الإهداء
إلى كرم الله ورحمته.


لما كان هذا الكتاب والجهد فيه في فضل الله ولطفه وكرمه ورحمته.. فمن الواجب التقدم بالإهداء إلى كرم الله ورحمته سائلا منه سبحانه وتعالى التفضل بقبول جهدي قربةً إليه وخالصاً لوجهه الكريم.

اللّهمّ ارحم من يسألك الرحمة لي، ويقرأ لي الفاتحة.


الراجي لعفو ربّه الكريم أرحم الراحمين
عزالدين الجزائري           


الصفحة 3

تقديم


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة على محمّد وآله ومن جرى على منواله. في الحياة سعةٌ ومجالٌ للرقي والحصول على وسائل العيش الهنيء; وسننُ الكون تقتضي سير الإنسان بين الحقوق والواجبات (لك حقٌّ وعليك واجبٌ) ، ولكنّ كثيراً من الناس في غفلة عن الواجبات، ويجهلون أنّهم في غفلة،.. فهم يعبثون ـ بمستوى ما يقدرون عليه ـ ويتسابقون في الأذى والجور، ويحولون بين الخبير وبين وصوله إلى مستحقّيه،.. أو يكسلون...، ويتصرّفون بمعزل عن الشعور بالمسؤولية.

فتظلم الحياة، وتُهدرُ الطاقات، وتعيش المجتمعات الرعب والموت البطيء، والضجيج، والمعارك الجانبية.

لذا وجب تلمّس طرق الإنقاذ، ومنها الدعاء والمناجاة مع الله القادر الرحيم.

وقد جاءت الأدعية المروية عن الرسول الأعظم وآله الكرام.. وسيلة لليقظة.. للهداية.. للتعليم.. للتربية الذاتية، والإلتزام بخير ما يُتعلّم.. لامتلاك القدرات،.. عن طريق الإيحاء المكرّر في أثناء قراءة الأدعية أو الإستماع إليها ـ عند فهم معانيها والعيش في جوّها القدسي ـ الإيحاء بحسنى الواجبات، للقيام بها،.. وبخطر الآثام والصفات الذميمة، لتجنّب الوقوع فيها.

و (دعاء كميل) من أوسع الأدعية شيوعاً بين الناس، وهو دعاء عالي المضامين، ودرس في التربية الذاتية..

إلاّ أنّ الكثيرين ممّن يقرأونه لأجل الثواب، لا يعرفون معاني بعض كلماته; ولعلّهم يتشوّقون لمعرفتها.

لذا جئت بكتابي (شرح دعاء كميل) لإعانة القارىء العام على فهم ما يقرأ، كي ينال الثواب، ويلتزم بخير ما يتعلّم، ويتوصّل إلى طلبه من حلّ مشاكله أو نيل أمانيه المشروعة ـ وهو على بيّنة من آداب الدعاء ـ.

إنّ من الحسنات إذاعة المناجاة مع الله والأدعية المأثورة عن الرسول

الصفحة 4
الأعظم وآله الكرام، والإعتياد على قراءتها، وتشجيع إقامة (مجالس قراءة (دعاء كميل) في ليلة الجمعة، كوسيلة لتهذيب الأخلاق، ولهداية الناس ورجوعه إلى الله.. إلى شريعته الإسلامية، حيث لا خلاص للإنسانية من المتاعب والمشكلات في كلّ زمان ومكان إلاّ بالتوجّه إلى الله والعمل بشريعته.

الدعاء


الدعاء.. هو الطلب من الله والرغبة فيما عنده من الخير. وقد استعمله الأنبياء والأئمة والصالحون منذ آدم (عليهم السلام).

روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

[.. أفضل عبادة اُمتي بعد قراءة القرآن الدعاء].

وفي الدعاء جهة اقتضاء للإجابة، وهو أحد علل هذا العالم المؤثّرة في مصير الإنسان.

وسرّ الأمر في أثر الدعاء أنّ الإنسان كلّما تقرّب إلى الله ـ تعالى ـ، وإن كان هو أقرب إليهم من حبل الوريد، لكنّهم عنه ساهون.

وقد عنى الشارع بالدعاء، وروي لكلّ من الليل والنهار، ولكلّ يوم من أيام الاُسبوع، وللشهور، وحالات الإنسان ومطالبه الدنيوية والاُخروية.. وظائف من الدعاء والذكر.

وجاءت لاستجابة الدعاء وتأثيره.. شروط وآداب(1) يلزم مراعاتها; وكلّما كانت حاجة الإنسان أكبر.. عليه أن يجدّ أكثر لرفع موانع قبول الدعاء.

إنّنا ندعو.. إنّنا نتكلّم مع الله ـ سبحانه ـ..

إنّنا ابتدأنا نتصوّر حجم قدرتنا.. نعي مسؤولياتنا... المسؤولية ضرورة حياتية، والوعي: الشرط الأول للإحساس بالمسؤولية.

إنّ الإنسان مسؤول عن بلوغ سنّ التكليف حتى آخر لحظة من حياته ـ حسب ما لديه من (معرفة) و (قدرة) و (اختيار) ـ..

____________

1- راجع (شرح الصحيفة السجادية) بقلم عز الدين الجزائري.


الصفحة 5
أين يقضي أوقاته؟ مع من يسير؟ ماذا يقول؟ في أيّ طريق يبذل؟ كيف يتصرّف؟ كيف يرعى حقوق نفسه؟ اُسرته..؟ مجتمعه الخاص..؟ المجتمع الإنساني؟.

.. مسؤول أن يعيش حياة هادفة.. يعرف وظائفه، ويلتزم بها، لينتهي إلى السعادة في الدنيا والآخرة.

من آداب الدعاء


من أهم آداب الدعاء.. أن يفهم الداعي معاني كلمات الدعاء. أن يعرف ماذا يقول.. ماذا يريد.. وممّن يريد.. وبأيّ كيفيّة يريد.. ولأيّ غاية يطلب ما يريد... في دعائه.

عن الإمام عليّ (عليه السلام): [لا خير في عبادة بلا فقه، ولا في قراءة بلا تدبّر].

وفي دعاء كلّ يوم من أيام رجب [اللّهمّ إنّي أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاةُ أمرك].

والتوجّه لمعاني ما يقرأ في الدعاء.. من دواعي الإجابة.

... ولا يُترك الدعاء استصعاباً لآدابه، فأداؤه مفيد حتى بالصورة المتعارفة، لأنّها تنبّه الداعي بدرجة ما، وقد تأخذه تدريجاً لما يقتضي أن يكون عليه من آداب الدعاء... فوظائف الحياة.


الصفحة 6

دعاء كميل
وجه تسميته.. سنده.. بعض ما يتعلّق به


عرف الدعاء بـ (دعاء كميل) نسبة لراويه كميل بن زياد، الذي تعلّمه من الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

"سند الدعاء"

تسالم الكثير من العلماء والأخيار على قراءته; وممّن ذكره..

1 ـ محمّد بن الحسن الطوسي (385 ـ 460 هـ) في كتابه "مصباح المتهجّد"، ذكره مرسلا.

2 ـ عليّ بن طاووس (589 ـ 664 هـ) في كتابه "الإقبال".

3 ـ إبراهيم بن عليّ الكفعمي في كتابه "المصباح" وكتابه "البلد الأمين" الذي فرغ من تأليفه سنة 868 هـ.

وذكر في كتب الأدعية في (أعمال شهر شعبان المخصوصة) ، حيث يُقرأ في ليلة النصف منه، وفي (أعمال ليلة الجمعة).

و (دعاء كميل) من الأدعية المعروفة، ذكره المجلسي (1037 ـ 1111 هـ) في كتابه "زاد المعاد"، وقال عنه: انّه [أفضل الأدعية]. وقد اشتهر في أقطار عديدة، وحتى اليوم.. هو عنوان مجالس عامّة ـ في الجوامع والبيوت ـ تُعقد خاصة لقراءته في كلّ ليلة جمعة (مجلس قراءة دعاء كميل).

ولـ (دعاء كميل) شروح، وعليه تعاليق، وقد تُرجم إلى بعض اللغات.

وطبع (دعاء كميل) عدّة طبعات مفرداً ومع شروحه ومع ترجمته.

كميل بن زياد ـ راوية الدعاء


كميل بن زياد النخعي، من خواص أصحاب أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، وأصحاب سرّه، كان عامله على (هيت) ، وكان من أصحاب الإمام الحسن بن عليّ (عليه السلام).


الصفحة 7
سكن الكوفة، قتله الحجّاج سنة 83 هـ مع من قتل من أكابر العلماء وحفظة القرآن الكريم. قال عنه الذهبي صاحب (ميزان الاعتدال): "حدّث عن عليّ (عليه السلام) وغيره، شهد صفّين مع عليّ (عليه السلام) ، وكان شريفاً مطاعاً ثقة عابداً".

ومقبرة "كميل" تقع اليوم في حي الحنّانة من أحياء مدينة النجف الأشرف.

من فوائد قراءة (دعاء كميل)


من المعروف أنّ قراءة (دعاء كميل) تجدي في إجابة الدعاء، وكفاية شرّ الأعداء، وفتح باب الرزق، وغفران الذنوب.

عن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال لكميل بن زياد: (إن حفظت هذا الدعاء، فادع به كلّ ليل جمعة، أو في الشهر مرّة، أو في السنة مرّة، أو في عمرك مرّة، تكف، وتُرزق، وتُنصر، ولن تعدم المغفرة).

ظاهرة (دعاء كميل) وآثره في التربية الذاتية


  توسّلّ إلى الله بصفاته الحسنى.

.. ما يوحي إلى الداعي أن يتنبّه من غفلته، ويعرف مع من يتكلّم، إنّه يتكلّم مع الله، الذي خضع لقدرته كلّ شيء، وأحاط علمه بكل شيء.

  إظهار العبودية لله،... وبيان ضعف الداعي وفقره، وعدم قدرته،... يقابله بيان عظمة الله، وسعة رحمته، والثقة بها، ـ كلّ ذلك من أسباب العفو واستجابة الدعاء ـ وهو تعليم لاُسلوب المسألة منه ـ تعالى ـ..

.. ما يبعث الداعي على البعد عن التكبّر ـ وهو يستشعر العبودية لله ـ والسير مع العقل، ليعرف مكانه من المجتمع والعالم، ويضع الأشياء بمواضعها، طبق نظام الخلقة.. نظام الشريعة الإسلامية.

  اعتراف بنعم الله ـ سبحانه ـ.. واعتراف بالذنب والتقصير، واعتذار، واستعطاف، وشكوى إلى الله تعالى، وبيان اضطرار، وشدة ابتلاء، واستغاثة، والتجاء، وانقطاع له ـ سبحانه ـ، وضمن الإعتراف بيان لصور الرقابة على الإنسان، وتعداد لبعض آثار الذنوب، وصور عذاب الآخرة.. وكيفية الوقوع في

الصفحة 8
المخالفة، وتشخيص العدو الأول.. الشيطان..

.. ما يوحي إلى الداعي بالخشوع، والتوبة، ومحاسبة النفس، والتقيد بأحكام الله، والتحفظ من الذنوب، ومن العدو الأول.. الشيطان.

  عرض لوازم السير والسلوك..

..ما يزوّد الداعي طاقة حية من العزم، والهمة، والفتوة، وإلزام النفس باستثمار الحياة والعمل الصالح، ومنعها عن الكسل.

جاء في الدعاء تكرار لبعض المعاني المتقاربة بألفاظ متعددة، وهو من البلاغة، واُسلوب التكرار والإعادة مألوف في الأدعية والمناجاة.. لغرض التأكيد، ولمزيد الاهتمام بالمعاني المعروضة، وللالحاح وإطالة المكالمة مع المحبوب ـ سبحانه ـ..

.. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): بأنه ـ تعالى ـ كره الحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة، وأحبّ ذلك لنفسه.

يحسن أن يعيش الداعي في جوّ معاني ما يقرأ، ويعمل قدر الإمكان لإيجاد ما يدعو به من حالات ـ وهو يقرأ الدعاء ـ... (خاشع) (معتذراً، نادماً) (منيباً) (واُسرع إليك في المبادرين، وأدنو منك دنو المخلصين، وأخافك مخافة الموقنين)..

ملتفتاً لنفسه وأمراضه المهلكة، وهو في مقام إظهارها وتعدادها لغرض المعالجة أمام الطبيب الحقيقي ـ عزّ اسمه ـ.

جاء في كتاب "مصباح المتهجّد" لمحمد بن الحسن الطوسي (385 ـ 460 هـ):

(روي أنّ كميل بن زياد النخعي رأى أميرالمؤمنين (عليه السلام) ساجداً يدعو بهذا الدعاء ليلة النصف من شعبان)..


الصفحة 9

دعاء كميل بن زياد


اللّهمّ(1) إنّي أسألك برحمتك التى وسعت كلّ شيء(2) ، وبقوتك التي قهرت بها كلّ شيء، وخضع لها كلّ شيء، وذل لها كلّ شيء، وبجبروتك(3) التي غلبت بها كلّ شيء(4) ، وبعزتك التي لا يقوم لها شيء، وبعظمتك(5) التي ملأت كلّ شيء وبسلطانك(6) الذي علا(7) كلّ شيء، وبوجهك(8) الباقي بعد فناء كلّ شيء، وبأسماك التي ملأت أركان كلّ شيء(9) ، وبعلمك الذي أحاط بكل شيء، وبنور وجهك(10) الذي أضاء له كلّ شيء.


____________

1- اللّهمّ: بمعنى يا الله.

2- برحمتك التي وسعت كلّ شيء: يفيضك وإيجادك الخلق.

رحمة الله العامة التي وسعت كلّ شيء ذي شعور وغير ذي شعور في الدنيا: الإيجاد والبقاء والرزق في سير الحياة ـ حسب استعداد المحل وقابليته ـ.

ورحمته ـ تعالى ـ الخاصة ـ ومنها العطية الهنية والثواب ـ لأهل التوحيد، وهي مضمونة يوم القيامة للذين يتقون الشرك والمعاصي، ويمتثلون أمر الله ونهيه.

3- بجبروتك: بقدرتك وسلطتك.

4- بعزتك التي لا يقوم لها شيء: بغلبتك وقدرتك، التي لا يستطيع معارضتها أي شيء.

5- بعظمتك: تأتي عظمة بمعنى: استحكام وكبر مقام، تدعونا هذه الجملة للتدبر في أجزاء العلم.. لنعرف عظمة الخالق الصانع في كلّ شيء صغير وكبير.

6- بسلطانك: بملكك وقدرتك وقوتك.

7- علا: تأتي بمعنى: قهر وغلب.

8- بوجهك: بوجودك الوجود المطلق.

9- بأسمائك التي ملأت أركان كلّ شيء: بأسمائك التي ببركتها بقاء واستقرار اُسس الأشياء في سيرها، والأسماء الحسنى: هي الله، الرحمن، الرحيم، الملك، القدّوس، الخالق، البارىء، المصوّر، إلى تمام ما ذكر. وأركان كلّ شيء ـ سواء كان محسوساً أو غير محسوس ـ اُسسه.. ما يستقيم ويتمسك به، وكلّ شيء له أركان.. حسب ما يناسبه.

10- بنور وجهك: بنور ذاتك وإرادتك.. بقدرتك وحكمتك وجودك.


الصفحة 10

يا نور(1) يا قدوس(2) ، يا أول الأولين(3) ، ويا آخر الآخرين(4).

اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تهتك(5) العصم(6) ، اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم(7) ، اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تغيّر النعم(8) ، اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء(9) ، اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء(10) ، اللّهمّ اغفر لي الذنوب


____________

1- نور: من أسماء الله تعالى ذكر: (يمكن أن يقال: سمّى نفسه ـ تعالى ـ نوراً لما اختص به من إشراق) العظمة (التي تضمحل الأنوار دونها).

2- قدّوس: من أسمائه ـ تعالى ـ، ومعناه.. الطاهر المنزّه عن كلّ نقص وعيب.

3- أول الأولين: باعتبار سبقه على الموجودات على كلّ أول، إذ منه ـ تعالى ـ بدء الخلق.

4- آخر الآخرين: باعتبار مصير الموجودات وانتهاء كلّ آخر إليه ـ تعالى ـ.

5- تهتك: تكشف.. تزيل.

6- العصم: جمع عِصمة وهي المنع الحفظ والوقاية والملجأ، وتطلق العصمة على ملكة اجتناب المعاصي مِنعة النفس من الوقوع في المعاصي. في الذنوب.

.. ويستفاد من الأحاديث: أن كلّ نوع من الذنوب يسبب نوعاً من الابتلاء وتغيير النعم، والذنوب التي تهتك العصم ـ كما عن الإمام الصادق (عليه السلام) ـ هي: شرب الخمر، واللعب بالقمار، وفعل ما يُضحك الناس من المزاح واللهو ـ كالمشتمل على السخرية والهمز واللمز ـ، وذكر عيوب الناس، ومجالسة أهل الريب ـ المتّهمين بالباطل ـ.

7- النقم: جمع نقمة وهي الإنتقام. المجازاة بالعقوبة، والذنوب التي تصير سبباً لنزول النقم ـ كما روي ـ. هي: نقض العهد، وظهور الفاحشة، وشيوع الكذب، والحكم بغير ما أنزل الله، ومنع الزكاة وتطفيف الكيل.

8- جمع نعمة، وهي: ما يتنعّم به الإنسان من المال ونحوه. والذنوب التي تغير النعم ـ كما روي ـ هي: ترك شكر المنعم، والإفتراء على الله ـ تعالى ـ والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقطع صلة الرحم، وتأخير الصلاة عن أوقاتها ـ حتى تذهب أوقاتها ـ، والدياثة، وترك إعانة الملهوفين المستغيثين، وترك إعانة المظلومين.

9- الذنوب التي تحبس الدعاء: هي ـ كما روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): سوء النية، وخبث السريرة، والنفاق مع الإخوان، وترك التصديق بالإجابة، وتأخير الصلاة المفروضة حتى تذهب أوقاتها.

10- الذنوب التي تنزل البلاء: هي كما روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): ترك إغاثة الملهوف، وترك إعانة المظلوم، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبلاء: المصيبة، المحنة، الشدّة.


الصفحة 11

التي تقطع الرجاء(1) ، اللّهمّ اغفر لي كلّ ذنب أذنبته، وكلّ خطيئة أخطأتها(2).

اللّهمّ إنّي أتقرب إليك بذكرك(3) ، وأستشفع بك إلى نفسك(4) ، وأسألك بجودك أن تدنيني من قربك(5) ، وأن توزعني شكرك(6) ، وأن تلهمني ذكرك(7).

اللّهمّ إنّي أسألك سؤال خاضع متذلّل خاشع(8) أن تسامحني وترحمني، وتجعلني بقسمك(9) راضياً(10) قانعاً(11)


____________

1- الذنوب التي تقطع الرجاء: هي ـ كما روي ـ اليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والثقة بغير الله، والتكذيب بوعده. والرجاء: الأمل، والمؤمن ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه متساويين، كما في الحديث: خف الله خوفاً ترى إنّك لو أتيته بحسنات أهل الأرض لم يقبلها منك، وارج الله رجاءًترى أ نّك لو أتيته بسيئات أهل الأرض غفرها لك.

2- كلّ خطيئة أخطأتها: كلّ إثم. ذنب عملته، تكرار المعاني المتقاربة بألفاظ متعددة. تفنّن ـ وهو من البلاغة ـ.

3- بذكرك: بذكري إياك. والذكر يشمل قراءة القرآن، والصلاة، والدعاء، والتسبيح، والتهليل، وحقيقة الذكر: حضوره ـ تعالى ـ في ذهن الذاكر. ما يدفع الذاكر لفعل الواجبات وتجنّب المحرّمات.

4- أستشفع بك إلى نفسك: أجعلك شفيعاً لنفسي الخاطئة إلى ذاتك المقدسة، والمراد طلب العفو والمغفرة منه تعالى.

5- تدنيني من قربك: تقرّبني اليك منزلة ورتبة، توفقني لإقامة طاعاتك واجتناب معاصيك والسبق والجهاد في ذلك.

6- توزعني شكرك: تلقي في ذهني أن أشكرك.

7- تلهمني ذكرك: توفقني، وتلقي في بالي أن أذكرك.

8- خاشع: خاضع في بدنه وبصره وصوته. ذُكر: أن الفرق بين الخضوع والخشوع.. هو أن الخضوع.. في البدن، والخشوع..في البدن والبصر والصوت.. ومن آثاره.. غض النظر ـ النظر إلى أدنى ـ وضعف الصوت.

9- بقسمك: بالقسمة بالنصيب الذي جعلت لي من فضلك، وبحصتي ونصيبي الذي يصيبني في الاُمور غير الاختيارية. والقَسَم العطاء.

10- راضياً: غير ساخط، جاء في القرآن الكريم (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) الآية 32 من سورة الزخرف.

11- قانعاً: راضياً، وإن بدا نصيبي قليلا ـ حسب النظرة السريعة ـ، تكرار المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة.. نوع من التأكيد.

..معاني هذه الجملة (وتجعلني بقسمك راضياً قانعاً).. توحي للإنسان السعادة الحقيقية، حيث هدوء الخاطر والوقار وعدم الغضب ازاء العواصف والمصائب الشديدة، لأنّ عدم الرضا عن الاُمور الحياتية، والغضب الشديد عند الحوادث الطارئة المكروهة.. يولّد الهمّ والغمّ والتشويش، وقد يصل بالإنسان لدرجة اليأس من الحياة ما يؤدّي إلى الانتحار أو الإصابة بضغط الدم والأمراض العصبية والنفسية.

فينبغي للإنسان في حال الرخاء والشدة وموجبات الفرح والحزن.. عدم الخروج عن حدود الإنسانية، ويحسن أن يكون في مقابل الطوارىء ثابت العزم راضياً.

والرضا والتسليم يكون صحيحاً في مقابل الحوادث غير الاختيارية، أمّا الحوادث الاختيارية المكروهة، التي تحصل من الإهمال الفردي أو الجماعي فعلى الإنسان أن يتداركها بالسعي المتواصل الجاد، مع ثبات القلب واستقرار النفس، لتغييرها وتحسينها، إذ أنّ ترك العمل في جلب المنفعة ودفع المضرّة، والإعراض عن الدنيا المشروعة.. مخالف للطبيعة واحتياجات الإنسان، وهو في درجة ما.. من الذنوب.


الصفحة 12

وفي جميع الأحوال متواضعاً(1).

اللّهمّ وأسألك سؤال من اشتدّت فاقته(2) ، وأنزل بك عند الشدائد حاجته، وعظم فيما عندك رغبته.

اللّهمّ عظم سلطانك وعلا مكانك(3) ، وخفي مكرك(4) وظهر أمرك(5) ، وغلب قهرك(6) وجرت قدرتك(7) ،


____________

1- متواضعاً: غير متكبر، في الحديث: ما تواضع أحد لأحد لله إلاّ رفعه.

2- فاقته: فقره.

3- علا مكانك: شرف عرشك، وعلا قدراً ومنزلة عن المشابهة وإدراك الأوهام.

4- خفي مكرك: استترت مجازاتك لعبادك المخادعين، وذُكر: أن أصل معنى المكر.. هو معالجةُ الأسباب الخفية للوصول إلى المسببات المرغوبة.

5- ظهر أمرك: أمره ـ سبحانه ـ التكويني كلمة "كن" الوجودية، التي جميع الموجودات في هذا الكون الواسع ظاهر بها، وأمره التشريعي والتكليفي هو ما جاء به الأنبياء من الأوامر والنواهي وظهور هذا الأمر بواسطة الأنبياء.

6- غلب قهرك: إذ كلّ الموجودات تحت قدرته ـ تعالى ـ. كيف انتهى الأمر بالظالمين والمنحرفين؟... وحتى اليوم، إنّهم انتهوا، يرجعون إليه ـ تعالى ـ ليجزيهم على أعمالهم، والقهر: الغلبة لغةً.

7- جرت قدرتك: وقع قضاؤك وحكمك على ما ثبت في اللوح المحفوظ، ويلاحظ جريان قدرة الله تعالى في دورة الإنسان منذ كان نطفة حتى نموه في بطن اُمّه، إلى خروجه وتدرجه في مراحل الحياة، وأجزاء الكون والشمس والقمر والكواكب وسيرها.


الصفحة 13

ولا يمكن الفرار من حكومتك(1).

اللّهمّ لا أجد لذنوبي غافراً ولا لقبائحي ساتراً، ولا لشيء من عملي القبيح بالحسن مبدّلا غيرك.

لا إله(2) إلاّ أنت سبحانك وبحمدك(3) ظلمت نفسي، وتجرأت بجهلي(4) ، وسكنت إلى قديم ذكرك لي ومنك عليَّ(5).

اللّهمّ مولاي كم من قبيح سترته؟ وكم من فادح(6) من البلاء أقلته(7)؟ وكم من عثار وقيته(8)؟ وكم من مكروه دفعته(9)؟ وكم من ثناء جميل(10) لست أهلا له(11) نشرته(12)؟

اللّهمّ عظم بلائي وأفرط بي(13) سوء حالي، وقصرت بي أعمالي، وقعدت


____________

1- حكومتك: حكمك وقضائك، لا يمكن الفرار من حكمه لأنّه ـ تعالى ـ محيط بجميع الأشياء، وقدرته جارية على كلّ الموجودات، وحكمه نافذ فيها.

2- إله: معبود.

3- سبحانك وبحمدك: أُنزّهك عمّا لا يليق بك، 4- تجرأت بجهلي: أسرعت إلى مشتهيات نفسي من غير تدبّر بسبب جهلي وعدم معرفتي بعواقبها.

5- سكنت إلى قديم ذكرك لي ومنك عليَّ: اطمأننت ـ ولم أستعد، لم أعمل بأحكام شريعتك كما يجب ـ بعد بلوغي سنّ التكليف وبعد إلقائك الحجّة عليَّ.. اطمئناناً منّي إلى قديم ذكرك لي وإنعامك عليَّ، منذ كنت في بطن اُمي حتى مراحل حياتي، اطمئناناً إلى أنّ إحسانك سيستمر، وسكنت: اطمأننت، منّك: إنعامك، إحسانك.

6- فادح: أمر صعب.

7- أقلته: رفعته.

8- من عثار وقيته: من مهلكة حفظتني منها. والعِثار: المهلكة، الشرّ المكروه.

9- وكم من مكروه دفعته: تكرار المعاني المتقاربة بألفاظ متعددة تفنّن، وهو من البلاغة.

10- ثناء جميل: مدح، ذكر حسن لي.

11- لست أهلا له: لست مستحقاً له.

12- نشرته: أذعته بين عبادك.

13- أفرط بي: تجاوز الحدّ بي، حمّلني ما لا أطيق.


الصفحة 14

بي(1) أغلالي(2) ، وحبسني(3) عن نفعي بعد أمالي(4) ، وخدعتني الدنيا بغرورها(5) ، ونفسي بخيانتها(6) ، ومطالي(7). يا سيّدي.. فأسألك بعزتك أن لا يحجب عنك دعائي سوء عملي وفعالي، ولا تفضحني بخفي ما اطلعت عليه من سري، ولا تعاجلني بالعقوبة(8) على ما عملته في خلواتي(9).. من سوء فعلي وإساءتي، ودوام تفريطي(10) وجهالتي(11) ، وكثرة شهواتي(12) وغفلتي(13).

وكن اللّهمّ بعزتك لي في الأحوال كلها رؤوفاً(14) ، وعليَّ في جميع الاُمور


____________

1- قعدت بي: منعتني عن السلوك في سبيلك ـ سبيل الله ـ ونيل السعادة.

2- أغلالي: كناية عن الذنوب والأخطاء، و "أغلال" جمع غل، طوق من حديد أو جلد يُجعل في اليد أو في العنق.

3- حبسني: منعني.

4- بعد أمالي: طول آمالي في أسباب الدنيا وحبّها، بما يلهي عن الحق.

5- خدعتني الدنيا بغرورها: أطمعتني الدنيا بأباطيلها، بزينتها التي لا حقيقة لها، وعاقبة ذلك ما يسوء. واسناد الخداع إلى الدنيا على سبيل المجاز، وفاعل الخداع الشيطان وجنوده، ومن جنوده النفس الأمّارة بالسوء.

6- نفسي بخيانتها: وخدعتني نفسي بخيانتها ومخالفتها للعقل، بتزيين الشهوات العاجلة، المحرّمة.

7- مطالي: مماطلتي وتسويفي في أداء الحق والعمل بأحكام شريعة الله، وتأخيره من وقت إلى وقت، وإن من سوء الحظ للإنسان المطال والتسويف في التوبة واُمور الخير، حتى يختطفه الموت وهو غافل غير مستعدّ، مستغرق القلب في اُمور الدنيا، فتطول في الآخرة حسرته، وتكثر ندامته. وقد جاء في الحديث: (واعمل لآخرتك كأ نّك تموت غداً).

8- بالعقوبة: بالعقاب.

9- خلواتي: أماكن انفرادي.

10- تفريطي: تقصيري، تأخيري عن الحدّ المطلوب، في الطاعات: أداء الواجبات والكفّ عن المحرّمات.

11- جهالتي: عدم معرفتي، قيل: أجمعت الصحابة على أن كلّ ما عُصي الله به فهو جهالة، وكلّ من عصى الله فهو جاهل.

12- كثرة شهواتي: التي قد تتجاوز الحلال الى الشبهات والمحرّمات.

13- غفلتي: تركي العمل بتعاليمك ـ سبحانك ـ أو بعضها، وأنا متذكّرها.

14- رؤوفاً: رحيماً أشد رحمة.


الصفحة 15

عطوفاً(1).

إلهي وربّي(2) من لي غيرك؟ أسأله كشف ضري(3) والنظر في أمري.

إلهي ومولاي أجريت عليَّ حكماً(4) اتبعت فيه هوى نفسي(5) ، ولم أحترس فيه من تزيين عدوي(6) ،.. فغرني(7) بما أهوى(8) وأسعده على ذلك القضاء(9) فتجاوزت بما جرى


____________

1- عطوفاً: شفوقاً.

2- ربّي: ربّ، من أسماء الله ـ تعالى ـ.

3- ضري: شدتي وسوء حالي.

4- حكماً: الحكم هنا: التكليف الشرعي، أداء الواجبات والكفّ عن المحرمات، حسب ما جاء في شريعة الله، الشريعة الإسلامية.

5- هوى نفسي: ميل نفسي نحو الباطل.

6- عدوي: هو الشيطان، فإن شغله تحسين المحرمات وتزيينها للنفوس، ولذا علّمنا ـ سبحانه ـ الاستعاذة من الشيطان: (وإمّا ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنّه سميع عليم) الآية 200 من سورة الأعراف.

7- فغرني: فخدعني.

8- أهوى: أحب، من حب مذموم من المشتهيات والمشتبهات.

9- أسعده على ذلك القضاء: أعان الشيطان على خداعي وميل نفسي نحو الباطل. القضاء: الحكم حكمك بأن يكون الإنسان قادراً (ومختاراً في عمل الخير وعمل الشرّ، لحكمة).

بمعنى: أنّ الشيطان وجد له مجالا لغواية الإنسان بقضاء الله.. بحكمه تعالى، بأن لا يكون الإنسان كالملائكة معصوماً عن الخطأ، ولا يقدر عليه، بل يكون ـ الإنسان ـ مالكاً لوسائل الحياة وقادراً على التصرّف (حسب ما يختار لعمل الخير ولعمل الشر، لحكمة).

القضاء والحكمة

خلق الله الإنسان، وأنعم عليه بوسائل الحياة، وأعطاه قوّة العقل، وأرسل له الأنبياء، وبيّن له وظائف الحياة، أمره بما ينفعه ـ لا على سبيل الإجبار ـ ونهاه عمّا يضرّه ـ لا على سبيل المنع بالقوّة ـ.

فقد شاءت حكمة الله أن يرقى الإنسان عن طريق الكفاح والمجاهدة، ويكون بطاعته لله اختياراً فوق مرتبة الملائكة، وذلك الفوز العظيم.

وأعطى ـ سبحانه ـ الإنسان القدرة في أن يرجع من أثناء الطريق، ويختار لنفسه مصيراً آخر، وفتح له باب التوبة (من تاب حقّاً تاب الله عليه) ، وخفّف عن المستضعفين ـ الذين لم تبلغهم وظائفهم.. أحكام شريعة الله ـ، وتكون المسؤولية على الذين يستطيعون أن يبلّغوا أحكام الشريعة إلى الناس، ولم يبلّغوها.

إذ وظيفة المسلم والمسلمة في كلّ مكان وزمان.. فهم الشريعة الإسلامية، والعمل بأحكامها، ومن أحكامها المساهمة في تبليغ وظائف الحياة.. شريعة الإسلام ـ بالوسائل اللائقة ـ إلى الناس كافّة.


الصفحة 16

عليَّ من ذلك(1) بعض حدودك(2) ، وخالفت بعض أوامرك(3) ، فلك الحجّة عليَّ في جميع ذلك(4) ، ولا حجّة لي فيما جرى عليَّ فيه قضاؤك(5) ، وألزمني حكمك وبلاؤك(6).

وقد أتيتك يا إلهي بعد تقصيري وإسرافي(7) على نفسي.. معتذراً نادماً منكسراً مستقيلا(8) مستغفراً منيباً(9) مقراً مذعناً(10) معترفاً، لا أجد مفرّاً ممّا كان منّي ولا مفزعاً(11) أتوجّه إليه في أمري، غير قبولك عذري وإدخالك إيّاي في سعة من رحمتك.


____________

1- بما جرى عليَّ من ذلك: بسبب قضائك وحكمك بأن أكون حرّ التصرّف في عمل الخير والشر.. لحكمة، وبسبب تزيين الشيطان لي الباطل والمذموم من المشتهيات، مع تفضّلك بتحذيري منه.

2- بعض حدودك: بعض حدود شريعتك، من الأوامر والنواهي، لأنّ أحكام الله، الإسلام حدود موضوعة لمصلحة المكلّفين، لا يجوز لهم أن يتجاوزوها.

3- وخالفت بعض أوامرك: تفسير لعبارة (فتجاوزت بعض حدودك).

4- في جميع ذلك: في إنعامك عليَّ بامتلاك وسائل الحياة، وببيان وظائفي في الحياة، والقدرة على التصرّف (والاختيار لسلوك أيّ الطريقين من الخير أو الشر.. لحكمة) ، مع بيانك لي: انّ الخير في الخير والشرّ في الشرّ، وإنعامك عليَّ بالقدرة على الترجيح والقدرة على عدم اتباع الشيطان وطريق الشرّ.

5- ولا حجّة لي فيما جرى عليَّ فيه قضاؤك: لأنّ مخالفة بعض أحكام الله إن وقعت من الإنسان، وقعت باختياره، بسبب تزيين الشيطان له، حيث لم يستعذ بالله منه، ولم يحترس منه ومن حبائله، وقد حذّرنا القرآن الكريم: (إنّ الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) من آية 6 من سورة فاطر، (وقال الشيطان لمّا قضى الأمر إنّ الله وعدكم وعد الحقّ ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم) من آية 22 من سورة إبراهيم.

6- بلاؤك: امتحانك لي.

7- إسرافي: تجاوزي الحدّ.

8- مستقيلا: سائلا العفو عن أخطائي.

9- منيباً: راجعاً إليك.. مقبلا بالقلب بالتوبة.

10- مذعناً: منقاداً خاضعاً.

11- مفزعاً: ملجأً.