين وذلك يأخذ عن رجل من العالين وذلك يأخذ عن نفس دلالة الكلام المتحصّلة من الكلمة المتحصّلة من نفسها بالله سبحانه ولا يحسن التعبير عن حقيقية العبارة عن حقيقة الإرادة إلا أن في الكلام إشارة صريحة إلى المراد يعرفه أهل الفؤاد فـقوله عز وجـل ( كنت سمعه .. إلخ ) كقوله عز وجل ( الكعبـة بيتي ) { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن
_______________
1 إرشاد القلوب 91


رُّوحِي }1 ‏فيكون هذا الذي يكون سمعا وبصرا للمحب هو الولي بظهوره للشخص لا بذاته وهذا مقام الودّ ، وأما في ( مقام هو نحن ونحن هو ) فهو أيضا ذلك الظهور لأن ظهور الظهور من حيث الظهور ظهور وهو معنى قوله عليه السلام (( نحن الأعراف الذي لا يعرف الله إلا بسبيل معرفـتـنا ))2 على أعلى المعاني وقولهم عليهم السلام (( بنا عرف الله وبنا عبد الله ))3 فيوم الحشر إلى الله في الظاهر والباطن والحقيقي والمجازي تختصر فيه النجاة في حب عليّ أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده الطيبين الطاهرين المعصومين عليهم السلام والصدّيقة الطاهرة عليها السلام مع السيد الأكبر صلى الله عليه وآله وسلم على ما شرحت وفصّلت ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم .
____________________
1 الحجر 29

2 تأويل الآيات 182
3 التوحيد 152

 

قال عليه الصلاة والسلام وروحي له الفداء:

فأنا الأمل والمأمول وأنا الواقف على الطتنجين

أنا الناظر في المغربين والمشرقين

 

اعلم أن الرئاسة الكبرى والسلطنة العظمى تقتضي أن يعطى كل ذي حق حقة من الإمدادات الوجودية من الذاتية والوصفية على اختلاف مقاماتها وأن لا يهمل شيء إلا وقد أعطي ما تسد به فاقته ، ويكون ذلك مستمرا له إلى الأبد ، والأشياء لها مقامان مقام وحدة ومقام كثرة ، وفي المقام الثاني لها مقامان مقام كثرة ذاتية ومقام كثرة عرضية ، فالأول من الأول مقام فقرهم وحاجتهم إلى الله الحق سبحانه الفياض على الإطلاق فهم في هذا المقام كرة واحدة مستديرة تدور لا على محور بل على القطب بدوا وعودا وقابلا ومقبولا ، والثاني من الأول مقام ابتلاء بعضهم ببعض والتفاتهم إلى جهاتهم وأحوالهم قال عز وجل { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }1 والأول من الثاني هو مقام الموجودات ورتبتهم في الطول ليكون الآخر تابعا وأثرا و معلولا للأول والأول متبوعا ومؤثرا وعلّة من حيث الحكايـة للآخر والكل يرجع إلى الله
____________________
1 البقرة 251


{ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَـافِلٍ عَمَّا تَـعْمَلُونَ }1‏ ومعنى ذاتية الكثرة الذاتية فيهم هو أن لا تجمعهم حقيقة واحدة وليس بينهم حد مشرك أبدا فكل واحد غير الآخر وإن بلغوا ما بلغوا وإن صعد السافل إلى ما لا نهاية له ونزل العالي إلى ما لا نهاية ، والثاني من الثاني هو مقام الموجودات ورتبتهم في العرض ليكون كل واحد منهم تجمعهم حقيقة واحدة ولا تكون بينهم تابعية ولا متبوعية لا أثرية ولا مؤثّرية ويتيسر لكل الوصول إلى مقام الآخر ، والكثرة العرضية هي اختلاف قابلياتهم في أنحاء القبول واختلاف ميولاتهم وطلباتهم للفيض الواحد الغير المتكثّر الغير المختلف ، وعمدة الاختلاف إنما حصلت في القوس الصعودي بعد نزولهم وصيرورة الأنوار والأسرا كلها بالقوة ، فمنهم من وصل إلى المقام الأقصى الذي أتى منه ، ومنهم من بقى إلى الأسفل الأدنى ، ومنهم من أدبر مولّيا ولم يقبل أبدا ، ومنهم من قرب إلى الوصول ومنعه عن الوصول بعض الفضول ، ومنهم من استولت عليه الأمراض فقعدت به عن السير ، ومنهم من سافر ولم يأخذ زاد التوكل وراحلة الاستغـناء فخلص زاده وتلفت راحلته وبقى متحيّرا ، ومنهم من أخذ الزاد والراحلة بقدر ما يكفي لكنه قطعه قاطع الطريق وأخذ ما كان معه فبقي واقفا تعبانا ، ومنهم من توقف ولم يسافر لشدة الكسالة وهكذا أمثاله من القواطع والموانع ، وهذا في كل شيء مما شملته دائرة الكون والوجود في كل مرتبة من المراتب وظهر في كل مقام لأهله ، ففي رتبة الإنسانية ظهر للإنسان وما للإنسان خفي على البهائم وما لهم من الأحوال والاختلاف حسب صعودهم إلى مبدئهم خفي على النباتات وهكذا حالها بالنسبة إلى الجمادات ، ولا يعرف هذه الاختلافات في كل مرتبة من أهلها إلا الذي صعد إلى الأعلى ودخل المسجد الأقصى عودا كما دخله بدوا فـهنالك هو في أعلى مقام ينظر إلى أحوال السافلين بعين اليقين لا على جهة الظنّ والتخمين .
____________________
1 هود 123


ألا ترى الإنسان فمنهم من هو واقف في مقام الجماد آخر مراتب النـزول مظهر اسم الله المميت وما توفق للصعود أبدا بالتشريع وإن صعد في ظاهر التكوين الصوري وأما باطنه بعد في مقام النـزول ولقد أخبر الله سبحانه عنهم بقوله الحق { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً }1‏ الآية ، والتشبيه ينبئ عما ذكرنا على أنّا نقول أن المشبه عين المشبه به في القرآن والأخبار .
و منهم من هو واقف في مقام النبات لا هم له إلا جذب الغذاء إليه ودفعه عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( من كان همه ما يدخل في بطنه كان قدره ما يخرج عن بطنه )) ولقد أخبر الله سبحانه عنهم بقوله الحق { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ
_________________
1 البقرة 74


قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }1 قال أحدهم عليه السلام (( نحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون وسائر الناس غثاء ))2 .
ومنهم من هو واقف في مقام البهائم منكّس رأسه لا يلتفت إلى المبدأ الحق سبحانه وتعالى ولا هم له إلا ما يؤول إلى نفسه من أنواع الملاذ من الظلم والغشم وحب الرئاسة وأمثال ذلك ولقد أخبر الله سبحانه عنهم بقوله الحق { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا }‏3 أولئك هم الغافلون ، وقال مولانا الباقر عليه السلام (( الناس كلهم بهائم إلا المؤمن والمؤمن قليل والمؤمن قليل ))4 .
ومنهم من هو واقف في مقام الإنسان هو أقصى المقام ، وهم الذين ظهرت فيهم الخواص الإنسانية كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في الناطقة القدسية أن (( لها خمس قـوى فكر وذكر وعلم وحلم ونباهة وليس لها انبعاث وهي أشبه الأشياء بالنـفوس الفلكية ولهـا خاصيتـان النـزاهة
__________________
1 المنافقون 4

2 الخصال 123

3 الفرقان 44
4 البحار 2/200 ح 68
 


والحكمة ))1 وهؤلاء لهم مراتب كثيرة أسفلها وأدناها مقام النفس المطمئنة وأوسطها مقام النفس الراضية والمرضيّة وأعلاها وأفضلها مقام النفس الكاملة وهي التي تشابه أوائل جواهر العلل وتشارك السبع الشداد ، وسر هذه الاختلافات والوقوفات هو ما ذكرنا لك من الموانع المتقّدمة .
ولما كان أهل كل مرتبة فـقـراء لائـذين بـبـاب الله سبـحانـه الذي هو فناء الولاية يحتاجون إلى الغذاء المقوي ، والغذاء قسمان روحاني وجسداني يفاض عليهم الأمران من فوّارة النور والقدر بأمر مستقر { فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا }2 فيأتي لأهل كل مرتبة الغذاء المناسب له الموافق لطبيعته ليعلم كل أناس مشربهم ، ألا ترى زرع الحنطة والشعيـر فإن لبها لبني آدم ، وقشرها وتبنها وما يجمع منها للبهائم والتي لا تجمع منها من الصغار المطروحة على الأرض للطيور والتي لا تـقدر على جمعها الطيور هي حظ الأرض وهكذا غيرها فهذه الأغـذية بالنوع يقال أنها واحدة لكنها تختلف هذا الاختلاف الشديد ولما كان الغذاء الروحاني هو العلم وهو الزرع الذي أشار إليه الحق سبحانه في كلامه الحميد المجيد { فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ }‏3 ( أي إلى علمه )4 على ما فسّره مولانا الصادق عليـه السـلام‏
_________________
1 البحار 61/83

2 الرعد 17

3 عبس 24
4 وهو ما نقله صاحب البرهان عن الكافي وهو قول مولانا الصادق عليه السلام لما سئل عن هذه الآية فقال (( علمه الذي يأخذه عمن يأخذه )) البرهان 8/214 .


{ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا }1 وهو العلم اللّدني والمعارف الكشفية الإلهية التي لا كيف لها ولا وضع ولا إضافة ولا حدود ولا صورة { ثُمَّ شَقَـقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا }2 وهي قلب الإمام عليـه السـلام وصدره وخياله عليـه السـلام { فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ }3 وهي أنحاء العلوم والمقامات والدرجات وأظن أني قد ذكرتها سابقا ، وهذه العلوم تنقسم إلى هذه الأقسام التي كانت تنقسم الحنطة والشعير إليها باعتبارٍ ، فتحقق أولوا الألباب وأولوا الأوبار أولوا الأصواف وأولوا الأشعار ، ولكل منهم حظ في معرفة العلوم الناشئة من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد قالوا عليـه السـلام (( إنا لا نخاطب الناس إلا بما يعقلون ))4 وهذه كلمة جامعة ، ثم أبانوا عليـهم السـلام أقسام المخاطبين وقالوا (( إن حديثنا صعب مستصغب لا يحتمله أحد، قيل فمن يتحمّله قالوا عليـه السـلام في رواية نحن وفي أخرى من شئنا )) ، فعلمنا أن هنا علوما لا يخاطب بها ولا يكلّف بها غيرهم سلام الله عليهم يخاطبون بها بعضهم بعضا ليس لأحد فيها نصيب سواهم عليـهم السـلام ، وعلوما أخر يخصّون بها من شاءوا وأرادوا بمشيئة خاصة بخطاب خاص وليست كلما طلبت وجدت وإن بلغوا في العلم ما بلغوا في المقامات الباطنية والظاهرية والظاهر في رواية أخرى قالوا عليـهم السـلام أو مدينة حصينه وسئل عنها قال عليـه السـلام هي القلب المجتمع ، فيكون ذلك فرعا آخر منه العلم يدرك بصفاء القلب وسكون الباطن وطمئنينة النفس وعدم تطرّق إبليس وجنوده لإدخال الشكوك والشبهات فيها وقد قالوا عليـهم السـلام (( إن حديث آل محمد صعب مستصعب ثـقيل مقنع أجرد ذكوان لا يحتمله إلا ملك مقرّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه
_______________
1 عبس 25

2 عبس 26

3 عبس 27 - 32
4 لم نقف على هذه الرواية بهذا اللفظ ولكن وجدنا ما يقرب منه في البحار 25/383 ح 38 عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال (( أمرنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم )) .


للإيمان ))1 وهذه علوم أسرار كينونية تختص بها الفرق الثلاثة ولهم فيها مادة اجتماع ومادة افتراق فيفترق النبي المرسل بما لا يحتمله المؤمن الممتحن والمؤمن الممتحن بما لا يحتمله الملك المقرب ، ففي محل الاجتماع يخاطب بها الفرق الثلاثة خاصة دون غيرهم فليس أحد يراد لفهمها سواهم فلا يطمع لذلك ، وعلامة ذلك أن ذلك حديث موجود في كتب الإمامية أو غيرها وما انعقد إجماع الفرقة المحقة على نفي ذلك عنهم عليـهم السـلام وإن كان بظاهره ينافي المذهب أو ينافي العقل حسب ما يفهمون فإن العلم لا يختص إلا بهم عليـهم السـلام ويريدون أحد سبعين وجها من كلماتهم كما قالوا عليـهم السـلام (( إني أتكلم بكلمة وأريد بها أحد سبعيـن وجها لي لكل
______________
1 البحار 2/191 ح 27


منها المخرج ))1 ولذا أجاب عليـه السـلام ذلك الرجل حيث قال إن الناس ينقلون عنكم أمورا لا يقبله العقل قال عليـه السـلام (( يقولون أنا نقول أن الليل نهار والنهار ليل قال لا يقولون ذلك قال عليـه السـلام وإن قالوا ذلك لا تكذبوهم فإنكم تكذبوني )) فإذا كان الأمر بهذه المثابة فلا يجوز طرح شيء مما ينتسب إليهم عليـهم السـلام إلا ما قام الإجماع بوضع ذلك الحديث كما قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( نحن معاشر الأنبياء لا نورث )) وأمثال ذلك ، وأما ما لا يكون كذلك فلا يجوز طرحه ، نعم إن الذي لم يعرف ليس مخاطبا به ولا مرادا منه كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( رحم الله امرئ سمع مقالتي فوعاها وأدّاها كما سمع فرّب حامل فقه وليس بفقيه ورّب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ))2 فإذا لم يخاطب به فليس مكلّفا بمضمونه فيذره في سنبله لأن (( الأمور ثلاثة أمر بين رشده فيتّبع وأمر بين غيه فيجتنب وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ))3  وإلى أهل بيته عليهم السلام لأن ( لهم عليهم السلام في كل خلف عدولا ينفون عن ديـنهم تحريـف الغاليـن وانتحال
________________
1 لم نقف على هذه الرواية بهذا اللفظ ووقفنا على ما يقرب منها في بصائر الدرجات ص 329 قوله علسه السلام (( إني لأتكلم بالكلام ينصرف على سبعين وجها كلها لي منها المخرج ))
2 دعائم الإسلام 1/378 ولكن بدل وأداها كما سمع ( وبلغها إلى من لم يسمعها ) .
3 الكافي 1/67/10


المنتحلين )1 فلوكان كل خبر وحديث يرد منهم عليهم السلام فيعرفه كل أحد أين إذاً صعوبة حديثهم حتى يختص به من هو مضاهٍ للأنبياء والمـرسلين والملائكة المقرّبين ، والمؤمن الممتحن هو الذي يصدّق قوله فعله فيتجافى عن دار الغرور وينيب إلى دار الخلود ويستـعد للموت قبل نـزوله فإذا وجدت هذه الصـفات الثـلاثـة في نفسك فـاعـلم أنـك المـؤمن الممتـحن الذي يتحمّـل أسرار أهل البيت عليهم السلام ، والمدعون لها كثير لكن لها علامة وهي أن يحصل العلم من غير تعلم فينفتح قلبه ويشاهد الغيب وينشرح (( ليس العلم بكثرة التعلم بل هو نور من عند الله يقذف في قلب من يحب فينفتح فيشاهد الغيب وينشرح فيتحمّل البلاء قيل هل لذلك من علامة يا رسول الله قال صلى الله عليه وآله وسلم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإستعداد للموت قبل نزوله ))2 ، فهذا هوالمؤمن الممتحن وله علامة أخرى أن لا يجد تعارضا في الأخبار وفي كلمات الأئمة الأطهار عليهم السلام مع اختلافاتها ، وأن لا يحتاج لتصحيح الأخبار وتهذيبها إلى تصحيح الرواة والرجال فإن ذلك لمن لم يشاهد المطلوب وهوبخلاف سبيل المؤمن الممتحن لأنه عرف الحقيقة الثانية التي مع كل حق والنور الذي مع كل صواب ، وله علامة أخرى وهي أعلاها أن يستند في كل أقواله إلى أربعة متطابقة لا يختلف بعضها مع بعض الكتاب والسنة والوجدان أما الفؤاد لدليل
________________
1 بهذا المعنى وردت الرواية عن إمامنا أبي عبد الله عليه السلام كما روي في الكافي 1/32 ح 2 قوله عليه السلام (( إن العلماء ورثة الأنبياء وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظا وافرا , فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين )) .
2 لم نقف على هذا الحديث بهذا اللفظ ووقفنا على ما يقرب منه في البحار 68/236 لما سئل عن شرح الصدر قال صلى الله عليه وآله (( نور يقذفه الله في قلب المؤمن فيشرح صدره وينفسح , قالوا :هل لذلك إمارة يعرف بها , فقال : نعم , الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله )) .
 


الحكمة أو العقل لدليل الموعظة الحسنة أو النفس والعلم لدليل المجادلة بالتي هي أحسن وآية الآفاق والأنفس ، فإن لم يكن جامعا للمجموع في مجموع المسائل فليس من المؤمن الممتحن الذي يضاهي النـبي المرسل والملك المـقرب ، وله علامة أخرى وهـو أن لا يحصل علمه من الأقوال وأفواه الرجال إلا الرجال الذين { لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ }1‏ ولا يأتي بكلام الغير لتتميم كلامه إلاّ تأييدا لرضاء الخصم به أو إبطالا لحججه فإذا سألته عن شيء يجيب عنه مؤسسا لا ناقلا ، وله علامات أخر يطول الكلام بذكرها وأعظم العلامات هو ما ذكر الإمام عليه السلام في هذه الخطبة الشريفة لأن هذه الخطبة من الأحاديث الصعبة المستصعبة التي لا يتحمّلها إلا المؤمن الممتحن ولا يخاطب بها غيرهم ولا حظ لأهل البحث والجدل فيها، ولذا خصص عليه السلام شيعته بالخطاب فإن هذا الخطاب يقبح أن يقع على غيرهم ، ولما كان منتحل التشيّع كثيرا وليس كلّهم مستأهلين لهذا الخطاب جعل لهم عليهم السلام أولا طريقة لتمكين قابليّاتهم ليستأهلوا للخطاب ويقرعوا ذلك الباب ، وتلك الطريقة هي التزام بيعته عليه السلام وهو الذي قال مولانا الصادق عليه السلام في تفسير الله أن (( الألف آلاء الله على خلقه من النعيم بولايتنا واللام إلزام خلقه ولايتنا والهاء هو ان لمن خالف محمدا وآل
__________________
1 النور 37


محمد ))1 ثم شرح هذا الإلزام والملازمة للبيعة بالمواظبة على الدين بحسن اليقين وعدم متابعة الشياطين والتوجه إلى الله سبحانه على الصدق واليقين والتمسك بحبل الله المتين ومتابعة الوصي الأمين ومحبته التي بها تفتح أبواب المعارف والحقائق والإشارات الغيبية كما قالوا عليهم السلام (( ما من عبد أحبنا وزاد في حبنا وأخلص في معرفتنا وسئل مسألة إلا ونفثـنا في روعه جوابا لتلك المسألة )) وقال أمير المؤمنين عليه السلام (( المتبعون لقادة الدين الأئمة الهادين الذين يتأدّبون بآدابهم وينهجون نهجهم فعند ذلك يهجم بهم العلم على حقيقة الإيمان فتستجيب أرواحهم لقادة العلم ويستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم ويأنسون بما استوحش منه المكذّبون وأباه المسرفون)2 الحديث ، فإذا بلغ الشيعة إلى هذا المقام في العمل فتفتح عليه أبواب الأسرار الإلهية المخزونة في الخزينة العلوية ، فلما أبان عن مقدّمات الاستيهال كشف الغطاء عن وجه الإجمال فقال عليه السلام (( أنا الأمل والمأمول )) .
هذا أول مقام الأسرار وأول مقام ظهور الأنوار وأول مقامات معرفتهم بالنورانية وأول مظهر من المظاهر الربانية ، لكنه اعلم أولا أن جميع ما يذكر في هذه الخطبة الشريفة من جميع ما يـنسب إلى نفسه الشريفة فكل الأئمة سلام الله عليهم مشتركون فيه { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ
_______________
1 التوحيد 230 2 الكافي 1/235


مُسْلِمُونَ }1 ، فلا تتوهم أنها مخصوصة ، نعم لهم مقامات اختصاص نشير إليها في مواضعها .
أما بيان هذه الفقرة بالإجمال فاعلم أن أول مبادئ الكون وأول جواهر العلل هي النقطة البسيطة أمر الله الواحد الذي به قوام الأشياء كما قال عز وجل { وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ }2 { وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ }3 { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }4 وهذه النقطة لما خفيت عن نفسها وانقطعت عن غير بارئها فظهرت بظهور الحي القيوم الواحد الأحد القائم على كل نفس بما كسبت ، فحكت ذلك المثال وظهرت كعموم قدرة الله عز وجل متشأنة بكل الشئونات وحاملة لكل الظهورات ، فتنزّلت في مقامات الإدبار وصعدت درجات الإقبال فأظهرت تلك الشئون والأطوار فكانت كل الكثرات والإضافات متقوّمة ومتحصّلة بتلك النقطة الإلهية قيام تحقق وعضد وركن كقوام الأعداد بالواحد وقوام الحروف بالألف اللّينة وقوام الكلمة بالنفس ، فمبدأ الوجود كله واحد والموجودات الكثيرة كلها أطوار ذلك الواحد وأكواره وأدواره وأوطاره وقوامها وحياتها وتقوّمها وتحققها وفعلها وتأثيرها كلها بذلك المبدأ الواحد الذي هو حامل الفيض وباب الوجود ووجه الله المعبود ، كالقلب للشخص الإنساني فإن آلات البدن وأحوالها وأفعالها وحركاتها وسكناتها وتأثيراتها وتأثّراتها وانفعالاتها وقابلياتها وكلما لها ومنها وإليها وعنها وفيها وبها وغيرها كلها متقوّمة بالقلب أي حامل الحرارة الغريزية ، وتلك الحرارة متقوّمه بما لها وإليها وعنها وبها بالروح الحيوانية الحساسة ، وتلك الروح متقوّمة بالروح الإنسانية ، والروح الإنسانية متقوّمة بالعقل ، والعقل متقوّم بذلك الأمر الواحد الذي منه كل شيء حي وهو الماء الذي به كل شيء حي ، فكل حركات الشخص وآثاره من ذاته وصفاته كلها منتسبة إليه ، فالصفات والآثار كلها لا تتوجّه في جهات استمدادها في مقامات قابلياتها إلا إلى ذلك
_________________
1 آل عمران 84

2 القمر 50

3 الروم 25
4 يس 82


الأمر فهو المأمول لكل ما تحته ، فكل ما تحته لا يأملون شيئا سواه لأن كل أمل الشيء ترجع إلى مناسبات تقوي ذاته أوتلائمه، وكل المناسبات كائنة ما كانت وبالغة ما بلغت مجتمعة في ذلك الأمر، وتلك المناسبات إنما صارت مما يؤول لظهور ذلك الأمر فيه فليس مأمولا في الواقع للشيء إلا ما به يتقوّم وجوده وحقيقته لأن مرجع المناسبات كلها إليه ولا يكون ذلك إلا قطب دائرة وجوده وينبوع خيره ونوره وباب استضافته من المبدأ ، فإليه تنتهي الآمال وإليه ترجع الأحوال وعنده تنقطع الأقوال فهو مأمول كل آمل من ظهوراته وشئوناته وجهاته وإضافاته ، لأن الإنسان مثلا الأصل فيه القلب وجميع أحوال البدن كلها تنتهي إليه فلا يشّذ عنه شيء وإلا انعدم لأن مبدأ وجوده عنده بل ليس البدن إلا تطوّرات القلب وظهوراتها به وهو سار مع كل البدن لا يفقده شيء من البدن في حال من أحواله ، فجميع طلباته وآماله وسؤالاته كلها ترجع إلى القلب ، هذا إذا كان المأمول هوجهات المناسبات من الأحوال المتمايزات وجهات الإمدادات والإضافات أوغيـرها من الحالات ، وأما إذا كان المأمول هو الذي ضجّت إليه الأصوات بصنوف اللغات بارئ المسموكات وداحي المدحوات فكذلك أيضا لأن الحق سبحانه إنما ظهر للخلق بالخلق فتجلى لكل شيء بكل شيء فلا يصل أحد إلى رتبة حقيقة ذاته تعالى وتقدّس بل يتوجّهون إليه سبحانه بما أظهر لهم فيهم من أمثاله وآياته ، وذلك الظهور إنما ظهر في تلك النقطة التي هي وجه المبدأ لهم بهم ، فكان المأمول هو تلك النقطة من غير إشارة ، فالمأمول الواقع عليه الأمل هو تلك النقطة والمقصود منه هو الحق القديم تعالى شأنه وتبارك ، فصحّ أن ذلك الوجه أو تلك النقطة أو ذلك الأمر هو المأمول حقيقة لكل ما تحته من الشئون والأطوار ، فإذا كان ما تحته شئوناته وأحواله وجهاته وإضافاته فلا شيئيّة لها إلا بذلك الأمر بل كل مرتبة من مراتب الشيء ليست إلا ذلك الأمر من حيث حدوده بذلك الحد الخاص ، كالألف في الحروف فإنها ليست إلا الألف لكن لما ظهرت الألف في كل مرتبة بحد خاص بها سمّيت باسمها لأن الأحكام تدور مدار الصور فقيل با تا ثا جيم وهكذا ، وكالخشبة فإن الصنم والسرير والباب والصندوق ليست شيئا سوى الخشبة والصور المميزة والحدود المشخّصة لا قوام لها إلا بها فلا يستند إلى هذه الأمور فعل إلا وأصله ومبدؤه هي الخشبة ويلزم ذلك المحدود مقتضاه إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا ، فظهر لك أن قوام أركان البدن والقوى والمشاعر كلها بذلك الأمر الواحد الساري في الكل ، وتلك المشاعر والقوى حدود معينة لا ذوات فعّالة وإنما يقدرون الفعل ، فالقدرة والقوة والحياة لذلك الأمر وإنما التقدير والتكييف والضعف والقوة بتلك الحدود ، فيكون الأمل في الحقيقة هو ذلك الأمر وإن ظهر في المظاهر والمرايا فذلك الأمر الإلهي الوحداني الساري في كل مراتب الشخص هو الأمل حقيقة وهو المأمول حقيقة لأن كل ما سواه ميّت ولا حياة له ولا حراك ، فهو روح وكل المراتب أجساد لا قوام للجسد إلا بالروح ولا ظهور للروح إلا بالجسد فكل الأحوال الظاهرة في الجسد كائنة ما كانت إنما هي للروح لا للجسد إلا أن للروح حكم التدبير وللجسد حكم التقدير فافهم هذا البيان المكرر بالفهم المسدد .
فإذا فهمت هذا فاعلم أنه قد دلّ العقل والنقل أن أول الموجودات وأشرفها هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطيبون الطاهرون وأن كل ما سواهم عليه السلام من فاضل نورهم وزائد ظهورهم على تفاوت مراتبهم ومقاماتهم ودرجاتهم ، ولا شك ولا ريب أن النور لا تقوّم له إلا بالمنير فلا تأثير له ولا حكم عليه إلا بالمنير ، فنور المنير عضد وركن لكل الأنوار المختلفة ، فلا مأمول للنور إلا المنير ولا مطلوب للأشعة إلا الشمس وهو قول علي ابن الحسين عليهما السلام (( إلهي وقف السائلون ببابك ولاذ الفقراء بجنابك ))1 والأمل الذي هو الميل إلى المأمول المطلوب لا يكون إلا وجه المأمول وظهوره له به ، فالمأمول مأمول بالأمل الذي جعله من ظهوره في الآمل وذلك الظهور هو الذي قد تعلّق به الأمل ، والآمل هو الظاهر بالأمل فيكون ذلك هو عين المأمول على ما قلنا سابقا في المحبة بأنها عين المحب والمحبوب ، لأن الآمل الذي هو الظاهر بالأمل لو كان فيه جهة غير جهة المأمول لم يكن آملا والمأمول لوكان خارجا عن حقيقة الآمل لم يقع عليه الأمل فإذا لم يقع عليه الأمل لم يكن مأمولا ، فثبت أن المأمول ليس إلا ما ظهر للآمل عند الأمل لا عند الخارج وذلك الظهور ليس إلا نفس الآمل فيكون الآمل هو نفس المأمول وذلك كالصورة في المرآة فإن ظهور المقابل
_________________
1 من أدعية شهر رمضان المبارك

 


للصورة بنفس الصورة وتوجّه الصورة إلى المقابل بنفس ما جعل المقابل في الصورة من ظهوره الذي هو عين الصورة ، فالمقابل من حيث هو مقابل هو المتوجّه إليه به فالصورة وعاء وحاملة لذلك الظهور والتوجه فإن الصورة من حيث هي صورة حدود خارجة مباينة دائرة على خلاف التوالي ، فالتوجه إلى المقابل لا يكون إلا من حيث هو مظهر والمظهر لا يكون إلا إذا تمحّض في الظهور والظاهر ليس إلا ما ظهر بالظهور فاتحدت المراتب كلها ، ولما كان علي أمير المؤمنين عليه السلام هو السراج الوهّاج الذي استضاء منه كل شيء فيكون نوره عليه السلام مادة لكل الذوات الوجوديّة فتكون الأشياء كلها أشباح ومثل تحكي ظهوره الأقدس المقدّس عليه السلام ، والحدود شئون وحدود لذلك الظهور الواحد المكرّم فلا قوام له إلا بذلك الظهور في كل أحوالها وهوسر قوله عز وجل { وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ }1 فرجوع الأشياء كلها إلى ظهوره عليه السلام وظهوره ليس إلا حكاية عنه والموجودات كائنا ما كانت ليست إلا حكاية ومرايا ذلك الظهور ، فكل كمالاتها تنتهي إليه عليه السلام وكل نقائص أحوالها متقوّمة به عليه السلام كتقوّم الظلّ بالشمس ، فلا متكلّم سواه ولا يسمع صوت إلا صوته ولا يرى نور إلا نوره فكلهم سكوت غيره إذ أموات وأعدام بدونه ، فإذا تكلّم عليه السلام بأي نحو من أنحاء الكلام يقدر ذلك الكلام على حسب السائلين السامعين الذين ليسوا شيئا إلا ذلك الكلام الواقع في ذلك الحد فتختلف الأصوات واللغات والحروف والكلمات وليس عنده عليه السلام إلا كلام واحد وهو الذي ألقي على الخلق في البدء ويحاسبهم بذلك الخطاب والكلام الواحد في العود وهو قول ( لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي أمير المؤمنين ولي الله والأئمة من ولده أولياء الله عليهم السلام ) وكلما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم حق من عند الله وكل شيء لا شيئيّة له إلا بهذا القول والجواب الحاصل من هذا القول في كل حد ، فتختلف الأحوال والأفـعال والذوات والصفات وهو قول مولانا الصادق عليه السلام (( نحن السائلون ونحن المجيبون )) على المعنى العام الكلي ، فهو عليه السلام هو الأمل والأمل الحقيقي هو الذي عنده عليه السلام بسر ( أحببت أن
___________________
1 الإنسان 30
 

 

أعرف ) ولما كانت كل الأشياء ظهورات شئوناته فيحكي تلك الأملية فسرى ذلك الأمل والميل في كل أقطار الوجود وذوات الشهود ، بل ليست الموجودات إلا ذلك الأمل بكل معانيه في كل مقاماته ، والآمل هو الظاهر بالأمل فهو عليه السلام الأمل وهو المأمول فإن كل مأمول إنما هو ظهوره بنسبة ذلك المقام وقد شرح هذه الدقيقة الشريفة بقوله روحي فداه (( أنا ذات الذوات والذات في الذوات للذات )) .
فقوله عليه السلام (( أنا )) على حد ما قال الله عز وجل خطابا لموسى { أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا }1 وكان ذلك ظهور من ظهورات ظهوره عز وجل الظاهر لموسى بموسى ، وكذلك قوله عليه السلام (( أنا )) يريد به الظاهر بالكلام وذلك الظاهر هو صفته عليه السلام لا ذاته وذلك الظاهر هو ظهوره عليه السلام ، فظهوره ذات الذوات وهو العلة المادية للذوات كلها وهو قولهم عليهم السلام (( إنما سموا شيعة لأنهم خلقوا من شعاع نورنا ))2 ومدخول ( من ) فيما يتعلّق بالصنع والإيجاد لا يكون إلا مادة كما تقول صنعت الخاتم من الفضة ، وذلك النور هو مرادنا بالظهور فإذا كان نورهم عليهم السلام هو المادة فالصورة لا تكون إلا عرضا للمادة غير متقوّمة إلا بها فتكون الصور كلها أعراضا للمواد والمواد التي هي النور أعراضا قائمة بالمنير قيام صدور فالمنير هو الذات القائمة به كل الأعراض ، فإذا كان علي أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده الطيبون عليهم السلام هم المنير فيكون الخلق بذواتهم وحقائقهم أعراضا لهم قائمة بهم قيام صدور وبنورهم قيام تحقق وقال الشاعر :
يا جوهرا قام الوجود به والناس بعدك كلهم عرض
وقال ابن أبي الحديد :

صفاتـك أسماء وذات جوهر برئ المعاني عن صفات الجواهـر

يجل عن الأعراض والكيف و المتى ويكبر عن تشبيهه بالعناصر

ولا ريب أن الأعراض لا قوام ولا حركة لها إلا بمعروضاتها والصفات لا وجود لها إلا بموصوفـاتها ، فالأصل المقوم في الكل هو الجوهر الموصوف
_________________
1 طه 14 2 البحار 25/23 ح 39

فهو عليه السلام الأمل والمأمول وهو السائل والمجيب ولا نـتعدّى عما قالوا عليهم السلام لئلا تسارع العـقول إلى إنكاره فإذا أنكروا ما ذكرنا وسطرنا فـقد أنكروا قول الإمام عليه السلام وقول الله عز وجل أيضا حيث يـقول{ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ }1 .
ولما أجرى الإمام عليه السلام الكلام في التوحيد والنبوة على الترتيب التكويني على وجه الإجمال أجرى الكلام في الولاية أيضا على ذلك المنوال إلا أنه شرح الحال على جهة التفصيل كما هو مقتضى الولاية ، فشرع عليه السلام في بيان مفتتح الكون و معنى ظهوره به ومنه وعنه لأن الله عز وجل بهم فتح وبهم ختم ويختم قال عليه السلام في الزيارة (( بكم فتح الله وبكم يختم ))2 ومفتتح الكون على قسمين ظهور إلهي وظهور خلقي ، والظهور الإلهي على قسمين ظهور بالتوحيد وظهور بالأسماء والصفات ، والظهوران قسمان ظهور ينفي التقابل والتضاد في كل الأصقاع على جهة الإطلاق ، وقولي ينفي تعبير وإلا فالنفي فرع الإثبات ، وظهور ينفي المقابل والأضداد بذكرهما ، والعبارة الأخرى هي أن تقول ظهور لا ذكر للضد معه وظهور للضد فيه ذكر ولذا اشتهر عندهم ( إنما تعرف الأشياء بأضدادها ) وقال مولانا الرضا عليه السلام (( بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له وبمضادتـه بين الأشياء عرف أن لا
_________________
1 الإنسان 30 2 الزيارة الجامعة الكبيرة


ضد له ))1 فالظهور الأول هوجامع الأضداد ورافعها بخلاف الظهور الثاني، فأشار عليه السلام بقوله الشريف (( أنا الأمل والمأمول )) إلى القسم الأول من قسمي القسم الأول أي رفع مقام التضاد إلى قوله عليه السلام (( نحن الأعراف الذي لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا ))2 وقوله عليه السلام (( بنا عرف الله وبنا عبد الله ))3 (( ولولانا ماعرف الله ))4 (( لولانا ما عـبد الله ))5 .
وبيانه بالأشارة والإجمال باللسان الظاهري أن أول ما خلق الله سبحانه المشيئة وهي أول الظهور الإلهي ، ولما كان الظهور يحكي مثال الظاهر وآيته فلا يكون لها أول ولا آخر ولا قبل ولا بعد ولا جهة ولا كيف ولا ضد ولا ند لأن هذه الأوصاف وأمثالها صفة الحق الظاهر للخلق بالخلق ، فلو لم يكن أنموذج لهذه الصفات عند الواصف لما أمكنه الوصف إلا من غير شعور وروية ولكان التكليف بالمعرفة إذاً تكليفا بما لا يطاق ، مع أن ظهور الحق جل شأنه لوكان على خلاف صفته لم يكن ظهورا له بل كان عكسا أو مخالفا مع أن الأولية والآخرية مخلوقتان بالمشيئة والمشيئة قد سبقت الأولية والآخرية وإلا لما يعقل خلقهما بها ، وبالجملة فكل الصفات المتقابله هنا منتفية مجتمعة فلما تحققت المشيئة أي الاختراع الأول حصلت له جهتان جهة إلى مبدئه وجهة إلى نفسه ، فوضع لها لفظ مركب من حرفين وهو كن فالكاف للجهة العليا والنون للجهة السفلى ، والمشيئة كلها عليا لأنها من الوجود الراجح وهي القدرة ، إلا أن الجهة العليا منها تحكي التوحيد الصرف الذي لا ذكر لشيء من الأشياء وذرة من الذرات وإن عظمت وجلت فيها ، وهو الفناء المحض والشهود الصرف والتجلي الذاتي بالعنوان الوصفي ، وهذا هو المنقطع الوجداني ومنقطع الإشارات وذات ساذج واللا تعين وعين الكافور والكنز المخفي وشمس الأزل ، وهو مقام التوحيد الحقيقي الذي لا مقام فوقه
______________
1 عيون أخبار الرضا 1/151

2 الكافي 1/184 ح 9
3 التوحيد 152

4 مسائل علي بنت جعفر 319
5 مسائل علي بن جعفر 316
 


ولا منـزل دونه وقد تكرر الكلام عن هذا المقام إلا أن الواصيلن والمشاهدين قليلون .
والجهة السفلى هي عموم قدرة الله الظاهرة لخلقه بخلقه وهي مقام الواحدية التي فيها ذكر لكل شيء وضده ، فلا يوجد شيء ولا يتخيل ولا يتصور ولا يتعقل ولا يشاهد شيء إلا وهو مذكور في تلك الجهة ، فتناسب تلك الجهة كلما برز ويبرز في الكون وما لا يبرز ويبرز ويعدم وهكذا إلى ما لا نهاية له في كل الأكوار والأدوار والأوطار والأطوار وغيرها من المقامات ولا يعاند شيئا أصلا فيحكي الكل في كل أحواله مثالها سبحان من هو قدرته واسعة وفيضه عميم و ملكه قديم ، فالمشيئة في ذاتها لا تناسب شيئا من الأشياء وفي ظهورها تناسب كل شيء فارتفعت فيها الأضداد واجتمعت ، فالجهة العليا تحكيها الكاف والجهة السفلى تحكيها النون ، ولما كانت الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم هي أول ظهور المشيئة فقد ظهرت بكلها فيها كما قال عز وجل في الحديث القدسي المشهور (( لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن ))1 ، وهو النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ، فلما ظهرت المشيئة بكلها أي بالجهتين في الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم حكت الحقيقة المقدسة المباركة كل تلك الأحوال فجمعت فيها الأضداد في مقام ظهوراتها وارتفعت في ذاتها فصار حكم المشيئة حكم الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم في كلها لها وإليها وعنها وبها في حكاية التوحيد والقيومية على الأشياء كلها، فتوجهت الجهات المتقابلة والحدود المتضادة كلها إلى تلك الحقيقة المقدسة بالإضافة إلى أماكن الحدود ورتبتها ومقاماتها ، ثم تشعشعت منها الأنوار وظهرت عنها الآثار فوقع كل نور بحسب مقام قابليته من حدوده وأوضاعه فأفيض عليه من فوارة القدر التي تفور عن تلك الحقيقة المقدسة المباركة على حسبه ، فقام معلنا للثناء على الله جل وعلا على ما ظهر له من الوصف الإلهي الظاهر في تلك الحقيقة الظاهر في ذلك الشيء ، ولما كان الشيء في مداركه و مشاعره لا يتعدى رتبة ذاته ولا يتجاوز عن حقيقته التي هي وجه مبدئه بالضرورة إذ لا وجود له كونا قبله والإمكان عدم أو وجود ذكري صلوحي وهو في الأزل
_________________
1 البحار 58/39 ح 61
 

 

ممتنع فليس له إلا مراتب وجوده ، ولما كانت المراتب السافلة الزائدة عن حقيقة الذات مشوبة بلطخ الإنية والماهية فلا يتوجه بها إلى المبدأ الحق جل وعلا فينحصر توجهه بذاته المجردة عن السبحات النفسانية والإنية وتلك الذات المجردة في الإنسان هو نور النور للحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم ، فيتوجه في توحيده إلى الله بظهور تلك الحقيقة وذلك الظهور رسمي فذلك هوالموحد لأن الإنية مشتركة والتوحيد منحصر في سلبها ، فإذا ارتفعت وانعدمت لم يبق إلا صرف الظهور فهوالموحد المتوجه إلى الله الأحد الظاهر له في ذلك الظهور وليس ذلك الظهور إلا حقيقة نور النور ورشح الرشح فافهم هذا الرمز المنمن ، فكانت معرفة تلك الحقيقة بذلك النور الظاهر فيه هو عين معرفة الله وذلك النور لا شيئية له إلا بالمنير ففعله هو فـعل المنير وهو الحاكي عنه فيكون المنير هوالأمل والمأمول ، وهذه لا تستقيم إلا في مقام الوحدة القيومية فرجوع التوحيدات لكل أحد وكل شيء إلى محمد وعلي والطيـبـين من أولاده عليهم السلام وهو معنى قوله عليه السلام (( فبهم ملأت سمائك وأرضك حتى ظهر أن لا إله إلا أنت ))1 وقوله عليه السلام (( بنا عرف الله ))2 وقوله عليه السلام (( السلام على شهور الحول وعدد الساعات وحروف لا إله إلا الله في الرقوم المسطرات ))3 فكشف عليه السلام بذلك عن حقيقة توحيد كل المخلوقين وحقيقة توحيدهم ، أما توحيد المخلوقين فليس إلا ظهورهم ووصفهم العنواني لهم فهو الأمل والمأمول في كل ذرات الوجود ، وأما توحيدهم عليه السلام فظاهر فإن مقام التوحيد ليس كمقام الكثرة ، والحقيقة الواحدة الظاهرة بالشئون المتكثرة في مقام التوحيد والوحدة لا تبقى إلا شيء واحد فيصح أن يقول عليه السلام حينئذ (( أنا الأمل والمأمول )) .
_____________________
1 دعاء رجبلمولانا الحجة عجل الله فرجه

2 التوحيد 152
3 البحار 102/54 ح 11


ثم أنه عليه السلام كشف عن كيفية المعرفة وبيان قوله (( اعرفوا الله بالله ))1 بقوله عليه السلام (( أنا الأمل والمأمول )) لأن الأدوات إنما تحد أنفسها وتشير الآلات إلى نظائرها ، فمعرفة الله سبحانه لا يكون إلا بوجه من الله ومعرفة العبد لا تتعلق إلا بالوجه ولم تتعلق بالذات البحت تعالى شأنها فتوجه المأمول بوجهه وذلك الوجه هو الأمل ، فأمل الآمل لمأموله إنما كان بمأموله وذلك المأمول وجه الآمل إلى المأمول ووجه المأمول إليه فافهم هذه العبارات المكررة المرددة للتفهيم ، وذلك الميل والأمل والمأمول كل ذلك ظهور مولانا علي عليه السلام ونوره وإنما لم يخصص الكلام في التوحيد لئلا تزل الأقدام وليكون عاما لجميع التوجهات وبابا واسعا لمعرفة كل أبواب المشتقات ليعرفوا بذلك أن المفعول ليس مقدما على الفعل بل مؤخر وأن الخطاب هو المخاطب وظهور الذات بالخطاب .
وبالجملة هذا حكم جار في كل الموجودات مما صح فيه الاقتران والارتباط الغير الذاتيين كالصفات الأفعالية على الوجه العام ، وإنما خصص الأمل والمأمول دون غيرهما إذ ما سواهما كائنا ما كان داخل في شمولهما وإحاطتهما إذ كل شيء بالأمل والميل، ونسب إلى نفسه الشريفة لبيان { وإليه يرجع الأمر كله }1 { وما تشاءون إلا أن يشاء الله }2 ولبيان إظهار مظهر الألوهية الحاوية لكل ذرات الكائنات المنتفي عندها الأضداد والجامعة للأنداد والأضداد في رتبة مقامهما فلا شيء إلا وهو مضمحل تحت حيطة الألوهية ولا شيء إلا وله وجه إليها ولها وجه فيه وذلك الوجه هو محل الارتباط ومقام الاتصال وباب الانفصال وقد قال الله عز وجل { وأن الله هو العلى الكبير }3 اعلم أن الله إذا حذف منه الألف يبقى { لله ما فى السماوات والأرض }4 فيفيد التمليك والاختصاص ، وإذا حذفت منه اللام الأولى يبقى { له ما فى السموات وما فى الأرض }5 فيـفيد التمليك بسلب الاسم الكلي ، وإذا حذفت منه اللام الثانية تبقى الهـاء المتحصلة من الكاف
________________
1 هود 123

2 الإنسان 30

3 الحج 62
4 النساء 170

5 النساء 171


المتحصلة من البسملة كما قـال عز وجل { بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص }1 كما تقدمت الإشارة إليها ، والهاء إذا أشبعت يتولد منه الواو فينتج هو ، وإذا نزلت هو إلى مقام الأسماء في الرتبة الثانية يستنطق منها علي ، ولما كانت الأسماء اللفظية طبق الأسماء المعنوية لأنها دوال وعلامات للأسماء المعنوية وقد قالوا عليهم السلام (( نحن الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملا إلا بمعرفتنا ))2 وفي زيارة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام التي زار بها علي بن الحسين عليه السلام (( السلام على اسم الله الرضي و نور وجهه المضيء ))3 وفي الزيارة التي زار بها الصادق عليه السلام (( السلام على اسم الله الرضي ووجه المضيء وجنبه العلي ورحمة الله وبركاته ))4 كان الاسم العلي الباطني الحقيقي في مراتب بساطته وإجماله وعدم تنزله إلى مقام التعلقات والروابط والجهات والإضافات كان هو الاسم ( هو ) في { قل هو الله أحد }5 كما قال عز وجل { وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم }6 فهو في { قل هو الله أحد } اسم من أسمائه عز وجل وهو أعظم الأسماء وليس اسما للذات ولا إشارة إليها لأنها تعالت عن المنال وعزت ، وهذا الاسم قد جـمع الأضداد ورفع الأنـداد كما قال عز وجل { هو الأول والأخر
________________
1 مريم 1

2 البحار 25/4 ح 7

3 فرحة الغري 47
4 الزيارة السادسة لأمير المؤمنين عليه السلام

5 الإخلاص 1
6 الزخرف 4


والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم }1 ولما كان علي عليه السلام هو حامل هذا الاسم على المعنى الذي قد تكرر بيان المراد عنه في هذا الشرح كان هو عليه السلام في ذلك المقام فوق مقام التضاد فلا يتصور الضد إذ الأثر لو كان ضداًّ لمؤثره لم يكن عنه وفرض ذلك مستحيل ، فإذا كان هو عليه السلام واسطة في إيجاد كل الذرات ارتفعت عنه جهة الضدية لأن ضد الشيء يمتنع أن يكون واسطة بينه وبين الآخر أي العلة فافهم ، وهذا المقام هوأعلى مقاماته عليه السلام إذ في هذا المقام ظهر فيه عليه السلام سر اسم الله القيوم وقد ظهر فيه سر اسم الله الحي لما استجاب الله دعاءه عليه السلام وارتمس في لجة بحر الأحدية وطمطام يمّ الوحدانية كما قال عليه السلام (( رب أدخلني في لجة بحر أحديتك وطمطام يمّ وحدانيتك ))2 فبعد هذا الانغماس المظهر لآثار الحياة ظهرت فيه عليه السلام آثار قيومية الحق سبحانه فكان محلا لذلك الاسم وأثرا لذلك الطلسم ولولا خوفي من بعض أشباه الناس من الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس لأظهرت في بيان قوله عليه السلام (( أنا الأمل والمأمول )) رموزا عجيبة وأسرارا غريبة ولكن يضيق صدري بإظهارها ولا يضيق بكتمانها :

ومستخبر عن سرّ ليلى أجبته بـعمياء من ليلى بلا تعـيـين

يقولون خـبرّنا وأنت أمينها وما أنا إن خـبّرتهم بـأمـيـن

_____________________

1 الحديد 3 2 دعاء السيفس الصغير