الصفحة 17

اللّهمّ فاقبل عذري وارحم شدّة ضري، وفكّني من شدّ وثاقي(1) ، يا ربّ ارحم ضعف بدني ورقة(2) جلدي ودقة(3) عظمي.

يامن بدأ خلقي وذكري وتربيتي وبرّي(4) وتعذيتي(5)..، هبني لابتداء كرمك(6) وسالف برك بي(7) ، يا إلهي وسيّدي وربّي، أتُراك معذبي بنارك بعد توحيدك(8) ، وبعدما انطوى(9) عليه قلبي من معرفتك، ولهج(10) به لساني من ذكرك، واعتقده ضميري من حبّك، وبعد صدق اعترافي ودعائي خاضعاً لربوبيتك(11).

هيهات(12).. أنت أكرم من أن تضيع من ربيته، أو تبعد من أدنيته(13) ، أو تشرد من آويته(14) ، أو تسلّم إلى البلاء من كفيته ورحمته.

وليت شعري(15) يا سيّدي وإلهي ومولاي.. أتسلّط النار على وجوه خرت(16)


____________

1- فكّني من شدّ وثاقي: خلصني من ذنوبي التي هي كالوثاق تقتلني، والوثاق ما يشدّ به قيد وحبل ونحوهما.

2- رقة: "رق" ضد "ثخن".

3- دقة: "دق" ضد "غلظ".

4- برّي: اللطف والشفقة بي والاتّساع في الإحسان إليَّ.

5- تغذيتي: منذ كنت نطفة، فعلقة، فمضغة، فجنيناً، فمولوداً، إلى أوان البلوغ والتكليف واكتساب المعارف وتحصيل الكمالات النفسانية في أحسن تقويم ذي الأيدي والقوى والقدرة.

6- هبني لابتداء كرمك: سامحني اغفر لي ذنوبي هبةً منك واستمراراً لإكرامك إيّاي ابتداءً.

7- سالف برّك بي: سابق إحسانك إليَّ.

8- أتراك معذّبي بنارك بعد توحيدك: هل تأمر بعذابي بنار جهنّم بعد توحيدي إيّاك؟.. بعد اعترافي بأ نّك الخالق الواحد لا شريك لك؟... "أتراك" تأتي بمعنى: هل ترى وتظن.

9- انطوى: اجتمع.

10- لهج: نطق، ملازماً ومثابراً.

11- خاضعاً لربوبيتك: خاضعاً لك حال كوني عارفاً أ نّك ربِّ لي ولسائر الموجودات.

12- هيهات: بُعيدُ ذلك.

13- أدنيته: قرّبته إليك.

14- من آويته: من ضممته إلى رحمتك وحمايتك.

15- ليت شعري: ليتني شعرت، علمت، ليت علمي حاضر.

16- خرت: انكبت على الأرض.


الصفحة 18

لعظمتك ساجدة، وعلى ألسن نطقت بتوحيدك(1) صادقة(2) ، وبشكرك مادحة، وعلى قلوب اعترفت بإلهيتك(3) محقّقة، وعلى ضمائر حوت من العلم بك حتى صارت خاشعة(4) ، وعلى جوارح(5) سعت إلى أوطان تعبدك(6) طائعة، وأشارت باستغفارك مذعنة(7)؟

ماهكذا الظنّ بك، ولا اُخبرنا(8) بفضلك عنك(9) يا كريم، يا ربّ. وأنت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء(10) الدنيا وعقوباتها، وما يجري فيها من المكاره على أهلها، على أن ذلك بلاء ومكروه، قليل مكثه(11) ، يسير بقاؤه، قصير مدّته..

فكيف احتمالي لبلاء الآخرة وجليل وقوع المكاره فيها، وهو بلاء تطول مدته، ويدوم مقامه، ولا يخفّف عن أهله، لأ نّه لا يكون إلاّ عن غضبك وانتقامك(12) وسخطك(13) ، وهذا ما لا تقوم له السماوات والأرض(14)..


____________

1- بتوحيدك: بتوحيدها إيّاك، بأ نّك خالق الكون وحدك لا شريك لك.

2- صادقة: أخرج توحيد أهل النفاق، الذي هو الإقرار باللسان فقط.

3- بإلهيتك: بأ نّك إله الكون وحدك لا شريك لك.

4- خاشعة: ذليلة مستكينة لك.

5- جوارح: الجوارح: أعضاء الإنسان التي يكتسب بها، كيديه ورجليه.

6- أوطان تعبّدك: أماكن عبادتك.

7- مذعنة: خاضعة 8- ولا اُخبرنا: ولا هكذا اُخبرنا.

9- بفضلك عنك: جاء في القرآن الكريم: (قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً إنّه هو الغفور الرحيم) الآية 53 سورة الزمر، إنّه ـ سبحانه ـ غافر الخطيئات، قاضي الحاجات، واهب العطيات، عطوف رؤوف، أرحم الراحمين.

10- بلاء: مصائب.

11- قليل مكثه: قليلة إقامته ودوامه.

12- انتقامك: مجازاتك المذنبين على مخالفتهم لشريعتك ـ التي بها سعادتهم ـ.

13- سخطك: السخط، الغضب، وتكرار المعاني المتقاربة بألفاظ متعدّدة هنا للتأكيد.

14- وهذا ما لا تقوم له السماوات والأرض: كما تقول: وهذا ما تهتزّ، تتزلزل له السماوات والأرض، بيان لِعِظَم آثار غضبه وانتقامه وسخطه ـ سبحانه ـ، وقيام السماوات والأرض: استمساكهما واستمرارهما مستقرين حسب قوانين الطبيعة ونواميسها بأمره ـ تعالى ـ.


الصفحة 19

يا سيّدي فكيف بي وأنا عبدك الضعيف الذليل، الحقير(1) المسكين(2) المستكين(3).

يا إلهي وربّي وسيّدي ومولاي، لأيّ الاُمور إليك أشكو؟ ولما منها أضجُّ(4) وأبكي؟ لأليم العذاب(5) وشدّته؟ أم لطول البلاء(6) ومدته؟

فلئن صيرتني للعقوبات مع أعدائك، وجمعت بيني وبين أهل بلائك(7) ، وفرقت بيني وبين أحبائك(8) وأوليائك(9).. فهبني(10) يا إلهي وسيّدي ومولاي وربّي.. صبرت على عذابك، فكيف أصبر على فراقك(11)؟ وهبني صبرت على حر نارك(12).. فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك(13)؟ أم كيف أسكن في النار ورجائي عفوك؟

فبعزتك يا سيّدي ومولاي اُقسم صادقاً.. لئن تركتني ناطقاً(14) لأضجّن إليك بين


____________

1- الحقير: الصغير القدر الذليل.

2- المسكين: الفقير السيّىء الحال.

3- المستكين: الخاضع الذليل.

4- أضجّ: أصيح وأنا في حالة خوف.

5- لأليم العذاب: للعذاب الموجع الشديد.

6- البلاء: المحنة والشدّة.

7- أهل بلائك: أهل المصائب المعذّبين.

8- أحبّائك: محبّيك. وحبّ العبد لله أن يطيعه ولا يعصيه.

9- أوليائك: أتباعك مطيعيك.

10- فهبني: فاحسبني واعددني.

11- فِراقك: فراق رحمتك والمقام الذي ترضاه. فراق أحبائك وأوليائك.

12- نارك: نار جهنّم.

13- إلى كرامتك: إلى محال كرامتك ولطفك، الجنّة.

14- ناطقاً: ورد: أنّ للعباد يوم القيامة مواقف، يؤذن لهم بالكلام في بعضها دون بعض، فيختم على أفواه المجرمين حين شهادة أيديهم وأرجلهم، ثمّ تُطلق. (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلاّ همساً) الآية 108 من سورة طه. (اليوم نختم على أفواههم وتكلّمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) الآية 65 من سورة يس.


الصفحة 20

أهلها(1) ضجيج(2) الآملين(3) ، ولأصرخن إليك صراخ المستصرخين(4) ، ولأبكين عليك بكاء الفاقدين(5) ، ولاُنادينك أين كنت يا ولي المؤمنين(6)؟ يا غاية آمال العارفين(7) ، يا غياث المستغيثين(8) ، يا حبيب قلوب الصادقين(9) ، ويا إله العالمين(10)؟

أفتراك(11) سبحانك يا إلهي وبحمدك تسمع فيها(12) صوت عبد مسلم سجن فيها بمخالفته(13) ، وذاق طعم عذابها بمعصيته، وحبس بين أطباقها(14) بجرمه(15) وجريرته(16) ، وهو يضجُّ إليك ضجيج مؤمّل(17) لرحمتك، ويناديك بلسان أهل توحيدك(18) ، ويتوسل إليك(19) بربوبيتك(20).


____________

1- أهلها: أهل النار.

2- ضجيج: صياح من هو في حالة خوف. أي مثل ضجيج.

3- الآملين: لرحمتك.

4- لأصرخن إليك صراخ المستصرخين: لأصيحن صياحاً شديداً إليك كصياح المستغيثين.

5- لأبكين عليك بكاء الفاقدين: لأبكين لفراق مقام رضاك. كبكاء الفاقدين. المفارقين للأعزاء عليهم ـ كالأولاد ـ بالموت وغيره.

6- أين كنت يا وليّ المؤمنين: أين نصرك وإعانتك، يا معين المؤمنين.

7- يا غاية آمال العارفين: يا منتهى رجاء العارفين، والعارف كما قيل: من اطّلع على نعوته ـ تعالى ـ وصفاته الجلالية والجمالية بقدر الطاقة البشرية.

8- يا غياث المستغيثين: يا إعانة المستعينين، طالبي المعونة.

9- يا حبيب قلوب الصادقين: يا محبوب قلوب الصادقين، والصادقون الذين صدقوا في دين الله نيّة وقولا وعملا.

10- يا إله العالمين: يا معبود أصناف الخلق كلّه.

11- أفتراك: هل يكون أن تسمع.

12- فيها: في نار جهنم.

13- بمخالفته: بسبب مخالفته لأوامرك ونواهيك.

14- أطباقها: طبقاتها. طبقات النار.

15- بجرمه: بخطئه وذنبه.

16- جريرته: جنايته.

17- مؤمّل: راج.

18- يناديك لسان أهل توحيدك: يناديك ويدعوك كما يدعوك المعترفون: بأ نّك الخالق الواحد لا شريك لك.

19- يتوسل إليك: يتقرّب إليك. لخلاصه من العذاب.

20- بربوبيتك: بأ نّك ربّ له ولسائر المخلوقات.


الصفحة 21

يا مولاي.. فكيف يبقى في العذاب.. وهو يرجو ما سلف(1) من حلمك؟ أم كيف تؤلمه النار.. وهو يأمل فضلك ورحمتك؟ أم كيف يحرقه لهيبها(2).. وأنت تسمع صوته، وترى مكانه؟ أم كيف يشتمل عليه(3) زفيرها(4).. وأنت تعلم ضعفه، أم كيف يتغلغل بين أطباقها(5).. وأنت تعلم صدقه؟ أم كيف تزجره(6) زبانيتها(7).. وهو يناديك يا ربّه؟ أم كيف يرجو فضلك في عتقه(8) منها.. فتتركه فيها؟

هيهات، ما ذلك الظن بك، ولا المعروف من فضلك، ولا مشبه لما عاملت به الموحّدين(9) من برك(10) وإحسانك.

فباليقين أقطع، لولا ما حكمت به من تعذيب جاحديك(11) ، وقضيت به(12) من إخلاد معانديك(13).. لجعلت النار كلّها برداً وسلاماً(14) ، وما كان لأحد فيها مقراً(15) ولا مُقاماً(16).


____________

1- ما سلف: ما تقدّم وسبق.

2- لهيبها: لهب النار: شعلة النار لسان النار المضيء.

3- يشتمل عليه: يحيط به من جميع جوانبه.

4- زفيرها: صوت اشتعالها. فإنّ لهب النار الشديدة له صدى قويّ، يسمع من مكان بعيد.

5- يتغلغل بين أطباقها: يدخل بين طبقاتها بتعب وشدّة.

6- تزجره: تصيح به بشدّة وانتهار.

7- زبانيتها: الزبانية: ملائكة العذاب.. يدفعون أهل النار.. إليها.

8- عتقه: حريته وخلاصه.

9- الموحّدين: المعتقدين بوحدانيتك. بأ نّك إله الكون، واحد لا شريك لك.

10- برّك: لطفك وشفقتك.

11- جاحديك: منكريك ـ سبحانك ـ مع علمهم بك.

12- قضيت به: أمرت أمراً مقطوعاً به.

13- إخلاد معانديك: دوام بقاء معانديك في النار، والمعاند: العاصي. من خالف الحقّ وهو عارف.

14- سلاماً: سلامة من الأذى، كناية عن الراحة ونظارة العيش والتنعّم.

15- مقراً: مستقراً. موضع استقرار.

16- مُقاماً: موضعاً للإقامة.


الصفحة 22

لكنك تقدّست(1) أسماؤك.. أقسمت أن تملأها من الكافرين، من الجنّة(2) والناس أجمعين(3) ، وأن تخلّد فيها المعاندين(4).

وأنت جلّ ثناؤك(5).. قلت مبتدئاً، وتطوّلت بالإنعام متكرّماً(6): (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستون)(7).

إلهي وسيّدي، فأسألك بالقدرة التي قدّرتها(8) ، وبالقضية(9) التي حتمتها(10) وحكمتها، وغلبت من عليه أجريتها.. أن تهب لي في هذه الليلة وفي هذه الساعة.. كلّ جرم أجرمته(11) ، وكلّ ذنب أذنبته، وكلّ قبيح أسررته(12) ، وكلّ جهل عملته.. كتمته أو أعلنته، أخفيته أو أظهرته، وكلّ سيئة أمرت بإثباتها الكرام الكاتبين(13) ،


____________

1- تقدّست: تنزّهت عن النقائص.

2- الجِنّة: جمع جن، قيل: إنّ الجنّ أجسام هوائية قادرة على التشكّل بأشكال مختلفة، لها عقول وأفهام وقدرة على الأعمال الشاقة. والجن حقيقة، لا يرفضها العقل ـ فما أكثر ما يجهل من عوالم هذا الكون ـ وقد نزل بها الوحي (وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون) الآية 51 من سورة الذاريات.

3- أجمعين: (فوربّك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثياً) الآية 68 سورة مريم. (ولكن حقّ القول منّي لأملأن جهنم من الجِنّة والناس أجمعين) من آية 13 من سورة السجدة. الذين أذنبوا وتمادوا في المعصية بملء اختيارهم.

4- المعاندين: (والذين كذّبوا بآياتنا واستكبروا عنها اُولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) الآية 36 سورة الأعراف.

5- جل ثناؤك: عظم مدحك.. ذكرك الحسن. من أن يصفه الواصفون.

6- تطوّلت بالإنعام متكرّماً: تفضّلت بما ينعم به حال كونك بليغ الكرم ـ سبحانك ـ.

7- الآية 18 من سورة السجدة.

8- بالقدرة التي قدّرتها: بالقضاء والحكم الذي قضيت وحكمت به.

9- بالقضية: قيل: هي الإماتة والموت.

10- حتمتها: أوجبتها. جزماً.

11- كلّ جرم أجرمته: كلّ خطأ عملته.

12- أسررته: أخفيته في نفسي.

13- الكرام الكاتبين: الملائكة الذين يحصون أعمال العباد.


الصفحة 23

الذين وكلتهم بحفظ ما يكون منّي، وجعلتهم شهوداً عليَّ مع جوارحي، وكنت أنت الرقيب(1) عليَّ من ورائهم، والشاهد لما خفي عنهم(2) ، وبرحمتك أخفيته وبفضلك سترته..

وأن توفّر حظي(3) من كلّ خير أنزلته أو إحسان فضّلته أو بر نشرته(4) ، أو رزق بسطته(5) ، أو ذنب تغفره، أو خطأ تستره.

يا ربّ يا ربّ يا ربّ(6) ، ياإلهي وسيّدي ومولاي ومالك رقّي(7) ، يامن بيده ناصيتي(8) ، يا عليماً بضري ومسكنتي(9) ، يا خبيراً بفقري وفاقتي(10).

يا ربّ يا ربّ يا ربّ، أسألك بحقّك وقدسك(11) وأعظم صفاتك وأسمائك.. أن تجعل أوقاتي في الليل والنهار بذكرك معمورة(12) ، وبخدمتك موصولة(13) ، وأعمالي عندك مقبولة(14) ، حتى تكون أعمالي وأورادي كلها ورداً واحداً(15) ،


____________

1- الرقيب: الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.

2- والشاهد لما خفي عنهم: كالخواطر السيئة والنيّات الفاسدة، التي لا يدركها الملائكة الموكّلون، ويعلمها الله.

3- توفر حظي: تكثّر نصيبي وقسمتي.

4- أو برّ نشرته: أو خير بثثته على الخلق باتساع.

5- بسطته: نشرته باتساع، تكرار المعاني المتقاربة بألفاظ متعددة تفنّن ـ وهو من البلاغة ـ وإظهار مزيد الرغبة بفضل الله تعالى.

6- يا ربّ: ذكر: ان تكرار لفظ "ربّ" ثلاث مرات في الدعاء. من أسباب استجابة الدعاء.

7- مالك رقّي: مالكي.. مُصرّفي على أيّ نحو يشاء. والرقّ العبودية.

8- يامن بيده ناصيتي: تستعمل هذه الجملة من باب الاستسلام، بمعنى يا من أنا تحت قدرته وأمره. يامن بيده زمام اختياري. والناصية مقدّم الرأس أو شعر مقدّم الرأس المسترسل ـ إذا طال ـ.

9- مسكنتي: ذلي وضعفي.

10- فاقتي: حاجتي.

11- وقدسك: وطهرك وتنزّهك عن النقائص.

12- بذكرك معمورة: عامرة مشغولة بذكرك.

13- بخدمتك موصولة: بطاعتك متّصلة من غير انقطاع.

14- وأعمالي عندك مقبولة: كأنّ المعنى وأن تقبل أعمالي ـ بأحكام شريعتك الصحيح منها والناقص ـ لطفك منك ورحمة ـ... بخروجي عن عهدة التكليف، وبالثواب على الواجبات والمستحبات.

15- أورادي كلها ورداً واحداً: أوراد جمع ورد وهو الذكر الذي يؤدّى في زمان محدود، يفهم من عبارة الدعاء أن يكون الورْد غير محدود في زمن، بل يكون تمام العمر ورْداً واحداً. تمام العمر في طاعة الله والتزام تعاليمه.


الصفحة 24

وحالي في خدمتك سرمداً(1).

يا سيّدي يامن عليه معولي(2) ، يامن إليه شكوت أحوالي، يا ربّ يا ربّ يا ربّ.. قوّ على خدمتك جوارحي، واشدد على العزيمة جوانحي(3) ، وهب لى الجدّ في خشيتك(4) ، والدوام في الاتصال بخدمتك(5).. حتى أسرح إليك(6) في ميادين السابقين(7) ، واُسرع إليك في المبادرين(8) واشتاق إلى قربك(9) في المشتاقين، وأدنو(10) منك دنو المخلصين(11) ، وأخافك مخافة الموقنين(12) ،


____________

1- في خدمتك سرمداً: في طاعتك دائماً بلا انقطاع.

2- معولي: اعتمادي.

3- اشدد على العزيمة جوانحي: قو إرادتي وعزمي. على خدمتك. والعزيمة الإرادة المؤكّدة. وجوانح جمع (جانحة) ، وهي: الضلع ممّا يلي الصدر.

4- الجدّ في خشيتك: الإجتهاد في مخافتك، وقد ورد (رأس الحكمة مخافة الله). والإجتهاد في مخافة الله تعالى. يقتضي مراقة النفس في تمام الأحوال، حتى لا يخرج المكلّف عن حدود الله. عن أحكام الشريعة الإسلامية.

5- في الإتصال بخدمتك: في العمل بشريعتك الإسلامية.

6- أسرح إليك: أسير إلى علوّ المنزلة والرتبة عندك.

7- ميادين السابقين: ميادين عمل السابقين إلى طاعتك، وهم الأنبياء والأوصياء.

8- المبادرين: المسرعين.

9- إلى قربك: إلى القرب منك منزلة ورتبة.

10- أدنو: أقرب، بالعمل الصالح.

11- دنو المخلصين: نوع قرب المخلصين. والمخلصون: الذين أوقعوا الطاعة خالصة لله وحده.

12- مخافة الموقنين: نوع مخافة الموقنين بك. و "الموقن" من أيقن بالله بلا شك، وفُسر (اليقين) بالتوكل على الله، والتسليم لله، والرضا بقضائه، والتفويض إليه.


الصفحة 25

وأجتمع في جوارك(1) مع المؤمنين.

اللّهمّ ومن أرادني بسوء فأرده، ومن كادني فكده(2) ، واجعلني من أحسن عبيدك نصيباً عندك، وأقربهم منزلة منك، وأخصهم زلفة(3) لديك، فإنّه لا ينال ذلك إلاّ بفضلك..

وجد لي(4) بجودك، واعطف عليَّ بمجدك(5) ، واحفظني برحمتك، واجعل لساني بذكرك لهجاً، وقلبي بحبّك(6) متيماً، ومُنَّ عليَّ بحسن إجابتك(7) ، وأقلني عثرتي(8) ، واغفر زلتي(9) ، فإنّك قضيت(10) على عبادك بعبادتك(11) ، وأمرتهم بدعائك، وضمنت لهم الإجابة(12).

فإليك يا ربّ نصبت وجهي(13) ، وإليك يا ربّ مددت يدي(14) ، فبعزتك


____________

1- في جوارك: في محل رحمتك وفضلك.

2- ومن كادني فكده: ومن سعى في فساد حالي على وجه الإحتيال. فكده: فابعده وأنزل به ما يستحقّ.

3- زلفة: قربى، منزلة.

4- جد لي: تكرّم عليَّ.

5- بمجدك: بعزك ورفعتك.

6- متيماً: متعلّقاً من كثرة الحُبّ.

7- منّ عليَّ بحسن إجابتك: أنعم عليَّ بحسن إجابتك دعائي، بسرعة قضاء حاجتي الصالحة بيسر وخير.

8- أقلني عثرتي: اعف عن ذنبي.

9- اغفر زلتي: خطيئتي.

10- قضيت: أمرت أمراً مقطوعاً به.

11- بعبادتك:... جاء في القرآن الكريم: (وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون) الآية 56 من سورة الذاريات. (وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم) الآية 61 سورة يس. والعبادة: هي أداء تعاليم الله في العقيدة والعمل.

12- ضمنت لهم الإجابة: قال تعالى: (ادعوني أستجب لكم) من آية 60 سورة المؤمن.

13- نصبت وجهي: رفعت وجهي وأقمته للدعاء.

14- مددت يدي: سائلا رحمتك وعونك.


الصفحة 26

استجب لي دعائي وبلّغني مُناي(1) ، ولا تقطع من فضلك رجائي، واكفني(2) شرّ الجنّ والإنس من أعدائي(3).

يا سريع الرضا(4).. اغفر لمن لا يملك إلاّ الدعاء(5) ، فإنّك فعّال(6) لما تشاء.

يامن اسمه دواء(7) ، وذكره شفاء(8) ، وطاعته غنىً(9).. إرحم من رأس ماله الرجاء(10) وسلاحه البكاء(11).


____________

1- بلّغني مناي: أوصلني إلى ما اُريده. ومُنى جمع (منية) ، وهي: ما يراد ويتمنّى من الاُمور.

2- اكفني: اغنني عن، امنع عنّي.

3- شر الجنّ والإنس من أعدائي: شرّ إبليس، الشيطان ـ هو من الجن ـ وشر أتباعه من الجنّ والإنس. عداوة الشيطان للإنسان بتزيين السيئات.

4- يا سريع الرضا: عن عباده، بتكليفهم ـ لخبرهم وسعادتهم ـ دون ما يطيقون، واستصلاح فادسهم بالتوبة، فتح باب التوبة للمذنبيين بلا واسطة، رحمةً منه ـ تعالى ـ وإحساناً.

5- لا يملك إلاّ الدعاء: ليس عنده من عمل ينجيه إلاّ الدعاء، دلالة الفقر والحاجة إليه ـ تعالى ـ وهذا السؤال من وسائل المغفرة والرحمة.

6- فعّال: مبالغة من فاعل. ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. (إذا قضى أمراً فإنما يكون له كن فيكون) من آية 117 من سورة البقرة.

7- يامن اسمه دواء: التوسل باسم الله ـ تعالى ـ مع نية صادقة. واسطة جلب الشفاء والصحة من العلل والأمراض البدنية والروحانية. واسطة ليقظة الإنسان من غفلته. والقرب من شريعة الله. ولكل اسم من أسمائه ـ تعالى ـ آثار عظيمة وخواص عجيبة، ذُكرت في بعض الكتب بتفصيل الدواء: ما يعالج به المرض.

8- وذكره شفاء: من الأمراض الروحانية كالعقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة، ومن الأمراض الجسيمة ببركة تلاوته للاستشفاء (الذكر) مر تفسيره. والشفاء ذهاب المرض.

9- وطاعته غنى: طاعة الله التزام أحكامه ـ أداء الواجبات والكف عن المحرمات ـ، وبطاعة الله ـ سبحانه ـ تتيسر اُمور الحياة، حيث يستمدّ المطيع عون الله الذي لا يعجزه شيء. (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب...) الآية 2 ـ 3 من سورة الطلاق. الغنى: الاكتفاء واليسار.

10- رأس ماله الرجاء: أصل ما عنده من جميع الأشياء الرجاء برحمتك للدنيا والآخرة. ورأس المال: أصل المال الذي يُبدأ به ويعمدُ عليه للتجارة والكسب.

11- وسلاحه البكاء: وسيلته ـ لدفع الضرر وجلب المنفعة المشروعة ـ البكاء لديك خضوعاً والتماساً لعطفك وعونك ورحمتك.

عن الإمام الباقر (عليه السلام): [ما من قطرة أحب إلى الله من قطرة دموع في سواد الليل مخافةً من الله، لا يراد بها غيره]. والسلاح: اسم جامع للآلات التي يقاتل بها في الحرب ويُدافع.


الصفحة 27

يا سابغ النعم(1) ، يا دافع النقم، يا نور المستوحشين في الظلم(2) ، يا عالماً لا يُعلّم..

صلّ(3) على محمّد وآل محمّد، وافعل بي ما أنت أهله(4) ، وصلّى الله على رسوله والأئمّة الميامين(5) من آله(6) وسلّم تسليماً كثيراً(7).


وقد الفراغ من "شرح دعاء كميل" في بيروت في يوم 6/3/1402 هـ = 1/1/1982م زاداً ثقافياً للمجتمع البشري... اللّهمّ اجعله خالصاً لوجهك الكريم.

____________

1- يا سابغ النعم: يا معطي النعم بتوسّع.

2- يا نور المستوحشين في الظلم: يا هادي، يا اُنس المستوحشين في الظلمات. المستوحش: الخائف أو المنقبض القلب من الخلوة، البعيد عن المودّات والظُلَم جمع ظُلمة: وهي ذهاب النور.

3- صل: بارك. ارحم وتفضّل بالثناء الحسن.

4- ما أنت أهله: ما أنت خليق به، جدير به من الرحمة والإحسان.

5- الميامين: ذوي اليُمن والبركة.

6- آله: أهله. أهل بيته.

7- سلّم تسليماً كثيراً: سلّم ـ عليهم ـ سلاماً كثيراً.. حيّاهم تكريماً، وجعلهم في أمن وسلامة من كلّ سوء.