قال عليه السلام: ولقد كيّف لي فعرفت وعلمني ربي فتعلمت

ألا فعوا ولا تضجوا ولا ترتجوا فلولا خوفي عليكم أن تقولوا جن أو ارتد لأخبرتكم بما كانوا وما أنتم فيه وما تلقونه

إلى يوم القيامة علم أوعز إلي فعلمت

 

اعلم أن العلوم على قسمين علوم لا كيف لها وعلوم لها كيف ، والأولى على قسمين حقيقية وإضافية ، ومرتبة الإضافيات تختلف في البساطة والكثرة فالتي لا كيف لها هي العلوم التي لا تحدها الأدوات والمشاعر من العقل وما تحته و إنما هي خاصة بإدراك الذات والكينونة فيدركها الشخص بذاته ليتحد هناك المدرِك والمدرَك والإدراك وهي العلم بمعرفة الله سبحانه ومعرفة صفاته وأسمائه وأزليته وأبديته وخفائه وظهوره وأولويته وآخريته ومعرفة علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ونحو إحاطة العلم بالمعلومات قبل المعلومات وبعد المعلومات وكيفية صدور الأشياء من المشيئة وصدورها من الله عز وجل ومعرفة انتفاء الخالقية والفاعلية في الذات الأحدية ومعرفة النفس التي هي معرفة الرب ، ومعنى أن هذه العلوم لا كيف لها هو أن الناظر حين النظر إليها لا يلتفت إلى جهة دون جهة أخرى وإلى حد دون آخر وإلى تميز وإشارة وعبارة وإنما يعرفها بالوجدان من غير أن يرى لها صورة، ثم يعبر عنها في مقام التمييز بعبارة منبهة للمراد على حكم الاستعداد ، ومرادي بالكيفية الكيفية العقلانية والروحانية والنفسانية والمثالية والجسمانية والمقادير العرضية وإلا ففيها ولها كيفية لا تدركها العقول و إنما تدركها الذوات ، ومرادي بالإضافة والحقيقة نفي التمييز والحدود مطلقا على أي حال في الواقع الأولي ونفيهما في الواقع الثانوي أي في نفس الأمر .
وبيانه بالأجمال أن التجلي في المجلى الأول ليس إلا نفسه فلا يحكي ولا يصف إلا الواحد المحض إذا نظر إلى نور العظمة في مقدار سم الإبرة ، والتجلي في المجلى الثاني إنما هو بالأول فالثاني فيه ظهورات ونفس ظهور نفس الأول الذي هو خلاف كينونة الأول ، كما إذا نظرت إلى المرآة الثانية المقابلة للأولى المقابلة للشاخص فترى في الأولى صورة المقابل وحدها وفي الثانية صورتين ومرآة وفي الثالثة ثلاث صور ومرآتين وهكذا ، ولما كانت الكثرة في كل مرتبة من لوازم ماهية تلك الرتبه فإذا أزال الإنية ارتفعت له الهوية فتـنفي هذه الكثرات وتبطل القرانات ويكون ذلك المقام عنده أعلى مقامات التوحيد ، مع أن هذا المقام هو ظهور إنية العالي فلو وصف الحق بما يصف به السافل لوصفه بغير ما هو عليه ولشبهه بخلقه بخلاف السافل فإن هذا هو حقيقة التوحيد بالنسبة إليه ، فالكيفيات في الرتبه الثانية وإذا ارتفعت فيها لها لكنها باقية عند من هو أعلى منها .
ومن العلوم التي لا كيف لها بالإضافة العلم بمسألة سر الأمر بين الأمرين وسريان نور الاختيار في كل الأقطار بكل الأطوار وتحقق القابلية المقبلة والمدبرة حين الإيجاد والإدبار لا قبله ولا بعده ووقوع الخطاب عليها ليكون المخاطب نفس الخطاب الواقع في الحد المخصوص وتحقق ذلك الحد بذلك الخطاب ، لأن هذه الأمور إنما حصلت قبل التركيب في التكوين والكون التقييدي ، والعقل أول ما ظهر من المركب فلا يدرك إلا المركب من حيث هو كذلك لأن الأدوات إنما تحد أنفسها والآلات إنما تشير إلى نظائرها ولا شك أن حال التركيب في الاقتضاءات غير حال البساطة وهو ظاهر معلوم لمن يفهم الكلام ، ومجمل القول أسرار باطن الباطن وما فوقه كلها من العلوم التي لا كيف لها من الكيفيات المدركة للعقل .
وأما العلوم التي لها كيف فهي علم الشريعة وعلم الطريقة وما يتعلق بهما في التكوين والتشريع من العلوم الكلية المعنوية والعلوم الجزئية الصورية والعلوم الشبحية المقدارية والعلوم الجسمانية وجملة ما أحاطت به دائرة الوجود المقيد إذ كل ذلك مما له كيف من أنحاء أحوال الكلام وما يترتب على قرانات الأشياء وإضافاتها وأوضاعها من العلوم التي لا نهاية لها .
فإذا عرفت هذا فاعلم أنه عليه السلام لما أبان عن سعة علمه الشريف وإحاطة دائرة مقامه المنيف وأنه علم ما كان وما يكون وما كان في الذر الأول من أحوال البدء التي هي تمام أحوال العبودية فإنه عليه السلام في القوس الصعودي وكذلك الخلائق كلهم فكل من أخبر عن حكم من أحكام البدء فإنما قطع مسافة العود ووصل إلى ذلك المقام في البدء فكان عوده عين بدئه ، فإذا أثبت أن العود هو عين البدء وأن المخبر في القوس الصعودي فإنما فصل إلى البدء وعودا كما قال عز وجل {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}‏1 وقد أخبر عليه السلام عما كان في الذر الأول في الكون الإطلاقي في أعلى مراتب الوجود الراجح ، وكان فيه ما ربما يتوهم ما توهمه بعض الغلاة من حكاية الاستقلال وعدم توهم الاضمحلال أشار عليه السلام إلى رفع هذا التوهم وإثبات كمال الرتبة العبودية وشدة الفقر والحاجة فقال عليه السلام (( ولقد كيّف لي )) على بناء المجهول يعني أن هذه العلوم التي ذكرت أني جامع لها ومحيط بها ليست هي مني بالاستقلال وإنما هي أمور قد وصفها الله عز وجل وكيّفها أي أبان كيفها وكشف عن حقيقتها إلى من فضله وكرمه وعلمني بالاسم الأعظم الأعظم الأعظم المكنون المخزون الطهر الطاهر الذي قد جعله عندي فعرفت ذلك بتكييفه تعالى وتوصيفه ثم بتسديده فعرفت ما كيف لي وألقي علي من السر المكنون والدر المصون ، فعرفت ما ألقي علي بصحة القابلية ونور الهداية وبذلك فرّت مقام السبق .
ولما أشار إلى العلوم التي كانت في الذر الأول وإلى الأسرار المطوية المكنونة المستودعة في آدم الأول من حجب الغيب مثل حجاب الدر في السر المقنع في السر في أعلى مراتب آدم الأول ، وحجاب العقيق الأصفر في ثاني مراتبه ، والحجاب الأخضر حجاب الزمرد ، والحجاب الأحمر حجاب الياقوت في المقامات العلوية من آدم الأول إلى ظهور نقطة علمه عليه السلام بما كان وما يكون كل شيء في رتبة وجوده قبل وجوده وشهوده ، وأمثالها
______________
1 الأعراف 29
 

 

من العلوم والأسرار التي عرف الوجه السفلي الذي هو جزء من مائة ألف جزء من رأس الشعير من الوجه الواحد السفلي الذي هو كل من الوجه الواحد السفلي يريد عليه السلام العارفون الكاملون بأعلى مشاعرهم الذي هو ذواتهم وحقائقهم التي لا كيف هناك ولا حد ولا وضع ولا إضافة ولا نسبة بل عرفوها بما كل الجهات عنده جهة واحدة وكل الأطوار طور واحد وكل الشؤنات المتكثّرة المتضادة المتخالفة لا تحجبه من ظهور الوحدة السارية في الكل في الوجود ومشاهدة كل شيء في مكانه ، وقد انتفت عنده كل الجهات العقلية والروحية والنفسية والمقدارية والجسمية فلا شك أن تلك العلوم التي لا يدرك ظاهر قشرها إلا بذلك المشعر المنزه عن كل الجهات لا يكون لها جهة ولا كيف أراد أن يبين عليه السلام على أن تلك المراتب والعلوم التي لا كيف لها عند الخلق لصرافة وحدتها وكمال بساطتها كلّها عنده عليه السلام مكيفة محدودة متمايزة متكثرة مختلفة نسبتها إليه عليه السلام نسبة الأمور المشاهدات بالأبصار الجسمية إلى المعارف والأسرار الغيبة والأسماء والصفات الحقيّة الإلـهية ، ولذا قال عليه السلام إنه كيّف لي ما وصفت لكم و إن كان لا كيف له ولذا أتى بصيغة الكيف التي هي أخص من الوصف وإن كان يريد عليه السلام بذلك الوصف لكن خصوصيته للسر الذي قلنا لك أن الغيوب كلها عنده عليه السلام حاضرة مشهودة والسرمديات التي عند الخلق من رتبة الإنسان زمانيّات عند الأنبياء والمرسلين والسرمديّات التي عند الأنبياء عليهم السلام في المعارف اللاّهوتية والأسرار المقنّعة بالسر من أسرار الباطن في مقامات السبعين في مقام الوصف ومقام الذات ومقام التشريع ومقام التكوين كلها بكل طور يفرض زمانيات عنده عليه السلام ومن معه في تلك الأجمة النّابتة فيها قصبة الياقـوت وسر اللاهوت ، وفي تلك السماء التي فيها الشمس المشرقة والنار المحرقة ، لأن حقائق الأنبياء عليهم السلام وذواتهم التي في مقام الكرّوبيين الذين قد تجلى رجل منهم لموسى الذي هو من أولي العزم من الرسل بقدر سم الإبرة فدك الجبل وخرّ موسى صعقا وأولئك الملائكة كلهم شعاع من فاضل أجسامهم عليهم السلام، فإذاً كل الوحدات في كل العوالم بكل الأطوار في كل فرض في مقامه وعالمه عليه السلام كثرات مكيفة محدودة فافهم ما ألقيت لك من السر المكنون .
وخلاصة المقال في هذه الأحوال هي أنه عليه السلام كشف عن أمور مهمة عظيمة ، الأول حكاية الاضمحلال وعدم الاستقلال لنفسه لا نفسهم لأنه عليه السلام جابر الكسر ومتمم النقصان في التكوين والتوصيف في التشريع لأن الولاية الكلية هي النقطة التي عليها المدار في كل الأكوار والأدوار وهي الربوبية إذ مربوب كونا وعينا وذكرا فكل شيء إنما تشيأ بها في جميع مراتب كينونـتها كما قال عليه السلام (( إذا كان الشيء من مشيئته )) وقد سبق منا مراد أن الإمام عليه السلام هو حامل الولاية ومحل المشيئة ، فوجه الأشياء كلها إليه واستمدادها منه فلولا أنه عليه السلام يصف نفسه بالحدوث والفقر والاستمداد من الغير لكان الخلق كلهم ناظرين إليه عليه السلام نظر استقلال ومتوجهين إليه بالعبودية ، فوجب عليه عليه السلام البيان في كل مراتب الأكوان حتى يفرق التاس بين الوجه وذو الوجه واليد وذي اليد ، ولذا لما ظهرت أنواره وأشرقت وتلألأت في عالم الأنوار فظنت الملائكة أنها نور الله عز وجل فسبحوا الله وحمدوه لتعلم الملائكة أنهم عبيد كما رواه الصدوق عن عبدالسلام بن صالح الهروي عن على بن موسى الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( ما خلق الله خلقا أفضل مني ولا أكرم عليه مني قال علي عليه السلام : فقلت يا رسول الله فأنت أفضل أم جبرئيل ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي إن الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين وفضلني على جميع النبيين والمرسلين والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة من بعدك وإن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا ، يا علي الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا ، يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم عليه السلام ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه لأن أول ما خلق الله عز وجل أرواحنا فأنطقها بتوحيده وتمجيده ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا أرواحنا نورا واحدا استعظمت أمرنا فسبحنا لتعلم الملائكة أنا خلق مخلوقون وإنه منزه عن صفاتنا فسبحت الملائكه بتسبيحنا ونزهتة عن صفاتنا ، فلما شاهدوا عظم شأننا هللنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلا الله وإنا عبيد ولسنا بآلهة يجب أن نعبد معه أو دونه فقالوا لاإله إلا الله ، فلما شاهدوا كبر محلنا كبرنا لتعلم الملائكة أن الله أكبر من أن ينال عظيم المحل إلا به ، فلما شاهدوا ما جعله الله لنا من العزة والقوة فقلنا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لتعلم الملائكة أنه لا حول لنا ولا قوة إلا بالله ، فلما شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة قلنا الحمد لله لتعلم الملائكة ما يسحق لله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمه فقالت الملائكة الحمد لله ، فبنا اهتدوا إلى معرفه توحيد الله عز وجل وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده ))1  الحديث .
وهذا القول والتعليم هو نقش ما في حقائق الملائكة وسائر الخلق من سر التوحيد وأنهم باب الله ووجهه الذي إليه يتوجه الأولياء كما مثلنا سابقا باسم الفاعل المشتق من الفعل المعمول له لكن في اسم الفاعل ليس إلا ذكر المبتدأ دون الفعل ، فلولا تلك اللطيفة المودعة في أسرار الخلق لما اهتدى أحد إلى معرفة الله سبحانه ولقصدوهم بالعبادة والطاعة وهو قـوله عليه السلام (( بنا عرف الله وبنا عبد الله ))2 (( لولانا ما عرف الله ))3 (( ولولانا عبد الله ))4 هذا الحكم التكويني .
وأما الحكم التوصيفي التشريعي فكما في هذه الخطبة وأمثالها من الكلمات مهما أظهر عليه السلام من سر الولاية شيئا قارنه بما يلزم منه العبوديّة والإمكان والحاجة ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيي عن بيّنة ولذا قال عليه السلام (( ولقد كيف لي )) أي وصف لي وحكي لي هذه
___________________
1 عيون أخبار الرضا 1/262 – 263

2 التوحيد 152
3 البحار 25/4 4 الكافي 1/193
 

 

المقامات فالمكيّف هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله عز وجل ، فكلما يأتي إليه عليه السلام على وجه العموم والإجمال والإبهام واللا كيفيّة يكيّفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكيفية تفصيلية لعلي عليه السلام كالعرش للكرسي فإن الفيوضات أولا ترد على العرش على جهة الإجمال وعدم التميز فيكيف العرش للكرسي بكيفيات مخصوصة وحدود معيّنة في البروج والمنازل والصور والدوائر العظام والصغار ، وكالنقطة للألف وهي للحروف والكلمة فأبان بهذا أن لا استقلال له بذاته في ما يرد عليه من الأحوال وهو المطلوب كما أشار عليه السلام بقوله (( أنا ذات الذوات )) فأثبت أن الذوات كلّها أعراض لا تجوهر لها ولا تحقق لها بنفسها إلا بي ، ولما كان في هذا القول احتمال توهم الاستـقلال صرّح بالمراد بقوله عليه السلام (( أنا الذات في الذوات للذات )) فأثبت عليه السلام أنه ملك ومملوك للذات الثابت المستقل سبحانه وتعالى ، وهذه الطريقة هي صفة الكينونة الإلهية الظاهرة في الرتبة الأحمديـة المفصّلة للحقـيقة العلوية حيث يقول عز وجل {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}1 ، وهذا التكييف في كل مقام وكل عالم بحسبه ومقتضى رتبته من العوالم الألف ألف وغيرها مما أحاطت به دائرة الوجود .
الأمر الثاني هو أن الأشياء من العلوية والسفلية في السلسلتين من الطوليّة والعرضيّة لا تدرك ولا تفهم شيئا من أحوال الدنيا والآخرة بأي نحو يفرض إلا إذا وصفها الله عز وجل لها وكيّفها لها وعلّمها إياها لأن النور والمدد والفيض الذي هو العلم إنما هو من جهته سبحانه قائم بمدد فعله قيام صدور وتحقق فلو انقطع عنها لانعدمت فالله سبحانه هو الذي يعرّف الأشياء
_________________
1 الحج 52


أنفسها وخالقها وما لها وما عليها كما قال عز وجل {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}1 وقال أيضا سبحانه {وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}‏2 وهو من معاني قوله تعالى { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء}3 فالعلم المطلق سواء تعلّق بكينونة الخالق أو بكينونة المخلوقين فإنما هو لله عز وجل يعلم من يشاء بما يشاء كيف يشاء ، والخلق في مراتبهم ومقامات وقوفهم ولواذهم بباب ربّهم يسألون منه سبحانه العلم بألسنة أعمالهم وأفعالهم وأحوالهم وأقوالهم ، وهو سبحانه يعطي كل ذي حق حقه من الخزينة الخاصة به ويكيّف له ما يناسب مقامه ويفيض عليه من الباب الذي توجه به إليه سبحانه ، فمن كان واقفا في مقام الأجسام ولازما لرتبة الجماد حسب علمه بالاستعداد لا يكيّف الله عز وجل له إلا الجمادات فلا يدرك قلبه إلا ما أبصرت عيناه وسمعت أذناه وشمت منخراه وذاق بلسانه ولمست جوارحه وأركانه وهم الذين قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة ، ومن كان واقفا في مقام النفس ورتبة الصور والهيئات وأشغلته الكثرات وألهته فلا يكيّف له إلا الصور والهيئات والمقادير المجرّدة والأشباح والهياكل وليس كلّما أراد الواقفون في المقامين وجدوا بل إذا أراد لمن أراد ما أراد من الصور على مقتضى الكينونة ، ومن كان واقفا في مقام القلب ورتبة اللب وسائلا من الله سبحانه المدد من الأنوار العقلانية والنفحات الروحانية يفيض سبحانه إياها عليه ويكيّفها له بالكيفيّة الوحدانيّة من الصور الكلّية والهندسات المعنويّة وهؤلاء اللذين طلبوا من معرفة المخلوقين وإن كانت ألسنتهم المقاليّة الكاذبة تطلب معرفة الخالق فإن الذي يطلب معرفة الله بدليل المجادلة الذي هو مقام النفس أو دليل الموعضة الحسنة الذي هو مقام القلب فإن ما طلب معرفة الممكن المخلوق لأن تلك الأدلة لا تقدّر إلا مخلوقا وإن كان بعضها أشرف من الآخر ، ومن كان واقفا مقام الفؤاد ولائذا بباب المراد وقد هاجت له ريح المحبّة المستدعية للاستظلال والاستئناس في ظلال المحبوب وإيثار محبوبه على ما سواه فـهذا هـو طالب
______________
1 الشمس 8

2 النحل 9

3 البقرة 255
 


المعرفة الإلهية والأسرار الأسمائية والصفاتية ، ولما كان هو طالبا للعلم بالله أكرمه الله عز وجل وعلّمه وكيّف له حقيقة معرفته بعدم الكيفية وعدم المثال وعلّمه حقائق المخلوقين وأحوال جميع مبادئهم وشرائطهم ولوازمهم وما يوصلهم وما يقطعهم وما يصلحهم وما يفسدهم وما يؤول إليهم أمورهم ، وهذا الواقف قد فتح له الباب وأذن له النواب فلم يمنعه البواب فيستمر عليه الفيض من جناب الحق عزّ وجل ولا نفاد ولا انقطاع {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ}1 وفي الحديث القدسي حديث الأسرار (( وليس لمحبتي غاية ولا نهاية ، وكلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ))2 وهذا التكيّف عبارة عن كتابة كون ذلك الشيء في رقّ مكانه وزمانه ، والكتابة عبارة عن نقش وجود الشيء على ما هوعليه فيما يصلح له فإن كان المكيَّف بفتح الياء معرفة الله جلّ اسمه فهو عبارة عن ظهور التوحيد في حقيقة الشيء وظهور التوحيد عبارة عن إلقاء مثال من المثل الأعلى واحتجاب ذلك المثال بحجب الكينونية ، والمجموع أي المحتجب والحجاب حقيقة الشيء وظهور التوحيد والمعرفة إنما هو في المثال وهو الجهة العليا من الشيء ووجه الله ذو الجلال وهو مقام الأحدية ، وإن كان المكيَّف بفتح الياء اسم الله وصفاته فهي منتقشة وموجودة في رتبة الواحدية وهي عبارة عن ظهور المثال بوجهه في مرآة الجلال بعدما كان مصونا بنور الجمال في غيب الوصال ووجهه إلى كل مرآة أي متعلق ظهور اسم وصفة ، وإن كان فعل الله ومشيئته فهو متنقّش في لوح السرمد ومكان الإمكان ، وإن كان أثر فعل الله فهو منتقش ومكون في المتوسط بين السرمد والدهر ووجهه الأعلى ناظر إلى السرمد بل فيه والسفلي ناظر إلى الدهر بل هو فيه وهو ملتقى البحرين لكن كيفه وهيئته الانبساط والشمول والإحاطة وعدم النهاية وهو إن كان أنزل رتبه من المشيئة لكنه قد ظهر حاكيا لها ودليلا عليها وهوعلم واسع كعموم قدره الله عز وجل ، وإن كان الـقلم فـهـو في لوح المعـاني ورق الدهر أعلاه ، وإن كان اللوح
_______________
1 ص 54

2 إرشاد القلوب 199
 


فهومكتوب في لوح الصور وأوسط الدهر ، وإن كان الأجسام فهي منتقشة ومكتوبة في لوح الزمان ورق المكان وقس عليه سائر المقامات .
والمكيف له إن كان أعلى من المكيَّف بالفتح فهو منقوش بجميع مراتبه على ما هي عليه بتوسط قلم ذلك العالي ومداد نوره في إقليم ظهوره فهو حاضر لديه حاصل عنده في ملكه متقوم بيد قيوميته ، وإن كان أسفل منه فهو منقوش في حقيقة ذاته البسيطة قبل التركيب بحدود قابليته فلا يصل إليه إلا إذا حل التركيب ووصل مقام البساطة ، وإن كان مساويا فهو منقوش في مراتب كيونيته أي في حقيقة ذاته المركبة من الحدين فيصفه بما يقرأ من حروف نفسه وحدود ماهيته ولا ثالث في أقسام المكيف له و إدراك السبب الأعظم هو من القسم الأول فقد كيف له كل شيء من البدء إلى المعود إلى ما لانهاية له في مقام الظهورات والتجليات والآثار والشئونات فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هذا هو المراد من قوله تعالى {* مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا}‏ من جهة مفهوم المخالفة .
الأمر الثالث أن ما من الله عز وجل لم يزل مقدما على ما من الخلق فلا يتصور رتبة في الخلق أي في السوى إلا وقد سبق فيها شأن من شئون الربوبية يكون ذلك الشأن مقوما لذلك الشيء في الصدور والتحقق وإلا لكان قديما غيره مستقلا بنفسه فيتحقق بذلك تعدد القدماء فلا يمكن القول بأن القابليات يجب أن تكون موجودة قد سطع عليها نور الوجود فقيل كل منها ما اقتضته من الاعوجاج والاستقامه فالشقي شقي بقابليته المتحققه قبل ظهور نور الوجود وكذلك السعيد ولم يتعلق بتلك القابلية جعل وليس لله فيه حكم و إنما القابليات هي الأعيان الثابتة المستجنة في غيب الذات الحق جل وعز وشئون ذاتية له وذاتيات الحق لا تقبل الجعل والتغيـير والتبديـل والـزيادة
_________________
1 الكهف 51
 


والنقصان كما هو مذهب أكثر الصوفية وقد صرح بذلك الملا محسن في الكلمات المكنونة .
ولا شك أن هذا القول باطل لا سبيل فيه إلى الحق لأن القابلية التي هي الأعيان الثابته إن كانت هي عين الله سبحانه وتعالى فلا يتصور الاختلاف فيها في حد ذاتها وظهوره بالوجود لأن ذات الله سبحانه لا تختلف ولا تتغير ولا تتبدل ، وإن كانت غير الله فهل هي حالة في ذات الله أو في غيرها فإن كانت في ذات الله - تعالى الله سبحانه - فكان محلا لها وهو يستلزم التأثير والانفعال و إن كانت في غيره سبحانه فقديم آخر سواه .
وبالجملة هذا القول لا ينطبق على قواعد أهل الإسلام ولا الأصول المقررة عن أهل البيت عليهم السلام ولذا عبر أمير المؤمنين عليه السلام في هذا المقام بما هو صريح الرد عليهم حيث قال عليه السلام (( ولقد كيف لي فعرفت )) التكيف ونسبه إلى غيره ثم أتى بالفاء التعقيبية في القبول للدلالة على أن القابلية مؤخرة عن المقبول والمخاطب مؤخر عن الخطاب بل ليس إلا نفس الخطاب الواقع على الحد الخاص في رتبة من المراتب وذلك الحد هو القابلية وهي أمر عرضي لا قوام له إلا بذلك الخطاب ، فقوام المخاطب بالخطاب وظهور الخطاب بالمخاطب وهو السر في كن فيكون ووقوع الخطاب على المخاطب هو السر بين الكاف والنون ، لكن في هذه المسألة سر دقيق لا ينكشف إلا بنور التوفيق والهداية بالاعتصام بعروة أهل بيت العصمة والطهارة ولا أحب شرح هذه المسألة في هذا المقام لأدائه إلى ما لا يحسن من الكلام فإن سر الخليقة أبى الله أن يطّلع عليها إلا الخواص من الأعلام فلا حظ فيه لغيرهم من العوام , مع أنا قد أشرنا إشارة مجملة ولوحنا التلويح التام لمن يفهم الكلام .
الأمر الرابع أن حكم الله سبحانه على كل المخلوقات واحد وفيضه لكل الممكنات عام فلا تفاوت بين خلق وخلق في أصل الإفاضة والإعطاء والفيضان كما قال عز وجل {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ}1 لأنه سبحانه واحد وفعله واحد وأثر فعله واحد ، ولو جوزنا صحة صدور المكثرات من الواحد من جميع الجهات فلا موجب لذلك إذا كان المصدر البديع حكيما ، لكن لما كان جريان فعله تعالى من بدء الأمر إلى عوده الذي هو عين البدء على جهة السؤال والطلب والنداء من غير الاضطرار والمنع ليأخذ النصيب من فيضه سبحانه كل من على حسب شهوته و اختياره و إرادته لئلا يكون للناس على الله حجة ، اختلفت الموجودات بالشرافة والكثافة والقرب والبعد والتابعية والمتبوعية باختلافهم في التلبية والإجابة في التكوين والتشريع ، فمن لبى أولا توجه ذلك النور الأعظم والفيض الدائم الأقدم إليه فجلسه بالتلبية لديه فكان سراجا وهاجا قابلا لما يفاض عليه من فوارة النور وعارفا لما يلقى إليه من الأسرار والمعارف غير معوج الفطرة بل على الاستقامة الكاملة الحقيقية التي لا أكمل منها فيعرف بذلك جميع أسرار المبدأ والمعاد ويبلغ به منتهى المقصد والمراد فيتسع إليه جميع المرادات الإلهيه من الخلق على ما قال تعالى في الحديث القدسي (( لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن ))2 وهذا المؤمن هو أول من آمن بالله ولبى نداء إني أنا الله ، فبصفاء القابلية ونورية الطوية والسريرة التي يكاد زيتها يضئ ولم تمسسه نار عرف ما كيّف الله تعالى له من العلوم والأسرار بنفس تلك العلوم الحاصلة عند التلبية فسبق هذا العارف بمعرفته الحاصلة من الله سبحانه بصفاء قابليته المسببة عن سرعة إجابته لدعوة ربه الخلق كلهم في العلم والمعرفة ، وكذلك المراتب إنما اختلفت بذلك عند من يفهم الكلام ، فالإمام عليه السلام إنما نبه على السر لأهله بهذه الدقيقة بأني ما نلت هذه المرتبه وما فزت بهذه الدرجة لنسبة بيني وبينه تعالى سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا وليس أنه خبرني بذلك كلا وحاشى وهو أكرم وأعظم من ذلك ولا أني مستـل في ذلك والله أجل وأعـم من ذلك
___________________
1 القمر 50

2 البحار 58/39 ح 61
 

 

ليستقل في ملكه غيره ، و إنما هو منة من الله عليّ بالعطية قبل الاستحقاق وأنا قبلت ذلك منه بتوفيقه ولولا قبولي لم أصل إلى ما وصلت ولولا عطيته لم أكن شيئا ولم أعرف حرفا فهو عز وجل كيف لي وأنا عرفت ما كيف، وإلا فالتكييف واقع وليس أنه سبحانه كيف لي من دون غيري و إنما هو تكييف وحداني سار في جميع الذوات ولكني عرفت ذلك دون الخلق كلهم فسبقتهم بالعلم والمعرفة واليقين على حسب قبولي وطاقتي , فالقبول له مدخلية تامة في وجود الشيء ولولاه لم يوجد كالانكسار للكسر ، ومن هذه الجهة سبق آدم على الملائكة لما علمه الله سبحانه الأسماء فتعلم وما قدرت الملائكة أن تتعلم من غير واسطة البشر فأمر آدم بإبنائهم إياها فتعلموا عن الله بواسطة آدم عليه السلام وليس ذلك إلا لتقدم آدم عليه السلام بالإجابة والتلبية وتبعية الملائكة إياه ولذا سجدوا له وتعلموا منه على ما تقتضي مرتبتهم وتطيق كينونيتهم وذلك لتقدم قابلية آدم عليه السلام على قابلية الملائكة ، وهذه القابلية لم تكن شيئا قبل وجود المقبول وإنما هي وجدت حين وجود المقبول بوجود المقبول كما ذكرنا ، وإلى هذه الدقيقة أشارعليه السلام بقوله (( ولقد كيف لي فعرفت وعلمني ربي فتعلمت )) فأثبت بذلك الأمر بين الأمرين وأبان عن وجه الجمع بين كل الكلمات المتنافية كما يعرفه أهله من أهل الاستيضاح والحجة .
الأمر الخامس أشار بقوله عليه السلام (( وعلمني ربي فتعلمت )) أشار بالتعليم إلى تمكين القابلية وأنه من شرط وجود الشيء وهو من جهة الفاعل لا من جهة القابل فإن تحقق وجود الشيء يتوقف على أمور ، الأول الفاعل الثاني أثر فعل الفاعل الذي هو المقبول الثالث القابل الرابع نسبة المقبول إلى القابل الخامس نسبة القابل إلى المقبول السادس تمكين القابلية لصلوحها لقبول فعل الفاعل كالنار المتعلقة للدهن للإستضاءة فإن الدهن بكثافته لم يستأهل لقبول النور والإستضاءة فالنار تكلسه وتلطفه وتزيل أوساخه تمكينا لقابليته واصطلاحا لها للقبول ، والمراد بتمكين القابلية تخلية السر ورفع الموانع بينه وبين أثر الفعل ، فإظهار العلم أي النور الوحداني النقطة الحقيقية التي كثرها الجاهلون هو رتبة المقبول والحدود المشخصة والظهورات المعينة الخاصة بذلك العلم ومكث ذلك العلم في تلك الحدود رتبة القابل ورفع الموانع وعدم الحيلولة بين العالم أي القابل المتسأهل للعلم، وعلمه الخاص به هو تمكين القابلية وهو المسمى في عرف العلماء بالتعليم ، وهذا التمكين الذي هو التعليم على أنحاء مختلفة و أطوار متشتتة ويجمع الكل الدليل لإراءة السيل ، فالدليل من تمام القابلية فما من الله سبحانه أولا وبالذات أربعة أمور لا دخل للعبد فيها شيء إن وجد في الشيء هذه الأربعة فيريده الفاعل سبحانه وإلا فلا ، واثنتان منها للقابل أي من الله سبحانه وتعالى بالعرض لا بالذات ولا تكملان إلا بتلك الأربعة ، وبالمجموع إتمام الشيء فلو أخل بواحد منها لم يحصل الشيء وهذا هوالسر في الأمر بين الأمرين وسر تعقب الأشياء بعضها عن بعض وسر الاختلاف مع تساوي نسبة الباري بكل مخلوقاته وسر الابتداء الزماني و انتهائه ، فإن الفيض الأول دائم قائم لا تعطيل له فلا يعرف له أول ولا آخر ولكن المفاض عليه في أصل تحققه أو لعدم استيهاله أول المرة لقبول الفيض يتقدم ويتأخر وكذلك ظهور الفيض فهم من فهم .
الأمر السادس أشار عليه السلام إلى مقامه ومرتبته وفي التلقي في التكوين والتشريع فإن مقام الخلق مقامان ، الأول مقام الإجمال والإبهام والعماء واللاتعيين وهو مقام النقطة الحقيقية الغير متطورة بالأطوار الغير الظاهرة بالأنوار قد غشيها نور وحدة المبدأ وصفته وكينونته فزاغت عنها الأبصار وانحسرت دونها الأفكار وصفت عن كل الأكدار وزالت عنها كل غبر الأغبار فهي عماء محض ونور بحت ووجه الحق للأسماء ولها القيومية المطلقة لكن إذ لا متقوم فلا كيف في هذا المقام ولا حد ولا إشارة ، نعم له كيفية باطنية و إنية غيبية لا تميزها العقول ولا تكتنهها الأوهام ، الثاني مقام التفصيل والانبساط والتمييز والتعيين وظهور الآثار الفعلية ونشوء الأسماء الحسنى والصفات العليا وبروز التعلقات والأسماء المتقابلات ، ولا شك أن في الكون الأول لا وجود إلا لمحمد وعلي عليهما السلام ولا شك أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هو الأفضل والأقدم والأسبق فيكون مقامه صلى الله عليه وآله وسلم مقام النقطة مقام الإبهام ومقام عدم التكييف ، ولا شك أن عليا عليه السلام هو التالي له صلى الله عليه وآله وسلم ولا فصل بينهما بشيء أبدأ وهو عليه السلام أقرب الأشياء إليه صلى الله عليه وآله وسلم والله جلّ اسمه سمّاه نفسه ، فيكون المقام الثاني مقام التفصيل والتّعيين والتّمييز والاختلاف مقام علي عليه السلام وهو قوله تعالى {عَمَّ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ}1 وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((ما اختلف في الله ولا فيّ و إنما الاختلاف فيك يا علي )) فمقامه عليه السلام مقام التّكيـيف والتّوصيف والانبساط ولذا قال عليه السلام (( ولقد كيف لي )) فهو عليه السلام في عالم الوجود المطلق في مقام الألف والنفس الرحماني الأولي والأزلية الثانية والسر المستسر بالسر ، وفي عالم الوجود المقيد من الخلق الأول خلق الأنوار في مقام النفس الكلية ، وفي الخلق الثاني خلق الأجسام في مقام الكرسي ، وفي مقام السموات في مقام القمر ، وهكذا مقامه عليه السلام كما ذكرنا مرارا في مقام الصفة وظهور الربوبية إذ مربوب كونا وعينا وهو مقام الانبساط والانتشار والتفصيل ولذا قال عليه السلام (( كيّف لي )) فإن التكييف توصيف وتحديد وإن كان يطلق على محض الصفة وحدها من غير كيف إلا أنه ليس من أصله وصفته وحقيقته بخلاف التوصيف فلو عكس الأمر لم يؤدّ هذا المؤدي فافهم وفقك الله لما يحب ويرضى و اشرب عذبا صافيا .
الأمر السابع أشارعليه السلام بذكر المعرفة والعلم وتقدم المعرفة على العلم إلى الدليلين دليل الحكمة وهو المفيد للمعرفة وبه يعرف الله ويعرف ما سواه وهو دليل الكشف ومشاهدة الشيء على ما هـو عليه ولذا أتى عليه السلام بالكيف في مقام المعرفـة فـإن المعرفة إنما تحصل بالفؤاد كما قـال
___________________
1 النبإ 1 - 3


الصادق عليه السلام (( وإذا تجلى ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المـحـبـة ))1 الحديث ، والفؤاد محيط بكيفيات كل الأشياء وكلها تحت مقامه فيدركها على ما هي عليه بخلاف المشاعر الأخر إذ لا تخلو واحدة منها عن الكيف ، ويريد عليه السلام بالكيف ما هو أعم من الكيف الذاتي أي الصفة الذاتية والعرضية من الأثرية وغيرها ، والمعرفه قالوا في معناها أنها الادراك الثاني بعد الذهول عن الادراك الأول وقالوا ولذا لا يصح أن يطلق على الله العارف بخلاف العالم إذ ليس هذا الذهول شرطا في العلم كما في المعرفة ، وهذا الذهول إنما حصل في القوس النـزولي عند خطاب أدبر إذ في كل مرتبة عالية تغيب في الرتبة السافلة وتستجن فيها استجنان الشجرة في النواة ثم يعدم شعورها ويبطل حسّها إلى أن ترجع إلى مقامها في القوس الصعودي فهناك يحصل إدراك مقامها ومقتضياتها بعدما كان ذاهلا عنها ، ولما كان الإدراك التام والكشف الحقيقي والمعرفة الواقعية لا تحصل إلا إذا نظر بمشعر الفؤاد المحيط بكل المشاعر ونظر به إلى نور العظمة المنيرة لكل المراتب والمقامات فهناك يحصل له الإدراك التام بعد الذهول ولذا اختص الواقفون بذلك المقام والواصلون إلى تلك المرتبة باسم العارف ، وأما مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فهو و إن لم ينسى المراتب المتقدمة حين تنـزل لاستحالة السهو والنسيان في حقه في التكوين والتشريع لكن من جهة الالتفات في مقام يشغله شأن عن شأن قد يحصل له ذلك فإن النفس حال الالتفات من حيث الالتفات إلى النظر في المسألة الفقهية مثلا لا يمكن أن تكون ناظرة إلى المسألة الهندسية وإلا لم يشغلها شأن عن شأن والمفروض أنه ليس من صفتها ، وليس عدم الالتفات جهلا وإلا لم يكن عالما بشيء من الأشياء في الوجود وهو مكابرة وسفسطة ، وأما إذا كان النظر بعين الفؤاد فتكون الالتفاتات كلها واحدة فينظر بنظر واحد إلى الكل دفعة واحدة كالشمس الناظر إلى أشعتها المتكثرة لأن التلقي عن المبدأ لا يكون إلا بتلك العين وذلك النظر ، فعلى ما ذكرنا صحّ إطلاق اسم العارف عليه وعلى من معه في مقامه عليه السلام .
________________
1 مصباح الشريعة 119
 

 

ودليل المجادلة بالتي هي أحسن وهو مفيد في العلم ولم يذكر عليه السلام ما يدل على دليل الموعظة الحسنة لعدم الحاجة إليه لأن الوسط يعرف ويذكر إذا ذكر أعلاه و أسفله لأن الطفرة في الوجود باطلة ، فتم بما ذكر عليه السلام العلم بالموجودات من العلوية والسفلية كلها من منّ الله تعالى عليه عليه السلام فإن الله عز وجل قد حصر الأدلة كلها في ثلاثة كما قال عز وجل {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}1 فلو بقي علم في العالم أي ما سوى الله لم يقم الله سبحانه له دليلا يوصل الطالب إليه لما كان حكيما تعالى عن ذلك علوكبيرا، وقد نص أمير المؤمنين عليه السلام بأن الله عز وجل علمه مدلولات كل هذه الأدلة فقد أحاط بكل شيء علما {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}2 .
ويريد عليه السلام بالرب هو المربي وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو الحق جلّ وعلا ولا يكون إلا بواسطة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيأتي بيان كيفية هذا التعليم وسر هذا التفهيم إنشاء الله .
________________
1 النحل 125

2 البقرة 255
 

 

قوله عليه السلام ألا فعوا ولا تضجوا ولا ترتجوا

فلولا خوفي عليكم أن تقولوا جنّ أو ارتد لأخبرتكم

اعلم أن الحق القديم تعالى وتقدس لم يزل في قدسه وأزليّته متفردا متوحدا لا شيء معه ولا غير عنده بل هو هو ولا يعرف كيف هو إلا هو ، ثم أنه سبحانه ظهر بالمحبة التي هي عين الظهورات فاحتوى الظهور جميع السبحات الإلـهية والشؤنات الربانية وكلما يمكن أن يظهر به بفعله وهذا الظهور أول الذكر وهوبإمكانه بحر لا أول له ولا آخر ولا نهاية له ولا بداية له إذ لو انقطع حتى يحصل الابتداء كان الأزل مقترنا بالفاصلة إذ العدم لا يصلح ، لا انفصال إذن ولا انقطاع ، والشيء مع لزوم الاقتران إن كان قديما يلزم تعدد القدماء و إن كان حادثا فبطل الفرجة والفاصلة حتى تحقق الأولية المسبوقة بالعدم ولقد شرحنا هذه المسألة في كتابنا اللوامع الحسينية عليه السلام من أراد الاطلاع على حقيقة الأمر فليرجع إليها ، وهذا الظهور وجهه الأعلى بحر ظهور الأحدية الواحدية ووجهه الأسفل بحر الإمكان الذي هو العمق الأكبر وهوالإمكان الراجح لجمعه كل شئونات الحق سبحانه قد خزنها فيه بيمنه يبديها لأنه كل يوم في شأن أي شئون يبديها لا يبتديها ، والوجه الأسفل من هذا الإمكان الراجح هو الوجود وهو محل تلك الإمكانات وموقع ظهور الهاء وهو وإن كان أضيق إحاطة من بحر الإمكان لكن لما كان أقرب الأشياء وأول السابحين في تلك اللجة كان بينهما كمال المناسبة والمشابهة وهو أيضا غير متناه التعلق مع ورود الشئونات الإمكانية من ظهورات الأسماء والصفات عليه فلا نهاية لعجائبه ولا غاية لغرائبه ولا يتكرر ما فيه بل دائم السيلان والإفاضة من بحر الوجود والوجود الإمكاني المستلزم لكمال التحيّر ، فكلما يمكن للأزل أن يظهر في الإمكان والأكوان كله دائما ترد عليه ولا نفاد لذلك ولا انقطاع وذلك البحر هو بحر العلم لأن العلم ليس إلا ظهور حقائق الأشياء شهودا ووصفا ، ولما كان ذلك الوجود أقرب الأشياء إلى المبدأ الحق الذي ظهر فيه علمه وسلطانه وجبروته وملكه وقدرته كان له جمال يتلألأ وبهاء يتشعشع فصار ذلك النور مبدأ وجودات لأهل الرتبة الثانية وهو نور واحد قد انقسم إلى الأقسام، وأنت تعلم أن الأثر وجه واحد من وجوه ظهورات المؤثر بل لو أردت حصر نسبة الوجه الواحد مع تلك الوجوه الكثيرة التي لا ذكر لشيء منها في ذلك الوجه الواحد لما قدرت أن تحصيها كثرة ، انظر إلى نسبة قيامك وحده مع سائر ظهوراته من قعودك وأكلك وشربك ونومك ويقظتك وحركاتك وسكناتك وسائر أطوارك وأوطارك من بدأ أمرك ووجود إلى منتهى أكوارك وأدوارك ، ولا شك أن القيام وحده فاقد علم كل تلك الأطوار والآثار والظهورات وليس عنده إلا محض الظهور بالقيام فلو رآك أحد متكلما يحكم عليك بصفة الكلام خاصة ولا يعلم أن لك صفة أخرى غيره ، فإذا أتقنت ما قلناه لك علمت أن نسبة المرتبة الثانية إلى المرتبة الأولى جزء من المائة ألف جزء من رأس الشعير وأستغفر الله من التحديد بالقليل ، فليس عند الثانية إلا رشح من وجه واحد من الظهورات والوجوه الغير متناهية التي لتلك الرتبة العليا الأولى بل ولا نسبة ، فلو أخبر أهل الرتبة العليا بشيء من تلك الوجوه أهل الرتبة الثانية لأنكروا وكفروا وقطعوا ببطلانه إذ لا يجدون ذلك عندهم ولا يمكن ذلك أيضا في حقهم فـتكون نسبة أهل المرتبة الأولى مع السفلى نسبة العالم المطلق إلى الجاهل المطلق ، ثم إذا أشرق نور من أهل المرتبة الثانية وظهر منه أثر فتحققت به الرتبة الثالثة وتحددت بحدود كثيرة وخلقت منها ذوات كثيرة ذوات شعور وإدراك تكون نسبتة الرتبة الثالثة إلى الرتبة الثانية نسبتها إلى الأولى فيكون ما عند الثالثة وجه واحد من وجوه الثانية الغير المتناهية وذلك الوجه أيضا رشح لا أصل وذات ، فانظر الآن نسبة الثالثة في العلم بالرتبة الأولى بل لا تتحقق نسبة ولا يعبر عن قلته بعبارة بل لا يفهم من تلك المرتبة وعلومها شيئا أصلا لا بالأصالة ولا بالتبعية ، وقد علمت المراد من هذه المراتب التي ذكرنا فإن بحر الإمكان الراجح هو المشيئة وبحر الوجود هو الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم والرتبة الثانية رتبة الملائكة الكرّوبيين والمقربين والأنبياء والمرسلين والرتبة الثالثة رتبة الإنسان ، انظر الآن إلى نسبة علم الناس إلى علوم أهل البيت عليهم السلام هل لهم علم معهم عليهم السلام وهو المراد بقوله تعالى {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}1 قال الشاعر:

بئـر معطلة وقصر مشـرف مثل لآل محمد مستطـرف

فالقصر مجدهم الذي لا يرتقى والبئر علمهم الذي لا ينزف


فلا ظهر من علمهم ذلك للخلق أبدا لا للأنبياء المرسلين ولا الملائكة المقربين فلا يذكرون عليهم السلام ذلك أبدا لأحد إلا أنفسهم بعضهم مع بعض كما قالوا عليهم السلام (( إن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله أحد لا الملك المقرب ولا النبي المرسل ولا المؤمن الذي امتحن الله قلبه للإيمان قيل فمن يحتمله قال عليه السلام نحن نحتمله )) فانقطع طمع الخلق كلهم عن هذا ولا يطمع في إدراكه طامع ، وهكذا نسبة كل رتبة إلى ما دونها وهذا لا سبيل له إلى الإظهار ولا يجوز ذلك بل لا يمكن أيضا إلا إذا انقلبت الحقائق فيكون التابع متبوعا والشعاع منيرا والفرع أصلا وهو باطل بالضرورة ، نعم بذلك العلم يتكلم بعضهم عليهم السلام مع بعض في الأمور المشتركة ، وأما في الأمور المختصة فيختصون عليهم السلام بحروف من العلم في باب التوحيد والمعرفة لا يتحملها بعض آخر منهم عليهم السلام كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يختص بحرف من العلم لم يعلمه علي عليه السلام ولا يتحمله وكذا علي عليه السلام بالنسبة إلى سيدنا الحسن عليه السلام وكذلك الحسن عليه السلام وبالنسبة إلى مولانا الحسين عليه السلام وكذلك الحسين عليه السلام بالنسبة إلى القائم المنتظر عجل الله فرجه عليه السلام وكذلك القائم بالنسبة إلى الأئمة الثمانية عليهم السلام وكذلك الأئمة الثمانية بالنسبة إلى فاطمة عليها السلام ، وذلك الحرف هو سر التقدم والتأخر فالمقدم عنده حرف يقصر عنه المتأخر في سر التوحيد ، و أما في الأحوال المتعلقة بالخلق فكلهم سواء ليس واحد منهم أعلم من الآخر في ذلك ، وكذلك علمهم عليهم السلام لم يظهر للأنبياء ولن يظهر أبدا كيف وقد ظهر لموسى عليه السلام قدر من مثقال الذرّ من نور علمهم عليهم السلام في الرتبة الثانية لكن
_____________
1 الحج 45
 

 

في أعلى مراتبها ما قدر أن يطيقه حتى وقع مغشيا عليه ، وأيوب لما ظهر له عليه السلام نور من صفة علم علي عليه السلام في رتبة أيوب ما قدر أن يصبر حتى شك وبكى وقال هذا أمر عظيم وخطب جسيم ، و آدم عليه السلام لما ظهر له سر علم القائم عليه السلام في مقامه تحير وتوقف وهكذا سائر الأنبياء فكيف يطيقون علمهم عليهم السلام ، لا ما يطيقون أبدا ولا يتحملونها سرمدا فلا يجوز لهم الإظهار بوجه أبدا ، وكذلك سر بواطن القرآن الظاهر في حجاب العالمين وإليه أشار ما قال سيد العابدين عليه السلام حجة الله على العالمين في الشعر المنسوب إليه عليه السلام شعرا :

إني لأكتـم من علمي جواهره كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

وقد تـقدم في هذا أبـوحسن إلى الحسين ووصى قبله الحسنا

ورب جوهر علم لو أبوح بـه لقيل لي أنت ممن يعبد الوثـنا

ولاستحل رجال المسلمون دمي يرون أقبح مـا يأتـونه حسنا


وليس هذا النوع من العلم هوالمراد من قول أمير المؤمنين عليه السلام (( ألا فعوا ولا تضجوا .. إلخ )) وإن كان يمكن تطبيق هذه الأبيات على المراد ، وأما النوع فليست بمراد قطعا لأنه عليه السلام لا يظهر للخلق ما ليس في مقامهم ويشهد بما قـلت قوله عليه السلام (( لأخبرتكم بما كانوا وما أنتم فيه )) بل المراد هو العلم الثاني الواقع في السلسلة العرضية .
وبيانه بالإجمال هو أن الله عز وجل لما خلق الإنسان جعل له ثلاثة خزائن لثلاثة علوم وهي كليّات تجمع الخزائن كلها والعلوم بأسرها ، فالخزينة الأولى هي الفؤاد على مشاعر الإنسان وهذه خزينة واسعة لا نهاية لها وهي أشرف الخزائن وأصل الخزينة هي واحدة وبابها واحد ومفتاحها بيد الله سبحانه لا سواه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ، ولكن في أطراف هذه الخزينة بيوتات متصلة بها أبوابها متصلة بتلك الخزينة الواحدة لا طريق إليها إلا من الباب الأعظم الذي مفتاحه عند الله سبحانه ومخزون في هذه الخزينة علم الحقيقة أي معرفة الله سبحانه ومعرفة حقائق الأشياء كما هي مما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( اللهم أرني الأشياء كما هي )) وفيها دليل الحكمة ، والخزينة الثانية هي القلب ومفتاحه عند الملائكة العالين الأربعة الذين يستمد منهم جبرائيل وميكائيل و إسرافيل وعزرائيل والمفتاح الأعظم بيد الملك الأعظم روح القدس وهي خزينة واحدة مشتملة على أربع بيوت وهي القبة التي دخلها محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المعراج وكان مفتاحها بسم الله الرحمن الرحيم ورأى فيها أربعة أنهار تجري من أربعة حروف من البسملة وفي هذه الخزينة علم الطريقة وتهذيب الأخلاق والعلوم المعنوية والأحكام اليقينية والمعاني الكلية ولتلك الخزينة حجرات كثيرة كل مسألة منها موضوعة في حجرة منها ومقفل عليها بقفل من النور وموكل عليها ملك خاص بها ، والخزينة الثالثة هي الصدر إلى الجسم وهذه الخزينة مشتملة على أبواب وبيوتات كثيرة وحجرات عديدة لكن أبوابها يجمعها عشرون بابا وبيوتها ثلاث مائة وستون بيتا وحجراتها لا تحصى كثرة ومفتاحها بيد إسرافيل وعزرائيل وفيها علم الشريعة وعلوم الصور المجادلات بالتي هي أحسن كل مسألة من مسائلها في حجرة من الحجرات مقفلة بقفل من الفضة والحديد وموكل عليها ملك من الملائكة الخاص بها ، والعلوم كلها ترد عليه من الخزائن الثلاثة المذكورة والشخص في القوس النـزولي لما تنزل إلى الجماد ثم أخذ في القوس الصعودي فمهما وقف في موقف من هذه المواقف الثلاثة احتجب عن العلوم المخزونة في الخزانة التي هي أعلى منها ، فإذا ورد عليه شيء من العلوم المكنونة في تلك الخزينة العليا التي بابها قد انسد عليه ولم يفتح له ولم يشاهد ملكوت ذلك العالم يبادر بالأفكار ويسرع إلى الرد والإبطال ويلج في العناد والجدال ، ولما كان الناس في الأغلب واقفين على باب الخزينة الثالثة ولم يملكوا الباب ولم يأخذوا المفتاح بل إذا ورد عليهم شيء يقفون بقابلية عملهم وفكرهم على باب تلك المسألة الخاصة ويلتمسون فتحها ، فإذا أراد الله عز وجل تفهيمهم إيّاها خاصة أمر الموكل على ذلك الباب بفتحه فيعلمونها وهكذا ، والذين ملكوا المفتاح لمن القليلين ولم يبلغوا إلى الخزينة الثانية العليا وإن وصلوا وبلغوا إليها لم يستقروا فيها ، ولما كان وقوفهم في هذه المواقف السفلية إذا ذكر لهم شيء من أسرار الولاية الظاهرة في مولانا علي عليه السلام أوسائر الأئمة عليهم السلام أو سر حقيقة من حقائق الكون ، مثل ما إذا قيل لهم أن الألفاظ كلها حقائق لا مجاز فيها وأنّ القابليّات مساوقة للمقبولات في الظهر ومتأخر عنها في الوجود وأن الخلق كلهم أمثال و أدلة بعضها على بعض وأن الوجود كله نقطة واحدة قد ظهرت بأطوار وأكوار وأدوار و أن كل شيء فيه بيان كل شيء وأن الأشياء يدور عودها على بدئها وبدؤها على عودها وأن جميع الخلق كرات مستديرة صحيحة الاستدارة ومع ذلك شكلان مخروطان متوازيا السطحين وما انوجد شيء في التكوين والتشريع في الذات والصفة إلا بالاختيار وأن كل ذرة من ذرات الوجود ما وجدت إلا بالولادة بالنكاح الصحيح على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأمثال ذلك من أسرار المشتقات والمبادئ واسم الفاعل واسم المفعول ومقامات المسمى في الاسم وسائر ما لم يجر على قلمي ولم ينطق به فمي من أسرار الوجه السفلي من الخزينة العليا لبادروا إلى الانكار ولقد أخبر الله عز وجل عن حالهم بقوله تعالى {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ}1 هذا حال من لم يصل إلى تلك المرتبة ، وأما الواصلون أيضا فتختلف أحوالهم لأن تلك الخزينة تمتلئ على قدر سعتها فكلما تتسع يكثر النور فيها فتزيد المعرفة وهذا الاتساع إنما يكون بكثرة المرور عليها وقلته وشدة الإخلاص والتوجه في العمل وقلته فكلما ازداد نورا وضياء ازداد معرفة وعلما بخلاف الآخر الواقف في مقام التكوين فإنه لم يبلغ مقام الزيادة وهكذا ، فلم يزل الخلق تختلف علومهم بشدة سيرهم وضعفه وقوة طلبهم وعدمها إلا أن الواصلين إلى تلك الخزينة ارتفع عنهم الإنكار وخلص عملهم التسليم والانقياد إذ شاهدوا عيانا قوله تعالى {وَمَا أُوتِيتُم مِّن
_______________
1 الأحقاف 11
 


الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}1 ومن هذه الجهة قال أمير المؤمنين عليه السلام (( اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشيـة في الطوى البعـيدة ))2 وقال مولانا الصادق عليه السلام (( ما كل ما يعلم يقال ولا كل ما يقال حان وقته ولا كل ما حان وقته حضر أهله ))3 وقال أمير المؤمنين عليه السلام (( ما كل العلم يقدر العالم أن يفسره فإن من العلوم ما يحتمل ومنه ما لا يحتمل ومن الناس من يحتمل ومنهم من لا يحتمل )) وقال سلمان لعلي عليه السلام (( يا قتيل كوفان والله لولا أن يقول الناس وا شوقاه رحم الله قاتل سلمان لقلت فيك مقالا تشمئـز منه النفـوس )) إلى قـوله (( وأنت قصة أيوب ))4 الحديث وأمثالها من الأخبار كثيرة والوجه واضح ظاهر .
وأما المؤمن الممتحن الذي شرح الله صدره للإسلام ونور قلبه وهداه للإيمان إذا ورد عليه شيء من ذلك إن عرفه فهو المطلوب والمنى و إن لم يعرفه يسهل عليه التصديق ولا يستنكف أن يقول لا أعلم ويسلم ولا يعترض فبقدر التسليم يوفقه الله للفهم والمعرفة القطعية الغير المشوبة بشيء من الشكوك والشبهات حتى لا يرتاب والناس في ريبهم يترددون وهم في كمال الراحة في دنياهم و آخرتهم ولذا ترى أحاديث أهل البيت عليهم السلام مشحونة بأن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان وفي رواية أخرى ومدينة حصينة قيل وما المدينة الحصينـة قـال عليه السلام القلب المجتمع ، وقال عليه السلام في وصفهم (( المتّبعون لقادة الدين الأئمة الهادين الذين يتأدّبون بآدابهم وينهجون نهجهم فعند ذلك يهجم بهم العلم على حقيقة الإيمان فتستجيب أرواحهم لقادة العلم ويستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم ويأنسون بما استوحش منه المكذّبون وأبـاه المسرفون أولئك أتباع العلماء صحبوا أهل الدنيا بطاعة الله
________________
1 الإسراء 85

2 البحار 35/4 ح 2
3 البحار 53/115 4 البحار 26/292
 

 

تبارك وتعالى وأولياءه ودانوا بالتقيّة عن دينهم والخوف من عدوّهم فأرواحهم معلّقة بالمحل الأعلى فعلماؤهم وأتباعهم خرس صمت في دولة الباطل منتظرون لدولة الحق وسيحق الله الحق بكلماتـه ويمحق الباطل ها ها طوبى لهم ))1  الحديث .
فتمحض لك من هذا الكلام أن العلوم كلها مما يتعلق بها الإدراك لمن هو تحت المشيئة على أربعة وجوه ، وجه منها يعم الكل من أهل تلك المرتبة أدناها وأعلاها وأسفلها ، وفي مقام الافتراق والاختصاص والامتياز يختص به الأدنى والأسفل من أهلها ، والعالي إذا نظر إليه فإنما هو بعد تنـزله بظهوره ونوره أو بتطوره وشئونه إلى الأسفل وهو الوجه الظاهر المشتمل على اللب والقشر وقشر القشر المعبر عنها بالوبر والصوف والشعر كما في قوله تعالى {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ }2  .
والوجه الثاني منها ما يختص به الخواص من أهل الباطن في علم الأسرار الباطنية اللدنية كما في مقام الإنسان معرفة أن الصلاة هي ولاية أمير المؤمنين عليه السلام والزكاة هي البراءة من أعدائه والشجرة طيبة والكلمة الطيبة والمثل الأعلى والكتاب المبين والآيات والصراط والقسطاس المستقيم وسبيل الله علي عليه السلام والطيّبون من أولاده والصديقة الطاهرة عليها السلام ومقابلات ما ذكرنا لمقابليهم ومعانديهم ، ومعرفة أن إطلاق هذه الألفاظ عليهم عليهم السلام ليس من باب المجاز لقوة المناسبة ودلالة القرينة وإنما هو من باب الحقيقة الأولية وإطلاقها على المعاني المعروفة مـجاز على الحقيقة وحقيقة على المجاز .
والوجه الثالث منها ما يختص به الخصيص من أهل باطن الباطن الذين قد وقفوا مقام نقطة العلم التي كثرها الجاهلون وفرقوا بين الفعل اللازم والفعل المتعدي فعرفوا معنى اسم الفاعل وكيفية اشتقاقه من المصدر و اشتقاق
_____________
1 الكافي 1/335 2 النحل 80
 

 

المصدر من الفعل وكيفية انبعاث الفعل إلى سبعة أطوار من الماضي والمضارع والأمر والنهي والجحد والنفي والاستفهام ، وتطور كل من هذه السبعة إلى أربعة عشر طورا ، أو انبعاث الفعل إلى تسعة لتجعل الاسم الفاعل واسم المفعول مما انبعث عنه و إن كان بواسطة المصدر ، فظهر لهم حقيقة شكل المثلث المشفوع بالمربع المستخرج منه شكل الاستدارة والمخروط فرأوا ظهور الجميع في اليد فلاحظوا الخمس الأصابع في العقود الأربعة عشر فاستنطق لهم منها كلمة كن فعرفوا بذلك اسم عليعليه السلام لا معناه بملاحظة ما هو الحق المقرر في الأسماء إن الحرف الأول من الاسم عليه المدار وباقي حروف الاسم شرح لإجمال ذلك الحرف ولذا قال في قصيدته شعرا :

حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها عن ميم مركزها بذات الأجرع

علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت بين المعـالم والطلوع الخضـّع


ولا تتوهم أن مرادي من هذه الكلمات اللغز والتعمية وإنما أردت بها حفظ السر على ما قال الشاعر :

ومستخبر عن سر ليلى أجبتـه بعمياء من ليلى بلا تـعيـين

يقولون خبرنا فأنت أمينـهـا وما أنا إن خبرتهم بــأمـين


و أهل هذه المرتبة هم المؤمنون الممتحنون الذين يتحملون أسرارهم كما في أخبارهم عليهم السلام .
والوجه الرابع ما يختص به من شاءوا وأرادوا عليهم السلام بإرادة خاصة من الخصيصين وليس هذا لهم مهما أرادوا أو طلبوا بل إنما هو لفضل وعطية يمنون به على من سبقت له من الله الحسنى وبذلك تتفاضل درجاتهم وإليه الإشارة في قولهم عليهم السلام (( إن حديثنا صعب مستصعب شريف كريم ذكوان ذكي وعر لا يحتمله ملك مقرّب ولا نبـي مرسل ولا مؤمن ممتحن ، قلت : فمن يحتمله جعلت فداك ، قال عليه السلام : من شئنا ))1  وهؤلاء ممن تعلقت بهم عناية خاصة من الله بهم لأن الله سبحانه يؤتي كل ذي فضل فضله، والعلوم كلها لا تخلو من هذه الأربعة .
ولما كانت المراتب الطولية ثمانية كما ذكرنا مرارا تكون مراتب العلم بملاحظة هذه الأربعة في تلك الثمانية اثنين وثلاثين مرتبة و إن أضفت عالم المشيئة إلى المراتب الطولية وجعلتها عالما مستقلا تكون المراتب ستة وثلاثين و إن ثلثت هذه المراتب الأربعة كل مرتبة منها بملاحظة الأعلى والأوسط والأسفل تكون اثني عشر مرتبة ، فإذا لاحظتها مع الثمانية تكون ستة وتسعين ، ومع التسعة تكون مائة وثمانية ، وفي الاثني والسبعين منها للإنسان فيها حظ والباقي يخلص لغيره من المراتب العالية ، وكل هذه المراتب التي للإنسان بالنسبة إلى الدائرة المحيطة بها كالنقطة في الدائرة العظيمة ، وكل مرتبة إذا نسبتها إلى الرتبة التي تقابلها تتسع الدائرة وتنفرج الكرة وإن كانتا في النوع متساويتين لكن ما عند العالي أوسع مما عند السافل بما لا نهاية له وإلى هذه الدقيقة في باطن الأمر ولب السر أشار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث زينب العطّارة إن الأرض بما فيها ومن عليها بالنسبة إلى الأرض الثانية كحلقة ملقاة في فلاة قيّ وهكذا إلى الأرض السابعة وإلى البحر وإلى الثرى كل واحدة بالنسبة إلى الأخرى كحلقة ملقاة في فلاة قيّ ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم والثرى ومن عليها ومن فيها بالنسبة إلى السماء الدنيا كحلقة ملقاة في فلاة قيّ والمجموع بالنسبة إلى السماء الثانية كحلقة ملقاة في فلاة قيّ وهكذا إلى الكرسي وهو وما فيه بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة قيّ .
ويريد صلى الله عليه وآله وسلم بالحلقة في فلاة قيّ النقطة في الدائرة وهذا هو حكم كل سافل بالنسبة إلى عاليه وهوكما ذكرنا لك من نسبة المراتب بعضها مع بعض، وستة من هذه المراتب حظ العوام وبها يتخاطبون
________________
1 بصائر الدرجات 22
 

 

ويخاطبون ولا يراد منهم في مقامهم غيرها، والباقي حظ الخواص والخصيص فتختلف أحوال العوام عند استماع تلك المراتب فهم فيها بين عارف بكلفة شديدة ودقة عظيمة وبين مجوّز لها على جهة الرجحان مع احتمالهم خلافها وبين محتمل غير منكر وبين منكر وبين مكذب حاكم للقائل بالفسق وبين مكذب حاكم للقائل بالكفر مع قبول التوبة وحاكم بالكفر والارتداد مع عدم قبول التوبة، وتختلف أحوالهم في مراتبهم في أنفسهم ومراتبهم في مراتب العلوم .

ولكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكلام مما يطـول

فإذا عرفت ما سطرنا لك عرفت مراتب الخلق ومقاماتهم في العلوم فلا يشتبه عليك شيء من أحوالهم ووقوفهم في مقاماتهم ومواقفهم إن سددك التوفيق وقادك التأييد ، ولما كانت العناية الإلـهية جرت في اصطلاح القوابل السفلية وتمكينها لتحمل الأنوار العلوية المشرقة من شمس فلك القدرة بإنضاجها وطبخها لتتقوى لها وتتهيأ لتحملها وإلا لاحترقت لأن ما من الفاعل في غاية الحرارة وما من القابل في غاية البرودة واليبوسة فلو ألقيت الحرارة على البرودة دفعة واحدة على حد الكمال لأفنتها وعدمتها وأحرقتها فلم يتحقق الشيء فلا بد من إلقاء الحرارة شيئا فشيئا حتى يحصل النضج وتتحقق المناسبة التّامة بين تلك القوابل وتلك الأنوار حتى تكون صابرة ومتحملة عند إشراقها عليها ، وبرهان هذا على التفصيل في العلم المكتوم سيّما عند ظهور القاضي الذي هو الأنفحة باصطلاحهم أي النوشاذر إذ في أول الأمر يوقدون تحته نارا حرارتها كحرارة جناح الطائر ثم يزيدون في النار كل يوم ضعف ما كان في اليوم الأول إلى سبعة أيّام فتبلغ الحرارة في اليوم السابع إلى مقدار حرارة نار السبك، فلو كانت الحرارة الحاصلة بعد السبعة في اليوم الأول لاحترق الثفل وفنى ذلك تقدير العزيز العليم .

و إذا فهمت هذا فاعلم أن عالم الشهادة آيات و أمثال لما في عالم الغيب كما قال عز وجل {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}1 ‏فكما أن في عالم الأجسام لم يتحقق إلا بحلّين وعقدين ففي الحل الأول والعقد الأول الغلبة والاستيلاء للرطوبة والبرودة والحرارة ضعيفة مغلوبة ، وفي الحل الثاني والعقد الثاني بعكس الأول بل الاستيلاء والغلبة للحرارة واليبوسة والبرودة والرطوبة ضعيفة مغلوبة ، فكذلك الأمر في خلق الأرواح وقد قلنا سابقا أن الذين خلقوا على الصورة الإنسانية على ثلاثة أقسام ، أحدها من خلق ظاهرهم وباطنهم على الصورة الإنسانية وهؤلاء الخصيص والخواص على اختلاف مراتبهم ، وثانيها من خلق ظاهرهم على الصورة الإنسانية وباطنهم أي روحهم على الصورة الشيطانية من صور البهائم وحشرات الأرض وهؤلاء المعاندون من الكفار والمنافقين ، وهاتان الطائفتان قد قضيت لهم الأمور وصبغوا على ما قبلوا من فيض الفيّاض فلا يكون هؤلاء من هؤلاء ولا هؤلاء من هؤلاء ، وثالثها من خلق ظاهرهم على الصورة الإنسانية وباطنهم بعد لم يخلق و إنما هو ساذج قابل للطرفين حيث غلبت عليهم الرطوبات البلغمية فثقلت مداركهم عن استماع الأمر الإلـهي حتى يقبلوا أو ينكروا وهؤلاء العوام الذين لم يذوقوا حلاوة المحبة ولم يردوا ماء المعرفة ، ولما كان الأنبياء والرسل والكتب والأوصياء والعلماء إنما هم لتتميم قوابل الأرواح وتمكينهم للنصح والإصلاح ليستأهلوا للخطاب ويصاغوا بعد الخطاب بما نطق به الكتاب ، ولقد قلنا أن هذا التمكين لا يحصل إلا بالحلين والعقدين ، جرت عادتهم عليهم السلام مع العوام بذلك إن لم يكونوا من المعاندين فإن كانوا قاطعين عالمين بشيء بالجهل المركب وهو غير مطلوب منهم بالكينونة الأولية وهم لا يعلمون ذلك فأولا يوردون عليهم السلام عليهم عليهم السلام ما يبطل به قطعهم ويقينهم وينزلونهم منـزلة الاحتمال والتجويز هذا أول الحل الأول ، ثم بعد ذلك ينـزلونهم إلى مقام الشك عما كانوا قاطعين به وهذا تمام الحل الأول وعقده ، ثم بعد ذلك
________________
1 فصلت 53
 

 

يظهرون عليهم السلام لهم الحق الواقعي على جهة البرهان اللائق بهم وهوالحل الثاني ، ثم يلزمونهم عليه وهو العقد الثاني ، فإذا تتبعت كلماتهم عليهم السلام وسلوكهم مع العوام من هذا القسم لا تجد إلا كما ذكرنا ولقد أوضح مولانا الصادق عليه السلام الأمر كما شرحت لك في احتجاجه مع ذلك الزنديق الشامي حتى جعله بتوفيق الله مؤمنا خالصا وهو مذكور في الكافي في أول كتـاب التوحيد ، وكذلك فعل الله سبحانه مع المنكرين للبعث حيث قالوا {أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا}1 قال الله عز وجل {قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * * أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ}‏ فتنـزلوا منـزلة الاحتمال والتجويز حيث قالوا {مَن يُعِيدُنَا} فقال الله {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تنبهوا و احتملوا وجوزوا ذلك ثم سألوا عن وقته كما أخبرهم عنهم سبحانه { فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً}‏2 ، وهذا هو نمطهم وديدنهم عليهم السلام مع المخالفين الغير المعاندين و إن كانوا جهالا لا يعلمون ما يريدون عليهم السلام أن يلقوا إليهم ويعلمونهم فكما فعل أمير المؤمنين عليه السلام في هذا المقام فقال عليه السلام (( ألا فعوا ولا تضجوا ولا ترتجوا )) لأنه عليه السلام أراد أن يلقي إليهم أسرار الولاية الظاهرة في كينونات ذواتهم المخزونة في أعلى مراتب قلوبهم وأفئدتهم وهم في مقام الجسم واقفون وبباب الجدال والقيل والقال لائذون فأمرهم بالوعي وعدم الاضطراب وفي هذا تمام الحل الأول في الخلق الأول ، لأن ما ألقي إليهم من أسرار هذه الخطبة هو نار وجعلها الله في الشجر الأخضر الشجرة الزيتونة التي ليست بشرقية ولا غربية وبهذه النار نضجت ثمار الجنة التي هي علوم الولاية ، ولما كانت القرائح جامدة والطبائع خامدة وغلبت الرطوبات الباردة وخفيت بل انطفت الشعلات الغيبية الواردة فلا يمكنها الصعود إلى الدرجات العالية جعل عليه السلام في روعهم قبسة من قبسات الـنور على جبل الطور الظـاهرة في الشجرة المذكورة فأمرهم بعد
__________________
1 الإسراء 98

2 الإسراء 50 - 52
 

 

الإلقاء بوعيها وحفظها بالسكون والاطمئنان لتستقر تلك الشعلة وتجفف الرطوبة فلو اضطربوا وارتجوا واستغربوا واستبعدوا تفتح مسام القابلية فتخرج حرارة تلك الشعلة من خلالها فلا تؤثر فيها ولا تنضج القابلية بها، ومن هذه الجهة كثرت الثلوج في فصل الشتاء وانسدت المسام لتوجه الحرارة إلى الباطن وتستخن القوى والجوارح بها لتمام نضجها وطبخها وإلا لفسدت القوى و اضمحلت الأشياء ، فأول باب المعرفة والحكمة القبول والانقياد والسكون والاطمئنان، فلولا السكون لم يستقر القبول ولولا القبول لم ينفع السكون بل لم يتحقق وهذا الاستيهال لإفاضة الفيض على تلك القوابل الباردة الفاسدة ، وإلى هذا الإشارة بقوله عز وجل {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}1 فذكر سبحانه وتعالى لتحقق الإيمان أمرين ، أحدهما الأخذ من علي عليه السلام لا غير ، وثانيهما عدم الحرج والاضطراب بل التسليم والتصديق فيهما يتحقق الإيمان الذي لما تجسد في عالم الأجساد والأجسام ظهر بالصورة الإنسانية ، فبالأمرين يتم نضج طبيعة الإيمان ولذا قال مولانا الصادق عليه السلام على ما في الكافي (( إنكم لا تكونون صالحين حتى تعرفوا ولا تعرفوا حتى تصدقوا ولا تصدقوا حتى تسلموا أبوابا أربعة لا يصلح أولها إلا بآخرها ضل أصحاب الثلاثة وتاهوا تيها بعيدا ))2 الحديث ، فجعل عليه السلام التسليم هو أول باب المعرفة واليقين فلا يكمل اليقين ولا تتم المعرفة ولا تستقر الحكمة إلا به ، والتسليم كما فسره عليه السلام هو استماع الحق ووعيه بإذن قلبه وعدم اضطرابه وعدم القول فيه لم وكيف و أين وعلى بل لا يجد في نفسه شيئا ويسلم الأمر لأهله ، فإن وجدوه أهلا أبانوا له وكشفوا عن الحقيقة له فسيعرف بما عرّفوه إياه وإلا فلا يطلب ما ليس له بمصلحة ، فالمؤمن المخلص هو المسلم وهو الذي يعرف بحقيقة الإيمان أن الخلائق بأسرها عند آل محمد عليهم السلام كالدرهم في يد أحدكم وهم عليهم السلام
___________________
1 النساء 65

2 الكافي 1/181
 

 

مطّلعون بجميع أحوالها وأطوارها وأوطارها ، فإذا ورد على أحد من الخلق حديث من أحاديثهم عليهم السلام فهم الذين أجروه على لسان القائل وسببوا الأسباب حتى أصغى إليه المخاطب أو نظر إلى المكتوب لحكم ومصالح اقتضت ذلك ، فإذا اقتضت الحكمة أن يعرفوه هيئوا له أسبابها على مقتضى ما يريدون بمقتضى استدعاء الدواعي وإن اقتضت إنكاره مع أنه هوالحق في الواقعي الأولي لا النفس الأمر الذي هو الواقع الثانوي سببوا له أسباب الإنكار إما بأحاديث أخر تعارضه أو بأدلة عقلية أو بإجماع وشهرة وإشارة في لحن الخطاب وفحواه ومفهومه وأمثال ذلك ، وإن اقتضت الجهل به في حقه أبقوه على حاله فلا يذكرون له معارضا ولا يجعلون قرائن وأدلة موضحة ففرضه حينئذ التسليم والرد إلى أهله والوقوف عنده والعمل بما استقر عليه المذهب ودلت عليه الأخبار المحكمة ولا يخوض في لجج المتشابهات ولا يطرح الأخبار ولا ينكرها فإنّ صاحبها أولى بها لعلهم أرادوا بها ما لا يخالف المذهب ونحن لا نعرف ولا ندرك وجه التطبيق وهذا هو سلوك سبيل الرب ذللا ، فإذا واظب بالذي ذكرنا وتحقق الذي سطرنا وآمن قلبا بالذي قلنا فهو المؤمن الممتحن وقد دخل البيت من بابه ويفتح له إنشاء الله أبواب الحكمة ويرزق المعرفة ولكن الموفقين لهذه المعرفة قليلون ، ومن هذه الجهة تراهم في كل واد يهيمون حيث أعرضوا عن أئمة الهدى عليهم السلام بلسان أعمالهم وأرادوا فتح باب الشريعة بعقولهم ومداركهم فضّلوا وأضلّوا كثيرا وضلّوا عن سواء السبيل .

 

 

قوله عليه السلام ولولا خوفي عليكم
أن تقولوا جنّ أو ارتد


وإليه الإشارة ما روي عنهم عليهم السلام (( لم يبلغ الرجل كمال الإيمان حتى يشهد ألف صديق بأنه زنديق )) وهذا الحديث ما روي مسندا في كتاب من الكتب المعروفة ولكني وجدته في حاشية من حواشي بعض الكتب مرسلا ومقطوعا ، لكن تعاضدت الأخبار ويشهد بصحته صحيح الاعتبار وقوله عليه السلام (( لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ولقد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما فما ظنكم بسائر الخلق ))1 دليل على ذلك ، وكذا في قول علي ابن الحسين عليهما السلام .

ورب جوهر علم لو أبوح بـه لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستحل رجال المسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا


وكذلك قوله عليه السلام (( لوعمل سلمان عمل المقداد لكفر ولو عمل المقداد عمل سلمان لكفر )) وقول الصادق عليه السلام لمحمد بن هلال وإلى المدينة في سر حمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّا عليه السلام لكسر الأصنام إلى أن قال عليه السلام ما معناه (( لو أني بيّنت لك ما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حمل علي عليه السلام لقلت جنّ جعفر بن محمد )) الحديث .
وقول سلمان لعلي عليه السلام (( يا قتيل كوفان لو قال الناس واشوقاه رحم الله قاتل سلمان لقلت فيك مقالاتشمئز منه النفوس لأنك حجة الله الذي به تاب على آدم وبك أنجى يوسف من الجب وأنت قصة أيوب وسبب تغير نعمة الله عليه ، فقال عليه السلام : أتدري ما قصة أيوب وسبب تغير نعمة الله عليه ، قال : الله أعلم وأنت يا أمير المؤمنين ، قال عليه السلام :
______________
1 الكافي 1/401

 


لما كان عند الانبعاث للنطق شك أيوب في ملكي فقال هذا خطب جليل وأمر جسيم قال الله عز وجل : يا أيوب أتشك في صورة أقمته أنا إني ابتليت آدم عليه السلام بالبلاء فوهبته له وصفحت عنه بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين وأنت تقول خطب جليل وأمر جسيم فوعزتي لأذيقنك من عذابي أو تتوب إلي بالطاعة لأمير المؤمنين عليه السلام ثم أدركته السعادة بي ))1 و أمثال هذه من الأخبار كثيرة ، وليس معنى شهادة ألف صدّيق بأنه زنديق أنه يظهر منه كلمات توجب ذلك حاشاه لأنه من أهل السر وهو بنور التوسم يعرف المتحمل عن غيره فلا يذيع سر أهل البيت عليهم السلام المأمور بكتمانه عند غير أهله فلم يبلغ إذاً كمال الإيمان فإن مخالفتهم عليهم السلام في إذاعة سرارهم من أفسق الفسق كما دلت عليه الأخبار المتكثرة ، فلا يراد منه أن المؤمن البالغ في الإيمان حد الكمال يظهر تلك الأسرار بل المراد أن عنده ما لو أظهره للناس لشهد ألف صدّيق بأنه زنديق حيث ينزه الحق سبحانه عن كل أوصافهم وهم إنما أثبتوا تلك الأوصاف زعما منهم بأن الربوبية لا تكون بغيرها والذات الكاملة يمتنع أن لا يكون لها صفات كمالية فإذا وجدوا عنده
مخالف معتقدهم وأنه سبحانه منزه عما يقولون قدّروا بأنه كافر زنديق مع أن
_______________
1 البحار 26/293


قـوله هو الحق والله عز وجل يقول {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}1 ، فإذا أتى العارف الكامل البالغ وقال أنه سبحانه منزه عن التنزيه وليس مقام التنزيه مقام التوحيد فقدّر أهل التنزيه بأن ذلك كفر وزندقة ، وكذا إذا ذكرت لأهل هذه المرتبة ما لا ينطق به فمي ولا يجري به قلمي يقدّرون أن هذا تشبيه وكفر بل يحكمون علي السفاهة والجنون كما قال روحي فداه ، فإن العقل وقواه وجنوده ومشاعره ومداركه وكل الآلات البدنية والقوى الروحانية لم تبلغ تلك الدرجة والفوز بتلك الأسرار وإنما هو سر بينهم وبين بارئهم في مكمن الغيب على سرير الحب فلا يسع ذلك المقام ملك مقرب ولا نبي مرسل ، فإن أقصى مقامات النبوة مقام العقل والملائكة من إشراقاته وعكوسات أنواره وحوامل ظهورات آثاره، وذلك المقام ينحط دونه مقام النبوة والملائكة ، والمراد بالنبوة مطلقا في كل مقام بحسبه من الكلية والجزئية فإن عقل كل أحد نبي بالنسبة إليه كما دلت عليه الروايات المتكاثرة فإذا خرج ذلك السر عن مقتضى العقل و إنما ظهر بطور الشهود في عالم اللانهاية من غير مستقر البداءة في مقام النقطة السرمدية الجامعة بين النفي والإثبات والجمع والتفريق الجامعة للمتفرقات المفرقة للمجتمعات فيحكم على الليل بأنه نهار في عين كونه ليلا وبالعكس ، فيحكم العاقل الواقف في مقام العقل بأن ذلك جنون وسفاهة لكونه خارجا عن مقتضى العقل وليس لذلك الواقف سبيل إلى ما رواه ليحكم بأن ذلك حقيقة وما حكم به العقل وما دونه من المشاعر بالنسبة إليه مجاز فيحمل على السفاهة والجنون فيرون أقبح ما يأتونه حسنا ، ومن هذه الجهة بقيت العلوم كلها مكتومة لأن الإنسان الأكبر الذي هو العالم في القوس الصعودي وصل إلى مقام البهائم والحيوانات مقام النفس الأمارة بالسوء وقد تسلطت النفس وأغلب أهل الدنيا في ذلك المقام واقفون وبذلك الباب لائذون فلا يسعهم إدراك تلك المقامات والوصول إلى تلك الدرجات فلا يقبلون من الواصلين ولا يقبلون من الكامل وهوقول
_______________
1 الصافات 180
 


مولانا الحجة المنتظر عجل الله فرجه في بعض توقيعاته (( لا لأمر الله تعقلون ولا من أوليائه تقبلون حكمة بالغة فما تغن النذر ))1 نعم إذا بلغ في القوس الصعودي مقام البلوغ الذي هو رتبة العقل فهناك يكمل إدراكه وتقوى مشاعره فيستغني كل عن علم صاحبه كما قال مولانا علي عليه السلام ثم قال عليه السلام وهذا تأويل قوله ‏{يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ}‏2 ، فهناك تبدو الأسرار وتفشو الأخبار فلا ينكر أحد علم صاحبه لأن هناك وإن كان مقام العقل لكن فيه نور الفؤاد .
ثم اعلم أن الممكن لما لم يتم له الوجود إلا بالتركيب وهو لا يتحقق إلا من ضدين جرت الحكمة الإلهية أن يكون لكل شيء ضد كما قال الرضا عليه السلام (( لم يخلق فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه ))3 وهو قـوله تعالى {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}4 وهذا يقتضي أن يكون كل حق يقابله باطل في مقامه وإن كان في عالم الشهود يكون ضده فيه وإن كان في عالم الغيب فكذلك أيضا ، وقد عرفت سابقا أن الخزائن العلوية مهابط الأنوار القدسية من الملكية والملكوتية والجبروتية ثلاثة ، فكذلك الخزائن السفلية في مقام التقابل على العكس ، فالخزينة السوأى السفلى في مقابلة الأعلى في تحت الثرى فيها من أحكام الإنكار وتلبيس الباطن على الحق بقدر ما في الأولى الأعلى من المعرفة والمحبة وإظهار الحق ، والخزينة السوأى السفلى في مقابلة الثانية في الثرى وفيها من أحكام الشكوك والظنون والوساوس بقدر ما في مقابلها من اليقين ومفتاحها بيد الجهل ، والخزينة السوأى السفلى في مقابلة الثالثة الأعلى في الطمطام أو جهنم وتمتد إلى الأرض الثانية أرض العادات ومفتاحها بيد الشياطين الثلاثة ، ولا منزلة ولا واسطة بين الحق والباطل فماذا بعد الحق إلا الظلال ، والإنسان لقلبه عينان وأذنان فباليمنى ناظر إلى العليا وباليسرى ناظر إلى السفلى فإذا
_________________
1 البحار 53/171 2 النساء 130
3 عيون أخبار الرضا 1/176 4 الذاريات 49
 

 

أعرض عن النظر إلى الحق في العليا فلا بد أن ينظر إلى السفلى فإذا مال إليها و استقر ميله و استمر وعمل بمقتضاه وقلل الأكل والشرب وسائر المقتضيات من الرياضات المقررة عندهم اتصل بأولئك الشياطين على مقتضى عمله فمنهم من يتصل بشياطين الأرض الثانية ومنهم من يتنزل إلى الطمطام وجهنم وبئس المصير ومنهم من يتنزل إلى تحت الثرى وهؤلاء سيّما الأخيرتين منهم لا خير فيهم ظلمة محضة تجري عليهم أحكام الإنكار والجحود لا يرغبون إلى الخير أبدا ناكسوا رؤوسهم عند ربّهم ، لكن جميع أحوالهم مشابهة ومماثلة في الصورة الظاهرة بادئ الأمر لأحوال أهل الحق وعلماء الدين كالشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة وهؤلاء مثل فرق أهل الضلال من الكفار والجمهور والصوفية وتراهم يتكلّمون بالأسرار والحقائق ويفعلون خوارق العادات كل ذلك {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ}1 وهم {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}2 فهؤلاء عندهم من العلوم الباطلة من أحكام الطغيان والكفر والصد عن سبيل الحق بقدر ما عند أهل الحق من العلوم والأسرار الإلهية من مقتضيات الإيمان وحدود الإسلام ، وفيهم يقع الإشتباه للجهال لأنهم في أنفسهم لكون كل منهم سائر إلى جهة غير جهة الآخر وكلا السيرين على الاستقامة بلا إقامة ولا رجوع وذلك يصعد وذلك يهبط فأين موضع الاشتباه .
وأما إذا مال الشخص إلى الباطل ميلا كليا وعرض عن الحق إعراضا حقيقيا لكنه لم يعمل ما يقتضي اتصاله بالشياطين وهذا بقي جمادا لا يعرف شيئا إذا ما اكتسبه ببعض الكسب من الأمور الصناعية إجراء للمسببات على نهج الأسباب مثل حكام أهل الباطل وخلفاء الجور ، وقد يتوسط بين الأمرين مع الميل الكلي إلى الباطل وهو مثل علمائهم وقضاتهم وهؤلاء على أقسام مختلفة حسب قربهم إلى مبدئهم من الجهل الكلي وبعدهم عنه ، وقد يكتسب
________________
1 النور 39

2 الكهف 104
 

 

البعيد من أحكام الباطل المنطبع في أسفل السافلين بالكسب وهو لا يفتح له إلا بعض الأبواب الجزئية من تلك الخزائن السوأى كأكثر علمائهم وفضلائهم إذ ليس لهم يد طولي وباع طويل في باطلهم باختلاف المتشبثين بأذيال أولئك الشياطين والمترددين كالصوفية فإن لهم يد طولى وباع طويل في باطلهم فمن اطّلع على مع هذيانات ابن عربي في الفتوحات والفصوص وإحياء العلوم للغزالي والإنسان الكامل أي الشيطان المظل لعبدالكريم الجيلاني وجامع الأسرار أي الأشرار للسيد حيدر الآملي يرى صدق ما ذكرنا وسطرنا من شدّة تفوّرهم في باطلهم، ولما كان كل باطل كما ذكرنا يشابه الحق وهم أيضا زيّنوا ظواهر كلماتهم بزخرف القول فاشتبه الأمر على أغلب الجهال من أهل الحق بل كلهم حيث لم يردوا على حوض ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده الطيبين الطاهرين عليهم السلام وما عرفوا حقائق مراداتهم عليهم السلام في مخاطباتهم ومحاوراتهم ومكالماتهم و أفعالهم و أقوالهم وسائر أعمالهم عليهم السلام، ورأوا هذا السراب يلوح كأنه ماء سيما مع تشبث أولئك الأباطيل بمثل كلمات الأئمة عليهم السلام من مثل هذه الخطبة (( لولا خوفي عليكم أن تقولوا جن أو ارتد )) وقول الصادق عليه السلام (( ما كلما يعلم يقال ولا كلما يقال حان وقته ولا كلما حان وقته حضر أهله )) وقول علي ابن الحسين عليه السلام (( لوعلم أبوذر ما في قلب سلمان لقتله )) و أمثالها مما تقدم بعض منها فيقولون أن الذي أظهرنا ما فيه توّهم الكفر هو مما قالوا عليهم السلام :

إني لأكتم من علمي جواهره كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

وقد تـقدم في هذا أبو حسن إلى الحسين ووصى قبله الحسنا

ورب جوهر علم لو أبوح بـه لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنـا

ولاستحل رجال المسلمون دمي يـرون أقبح ما يأتونه حسنـا



ولما سمعوا مثل هذه الكلمات منهم وما عرفوا أن قولهم هذا من إلقاء الشياطين في أمنييته الرسول والنبي والمحدث كما في قوله عز وجل {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ}1 حكموا بحقّية مقالهم وصدقوهم بأفعالهم وأقوالهم فضلوا وضلوا كثيرا ، والآخرون من الجهال حيث رأوا ما ظهر من أولئك الضلال من قبائح معتقداتهم ومنكرات أعمالهم وأفعالهم ولم يكن لهم ضرس قاطع حتى يتبين لهم الغث من السمّين والظن من اليقين ولم يتعلق بهم اتصال إلى الملائكة ولا الشياطين ولم يتهنّأوا بحظ وافر في الدين فحكموا على كل من تكلم بالباطن وبعض الأسرار بالكفر والتّزندق لأنه لم يتميز بين القولين ولم يعرف الماء والبول الصّافيين وتعين أحدهما من البين ، فإذا ألقيت عليهم الأخبار المتقدمة فهم بين طارح ومنكر لها وبين مؤوّل إيّاها وبين متوقف فيها، والأصل في ذلك كلّه وقوفهم على باب الخزينة الأولى وهوباب ضيّق حرج لا يهتدي الواقف عليه إلى سعة وفسحة أبدا ، ولكن لما كان لله الحجة البالغة والدلائل الظاهرة والآيات الباهرة والأنوار الساطعة والنجوم المضيئة ولم يدع الخلق في ظلمة عمياء ولا دهمة بهماء وجعل للخلق علم هداية ودليل رشد وميزان قويم يعرف به الحق من الباطل والغث من السمين وهم الأئمة الهداة عليهم السلام وما ظهر من الكتاب والسنّة بأوضح دلالة حتّى لا يبقى لمحتج حجّة ولولا ذلك لما قامت
___________________
1 الحج 52


حجة الله على الخلق ولكن للخلق على الله حجة وهو سبحانه يقول {يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}1 وقال عز وجل {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} وقال قبل {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ}2 فوجب أن نذكر بعض العلامات المأخوذة من سادات البريّات عليهم السلام لبيان الفريقين وامتياز كل منهما عن الآخر لقطع حجة المعاند ورفع شبهة الجاهل .
فنقول اعلم أن لأهل الحق علامات بها يمتازون عن غيرهم فإذا وجدتها في أحد فاعلم أنه القرية الظاهرة التي قد أمرت بالسير فيها إلى القرية المباركة وتلك العلامات على وجهين منها ما يتعلق بعلمهم ومنها ما يتعلق بعملهم .
أمّا الأولى فاعلم أنهم إذا نظروا في مسألة من المسائل لا ينظرون فيها حتى ترتفع ثلاث خصال وتجتمع خمس خصال، أما الأولى فأولها أن يتمحض قصدهم ونيتهم في معرفة تلك المسألة من العلم لله سبحانه ليتوصل بها إلى طاعته ورضاه من عمل أو قول أو ظهور قدرة وعظمة يوجب كمال الخوف أو نعمة وإحسان يوجب الرّجاء والطّمع وجلال يقهره عن نفسه أو جمال يجذبه إليه ويفقده عن نفسه لينقطع إلى ربه وأمثال ذلك من الأحوال الرّاجعة إلى الحق سبحانه ولا يطلبها ليعاند بها العلماء ويمار بها السفهاء ويصرف إليه وجوه الناس أو ليعزز علمه ليعرف بذلك ويشتهر به و أمثال ذلك من أنواع العصبية والجدال والمراء كما ترى في أغلب أحوال الناس .
________________
1 النساء 165
2 المائدة 3

وثانيها أن لا يكون حين النظر مأنوسا بطائفة من أهل العلم أو غيره ليميل قلبه إليهم وإلى ما يقولون فإن حبك للشيء يعم ويضم وقد يكون على باطل وخطأ فيقع فيما وقعوا فيه بل يكون أنسه بالله وميله فيما عند الله ورغبته فيما اختاره الله سبحانه {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ }1 .
وثالثها أن لا يكون عنده قاعدة قد أخذها من غير أهل بيت العلم على النمط الذي نذكره إنشاء الله تعالى ، فإن من عنده قاعدة لا يأمن أن يركن إليها ويصرف العلم إليها وقد تكون باطلة فاسدة فيقع في الخطأ والغلط كما ترى لأن أغلب الناس يطرحون الأخبار الصحيحة المتكثّرة وينكرونها لمخالفتها لقاعدتهم وقد تكون القاعدة باطلة .
وأما الثانية من الخصال الوجوديّة فأولها أن يكون باقيا على الفطرة الأصلية الأولية غير مغير لها بمتابعة الشيطان فلم تسبقه الشكوك والشبهات ، وعلامته أن يكون دائم النظر والتفكر في خلق الله من السموات والأرض وخلق نفسه وأحواله وعظيم التحير حين ما ينظر إليها ، وعلامة ذلك صفاء طويّته وذكاء سريرته وعلامته أن لا يشغله علم عن الآخر بل تكون الأشياء عنده بعضها دليلا للآخر فلا يقال فيه أنه كامل في علم دون العلم الآخر بل العلوم كلها عنده على حد سواء ، لأن الباقي على الفطرة يرى آية الوحدة في كل شيء فعين بصيرته مفتوحة فلا فرق عنده في الرؤية بين شيء وشيء كما في الغير الجسمي إذا كانت مفتوحة يرى الأجسام على اختلاف ألوانها وأحوالها وكذا عين القلب إذا كانت مفتوحة ، وأما الذي يقتصر على شيء فلا يعرف الآخر فهو كالأعمى الذي يعلّمونه بعض الأشياء فلا يعلم إلا الذي علم ، وقولي كل العلوم عنده على حد سواء مرادي أنه علم اللطيفة السارية في العلوم كلها وهي النقطة التي قالهاعليه السلامولا يلزم أن يكون ظهورات
__________________
1 النساء 134
 


تلك النقطة على التفصيل كلها حاضرة عنده، بلى إذا طلب كلما أراد منها وجد بمشاهدة تلك النقطة فيها ويستدل بكلها على كلها كما مرّ فهم من فهم .
وثانيها أن يجد لها دليلا من كتاب الله سبحانه من الآيات المحكمات التي هنّ أم الكتاب بحيث لا يمكن إنكارها ولا اعتذارها للمنصف ، وأما المعاند فلا يقطعه ألف حجة ، ولا يتثبّت في الاستدلال بالمتشابهات وهي التي لم تظهر دلالتها والمراد منها إما بنفسها أو بأمر خارج منها كالأخبار الموضّحة لها المعيّنة للمراد منها و إن كانت هي على الظاهر مجملة فإنها حينئذ ليست من المتشابهات .
وثالثها أن يجد لها دليلا من أحاديث أهل البيت عليهم السلام كما ذكرنا في الكتاب ويتجنّب عن الأحاديث التي لم يقبلها الأصحاب إلا إذا كانت راجعة إليها وأن لا يكون لها معارض أقوى بل لا يجد معارضا أصلا إذ التعارض في الأخبار أمر صوري لا حقيقة له ، وأما تغير المغيّرين والمبدلين وسهو الساهين والناسين في الرواية وأمثالها ، فجعلوا عليهم السلام في إرشاداتهم قرائن وأدلة تنفيها وتثبت الأمر الواقعي المراد ولولا ذلك لما استقام قولهم عليهم السلام (( إن لنا أوعية من العلم نملؤها علما لننقله إلى شيعتنا فخذوها وصفّوها تجدوها نقيّة صافية وإياكم والأوعية فنكبوها فإنها أوعية سوء ))1 هذا معنى الحديث ، فلولا القرائن الناصة لما تتأتى التصفية فإن الخلق جهال لا يعلمون شيئا إلا ما علموهم إياه كما قال صلى الله عليه وآله وسلم ما معناه (( يا بن عباس لا تجد في يد أحد حقا إلا بتعليمي وتعليم علي عليه
_______________
1 ذكر المصنف هذه الرواية بالمعنى ونحن نذكرها هنا بالنص ففي البحار 2/93 ح 26 قال أبو جعفر عليه السلام (( إن لنا أوعية نملأها علما وحكما وليست لها بأهل فما نملأها إلا لتنقل إلى شيعتنا , فانظروا إلى ما في الأوعية فخذوها ثم صفوها من الكدورة تأخذوها بيضاء نقية صافية , وإياكم والأوعية فإنها وعاء سوء فتنكبوها )) .
 

 

السلام ))1 ، والكلام في هذا المقام طويل والإشارة كافية لمن اهتدى إلى السبيل ولم يتعود بالقال والقيل ، فمجمل القول أنه لا يتمسك برواية على خلاف القانون الذي جرت العادة بين الفرقة المحقة في التمسك بها فإن هذه الطائفة لا تزال على الحق حتى تقوم الساعة .
ورابعها أن يدل عليها العقل المستنير بنور الله والمستوقد بضياء أئمة الهدى عليهم السلام ومعناه أنه تربى وتشافى شدة الإعتناء والنظر في أخبارهم مع الاعتقاد الجازم بأنهم عليهم السلام لا يهملون رعاياهم وغنمهم وعالما بأنه حينما ينظر ويلاحظ الأخبار وهو بين يدي إمامه وسيده يتعلم منه عليه السلام كما قالوا عليهم السلام (( نحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون وسائر الناس غثاء ))2 وهو عليه السلام لا تمنع غيبته عن مشاهدة رعيّته و إصلاح أحوالهم
_______________
1 ذكر المصنف أعلى الله مقامه وأنار الله في الدارين أعلامه هذا الحديث بالمعنى , ونحن نورده هنا بالنص تيمنا كما ورد في البحار 26/345 ح 18 (( وكل شيء يسبح لله ويكبره ويهلله يتعليمي وتعليم علي عليه السلام )) والحديث طويل وجليل أخذنا منه موضع الحاجة فمن أراد الزيادة فليراجع .
2 الكافي 1/34


وطرد الشياطين والباطل عنهم كما قال تعالى {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ }1 وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما كان في الأمم الماضية يكون في هذه الأمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ))2  وهذا هوالعقل المستنير فيجب أن يكون له دليل عقلي عليها أي على المسألة زائدا عما دل عليه الكتاب والسنة ليكون على بصيرة ومعرفة .
وخامسها أن يجد لها دليلا عيانيا شهوديا في العالم فإنه كتاب أكبر كتبه الله بيده وبناه بحكمته ورباه بقدرته وحفظه بصنعه وجعله من أعظم آياته وحث الناس بقراءته حيث يقول {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}3 ويقول {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}4
_________________
1 القصص 15
2 لم نقف على هذا الحديث بعينه ولكن وجدنا ما يقرب منه باللفظ والمعنى ففي البحار 21/257 ح 7 قال صلى الله عليه وآله (( لتسلكن سبل من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة , حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلنموه )) .
3 يونس 101 4 العنكبوت 43


{وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}1‏ {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}2 ثم أن الله سبحانه بين كيفية الاستدلال بتلك الآيات فقال {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } فهذا هو المدعى ثم جعل لهذا آية ودليلا ليعرف الخلق كيفية هذا الحشر والعود بعد موت الخلق و اضمحلالهم فقال سبحانه {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ }3 الآية تم شرح هذه الآية في سورة ق حيث قـال سبحانـه {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ}4 والقرآن مشحون ببيان هذه الأحوال .
وبالجملة ما خلق الله سبحانه شيئا وما كلف العباد بأمر إلا وقد بينه بأكمل التبيان ، والبيان الكامل إنما يتم بالبيان الحالي والمقالي فالبيان الحالي هو العالم والمقالي هو الكتاب والسنة وكل منهما شرح وبيان للآخر ومطابق له ، وفي صورة المخالفة يظهر بطلان الاستدلال فلا تخالف السنة الكتاب أبدا ولا العكس ولا العالم الأمرين ، فإذا تطابقت هذه لأدلة الأربعة مع عدم مخالفة الفرقة المحقة التي لا زال الحق فيهم ففي مخالفتهم عدول عن الحق والعادل عن الحق لا ينجو ، ومع بقاء الفطرة الأصلية الغير المعوجة ومع رفع تلك الخصال وجب أن يكون حقا وإلا كان الحق سبحانه مغريا بالباطل أو مخلفا للوعد
_____________
1 يوسف 105

2 فصلت 53
3 يس 32 – 34

4 ق 9 - 11


تعالى ربي عن ذلك علوا كبيرا ، أما الوعد فقد قال الله عز وجل {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}1 والمجاهدة في الله ما تحقق على أكمل المراتب إلا كما ذكرنا لأنـه هو الطريق المؤدي إلى الحق قطعا ، ولا تصح أن تكون المجاهدة بالإدبار والإعراض عن الحق سبحانه كما في مقابلات ما ذكرنا فيجب على الله سبحانه الهداية {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}2 ، وأما الإغراء بالباطل فلا يمكن فرض وقوعه بالنسبة إلى الله سبحانه مع أن الله سبحانه نصّ بوفاء العهد الذي عاهد من هداية المحسنين حيث قال {فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}3 فأثبت الهداية للمؤمنين ثم شرح الإيمان وأوضح حقيقته فيما يتعلق بالعلم أو مع العمل بقوله الحق {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا
__________________
1 العنكبوت 69

2 إبراهيم 47
3 البقرة 213


مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}1 ، والمخاطب في الظاهر هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي الباطن هو أمير المؤمنين عليه السلام، والإخلاص في حكم أمير المؤمنين عليه السلام هوالذي ذكرنا لك من ملاحظة الأدلة الأربعة، ثم بين الله سبحانه إصابة المؤمنين فيما صاروا إليه من معتقداتهم وأعمالهم وعدم خطئهم فيما ينسبون إلى الله عز وجل بقوله تعالى {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ}2 وقال مولانا الباقر عليه السلام (( نحن القرى التي بارك الله فيها والقرى الظاهرة شيعتنا ))3 فنصّ سبحانه وتعالى باتباع الشيعة المؤمنين الذين هداهم الله للحق مع اختلاف الناس في الأداء ، ونصّ أيضا على أنهم لا يخطأون إذ حكم للسائرين فيهم الآخذين عنهم بالأمن ولا يكون إلا الأمن من الخطاء ، فأثبت صحة مجاهدتهم في الله لترتب الآثار عليهم وهي الهداية وقد قلنا أن المجاهدة في العلم لا تكون إلا كما ذكرنا وكلما سواه طريق الهلاك والبوار وسبيل الخسران والنار .
ثم إن كل شيء لما كان له ثلاث جهات جهة إلى الحق وجهة إلى نفسه من حيث أنه أثر لغيره وجهة إلى غيره من حيث ارتباطاته لترتب نظام معيشته في دنياه وآخرته عليه ، ولكل مقام أحكام واقتضاءات تجري على ذلك المقام ولكل مرتبة دليل خاص بتلك المرتبة ، فللثالثة دليل المجادلة وللثانية دليل الموعظة الحسنة وللأولى دليل الحكمة ، وفي كل مقام يجب تحقق تلك الخصال كلها من الوجودية والعدمية ، فيكون للعارف من المؤمنين الممتحنين
___________________
1 النساء 65 2 سبأ 18
3 لم نقف على هذه الرواية بعينها ولكن وجدنا ما يقرب منها وهو ما روي في الاحتجاج 327 حيث قال عليه السلام (( فنحن القرى التي بارك الله فيها وذلك قول الله عز وجل , فمن أقر بفضلنا حيث بينهم وبين شيعتهم القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة , والقرى الظاهرة الرسل والنقلة عنا إلى شيعتنا وفقهاء شيعتنا إلى شيعتنا )) .

 


والشيعة المخلصين أربعة وعشرين دليلا وميزانا في معرفة كل شيء ، وفي كل شيء واحد ربما يتطرق فيه الخطأ ، وأما إذا اجتمعت فيمتنع ذلك لما ذكرنا ، فإذا عجز عن إتيان هذه الأمور كلها في شيء من الأشياء وإن تمكن عنه في أغلبها وأكثرها فذلك لا يوثق به ، وأما إذا كان في كل شيء بحيث لا يشذ عنه شيء أتى بالمذكورات فهو المؤمن الذي امتحن الله قلبه للإيمان وشرح صدره للإسلام ووجب على الخلق اتباعه والاقتداء به فيما يجهلون من أمور دينهم ودنياهم وآخرتهم وعقباهم وهو القليل من المؤمنين وهو أعز من الكبريت الأحمر ، وهؤلاء الذين عندهم من الأسرار ما لا يتحمله إلا الصديقون والأبرار فإذا سمعت منهم شيئا فلا تقابله بالإنكار وسلم الأمر له تسلم بشرط تحقق الأمر الثاني فيهم كما نذكره إنشاء الله ، فإذا رأيت فيهم ما يخالف ذلك فتبرأ منهم فإنهم أعداء الدين وخصماء النبيين وخلفاء الشياطين هذا الذي ذكرنا هو علامة أهل الحق في العلم .
وأما العلامة الثانية وهي العمل وهو أن تكون جميع أعماله وأقواله كلها مطابقة لما عليه الشريعة الغراء النبوية العامة للمخلوقين كلهم فلا ينكر شيئا منها بادعاء أن الباطن غير الظاهر وأن هذه الأعمال لأهل الظاهر وأما المطلوب من العارفين فإخلاص القلب ولطافة السر لا هذه الأعمال المشترك فيها العوام وسائر الخلق فإن ذلك من صفات الفسقة أهل الجور حيث تثاقلوا عن الطاعات ، بل يكون المؤمن كما وصفه أمير المؤمنين عليه السلام بعض صفاتهم لهمام وأنا أذكر الحديث إنشاء الله بطوله لما فيه من المنافع الجليلة وإظهار أهل الحق وامتيازه عن أهل الباطل روى الكليني بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال (( قام رجل يقال له همام وكان عابدا ناسكا مجتهدا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو يخطب فقال يا أمير المؤمنين صف لنا صفة المؤمن كأننا ننظر إليه فقال عليه السلام يا همام المؤمن هو الكيس الفطن بشره في وجهه وحزنه في قلبه أوسع شيء صدرا وأذل شيء نفسا زاجر عن كل فان حاض على كل حسن لا حقود ولا حسود ولا وثّاب ولا سباب ولا عيّاب ولا مغتاب يكره الرفعة ويشنأ السمعة طويل الغم بعيد الهم كثير الصمت وقور ذكور صبور شكور مغموم بفكره مسرور بفقره سهل الخليقة لين العريكة رصين الوفاء قليل الأذى لا متأفك ولا متهتك إن ضحك لم يخرق وإن غضب لم ينزق ضحكه تبسم واستفهامه تعلم ومراجعته تفهم كثير علمه عظيم حلمه كثير الرحمة لا يبخل ولا يعجل ولا يضجر ولا يبطر ولا يحيف في حكمه ولا يجور في علمه نفسه أصلب من الصلد ومكادحته أحلى من الشهد لا جشع ولا هلع ولا عنف ولا صلف ولا متكلف ولا متعمق جميل المنازعة كريم المراجعة عدل إن غضب رفيق إن طلب لا يتهور ولا يتهتك ولا يتجبر خالص الود وثيق العهد وفيّ العقد شفيق وصول حليم خمول قليل الفضول راض عن الله عز وجل مخالف لهواه لا يغلض على من دونه ولا يخوض فيما لا يعنيه ناصر للدين محام عن المؤمنين كهف للمسلمين لا يخرق الثناء سمعه ولا ينكي الطمع قلبه ولا يصرف اللعب حكمه ولا يطلع الجاهل علمه قوال عمّال عالم حازم لا بفحّاش ولا بطيّاش وصول في غير عنف بذول في غير سرف ولا بختّال ولا بغدّار ولا يقتفي أثرا ولا يحيف بشرا رفيق بالخلق ساع في الأرض عون للضعيف غوث للملهوف لا يهتك سترا ولا يكشف سرا كثير البلوى قليل الشكوى إن رأى خيرا ذكره وإن عاين شرا ستره يستر العيب ويحفظ الغيب ويقيل العثرة ويغفر الزلة لا يطلع على نصح فيذره ولا يدع جنح حيف فيصلحه أمين رصين تقي نقي زكي رضي يقبل العذر ويجمل الذكر ويحسن بالناس الظن ويتهم على العيب نفسه يحب في الله بفقه وعلم ويقطع في الله بحزم وعزم لا يخرق به فرح ولا يطيش به مرح مذكر للعالم معلم للجاهل لا يتوقع له بائقة ولا يخاف له غائلة كل سعي أخلص عنده من سعيه وكل نفس أصلح عنده من نفسه عالم بعيبه شاغل بغمه لا يثق بغير ربه غريب وحيد جريد حزين يحب في الله ويجاهد في الله ليتبع رضاه ولا ينتقم لنفسه بنفسه ولا يوالي في سخط ربه مجالس لأهل الفقر مصادق لأهل الصدق مؤازر لأهل الحق عون للغريب أب لليتيم بعل للأرملة حفي بأهل المسكنة مرجولكل كريهة مأمول لكل شدة هشّاش بشاش لا بعباس ولا بجساس صليب كظام بسام دقيق النظر عظيم الحذر لا يجهل وإن جهل عليه يحلم ولا يبخل و إن بخل عليه صبر عقل فاستحيا وقنع فاستغنى حياءه يعلوا شهوته ووده يعلوا حسده وعفوه يعلوا حقده ولا ينطق بغير صواب ولا يلبس إلا الاقتصاد مشيه التواضع خاضع لربه بطاعته راض عنه في كل حالاته نيته خالصة أعماله ليس فيها غش ولا خديعة نظره عبرة وسكوته فكرة وكلامه حكمة مناصحا متباذلا متواخيا ناصح في السر والعلانية لا يهجر أخاه ولا يغتابه ولا يمكر به ولا يأسف على ما فاته ولا يحزن على ما أصابه ولا يرجو مالا يجوز له الرجاء ولا يفشل في الشدة ولا يبطر في الرخاء يمزج الحلم بالعلم والعقل بالصبر تراه بعيدا كسله دائما نشاطه قريبا أمله قليلا زللـه متوقّعا لأجله خاشعا قلبه ذاكرا ربه قانعة نفسه منفيا جهله سهلا أمره حزينا لذنبه ميّتة شهوته كظوما غيظه صافيا خلقه آمنا منه جاره ضعيفا كبره قانعا بالذي قدّر له متينا صبره محكما أمره كثيرا ذكره يخالط الناس ليعلم ويصمت ليسلم ويسأل ليفهم ويتجر ليغنم لا ينصب للخير ليفخر به ولا يتكلّم ليتجبر به على من سواه نفسه منه في عناء والناس منه في راحة أتعب نفسه لآخرته فأراح الناس من نفسه إن بغي عليه صبر حتى يكون الله الذي ينتصر له بعده ممن تباعد منه بغضّ ونزاهة ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة ليس تباعده تكبرا ولا عظمة ولا دنوه خديعة ولا خلابة بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير فهو إمام لمن بعده من أهل البر ، قال فصاح همّام صيحتة ثمّ وقع مغشيا عليه فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أما والله لقد كنت أخافها عليه ، وقال هكذا تصنع الموعظة البالغة بأهلها، فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين، فقال عليه السلام : إن لكل أجل لن يعدوه وسبب لا يجاوزه فمهلا لا تعد فإنما نفث على لسانك الشيطان ))1 ، فهذه الأوصاف هي علامات لإيمان المؤمن العارف بالله عز وجل ، فبهذه الأوصاف والأعمال تصفو قابليته وتزكو سريرته فيشرق على قلبه نور اليقين وعلى فؤاده نور المحبة وعلى صدره نور العلم فكلما ازداد حبا ويقينا وعلما ازداد عملا وتوجها وإقبالا فازداد استنارة واستضاءة لأن الله عز وجل قريب المسافة فمن دعاه أجابه ومن سأله أعطاه ، فإذا استنارت قابليته تحملت لظهورات المثال، وتلك الظهورات ليست عند
________________
1 الكافي 2/226
 

 

من كثفت قابليته وخبثت أعماله ، فإذا تكلم مثل هذا الشخص بشيء من الأسرار فيصدق ولا ينكر عليه لأنه لا يقول شيئا يخالف ما عليه عامة المسلمين الموحّدين و إن لم يدركوا وجه المطابقة كما أن مولانا وسيدنا القائم عجل الله فرجه يخبر أصحابه بتلك الكلمة فيتفرّقون عنه عليه السلام سوى الوزير و أحد عشر نقيبا فإذا تفرّقوا وجالوا الأرض ولم يجدوا ملجأ غيره يأتونه مسلّمين قابلين لعلمهم بأنه عليه السلام معصوم لا يخطأ ، فكذلك إذا وجدت شيعتهم يتخلّقون بأخلاقهم ويتأدّبون بآدابهم ولا يخالفونهم بأقوالهم وأعمالهم فتظهر فيهم نقطة مثالهم فيصدر عنهم مثل أقوالهم وأعمالهم في مقام ( لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك ) وهذا التصديق لا يكون إلا بعد الاختبار بالعلامات المذكورة، مع أن المخلصين من الشيعة لم يظهر منهم ما هو صريح مخالفة عقول الخلق ولا يظهرون الحكمة لغير أهلها كيف وإن إذاعة سرّهم عليهم السلام من أفسق الفسق وهم لا يتجرّؤن إلى مثل ذلك ، وأما الصوفية فيأبى الله إلا أن يفضحهم ويظهر للناس شناعة أحوالهم ومكابرتهم مع الله وإدبارهم عنه لئلا يتسلط المنافقون على المؤمنين ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ، و إذا أردت أذكر شناعة أمرهم ووقاحتهم وفضائحهم عموما وخصوصا يطول به الكلام فعليك بمطالعة كتب العلماء المدوّنة فيهم وفي صفاتهم و أعمالهم و إن تكتّموا وتستّروا وأخفوا قبائح أمرهم فعلى الله سبحانه أن يظهرها ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة ، إلا أن الذين غضت الشبهات أعينهم وأبصارهم بسوء أعمالهم ورداءة ميولاتهم فلا يرون تلك القبائح ولا يرونها قبائح يرون أقبح ما يأتونه حسنا ، فلا يعتمد إذاً في ما يقولون ويجب الإعراض عما يصفون فإن ما عندهم إنما أتى من الخزائـن السوأى من سجين قد تصاعد إليهم بمعـونـة الشياطين {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}1 {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ}2 فظهر لك بعون الله أن الصوفية أو المتصوّفة أو غيرهم من المتعسفين لا يمكنهم الاحتجاج لباطلهم بمثل تلك الأخبار السالفة وبقوله عليه السلام في هذه الخطبة (( ولولا خوفي عليكم )).
__________________
1 الأنعام 121
2 الأنعام 113