شرح الخطبة التطنجية

آية الله السيد كاظـم الـحسيني الرشتـي (الأمجد)

الناشر : جامع الإمام الصادق عليه السلام - الكويت
سنة الطبع : 1421 هـ 2001م

 

المجلد الثالث

 

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقة محمد وآله الطاهرين أما بعد فيقول العبد الفقير الحقير الفاني الجاني محمد كاظم بن محمد قاسم الحسيني الرشتي إن هذا هو الجزء الثاني من شرح الخطبة الشريفة المشهورة بالخطبة التطنجية لمولانا وسيدنا وإمامنا أمير المؤمنين على محمد وعليه وزوجته الصديقة وأبنائه المعصومين صلوات الله عليهم أبد الآبدين ودهر الداهرين ولعنة الله على أعدائهم ومبغضيهم أجمعين من الأولين والآخرين .

 

قال عليه الصلاة والسلام : (ولقد علمت من عجائب خلق الله ما لا يعلمه إلا الله)

لما بيّن عليه السلام وأوضح مقدار ما يحتمله أولوا الأفهام من الخلق والأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين والمؤمنين الممتحنين وسائر الموحدين من الناطقين والصامتين من أسرار ولاية الله الظاهرة في تلك الذات المقدسة التي هي ذات الله العليا وشجرة طوبى وسدرة المنتهى وجنة المأوى من تفاصيل مراتب الموجودات الإمكانية والكونية على جهة الإجمال والتفصيل والإبهام والتبيين والتلويح والتصريح والإشارة والعبارة بما لا يمكن بيان أكمل وأتم من ذلك بحيث قطع حجة كل محتج وأثبت عذر الخلق وأبان عن سبب تحير الخلق مع وضوح الأمر وأثبت التحيّر لأهل الحكمة بإيضاح الصبح الظاهر من شمس الأزل بقوله عليه السلام (( أنا الأمل والمأمول )) ، وأزاح التفكر عن أهل الموعظة الحسنة بما قد يعتبر بهم من السنة المعلولة عن الحدود وإن كانت رقيقة بقوله عليه السلام (( ورأيت الشمس عند غروبها )) ، وقطع عليه السلام حجة المحتج من أهل المجادلة بالتي هي أحسن بقوله عليه السلام (( ولولا اصطكاك )) على ما دل عليه الكتابان ونطق به اللسانان كما هو الظاهر لأهل المشاهدة والعيان والإشارة إلى ما ذكر في قوله عز وجـل { وءاية لهم  الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون }1‏ الأرض هي أرض الجواز وحياتها هي بإشراق نور الرجحان الظاهر من شمس الوجود الراجح عليها ، والحبّ المخرج منها هو بحر المحبة وهوما ذكرنا من نور الرجحان وهو الوجود المقيّد ومثال الألوهية ومجلى الأسماء الحسنى والأمثال العليا والكبرياء والآلاء ومن ذلك الوجود أكل كل موجود مشهود أم مفقود وبه إمدادهم ومنه استمدادهم وعليه مردّهم ومعادهم { وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون }2 الجنات هي العوالم المتحصّلة من ذلك الحب في قوله عز وجل ( فأحببت أن أعرف ) ، النخيل هي عالم العقول إلى عالم الأرواح وهي إلى عالم النفوس أي الخلق الأول من عالم الغيب ، والأعناب هي عالم الطبائع والمواد إلى عالم الأجسام بجميع مراتبها وأفلاكها وعناصرها وهي الخلق الثاني أي عالم الشهادة ، والعيون المتفجرة هي مواد الإمدادات الواقعة على أراضي الاستعدادات على حسبها كما قال عز وجل
_____________________
1 يس 31
2 يس 34
 


{ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها }1‏ في العالمين من الغيب والشهادة والعوالم التي تحصل من قران العالمين من ميل الغيب إلى الشهادة وميل الشهادة إلى الغيب ، والروابط الحاصلة كلّها من انفجار تلك العيون وهي إنما تحصّلت من ذلك الماء النازل من السماء المستجن في الأرض الظاهرة بمزج الهباء عيونا مختلفة ، فالعين الروحاني لأهل عالم الغيب والعين الجسماني لأهل عالم الشهادة وبينهما مراتب كثيرة وأحوال عجيبة غريبة ، فأشار سبحانه وتعالى إلى الكون الأول من الكونين وهو الواقعي الأولي فلا اختلاف في هذا الكون ولا اضطراب وأشار سبحانه بالضمير المتكلم معه غيره إلى ما قال أمير المؤمنين عليه السلام (( أنا المتولي دائرتها وما أفردوس وما هم فيه إلا كالخاتم في الإصبع )) فأشار سبحانه إلى بدء العوالم بعللها وأسبابها من الفاعلية والمادية والصورية ، ولو أردنا شرح كيفية الإشارة لطال الكلام زائدا عما يقتضيه المقام إلا أنه يظهر مما ذكرنا وما نذكر إنشاء الله .
وهذا العالم المشار إليه وهو الواقعي الأولي هو المعاد يوم الآخرة عند رجوع كل شيء إلى أصله ، ثم أشار سبحانه إلى العالم النفس الأمريّ الثانوي ومكملات العالم الأول بل ومتمّماته ليكون الأوّل مقصودا بالعرض للثّاني فقال عز وجل إنما جعلنا هذه العوالم {لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا
_____________
1 الرعد 17
 


يَشْكُرُونَ}1‏ الثمر هو مقتضى الأعمال والميولات إلى ما خلقوا لأجله إما شراب طهور من الحوض الكوثر وهو الثاني المكمل للعالم الأول البدئي وإمّا طلع الشجر الزقوم الذي طعام الأثيم كأنه رؤوس الشياطين وهذا إن كان في مركزه وفي أصله الذي هو خبال جهنم يكون أيضا كالبدء في الإيجاد إذ كل نور لابد له من ظلمه لمقابله وكل جنة لها نار تضاده إلا أن كلا منهما في رتبته ومقامه ، وأما إذا جاء حكم الاختلاط واللطخ على ما فسر سابقا فيكون تحصل العالم الثانوي والأحكام هي الأحكام النفس الأمرية التي هي الواقعي الثانوي أوالثالثي ، ومن هنا بدء وقوع الاختلاف وظهور النقصان في الوجود من أول ما خرج آدم عليه السلام من الجنة إلى يوم قتل إبليس بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد ذلك يرجع العود كالبدء { كما بدأكم تعودون }2 ، وما عملت الأيدي على أن ما موصوله هي الأسباب المنتسبة إلى القابليات وأنحاء الطلبات ، والثمر هو المسبب والمقتضي اسم المفعول على الحكم الوضعي وإليه الإشارة في كلام أمير المؤمنين عليه السلام (( ورأيت الشمس عند غروبها .. الخ )) ، ثم إن الله عز وجل أشار إلى العوالم بقسميها من الواقعي والنفس الأمري وإلى مقام البشرية الذي هومقام العزة وظهور الولاية بقوله سبحانـه { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ
_______________
1 يس 35
2 الأعراف 29
 


وَمِنْ أَنفُسِهِمْ }1 والأزواج هي مراتب الإمكان والأكوان كلها لمّا اتفقوا عليه من أنّ كلّ ممكن زوج تركيـبـي , ولأرض هي أرض القابليات ومقام الصور والهياكل والهيئات ، والنفس هي وجه الله ومدد الله وأثره وهو موادّ الأشياء وأقطابها ونقطة دوائرها ، وهما تفاصيل كيفيّة خلق الأزواج وبهما استقرّت الأكوان والأعيان وكلّ التأثيرات منهما وإليهما وهما مجمع الموجودات والخليجان اللّذان كلّ الموجودات جداول وأنهار وشرائع منشعبة منهما كما ذكرنا ونذكر إن شاء الله، فتمّ في هذه الآية الشريفة جميع ما ذكرعليه السلاممن أوّل الخطبة إلى هذا المقام .
ثمّ لمـّا بيّن عليه السلام هذه الأطوار والأوطار في الأكوار والأدوار أراد عليه السلامأن يشير إلى سرّ وهو أنّ السّافل وإن بلغ ما بلغ ما يصل رتبة ظهور العالي أبدا فكلّ مقام يصل يرى ظهورا ومقاما أعلى وهكذا فلا ينتهي إلى حد وهو في مقامه ، انظر إلى الواحد في الأعداد فإن العدد في كل مقام يبلغ يظهر الواحد فوقه فيصير بانضمامه إليه مرتبة أخرى وهكذا إلى ما لانهاية له ، إذ كلّ رتبة في الحدود ظهور وجه من وجوه العالي فلا يحصره وهومعنى
______________
1 يس 36


قوله عليه السلام (( تدلج بين يدي المدلج من خلقك ))1 والمخاطب هو الظاهر للخلق في رتبة الخلق أي الذي هو قطب وجودهم ونقطة دائرة تكوينهم لا الذّات البحت سبحانه وتعالى ولا الفعل المطلق ولا المفعول في المراتب الطّوليّة وإنما هو ما تجلى له به كالواحد المدلج بين يدي الأعداد فكلّ مرتبة يصل إليه العدد يكون الواحد بين يديه فلا يلحق السّافل ظهور العالي أبداً وهذا في كلّ مقام في معرفة العالي ومعرفة كينونات الأشياء فإنّ الكاتب الابداع بقلم الصّنع والاختراع من دواة الجود والعلم في لوح الكائنات والمبدعات يكتب فيما لا يزال فلا جفاف لذلك المداد ولا انقطاع في اللّوح من جهة الاستعداد ولا تعب للكاتب لسرّ الإمداد و {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ}2 {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}3 {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}4 (( وليس لمحبتي غاية ولا نهاية، وكلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ))5 ومع ذلك كلّه فقد جفّ القلم بما هوكائن فالعالي وإن وصف نفسه ووصف غيره للسّافل لكن ذلك الوصف ليس إلاّ ما يقتضي مقام السّافل لا مقام العالي وإلاّ لكان عبثا ، فلمّا وصف عليه السلامالخلق بمراتبه ومقاماته لشيعته أراد أن يبيّن لهم أنّ ذلك قطرة من رشــح ما طفح منه عليهم ، كما قال عليه السلام لكميل لمـّا قال (( أولست بصاحب سرّك قالعليه السلامبلى ولكن يرشح عليك ما يطفح منّي )) وهذا الرّشح هو المداد الّذي به يمدّ الخلق من الأنبياء وغيرهم إلاّ أنّهم يختلفون بالرّشح ورشح الرّشح ورشح رشح الرّشح وهكذا فلا يصلون الخلق نهايات هذا الرّشح وإن بلغوا ما بلغوا ، ولمـّا أنّه عليه السلام أشار إلى بعض مقاماته ومراتبه الّتي جعلها الله عزّ وجلّ له لا لغيره وبعض الأحوال المخلوقة المتقوّمة بقيّوميّة الله الظّاهرة فيه عليه السلام أراد أن يبيّن لهم مقامه عليه السلام ومقامهم من أنّ ما ذكرت لكم ليس غاية علمي ومنتهى فهمي ومبلغ إدراكي .
_________________
1 مفتاح الفلاح 293

2 ص 54

3 الرحمن 29
4 المائدة 64

5 إرشاد القلوب 199
 


قوله عليه السلام (( ولقد علمت من عجائب خلق الله ما لا يعلمه إلا الله )) بيانا لقوله عزّ وجلّ {خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ }1 فبيّن عليه السلام أنّه يعلم ذلك لأنّ الله سبحانه جعله والمعصومين عليهم السلام أعضادا لخلقه وأشهادا عليهم وحفظة وروّادا وبهم ملأ سماءه وأرضه حتّى ظهرت أن لا إله إلا الله كما قال الحجة المنتظر عجل الله فرجه كما يأتي إنشاء الله لذلك زيادة بيان .
وأمّا قوله عليه السلام (( ولقد علمت )) ، فله معنيان كلاهما مرادان أحدهما أنّ ما يعلمه عليه السلام من عجائب بدائع الخلق وصنوف غرائب أحوالهم لا يعلمه أحد من الخلق سواه عليه السلام وسوى الأئمة الطاهرين من ولده عليه السلام فإنّ المشيئة الكليّة الكونيّة قد تعلّقت بحقيقتهم فهم على طبقها في الأكوان كل واحد مساوق للآخر كالكسر والانكسار وكالحديدة المحماة بالنار ولا أريد بالحديدة هي الحديدة المعروفة وإنما هي قابليّة ظهور النار فيها والمعروفة حاملة لها كالزجاجة للمرآة وإلى سّر ما ذكرنا أشار الحقّ سبحانـه في الحديث القدسي (( لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قـلب
_________________
1 يس 36


عبدي المؤمن ))1 وذلك العبد هو تلك الحقيقة المقدّسة التي هي قصبة الياقوت لقولهم عليهم السلام (( نحن محالّ مشيئة الله وألسنة إرادتة وترجمان وحيه )) وهذه المشيئة الظاهرة في هذه الحقيقة المقدّسة لها وجوه ورؤوس كثيرة يتعلق كلّ وجه بكلّ فرد من أفراد الموجودات من ذات أو صفة وذلك الرأس هو مشيئة الله الخاصة بذلك الفرد ولهذه المشيئة الخاصة أثر في حقيقة هو قطبها ونقطة دائرة وجودها ومحلّ الإمدادات الواردة عليها بجميع أنحائها وأحوالها في قواها ومشاعرها وذلك القطب هو متقوّم بذلك الرّأس وهو حرف بإضافته إلى الفعل المطلق وهو كلمة كليّة انزجر لها العمق الأكبر جامع لكل تلك الحروف والخلق بجميع أفراده كلمة واحدة وكل فرد منه حرف منها على طبق الفعل لأنه هي الربوبية والمفعول هي العبودية وما خفي في الربوبية أصيب في العبودية ، لكن كل مفعول يحكي الوجه المختص به من الفعل الكلي كالكتابة بالنسبة إلى حركة يد الكاتب ، ولذلك الرأس وجوه كثيرة باعتبار تعدد جهات المفعول باعتبار أسبابه وشـرائطـه ومقوّماته من الوجود والماهيّة والزمان والمكان والجهة والرتبة والكم والكيف والوضع والأجل والكتاب والإذن وغير ذلك ، ونهايات تلك الأشياء المذكورة وأعراضها وأشعّتها إلى انقطاع وجوداته ، كل واحد متعلّق بوجه مختصّ به من ذلك الرأس المختصّ بذلك الفرد من الفعل الكلّي نسبة كلّ فرد وجه إلى ذلك الرأس كنسبة ذلك الرأس إلى الفعل الكلّي ، فهذه حروف لهذه الكلمة والكلمات الجزئيّة حروف للكلمة الكليّة ، ولمـّا كان الشيء لا يتجاوز مبدءه ولا يقرأ إلا حروف نفسه كان كلّ فرد من أفراد الموجودات يحكي مثال ذلك الوجه الخاصّ به على مقتضى هيئة كينونته لا غير في معرفة العالي ، وأمّا معرفة سائر الموجودات وتطوّراتها فبقدر سعته لأنّ مداركه كلها متقوّمة بالمدرك الأعلى وهو ذاته وحامل ظهور ذلك الوجه كالضرب لضرب والقيام لقام والقعود لقعد وهكذا ، ومن نوره تستنير كلّ قواه ومشاعره فكلّها في الإدراك تحت الأعلى ولا شكّ أنّه لا يساوي الكلّ ولا البعض لعدم المـادّة
______________
1 البحار 58/39 ح 61
 

 

الكلية والمدد الكلي وإنما هو بقدر الأشياء على ما هو عليه لا على ما هي عليه كما هو الظاهر المعلوم فإنّك إذا قابلت مرايا عديدة فكلّ مرآة إنّما تحكي ظهورك على ما هي عليه لا على ما أنت عليه وكلّ منها لا يدرك ولا يوصف ظهورك أو غيرك من أمثاله من سائر المرايا ولا تعرف الواحدة ما عليه الاثنان من حيث هما كالضّرب فإنّه لا يحكي إلاّ الضّارب والنّصر لا يحكي إلا الناصر والقيام لا يحكي إلا القائم وهكذا كلّ أثر من الوجه الخاصّ من الفعل الكلي لا يحكي إلا ذلك الوجه الخاصّ فلا يحيط كلّ واحد بالمجموع وما عليه من معرفة أوائل جواهر العلل وسائر المعلولات ، وهكذا الحكم بالنسبة إلى صفة الصّفة وشعاع الشعاع فإن الخطب فيه أعظم إذ نسبة ذلك الوجه إلى الشعاع والصفة كنسبة الفعل الكلي إليه، وهكذا إلى قراني سلسلة الموجودات في الشعاعية والوصفية إلى نهاياتها فهنا مقامان .
أحدهما نسبة قوّة ذلك الوجه في المعرفة والإدراك إلى ذلك الفرد وهذه النسبة نسبة الواحد إلى السبعين وهذا الكلام تقريبي لكن هذه عبارة عن الحقيقة لسهولة الحصر والعدّ وإلاّ فلكلّ واحد يرتقي إلى مالا نهاية له لأن الوجه من عالم السّرمد والأثر من عالم الدهر ولو فرضنا سرمديّته لكنه متأخّر عن علّته ألف دهر كما روي عنهم عليهم السلام وكل دهر مائة ألف سنة ، وهكذا في سائر النّسب من قوّة الكمّ والكيف والنّورانيّة والقوّة وغيرها ، والرّتبة الثانية التي هي رتبة الشعاع نسبتها إلى ذلك الوجه ملاحظة جميع تلك النّسب المتقدّمة أي ضربها في نفسها فإن كانت سبعين ضربها في مثلها وإن كانت مائة ألف كذلك في مثلها بل ربما أقول يتضاعف الثانية بالضرب في نفسها سبع مرات فيبلغ إلى أمر عظيم فتكون الثانية واحدة من المجموع وهكذا الرتبة الثالثة فيتضاعف المجموع هناك بالضرب سبع مرات فيكون الثالثة واحدة من المجموع وليس لي الآن إقبال ضبط هذه الأعداد مع أنّه لا فائدة فيه إذ المطلوب هو الإشارة إلى نوع المسألة لا استقصاءها بحدودها فإنه لا يمكن في مثل هذا الشرح، وهذا الذي ذكرنا هوحكم القوّة والضّعف في الشيء الواحد الثابت للوجه وذي الوجه الخاص به في مقام ( العبودية جوهرة
كنهها الربوبية ) فإذا قال الإمام عليه السلام زيد قائم وقلت أنت زيد قائم فاعلم أن نسبة قولك إلى قوله عليه السلام في الدّقّة والّلطافة والمعنى المدلول عليه والمفهوم منه والمعني به نسبة الواحد إلى مضروب المائة ألف في نفسها سبع مرات ، ثم كذلك انظر وتأمّل وتدبّر فيه اعرف مقامك ومعرفتك بالنسبة إلى الإمام عليه السلام فسلم له كلّما يقول لأنّ الأنبياء وجوه وأشعّة لهم عليهم السلام والإنسان وجه وشعاع للأنبياء كما ذكر غير مرّة ، ولذا قال عليه السلام (( إني لأتكلّم بكلمة وأريد منها أحد وسبعين وجها لكل منها المخرج ))1 وقالوا عليهم السلام (( إن حديث آل محمد صعب مستصعب ثـقيـل مقنع أجرد ذكوان لا يحتمله إلا ملك مقرّب أو نبي مرسل أو عبد
________________
1 لم نقف على هذه الرواية بهذا اللفظ ووقفنا على ما يقرب منها في بصائر الدرجات ص 329 قوله عليه السلام (( إني لأتكلم بالكلام ينصرف على سبعين وجها كلها لي منها المخرج ))


امتحن الله قلبه للإيمان ))1 هذا في الرّتبة الجامعة وقال في مقام الفرق (( إن حديثنا صعب مستصعب شريف كريم ذكوان ذكي وعر لا يحتمله ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا مؤمن ممتحن ، قلت : فمن يحتمله جعلت فداك ، قال : نحن )) ، وفي رواية (( من شئنا ))2 فلا يطمعنّ طامع معرفة كلامهم وتحمّل ظهور المعاني المطويّة فيه إذ كما أنّ لهم عليهم السلام مع شيعتهم وغنمهم مقامات مقام اجتماع مع الإنسان في النّفس النّاطقة القدسيّة ومع الأنبياء فيها أيضاً على الحقيقة الأوّليّة ، ومقام افتراق في النّفس الملكوتيّة الإلهيّة التي هي ذات الله العليا وشجرة طوبى كما مرّ كذلك لكلامهم عليهم السلام فيفهم العوام ظاهر ما ظهر لهم من الأشعار والأصواف والأوبار والخواصّ والخصيص يفهمون بواطنه على حسب مقامهم ومرتبتهم إلى أن ينتهي كونهم وينفد وجودهم ونظروا في معانيه بعين الفؤاد إلى ما لا نهاية له فبكلّ نظر يأتيهم معنى جديد لم يكن وهوقوله عليه السلام ذكّى أي طرىّ أبداً فلا ينتهي إلى حدّ فإذا انتهت أكوان هذه المرتبة وانقطعت وجوداتهم أي مقام الأنبياء عليهم السلام في النّظر فيهم على مراتبهم ومقاماتهم الكثيرة العظيمة في أطوار الظاهر والباطن وباطن الباطن وهكذا إلى المراتب السبعة أوالسبعين فتنقطع وجوداتهم عند ظهور الكرّوبيّين الذين هم رجال من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام ثم يرجع كلامهم عليهم السلام إليهم ما عرف أحد حقيقة المراد منه
___________________
1 البحار 2/191 ح 27
2 بصائر الدرجات 22


وهو قوله تعالى { وبئر معطلة }1 فافهم .
ومع ذلك نقول أنّهم عليهم السلام يحيطون بظاهر القرآن وباطنه وباطن باطنه فلا يشذّ عنهم منه شيئاً لأنّ القرآن إنما نزّله روح القدس على قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإذن الله عز وجل ، وروح القدس في جنان الصّاقورة ذاق من حدائقهم الباكورة وهي أول الثّمرة فالقرآن تجلّي الله عز وجل لهم عليهم السلام في مقام قلبهم وأين قلبهم من فؤادهم الذي هو حقيقتهم ، والقرآن هو تفاصيل مقامات التوحيد وأركانه وشرائطه في العوالم الثلاثة عالم الجبروت وعالم الملكوت وعالم الملك ومجمع الكل هو قوله لا إله إلا الله ، فأنزل الله عزّ وجلّ على فؤاده بكلمة لا إله إلا الله وعلى قلبه صلى الله عليه وآله وسلم بروح القدس معاني القرآن وحقائقه المعنوية وعلى صدره بالروح الذي هو من أمر الله هذه الصور والهيئات المعروفة قال تعالى {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}2 وهم الأئمة عليهم السلام وعلى لسانه صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة جبرائيل هذه الألفاظ المخصوصة فهو وأمير المؤمنين عليه السلام والطيّبون من أولادهما عليهم السلام يحيطون بحقيقة القرآن وإن تجدّدت الأحكام الكونية والوجوديّة يتجدد
__________________
1 الحج 45
2 العنكبوت 49


الصنع على مقتضى{ كل يوم هو فى شأن }1 فيه كالمرآة مثلا إذ كلما يحصل مقابل تظهر صورته فيها لكن تلك الأحكام إنما تنشأ منهم وتعود إليهم عليهم السلام كشعاع الشمس بالنسبة إليها وليست للقرآن حقيقة خارجة عن حقيقة ذاتهم وشئوناتها فتصل إليها مداركهم ومشاعرهم ولا كذلك كلماتهم الشريفة بالنسبة إلى غيرهم فإذا تكلّموا بكلام فله حقيقة ومعنى عندهم عليهم السلام يريدونها ثّم ينـزّلونها نور تلك الحقيقة وذلك المعنى وذلك اللفظ أيضا إلى الأنبياء عليهم السلام فيستمعون اللفظ بأسماعهم ويدركون المعاني بقلوبهم وأذهانهم والحقيقة بأفئدتهم وذواتهم ثم ينزّل نور من المراتب الثّلاثة إلى الرتبة الإنسانية فيسمع من أرادوا عليهم السلام ما أرادوا من المعاني والحقائق الظّاهرة لهم بهم ، فإذا قالوا عليهم السلام الماء طاهر والماء إذا بلغ كرّا لم ينجّسه شيء فقد تكلّموا ونطقوا به قبل خلق الخلق مقدار ما بقي العرش على الماء قبل خلق السّماوات والأرض كما ذكرنا سابقا من التحديد القليل الذي حدّده أمير المؤمنين عليه السلام ثّم استغفر الله عن التحديد بالقليل ، وسمع الأنبياء ذلك الصوت قبل خلق الخلق بألف دهر وهو مائة ألف سنة وسمع أهل الرتبة الإنسانية كلّ واحد في زمانه ومكانه ، مثلاً نحن الآن سمعنا ذلك القول الذي قالواعليهم السلامبعينه وأهل زمان حضورهم عليهم السلام سمعوه في ذلك الوقت والذي يأتي بعد ذلك بألف سنة يسمع بعينه في مكانه وزمانه فيدركون معناه قبل خلق السّموات والأرض بسبعمائة سنة ويعرفون حقيقة قبله بما لا نهاية له من المدد لأنّها كلّها منقطعة عندها وتلك الحقيقة قشر قشر قشر القشر بالنسبة إلى ما عرف الأنبياء ومعرفتهم قشر قشر قشر القشر بالنسبة إلى مرادهم عليهم السلام .

وقولي قشر لا أريد به الذي هو قشر اللّبّ لتجمعهما رتبة واحد إلا أنّ اللّبّ أشرف وأقوى إنما المراد به القشر بمعنى الظّاهر الذي هو الأثر والنّور فلا يلحق رتبة المؤثر المنير أبـد الآبديـن ودهر الـدّاهرين وأيـن الثّريا من
______________
1 الرحمن 29
 

 

يد المتناول وقد قال الشاعر وأجاد في مدح النبصلى الله عليه وآله وسلم :

إنّما مثّلت صفاتك للناس كما مثـّل النـجوم الـمــاء

فالذي يريدون من كلامهم عليهم السلام لا يصل إليه أحد من الخلق وإنما يعرفون أي الأنبياء جزء من مائة ألف جزء من ظاهر مرادهم كالنّور من المنير فإنّ مداركهم من عقولهم وحقائقهم بالنسبة إليهم كالنّور للمنير فانظر ماذا ترى ، وهكذا نسبة ما فهمه الشيعة بالنسبة إلى الأنبياء عليهم السلام فلا يصل أحد من الخلق غور علومهم ومعاني كلامهم وحقيقة مرادهم وهوقوله عليه السلام في الزيارة الجامعة (( فبلغ الله بكم أشرف محلّ المكرّمين و أعلى منازل المقرّبين وأرفع درجات المرسلين حيث لا يلحقه لاحق ولا يفوقه فائق ولا يطمع في إدراكه طامع ))1 الزيارة ، وانقطاع الطّمع في كلّ ما ينسب إليهم عليهم السلام من ذواتهم وصفاتهم ومقاماتهم وعلومهم ومعارفهم في كل شيء من الأشياء وكل جزئيّ من الجزئّيات مما وصل إلى الخلق قطرة من بحار رشح علومهم وأسراهم فأدركوا ما لم يدركه أحد وفهموا ما لم يفهمه خلق ، ولا شك أنّ الذي لا يفهمونه بالنسبة إلى ما يفهمونه غريب عجيب عندهم فغرائب علومهم عليهم السلام لا يعلمها إلا الله عز وجل .
وثانيهما نسبة ذلك الوجه إلى الوجه الكلي بالنسبة إلى الفعل المطلق الكلّي وهي نسبة الواحد إلى ما لا نهاية له فإنّ الوجه ظهور منه وذلك الظّهور لا نهاية له في الوجود من البدء والعود ، انظر إلى القيام مثلا بالنسبة إلى جميع
الآثار الصادرة عن الشخص فإنّه لا يدرك شيئا منها سواه وشئوناته فلا يعرف القعود ولا الأكل ولا الشرب ولا الضّرب وغير ذلك وإنما انحصر إدراكه ومعرفته في القيام والقائم خاصّة ، فما أحقر وأقل نسبة قيام زيد إلى الفعل المطلق منه بخلاف قلب زيد فإنه حامل لجميع الظّهورات والآثار والأحكام فلا يـصدر شيء من زيد إلا بالحركة القلبية ثّم الحركة النّفسيـة ثّم الحركة
______________
1 الزيارة الجامعة الكبيرة
 

 

الجسدية من العضلات والشّرايين والغضاريف ثّم الظّاهرية من اللّسان واليدين والرّجلين وأمثال ذلك ، فإذا صحّ وثبت أنّ محمداً وأهل بيته صلى الله عليهم أجمعين محال مشيئة الله وألسنة إرادته وتراجمة وحيه فلا يبرز شيء في الوجود إلا بهم ومنهم وعنهم عليهم السلام فهم المحيطون بكل دائرة الأكوان وكلّها عندهم كالنّقطة في الدّائرة وكالدّرهم بين يدي أحدكم ، فالأنبياء عليهم السلام لمّا خلقوا من شعاع أنوارهم كانت علومهم بالنسبة إلى علومهم عليهم السلام نسبة المتناهي إلى الغير المتناهي ولذا ورد في الحديث ما معناه ( أنّ موسى وخضر لمّا اجتمعا وكانا على ساحل البحر إذ نظرا إلى طير على ساحل البحر قد أخذ بمنقاره قطرة من ماء البحر فرمى بها نحوالمشرق وأخذ قطرة أخرى ورمى بها نحوالمغرب وأخذ قطرة أخرى ورمى بها نحوالسّماء وأخذ قطرة أخرى فرمى بها في البحر فتحيّر موسى وخضر في أمره وما عرفا المراد منه إذ رأيا صيّادا على ساحل البحر فقال لهما ما بالكما متحيّرين قالا عليهما السلام في أمر الطير وما فعله فقال ذلك الصياد إن الطير يريد بذلك أن نبيا يبعث في آخر الزمان له وصي علمكما وعلم من في المشرق وعلم من في المغرب وعلم من في السماء وعلم من في الأرض بالنسبة إلى علمه كنسبة القطرة إلى البحر المحيط )1 ، وهذا المثال تقريبي وتعبيري إذ لا تمكن العبارة
_____________
1 ذكر المصنف أعلى الله مقامه وأنار الله في الدارين أعلامه هذه الرواية بالمعنى ونحن نذكرها هنا بالنص تيمنا ففي البحار 13/312 ح 52 قال موسى عليه السلام لما سأله أخوه هارون عما رأى من العجائب قال (( بينما أنا والخضر على شاطئ البحر إذ سقط بين أيدينا طائر أخذ في منقاره قطرة ورمى بها نحو المشرق وأخذ ثانية ورماها في المغرب وأخذ ثالثة ورمى بها نحو السماء ورابعة رماها إلى الأرض , ثم أخذ خامسة وعاد ألقاها في البحر فبهتنا لذلك فسألت الخضر عليه السلام عن ذلك فلم يجب , وإذا نحن بصياد يصطاد فنظر إلينا وقال مالي أراكما في فكر وتعجب من الطائر , قلنا هو ذلك , أنا رجل صياد قد علمت وأنتما نبيان ما تعلمان , قلنا ما نعلم إلأا ما علمنا الله , قال هذا الطائر في البحر يسمى مسلم لأنه إذا صاح يقول في صياحه مسلم , فأشار برمي الماء من منقاره إلى السماء والأرض والمشرق والمغرب إلى أنه يـبعث نبي بعدكما كما تملك أمته المشرق والمغرب ويصعد إلى السماء ويدفن في الأرض , وأما رميته الماء في لبحر يقول أن علم العالم عند علمه مثل هذه القطر , وورث علمه وصيه وابن عمه )) .
 

 

إلا هكذا وإلا فالأمر أعظم وأعظم وقد قال مولانا الصادق عليه السلام (( لو كنت بين موسى وخضر عليهما السلام لأخبرتهما أني أعلم منهما ))1  والمراد بهذا الحضور هوالحضور الحسي الصوري في اللباس البشري وإلا فما تقوما إلا به لأنه وآباءه وأبناءه عليهم السلام وهذه الأعلمية ليست من باب افعل التفضيل وهذه الأعلمية كما تقول الله أعلم فإنه سبحانه صرح بالأمر في حديث رواه شيخي وأستاذي جعلني الله فداه عن النبيصلى الله عليه وآله وسلمأن يهوديا أتى إليهصلى الله عليه وآله وسلمفقال (( يا محمد بلغ من أمرك إلى أن تقول إني نبي وإني أفضل من موسى وعيسى عليهما السلام فقال صلى الله عليه وآله وسلم يا يهودي أما قولك أني نبي فهوكذلك وأما قولك أني أفضل من موسى وعيسى فلا ينبغي أن أصغر ما عظّمه الله في حقي ولقد أوحى إلي ربي أن فضلك على الأنبيـاء كفضلي وأنا رب العزة على كل
________________
1 البحار 13/300 ح 20


الخلق ))1 فتدبر في هذا الحديث تجد فيه ما لا تسعه الدفاتر ، ونسبة الإنسان إلى الأنبياء في المعرفة والعلم نسبة الأنبياء إليهم عليهم السلام فإذا كان ما عند الأنبياء عليهم السلام وجه من وجوه تجليهم فيهم بهم كالقائم بالنسبة إلى القيام والقاعد بالنسبة إلى القعود وهم عليهم السلام محل مشيئة الله فلا يظهر منها شيء إلا بهم عليهم السلام من كل الوجوه فما ظنك بسائر الخلق ونسبة علومهم وأفهامهم وإدراكاتهم إليهم عليهم السلام فقد علموا من عجائب خلق الله عز وجل وغرائب صنعه وإيجاده ما لا يعلمه إلا الله لأنهم عبيد مربوبون نسبتهم وكل الخلق إليه سبحانه نسبة الكلام إلى المتكلم وما أحقر الكلام بالنسبة إلى المتكلم، فالخلق كلهم من العلل والمعلولات كلمة واحدة تكلم الله عز وجل بها بظهور فعله وحدوث صنعه ولذا قال عليه السلام (( الغلاة الذين صغروا عظمة الله عز وجل ))2 فهم سلام الله عليهم مع ما هم عليه من الجلالة والسلطنة والهيمنة في كل حال من الأحوال فقراء محتاجون لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، ولكنهم لما تمحضوا في الفقر والعبودية ولاذوا بباب رب العزة فشرفهم الله وعظمهم ومنحهم ما لم يمنح به أحداً من الأولين والآخرين فقد نالوا بفضل الله ما لم ينله أحد وبلغوا ما لم يبلغ إليه مخلوق وعلموا ما لم يعلمه أحد من الخلق فقد علموا من عجائب خلق الله ما لا يعلمه أحد إلا الله لأن عندهم عليهم السلام الاسم الذي رواه الكليني في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام (( قال إن الله تتعالى خلق اسما بالحروف غير متصوت وباللفظ غير منطق وبالشخص غير مجسد وبالتشبيه غير موصوف وباللون غير مصبوغ منفي عنه

_________________
1 هذه الرواية كما ترى أورده المصنف أعلى الله مقامه وأنار الله في الدارين أعلامه بالمعنى ونحن نوردها بالنص تيمنا وزيادة في الفائدة قال صلى الله عليه وآله وسلم (( قال ربي يا محمد إن فضلك على جميع النبيين والمرسلين والملائكة المقربين كفضلي وأنا رب العزة على سائر الخلق أجمعين )) البحار 9/309 ح 10
2 البحار 3/294 ح 18

 


الأقطار مبعد عنه الحدود محجوب عن حس كل متوهم مستتر غير مستور فجعله كلمة تامة على أربعة أجزاء معاً ليس منها واحد قبل الآخر فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها وحجب منها واحداً وهوالاسم المكنون المخزون فهذه الأسماء التي ظهرت فالظاهر هو الله تبارك وتعالى وسخر سبحانه لكل اسم من هذه الأسماء أربعة أركان فذلك اثنى عشر ركنا ثم خلق لكل ركن منها ثلاثين اسماً فعلاً منسوباً إليها فهوالرحمن الرحيم الملك القدوس الخالق البارئ المصور الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم العليم الخبير السميع البصير الحكيم العزيز الجبار المتكبر العلي العظيم المقتدر القادر السلام المؤمن المهيمن البارئ المنشئ البديع الرفيع الجليل الكريم الرزاق المحيي المميت الباعث الوارث فهذه الأسماء وما كان من الأسماء الحسنى حتى تتم ثلاثمائة وستين اسما فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة وهذه الأسماء الثلاثة أركان وحجب الاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة وذلك قوله تعالى {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى }2 )) فإذا كانت الأسماء الحسنى كلها ظاهرة مفصلة من ذلك الاسم الواحد كانت المسميات أيضا كذلك لما قدمنا مرارا أن المسمى هوالظاهر بالاسم لا بالذات، ولما كانت الأشياء كلها قائمة بالأسماء في مقام التفصيل والإجمال والأسماء بذلك الاسم الواحد وذلك الاسم عند محمدصلى الله عليه وآله وسلموأهل بيته عليهم السلام كانت الأشياء كلها حاضرة لديهم يرونها ويشاهدونها وكل شيء عند جزء من ذلك العلم فلهم الكل والكلي ولما سواهم الجزء والجزئي وأين الجزئي من الكلي وأين الجزء من الكل، فإذا ثبت وضح لك هذا الأمر الضروري فسلم الأمر لهم تسليما ولا ترد شيئاً مما يرد عليك مما ينسب إليهم من غير دليل إلا لعدم الفهم والمعرفة لأنك ما أوتيت العلم إلا قليلا .
وروى الكليني في الكافي عن أبي بصير قال (( دخلت على أبي عبدالله عليه السلام فقلت له : جعلت فداك إني أسألك عن مسألة هاهنا أحد
________________
1 الإسراء 110

2 الكافي 1/87 – 88
 

يسمع كلامي ، قال : فرفع أبوعبد الله عليه السلام سترا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ، ثم قال : يا أبا محمد سل عما بدا لك ، قال : قلت : جعلت فداك ، إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علم عليا عليه السلام بابا يفتح له منه ألف باب ، قال فقال : يا أبا محمد علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام ألف باب يفتح من كل باب ألف باب ، قال : قلت : هذا والله العلم ، قال : فنكت ساعة في الأرض ثم قال عليه السلام : إنه لعلم وما هو بذاك ، قال : ثم قال يا أبا محمد وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة ، قـال : قلت : جعلت فداك وما الجامعة ، قال : صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش وضرب بيده فقال لي تأذن لي يا أبا محمد ، قال : قلت : جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت ، قال : فغمز لي بيده وقال حتى أرش هذا كأنه مغضب ، قال : قلت : هذا والله العلم ، قال : إنه لعلم وليس بذلك ، ثم سكت ساعة ، ثم قال : وإن عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر ، قال : قلت : وما الجفر ، قال : وعاء من أدم فيه علم النبيّين والوصيّين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل ، قال : قلت : إن هذا هو العلم ، قال عليه السلام : إنه لعلم وليس بذلك ، ثم سكت ساعة ثم قال : وإنّ عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام وما يدريهم ما وصحف فاطمة عليها السلام قال : قلت : وما مصحف فاطمة عليها السلام قال عليه السلام مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد قال قلت هذا والله العلم قال عليه السلام إنه لعلم وما هو بذاك ثم سكت ساعة ثم قال إن عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة قال قلت جعلت فداك هذا والله العلم قال إنه لعلم وليس بذاك قال قلت جعلت فداك فأي شيء العلم قـال عليه السلام ما يحدث بالليل والنهار الأمر بعد الأمر والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة ))1 ويأتي لهذا الحديث بيان إنشاء الله .
في الكافي أيضاً عن سدير قال (( كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزّاز داود بن كثير في مجلس أبي عبد الله عليه السلام إذ خرج إلينا وهو مغضب فلما أخذ مجلسه قال يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني فما علمت في أيّ بيوت الدار هي ، قال سدير : فلما أن قام من مجلسه وصار في منزله دخلت أنا وأبو بصير وميسّر وقلنا له جعلنا فداك سمعناك وأنت تقول كذا وكذا في أمر جاريتك ونحن نعلم أنك تعلم علما كثيرا ولا ننسبك إلى علم الغيب ، قال فقال : يا سدير ألم تقرا القرآن ، قلت بلى ، قال فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}2 ، قال : قلت جعلت فداك قد قرأته ، قال : فهل عرفت الرجل وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب ، قال قلت أخبرني به ، قال عليه السلام : قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر فما يكون ذلك من علم الكتاب ، قال قلت : جعلت فداك ما أقل هذا ، فقال : يا سدير ما أكثر هذا إن ينسبه الله عز وجل إلى العلم الذي أخبرك به ، يا سدير فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل أيضا { قل كفى بالله شهيدا بينى
______________________
1 الكافي 1/238 ح 1
2 النمل 40


وبينكم ومن عنده علم الكتاب }1 ، قال : قلت قد قـرأته جعلت فداك ، قال : فمن عنده علم الكتاب كله أفهم أم من عنده علم الكتاب بعضه ، قلت : لا بل من عنده علم الكتاب كله ، قال : فأومأ بيده إلى صدره وقال علم الكتاب والله كله عندنا علم الكتاب والله عندنا ))2 الكتاب في الظاهر هو اللوح المحفوظ وفي الباطن هو علي عليه السلام والذي عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا وصي سليمان عليه السلام وقد وصف عليه السلام هذا العلم بما وصف من قلته وضعفه بما وصف وذلك العلم هو الاسم الأعظم وذلك هو ظهور ما استودع في سر آصف من نور الولي عليه السلام الذي هو ظهور اسم الله وهو بقدر سمّ الإبرة وقوله عليه السلام (( وعلم الكتاب والله كله عندنا )) لأنه عليه السلام من حقيقة علي عليه السلام لقد ولده عليه السلام في الظاهر والباطن فهم حقيقة واحدة عند كل واحد ما للآخر ، وعلمهم عليهم السلام على أنحاء كثيرة نذكرها إنشاء الله فيما بعد .
وإنما أفرد الضمير عليه السلام و أتى بصيغة المتكلم وحده في قوله عليه السلام (( ولقد علمت )) بناء على أنّ الحصر حقيقي لا إضافي لأنّ الأئمة عليهم السلام كما ذكرنا لهم مقامان مقام تفصيل ومقام إجمال وجمع , ففي المقام الثاني يطلق على المجموع الحقيقة المحمدي صلى الله عليه وآله وسلم وهو قوله عليه السلام كلنا محمد أولنا محمد وآخرنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإذاً حقيقتهم واحدة وقولهم واحد وحكمهم واحد فالحقيقة الواحدة تخاطب
_____________
1 الرعد 43

2 الكافي 1/257 ح 3


بأربعة عشر لسان كلها تنسب ما تقول إلى نفسه فالظهورات المختلفة لتلك القصبة في أربعة عشر عقدا كظهور النار في أربعة عشر سراجا فالحقيقة واحدة والظهورات مختلفة وعلة الاختلاف في تلك الحقائق المقدسة ضعيفة جدا لا تكون سببا لاختلاف الآثار والأحوال كما في ظهور الإنسان في زيد وعمرو فإنّ علة الاختلاف فيهما قوية فلا يجري على أحدهما حكم الآخر ولا كذلك اختلاف حقائق الأئمة عليهم السلام بل جميع الأحوال الجارية على
أحدهم هي الجارية على الآخر فإذا نسبته إليه صدقت ولذا ورد عنهم أنهم عليهم السلام رخّصوا شيعتهم أن يسندوا الحديث الذي قاله أحدهم عليهم السلام إلى الآخر فتقول ما قال الصادق عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال أمير المؤمنين عليه السلام وهكذا بالعكس لأنّ الاختلاف فيهم ضعيف وحكم الاتحاد والوحدة جار عليهم على الحقيقة ، فعلى هذا مفاد الإفراد والجمع واحد فإنّ معنى قوله عليه السلام (( علمت )) هو معنى قوله عليه السلام علمنا فافهم .
والمقام الأول أي مقام التفصيل ملاحظة جهة الاختلاف وإن كانت ضعيفة فإنّ الاختلاف يستلزم القرب والبعد وزيادة التركيب وقلتها وأمثال ذلك فحيث كانوا عليهم السلام كلمة واحدة تكلم بها الحق عز وجل فانزجر وانقاد لها كل شيء وكانت الكلمة متفاوتة الحكم في النقطة والألف والحروف واجتماعها على الهيئة المناسبة للمعنى المطلوب وكان الألف ظاهرا من النقطة ومنبسطا عنها والحروف متقطعة من الألف والكلمة مجتمعة من الحروف كانت مراتبهم عليهم السلام تختلف في عالم التفصيل فيكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو النقطة التي تدور عليها الكلمة كما قالصلى الله عليه وآله وسلم (( أنا الشجرة وعلي عليه السلام أصلها وفاطمة فرعها والأئمة أغصانها ))1 فهو صلى الله عليه وآله وسلم القطب الذي يدور عليه الرّحى وهو المنتجب من البحبوحة وعلي عليه السلام هوالألف المنبسط من النقطة كما قال عليه السلام (( أنا من أحمد كالضوء من الضوء ))2 فهو عليه السلام محل الانبساط والظهور بالشؤون والأطوار وحامل اللواء والحروف المنشعبة منه هم الأئمة عليهم السلام ولذا جرت الحكمة في تولدهم منه عليه السلام فهو أبوهم ظاهرا وباطنا ولذا كان عليه السلام أمير المؤمنين يمير المؤمنين الذين هم الأئمة عليهم السلام العلم والإمامة والولاية ويميرها من الأحكام والأحوال والكلمة الجامعة هي مولاتنا فاطمة عليها السلام لأن الأئمة كلّهم قد اجتمعوا فيها وتفجّروا منها عليها السلام كما في تفسير قوله
________________
1 لم نجد هذه الرواية بعينها فيما لدينا من المراجع ووجدنا ما يقاربها ففي معاني الأخبار ص 93 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أنـ أصلها ( أي الشجرة ) وأمير المؤمنين فرعها , والأئمة من ولده أغصانها , وشيعتهم ورقها وعلمهم ثمرها )) , وفي بصائر الدرجات ص 95 عن عمر بن زيد قـال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى ( شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء قال : فقال (( رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جذرها وأمير المؤمنين فرعا والأئمة من ذريته أغصانها وعلم الأئمة ثمرها وشيعتهم المؤمنون ورقها , هل ترى فيها فضلا يا أبا جعفر , قال : لا والله , فقال : والله إن المـؤمن يولد فيورق ورقـة وإن المؤمن ليموت فتسقط ورقته )) .
2 أمالي الصدوق 513 , البحار 21/26


تعالى { * وإذ استسقى موسى } وهو رسول الله { لقـومه }‏ أي لأمتـه { فقلنا اضرب بعصاك الحجر }‏ والعصا هي عليّ عليه السلام والحجر هي فاطمة عليها السلام { فانفجرت منه اثنتا عشرة }1 هم الأئمة عليهم السلام فهم عيون قد تفجّرت من ذلك الحجر فإذا كان كذلك فعليّ عليه السلام هوالمتفرّد بالعلم التفصيلي حقيقة أما سائر الأئمة عليهم السلام وفاطمة عليها السلام فعنه عليه السلام أخذوا وإليه استندوا فهو مولاهم وسيدهم وأما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فظهرت تفاصيل علومه في عليّ عليه السلام لأنه الطائف حول جلال القدرة ويأتي إنشاء الله بيان هذه المسألة في محلّها، فعليّ عليه السلام هوالمتفرّد بمعرفة عجائب العلوم وغرائبها في المقامات التفصيلية .
وفي قوله عليه السلام (( علمت )) إشعاراً إلى ذلك فإنّ العلم مقام النفس والنّفس الكلّية إنما ظهرت فيه عليه السلام فهو اللوح المحفوظ والكتاب المسطور { وكل شئ أحصيناه فى إمام مبين }2 { وكل شئ أحصيناه كتابـا }3 وقـال تعـالى { أولم يروا أنا نـأتي الأرض ننقصها من أطرافها }4‏ قال عليه السلام (( يعني بموت العلماء )) 5 فافهم .
_________________
1 البقرة 60

2 يس 12

3 النبأ 29
4 الرعد 41

5 البحار 70/340

 

 

قال عليه الصلاة والسّلام وعرفت ما كان وما يكون

وما كان في الذّر الأول مع من تقدّم مع آدم الأول

أقول هذا تتميم لكلامه السّابق وبيان وتفصيل له أو إنّ هذا جامع القول وخلاصة ما تقدّم من ذكر العوالم والأكوار والأدوار، أو أنه بيان للرئاسة الكبرى والسياسة العظمى والدّرجة القصوى وجامع مظاهر الصّفات والأسماء ، أما أن الإمام عليه السلام يعرف ما كان وما يكون فممّا لا إشكال فيه لمن نظر في الأخبار بصحيح الاعتبار واستعمل العقل المستنير بنور الله عز وجل وجانب العناد واللّجاج فمن الأخبار ما في الكافي عن سيف التمار قال (( كنّا مع أبي عبد اللهعليه السلاموجماعة من الشيعة في الحجر فقال عليه السلام علينا عين فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نرى أحدا فقلنا ليس علينا عين فقال عليه السلام وربّ الكعبة وربّ البيت ثلاث مرّات لوكنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى والخضرعليهما السلام أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم السّاعة وقد ورثناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وراثة ))1  .
وفيه عن عدّة من أصحابنا منهم عبد الأعلى وأبو عبيدة وعبدالله أبن بشر الخثعمي سمعوا أبا عبد الله عليه السلام يقول (( إني لأعلم ما في السموات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار وأعلم ما كان وما يكون ، قال ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه ، فقال عليه السلام : علمت ذلك من كتاب الله عز وجل إن الله عز وجل إن الله عز وجل يقول { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ }2 ))3 .
_____________
1 الكافي 1/260 ح 1

2 النحل 89
3 الكافي 1/261 ح 2
 


وفيه عن ضريس الكناسي قال (( سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول وعنده أناس من أصحابه عجبت من قوم يتولّونا ويجعلونا أئمة ويصفون أن طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم يكسرون حجّتهم ويخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم فينقصونا حقّنا ويعيبون ذلك على من أعطاه الله برهان حقّ معرفتنا والتسليم لأمرنا ، أترون أن الله تبارك وتعالى افترض طاعة أوليائه على عباده ثم يخفي عنهم أخبار السموات والأرض ويقطع عنهم مواد العلم في ما يرد عليهم مما فيه قوام دينهم ))1 .
وفيه عن أبي حمزة قال (( سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول لا والله لا يكون عالم جاهلا أبدا عالما بشيء جاهلاً بشيء ثم قال عليه السلام الله أجلّ وأعز وأكرم من أن يفـترض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه وأرضه ، ثم قال عليه السلاملا يحجب ذلك عنه ))2 ، وفي الحديث المتقدم عن الصادق عليه السلام أنه قال (( إن عندنا علم ما كان وعلم ما هوكائن إلى أن تقوم الساعة )) ، وفيه عنه عليه السلام في وصف مصحف فاطمة عليها السلام إلى أن قال عليه السلام أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون .
وفي الصّحيفة السجّادية (( يا من خصّ محمّداً وآله بالكرامة وحباهم بالرّسالة ) إلى أن قال عليه السلام (( وعلّمهم علم ما كان وما بقي وجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم )) الدعاء .
وفي القرآن المجيد { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول }3 وقال عز وجل { ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء }4 .
________________
1 الكافي 1/261 ح 4

2 الكافي 1/262 ح 6
3 الجن 26 – 27 4 البقرة 255
 


وعن الباقر عليه السلام في حديث ليلة القدر على ما في الكافي أن رسول الله عليه السلام (( لما أسري به لم يهبط حتى أعلمه الله جلّ ذكره علم ما قد كان وما سيكون وكان كثيرا من علمه ذلك جملا يأتي تفسيرها في ليلة القدر وكذلك كان عليّ بن أبي طالبعليه السلامقد علم جمل العلم ويأتي تفسيره في ليالي القدر كما كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )) إلى أن قال قال السائل يا أبا جعفر أرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل كان يأتيه في ليالي القدر شيء لم يكن يعلمه قال عليه السلام لا يحلّ لك أن تسأل عن هذا أما علم ما كان وما سيكون فليس يموت نبي ولا وصي إلا والوصي الذي بعده يعلمه أما هذا العلم الذي تسأل عنه فإن الله عز وجل أبا أن يطلع الأوصياء عليه إلا أنفسهم ))1  الحديث .

وأمثالها من الأخبار كثيرة وهذه الأخبار عامة تدل على أن عندهم عليهم السلام علم ما كان وما يكون وهنا أخبار أخر تدل على أنهم عليهم السلام يزدادون في كل يوم جمعة وفي كل يوم وفي كل آن ودقيقة وقد قال عز وجل { ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء } ولا شكّ أن المراد بالعلم ليس هو الذات البحت عز وجل إذا جعلت المستثنى متّصلا كما هو الأصل فيه وأما إذا جعلته منقطعا فالمعنى أنهم عليهم السلام لا يحيطون بعلمه الذاتي لكنهم يحيطون بما شاء الله من علمه الحادث الفعلي وهو الذي في الكتاب وهذا الكلام له وجهان .
_________________
1 الكافي 1/251 ح 8


أحدهما أنهم عليهم السلام يحيطون بما شاء الله بالمشيئة الإمكانية والكونية معا ، وثانيهما أنهم عليهم السلام يحيطون بما شاء الله بالمشيئة الكونية ويؤيد الثّاني بل يحقّقه ويرجّحه قوله تعالى { وقل رب زدنى علما }1 فإن الاستزادة عن الذات البحت مستحيلة وعمّا عنده قبيحة فيجب أمر دون الأمرين أي لا يكون ذاته تعالى ولا يكون ما عنده وإنما ما استجن في الإمكان فلا يصحّ إرادة المعنى الأول ، قال (( قلت جعلت فداك وما ذاك الشّان قال عليه السلام يؤذن لأرواح الأنبياء الموتى عليهم السلام وأرواح الأوصياء الموتى وروح الوصي الذي بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السماء حتى توافي عرش ربّها فتطوف به أسبوعا وتصلي عند كل قائمة من قوائم العرش ركعتين ثم ترد إلى الأبدان التي كانت فيها فتصبح الأنبياء والأوصياء قد ملئوا سرورا ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وقد زيد في علمه مثل جمّ الغفير ))2 .
وفيه عن المفضل قال (( قال لي أبوعبد الله عليه السلام ذات يوم وكان لا يكنّيني قبل ذلك يا أبا عبد الله ، قال : قلت : لبيك ، قال : إنّ لنا في كل ليلة جمعة سرورا ، قلت : زادك الله وما ذاك ، قال عليه السلام إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العرش ووافى الأئمة عليهم السلام معه ووافينا معهم فلا ترد أرواحنا إلى أبداننا إلا بعلم مستفاد ولولا ذلك لأنفدنا ))3 .
________________
1 طه 114

2 الكافي 1/253 ح 1
3 الكافي 1/254 ح 2
 


وفيه أيضا عن يونس أو المفضّل عن أبي عبد الله عليه السلام قال (( ما من ليلة جمعة إلا ولأولياء الله فيها سرور ، قلت كيف ذلك جعلت فداك ، قال إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العرش ووافى الأئمة ووافيت معهم فما أرجع إلا بعلم مستفاد ولولا ذلك لنفد ما عندي ))1  .
وفيه عن زرارة قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول (( لولا أنا نزداد لأنفدنا قال قلت تزدادون شيئا لا يعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال أما إنه إذا كان ذلك عرض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم على الأئمة ثم انتهى الأمر إلينا ))2 .
وفي الحديث المتقدم عن أبي بصير إلى أن قال عليه السلام (( إن عندنا علم ما كان وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة قال قلت جعلت فداك هذا والله هو العلم قال عليه السلام إنه لعلم وليس بذاك قال قلت جعلت فداك فأي شيء العلم قال عليه السلام ما يحدث بالليل والنهار والأمر بعد الأمر والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة )) .
وفيه عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال (( إن لله تبارك وتعالى علمين علم أظهر عليه ملائكته وأنبيائه ورسله ، فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه ، وعلم استأثر به فإذا بدا لله في شيء منه أعلمنا ذلك وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا ))3 .
_____________
1 الكافي 1/254 ح 3
2 الكافي 1/255 ح 3
3 الكافي 1/255 ح 1


وفيه أيضاً عن ضريس قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول (( إن لله عز وجل علمين علم مبذول وعلم مكفوف فأما المبذول فإنه ليس من شيء تعلمه الملائكة والرسل إلا نحن نعلمه وأما المكفوف فهوالذي عند الله عز وجل في أم الكتاب إذا خرج نفد ))1  .
وعن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول }2 قال عليه السلام وكان والله محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ممن ارتضى ، وأما قوله تعالى { عالم الغيب } فإن الله عز وجل عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدر من شيء ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه وقبل أن يقضيه إلى الملائكة فذلك يا حمران علم موقوف عنده إليه فيه المشيئة فيقضيه إذا أراد ويبدو له فيه فلا يمضيه ، فأما العلم الذي يقدّر الله عز وجل ويقضيه ويمضيه فهوالعلم الذي انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمثم إلينا ))3 .
وفيه عن عمّار الساباطي قـال (( سألت أبـا عبد الله عليه السلام عن الإمام يعلم الغـيب فقال لا ولكن إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه الله ذلك ))4 .
وعنه عليه السلام (( إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم ))5 .
____________________
1 الكافي 1/255 ح 3

2 الجن 26 - 27
3 الكافي 1/256 ح 2

4 الكافي 257 ح 4
5 الكافي 1/258 ح 1


والأحاديث في هذه المضامين كثيرة فإذا سمعت بعض الأخبار مما يحضرني الآن فاسمع ما ذكره القرية الظاهرة للسير إلى القرى المباركة أعني شيخنا وأستاذنا أطال الله بقاه وجعلني فداه في شرح الزيارة الجامعة عند قوله عليه السلام وخزّان العلم قال سلّمه الله تعالى ( العلم الذي هم خزّانه العلم الحادث وهو علم موجود بالمعنى المتعارف وهو قوله تعالى { ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء }1 يعني أن ما لم يشأ من علمه أن يعلموه لا يحيطون به وليس المراد بهذا العلم الذي لا يحيطون بشيء منه هو القديم الذي هو الذات ليكون المعنى ولا يحيطون بشيء من ذاته إلا بما شاء أن يحيطوا به منها وهذا معنى باطل بل المراد به شيئان أحدهما أن العلم الحادث الذي هو غير الذات منه ممكن مقدور غير مكوّن ومنه تكوين ومنه مكوّن فالممكن المقدور غير المكوّن هوالممكنات قبل أن تكسى حلّه الوجود في جميع مراتب الوجود فهذه لم تكن مشاءة إلا في إمكانها فهذا لا يحيطون بشيء منه إحاطة وجود ويحيطون به إحاطة إمكان لأنه إذ ذاك مشاء مشيئة إمكان والتكوين الممكن وهذا يحيطون به لأنه مشاء بنفسه وهم محال ذلك والمكوّن قسمان مكوّن مشروط ومكوّن منجّز والمكون المشروط يحيطون به لأنه مشاء ولا يحيطون بالشّرط إلا بعد أن يكون مشاء والمكوّن المنجّز يحيطون به ثم ما كانوا يحيطون به قسمان قسم كان وهم عليهم السلام يحيطون به أنه كان ولا يحيطون به أنه مستمر أومنقطع إلا إحاطة إخبار وقسم لم يكن فهم يحيطون به إحاطة إخبار لا إحاطة عيان فظهر لمن نظر وأبصر من هذا التفصيل أنهم لا يحيطون بشيء من علمه الذي هوغير ذاته إلا بما شاء أن يحيطوا به والذي شاء أن يحيطوا به ما سمعته في هذا التفصيل فافهم.
وثانيهما أن ما أحاطوا به وعلموه لم يكونوا علموا شيئا منه إلا بتعليم الله سبحانه ولم يكن تعليمه لهم أنه أعلمهم ورفع يده عنهم فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى الله ، تعالى الله عن إمكان استغناء شيء عنه علوا كبيرا ،
_______________
1 البقرة 255
 

 

بل ما علموه إنما هو بتعليم الله لهم في كل لحظة بمعنى أنهم إذا علموا أن غداً تطلع الشمس إن شاء الله ما ملكوا من هذا العلم شيئا إلا لحظة علمهم بذلك حين علموا لا قبلها ولا بعدها ولم يعلموا بعد تلك اللّحظة ما علموه من أن الشمس تطلع غداً إن شاء الله إلا بتعليم جديد من الله تعالى كما هو حال المحتاج إلى الغني المطلق وذلك التعليم الدائم القائم حين يكون هو ما شاء الله وهو الذي يحيطون به وهوما ملكوه من العلم فافهم فإنه دقيق لطيف رشيق والعلم الذي هم خزّانه هـو هذان الشّيئان من العلم على نحوما ذكرنـا لا غير )1  انتهى كلامه أطال الله عمره وأعلى الله مقامه .
وأنا أجمل لك المقال وأشرح به حقيقة الحال بكلام موجز مختصر فخذه قاعدة كلية فاعرف منها معنى علم الإمام عليه السلام بما كان وما يكون إلى انقضاء الوجود .
فأقول اعلم أنّ الله عز وجل لم يزل متفردا متوحدا ولم يكن معه سبحانه شيء ، والآن كما على ما عليه كان إذ لم يسبق له حال حالا ليكون أولا قبل أن يكون آخرا ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا بل أوّليته عين آخريته وظاهريته نفس باطنيته ومشهوديته عين مفقوديته وخفاؤه عين ظهوره ، ثم خلق محمدا وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام أوّلا قبل كل شيء وأكمل خلقتهم وأتم نورهم عليهم السلام ، ثم هم يعبدون الله عز وجل كما عبدوه بأعمالهم وأفعالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم وسائر أحوالهم وشئونهم، وتلك الأعمال والأفعال والعبادات ليست صادرة عنهم بالاستقلال إذ لا فعل لهم فيها ليستلزم الإجبار وإنما ذلك بسر الأمر بين الأمرين ، كأعمالك وأقوالك وحركاتك وسكناتك مثل قيامك وقعودك وأكلك وشربك وكتابتك وسائر أعمالك فإن كلّها أشياء وجودية قد تقوّت بك وبيدك ناصيتها ، إلا أن الأشخاص تختلف في صدور الأعمال عنهم باختلاف
______________
1 شرح الزيارة الجامعة الكبير 1 ص 47 - 48
 


القدرة من قوتها وضعفها وذلك الاختلاف من جهة اختلاف كينونات العاملين بقابليّاتهم ، ولذا ترى الملائكة تحرّك الجبال والأرض كلّها وتدير الأفلاك بأمر الله وإذنه واقتداره وأنت ما تقدر على ذلك ، وليس أن الملائكة مجبورون في ذلك أو أنت مجبور فيما ذكرنا لأن الجبر قد سبق منّا أنه عبارة مفهوميّة لا حقيقة لها في الواقع وإن كانت لها حقيقة في نفس الأمر .
فإذا أتقنت هذا فاعلم أن الموجودات كلّها بسماواتها وأرضها وعرشها وكرسيها وملائكتها وجنّها وحيوانها ونباتها وجمادها وكل ما يحصل من قراناتها وأوضاعها وجميع ما يرى وما لا يرى ومن ينقلب في الجنة والنار وحقيقتهما وحقيقة الأنبياء وسائر ما خلق الله عز وجل كلّها على العموم الاستغراقي الحقيقي اللغوي لا العزمي مختـارة في صدور الأفاعيل المنسوبة إليها ، وأمّا الأفعال التي صدرت عن الله بها وبواسطتها فليس لها إلا حكم التوسط فلا تنسب إليها على الحقيقة كالخلق والرزق ، وليست هي مختارة في الإيجاد وإنما هي أسباب وأبى الله أن يجري الأشياء إلا بأسبابها .
ولما ثبت أن محمدا وأهل بيته عليهم السلام هم الباب الأعظم والسبب الأتم ، أوجد الله الموجودات بهم في جميع أحوالهم ، فالإمام عليه السلام هو العلّة والسبب وليس نسبة الخلق إليهم كنسبة أعمالك وحركاتك وسكناتك بل نسبتهم إليه كنسبة الأفعال الإلهية إلى الملك ، فهو عليه السلام حامل اللواء والذات في الذوات للذات فالعالم كله بيته الذي بناه بقدرة الله ، وكلّما في العالم آلات البيت التي أحدثها على حكم المقتضيات والأوضاع أنشأ الله مادّتها باختراعه لا من شيء وصورتها لا لشيء فهو روحي فداه صاحب البيت ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخره وسيّده والله عز وجل من ورائهم محيط ، فهم عليهم السلام ليسوا شيئا إلا بالله عز وجل فلا عمل لهم إلا به وبأمره كما قال عز وجل {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}1 {* وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}2 فظهرت قدرة الله عز وجل فيهم فتحمّلوا أوامره ونواهيه والأحكام الوجوديّة والشرعية كلّها كما قال في الحديث القدسي (( لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن ))3 فهم وسعوا جميع الأحكام الربوبية فظهرت بهم أحكامها ، ولما تمحّضوا في العبودية ودكوا جبال الإنيّة بلغوا مقام الحديدة المحمية فصار فعلهم فعل الله وقولهم قول الله وحكمهم حكم الله وأمرهم أمر الله ونهيهم نهي الله كما قال الله عز وجل {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}4 {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}5 .
ولما كان الحق سبحانه هوالثابت المستقل الموجود الدائم الباقي فلا تنسب الأشياء في كل أحوالها إلا إليه فلا يعبد إلا إياه ، ولما كانت الأشياء متقوّمة بهم ومبدئة بهم وصادرة عن الله لهم عليهم السلام وهم عليهم السلام لا ينظر إليهم نظر الاستقلال فصارت التعبيرات تختلف بالنسبة إليهم عليهم السلام ، فمرة يعبر عنهم باليد ومرة بالقدرة ومرة بالعلم ومرة بالتوحيد ومرة بركن التوحيد ومرة بالجلال ومرة بالجمال ومرة بالعظمة ومرة بالرحمة ومرة بالوجه ومرة بالجنب ومرة بالاسم ومرة بالمعنى وهكذا من سائر التعبيرات ، ومرجع كل ذلك إلى ما ذكرنا لك من سر الأمر بين الأمرين فإذا صحّ أن الموجودات كلّها آثار الله الصادرة عن الله بالإمام عليه السلام فوجودها كلها عنده كالنقطة في الدائرة لأنه لها كالقطب بالنسبة إلى المحيط ، ولاشك ولا ريب أن المحيط عالم بجميع جهات المحاط مما أحدثه الله ومما يحدثه فيما بعد وكل ذلك حاضر عنده موجود لديه لأنـه الباب الذي لا يؤتى إلا منه وفي
_____________
1 الأنبياء 27 2 الأنبياء 29 3 البحار 58/39 ح 61
4 النساء 80 5 الفتح 10
 

 

الزيارة (( إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم ويصدر من بيوتكم الصادرة لما فصّل من أحكام العباد ))1 الزيارة .
فالذوات والحقائق بأسرها صدرت عن الله تعالى بهم فهم باب الفيض في الصدور والورود بالنسبة إلى كل موجود والموجودات كلها أعراض قائمة بهم عليهم السلام ، فهم عليهم السلام بهذا الاعتبار يعلمون علم السموات والأرض وما كان وما يكون إلى يوم القيامة وإلى ما لا نهاية له لأنهم وجه الله الذي لا تعطيل له في كل مكان ويده المبسوطة بالبر والامتنان ورحمته الواسعة وقدرته الشاملة الكاملة فيعلمون ما يكون حين ما كان قبل أن يكون ، ولما كان الوجود دائم الفيضان ودائم التجدد والسيلان كانوا عليهم السلام يزدادون في العلم في كل آن من الأمور المتخصّصة في الأكوان المنزلة مطلقة من بحر الإمكان ، فلا يعلمون عليهم السلام إلا ما ظهر مكونا في عالم الأعيان وأما الأكوان فيعلمونه على ما هو عليه من عدم التخصص والتعين ، ولما كان ظهور الحق عز وجل لهم قبل كونهم في عينهم فهو سبحانه أقرب إليهم لا نهاية له في بعده عنهم كذلك فعلّم سبحانه الخلق في أماكنهم ورتبهم قبل خلقهم وقبل وجودهم عليهم السلام بما لا نهاية له ، ولما كان ظهورهم عليهم السلام للخلق كذلك كان تعليم الله سبحانه إياهم حقائق الخلق من المستقبل والماضي والحال قبل كون الخلق وعينهم بما لا نهاية له في رتبة وجودات الخلق لا قبلها ، فنسبتهم عليهم السلام إلى الخلق نسبة واحدة وكل الخلائق عندهم عليهم السلام نقطة واحدة فيرون كل شيء في مكانه ووقته قبل وجوده حين وجوده لأن التقديرات الزمانية والتقدم والتأخر السّيالين الغير المجتمعين مرتفعة عندهم ، فالمستقبل عندهم عليهم السلام عين الماضي والماضي عين الحال ومعنى ذلك رفع الماضي والحال والاستقبال فالوقت الذي عرفوا القيامة الكبرى مثلا هو الوقت الذي عرفوا وجود آدم أبينا عليه السلام لأن زمانهم عليهم السلام سرمد بـالنسبة إلى الأنبيـاء وزمان الأنبياء سرمد
_______________
1 كامل الزيارات 200
 

 

بالنسبة إلينا والسرمد انقطعت عنده النهايات والبدايات والجهات الدهرية والدهر انقطعت عنده كل المدد الزمانية وكلها عنده كنقطة واحدة ، فالأشياء كلها في جميع أحوالها من الماضي والاستقبال حاضرة لديهم معلومة لهم ويشاهدونها حين وجودها وصدورها من المبدأ ، ولذا قد مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجميع الأشياء حين خلقه الله عز وجل ودخل الجنـة والنار ، والحسين عليه السلام أرى أمّ سلمه زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقتله ومذبحه ويوم شهادته وحال شهادته وشهادة الشهداء المستشهدين بين يديه وسبي النساء وسائر الأحوال وهو عليه السلام في المدينة ، فالأشياء كلها مما جرى عليه قلم الابداع على حكم الاختراع فما يصح في الحكمة أن يبرز في الوجود كلها قد صار عندهم وتحقق لديهم سلام الله عليهم وثبت في اللوح المحفوظ الذي لم يتغيّر ولم يتبدّل قـال عز وجـل { وأجل مسمى عنده }1 وهذا معنى قولهم عليهم السلام ما معناه (( إن الله عز وجل خلق القلم وأمره أن يكتب في اللوح فكتب ما كان وما يكون ثم جف ولم ينطق أبـدا )) وإلى هذا الذي ذكرنـا من السر المنمنم يشير قـوله عليه السلام (( وعرفت ما كان وما يكون )) فهم عليهم السلام يشاهدون الأشياء بمراتب سياليتها وتدرّج مراتبها ومقاماتها إلى نهايات انقطاع وجوداتها على التفصيل حين وجوداتها قبل أن تخلق بألف ألف دهر وهذا باب غامض يدركه أهل الأفئدة ولذا لما سئل السائل عن أبي جعفر الباقر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( هل كان يأتيه في ليالي القدر شيء لم يكن يعلمه قالعليه السلاملا يحلّ لك أن تسأل عن هذا أما علم ما كان وما سيكون فليس يموت نبي ولا وصي إلا والوصي الذي بعده يعلمه أما هذا العلم الذي تسأل
_______________
1 الأنعام 2
 


عنه فإن الله عز وجل أبا أن يطلع الأوصياء عليه إلا أنفسهم ))1 الحديث فافهم .
والقلم الذي كتب ما كان وما يكون ثم جف وهو عقلهم عليهم السلام وهو روح القدس الذي يأتي في ليلة القدر عند الإمام عليه السلام وهذا الروح قد قالوا عليهم السلام فيه (( روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة ))2 وهذا العلم الثاني هو ظهورات العلم الأول في مراتب تنزلاته منسب سيالية الأشياء في مراتبها وحسب مقابلتها لفوّارة القدر فليلة القدر هي ليلة الجمعة التي قد تقدّم في الحديث أنهم عليهم السلام يزدادون فيها وليلة الجمعة هي الآن والآنات التي يزدادون فيها إذ مواد العلم لا تنقطع عنهم عليهم السلام والأيام والأسبوع منقطعة دونهم وفوّارة الفيض الذي هو العلم دائم الفوران عليهم لكنا نحن عندنا الأيام والأسبوع والسنة فيقدّر ذلك النور فيها على حسبها كنداء الملك الذي على نصف النهار ينادي (( قوموا إلى نـيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فاطفؤها بصلاتكم ))3 وهذا هو صوت واحد غير منقطع على دائرة نصف النهار فأهل كل بلدة يحاذونها سمعوا صوته ووجب عليهم صلاة الظهر وكذلك العصر والمغرب والعشاء والصبح على هذه الأوقات وليست هذه الأوقات عند الملك ولا عند الفلك و إنما هي بالنسبة إلى أهل الأرض، وكذلك ليلة القدر فإنها ليلة إفاضة الفيض عليهم عليهم السلام من فوارة القدر الذي هو بحر مظلم كالليل الدامس كثير الحيتان والحيّات في قعره شمس تضيء لا ينبغي أن يطلّع عليها إلا الواحد الفرد فمن تطلّع عليها فقد ضاد الله في ملكه ونازعه في سلطانه وباء بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير ، ولا انقطاع لفوران تلك الفوّارة أبد الآبدين وذلك الفوران على تلك الأراضي الطيبة والقابليات الراجحة التي كادت أن تضيء ولو لم تمسسها نار التأثير بماء الأثر تسمى مرة بليلة القدر .
_________________
1 الكافي 1/251 ح 8

2 البحار 26/264
3 الفقيه 1/208
 

 

وإنما سمي بالليلة لأن ذلك النور أي الفيض أي العلم الذي هو النقطة قد ظهرت في تلك الهياكل والحدود الطيبة الطاهرة فكانت ليلة ، وإنما سميت بالقدر بمعنى الضيق إشارة إلى تهجّم تلك الأنوار وتطابق ظهور الأسماء واجتماعها كلّها في تلك الحقائق المقدسة الطاهرة والملائكة مظاهر تلك الأسماء .
ويسمى مرة بليلة الجمعة أما الليلة فلما أشرنا إليه سابقا ، وأما الجمعة فلاجتماع القوابل مع المقبولات واتصال الأسماء بالمسميات والأسباب بالمسبّبات ، ويعبر عنه بظهور العلم في كل الآنات في جميع الدقائق والساعات لسريان ذلك النور في جميع المراتب وكل الأطوار في كل الأحوال .
وإنما عينت ليلة القدر بليلة ثلاثة وعشرين من شهر رمضان ، وأما شهر رمضان فلكونه مبدأ الشهور وأول السنة جرى له حكم المبدئية ولذا وجب احترامه وصيامه ، أما العشر الثالث منه أما على الظاهر فلأن العوالم ثلاثـة عالم الجبروت وهو العشر الأول منه وفيه الفيوضات الواردة على العقول ، وعالم الملكوت وهو العشر الثاني منه وفيه الفيوضات الواردة على النفوس وما بعدها ، وعالم الملك وهو العشر الثالث وفيه الفيوضات الواردة على الأجسام من العلوية والسفلية وعالم الظهور وهو الثالث والمبدأ هو الأوّلان فلا يتحقق إلا بهما و إجراء الأحكام عليهما ، فوجب أن يكون لأهل العالم الثالث الرتبة الثالثة فلذا كان في العشر الثالث .
وأما في الحقيقة ليعمّ الحكم في كل عالم فلأن المبدأ له ثلاث جهات جهة إلى الأعلى والثانية إلى نفسه والثالثـة إلى شئونه وأطواره وظهورات آثاره ، والفيض في عالم التفصيل والتمييز والظهور الفعلي مشروح العلل مبين الأسباب لا يكون ولا يتم إلا في الرتبة الثالثة فجرى حكم ليلة القدر في العشر الثالث مقترنا ومرتبطا بالثاني ، و إنما ظهرت ليلة القدر في ثلاثة ليال وكملت في الثالث لأن تمام الشيء من البدء لا يكون إلا بعد إيجاد عينه وتقدير حدوده والقضاء أي الحكم عليه بما هو عليه من تلك الحدود ، فالمقام الأول مقام المشيئة وبدأ الإرادة والمقام الثاني مقام القدر أي الهندسة ووضع الحدود والمقام الثالث مقام القضاء ومقام في أي صورة ما شاء ركبك فكان تمام الفيض في هذه المقامات الثلاثة وهي الكليات التي إذا فصّلت ظهرت السبعة أيام الأسبوع قال عليه السلام (( لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلا بهذه الخصال السبع بمشيئة وإرادة وقدر وقضاء وإذن وأجل وكتاب ، فمن زعم أنه يقدر على نقض واحدة فقد كفر ))1 ، وفي رواية أخرى (( فقد أشرك ))2  .
وإنما كانت ليلة تسعة عشر الأولى المبدأ لأنها مقام الواحدية وأول ظهور المشيئة قبل التعلق الذي هو عبارة عن إتمامها بالأحدية وتلك الليلة مقام بسم الله الرحمن الرحيم في الكتاب التكويني فظهر الظاهر مطابقاً للباطن فإن المشيئة هي الذكر الأول وهذا مبدأ وجود الشيء لا يترتب عليه حكم ولا يظهر منه أثر إلى بما بعده من المراتب والحدود ، ثم ليلة إحدى وعشرين لأن الواحدية إذا تمت بالأحدية ظهرت الكاف المستديرة على نفسها ثم أثرت في الرتبة الثانية فليلة العشرين مقام ظهور الكاف وليلة أحد وعشرين مقام التأثير في التقدير ، أو قل إن ليلة تسعة عشر بإزاء المشيئة والعشرين في مقام الإرادة وحكمها في الليلة الأخرى وهي رتبة القدر وتقدير الآجال والأرزاق ووفد الحاج وأمثالها ، أو قل إن ليلة إحدى وعشرين أول البدء في العشر الثاني وليلة تسعة عشر لمقام الارتباط والثالث والعشرين لتمام المراتب وظهور شكل المثلث الذي هو أبو الأشكال وهو شكل أبينا آدم عليه السلام فافهم .
_____________
1 الكافي 1/149 ح 1
2وهي قوله عليه السلام (( لا يكون شيء في السموات ولا في الأرض إلا بسبع بقضاء وقدر وإرادة ومشيئة وكتاب وأجل وإذن فمن زعم غير هذا فقد كذب على الله أورد على الله )) الكافي 1/149/2


وإنما ظهرت ليلة الجمعة ويومها في آخر الأسبوع أو في اليوم السادس لظهور التسبيع والتسديس في كل شيء كما قال عز وجل { خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}1 واليوم السادس مقام الاجتماع وتمام الأمر والسابع كماله وظهوره مشروح العلل مبين الأسباب وهذا الحكم يجري في كل شيء من الموجودات العلوية والسفلية ، وأما عالم الأجسام أي العناصر لما كان عالم الزمان الغليظ الكثيف ظهر نور القضاء في ذلك اليوم ولذا كان عيدا لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم .
وبالجملة لا تنافي بين ما ذكروا عليهم السلام ( إن عندنا علم ما كان وما يكون ) على مقتضى الأخبار الكثيرة المستفيضة وبين ما قالوا عليهم السلام ( إنا نزداد في كل ليلة الجمعة ) وما قالوا ( إنا نزداد في كل آن ) وما قالوا ( أن الملائكة تأتيهم ليلة القدر بجميع ما يحدث في تلك السنة ) فإن المراد مما يكون من المحتومات لا المشروطات والموقوفات وذلك للدليل القطعي على أنهم عليهم السلام حادثون والحادث لا يستغني من المدد إذ لوجاز أن يستغني آنا لجاز الاستغناء إلى الأبد كما يأتي مشروحاً إن شاء الله تعالى ، فالمدد الذي يأتيه لوكان هو الذي عنده كان تحصيلاً للحاصل ثم لا يتصور الإتيان وهو المفروض فلو لم يكن عنده كان ممكنا في حقه أن يأتيه إذ لا يصح أن يأتيه شيء من الأزل تعالى عن ذلك علوا كبيرا فيجب أن يكون في الإمكان فيأتيه أشياء ليست عنده ، فإذا ثبت حدوثهم عليهم السلام وأنهم مخلوقون مربوبون فيجب أن تأتيهم أشياء ليست عندهم وهو قوله تعالى { وَقُل رَّبِّ
____________
1 الأعراف 54


زِدْنِي عِلْمًا}1 وقال صلى الله عليه وآله وسلم عليه السلام (( اللهم زدني فيك تحيرا )) فعلى هذا وجب أن نقول أن عندهم عليهم السلام علم ما كان لأنه لا يكون شيء إلا وأشهدهم الله خلقة فلا يوجد إلا بمشهد منهم عليهم السلام ولا يعمل عبد عملا إلا وقد يعرض عليهم عليهم السلام لأنهم عليهم السلام المناة لأحوال الخلائق والأعضاد الذين بهم قوام الأشياء بموادها وصورها فلا يشذ عنهم شيء موجود قد تعلق به الجعل ، وأما علم ما يكون فإن المحتوم منه الذي لا مرد له يعلمونه بتعليمهم الله عز وجل ، وأما ما سوى ذلك من الأمور الممكنة فإنها تتجدد عليهم دائما يفيض عليهم من بحر الإمكان إلى ساحل الأكوان والأعيان وهم عليهم السلام حملة ذلك الفيض وذلك العلم وعلم في ما قعر بحر الإمكان ليس إلا عند الله عز وجل فيخبرهم ما شاء وأحب من ذلك وذلك هوعلم الغيب كما قال عز وجل {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ }2 والمرتضى من محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو علي عليه السلام ولذا سمي بالمرتضى وقـال عز وجل { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن
_________________
1 طه 114
2 الجن 26 - 27
 


رُّسُلِهِ مَن يَشَاء}1 وهذا العلم الذي يأتيهم لا غاية له ولا نهاية له نهر يجري من تحت جبل الأزل على أراضي قلوبهم إلى أبد الأبد فيظهر ذلك في العالم الزماني بالمكمم بهذه المقادير المخصوصة بالنسبة إلى أهله ، وأما بالنسبة إليهم عليهم السلام فليلة القدر هي ليلة الجمعة كما ذكرنا ألا ترى أنه من جهة اختلاف الآفاق يكون ليلة في بلدة جمعة وفي أخرى السبت وفي أخرى الأحد وهكذا ، وكذا ليلة القدر أي الليالي الثلاثة تختلف باختلاف البلدان باختلاف الآفاق فدل ذلك على ما ذكرنا من وحدة الأمر النازل في ليلة القدر واختلافه بالقوابل قال تعالى {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ}2 { مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ}3 فافهم.
وليس الغيب ما توهمه بعض الناس من أنه الإخبار بما في القلوب والضمائر وأمثال ذلك فإن ذلك غيب إضافي لا حقيقي والموجودات دقيقها وجليلها ومجردها وماديها كلها حاضرة لديهم مشهودة لهم فلا تغيب عنهم لأنهم عليهم السلام وجه الله الذي لا تعطيل له في كل مكان والخواطر إنما نزلت إلى الأوهام والأذهان بعد أن نزلوها عليهم السلام من خزائنها المقدرة لها والمستقبلات كلها حاضرة عندهم يرونها ويشاهدونها في أماكنها وأوقاتها فلا يخفى عليهم شيء من أحوالها فلا ينبغي لأحد ممن له تتبع في الأخبار وتعمق نظر واعتبار أن يشك أن عندهم عليهم السلام كلما برز في عالم الكون فإذا سألهم السائل من شيء لا بل إذا أتاهم من قبل السؤال يعلمونه بجميع أحواله وما يريد أن يسأله وما الذي تقتضي المصلحة في حقه وأمثالها لأن ذلك ليس بغيب عندهم عليهم السلام و إنما هو شهادة وعيان ، فلا يشمله ما دل على أنهم لا يعلمون الغيب فإن قلت فما معنى الحديث المتقدم عن أبي عبد الله عليه السلام (( يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني فما
________________
1 آل عمران 79

2 القمر 50
3 الملك 3
 

 

علمت في أيّ بيوت الدار هي ))1 ، فإن ذلك مخالف لما قررت من أنهم عليه السلام يعلمون جميع ما تحلى بحلية الكون ويدل أيضا على أن المراد بالغيب الذي لا يعلمونه هوالغائب عن الأبصار من أحوال القلوب والضمائر والخفايا والخبايا .
قلت ليس المراد من الحديث الشريف ظاهره لدلالة عجز الحديث عليه وهو صريح في أنه كان منه عن تقية من الذي كان في مجلسه فإن معنى الحديث إن ضعفاء شيعتنا يؤذوننا أي المخالفون يؤذوننا في ضعفاء الشيعة لتأذيهم منهم فينا ، (( يزعمون )) أي العامة أنا نعلم الغيب يحتمل الغيب أن يكون ضمير المتكلم راجعا إلى العامة المخالفين يعني يزعمون أنفسهم أنهم يعلمون الغيب أي الأسرار والبواطن والأمور الغيبية عن الخلق حتى أنهم يقولون أن أبا بكر وعمر أوتيا علما لم يؤت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأسرار وغوامض العلوم ووصل إليهما العلم من الله عز وجل بدون توسط النبي صلى الله عليه وآله وسلم من العلوم المكتومة وكما قال أيضا بعضهم لوشئت لأوقرت سبعين جملا من تفسير الحمد لله في مقابلة قول علي عليه السلام (( لوشئت لأوقرت سبعين جملا من تفسير باء بسم الله الرحمن
_______________
1 الكافي 1/257 ح 3


الرحيم ))1 وأمثال ذلك مما يدعون بمحض الدعوى ، ويحتمل أيضا أن يكون ضمير المتكلم راجعا إليهم عليهم السلام والزعم هو ركوب مطيّة الكذب والخيال الباطل والظن وشبهه يعني أنهم في شك وارتياب في أنا نعلم الغيب وليس كذلك بل يجب اليقين والاعتقاد في ذلك .
وقوله عليه السلام (( لقد هممت بضرب جاريتي فهربت مني )) المراد بالضرب هو النوع وكانت له جارية عامية أراد عليه السلام أن يجعلها من نوع شيعته ومواليه فما قبلت ، وقوله عليه السلام (( فما علمت في أيّ بيوت الدار هي )) يعني ما أبالي في أي طريقة تموت يهودية أو نصرانية هذا هو مراد الإمام عليه السلام ولا تقل أنه بعيد لأنا نقول {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا}2 وأنهم عليهم السلام يتكلمون بالكلمة ويريدون منها أحد وسبعين وجها ، ومثل هذا الحديث كثيرا ما يقع عنهم عليهم السلام في مورد التقية كما اشتهر عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال (( إن أبا بكر وعمر كانا إمامين عادلين كانا على الحق وماتا على الحق رحمة الله عليهما )) وقالوا أيضا (( من فضل عليا على عمر فقد كفر )) وأمثالها كثير ولا يمكن إرادة ظاهر هذه الأحاديث على ما يفهمه العوام ، فإن المراد من الأول أنهما كانا إمامين
_______________
1 عوالي اللآلي 4/102
2 المعارج 6 - 7


من الأئمة الذين يدعون إلى النار {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ}1 ، عادلين عن الحق والصراط المستقيم ، كانا على الحق الحق هو علي عليه السلام لقوله تعالى {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ}2 وعلى للضرر يعني أنهما كانا دائما على ضرر علي عليه السلام وإيصال الأذية إليه عليه السلام وماتا على الحق كالأول ، رحمة الله عليهما يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ضررهما وإهانتهما في الدنيا والآخرة ، والمراد من الحديث الثاني في أن تفضيل شيء على شيء فرع أن يكون في المفضل عليه فضيلة فإثبات التفضيل لأحد على أحد إثبات الفضيلة في الآخر وذلك كفر في ما نحن فيه كما قال الشافعي شعرا :

يقولون لي فضل عليا عليهما وكيف أقول الـدر خير من الحصى

ألم تر أن السيف يزرى بحاله إذا قيل أن السيف خير من العصـا


فإن قلت أن ارتكاب التقية خلاف الأصل وخلاف الأصل إنما يصح إذا قام الدليل القطعي عليه كما في الحديثين الآخرين وأما فيما إذا لم يقم فلا فيجب حمل الكلام على ظاهره ، قلت بلا لكن في عجز الحديث قرينة صريحة في ذلك حيث قال عليه السلام كل علم الكتاب عندي ، والله سبحانه يقول
________________
1 القصص 42
2 الحاقة 51


{وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}1 وفيه تفصيل كل شيء وتبيان كل شيء {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}2 {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا}3 فإذا ثبت أن في الكتاب كل شيء ثبت أنهم عليهم السلام يعلمون كل شيء فإذا ثبت هذا المعنى في آخر الحديث ثبت أن أول الحديث لا يخالف آخره فصحّ ما ذكرنا .
فإن قلت قد تواترت الأخبار عنهم بأنهم عليهم السلام لا يعلمون الغيب وورد اللعن على من ادعى ذلك والتكذيب على من يدعيه فلا ينطبق على ما ذكرت ، قلت نحن نقول بموجبها ونتبرأ ممن ينسب الغيب إليهم عليهم السلام لكن على المعنى الذي ذكرنا من أن المراد بالغيب الذي لم يكن ولم يكتس حلة الكون وهو في الإمكان معدوم العين مشروط الوقوع ، وهذا لا يعلمونه ولا يحيطون به وإلا لساوى علمهم علم الله جل شأنه ولاستغنوا عن المدد وخرجوا عن الإمكان لأن المحيط بكل أحوال الشيء لا يمكن أن يكون معه في رتبته وهو علم خاص بالله سبحانه وهو الاسم الذي اختص به عز وجل من الاسم الأعظم كما ورد أن الاسم الأعظم ثلاثة وسبعون اسما اثنان وسبعون اسما عندنا وواحد يتفرد به القديم عز وجل وذلك الاسم هو الشمس المضيئة تحت قعر بحر القدر كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن قال عليه السلام (( في قعره شمس تضئ لا ينبغي أن يطلع عليها إلا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضادّ الله في حكمه ونـازعه في سلطانـه
_________________
1 الأنعام 59 2 يس 12 3 النبأ 29


وكشف عن سره وستره وباء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ))1  وكلما خرج من هذا العلم إلى الوجود فيصل إليهم عليهم السلام إلا ما كان من المحتومات التي لا يقع فيه البداء كما سبق .
أو نقول أنهم عليهم السلام لا يعلمون شيئا إلا ما علمهم الله عز وجل فلا يعلمون شيئا بدون تعليمه تعالى وهو أحد معاني قوله {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء}2 ولا اختصاص له بالغيب بل يدخل فيه العلم بأن السماء فوقنا والأرض تحتنا وأمثاله أيضا ، لكن أبى الله عز وجل إلا أن يعلمهم علمه لأنهم عيبة علمه وحفظة سره ومستودعوحكمته وحملة كتابه كما قال عز وجل {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء}3 كما تـقدم فإن قلت إذن فما معنى قـوله عليه السلام ((إن الله تـفرد بخمسة ))4 وهي ما في الآية الشريفة {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا
______________
1 البحار 5/97

2 البقرة 255

3 آل عمران 179
4 البحار 42/275


وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}1 .
قلت معناه أن الله عز وجل تفرد بها مستقلا ، لكنه سبحانه ارتضاهم وعلمهم ذلك أما علم الساعة فإنه علي عليه السلام كما في قوله عز وجل لما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( فيك يا علي ستة خصال من الأنبياء )) عليهم السلام وذكر منهم عيسى بن مريم عليه السلام فقال المنافقون (( إنه يحب أن نعبد ابن عمه كما عبدت النصارى المسيح )) فأنزل الله عز وجل {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ }2 وهم آل محمد عليهم السلام {وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}3 والضمير لا يخلو إما أن يرجع إلى علي عليه السلام أو إلى عيسى عليه السلام وكلاهما مرادان ، فعلي عليه السلام في الباطن وعيسى عليه السلام في الظاهر ، ولا شك أن عيسى عليه السلام مثال لعلي عليه السلام فهو إنما صار علم الساعة لظهور النور العلوي
_______________
1 لقمان 34 2 الزخرف 57 - 59
3 الزخرف 60 - 61


عليه السلام فيه ، وقوله تعالى {وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}1 يعني علي عليه السلام هو الذي عنده كما قال عز وجل {وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ}2 قال مولانا الصادق عليه السلام (( نحن الذين عنده )) وقوله تعالى {* وعنده مفاتح الغيب }3 والمفاتح هم آل محمد عليهم السلام .
ثم اعلم أن قوله تعالى {وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} أن أريد بها القيامة الكبرى أوالصغرى أي قيام القائم والرجعة والأحوال الجارية فيها وتفاصيل ما يقع عليها فلا شك أن عليا عليه السلام هو متوليها ومجري أحوالها وبيده لواء الحمد كما قال عليه السلام (( لوكشف الغطاء ما ازددت يقينا ))4 ، وإن أريد بها زمان وقوع الساعة ووقت قيامها فإن ذلك لم يوجد ولم يحتم وهو بعد في عالم الإمكان مشروط متوقف ولذا قال تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا}5 وقال عز وجل {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ
_________________
1 الزخرف 85

2 الأنبياء 19

3 الأنعام 59
4 البحار 40/153

5 النازعات 42 - 44


تَكُونُ قَرِيبًا}1 وقد قلنا أنهم عليهم السلام يعلمون ما هو موجود في الأكوان وما سيكون من محتومات الإمكان ، وكذلك القول في باقي الأربعة فإن نزول الغيث ما يمكن إلا بهم عليهم السلام كما في الزيارة (( وبكم ينزل الغيث ))2 والمبادئ كلها عندهم والمفاتيح بيدهم عليهم السلام فيعلمون أوان نزوله قبل نزوله حين نزوله بتعليم الله عز وجل فافهم .
وأما علم ما في الأرحام ففي الزيارة عن الحجة عجل الله فرجه (( أنا سائلكم وآملكم فيما إليكم التفويض وعليكم التعويض )) إلى أن قال (( وعندكم ما تزداد الأرحام وما تغيض ))3 كيف وإن الولد لا يتكون في بطن الأم إلا بعد إقراره بولاية علي عليه السلام والأئمة أو إنكاره إياهم ليخلق سعيدا أوشقيا لأن الشقي من شقي في بطن أمه والسعـيد من سعد في بطن أمه .
وأما علم المنايا فقد تواترت أخبارهم وشهدت آثارهم عليهم السلام بأن عندهم علم البلايا والمنايا والوقائع لكنهم عليهم السلام في كل هذه العلوم مسبوقون متعلّمون من أمر الله وصنعه {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء}4 وكل علومهم في كل أحوالهم متجددة كما قال مولانا علي عليه السلام (( لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو
________________
1 الأحزاب 63

2 الزيارة الجامعة الكبيرة
3 البحار 99/195 4 البقرة 255


كائن إلى يوم القيامة ))1 وهذا دليل على أنهم يعلمون الأشياء كلها في مراتبها ومقاماتها لكنهم ليسوا بمستقلين حتى يثبت عليهم بل لله عز وجل المشيئة فيهم وفي الأشياء فلا يحتّم عليهم بشيء كما قال تعالى {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}2 لأن ذلك صفة العبودية فإن قلت إذا كان عندهم عليهم السلام علم ما كان وما يكون وكل الأشياء كانت حاضرة عندهم موجودة لديهم فما معنى ما ورد أن علي بن الحسين عليه السلام أمر ابنه الباقر عليه السلام أن يأتي له بماء يتوضأ وكان ذلك عند موته عليه السلام فأتى الباقر عليه السلام بالماء فقال أبوه عليه السلام أهرقه وأت بغيره فإن الفارة قد ماتت فيه ولا يصلح للوضوء هذا معنى الحديث ولا شك أن موت الفارة كان أمرا وجوديا ، قلت إن لهم عليهم السلام حالات ومقامات ودرجات ، ففي الحالة البشرية حالة يشغلهم شأن عن شأن فإذا التفتوا وتوجهوا إلى جهة فلا يلتفتون إلى الجهة الأخرى كما أن الإنسان إذا التفت إلى مسألة تغيب عنه المسألة الأخرى حين التفاته إليها وليس هذا بجهل وإنما هو عدم الالتفات والنظر فإذا التفتوا علموا ووجدوا ، وإنما الجهل إنما يتحقق فيما إذا التفتوا لم يجدوا وهو معنى قولهم عليهم السلام (( إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم ))3 كما تقدم ومن هذا المعنى قد يعبرون بغيبة روح القدس عنهم ، فإن قلت فما معنى حديث الطست والإبريق الذين أتى بهما جبرائيل عليه السلام من الجنة لعلي عليه السلام ليتوضّأ حين شك في وضوئه ورجع عليه السلام ليتوضأ سريعا ويرجع إلى المسجد ليدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصلاة والحديث مشهور معروف ، قلت إنّ هذا الحديث ليس على ظاهره إجماعا من الشيعة لأن الشك لا يصح أن يعتري المعصوم عليه السلام فيجب تأويله فنقول أنهم عليهم السلام قد ينسبون إليهم نقائص شيعتهم كما نسبوا إليهم ذنوب شيعتهم واستغفروا منها فـغفرها الله كما في قـوله تعالى
_______________
1 البحار 4/97

2 الإسراء 86
3 الكافي 1/258 ح 1
 


{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ }1 وهم عليهم السلام ينسبون أعمال شيعتهم إليهم لأنهم منهم كما قال الحجة عجل الله فرجه (( اللهم إن شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بماء ولايتنا اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا على حبنا ))2 ، فكذلك الشك إنما وقع عن بعض شيعته عليه السلام ولم يتدارك فتدارك عليه السلام عنه إظهارا لتلك الفضيلة العظيمة التي خرقت الأسماع وملأت الأصقاع من إتيان الطست والإبريق والماء من الجنة لوضوئهعليه السلامفي عالم البشرية وحالة الإمامة فافهم .
فإن قلت لوكانوا يعلمون كل شيء لعلموا السم حين أكلوه وعلم الحسين عليه السلام أنه يقتل يقينا وتسبى عياله وذلك يستلزم إلقائهم أنفسهم بـأيديهم إلى التهلكة وفي ذلك مخالفه الله عز وجل حيث يقول {وَلاَ تُلْـقُواْ
_______________
1 الفتح 2

2 البحار 53/302


بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}1 إذ يمكن لمولانا الحسين عليه السلام أن لا يخرج ويبايع خوفا كما بايع وصالح أبوه وأخوه عليهم السلام ، وكذا الحسن عليه السلام يمكنه أن لا يشرب من الماء المسموم وكذا علي عليه السلام يمكن أن يمنع ابن ملجم من ضربه وكذا غيرهم عليهم السلامولا شك أن مخالفتهم لله عز وجل باطل لعصمتهم وطهارتهم فلا يبقى إلا القدح في العلم .
قلت جواب هذا من دليل الحكمة واضح بل أهل الحكمة نظرا إلى قواعدهم لا يستشكلون في ذلك بل يوجبونه بالضرورة لكنّا نتكلم على دليل المجادلة بالتي هي أحسن فنقول لا يشك أنهم عليهم السلام كانوا يعلمون جميع ذلك وإن واقعة الحسين عليه السلام قد اطلع عليها كل الأنبياء والأولياء وبكوا عليه وفي الدعاء عن الحجـة عجل الله فرجه في الثـالث من شعبان (( بكته السماء ومن فيها والأرض ومن عليها ولم يطأ لابتيها ))2 وكذلك علي عليه السلام قد أخبر ابن ملجم ذلك الوقت الذي استشهد فيه عليه بما أراد والذي اختفى تحت عباءته من السيف المسقى بالسم وكذا مولانا الرضا عليه السلام حيث تناول العنب وقبل أن يتناول أخبر خدامه بذلك وهكذا سائر الأئمة عليهم السلام ، ولا ينبغي التشكيك فيه لتوارد الأخبار بل تواترها في ذلك وأما إقدامهم على ذلك فليس من قبيل إلقاء النفس إلى التهلكة وإنما هو طاعة وامتثال لأمر الله عز وجل كما قال الحسين عليه السلام (( شاء الله أن يراني قتيلا وأن يراهن أسارى )) ولله عز وجل في ذلك حكم ومصالح نشير إلى بعضها فيما بعد إن شاء الله تعالى، وحينئذ فعدم الإقدام كان الإلقاء إلى التهلكة فإن الهلاك في مخالفة الله عز وجل وذلك كالجهاد فإذا أمر الإمام عليه السلام واحدا من رعاياه بأن يقاتل حتى يقتل ولا يـرجع وجب عليـه
________________
1 البقرة 195
2 مصباح المتهجد 826


الامتثال والطاعة ولا يجوز الاعتذار بالآية الشريفة {وَلاَ تُلْـقُواْ ‏ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}1 وهذا ظاهر .
وبالجملة يجب على المؤمن المخلص أن يعتقد أنهم عليهم السلام يعلمون كل شيء بالإجمال والتفصيل والكلية والجزئية ولا يقول أن الأصل عدم علمهم عليهم السلام لأنه مسبوق بالعدم الأزلي فعدم علمهم قطعي وأما علمهم بالأشياء كلها فمشكوك فيه ولا ينقض اليقين أبدا بالشك ، فإن ذلك باطل لأن الأصل علمهم والعدم الأزلي كلام مزخرف فإن العدم إن كان شيئا لا يخلو ، إما أن يكون حادثا أوقديما وإلا فلا يعقل توصيفه بالأزلية فإن الصفة فرع وجود الموصوف وإذ ليس فليس ، وقد دلت الأخبار المتكثرة وشهد صحيح الإعتبار أن الله سبحانه قد خلقهم قبل أن يخلق الخلق بألف دهر وكل دهر مائة ألف سنة أوثمانين ألف سنة أومائة ألف وعشرين ألف سنة ، ولما بطلت الطفرة وعدم اتساق النظام كان جميع الخلق إنما خلقوا بواسطتهم عليهم السلام فهم الشاهدون لأحوالهم حين خلقهم إلى منتهى أمرهم لأن الواسطة لا تخلو إما أن تكون على جهة التـنزل والانجماد كالعقل الذي هو واسطة للنفس في إيصال الإضافات إليها وكالنفس بالنسبة إلى الجسم وهكذا حكم كل لبّ بالنسبة إلى قشره وكل ذائب بالقياس إلى انجماده ، ولا يصح أن تكون وساطتهم عليهم السلام في إيجاد الأشياء على جهة التنزل وإلا لكانت الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم مادة كل الأشياء ومنه يلزم أن تكون الأشياء كلها من سنخ محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام ومن سنخ واحد وتكون على اختلافاتها في غاية الشرف وكمال اللطافة لأنها تنزلات أول ما خلق الله وظهوراته في مقام التفصيل ، ومقتضى ذلك أن تكون الأشياء كلها على الصورة الإنسانية لأنها أشرف الكينونات التي يقتضيها المخلوق الأول ويلزم أن يكون الخلق كلهم معصومون حيث كانت المادة الواحدة سارية في الكل وتلك المادة نور باهر يضئ ما جاوره من
________________
1 البقرة 195
 

 

الصور والكينونات كما أن الذات وإن تنزلت التنزلات الكثيرة لم تصل إلى رتـبة الصفات ولا الجواهر إلى الأعراض وتلك اللطيفة محفوظة في كل المراتب ، ثم يلزم أن لا تكون الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم سراجا وهاجا وأن لا يكون لذلك النّير الأعظم والشمس المضيئة المشرقة من صبح الأزل نورا وأن لا يكون لجمال الحق جمالا ولجماله جمالا ولجمال جماله جمالا ولجمال جمال جماله جمالا وأن لا يصدق قوله تعالى {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}1 وقد استفاضت الأخبار بل وتواترت معنى عن الأئمة الأطهار عليهم السلام أن مثل نوره يراد به محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإذ كان صلى الله عليه وآله وسلم هوالسراج الوهاج فلابد أن يكون له شعاع ونور وإلا لم يكن سراجا ولا ريب أن الشعاع والنور ليس أمرا عدميا وإنما هو أمر وجودي فيكون له تحققا وتأصلا في الوجود ولا شك أن النور والشعاع على هيكل المنير ومثاله وكلما قرب إلى المنير بصفاء القابلية ونورانيتها يكون ظهور المثال هناك أكثر وحكاية القابلية أوضح وأبين ، ولما امتنع التعدد الوجودي في المخلوق الأول لكمال بساطته للبساطة وفقدان جهات الارتباطات المتكثرة المتضادة وتوجهه إلى المبدأ الحقيقي وعدم الالتفات إلى ما سواه إلا بقدر ما يمسك نفسه من التعين اقتضى أن يكون واحد قد ظهر في أربعة عشر طورا ، فكل ما عداه من أشعة أنواره وأظلة عكوسات آثاره منه بدأت وإليه تعود ولذا قال عليه السلام في الحديث المشهور في خلق النور المحمدي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما أتم السباحة في الأبحر الاثني عشر (( قطرت منه مائة وأربعة وعشرون ألف قطرة فخلق الله من كل قطرة
_______________
1 النور 35


روح نبي من الأنبياء ))1 عليهم السلام ولوّح بلطيف الإشارة إلى ما ذكرنا فإن القطرة ليست من حقيقة ذاته المقدسة وإنما هي أمر خارج عنها متأصلة بها وعن هذه القطرة قد يعبرون بالشعاع كما قال مولانا الصادق عليه السلام في الكروبيين أنهم (( قوم من شيعتنا من الخلق الأول جعلهم الله خلف العرش لوقسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم ، ثم قال : أن موسى لما سأل ربه ما سأل أمر واحدا من الكروبيين فتجلى للجبل فجعله دكا وخر موسى صعقا ))2 ، وقد قالوا عليهم السلام (( إنما سموا شيعة لأنهم خلقوا من شعاع نورنا ))3 وقد قال أيضا عليه السلام على ما في الكافي (( إن الله خلقـنـا من طينة مخزونة مكنونـة عنده ولم يكن لأحد في ما خلـقنا منه
______________
1 البحار 25/21 2 بصائر الدرجات 69
3 البحار 25/23 ح 39
 


نصيب ))1 ، وقـال أمير المؤمنين عليه السلام (( أنا النقطة تحت الباء )) و (( أنا الذات وذات الذوات والذّات في الذّات للذّات )) ، فإذا ثبت أنّ الموجودات كلها من فاضل أنوارهم أو من عكوسات آثارهم أو من أظلة كينونات هيئاتهم كالقيام بالنسبة إلى القائم وكالقائم بالنسبة إلى الذّات كانت كلها بكل أطوارها حاضرة لديهم حاصلة عندهم لا تغيب عنهم في حال من الأحوال وهم ناظرون إليها نظر المقوم إلى المتقوم بل لا شيئية لها إلا بذلك النظر ، فكيف يخفى عليهم حال من حالات المخلوقين الموجودين المربوبين ، أليس الله قد أشهدهم خلق الخلق وأنهى إليهم علمه وجعلهم شهداء عليهم فهم عندهم عليهم السلام كالدرهم بين يدي أحدكم ، فكيف يقال أن الأصل عدم علمهم مع ظهور هذه الأدلة المتقنة المحكمة ، مع أنّا نقول أيضا لولا ما ذكرنا لقلنا أيضا أن الأصل علمهم عليهم السلام بحكم الاستصحاب كما ادّعوا لأنّ الله عز وجل خلق العلم قبل الجهل والعلم مساوق لحقيقة الشيء وذاته بل هوعين ذاته لأنّ الأشرف في الإيجاد متقدم على الأخسّ بالضّرورة ، فالعلم الحقيقي خلق قبل العوارض والغفلات الموجبة للجهل بعد التّنـزل عن العوالم العلوية إلى العوالم السفلية على ما تشهد به الأخبار ودلّ عليه صحيح الاعتبار ، وعلم كل أحد على مقدار سعته وإحاطته في الوجود من الجزئي والكلي ، فالمتنزل إلى المقامات السفلية إن كان معصوما مطهرا تمنع عصمته وطهارة ذيله عن الاشتغال بما سوى الله سبحانه ، والإعراض عن الأعلى وعدم الإقبال إلى الملأ الأعلى فيدخل في عالم الأجسام بالولادة الدنياوية الظاهرية وهو أعلم أهل زمانه لأنه باق على العلم الأصلي حيث فطره الله سبحانه عليه وباق على المعرفة الحقيقية الأصلية ، ولذا ترى عيسى
________________
1 لم نقف على هذه الرواية بهذا اللفظ ولكن وجدنا ما يقرب منها في المعنى ففي الكافي 1/389 عن أبي عبد الله عليه السلام (( إن الله خلقنا من نور عظمته ثم صور خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش فأسكن ذلك النور فيه فكنا نحن خلقا وبشرا نورانيين لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا )) .
 

 

على نبينا وآله وعليه السلام لما تولد تكلم مع أمه بما تكلم وعلمها بما تعيش به وبما تنجو به من قومها وقال للقوم {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ}1 ‏الآيات ، ولما أنّ مريم عليها السلام أتت به إلى المعلم ليعلمه قال له المعلم قل أبجد قال عليه السلام أتدري ما معناه فعلمه معناه كما هو مذكور في التوحيد وهكذا غيره ، وقد ورد أن المعصوم إذا تولد يقول أشهد أن لا إلــه إلا الله وأن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وبالجملة هذا أمر معلوم فلا يحتاج المعصومون عليهم السلام إلى الكسب والتعلم والمعالجات للتعليم لأنهم عليهم السلام على الفطرة الأصلية ، وأما غيرهم فيحصل لهم في إدبارهم ونزولهم أنحاء السهو والغفلات فينسون ما كانوا عالمين به في الأول بالعلم اللدني الإلـهي فيحتاجون إلى رفع الحجب والغشاوات لظهور ذلك النور من العلم الأصلي وهو يحصل بأمور .
منها الكسب والتعلم وأمثال ذلك وهم متفاوتون في ذلك ، فمنهم من يظهر له الأمر سريعا في الدنيا بعلاج جزئي لضعف الموانع وقلة العوارض فيه ، ومنهم من يحتاج إلى تعب وعلاج وكسب شديد ليظهر لهم شيء يسير من ذلك العلم في الدنيا , ومنهم من لا يحصل في الدنيا ويصل إليه عند موته وفي البرزخ ، ومنهم من لا يصل إليه إلا في القيامة والجنة ، فإذا كان المعصوم عليه السلام لا يمنعه القوس النزولي عن مشاهدة القوس الأول الصعودي فيكون الأصل علمهم بالأحوال والأوضاع الوجودية الخلقية الثابتة في عالم الأكوان وبما ذكرنا وهو أن ظهور العلم على حسب إحاطة العالم ومقدار كتابته في اللوح المحفوظ على حسب الكليّة والجزئية ، فمن الأشخاص من هو ورقة في شجرة الخلد ومنهم من هو غصن فيها ومنهم من هو نفس الشجرة ، وتـفاوتت علومهم على حسب تفاوتهم في كونهم ورقة وغصنا وشجرة ويظهر علمه على مقدار مادة وجوده اندفع ما عسى أن يـتوهّم تساوي علم
___________________
1 مريم 30 - 31
 

 

المعصومين كلهم من الأنبياء والأئمة الطاهرين عليهم السلام على مقتضى ما قلنا من بقائهم على الفطرة وعدم غفلتهم ونسيانهم ما سبق عليهم من العوالم والمقامات ، وهذا الذي ذكرنا كلام ظاهر الحال من جهة المماشاة والمداراة مع أصحاب الجدال وإلا فالأمر أعظم من أن يقال وأن يحيط به المقال ، بل الموجودات الكائنة من الغيبية والشهودية كلها متقومة بتخيلات الإمام عليه السلام وتصوراته إذا سكن عنها انعدم العالم ، فتصورهم عليهم السلام هو علة للكون كما أن تصورك للكتابة والقيام مثلا علة لهما لا يمكن تحققهما بدونه فافهم حقيقة الأمر ولا تنظر إلى خصوص العبارة فإنـها حجاب وغشاوة و إنما هي تنبيه بتلويح وإشارة، فكلما يفعله الإنسان وغيره من ذوي الأرواح بل غيرهم من سائر الأشباح في أعمالهم وأقوالهم وسائر مقتضيات أحوالهم إنما يتحقق في الكون الخارجي بعدما يتنزل من الخزائن العليا أو يتصاعد من الخزائن السفلى بحكم {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}1 وقوام تلك الخزائن المنقسمة إلى تينك الخزانتين بالإمام عليه السلام {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ}2 وهذه القيومية بسر الأمر بين الأمرين وأشار إلى هذه الدقيقة اللطيفة بقوله الحق سبحانه {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ}‏3 فإذاً لا تخفى عليهم خافية وقال عز وجل {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور ألَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}4 والهاء هو المخفف من الله والبسيط من لفظ الجلالة وإذا أشبعت كانت هو ، لأنّ الضم بالإشباع يـتولد منها الواو ، وهو إذا نزلت في رتـبة الأسماء عن رتبة المسمى كان الاسم المقدس
________________________
1 الحجر 21

2 الأنعام 59

3 الكهف 18
4 الملك 13 - 14


العلي ولذا قال عز وجل إشارة إلى ما ذكرنا من غير الإشباع في قوله {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}1مع الإشباع في قوله تعالى {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}2 فافهم .
ولنقبض العنان فللحيطان آذان قال الشـــاعر :

أخاف عليك من غيري ومنّي ومنك ومن مكانـك والزمـان

فلو أنـي جعلتك في عيوني إلى يوم القيامة ما كـفانــي


فلنكتف بهذا المقدار من الكلام فإن أمر الله لا ينفد وسره لا يتبدد .
_______________
1 الزخرف 4
2 البقرة 255