قوله عليه السلام وما كان في الذر الأول

اعلم أن الذر عالم مستقل خلقه الله سبحانه بفيض قدرته وأقام الخلق فيه على مقتضى مشيئته وإرادته وهم حينئذ على هيئة ورق الأس فكلفهم بلسان مشيئته من لسان {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}1 وأخذ عليهم العهد والميثاق بربوبيته وبنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وولاية علي عليه السلام والأئمة الطاهرين وفاطمة الصديقة المطهرة عليها وعليهم سلام الله أبد الآبدين ، وقد نطق بوجود هذا العالم وهذا التكليف القرآن والأخبار المتظافرة المتكاثرة التي كادت أن تبلغ حد التواتر المعنوي والعقل المستنير بنور الله ، وقد أنكر وجود هذا العالم بعض الأجلاء لـمجرد الاستبعاد من أن الله تعالى كيف يكلف الذر ولا يتصور التكليف في حقه وأنا الآن بعون الله أتلو عليك بعض الأخبار الواردة في هذا الباب ثم أشرح حقيقة الأمر في هذا العالم ومعنى تعدده وكيفية وجوده وظهوره لينكشف المراد ويرتفع الاستبعاد لأهل الاستعداد ومن الله المعونة والإمداد .

في الكافي عن زرارة عن أبي جعفرعليه السلام قال (( لوعلم الناس كيف ابتدأ الخلق ما اختلف اثنان ، إن الله عز وجل قبل أن يخلق الخلق قال كن ماء عذبا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي ، وكن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي ، ثم أمرهما فامتزجا فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر والكافر المؤمن ، ثم أخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا فإذا هم كالذر يدبون فقال لأصحاب اليمين إلى الجنة بسلام وقال لأصحاب الشمال

_________________
1 الأنبياء 26 - 27


إلى النار ولا أبالي ، ثم أمر نارا فأسعرت فقال لأصحاب الشمال ادخلوها فهابوها وقال لأصحاب اليمين ادخلوها فدخلوها فقال كوني بردا وسلاما فكانت بردا وسلاما ، فقال أصحاب الشمال يا رب أقلنا فقال قد أقلتكم فادخلوها فذهبوا فهابوا فثم ثبتت الطاعة والمعصية فلا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء ))1  .
وفيه عن زرارة أنّ رجلا سأل أبـا جعفر عـليـه السلام عن قوله عز وجل {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى
_________________
1 الكافي 2/7


أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى}1 إلى آخر الآية ، فقال عليه السلام وأبوه يسمع عليهما السلام (( حدثني أبي أن الله عز وجل قبض قبضة من تراب التربة التي خلق منها آدم عليه السلام فصب عليها الماء العذب الفرات ثم تركها أربعين صباحا ، ثم صب عليها الماء المالح الأجاج فـتركها أربعين صباحا ، فلما اختمرت الطينة أخذها فعركها عركا شديدا فخرجوا كالذر من يمينه وشماله وأمرهم جميعا أن يقعوا في النار فدخل أصحاب اليمين فصارت عليهم بردا وسلاما وأبى أصحاب الشمال أن يدخلوها ))2 .

وفيه أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال (( إن الله جل وعز لما أراد أن يخلق آدم أرسل الماء على الطين ثم قبض قبضة فعركها ثم فرقها فرقتين بيده ثم ذرأهم فإذا هم يدبون ، ثم رفع لهم نارا فأمر أهل الشمال أن يدخلوها فذهبوا إليها فهابوها فلم يدخلوها ، ثم أمر أهل اليمين أن يدخلوها فدخلوها فأمر الله عز وجل النار فكانت عليهم بردا وسلاما ، فلما رأى ذلك أهل الشمال قالوا ربنا أقلنا فأقالهم ثم قال لهم ادخلوها فذهبوا فقاموا عليها ولم يدخلوها فأعادهم طينا وخلق منها آدم عليه السلام ، وقال أبو عبد الله عليه السلام فلن يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء قال فيرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول من دخل تلك
__________________
1 الأعراف 172
2 الكافي 2/7


النار فـذلك قوله عز وجـل {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ}1 ))2 .
وفيه أيضا عن زرارة عن حمران عن أبي جعفر عليه السلام قال (( إن الله تبارك وتعالى حيث خلق الخلق خلق ماء عذبا وماء مالحا أجاجا فامتزج الماءان فأخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا ، فقال لأصحاب اليمين وهم كالذر يدبّون إلى الجنة بسلام ، وقال لأصحاب الشمال إلى النار ولا أبالي ، ثم قال {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}3 ثم أخذ الميثاق على النبيين فقال ألست بربكم وأن هذا محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولي وأن هذا علي أمير المؤمنين عليه السلام قالوا بلى فثبتت لهم النبوة ، وأخذ الميثاق على أولي العزم أنني ربكم ومحمد رسولي وعلي أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزان علمي عليهم السلام وأن المهدي أنتصر به لديني وأظهر به دولتي وأنتقم به من أعدائي وأعبد به طوعا وكرها ، قالوا أقررنا يا رب وشهدنا ولم يجحد آدم ولم يقر فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي عليه السلام ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به وهو قوله عز وجل {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ
_______________
1 الزخرف 81

2 الكافي 2/7
3 الأعراف 172


وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}1‏ قال إنما هو فترك ، ثم أمر نارا فأحجبت فقال لأصحاب الشمال ادخلوها فهابوها وقال لأصحاب اليمين ادخلوها فدخلوها فكانت عليهم بردا وسلاما فقال أصحاب الشمال يا رب أقلنا فقال قد أقلتكم اذهبوا فادخلوها فهابوها فثم ثبتت الطاعة والولاية والمعصية ))2 .
وفيه أيضا عن حبيب السجساني قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول (( إن الله عز وجل لما أخرج ذريّة آدم عليه السلام من ظهره ليأخذ عليهم الميثاق بالربوبية له وبالنبوة لكل نبي فكان أول من أخذ له عليهم الميثاق بنبوته محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال الله عز وجل لآدم أنظر ماذا ترى قال فنظر آدم عليه السلام إلى ذريته وهم ذر قد ملئوا السماء قال آدم عليه السلام يا رب ما أكثر ذريّتي ولأمر ما خلقتهم فما تريد منهم بأخذك الميثاق عليهم ، قال الله عز وجل يعبدونني لا يشركون بي شيئا ويؤمنون برسلي ويتبعونهم ، قال آدم يا رب فما لي أرى بعض الذر أعظم من بعض وبعضهم له نور كثير وبعضهم له نور قليل وبعضهم ليس له نور فقال الله عز وجل كذلك خلقتهم لأبلوهم في كل حالاتهم ))3 الحديث.
وفيه أيضا عن عبد الله بن محمد الجعفي وعقبة جميعا عن أبي جعفر عليه السلام قال (( إن الله عز وجل خلق الخلق فخلق من أحب مما أحب وكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة ، وخلق من أبغض ممن أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة من النار ، ثم بعثهم في الظلال ، فقلت وأي شيء الظلال ، فقال ألم تر ظلك في الشمس شيئا وليس بشيء ، ثم بعث منهم النبيين فدعاهم إلى الإقرار بالله عز وجل وهو قوله تعالى {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ
_______________
1 طه 115

2 الكافي 2/8

3 الكافي 2/9


خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}1 ثم دعاهم إلى الإقرار بالنبيين فأقر بعضهم وأنكر بعض ثم دعاهم إلى ولايتنا فأقر بها والله من أحب وأنكرها من أبغض وهو قوله تعالى {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ}2 ثم قال أبوجعفر عليه السلام كان التكذيب ثم ))3 .
وفيه أيضا عن صالح بن سهل عن أبي عبد الله عليه السلام (( أن بعض قريش قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأي شيء سبقت الأنبياء وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم ، فقال إني كنت أول من آمن بربي وأجاب حيث أخذ الله ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم فكنت أنا أول نبي قال بلى فسبقتهم بالإقرار بالله عز وجل ))4 .
وفيه أيضا عن عبد الله بن سنان قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام (( جعلت فداك إني لأرى بعض أصحابنا )) إلى أن قال (( فقال عليه السلام لا تغتم لما رأيت من نزق أصحابك ولما رأيت من حسن سيماء من خالفك إنّ الله تبارك وتعالى لما أراد أن يخلق آدم خلق تلك الطينتين ثم فرقهما فرقتين فقال لأصحاب اليمين كونوا خلقا بإذني فكانوا خلقا بمنزلة الذر يسعى وقال لأهل الشمال كونوا خلقا بإذني فكانوا خلقا بمنزلة الذر يدرج ثم رفع لهم نارا فقال ادخلوها بإذني فكان أول من دخلها محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم
______________
1 الزخرف 87

2 يونس 74

3 الكافي 2/10
4 الكافي 2/11


اتبعه أولي العزم من الرسل وأوصيائهم وأتباعهم ))1  الحديث .
وفيه أيضا عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام (( كيف أجابوا وهم ذر قال عليه السلام : جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه يعني في الميثاق )) .
وفي ثـواب الأعمال بالإسنـاد عن سهل بن سعد الأنصاري قال (( سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله عز وجل {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا}3 قال : كتب الله عز وجل كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورق آس أنبته ، ثم وضعها على العرش ثم نادى يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغـفروني فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا أنا ومحمد عبدي ورسولي
_______________
1 الكافي 2/11

2 الكافي 2/12
3 القصص 46


أدخلته الجنة برحمتي ))1  .
والأخبار الواردة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام كثيرة لا تحصى وهذا الذي ذكرنا جملة مما حضرني حال الكتابة ولا معارض لها بوجه من الوجوه ، فطرح هذه الأخبار الكثيرة التي لا معارض لها أقوى ولا مساوي لمحض الاستبعاد خارج عن طريق الإنصاف ، ولا كل حديث يدرك معناه ومضمونه فإنّ علم آل محمد عليهم السلام صعب مستصعب لا يحتمله أحد إلاّ الملك المقرب والنبي المرسل والمؤمن الذي امتحن الله قلبه للإيمان .
والأصل في المسألة هو أنّ الذّرّ في اصطلاح أهل البيت عليهم السلام على ما أفهم يطلق على الأمر الشائع المشاع في نوعه أو جنسه الغير المتميز بحد من الحدود الصالح لذلك ، وقد يعبرون عنه بجوهر الهباء , ودليل ذلك الذر وآيته الذرات المبثوثة في الجوفإنّ كل جزء منه يصلح للتعين والتميز بالعوارض والحدود والكيفيات مع عدم التمايز المعروف ، ولما أنّ الله عز وجل أراد أن يخلق الخلق قبض قبضة بيمينه من الأرض الطيبة المسقاة بالماء العذب الفرات وقبض قبضة أخرى بشماله من الأرض الخبيثة المسقاة بالماء المالح الأجاج ثم خلط بينهما ومزجهما وعركهما عركا شديدا فصنع منهما هيولي الخلائق وموادها وحقائقها ، فمزج فيهم الميولات والشهوات المتضادّة والشعور وأنحناء الادراكات وأقسام الاختيار ، فتلك الحقائق حصص غير متمايزة فلا يعرف الشقي منهم من السعيد والطيب منهم من الخبيث وصحيح الخلقة من ناقصها والزوجة من زوجها ، وكذلك أنواع البهائم قبل التكليف كانت حصصا غير متمايزة فلا تميز بين الفرس والبقر والغنم والكلب والحية والحوت وغيرها من الحيوانات من الدواب والحشرات والطيور ، وكذلك أنواع النباتات من الأشجار المثمرة وغيرها وذوات الأثمار الطيبة الحلوة والمرّة وسائر البقولات كلها طينـة واحدة غير متمايزة بالشخص والخصوصيات ،
_________________
1 ثواب الأعمال 10
 

 

وكذلك الأحجار والمعادن من أنواع الجمادات فلا تمايز بين الياقوت والزمرّد والمرجان والألماس والفيروزج والبلّور وسائر المعادن المتطرفة وغيرها كمعدن النفط والزرنيخ والملح والجص و أمثالها كانت طينة واحدة غير ممتازة ، وإلى هذا الإشارة بقوله عز وجل {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}1 فيطلق الذّرّ بهذا المعنى على كل الموجودات بكل الذرات قبل وقوع التكليف عليها ، فإذا وقع التكليف عليها فاختلفت على حسب القبول على مقتضى أطوار القبول والانكار على مقتضى أطواره فامتاز كل ذر عن الآخر على مقتضى حدوده بقابلية عمله من القبول والإنكار ، فاختلفت الصور الإنسانية على مقتضى اختلافهم في قبول التكليف قوة وضعفا وظاهرا وباطنا وكذلك الذكورية والإناثية ولو أردنا شرح حقيقة الأحوال لطال المقال وليس لي الآن ذلك الإقبال .
فالخلق قبل التكليف كانوا مواداّ غير ممتازة ذرات غير مصورة كل ذرة تصلح للتصور بالصورة التي تصور بها غيرها ، وهذا هو المراد في هذه الأخبار المتقدمة وليس المراد أنّ الخلق كانوا ذرّا على هيئة الذر من النّمل وغيرها كما توهّموه واستغربوه ، مع أنّـا لوقلنا ذلك لا استغراب فيه لأنّـا نقول بتكليف الذرات كالنملة وأشباهها و إرسال الرسل و إنزال الكتب عليها ولكن هذه الهيئة المخصوصة وهذه الصورة المشخصة لا تقتضي الحكمة أن يخلق الخلق عليها في العالم الأول وإلا فهوقادر على ما يشاء يخلق ما يشاء بما يشاء كيف يشاء .
أونقول أنهم عليهم السلام عبّروا عن الخلق في تلك العوالم بالذر كناية عن بعد كل عالم بالنسبة إلى الآخر فإنك إذا نظرت إلى شيء من بعيد تراه صغيرا كالذر بل هو أدنى، وكذلك كل مقام بالنسبة إلى المقام الآخر الذي أقام المكلفين فيه وكلفهم وأخذ عليهم الميثاق بالتوحيد والنبوّة والولاية
_______________
1 البقرة 213
 


من البعد فإنّ المسافة بين العالمين ألف دهر وهو مائة ألف عام فيكون أهل كل عالم بالإضافة إلى العالم الآخر كالذر ، فعلى ما ذكرنا اتجه الكلام وصحّ المقام وبقيت الأحاديث بصرافة صحتها بل بظاهر حقيقتها فلا عقل يأبى ما ذكرنا بل العقول الصحيحة تؤيّده وتقوّيه ولا النقل يعارض ما سطرناه ويبطل ما حررناه فلم يبق إلا القبول .

فإن كنت ذا فهم تشاهد ما قلنا وإن لم يكن فهم فتأخذه عنا

فما ثم إلا ما ذكرناه فاعتمـد عليه وكن في الحال كما كنا


وأما سرّ تعدد عالم الذر بالأولية والثانوية فاعلم أنّ الله عز وجل لما خلق الخلق أقامهم في عوالم كثيرة ومقامات عديدة بل مراتبهم لا تحصى ، ثم أنزلهم من عالم إلى عالم ومن طور إلى طور ولا يزال ينقلهم من طور إلى طور ومن عالم إلى عالم إلى أن تصفو المراتب وتخلو الضمائر إما إلى الإقبال أو إلى الإدبار ، ثم ينقل المدبرين من عالم إلى أسفل ومن طور إلى أنزل وينقل المقبلين ويصعدهم من عالم إلى أعلى ومن طور إلى أشرف ولا نهاية لهذا النقل والأطوار لأنّ فيضه سبحانه لا ينقطع وظل أمره لا يتبدد ولا ينفصم وإليه الإشارة في قوله عز وجل {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}1 ، فالشيء في أطواره وأوطاره يسير إلى الله عز وجل بلا نهاية وكل طور له مقتضيات وأحكام و آثار فلا تترتب تلك الأحكام والآثار على الشيء إلا بالتكليف لأنّ الله عز وجل أكرم من أن يجبر العباد أويظلم في البلاد بل هوسبحانه باسط الفضل وناشر العدل والفيض كل من قبله وطلبه
_____________
1 الحجر 21


أخذه {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}1 ، فإذا بطل الجبر لم يبق إلا الاختيار فلم يبق إلا أن يعطي الأشياء على حسب ما يريدون من الفيض وهذا لا يكون إلا بالتكليف ، فلولا التكليف لم يتحقق الاختيار ولولا الاختيار لم يحسن الإيجاد لأنّ الله عز وجل أكرم وأشرف من أن يجبر الخلق إلى ما لا يريدون ويعطيهم ما لا يتحملون ويشدد عليهم ما لا يطيقونه أوجعل الاختلاف بينهم وهم لا يشعرون فيكون قد أجرى فعله وخلقه على غير وجه الكمال بل مقتضى النقصان فإنّ الاختلاف مذموم والوحدة هي المحمودة ، ثم على فرض الاختلاف جعل الأشياء المختلفة و اختصاص بعضها بما اختص به دون غيره مع تساوي المجموع في الصلوحية والقابلية لا شك أنه ترجيح من غير مرجح فتنقض بذلك الحكمة ويكون الخلق عبثا وهباء سبحان الله سبحان الله سبحان ربك رب العزة عما يصفون، فصح أنه لولا التكليف لم يحسن الإيجاد فبالتكليف قام الوجود وحصل الشهود وظهر سر المعبود ، ولما كان الخلق له أطوار وأكوار وأدوار وله في كل كور ودور حركات ذاتية جوهرية وطبيعية ووضعية إلى مبدئه والى نفسه وإلى غيره كان له تكليف بحسب ذلك الكور والدور بنسبة مقامه ، والتكليف قسمان تكويني وتشريعي والقسمان مسبوقان بالمادة والصورة النوعيتين المعبر عن كل حصة منهما بالذر فتعدد الذرات إلى ما لا نهاية له، والتكليف واقع عليهم في كل ذر من الذرات وهو واحد من واحد يجري في كل عالم وكل ذر بحسبه فلا نهاية للذرات بحسب العرض وتنقل الأطوار لا من جهة البدو ولا العود ولا الخطاب التكليفي الذي هوقول ألست بربكم خطاب واحد غير منقطع يظهر في كل عالم وكل طور على لسان أهله وكذا الرسول الحامل للخطاب، إنما قلنا أنّ العوالم لا تتناهى لأن
________________
1 فصلت 46


فيض الله عز وجل لا يتناهى والله سبحانه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى ، فلوكان لأول الخلق نهاية زمانية للزم التحديد المستلزم للشرك وحيث ما ظهر الفيض فإنما هوعلى جهة التكليف والاختيار فتعددت الذرات إلى ما لا نهاية له ، لكن بعض الأخبار تشير إلى حصر كلّيّاتها ففي بعضها أنّ تلك العوالم ألف ألف كما في رواية جابر عن الباقر عليه السلام (( لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم أنتم في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين ))1 ولا شك أن كل آدم في كل عالم مكلف ومأخوذ عليهم العهد والميثاق لقوله عز وجل {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى}2 ويراد بآدم كل من الآدميين الألف ألف وقال عز وجـل {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ ي
______________________
1 الخصال 652
2 الأعراف 172


ُيحْشَرُونَ}1 وقال أيضا {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ}2 فأثبت سبحانه أنّ كل أمة مكلف وكل مكلف قبل التكليف هباء وذر .
وفي بعضها أنها ألف كما في قوله عليه السلام (( إن لله عز وجل ألف قنديل معلق بالعرش سماواتكم وأرضيكم في قنديل واحد )) ، وفي بعضها أقل إلى ستة عوالم وهي الأكوان الستة التي أشار إليها الصادق عليه السلام في حديث المفضل الكون الجوهري والكون الهوائي والكون المائي والكون الناري والكون الترابي وكون الأظلة والذر، وترجع الكلّيات كلها إلى ثلاثة عوالم وثلاثة ذرّات .
الأول ذرّ العقول وهوعالم المعاني المجردة عن الصور الشخصية والمدة الملكوتية والزمانية وصورتهم القيام وهم أنوار بيض ، فخاطبهم الله سبحانه بالخطاب التكليفي فآمن من آمن وكفر من كفر ، لكن الإيمان والكفر في العالم الأول معنويّان لا تمايز بينهما إلا بالمعنى وأما في الظاهر فلا تمايز بينهم وكانوا أمة واحدة لا يعرف أحد بإيمان الآخر وكفره .
والثاني عالم النفوس وهذا هو الذر الثاني وهو عالم الصور المجردة عن المادة البرزخية والعنصرية والمدة الفلكية الزمانية أقام الله سبحانه المكلفين في هذا العالم بعد أن كانوا على هيئة ورق الآس وجههم الأعلى إلى عالم التجرد والائتلاف ووجههم الأسفل إلى مقام الكثرة والاختلاف فكلفهم بلسانه وترجم عليهم لغته وخاطبهم على مقتضى مداركهم فآمن من آمن ظاهرا مشهورا وكفر من كفر كذلك ، فهناك عرف الخلق بعضهم مقام الآخر وامتازت صورهم وتباينت هياكلهم وظهرت آثار الهيكلين هيكل الإيمان وهيكل الكفر والنفاق ، وانقسم الموجودات إلى مقر مؤمن عارف مصدق بلسانه وقلبه وإلى مؤمن بلسانه كافر في قلبه وإلى كافر في لسانه وقلبه وإلى
__________________
1 الأنعام 38
2 فاطر 24
 

 

كافر بلسانه دون قلبه مثل كلب أصحاب الكهف وحمار بلعم بن باعورا وأمثالهما , وإلى متحير متوقف المؤمن بلسانه من غير بصيرة ولا معرفة والمنكر بلسانه من غير معرفة المرجون لأمر الله إما يعذبهم و إما يتوب عليهم ، وفي هذا العالم ظهرت شقاوة الأشقياء وسعادة السعداء و امتاز أهل اليمين من أهل الشمال ودخل المؤمنون الجنة والكافرون النار ، ومقام ظهور الطينتين طينة عليين وطينة سجين ، وقد يطلق على هذا العالم الذر الأول لكونه أول مقام الظهور بعد الخفاء ومقام ظهور الباء كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم )) لأنه تمام الصوغ الأول في الخلق الأول أي عالم الغيب .
والثالث عالم الأجسام من العرش إلى الثرى وهو الذر الثالث وفي هذا العالم كانت الموجودات قبل أوان بلوغها ذرّات صالحة غير متمايزة بالسعادة والشقاوة والإيمان والكفر الجسمانيين ، فإذا وصلت حد البلوغ بلغت مقام التكليف فقام النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم عند الحجر الأسود في الركن العراقي ولقّنهم شهادة أن لا إلـه إلا الله و أنّ محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الحكاية عن قوله عز وجل ألست بربكم ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيكم فلما استكملت هذه الشهادة وظهرت وانتشرت وثبتت ، وأقـامهم صلى الله عليه وآله وسلم هذا الـزوال بحكم {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}1 في غدير خم وسألهم ألست أولى بكم من أنفسكم قالوا بلى فقال صلى الله عليه وآله وسلم ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم والي من والاه وعاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله ) فكمل هنالك الدين ونزل قوله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}‏ 2 .
_________________
1 الأعراف 29
2 المائدة 3
 

 

وبين هذه العوالم برازخ ولكل عالم مراتب كثيرة يمكن إحصاء كليّاتها لكنّا أعرضنا عنه لطول المقال وبلبال البال وعدم استقامة الأحوال، هذا مجمل مراتب السلسلة العرضية .
وأما السلسلة الطولية فالذر الأول في الخلق الأول عالم الأمر عالم الوجود المطلق بمراتب ظهوره وبطونه وظهور ظهوره وبطون بطونه وهكذا إلى مقام السر المجلل بالسر ، إذ في كل مقام من هذه المقامات وقعت التكليفات إلا أنّ المراتب الخمسة التي تحصل في التكليف من المكلِّف والمكلَّف والتكليف والسبيل والدليل كلها شيء واحد بالوحدة الحقيقية التي لا تبلغ بساطتها الوحدات التي في الوجود المقيد وعالم الذر قبل عالم التكليف إلا أنه مساوق له موجود معه .
والذر الثاني في الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم أول من أجاب داعي الحق حين قال ألست بربكم وفي تلك الحقيقة سبع مراتب وقع التكليف عليها بالافتراق بعد حكم الاجتماع فتحققت هناك سبع ذرّات ، الأول الحقيقة النبوية صلى الله عليه وآله وسلم حين ما يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، الذر الثاني الحقيقة العلوية عليه السلام حين وصول النور النبوي صلى الله عليه وآله وسلم إلى جلال العظمة فهناك وقع التكليف على عليّ عليه السلام فقام ملبيا لداعي الحق وحاملا للّواء المطلق ، الذر الثالث الحقيقة الحسنية عليه السلام حين ظهور الجمال فخرّ عليه السلام ساجدا ملبّيا للسؤال حين قيل له كفّ عن القتال وذلك بعد أربعين ألف سنة من ظهور النور العلوي عليه السلام ، الذر الرابع الحضرة الحسينية عليه السلام حين تشعشعت أنوار الجلال والكبرياء فقام عليه السلام ملبيا للنداء حين قال له إنيأنا الله فأظهر الجلال تحت حجاب الخضوع وأظهر الكبرياء بالذل والخشوع وأظهر التوحيد تحت حجاب الياقوت رتبة الركوع المؤدي إلى السجود ، الذر الخامس الحقيقة المهدية عليه السلام القائم المنتظر عجل الله فرجه حين إشراق أنـوار القهر والغلبة والاستيـلاء فسمع داعي الحق ولباه
فتحمل قوله عز وجل {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}1 ، الذرّ السادس بقية الأئمة عليهم السلام ، والذرّ السابع الحقيقة الفاطمية الصديقة الطاهرة عليها السلام حين سطوع نور العظمة والبهاء فلبت داعي الحق وصارت له الوعاء فنزل قوله تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}2 ، وهذه سبع مراتب كل مرتبة عالم مستقل جرى عليه التكليف والحكم والأمر وإليها الإشارة في قوله عز وجل {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}3 والمخاطب عليه السلام من السبعة وكل تكليف مسبوق بعالم الذر كما ذكرنا .
الذر الثالث في السلسلة الطولية مقامات الكرّوبيين ورتبة الأنبياء والمرسلين حين أتمّ نبينا صلى الله عليه وآله وسلم السباحة في الأبحر الاثنى عشر وخرج فقطرت منه صلى الله عليه وآله وسلم قطرة قبل أن ينقسم إلى مائة ألف وأربعة وعشرون ألف قطرة أوبعد ذلك وقبل أن تتميز هذه القطرات بعضها عن الآخر فإن الانقسام والتمايز إنما هوبالتكليف فتلك الذرات كانت تسبح الله وتقدسه سبحانه ألف دهر إلى أن أتاهم النداء من الرب الأعلى إني أنا الله ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولي وعلي عليه السلام والأئمة من ولده عليهم السلام وفاطمة عليها السلام أوليائي وأحبائي
_____________
1 الصف 9

2 الدخان 3 – 4
3 الحجر 87


وهو قوله عز وجل { وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا }1 وذلك لما جمعهم في المسجد الأقصى يوم الذي خلقوا لأن العود هو عين البدء والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة المعراج مرّ على الأشياء كلها يوم خلقها الله عز وجل ولذا أمره الله عز وجل فقال يا محمد ادن من صاد وتوضأ لصلاة الظهر فجمع الأنبياء عليهم السلام وسألهم بماذا بعثتم قالوا بشهادة أن لا إلـه إلا الله وأنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنّ عليا ولي الله رواه محمد بن جرير الطبري وأخطب خوارزم من المخالفين .
الذرّ الرابع الرتبة الإنسانية مقامات الرعية حين وقع الماء الذي به حياة كل شيء على الأرض الميتة وقبل أن تخرج الأرض ثمرها وتنبت عشبها وشجرها ، لأنّ الإنبات تكليف والثمرة تلبية وقبول فمن وصل إليه التكليف وقبل أثمر الثمرة على مقدار قبولها وإنكارها ، فتختلف بالطيب والنتن والحلاوة والمرارة وتختلف مراتب الحلاوة في الشدة والضعف كاختلاف مراتب المرارة ، وهكذا القول في الذر الخامس الذي هو في رتبة الملائكة قبل وقوع التكليف عليهم فإنهم يسبحون الله ويقدسونه بولاية محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام (( يسبح الله بأسمائه جميع خلقه )) ، وفي الذر السادس الذي هو في رتبة الجانّ حين ظهور نار الشجر الأخضر ، وفي الذر السابع الذي هو في رتبة البهائم والحشرات من الحيوانات حين وقوع الشعلات الغيبية من غيب الأفلاك والكواكب على غيب الأرض ، والتمايز إنما هو بالتكليف كما مرّ ، وفي الذر الثامن الذي هو في رتبة النباتات حين وقوع أشعة الكواكب والأفلاك على الأرض ، وفي الذر التاسع الذي هو في رتبة الجماد حين اجتماع العناصر ومزج بعضها مع بعض وتحقق الحلين والعقدين بمراتبهما، إلى هنا انتهت الذّرات في السلسلة الطولية وفي كل مرتبة منها مراتب لا تحصى ولا تعد لأنها لا نهاية لها بدوا وعودا .
__________________
1 الزخرف 45
 

 

فقوله عليه السلام (( في الذر الأول )) في الطول يريد به عالم الوجود المطلق وعالم الحقيقة فإنّ هذا العلم هو الذي يختص به عليه السلام دون ما عداه ، أما المشيئة فلأنه عليه السلام محلها ومجمع شئونات ظهوراتها وأطوارها ونسبته عليه السلام إليها كالانكسار إلى الكسر وكالحديدة المحماة بالنار إليها كما قالوا عليهم السلام (( نحن محال مشيئة الله )) وقال الصادق عليه السلام في زيـارة سيـد الشهداء عليه السلام (( إرادة الرب في مقاديـر أموره تهبط إليكم ويصدر من بيوتكم الصادر لما فصل من أحكام العباد ))1 ، وليس لأحد من العلم بالمشيئة إلى ظهور وجه واحد منها له كالقائم بالقيام الحامل والقعود الحامل لظهور القاعد ، وأما هو عليه السلام فإنه مظهر حامل لكل الظهورات وهو محل كليّ جامع للظهور بكل المقامات كالفعل بالنسبة إلى الفاعل لأنّ كل الخصوصيات وجوه الفعل وكلّ الأسماء وجوه الفاعل ولذا قال عز وجل (( لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن )) 2، والعبد المؤمن في الحقيقة ليس سواه ولذا ورد في الخطابات القرآنية ليس في كل موضع فيها يا أيها الذين آمنوا إلا وأن عليّا عليه السلام هو المخاطب به حقيقة ، فقلبه الشريف وسع كل الشئونات الألـوهية والربوبية والرحـمانية وغيرها فهو المظهر الكلي الجامع المملك بيده نواصي الأشياء وعنده أزمّة الخلائق، لأنه سبحانه اختاره وليّا من العز فلا يحيط بأحوال الوجود المطلق وذراته سواه عليه السلام ومن في صقعه عليه السلام .
وأما الحقيقة فهو عليه السلام منها وهي منه لا فرق بينهما إلا بالإجمال والتفصيل والظهور والخفاء ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم (( يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت و لا عرفني إلا الله وأنت و لا عرفك إلا الله وأنا ))3 .
________________
1 الكافي 4/577 2 البحار 58/39 ح 61
3 تأويل الآيات 145
 

 

وأما في العرض فيريد عليه السلام بالذر الأول عالم العقل الأول الكلي حين وقوع المداد الأول والنفس الرحماني الثانوي في الدّواة الأولى وأرض الجرز والبلد الميت ، فظهر بوقوع الماء الأول الذي به حياة كل شيء على أرض الحيوان أو أرض الوجود الرّاجح القابلية الأولى الشجرة شجرة الخلد وهي شجرة طوبى وسدرة المنتهى وجنة المأوى , والعقل الكلي الذي هو روح القدس الذي هو القلم هو أول غصن أخذ من شجرة الخلد وأوّل من ذاق الباكورة في جنان الصاقورة والقلم الذي يؤدي إلى اللوح وأول الملائكة العالين ، وذرّات الخلائق كلها تحت هذا الذر الكلي حاضرة لديه حضور الأشعة للسراج والآثار للمؤثرات ، فإذا أحاط عليه السلام علما بالذر الأول في العالمين فقد أحاط علما بجميع الذرات الثانوية والثالثية وهكذا بالطريق الأولى لأنّ العالي محيط بالسافل من غير عكس .
وقوله عليه السلام (( وما كان في الذر الأول )) يريد عليه السلام بما كان فيه من أخذ الميثاق والعهد على الولاية فإنّ الإقرار بالربوبية والنبوة من فروع الإقرار بالولاية لأنها الجامعة لهما والولاية ما ظهرت إلا في علي عليه السلام وإن كانت لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ولذا ورد في الحديث المتقدم في حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( إنّ أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر وكان يطوف حول جلال القدرة ثمانين سنة فلما وصل إلى جلال العظمة خلق الله نور علي عليه السلام فكان نوري يطوف حول جلال العظمة ونور علي عليه السلام يطوف حول جلال القدرة )) ، والقدرة هي الولاية المطلقة والسلطنة العظمى والرئاسة الكبرى وهي القدرة إذ لا مقدور في الرتبة الثانية لأنّ هذه القدرة في ثلاث مواضع ، الأول في الذات البحت تبارك وتعالى إذ هناك قدرة فلا مقدور وسمع ولا مسموع وعلم ولا معلوم وأمثال ذلك , ومعنى ذلك نفي الصفات كما قال أمير المؤمنين عليه السلام (( كمال التوحيد نفي الصفات ))1 وتلك القدرة قد انسد باب العلم
______________
1 التوحيد 56
 

 

والفهم عنها فلا تحوم حول معرفتها الأفكار ولا تنال ما فيها بكمال دقتها الأنظار تعالى عما يقول الواصفون علوا كبيرا ، والثاني في القدرة الظاهرة في الحقيقة النبوية صلى الله عليه وآله وسلم فإنها مثال وصفة ودليل و آية للقدرة إذ لا مقدور فالذي عرفنا من هذه رشح من رشحات آثار بحر فيضه صلى الله عليه وآله وسلم فهذا الدليل لا يخالف المدلول وهو عين ذاته صلى الله عليه وآله وسلم ففي هذا المقام لا يصح الطواف ولا يظهر الجلال ولا تتحقق الأشواط ، والثالث القدرة الظاهرة فيه لا من حيث كونه صلى الله عليه وآله وسلم مثالا و آية بل من حيث أنه أقامه الله عز وجل مقامه في الأداء إذ كان لا تدركه الأبصار ولا تحويه خواطر الأفكار فهناك قد صحّ الطواف وظهر الجلال ، فالقدرة هي الفعل الظاهر بالولاية المطلقة التي قد محيت عنده الآثار واضمحلت لديه الأطوار فهو هناك قدرة إذ لا مقدور كونا وعينا وإن كان مقدور ذكرا من باب صلوح التعلق وتحقيق المقدور ، فطواف الحقيقة على هذه القدرة كطواف الحديده بالنار لما ظهرت النار فيها وطواف الانكسار بالكسر واستدارته عليه فهذا مقام الواحدية ومقام الألف القائم بقي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المقام مستكملا لرتبتي الوجود من الغيب والشهود بحسب نوع عالمه لتمام ظهور اليمين في محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو تمام ثمانين ألف سنة على جهة البساطة والإجمال لا التفصيل ، فلما وصل إلى مقام العظمة أي مقام ظهور الأسماء المتقابلة المتضادة ومقام الكثرة المستلزمة للعظمة المستدعية للنبوة والرسالة خلق الله عز وجل فيه نور علي عليه السلام فانبعث نوره منه عليه السلام انبعاث الضوء من الضوء ، فلما وجد عليه السلام حامل اللواء فبقي يطوف حول جلال القدرة التي كانت لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فتحققت له البرزخية الكبرى وظهر بالرئاسة العظمى والسلطنة العليا فأوجب الله سبحانه على كل الذرات مما أحاطته المشيئة الإقرار بولايته والاعتراف بفرض الطاعة له لأن ولاية الله التي انقاد وخضع كل شيء لها إنما ظهرت فيه عليه السلام فلا تجد مرتبة في الوجود من المطلق والمقيد إلا وترى عليا عليه السلام ظاهرا فيها، فأنّى يعدل عنه واللفظ يطابق المعنى وغيب الهوية وسر الألوهية ما ظهر إلا فيه عليه السلام لفظا ومعنى كما ذكرنا مرارا ، ولذا قال مولانا الرضا عليه السلام (( لكن اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف , فأول ما اختار لنفسه العلي العظيم لأنه أعلى الأشياء كلها فمعناه الله واسمه العلي العظيم هو أول أسمائه لأنه علي علا كل شيء ))1 ومعنى هو وهـ هو العلي قال تعالى {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}2 وقال أيضا عز وجل {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}3 وقد فسرت الليلة في روايات أهل البيت بفاطمة عليها السلام وهـ هو الذي أنزله الله فيها وهوعلي عليه السلام لأن الهاء إذا أشبعت تتولد منها الواو كما هو القاعدة في الإشباع في تولد الحرف المناسب للحركة المشبعة فإذا أنزلت الهاء في الرتبة الثانية أي مقام الأسماء يكون خمسين والواو إذا نزلت يكون ستين والمجموع مائة وعشرة وهو الاسم العلي فالعين تمام كلمة كن التي هي عالم الأمر واللام تمام الميقات وتمام عدد القابليات وتمام دورة القمر والياء هي العشرة الكاملة المتممة للميقات كما قـال عز وجل {* وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّـهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}4 فاللام والياء رتبة الخلق لأنه لا يتم في كل أطواره إلا بالقابل المعبر عنه باللام لسر يطول بذكره الكلام والمقبول المعبر عنه بالياء فيستنطق عن المجموع الميم الذي هو أول ما أظهر من كلمة كن ، ولما كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم طائفا حول جلال العظمة في الظهور بعكس الوجود وجعلت الميم في أول اسمه الشريف ولما كان عليا طائفا حول جلال القدرة جعلت العين التي هي استنطاق كلمة كن في أول اسمه الشريف ، ولما كان مقامه عليه السلام مقام التفصيل فصّل رتبة الخلق بالقابل فجعل بإزائه اللام والمقبول فجعل بإزائه الياء ، ولما كان مقام محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقام الإجمال لا التـفصيل ما فصلت المرتبتان في اسمه صلى الله عليه وآلـه وسلم
_________________
1 التوحيد 191

2 الزخرف 4

3 الدخان 3
4 الأعراف 142


فجعل في أول اسمه المبارك الميم فإذن فافهم قوله تعالى {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}1.

ومستخبر عن سر ليلى أجبتـه بعمياء من ليلى بلا تعيين

يـقولون خبرنا فأنت أمينـها وما أنا إن خبرتهم بأمين


ومن هذه الدقيقة اللطيفة يظهر لك السر في ليلة المعراج أن الله سبحانه خاطب نبيه بلسان علي عليه السلام لأن كل مقامات الفرق والتميز مقام علي عليه السلام وهو الباء وهو النقطة تحت الباء ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو النقطة المطلقة الحقيقية ومقامه مقام البساطة والإجمال لا النقطة تحت الباء فافهم .
فمقامات الوجود المطلق وجهه الأسفل هو مقام نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام وإن احترفت فالاسم لذلك المقام والوجه الأعلى منه هو الأسماء الإلـهية التي قد اشتقت أساميهما منها كما قال عز وجل ( أنا المحمود وأنت محمد شققت لك اسما من اسمي وأنا الأعلى ووصيّك علي شققت له اسما من اسمي وأنا فاطر السموات والأرض و ابنتك فاطمة شققت لها اسما من اسمي وأنا المحسن وسبطك الحسن شققت له اسما من اسمي وأنا قديم الإحسان وسبطك الآخر حسين عليه السلام شققت لـه اسما من
____________
1 الأعراف 54


اسمي )1 نقلت معنى الحديث ، وهذه الأسماء هي المقامات العليا من الوجود المطلق وهي المقام المشتق منه ولنا في بحث الاشتقاق كلام شريف قد أشرنا إلى بعض منه في ما تقدم ولا يجوز فصح السر وإذاعة الأمر والله ولي التوفيق .
فعلى هذا ما ظهر مقام من المقامات الخلقية في الظاهرية والباطنية والشهودية والغيبية والعلوية والسفلية والذاتية والوصفية والصّفاتية إلا وكلف الله عز وجل فيه الخلق بولاية علي عليه السلام فالميثاق المأخوذ والعهد المأخوذ إنما كان في الذر الأول في السلسلتية ، وظهور الموجودات من كتم الإمكان إلى رتبة الأعيان إنما كان بذلك العهد واختلاف الظهور إنما هو باختلاف التعهد بالعهد والقبول للميثاق ، والعهد أيضا يختلف في المقامات ففي بعض المقامات العهد بولاية علي عليه السلام هو صرف التوحيد والتنزيه والتفريد وعدم ملاحظة شيء من السّوى ، وفي بعضها الاعتقاد وفي بعضها الأعمال ، وطرق الاعتقاد والأعمال والأقوال في ولاية علي عليه السلام كثيرة مختلفة جدا يؤدي شرحها إلى تطويل ممل أو إيجاز مخل ولا واسطة في المقامين في هذا المقام .
_________________
1 نقل المصنف أعلى الله مقامه هذا الحديث بالمعنى ونحن نذكره بالنص تيمنا ففي تأويل الآيات ص 52 (( يا آدم هذه أشباح أفضل خلائقي وبرياتي , هذا محمد وأنا الحميد المحمود في أفعالي شققت له اسما من اسمي , وهذا علي وأنا العلي العظيم شققت له اسما من اسمي , وهذه فاطمة وأنا فاطر السموات والأرض أفاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي وأفاطم أوليائي عما يعيرهم ويشينهم وشققت لها اسما من أسمائي , وهذا الحسن والحسين وأنا المحسن المجمل شققت اسمهما من اسمي )) .


فلما خلق الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام في حظيرة القدس وضخضاخ الأنس خاطبهم بلسانه الذي هو حقيقتهم الظاهر في علي عليه السلام ألست بربكم ومحمد نبيكم وعلي والأئمة الطاهرون وفاطمة الصدّيقة أئمتكم ، فأول من لبـى هذا النداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم علي ثم الحسن ثم الحسين ثم القائم ثم الأئمة الثمانية ثم الصديقة الطاهرة عليهم السلام ، فلولا قبولهم لهذا التكليف وعملهم على مقتضى الولاية لما كانوا شيئا ولما وصلوا إلى ما وصلوا {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}1‏ وهذا التكليف هو الاستقامة المأمور بها في قوله تعالى {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}2 ولذا لا يمر على الصراط الذي هوظهور من ظهورات الولاية بسهولة سواهم عليهم السلام فافهم الإشارة .
وهذا الذي ذكرنا هو بعض ما كان في الذر الأول وليس علم كله إلا عندهم عليهم السلام لأن الذي ظهر لنا من فضائلهم باب أو بابان من العلم وهذا هو الألف الغير المعطوفة .
وقوله عليه السلام (( في الذر الأول )) يحتمل أن يكون هذا هو الأول الذي لا ثاني له ولا آخر له ، أما الأول الذي لا ثاني له فهو الأول الذي لا يكون معه في صقعه غيره وإلا كان ثانيا له ، أما كونه أولا إذ لم يتقدم عليه في تلك الرتبة شيء وإلا لم يكن أولا ، وأما الأول الذي لا آخر له فهوالذي لا ينقطع وجوده ولا يتصرم شهوده فلا ينتهي إلى حد ليكون ذلك آخرا له فالذي ليس له آخر لعدم الانقطاع لا يكون له أول بمعنى ابتداء بعد انقطاع لأن الذي ليس له آخر لا يخلو إما أن يكون مستمرا بنفسه مستقلا بذاته أو استمراره بالغير ، فإن كان الأول بطل انقطاعه في البدء و إذا لابتداء بعد انقطاع لا يكون من نفسه وإنما يجب أن يكون من غيره فإن كان من غيره بطل تقوّمه بنفسه إذ ما من الغير لا يقوم بنفسه أبدا ، فيجب أن يكون المستقل بنفسه لا أول له وإلا لم يكن كذلك وهذا خلف ، وإن كان الثاني
_______________
1 الأنعام 124

2 هود 112
 

 

فهل المقوم متناه في البدو أم لا فإن كان الأول فهومحتاج إلى قيم آخر لما ذكرنا مع أن المنقطع لا يمكن أن يستمر أبدا لأنّ حكم البدو هو حكم العود قال الله سبحانه {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}1 فإذا انقطع أولا يجب أن ينقطع آخرا لأن الموجودات المستمرة إلى الأبد إما في سلسلة النزول وهو مستحيل إلا أن يكون المبدأ الباري عابثا سفيها تعالى عن ذلك علوا كبيرا فيجب أن يكون في سلسلة الصعود ، والنازل في الصعود يصعد إلى مبدئه وإلى أصل حقيقته فإذا كان مبدؤه منقطعا يجب انقطاعه فاستمراره إلى الأبـد دليل أن البدأ الذي هو ذاته وحقيقته لم يكن منقطعا من الأبد وإلا لم تستمر إلى الأبـد ، ثم إن المقوم القيوم إن كان غير متناه في البدو فلا معنى لتعطيل الفيض إلا إذا كان مستكملا من غيره وهو يستلزم النقصان وهو دليل كونه متناهيا وعدم مبدئيته واستقلاله بنفسه ، وإما أن يكون متناهيا فلا يصلح للمبتدئية كما تقدم ولذا أجمع العقلاء على أن ما سبقه العدم لحقه العدم وما له أول له آخر وما له آخر له أول وما لا أول له لا آخر له ولا إشكال في ذلك، ولما كان فيض الله عز وجل لا يتناهى وهو سبحانه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى كانت أولية الأشياء في ذواتها وحقائقها عين آخريّتها و إن عرضت لها الأولية والآخرية باعتبار الإضافات والقرانات .
وبالجملة فالأول الذي لا آخر له وتسميه بالأول لعدم تقدم شيء عليه لا في مقابلة الآخر هوعالم الوجود المطلق من عالم الأمر ، فإن البدايات والنهايات والأوليّات والآخريات أشياء حدثت من أمره تعالى ( كن ) ، فلو لم يسبقها لكان في رتبتها ولوكان في رتبتها لا يعقل إحداثها به وهذا الذر بحر مملو من فضائل عليعليه السلام ووصف مناقبه وهذا هوالذي كان في هذا الذر .
_________________
1 الأعراف 29


وأما أول الذي لا ثاني له فهو الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم لأنها ملأت الأكوان ولم يـبق مكان يظهر فيه غيرها هناك على ما قال عليه السلام في الدعـاء (( فبهم ملأت سمائك و أرضك حتى ظهر أن لا إلـه إلا أنت ))1 وكذلك حكم الأولية والآخرية في هذا ، فإن الأول فيه هوعين الآخر من غير فرق لأن الأشياء كلها تحت تلك الحقيقة المقدسة فلا يكون الشيء هناك حتى يفصل بين أوله وآخره مع أن الآخر منتفِ والفاصلة غيرها مرتفعه فلا يعقل أن يكون لها آخر غير أوّلها فهي أول ولا تزال باقية على أوليتها و آخر ولا تزال باقية على آخريتها أقامها الله سبحانه بمدد فيضه وأمسكها بهيئة توحيده وأشرق عليها في ما لم يزل وأدامها في ما لا يزال ، فمقامها الأولية الثانية والله سبحانه من ورائهم محيط وهو أزل الآزال ، وإلى هذا المعنى أشار مولانا الصادق عليه السلام في حديث المفضل إلى أن قال عليه السلام (( كنا بكينونيته كائنين غير مكنونين أزليين أبديين منه بدأنا وإليه نعود )) هذا معنى الحديث ، وهذه الكينونة إنما هي كينونة حادثة وهي رتبة الفاعل ومقام الخالق بل سر الهوية ومبدأ الألوهية، وقوله عليه السلام (( غير مكونين )) لأن المكون هو يكون بعد وقوع قول كن عليه الواقف في هذا المقام روح القدس الذي ذاق من جنانهم الباكورة وهم عليهم السلام أما قول كن أوالتكوين وهم كائنان غير منقطعين أزلا وأبدا لكونهما من الوجود الراجح لوجود المقتضي وارتفاع المانع الذي هو أنواع الروابط والشرائط الغيرية وهذا الأزل هو عين الأبد وهما الأزل والأبد الثانيان أي اللاّمتناهي في رتبة الخلق كما قال مولانا سيد الساجدين (( عز سلطانك عزا لا حد له بأولية ولا منتهى له بآخرية و استعلى ملكك علوا سقطت الأشياء دون بلوغ
________________
1 دعاء رجب لمولانا الحجة عجل الله تعالى فرجه
 


أمده ولا يبلغ أدنى ما استأثرت به من ذلك أقصى نعت النّاعتين ))1 ولا شك أنهم عليهم السلام سلطان الله الظاهر للمخلوقين وهم ملك الله أي تملكه وقـدرته التي سقطت الأشياء دونها ، والذي كان في هذا الذر هو ظهور سلطنة علي عليه السلام واقتداره واستيلاؤه على كل من ذرء وبرء وهو ظاهر معلوم .
ويحتمل أن يكون هذا الأول له ثاني فيكون حينئذ هو العقل الكلي والقلم الأعلى وثانيه الروح ، وثاني الروح النفس وثانيها الطبيعة وثانيها المادة وثانيها المثال وثانيه الجسم وثانيه الأعراض وهذه المرتبة آخر ذلك الأول ونهايته ، وكل هذه الذرّات على طبق الذر الأول ، وفي كلها قد أخذ الله عز وجل العهد والميثاق على ولاية علي عليه السلام وأن يطيعوه ولا يخالفوه كما في حديث الحمى عن الحسين عليه السلام وقد خاطبها وقال لها (( يا كبّاسة ألم يأمرك أمير المؤمنين عليه السلام ألا تقربي إلا عدوا أومذنبا لتكون كفارة لذنوبه فما بال هذا الرجل ))2 وكذلك الجمادات والمعادن من الأجسام وقد عرضت عليها الولاية فقبلها بعض وأنكرها بعض آخر وقد قـال عـز وجل
_______________
1 الصحيفة السجادية دعاؤه عليه السلام بعد الفراغ من صلاة الليل
2 لم نجد هذه الرواية كما هي في هذا الشرح وإنما وجدنا ما يقرب منها وهو ما روي في البحار 44/183 ح 8 عن زرارة بن أعين قال (( سمعت أبا عبدالله عليه السلام يحدث عن آبائه عليهم السلام أن مريضا شديد الحمى عاده الحسين عليه السلام فلما دخل من باب الدار طارت الحمى عن الرجل فقال له : رضيت بما أوتيتم به حقا حقا والحمى تهرب عنكم , فقال له الحسين عليه السلام : والله ما خلق الله شيئا إلا وقد أمره بالطاعة لنا , قال فإذا نحن نسمع الصوت ولا نرى الشخص يقول لبيك , قال : أليس أمير المؤمنين عليه السلام أمرك أن لا تقربي إلا عدوا أو مذنبا لكي تكوني كفاره لذنوبه فما بال هذا , فكان المريض عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي ))


{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}1 .
ومن الذي كان في هذا الذر الأول لأخذ الميثاق على الأنبياء والمرسلين وامتياز أولي العزم من غيرهم كما قـال عز وجـل {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا }2 وفي هذا العهد شك آدم عليه السلام وتوقف في القائم عجل الله فرجه وشك يعقوب وتردد يوسف ويونس وشك أيوب وغيرهم من أفاضل الأنبياء وفي ذلك سر عجيب نذكره في ما بعد إنشاء الله في خلال الكلام وربما أشرنا إليه في ما قبل ، ولا تتوهم أن الأنبياء يشكون أويترددون في ولاية علي عليه السلام في أنه ولي أم لا بمعنى عدم استقرارهم الاعتقاد فيها كلا ولو كان الأمر كذلك لكفروا وإنما يراد من الشك معنى غير ما هو المعروف عند العامة لأن أحاديثهم عليهم السلام صعبة مستصعبة والإيمان بها والتسليم لها أصعب {لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }3.
__________________
1 الأحزاب 72

2 الأحزاب 7 – 8
3 البقرة 213

 

قوله عليه السلام مع من تقدم مع آدم الأول

اعلم أن آدم تمام الكمال الظهوري لآخر رتبة الأصل الواحد الأول للمرتبة التفصيلية من الأصل الأول الذي هو الواحد، وبيان ذلك بالإجمال أن الواحد لما ظهر من نقطة الأحد بنفس ظهور الواحدية في رتبة الواحد تثلث إذ نظر إلى الأحد وإلى العدد وإلى رتبة مقامه، لكن التثليث في غاية البساطة الإمكانية بحيث لا تعتبر فيه جهة إلا من حيث التعلق، وهذا التثليث إنما ظهر من الظاهر والظهور والمظهر فلا يتحقق كون من الأكوان الإمكانية والآثار الربانية والظهورات السبحانية إلا مثلنا إذ لا يمكن تكون الممكن بسيطا لعدم إمكان شريك الباري ولا يمكن أن يكون مبدأ الكون زوجا وإلا لم يكن متحققا إذ كل من الثلاثة شرط لوجود الآخر وتحققه على جهة التساوق، فلولا الظاهر امتنع الظهور والمظهر ولولا الظهور امتنع الظاهر والمظهر، لأن الظاهر لم يكن ظاهرا إلا بالظهور كالضارب فإنه لم يكن ضاربا إلا بالضرب وليس الظاهر هو الذات كما ذكرنا مرارا لأن الذات هي الكنز المخفي و إنما هو الصفة وهي لا تتقوم إلا بمعنى من معاني الذات في الآثار الفعلية كالقيام للقائم والضرب للضارب والظهور للظاهر وأمثال ذلك وكذلك لولا المظهر لم يكن الظاهر والظهور فإن المظهر ليس إلا وجههما فافهم .
ولذا كانت الثلاثة أول الأعداد وأول الأفراد إذا الواحد هوالثلاثة لكنه غير متمايزة ، والعدم مقام التمايز والتفصيل لأنه الكم المنفصل ، فالثلاثة في التفصيل هو الواحد في مقام الإجمال لأن في الواحد قد غلب عليه ظهور الأحد في كثرته وأظهر سر وحدته ، والكثرة مضمحلة مطوية كالنار المعروفة المرئية فإنها مركبة من العناصر لكن الجزء الناري قد غلب واستولى فسمي الشيء المركب باسمه وكذلك الماء والهواء والتراب وكذلك الواحد فإنه ثلاثة لكن جهة الوحدة قد غلبت عليه لكونه أول مظاهر الأحدية فلا يعتبر فيه التعدد فافهم وأتقن .
وبالجملة فالثلاثة لما ظهرت جذرت في مقام التفصيل لإظهار مبادئ الوجوه الممكنة في الواحد الذي هو الثلاثة فكانت تسعة فهي تمام الأصل الأول الذي هو الواحد ، فإذا ظهرت كمالها الظهوري يكون خمسة وأربعين وهو تمام الوفق في الشكل المثلث العددي فإذا استنطقت هذا الوفق يكون آدم فهو اسم للأصل الأول ، وإنما استنطق على هذا الترتيب وقدم الألف لبيان أنه الأصل الأول ، ثم الدال لبيان أنه خلق من العناصر الأربع من نار الفاعل وهواء أثر الفعل وماء قبول المفعول لفعل الفاعل وأرض القابيلة الحافظة الممسكة لفيض الفاعل ، ثم الميم لبيان التخمير في أربيعين يوما كما قال عز وجـل في الحديـث القدسي (( خمّرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا ))1 فآدم هو كل أصل قد تشعبت عنه فروع كثيرة غير متناهية وشكله الشكل المثلث وهو أبوالأشكال وأصلها وكل شكل إنما هوفرع منه حتى المستدير فإنه الوجه الأعلى من المثلث لكنه متقوم به كالفاعل المعمول للفعل المتقوم به وإن كان في الدلالة والبيان أقوى وهوالمثلث الناري وحوّاء أحد أضلاعه لأن التسعة إذا كتبتها في المثلث يحصل الوفق في كل ضلع خمسة عشر وهو حوّاء وهي الضلع الأيسر من آدم من المثلث المائي فلا يتم آدم إلا بحوّاء ولا توجد حوّا إلا بآدم فافهم .
وعلى هذا فكل أصل آدم وهذا اللفظ لأجل المناسبة الذاتية إنما وضع له على الحقيقة لا على جهة الاشتراك ولا على التواطي والتشكيك ولا على العام والخاص بل على الحقيقة بعد الحقيقة ، وكل أصل تسعة فإن كان في عالم التميز والتفصيل الجسماني فعددية و إن كانت في غيرها أم لا من جهة التفصيل فمعنوية ، ولذا سميت الصّديقة الطاهر على أبيها وبعلها وبنيها وعليها آلاف السلام بالطاء لأن فاطمة هي الطاء بالكمالين الظهوري والشعوري وما اتفق اجتماع الكمالين في حرف من الحروف إلا في هذا الاسم المبارك لهذا السر لأن رتبة الآحاد التي هي الأصل الواحد تنتهي في عالم الظهور إلى التسعة
_______________
1 عوالي اللآلي 4/98
 

 

والطاء جامع لها وهي حاو ووعاء للمراتب الآحادية كلها فالطاء هي أصل الاسم وكمال الظهور هو منه ، لأن الكمال الظهوري لكل حرف أن تزيد عليها الواحد ثم تضربه في نصف ذلك العدد فالحاصل هوالكمال الظهوري كالطاء فإذا زدت عليها واحدا يكون عشرة فإذا ضربت العشرة في نصف التسعة وهو الأربعة والنصف يكون الحاصل خمسة وأربعين فاستنطق فكان منه ، و إنما سمي بالكمال الظهوري لأن هذا كمال ظهورات ذلك العدد في تلك المراتب ، والكمال الشعوري هو مجموع الكمالين الظهوريين اللذين لذلك الحرف والحروف التي قبلها كالحاء التي قبل الطاء وكمالها الظهوري ستة وثلاثين فإذا جمعته مع خمسة و أربعين يكون الحاصل واحدا وثمانين فاستنطق فكان ، فإذا جمع الكمالان اللذان هما ( فا ) و( مه ) مع الطاء كانت فاطمة عليها السلام وهذه التسمية لأنها عليها السلامآخر مراتب الأصل الواحد ، وآدم هو مجموع المراتب ولذا ترى علماء الصرف يقولون أنه يحصل من الأصل الواحد الذي هو المصدر أو الفعل تسعة أصول وهذه التسعة هي تفاصيل ذلك الأصل الواحد، ولو أردنا شرحه مفصلاً يطول الكلام .
والتسعة إذا جعلتها في الشكل المثلث يستخرج آدم ومن ضلعه الأيسر حوّاء فهو أول من ظهرت فيه آثار الألوهية وشئونات الرحمانية والعرش المستوي للرحمن , وبه ينشأ الفيض وينتشر في أبنائه وفروعه وتوابعه بالبدلية لا بالصفتية ولا بالتأكيد بل على جهة البدل ، وكل آدم ثانٍ مثال وصورة لآدم الأول وتفصيل وتمييز لمراتب الأول التي كانت مستجنّة فيه ومندرجة في غيبه ، فعلى ما ذكرنا تعدد الآدميون بتعدد أصول الخلق وبتعدد الأفلاك التسعة في كل عالم وهذه الأصول على وجهين ، أحدهما أصول كلية جامعة شاملة لما تحتها من الأصول كالغصن الكبير من الشجرة الذي يشتمل على غصون كثيرة مشتملة على أوراق كثيرة ، وثانيهما خصوصيات الغصون المشتملة على الأوراق لا على الغصون ، فعلى الأول يمكن حصرها وتعدادها واختلفت الروايات عن الأئمة السادات عليهم السلام فيه لا بمنطوقها وصريح لفظها و إنما هو بإشاراتها وتلويحاتها لكن ما وقع التصريح فيه منها ما رواه الصدوق في آخر الخصال عن الباقر عليه السلام لجابر إلى أن قال عليه السلام (( لعلك ترى أن الله عز وجل إنما خلق هذا العلم الواحد ، وترى أن الله عز وجل لم يخلق بشرا غيركم ، بل ولله لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين ))1  .
وفي رواية أخرى (( ما خلق الله من التراب غير آدم أبينا )) وهذه المراتب الألف ألف مرتبة الأصول وهذه الأصول كلها إنما نشأت من أصل واحد لا من ذاته وإلا لم تتكثّر إذ الذات على صرافة بساطتها في الوحدة لا تنشأ منها الكثرات ، ولذا ترى ضرب الواحد في نفسه أو في غيره لا يؤثر شيئا بل النشء إنما هو من الصفات وقرانات النسب والأوضاع وملاحظة النسب بعضها مع بعض ، فأول ما يؤخذ من ملاحظة النسب من الأصول في الواحد هو الثلاثة وهو العوالم الثلاثة التي هي عالم الجبروت وعالم الملكوت وعالم الملك ، وفي كل عالم آدم هو الأصل وله أولاد تشعبوا منه إما من سنخ ذاته أو من أمثاله وأشباحه ، فالآدم في الجبروت العقل الكلي والعقول الجزئية في أشباحه وأمثاله قد ظهرت منه وتعود إليه , وآدم الذي يكون أولاده من سنخ ذاته في الجبروت هو النور الواحد العقلاني المنبعث من العقل الكلي الساري في كل العقول الجزئية فتكون حينئذ أفراد العقول وأشخاصها أولادا لذلك النور الكلي الساري فافهم .
وهو في عالم الملكوت هو النفس الكلية والنفوس الجزئية المتكثرة الظاهرة في أفراد الخلق هي ظهورات تلك الكلية وأمثالها وأشباحها ، والآدم الثاني في هذا العالم كما ذكرنا في الجبروت حرفا بحرف ، وهو في عالم الملك العرش أبو الأجسام في الكلية والوالدان في الجزئية بالمعنى الثاني ، وبالطور الأول فكما ذكرنا في العقل والنفس ، ثم إذا لاحظت نسب هذه الثلاثة بعضها مع بعض إذ لا غيرها تبلغ قراناتها ونسبها في أول اللحاظ تسعة وهي العوالم التسعة عالم القلوب وعالم الصدور وعالم العقول وعالم العلوم وعالم
___________________
1 الخصال 652
 

 

الأوهام وعالم الموجودات الثانوية وعالم الخيالات وعالم الأفكار وعالم الحياة ، وفي كل عالم آدم هو أصل ذلك العالم ويكون ما سواه من الأحوال الغير المتناهية كلها من فروعه وشعبه ذاتا أو صفة أو مثالا على المعنى الذي ذكرنا بوجهية ، ثم إذا أضفت إلى هذه التسعة واحدا لتنقلها إلى الرتبة الثانية يكون عشرة وهي العوالم العشرة تلك التسعة المذكورة وعالم الأجساد ، ثم إذا لاحظت نسبة هذه العشرة بعضها مع بعض فأول ما يحصل من ملاحظة هذه النسب مائة عالم وهو ظهور تلك العشرة في عشرة عوالم عالم الوجود المطلق وعالم الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم وعالم الأنبياء وعالم الإنسان وعالم الملك وعالم الجن وعالم البهائم وعالم النباتات وعالم الجمادات وعالم الأعراض ، وكل عالم له آدم متأصل يكون ما عداه عن شعبه وفروعه ، وأما أمثاله وأشباحه أو أبداله وأشباهه على التفصيل الذي ذكرنا بالإجمال ، ثم إذا لاحظت نسبة هذه المائة مع العشرة يكون الحاصل ألفا وهو ظهور كل من هذه المائة في عشرة عوالم عالم المسميات وعالم الأسماء وعالم الأفئدة وعالم العقول وعالم الأرواح وعالم النفوس وعالم الطبيعة وعالم المادة وعالم المثال وعالم الأجسام وفي كل عالم من هذه العوالم آدم وهو أصل ذلك العالم وعليه يدور رحى ذلك العالم كما ذكرنا ، ثم إذ لاحظت نسبة هذه الألف بعضها مع بعض يكون الحاصل ألف ألف وهوالمراد من قوله عليه السلام المتقدم من أن الله تعالى خلق ألف ألف عالم والف ألف آدم وهو مجموع نسب الأصول من الأصل الواحد ، وكذلك إذا لاحظت نسب هذا الألف ألف بعضها مع بعض يبلغ تلك الملاحظات إلى ما لا يدخل تحت حصرنا وعدّنا وإنّما هو مختص بالله عز وجل ومن أشهده الله خلـق السموات والأرض وخلق أنفسهم ، وفي كل عالم من هذه العوالم الكثيرة آدم فقوله عليه السلام (( أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين )) يريد به الكون الجسماني أو الأعراضي وهو مركز للعوالم كلها بروابطها وقراناتها فتدور عليه العوالم مستديرة بتنقلات الأطوار واختلاف الأوضاع فيكون كل وضع وكل طور مبدأ حكم من الأحكام الوجودية التكوينية بسيّالية وجودات الأشياء في الأيام
من أيام الشأن وهو قوله {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}1 وكل هؤلاء الآدميين لهم أولاد قد أخذ عليهم الميثاق بولاية علي عليه السلام ويدخل الجميع في قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى}‏2 وليس هذا العموم من اللفظ من باب الاشتراك حتى ترد عليهم شبهة عدم الجواز وإنما هوحقيقة بعد الحقيقة فما هذا شأنه لا يجمع المعنيين في صقع واحد فيكون المراد منه دائما معنى واحدا إلا أنه لأهل كل عالم بلسانه واصطلاحه .
فقوله عليه السلام (( مع من تقدم مع آدم الأول )) يريد عليه السلام بالتـقدم التقدم الحقيقي السرمدي لا التقدم الزماني والمكاني والشرفي والطبيعي ، بل التقدم الذي يجمع المتأخر بعين كونه المتقدم الذي انقطع عنده الماضي والحال والاستقبال ويجمع المتفرق ويفرق المجتمع وهو عاد لوجود الموجودات كلها ولا يعده شيء الذي قد سبق وجوده الأحوال والأطوار في الأكوار والأدوار وكلها محبوسة تحت حيطته وسابحة في لجة أحديته وقد انقطعت دونه المدارك وتحيرت عنده المشاعر وسنتكلم عن هذه الأولية إذا آن أوانه وحان وقته عند قوله عليه السلام (( أنا الأول والآخر )) .
وأما آدم الأول فهو المشيئة مبدأ الوجود المطلق ومقام كن وعالم فأحببت أن أعرف والذكر الأول والاختراع والابتداع ، وهو آدم لأنه أول من أقر لربه بالربوبية ولنبيه وإمامه بالطاعة والولاية وأصل واحد قد ظهر منه الأصول الثلاثة والتسعة والخمسة والأربعين والثلاثمائة والستين والألف وألف الألف وحواؤه أرض الإمكان الراجح فلما تعلق بها وأدلج فيها نشأت منها
________________
1 الرحمن 29

2 الأعراف 172


الأولاد ذكورا وإناثا وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء}1 فالرجال ما تولدوا من الجهة اليمنى أي الوجه لأعلى وهم الأسماء والصفات المتولدة من تعلق الوجود المطلق بأرض الإمكان من جهة العليا ، والنساء هي الوجوه والجهات الفعلية المتعلقة بالمفعولات والمشاءات المتقومة والمنشعبة المتفرعة عن المشيئة الكلية .
وأما آدم الثاني هو الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم وحواؤه أرض الجرز وأول أولاده العقل الكلي ثم الروح الكلية ثم النفس الكلية وهكذا إلى آخر مراتب العرش المركب من الأنوار الأربعة ، وعلى هذا القياس سائر العوالم والآدميين كل آدم له حواء ومن كل منهما في كل العوالم وقع ما أخرجهما من الجنة ثم عادا وتابا فقبل الله توبتهما وأسكنهما أرضه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إلا أن معصية كل آدم على مقتضى مقامه ورتبته مع حفظ حكم حسنات الأبرار سيئات المقربون فتفطن فإن المسلك وعرة يحتاج إلى شرح وبسط وليس لي الآن إقبال ذلك .
والإشارة المجملة إلى شيء يسير منه فاعلم أن أعلى مقامات الجنة هو الرضوان وأعلى مقاماته الرب ومشاهدة جماله بلا حجاب في مقام ذات المشاهد الرائي ومقام السكر الذي لا صحو فيه ورتبة الصحو الذي لا سكر فيها ولا تسع ذلك المقام سنة ولا نوم ، فالمشيئة أعلى مقاماتها هيكل التوحيد وسر التفريد على أعلى المعاني ويعبر عنه ولا عبارة ( بأحببت ) والمحبة التي هي حجاب بين المحب والمحبوب ومقام المحبوب من غير ملاحظة المحبة ، وهذا المقام هو الجنة التي لا أعلى منها بل الجنة إنما هي الظهورات العلوية لهذا المقام فإذا تعلقت بحوائها التي هي أرض الإمكان وتحقق الزواج ونظرت إلى الإمكان ظهرت الكثرات الأسمائية والصفاتية والتعلقات الإمكانية والكونية فتنزلت إلى
_________________
1 النساء 1
 

 

أرض الكثرات والإضافات والحجب بعدما كانت في السماء في جنة المشاهدة وصرافة الوحدة وهذا التنزل ما كان سببه إلا أرض الإمكان التي هي حواؤه ، وأكل الشجرة هو النظر إلى مقام الإنية المنظورة بأطوار الكثرة المدعية الساجدة للشمس من دون الله فهم من فهم ، وهكذا الحكم في كل المراتب لقد ملكتك القواعد إن كنت علامة يحصل لك منتهى المطلب والله الموفق .