شرح دعاء الصباح

 لأمير المؤمنين (عليه السلام)

 

الشيخ نزيه القميحا

 

 

مقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصلاة وأزكى التسليم على سيد الخلق أجمعين، حبيب إله العالمين، سيدنا محمّد، النبيّ الأمين، والرسول الكريم، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين المؤمنين، الذين لا غيروا ولا بدلوا تبديلا.

قال الله تعالى: (قل ما يبعؤا بكم ربّي لولا دعاؤكم)الفرقان/77.

وقال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون) الذاريات/56.

الدعاء مخّ العبادة، وسلاح المؤمن، وهو النجاة للمؤمنين من أعدائهم، وهو يدرّ عليهم الرّزق، ويردّ القضاء بعدما اُبرم إبراماً، وهو مفتاح كل رحمة، ونجاح كلّ حاجة، ولا يُنال ما عند الله تعالى إلاّ به...

أمرنا سبحانه بالدعاء، ووعدنا الإجابة إذا فعلنا موجبات الإجابة، فقال عزّ وجلّ: (ادعوني أستجب لكم). غافر/60.

(فإنّي اُجيب دعوة الدّاع إذا دعان). البقرة/186.

وطلب منّا سبحانه تكرار الدعاء، والمواظبة عليه بكرةً وأصيلا. ووعدنا استجابة الدعاء إذا فعلنا موجباته من المواظبة عليه ومن استحضار القلب والجوارح عنده، ومحاولة البكاء من خشية الله تعالى، وقصد أماكن العبادة والطاعة... وغيرها من الاُمور التي تجعل من الداعي متصلا بربه خائفاً من ذنبه، خاشعاً مستغفراً منيباً...

وقد قام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالعبادة الحقّ، بالتوجه إلى الله تعالى بقلبه وروحه وجوارحه حتى ورمت قدماه من كثرة الصلاة والعبادة، وقد عاتبه الله سبحانه بقوله: (طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى). طه/1 ـ 2.

وهذا أخوه ووصيه وصهره ونفسه عليّ بن أبي طالب أميرالمؤمنين وسيد الوصيين ويعسوب الدين وقائد الغر المحجلين صلوات الله عليه وعلى أبنائه الطاهرين، كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة... ولم يتحمّل عبادة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو قام بها أحد غيره(عليه السلام).

وقد ملأت أدعية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار(عليهم السلام) بطون الكتب، فلا نجد كتاب تأريخ أو حديث أو أخلاق أو غيرها من الكتب التي ذكرت سيرتهم أو حياتهم أو عباداتهم إلاّ وذكرت الأدعية والأذكار التي وردت عنهم أو كانوا يقومون بها، ويواظبون عليها، لا لأنّهم أذنبوا أو أخطئوا أخطاء توجب هذه الأدعية والإستغفارات والتوسلات... بل كان ذلك منهم شكراً وحمداً لله تعالى على ما أنعم عليهم، وتعليماً للاُمّة لكي تقتدي بهم، وتسير بسيرتهم، وتنهج نهجهم... فقد عوتب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على كثرة عبادته وصلاته، بعد أن ورمت قدماه وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): ألا أكون عبداً شكوراً(1).

وهكذا كان الأئمّة الأطهار(عليهم السلام) لم يكن لديهم أيّ ذنب أو معصية تستوجب هذه الأدعية على سبيل الحقيقة، لأنّهم معصومون عن الخطأ، ومطهرون عن الزلل، ولكنّهم كانوا يدعون الله تعالى شكراً وخضوعاً وتذللا وحمداً وثناءً... على ما أنعم عليهم، وليكونوا رمزاً للعبادة الحقّ، ومشعلا يُستنارُ بنورهم، ومثلا يُقتدى بهم وبعبادتهم وصلاتهم وأدعيتهم وتوسلهم بالله الخالق العظيم عزّ وجلّ... وليعلِّموا الاُمّة كيف يتوبون إلى الله تعالى من ذنوبهم، ويستغفرونه على ما صدر منهم من خطايا وآثام، ويلجئون إليه سبحانه في مهمّات الاُمور، ويتوسلون به خاشعين خاضعين مؤمنين متّقين...

وقد أخطأ وأثم من اعتبر أقوالهم في الإستغفارات من الذنوب العظام على سبيل الحقيقة، وصرّح بأنّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) يسأل الله تعالى «أن لا يأخذه بما يناسب وضعه، لأنّه لو أخذه بما يناسب وضعه، لما استحق سوى العذاب...» وأنّه لو لم يكن لديه ذنوب، وآثام كبيرة لما اعترف بها، وأقرّ بحصولها وسأل الله تعالى أن يغفرها له...

وقد نسيَ أو تناسى أنّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) وأبناءه الطاهرين(عليهم السلام) معصومون مطهرون من كل ذنب أو نقص أو عيب، وأنّهم ولاة الأمر بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بنص الكتاب المجيد والصحاح الواردة عن جدّهم الرسول المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّهم هم المثل الذي يقتدي به المؤمنون، فلابد من قيامهم بما قاموا به من أدعية وأذكار ليعلّموا الاُمّة كيف تلجأ إلى الله عزّ وجلّ، وكيف تتوسل به وتستغفره وتتوب إليه...

ومن هنا نسأل الله تبارك وتعالى التوفيق لفهم سيرتهم العطرة، والتعرّف على الغرض الذي رموا إليه من خلال عباداتهم وأدعيتهم ومجالسهم المباركة... فهم حجّة الله على الخلق، والدليل على معرفته، والطريق الموصل إلى رضوانه سبحانه وتعالى...

كما وأننا نسأله التسديد للدوام على ولائهم، والتمسك بحبلهم، والاعتصام بهم وبسنّتهم في كل آن وزمان، لأنهم هم والكتاب المجيد صنوان لا يفترقان، وقد أوجب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على الاُمّة التمسك بهما، وقال: إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، إنّه سميع مجيب.

وقد أبدع مولانا أميرالمؤمنين(عليه السلام) في دعاء (الصباح) بكلمات ناجى بها الله تعالى، التي نستوحي منها الخشوع والإجلال والإكبار من سيد البلغاء والمتكلمين وإمام الفصحاء والمحدّثين بعد رسول ربّ العالمين صلوات الله وسلامه عليهما وعلى الأئمّة الطاهرين وجميع الأنبياء والمرسلين...

وقد طلب منّي بعض الاُخوة المؤمنين أن أشرح كلمات هذا الدعاء الجليل، لما فيه من المعاني الجليلة السامية التي يسبح قارئه في سماء فكر مولانا أميرالمؤمنين(عليه السلام) التي ملؤها الجلال والجمال، والعلو السامي المتعالي... واستجابة لطلب هذا الأخ الكريم، ومحبّة للتشرف والتبرك في شرح كلام مولانا أميرالمؤمنين(عليه السلام)، قمت بشرح ما رأيته بحاجة إلى شرح، سائلا المولى عزّوجلّ التوفيق، والسداد، والقبول إنّه وليّ ذلك، وهو حسبنا ونعم الوكيل...

 

 

أصل الدعاء

 

بسم الله الرّحم الرّحيم

(اللّهمّ يَامَن دَلَعَ لِسانَ الصباح بنطق تبلّجه، وسرّح قِطع الليل المظلم بغياهب تلجلُجه، وأتقن صُنع الفَلك الدوّار في مقادير تبرّجه، وشعشَع ضياء الشمس بنور تأجّجه. يامن دلّ على ذاته بذاته وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته، وجلّ عن ملاءمة كيفيّاته. يا من قرب من خواطر الظّنون، وبَعُد عن ملاحظة العيون، وعَلِمَ بما كان قبل أن يكون. يامن أرقدني في مهاد أمنه وأمانه، وأيقظني إلى ما منحني به من مِنَنهِ وإحسانه، وكفّ أكفّ السوء عنّي بيده وسلطانه. صلّ اللّهمّ على الدليل إليك في الليل الأليل، والماسك من أسبابك بحبل الشرف الأطول، والناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل، والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأول وعلى آله الطيبين الأخيار، المصطفَين الأبرار، وافتح اللّهمّ لنا مصاريع الصباح، بمفاتيح الرحمة والفلاح، وألبسنا اللّهمّ من أفضل خلع الهداية والصلاح، واغرس اللّهمّ لعظمتك في شرب جناني ينابيع الخشوع، وأجر اللّهمّ لهيبتك من أماقي زفرات الدموع وأدِّب اللّهمّ نزق الخرق منّي بأزمّة القنوع. إلهي! إن لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق، فمن السالك بي إليك في واضح الطريق، وإن أسلمتني أناتك لقائد الأمل والمُنى، فمن المقيل عثراتي من كبوة الهوى، وإن خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان، فقد وكلني خذلانك إلى حيث النصب والحرمان. إلهي! أتراني ما أتيتك إلاّ من حيثُ الآمال، أم علقتُ بأطراف حبالك إلاّ حين باعدتني ذنوبي عن دار الوصال، فبئس المطيّة التي امتطأت نفسي من هواها، فواهاً لها لما سوّلت لها ظنونها ومناها، وتبّاً لها لجرأتها على سيّدها ومولاها. إلهي قرعت باب رحمتك بيد رجائي، وهربت إليك لاجئاً من فرط أهوائي، وعلّقت بأطراف حبالك أنامل ولائي. فاصفح اللّهمّ عمّا كان أجرمته من زللي وخطئي. وأقلني اللّهمّ من صرعة ردائي، وعسرة بلائي، فإنّك سيّدي ومولاي ومعتمدي ورجائي، وأنت غاية مطلوبي ومناي، في منقلبي ومثواي. إلهي! كيف تطرد مسكيناً التجأ إليك من الذنوب هارباً أم كيف تُخيّب مسترشداً، قصد إلى جنابك ساعياً، أم كيف تردّ ظمآن ورد إلى حياضك شارباً، كلاّ وحياضك مترعة في ضنك المحول وبابك مفتوح للطلب والوغول، وأنت غاية السؤُلِ، ونهاية المأمول. إلهي! هذه أزمّةُ نفسي قد عقلتها بعقال مشيئتك وهذه أعباء ذنوبي درأتها برحمتك ورأفتك وهذه أهوائي المضلّة وكّلتها إلى جناب لطفك. فاجعل اللّهمّ صباحي هذا، نازلا عليَّ بضياء الهدى، والسلامة في الدّين والدّنيا، ومسائي جُنّة من كيد العدى، ووقاية من مرديات الهوى، إنّك قادر على ما تشاء (تؤتي المُلك من تشاء، وتنزع المُلك ممّن تشاءُ، وتُعزُّ من تشاءُ، وتُذلُّ من تشاءُ بيدك الخير، إنّك على كلّ شيء قدير)(آل عمران/26) (تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل وتُخرج الحيَّ من الميت، وتخرج الميت من الحيِّ، وترزق من تشاء بغير حساب) (آل عمران/27) لا إله إلاّ أنت سبحانك اللّهمّ وبحمدك، جلّ ثناؤك من ذا يعرف قدرتك فلا يخافك، ومن ذا يعلم ما أنت فلا يهابك، ألّفت بقدرتك الفِرَق، وفلقت برحمتك الفَلق، وأنّرت بكرمك دياجي الغسق، وأنهرت المياه من الصمّ الصياخيد عذباً واُجاجاً، وأنزلت من المعصرات ماءً ثجاجا، وجعلت الشمس والقمر للبريّة سراجاً وهّاجاً، من غير أن تمارس فيما ابتدأت به لغوباً ولا علاجاً. فيامن توحّد بالعزّ والبقاء! وقهر عباده بالموت والفناء، صلّ على محمّد وآله الأتقياء، واستمع ندائي، وأهلِك أعدائي، واستجب دُعائي، وحقّق بفضلك أملي ورجائي. يا خير من دُعي لكشف الضّرُّ والمأمول لكلّ عسر ويسر، بك أنزلت حاجتي فلا تردّني يا سيّدي! من سنّي مواهبك خائباً يا كريم يا كريم يا كريم! برحمتك يا أرحم الرّاحمين. وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا خير خلقه محمّد وآله الطّاهرين أجمعين).

ثم تسجد وتقول:

(إلهي! قلبي محجوب، ونفسي معيوب، وعقلي مغلوب، وهوائي غالب، وطاعتي قليل، ومعصيتي كثير، ولساني مقرّ بالذنوب، فكيف حيلتي يا علاّم الغيوب! يا غفّار الذنوب! يا ستّار العيوب! اغفر لي ذنوبي كلّها، يا غفّار يا غفّار يا غفّار! يا شديد العقاب يا غفور يا رحيم! يا حليم يا كريم! اقض حاجاتي بحقّ القرآن العظيم، والنبيّ الكريم وصلّى الله على محمّد وآله أجمعين، الطيّبين الطاهرين).

الشرح

بسم الله الرّحمن الرّحيم

[اللّهمّ يَامَن دَلَعَ لِسانَ الصباح بنطق تبلّجه، وسرّح قِطع الليل المظلم بغياهب تلجلُجه، وأتقن صُنع الفَلك الدوّار في مقادير تبرّجه، وشعشَع ضياء الشمس بنور تأجّجه].

(اللّهمّ يَامَن دَلَعَ لِسانَ الصباح بنطق تبلّجه)

دلع: أخرج وأظهر.

لسان الصباح: شروق الشمس ووضوح النهار.

النطق: هو ضد الصمت.

التبلج: الإضاءة والإشراق.

المعنى: يا إلهي! يامن أخرجت ضوء الصباح، وأظهرت إشراقة النهار وضوءه...

(وسرّح قِطع الليل المظلم بغياهب تلجلُجه)

التسريح: الإرسال. قال عزّ وجلّ: (أو تسريح بإحسان). البقرة/229.

قطع الليل: أي حركة الليل: درجة درجة، وقطعة قطعة. الغياهب: الظلمة الشديدة.

التلجلج: التردد، مثل لقمة الطعام تتلجلج في الفم، وتتردد للمضغ. وقد قيل: «ألحق أبلج، والباطل تلجلج» ولجّة البحر تردد أمواجه.

المعنى: يا إلهي! يا من أرسل الليل المظلم الشديد الظلمة، متحركاً متردداً ذهاباً وإياباً...

(وأتقن صُنع الفَلك الدوّار في مقادير تبرّجه)

أتقن: أحكم.

الفَلك: جمعها أفلاك، وهي الكواكب والنجوم.

الدّوّار: المتحرك بالاستدارة.

المقادير: من المقدور والقدرة.

التبرج: الزينة، قال تعالى: (وقرن في بيوتكنّ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاُولى). الأحزاب/33.

وزينة الأفلاك هي انتقالها من برج إلى برج، أو هي التي زيّن بها الله السماء الدنيا (ولقد زيّنا السماء الدّنيا بمصابيح). الملك/5.

(صنع الله الذي أتقن كلّ شيء). النمل/88.

المعنى: إلهي! يا من أتقنت وأحكمت صنع كلّ شيء، وفي أجمل تصوير وتبرج وزينة...

(وشعشَع ضياء الشمس بنور تأجّجه)

الشعشعة: المزج والخلط.

التأجج: هو إضرام النار واشتعالها ولهبها.

المعنى: يا إلهي! يا من مزج ضياء الشمس بالأشعة التي تخرج منها حال تأججها واشتعالها، فيكون منها ضياء دائماً أبداً...

 

[يامن دلّ على ذاته بذاته وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته، وجلّ عن ملاءمة كيفيّاته. يا من قرب من خواطر الظّنون، وبَعُد عن ملاحظة العيون، وعَلِمَ بما كان قبل أن يكون].

(يامن دلّ على ذاته بذاته)

المعنى: هذه فقرة موجزة قالها أميرالمؤمنين(عليه السلام) فيها دلالات واسعة كثيرة.

أي يا إلهي! يا من كان نور ذاته المقدسة، هو دليل موصل للطالبين والراغبين إلى التقرب إليه، والتعرف عليه، فبفضله وكرمه وفيوضاته عرّف عباده على ذاته وعبادته، ودلّهم على كيفيّة الوصول إلى القرب منه، والتعرّف عليه، فهو الخير، ومنه الخير وإليه يعود الخير...

(وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته)

التنزّه: التباعد، فلان يتنزّه عن الأقذار، وينزّه نفسه عنها، أي يتباعد عنها. المجانسة: المشاركة.

المعنى: إنّ الله تبارك وتعالى نأى عن مشابهة مخلوقاته، لأنّه: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). الشورى/11.

(وجلّ عن ملاءمة كيفيّاته)

المعنى: أنّه تبارك وتعالى جلّ وترفّع عن أن يكون ملائماً ومناسباً لخلق المخلوقين، أو مشابهاً لهم بل هو القديم الأزلي، الذي (لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفواً أحد). الإخلاص/3 ـ 4.

(يا من قرب من خواطر الظّنون)

المعنى: إلهي! يا من تعاليت وتباعدت عن جميع المخلوقات بأجسادهم ومادتهم، وكنت قريباً من خواطرهم ولمحاتهم النفسية، وخلجاتهم القلبيّة. ولكن العلم بك لا يصل إلى حدّ اليقين، بل هو خطرات ظنّية وأمّا معرفتك يا إلهي! المعرفة الحقيقيّة لم تتوفّر إلاّ لقلة من البشر الذين اصطفيتهم، وجعلتهم خزّان علمك ومهبط وحيك، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا عليّ! ما عرف الله تعالى إلاّ أنا وأنت، وما عرفني إلاّ الله وأنت، وما عرفك إلاّ الله وأنا.

(وبَعُد عن ملاحظة العيون)

المعنى: إلهي! يا من قربت من خطرات القلوب ولمحات العقول، وبعدت عن لحظات ونظرات العيون إنّك لا تدركك الأبصار ولكنّك تدرك الأبصار وأنت اللطيف الخبير. بتصرف عن الآية/103 من سورة الأنعام.

(وعَلِمَ بما كان قبل أن يكون)

إنّ الموجودات كلّها لها وجودان: وجود صور أزليّة في علم الله تعالى، ووجود آخر هو ما أخرجه سبحانه إلى عالم الشهادة العينية تدريجياً على حسب الإستعدادات والمقتضيات والظروف.

المعنى: إنّ علم الله تعالى علم إحاطة في كلّ شيء، وقبل كلّ شيء، وبعد وجود كلّ شيء، ولا يغيب عنه أيّ شيء...

 

[يامن أرقدني في مهاد أمنه وأمانه، وأيقظني إلى ما منحني به من مِنَنهِ وإحسانه، وكفّ أكفّ السوء عنّي بيده وسلطانه].

(يامن أرقدني في مهاد أمنه وأمانه)

المهد للطفل جمعها مهاد: الفراش أو السرير.

والأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف.

المعنى: إلهي! يا من خلقتني وخلقت جميع الناس نحن في رعايتك وحفظك وأمانك سواء في حالة النوم والرقاد، أو في حالة اليقظة والانتباه.

(وأيقظني إلى ما منحني به من مِنَنهِ وإحسانه)

أيقظني: نبّهني من النوم.

منحني: أعطاني ووهبني.

المعنى: إلهي! يامن أيقظتني ونبّهتني من نوم الغافلين، ونبهتني إلى ما أعطيتني من أعمال الصالحين التي توصلني إلى درجة المتّقين، الذين أنعمت عليهم من الأنبياء والمرسلين والشهداء والصدّيقين، وذلك بفضلك وجودك وكرمك وإحسانك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

(وكفّ أكفّ السوء عنّي بيده وسلطانه)

السوء: هو كل ما يغمّ الإنسان.

اليد: القدرة، يد الله تبارك وتعالى هي قدرته.

المعنى: إلهي! يامن حرست عبادك المؤمنين، ودفعت عنهم كلّ سوء أو حزن أو غمّ أو همّ، إنّك قلت وقولك الحق: (إنّ الله يدافع عن الذين آمنوا)الحج/38.

 

[صلّ اللّهمّ على الدليل إليك في الليل الأليل، والماسك من أسبابك بحبل الشرف الأطول، والناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل، والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأول وعلى آله الطيبين الأخيار، المصطفَين الأبرار].

(صلّ اللّهمّ على الدليل إليك في الليل الأليل)

الصلاة من الله الرحمة، ومن الملك الاستغفار، ومن البشر الدعاء.

الدليل: الهادي والمرشد، والمراد به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

الأليل: الليل المظلم الحالك، البالغ من الظلمة.

المعنى: يا إلهي! يا من حفظتني وأيقظتني من غفلتي، ومننت عليَّ بفضلك وكرمك، وكان إحسانك نازلا إليَّ صلِّ وبارك وارحم وتحنن وأكرم الذي كان دليلا عليك، ومرشداً إلى طاعتك، وهادياً الخلق إلى عبادتك في الأوقات المظلمة بالجهل والظلم والعادات السيئة... «وهذه صفات للحبيب المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)».

(والماسك من أسبابك بحبل الشرف الأطول)

المعنى: بعد أو وصف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه الدليل والهادي إلى الله تعالى عطف هنا صفات اُخرى له وهو أنّه ماسك ومتعلق بكلّ شيء موصل بالشرف الرفيع العالي والكرامة العظمى.

(والناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل)

الناصع: الواضح، يقال: أبيض ناصع، وأصفر ناصع أي واضح وبيّن.

الحسب: هو ما يعده الرجل من مفاخر أجداده.

الذروة: كسر الذال وضمها، هي أعالي الشيء وسنّامه ورفعته. الكاهل: هو ما بين الكتفين.

الأعبل: الضحم الغليظ، يقال: رجل عبل الذراعين أي ضخمهما، وفرس عبل الشوى أي غليظة القوائم...

المعنى: أنّه(عليه السلام) يصف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه عالي النسب، شامخ الحسب، رفيع الشأن، مجيد المكارم.

(والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأول)

الزُحلفة: بضم الزاي، هي آثار تزلج الصبيان من فوق التل إلى أسفله، والزحلفة كالدحرجة، يقال: زحلفته فتزحلف...

المعنى: أنّه(عليه السلام) يصف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه ثابت القدم منذ أن خلقه الله تعالى، قبل النبوّة وبعدها مهما مرّت عليه من منحدرات ومزالق، وهو باق على رفعته وشموخه وعظمته...

(وعلى آله الطيبين الأخيار، المصطفَين الأبرار)

المعنى: أنّه(عليه السلام) بعد أن صلّى على النبيّ الأطهر الماجد الأزهر(صلى الله عليه وآله وسلم) عطف هنا الصلاة على آله الأخيار الذين اصطفاهم الله سبحانه، وطهرهم من الرجس والدنس تطهيراً.

وقد بدأ(عليه السلام) في أوّل الدعاء بالصلاة على محمّد وآله ويختم الدعاء كذلك، لأنّ الدعاء المقبول عند الله تعالى هو الصلاة على محمّد وآل محمّد، فلا يرد سبحانه ما ورد بين الصلاتين!

وقد ورد عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: كل دعا محجوب حتى يصلّى على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقال أبو سليمان الداراني: إذا سألت الله حاجة فابدأ بالصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ادعُ ما شئت ثم اختم بالصلاة عليه فإنّ الله سبحانه يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما(2).

وقد ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: لا تصلّوا عليَّ الصلاة البتراء! فقالوا: وما الصلاة البتراء؟

قال(صلى الله عليه وآله وسلم): تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّد، وتمسكون!.

بل قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد(3).

 

[وافتح اللّهمّ لنا مصاريع الصباح، بمفاتيح الرحمة والفلاح، وألبسنا اللّهمّ من أفضل خلع الهداية والصلاح، واغرس اللّهمّ لعظمتك في شرب جناني ينابيع الخشوع، وأجر اللّهمّ لهيبتك من أماقي زفرات الدموع وأدِّب اللّهمّ نزق الخرق منّي بأزمّة القنوع].

(وافتح اللّهمّ لنا مصاريع الصباح، بمفاتيح الرحمة والفلاح)

مصاريع: جمع مصراع، والمصراعان من الأبواب.

مفاتيح: جمع مفتاح.

الرحمة: وهي رقّة في القلب تقتضي الإحسان.

الفلاح: الظفر، وإدراك البغية.

المعنى: يا إلهي! أدعوك وأتوسل إليك، بأن تفتح لنا مصاريع أبواب هذا الصباح وكل صباح بمفاتيح الرحمة والظفر والفلاح والنجاح والإنجاح...

(وألبسنا اللّهمّ من أفضل خلع الهداية والصلاح)

المعنى يا إلهي! وألبسنا وزيّنا من أفضل ما عندك من الخلع والمواهب التي هديت بها عبادك الصالحين، وجعلتهم من أفضل عبادك المتقين المخلصين، ووفّقنا للسير على صراطك المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن اُولئك رفيقا.

(واغرس اللّهمّ لعظمتك في شرب جناني ينابيع الخشوع)

الشرب: بكسر الشين، الحظ من الماء.

الجنان بالفتح: القلب.

الينابيع: جمع ينبوع، وهو عين الماء، نبع ينبع نبوعاً: أي خروجاً.

الخشوع: خضوع القلب والجوارح.

المعنى: يا إلهي! إنّ عظمتك وجلالك وكبرياءك عظيمة، فاجعل هذه العظمة والجلال في نفسي وقلبي تجري جريان الخشوع والخضوع لك وحدك، لأنّه إذا لم يخشع القلب لك ولا يخضع، فلا نفع من فعل الجوارح الاُخرى، فإذا خشع وخضع القلب خشعت بقية الجوارح والأعضاء.

(وأجر اللّهمّ لهيبتك من أماقي زفرات الدموع)

موق العين: طرفها ممّا يلي الأنف والاُذن، والجمع أماق.

زفرات جمع زفر: وهي القربة التي كانوا يحملون بها الماء، لذا قيل للنساء اللواتي يحملن القرب: زوافر.

المعنى: يا إلهي! بعد أن توفّقني لخشيتك والخضوع إليك، أنزل من أطراف عيوني من هيبتك ومخافتك الدموع كما ينزل الماء من أفواه القرب...

(وأدِّب اللّهمّ نزق الخرق منّي بأزمّة القنوع)

النزق: الخفّة والطّيش.

الخُرق بالضم: هو ضد الرفق، وقد قيل: الرفق يمنٌ والخرق شؤمٌ. هو الجهل والحمق.

الأزمّة: جمع زمام، وهو المقود الذي تربط أو تجر به الدابة.

القنوع بالضم: السؤال والتذلل للمسألة والطلب، وهو غير القناعة بالفتح: الرضا بما تيسر.

المعنى: يا إلهي! إنّك تعلم أنّ عندي صفات تبعدني عن مسألتك والتذلل إليك فاربطها ياربّ برباط الخضوع والجمها بلجام التذلل والخشوع إنّك أرحم الراحمين.

 

[إلهي! إن لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق، فمن السالك بي إليك في واضح الطريق، وإن أسلمتني أناتك لقائد الأمل والمُنى، فمن المقيل عثراتي من كبوة الهوى، وإن خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان، فقد وكلني خذلانك إلى حيث النصب والحرمان].

(إلهي! إن لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق، فمن السالك بي إليك في واضح الطريق)

المعنى: يا إلهي! إذا لم تكن رحمتك وعطفك عليَّ هو الموفق للسعي فيما يرضيك من الأعمال الصالحة، والطاعات المرضية لديك، فمن الذي يأخذ بيدي وينقذني من نفسي ورغبتها، والشيطان الذي يغوين لكي أسير على صراطك المستقيم، وطريقك الواضح القويم.

(وإن أسلمتني أناتك لقائد الأمل والمُنى، فمن المقيل عثراتي من كبوة الهوى)

الأناة: الحلم، والرفق، والإنتظار. يقال: تأنّى في الأمر: إذا ترفّق به وانتظر.

الأمل: الرجاء.

المُنى بالضم: جمع منية، وهي الصورة الحاصلة في النفس من تمنّي الشيء.

المقيل من الإقالة: الفسخ أقلت البيع: إذا فسخته.

العثرة: الزلّة والخطيئة.

الكبوة مفرد، جمعها كبوات: السقوط، يقال: كبا الجواد إذا سقط.

الهوى: النفس والرغبة.

المعنى: يا إلهي! إذا كان حلمك ورفقك بي يُسلمني إلى الاُمنيات النفسية التي تبعدني عن طاعتك ومرضاتك فمن الذي يغفر لي زلاّتي وسقطاتي الموجبة لسخطك وغضبك.

(وإن خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان، فقد وكلني خذلانك إلى حيث النصب والحرمان)

الخذلان: هو ترك العون والنصرة عند الحاجة.

الشيطان: هو كل وسوسة شريرة تكون في النفس، سواء أكانت من الإنس أو من الجن...

النصب: بفتح النون والصاد، التعب.

المحروم: هو الذي لم يوسّع عليه في الرزق...

المعنى: يا إلهي! إن تركتني وتخليت عنّي ولم تنصرني في محاربة نفسي، ومحاربة وساوس الشيطان اللعين فقد وكلتني ورميتني إلى حيث التعب والحرمان من الرزق، ومن العون، ومن المغفرة...

 

[إلهي! أتراني ما أتيتك إلاّ من حيثُ الآمال، أم علقتُ بأطراف حبالك إلاّ حين باعدتني ذنوبي عن دار الوصال، فبئس المطيّة التي امتطأت نفسي من هواها، فواهاً لها لما سوّلت لها ظنونها ومناها، وتبّاً لها لجرأتها على سيّدها ومولاها].

(إلهي! أتراني ما أتيتك إلاّ من حيثُ الآمال، أم علقتُ بأطراف حبالك إلاّ حين باعدتني ذنوبي عن دار الوصال)

إتيان الله سبحانه وتعالى: التوجّه اليه بخشوع القلب والجوارح.

الحبال جمع حبل: وهي كناية عن كثرة الوسائل الموصلة إلى الله تعالى.

الذنوب: هي الكدورات والغشاوات الحاصلة لمرآة القلب من ارتكاب القبائح والمعاصي.

المعنى: يا إلهي! إنّي أتيتك واتّجهت إليك من حيث الأمل الذي وضعته في كياني، وكثرة الوسائل التي جعلتها موصلة بك، لمغفرة ذنوبي، ومحو ما علّق في نفسي من الكدورات والغشاوات التي تحجب الإتصال برحمتك ومغفرتك، وتحجب النورانية التي جعلتها للمريدين والقاصدين إلى لطفك وكرمك...

(فبئس المطيّة التي امتطأت نفسي من هواها، فواهاً لها لما سوّلت لها ظنونها ومناها، وتبّاً لها لجرأتها على سيّدها ومولاها)

امتطأت نفسي: أي اتخذت هواها مطية تذهب حيث ما شاء الهوى.

واهاً: كلمة تعجب، والتعجب هنا من قوّة وساوس النفس وتشتتها.

سولت: زينت.

تبّاً: التبّ: الخسران.

المعنى: يا إلهي! هذه نفسي الأمّارة بالسوء التي وسوس لها خيالها وباطلها وهواها، وأطاعت اُمنياتها الخادعة، وزينت لها ظنونها العاطلة، فتخيلت أنّها على شيء وإلى شيء، وما هي إلاّ جرأة على سيدها الرحمن ومولاها الرحيم... فوقعت في الخسران المبين واجترأت على ربّها الكريم.

 

[إلهي قرعت باب رحمتك بيد رجائي، وهربت إليك لاجئاً من فرط أهوائي، وعلّقت بأطراف حبالك أنامل ولائي. فاصفح اللّهمّ عمّا كان أجرمته من زللي وخطئي. وأقلني اللّهمّ من صرعة ردائي، وعسرة بلائي، فإنّك سيّدي ومولاي ومعتمدي ورجائي، وأنت غاية مطلوبي ومناي، في منقلبي ومثواي].

(إلهي قرعت باب رحمتك بيد رجائي، وهربت إليك لاجئاً من فرط أهوائي، وعلّقت بأطراف حبالك أنامل ولائي)

القرع: الضرب بقوّة وشدّة.

الفرط: تجاوز الحد. أفرط الرجل في الشيء إذا تجاوز الحد.

الأنامل: جمع أنملة، وهي رؤوس الأصابع.

المعنى: يا إلهي! بعد هذه الجرأة على عصيانك، والتمادي في البعد عن ساحة كرمك ورضوانك... ألآن! وقد تبت إليك، ورجعت منيباً متأملا بجودك وكرمك وغفرانك... وقد قلت وقولك الحق: (ففرّوا إلى الله) الذاريات /50.

وقولك: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً إنّه هو الغفور الرحيم). الزمر/53.

فها أنا يا ربّ! أقرع باب رضوة رحمتك بيد الرجاء والأمل في المغفرة والرحمة والستر، هارباً من ذنوبي وجرأتي...

وها أنا ذا جئتك يا ربّ ملتجئاً ومنيباً إليك من أهوائي الكثيرة وعصياني المتجدد، متعلقاً بأي وسيلة من الوسائل الموصلة إلى رضوانك وغفرانك، ولو كان التعلق بسيطاً وقليلا، حتى ولو برؤوس الأصابع...

(فاصفح اللّهمّ عمّا كان أجرمته من زللي وخطئي)

الصفح: الإعراض، يقال: صفحت عن فلان، إذا أعرضت عنه.

الجرم والإجرام: الذنب والمعصية.

الزلل: يقال: زللت يا فلان تزلّ زليلا، إذا زلّ في الطين.

الخطأ: ضد الصواب.

المعنى: إلهي! يا ربّ! أتوسل إليك أن تعرض وتصفح عن إجرامي في حقّ نفسي وحقّ غيري من الزّلاّت الكثيرة المتعددة، والأخطاء المتكررة، إنّك أرحم الراحمين وخير الغافرين...

(وأقلني اللّهمّ من صرعة ردائي، وعسرة بلائي)

الإقالة: الفسخ، أقلت البيع أي فسخته. وهنا بمعنى: خلصني.

الصرع: الطرح على الأرض. صرعة ردائي، أي طرحه ورميه على الأرض.

العسرة: السرعة، وتطلق على ناقة السريعة.

البلاء: الإختبار والإمتحان. بلوته: اختبرته...

المعنى: يا إلهي! خلّصني وعافني من وقوع رداء الحشمة والعفّة والأخلاق عنّي، وسرعة نزول البلاء والإمتحان في ساحتي...

(فإنّك سيّدي ومولاي ومعتمدي ورجائي)

السيد: من ساد سيادة سؤدداً. هو شرف المجد، ساد قومه: صار سيدهم وكبيرهم ومتسلطاً عليهم...

المولى: تطلق على المعتِق، والمعتَق، وابن العم، والجار، والحليف، والناصر، والمتولّي للأمر، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه». والمولى هنا يختص بالمعنى الأخير: الناصر المتولّي للأمر.

المعتمد: الشيء الذي يعتمد عليه، ولا يمكن الإستقلال منه.

المعنى: يا إلهي! أنت سيدي وقائدي وناصري وملجئي ومعتمدي ورجائي، ليس لي غيرك من أرجع إليه أو أعتمد عليه...

(وأنت غاية مطلوبي ومناي، في منقلبي ومثواي)

الغاية: نهاية المقصد والمطلوب.

المنقلب: المرجع والمآل، كما قال تعالى: (إنّا إلى ربّنا لمنقلبون). الزخرف/14.

المثوى: المنزل، من ثوى المكان، وبه يثوى ثواءً، وثُوياً بالضم، وأثوى: أطال الإقامة.

المعنى: يا إلهي! أنت نهاية مطلبي، وكل ما أتمناه، فلا أطلب من سواك، ولا أرجو غيرك، فإليك ملجئي ومرجعي وإقامتي الطويلة بعد موتي عندك وتحت رعايتك، فاجعلها يا ربّ في جوارك من الذين أنعمت عليهم (من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن اُولئك رفيقاً). النساء/69.

 

[إلهي! كيف تطرد مسكيناً التجأ إليك من الذنوب هارباً أم كيف تُخيّب مسترشداً، قصد إلى جنابك ساعياً، أم كيف تردّ ظمآن ورد إلى حياضك شارباً، كلاّ وحياضك مترعة في ضنك المحول وبابك مفتوح للطلب والوغول، وأنت غاية السؤُلِ، ونهاية المأمول].

(إلهي! كيف تطرد مسكيناً التجأ إليك من الذنوب هارباً)

الطرد: الإبعاد، طرد فلاناً: أبعده ونفاه.

المسكين: هو الفقير الذي لا شيء عنده. وربّما قيل إنه أشد وأبلغ من الفقير فقراً... الذليل المقهور.

المعنى: يا إلهي! أنت ملجأ اللاجئين، ومقصد القاصدين، ومعتمد المؤمنين، فكيف تُبعد وتطرد مسكيناً ومحتاجاً إليك، وهو هارب من ذنوبه وخطاياه، وأنت أرحم الراحمين.

(أم كيف تُخيّب مسترشداً، قصد إلى جنابك ساعياً)

خاب الرجل خيبة: إذا لم ينل ما طلب. الخيبة: المحرومية.

مسترشداً: طالباً للرشاد. والرشد ضد الغيّ.

القصد: إتيان الشيء، يقال: قصدته وقصدت إليه بمعنى واحد.

الجناب بالفتح: الفناء، أي فناء الدار أو البيت.

السعي: سعى الرجل يسعى سعياً، إذا عدا وركض وكذا إذا عمل أو كتب.

المعنى: إلهي! وكيف تخيّب أو تحرم من طلبك مسترشداً ومستهدياً، وهو قد جاء إلى فناء دارك وأماكن عبادتك راكضاً ومهرولا...

(أم كيف تردّ ظمآن ورد إلى حياضك شارباً)

ردّه: يقال: ردّه عن وجهه يردّه ردّاً مردوداً: صرفه وأرجعه عن عزيمته.

ظمآن: عطشان.

ورد: الورود أصله قصد الماء، وقد يستعمل في غيره. قال تعالى: (ولمّا ورد ماء مدين). القصص/23.

الحياض جمع حوض: وهي الأماكن الكبيرة التي يوضع فيها الماء للوضوء أو لشرب الأنعام والمواشي.

المعنى: يا إلهي! وكيف تردّ وتصرف من كان عطشاناً للقرب منك، وقد قصد حياض رحمتك ومغفرتك لينهل منها وأنت الرحمن الرحيم.

(كلاّ وحياضك مترعة في ضنك المحول)

مترعة: ترع بالتحريك، يقال حوض ترع، أو إبريق ترع: أي ممتلئ.

ظنك: الضنك: الشدّة والصعوبة قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا..). طه/124.

المحول: من المحل: الجدب، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض. يقال: أرض محل، أو محلة، أو محول: أي جدب.

المعنى: إلهي! ليس من شأنك وعاداتك أن تصرف الذي يقصدك وهو مشتاق إليك، إنّ خيرك لفائض على الجميع، من يستحق ومن لا يستحق، وخاصة في أيام الجدب والحاجة والفاقة، إنّك أرحم الراحمين وخير الرازقين... قال تعالى: (وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه وما ننزله إلاّ بقدر معلوم). الحجر/21.

(وبابك مفتوح للطلب والوغول، وأنت غاية السؤُلِ، ونهاية المأمول)

الوغول: الدخول والتواري. يقال: وغل الرجل يغل وغولا أي دخل في الشجر وتوارى فيه.

غاية السؤل: أي النهاية القصوى لما يسأل، وليس قبله ولا بعده مسؤول.

المأمول: المرجو، أي أنت يا ربّ نهاية الرجاء ولا يوجد من يرجى بعدك إلاّ بإذنك ورضاك.

المعنى: يا إلهي! إنّك كريم، ولا تمنع قاصديك من الدخول إليك، أو الوصول إلى ساحة رحمتك ونعمتك، فأبواب خيرك وبركتك مفتوحة لكلّ من يريد الدخول إلى عمقها والتواري فيها، وأنت يا ربّ نهاية كل خير ورحمة، ولا يوجد أي خير إلاّ بإذنك وإرادتك وأنت أرحم الراحمين.

 

[إلهي! هذه أزمّةُ نفسي قد عقلتها بعقال مشيئتك وهذه أعباء ذنوبي درأتها برحمتك ورأفتك وهذه أهوائي المضلّة وكّلتها إلى جناب لطفك].

(إلهي! هذه أزمّةُ نفسي قد عقلتها بعقال مشيئتك)

أزمّة جمع زمام: وهو مقود الدابّة.

العقال بالكسر: خيط يكون آلة لإمساك البعير.

المعنى: يا إلهي! قد جعلت زمام نفسي ومقودها، معقولة ومربوطة برباط مشيئتك وإرادتك المقدسة.

(وهذه أعباء ذنوبي درأتها برحمتك ورأفتك)

الأعباء جمع عبء بالكسر: بمعنى الحمل والثقل من أيّ شيء كان.

درأتها، الدرأ: الدفع، ودرأتها دفعتها.

الرأفة: هي أرق من الرحمة.

المعنى: يا إلهي! قد جعلت جميع حملي وأثقالي من الذنوب والخطايا مرفوعة ومشفوعة برأفتك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

(وهذه أهوائي المضلّة وكّلتها إلى جناب لطفك)

الأهواء جمع هوى: وهو شذوذ النفس.

المضلّة: غير مهدية، أي الأهواء الموجبة للضلالة والغواية.

المعنى: يا إلهي! إنّني أقرّ وأعترف أن لي هوى مضل ومغوي لا أستطيع دفعه أو التغلب عليه إلاّ بمساعدتك وإعانتك وتوفيق منك لأنتصر عليه وأنت لطيف بعبادك المؤمنين، غفور لما يصدر منهم بسبب الهوى المضل والنفس الأمّارة بالسوء، وأنت أرحم الراحمين.

 

[فاجعل اللّهمّ صباحي هذا، نازلا عليَّ بضياء الهدى، والسلامة في الدّين والدّنيا، ومسائي جُنّة من كيد العدى، ووقاية من مرديات الهوى، إنّك قادر على ما تشاء (تؤتي المُلك من تشاء، وتنزع المُلك ممّن تشاءُ، وتُعزُّ من تشاءُ، وتُذلُّ من تشاءُ بيدك الخير، إنّك على كلّ شيء قدير)(آل عمران/26) (تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل وتُخرج الحيَّ من الميت، وتخرج الميت من الحيِّ، وترزق من تشاء بغير حساب)(آل عمران/27)].

(فاجعل اللّهمّ صباحي هذا، نازلا عليَّ بضياء الهدى، والسلامة في الدّين والدّنيا)

نازلا: النزول: الحلول، يقال: نزلت منزلا: أي حللت به.

الهدى: الرشاد والدلالة، يقابله الضلال.

السلامة: التعرّي من الآفات.

الدين: هو الجزاء، وقد قيل: «كما تدين تدان» وقد يعبر به عن الإيمان والطاعة، قال تعالى: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك). يوسف/76.

أيّ في طاعته.

الدنيا مؤنث أدنى: من الدنو أو الدناءة، أيّ الدار الأقرب إلينا من الآخرة.

المعنى: يا إلهي! اجعل صباحي هذا حالا وفائضاً عليَّ بنور الهداية والإرشاد، والسلامة والأمان من آفات الدين: وهو الضلال والغواية، وآفات الدنيا من أمراضها وأوجاعها وهمومها...

(ومسائي جُنّة من كيد العدى، ووقاية من مرديات الهوى)

الجُنّة: الترس والحرز والحفظ. قال الشاعر:

عليّ حبّة جُنّة *** قسيم النار والجنّة

وصيّ المصطفى حقّاً *** إمام الإنس والجِنّة

الكيد: المكر والخديعة والاحتيال.

العدى جمع العدو: وهو ضد الصديق.

الوقاية: هي حفظ الشيء ممّا يضره.

مرديات الهوى: أي المهالك الناشئة من هوى النفس يقال ردي بالكسر، ردى أي هلك، وأردأه غيره: أهلكه.

المعنى: يا إلهي! واجعل مسائي هذا حفظاً وحرزاً من أي ضرر وخديعة من الأعداء، ووقاية وستراً من المهالك الناشئة من هوى النفس، لأنّ النفس تهوي وتتردّى وتأمر بالسوء إلاّ ما رحم ربّي.

(إنّك قادر على ما تشاء (تؤتي المُلك من تشاء، وتنزع المُلك ممّن تشاءُ))

الملك بضم الميم: السلطنة والتصرف بالأمر والنهي في الجمهور، وقيل: إنّه يختص بساسة الناطقين، لذا يقال: ملك الناس، ولا يقال: ملك الأشياء.

تنزع والنزاع: القلع، يقال: نزعت الشيء من مكانه أنزعه نزعاً إذا قلعته.

المعنى: الملك المطلق هو لله تعالى وحده، وهو المالك لما في الوجود لا ينازعه في ملكه منازع. إنّه الوحيد الذي يتصرّف في ملكه كما يشاء ويريد، فيعطي من يشاء كما يشاء، ويحرم من يشاء كما يشاء، فهو المعطي وهو الآخذ، وهو المنعم وهو المحرم، وهو على كل شيء قدير.

((وتُعزُّ من تشاءُ، وتُذلُّ من تشاءُ بيدك الخير، إنّك على كلّ شيء قدير)(آل عمران/26)

العزّة: الصلابة، وهي حالة مانعة للإنسان من أن يُغلب، من قولهم أرض عزازة أيّ صلبة.

الذلّ بالضم: ضد العزّ، وبالكسر: اللين، وأذلّة واستذلّه وذلّله بمعنى واحد.

المعنى: لله تعالى الأمر المطلق، فهو المعز من يستحق العزّة والكرامة، وهو المذلّ من يستحق الذلة والإهانة. بيده سبحانه الخير المطلق، يصيب به من يشاء ويصرفه عمّن يشاء، وهو على كل شيء قدير.

((تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل))

الولوج: الدخول في مضيق.

المعنى: إنّ الله تبارك وتعالى له القدرة المطلقة.

ولا يستطيع الإنسان أن يتعرّف على تلك القدرة إلاّ عندما يتعرّف على المقدورات والمخلوقات التي خلقها سبحانه. فمن هذه المخلوقات الأرض التي جعلها سبحانه كروية الشكل لتسبح في الفضاء والهواء، وجعلها تدور حول نفسها فيحصل من هذه الدورة الليل والنهار، وتدور حول الشمس فيكون الفصول الأربعة، فعبّر سبحانه عن دخول الليل في النهار، ودخول النهار في الليل نتيجة لهذه الحركة، وهذه الدورة حول نفسها...

((وتُخرج الحيَّ من الميت، وتخرج الميت من الحيِّ))

المعنى: الحياة والموت أمران متقابلان متناقضان عندما يكون هناك حياة لا يوجد موت، وعندما يكون هناك موت فلا حياة، ولكن كيف يخرج الله تعالى الحياة من الموت، أو يخرج الموت من الحياة؟!

قيل: إنّ الحياة هي الهداية والإيمان، لأن المؤمن هو الحي في الدنيا والآخرة، والكافر الضال هو الميّت في الدنيا والآخرة، لأنّه يعيش في الحياة كالأنعام بل أضل سبيلا، ولا يعرف الغاية الأساسية التي وجد من أجلها قال تعالى: (أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها). الأنعام/122.

فالحياة هي الهداية والإيمان والنور، والموت هو الكفر والجحود والسير في ظلمات الغيّ والجهل. فيخرج الله تعالى المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن، وقد روي هذا المعنى عن الإمامين الباقر والصادق(4).

وقيل: المراد بإخراج الحيّ من الميّت، وإخراج الميّت من الحي الأعم، كإخراج النبات والحيوان من الأرض العديمة الشعور والإحساس، فهذا إخراج الحيّ من الميّت وعندما يعود الإنسان والحيوان والنبات إلى الأرض فيكون إخراج الميّت من الحيّ. كذلك حبّة القمح أو الشعير أو غيرها، وهي ميّتة تنبت سنابلا حيّة كما قال الشاعر:

ما حبّة ميتة كم حييت بميتتها *** سنابل ما أنبتت سِناناً وأضراسا

(( وترزق من تشاء بغير حساب))(آل عمران/27).

الرزق: هو العطاء الجاري، قال تعالى: (أنفقوا ممّا رزقناكم). البقرة/254.

المعنى: إنّ الله تبارك وتعالى خلق الخلق وتكفّل في رزقهم بشرط أن يسعوا سعياً معقولا محدوداً، بحيث يقسم أوقاته إلى ثلاثة أقسام: قسم للسعي وراء رزقه في الحلال وطاعة الله، وقسم آخر لعبادته وطاعة ربّه بما أمر، وثالث لراحته ورفاهيته بما أحلّ الله تعالى له.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ألا وإنّ الروح الأمين نفث في روعي: أنّه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتّقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنّكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بشيء من معصية الله، فإنّ الله تعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالا، ولم يقسّمها حراماً، فمن اتّقى الله وصبر أتاه رزقه من حلّه، ومن هتك حجاب ستر الله عزّ وجلّ وأخذه من غير حلّه، قصّ به من رزقه الحلال، وحوسب عليه(5).

وقال مولانا أميرالمؤمنين(عليه السلام): الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك، فلا تحمل همّ سنتك ويومك، كفاك كل يوم ما فيه، فإن تكن السنة من عمرك فإن الله تعالى جدّه سيؤتيك في كل غد جديد ما قسم لك، وإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بالهمّ لما ليس لك، ولن يسبقك إلى رزقك طالب، ولن يغلبك عليه غالب، ولن يبطئ عنك ما قد قُدّر لك(6).

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الرزق لينزل من السماء إلى الأرض على عدشد قطر المطر إلى كل نفس بما قدر لها، ولكن لله فضول فاسألوا الله من فضله(7).

وقال أبو عبدالله الصادق(عليه السلام) قال: من صحة يقين المرء المسلم أن لا يرضى الناس بسخط الله، ولا يلومهم على ما لم يؤته الله، فإنّ الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يردّه كراهية كاره! ولو أن أحدكم فرّ من رزقه كما يفرّ من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت.

ثم قال(عليه السلام):إنّ الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا، وجعل الهمّ والحزن في الشكّ والسخط(8).

إذن رزق الله وعطاؤه إلى المخلوقين بلا حساب أو عدد ولم يرزقهم لدينهم أو لأخلاقهم، بل إنّ رزقه سبحانه عام لجميع المخلوقات، حتى الوحوش والحشرات والديدان لا ينساها سبحانه من فضله وكرمه وجوده...

 

[لا إله إلاّ أنت سبحانك اللّهمّ وبحمدك، جلّ ثناؤك من ذا يعرف قدرتك فلا يخافك، ومن ذا يعلم ما أنت فلا يهابك، ألّفت بقدرتك الفِرَق، وفلقت برحمتك الفَلق، وأنّرت بكرمك دياجي الغسق، وأنهرت المياه من الصمّ الصياخيد عذباً واُجاجاً، وأنزلت من المعصرات ماءً ثجاجا، وجعلت الشمس والقمر للبريّة سراجاً وهّاجاً، من غير أن تمارس فيما ابتدأت به لغوباً ولا علاجاً].

(لا إله إلاّ أنت سبحانك اللّهمّ وبحمدك، جلّ ثناؤك من ذا يعرف قدرتك فلا يخافك، ومن ذا يعلم ما أنت فلا يهابك)

سبحانك، التسبيح: التنزيه والتمجيد.

بحمدك، الحمد: هو الثناء على الله تعالى بما يليق به وبما هو أهله.

المعرفة والعرفان: هو ادراك الشيء بفكر وتدبر لأثر.

العلم: هو إدراك الشيء بحقيقته.

المعنى: يا إلهي! لا مبعود سواك، ولا ملجأ منك إلاّ إليك، سبحانك لك الحمد والمجد والكبرياء والعظمة من ذا الذي يعرف قدرك وقدرتك ولا يخشاك أو يخافك أو يهابك، ومن ذا الذي يعلم كنه وجودك وعظمة آياتك ودلائلك وبراهينك في الدنيا والآخرة ولا يحترمك أو يطيعك، سبحانك جلّت عظمتك، وظهر برهانك، فلك الحمد يا ربّ العالمين.

(ألّفت بقدرتك الفِرَق، وفلقت برحمتك الفَلق، وأنّرت بكرمك دياجي الغسق)

ألّفت، التأليف: هو ما جمع من أجزاء مختلفة، ورتّب ترتيباً، قُدّم فيه ما حقه التقديم، واُخر فيه ما حقه التأخير.

الفِرق: هي القطعة المنفصلة، وتطلق على الجماعة المنفردة من الناس.

فلقت، الفلق: هو شقّ الشيء وإبانة بعضه عن بعض.

الفلق: الصبح.

أنرت: من الإنارة والإضاءة.

دياجّيّ: دياجي الليل: حنداسه، والحندس: الليل الشديد الظلمة.

الغسق: أول ظلمة الليل.

المعنى: يا إلهي! إنّ قدرتك بلغت حداً من الإعجاز والتحدّي، فقد ألفت وجمعت الفرق والجماعات من الناس المختلفة والمتفاوتة بأفكارها وأعمارها وأهوائها. وفلقت وشققت الفجر حتى ظهر ضوء الصبح برحمتك وكرمك، وأنرت بفضلك وجودك ضوء النهار بعد ما كان الليل الدامس الحالك يغطي الأرض، فأنشأته وأنرته بجودك ورحمتك يا أرحم الراحمين...

(وأنهرت المياه من الصمّ الصياخيد عذباً واُجاجاً)

أنهرت المياه: أي أسلتها وأجريتها.

الصمّ: يقال حجر صمّ، أيّ صلب مصمت.

الصياخيد جمع صيخود، وصخرة صيخود: أي شديدة.

عذباً، الماء العذب: هو الماء الطيب السائغ للشاربين.

اُجاجاً، الماء الاُجاج: هو الماء المالح.

المعنى: يا إلهي! سبحانك ما أكرمك وما أكثر نعمك أجريت المياه من الصخور الصمّاء الشديدة المتماسكة، مياه عذبة طيبة سائغة للشاربين، ومياه مالحة لا يمكن أن تساغ أو تذاق في البحار والمحيطات...

(وأنزلت من المعصرات ماءً ثجاجا)

المعصرات: السحاب والغيوم التي تعصر المطر.

ثجّاجاً: يقال ثجّجت الدم أو الماء إذا أسلته بالوادي يثجّجه أيّ يسيله، ومطر ثجّاج، إذا انصب بغزارة وقوّة.

المعنى: يا إلهي! سبحانك ما أكرمك وأكثر نعمك، فقد أنزلت من الغيوم التي تسبح في الفضاء، التي تُعصر فيخرج منها ماءً هاطلا منصبّاً بشدة وقوّة سائحاً سائلا تسقي به المخلوقات والمزورعات...

(وجعلت الشمس والقمر للبريّة سراجاً وهّاجاً)

البريّة: يقال برء الله الخلق برءاً، وهو البارئ، والبرية: الخلق. والبري التراب. فيمكن أن يقال: برء الله الخلق من البري، أي خلق الله الخلق من التراب.

السراج: هو الزاهر المضيء بفتيلة ودهن، ويعبّر به عن كل مضيء.

وهّاجاً: الوهج بالتسكين، مصدر وهجت النار وهجاناً: إذا أتقدت واشتعلت بنور عظيم.

المعنى: يا إلهي! سبحانك! كيف جعلت الشمس تضيء بالنهار والقمر يعكس ضوءها فينير بالليل، فأصبحا سراجين وهّاجين ومضيئين، ومنيرين في النهار والليل...

(من غير أن تمارس فيما ابتدأت به لغوباً ولا علاجاً)

تمارس، المراس والممارسة: المعالجة والمزاولة.

لغوباً، اللغوب: التعب والإعياء.

علاجاً، العلاج: المزاولة والممارسة.

المعنى: يا إلهي! تباركت وتعاليت! لقد أنشأت هذا الكون الكامل المتكامل الذي ليس فيه نقص أو عيب (فارجع البصر هل ترى من فطور * ثم ارجع البصر كرّتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير). الملك/4.

سبحانك اللّهمّ وبحمدك، أنشأت المخلوقات وابتدأتهم ولم تكن محتاجاً إليهم بل أنت الغني المطلق، فقد أنشأتهم رحمة وتفضلا وكرماً. وهذا الإنشاء لم يأخذ منك تعباً ولا إعياء، ولا ممارسة أو مزاولة، لفعل المخلوقين وما أمرك إلاّ بين الكاف والنون، وهو أن تقول للشيء: (كن) فيكون. فتباركت ربّاً خالقاً بارئاً ومصوراً رازقاً كريماً رحماناً رحيماً...

 

[فيامن توحّد بالعزّ والبقاء! وقهر عباده بالموت والفناء، صلّ على محمّد وآله الأتقياء، واستمع ندائي، وأهلِك أعدائي، واستجب دُعائي، وحقّق بفضلك أملي ورجائي].

(فيامن توحّد بالعزّ والبقاء! وقهر عباده بالموت والفناء)

توحّد: تفرد، ولم يكن له شريك في الوحدانية والاُلوهية.

العزّ والبقاء: إنّ كل موجود استمدّ وجوده من واجب الوجود، وهو الله تعالى، وكل عزيز عزّته مأخوذة من عزّة الله تعالى، والعزّة الأساسية هي لله وحده، وكل عزّة لمخلوقاته فهي من عزّته، وقد وصف نفسه ورسله والمؤمنين بالعزّة: (ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين). المنافقون/8.

القهر: الغلبة.

الموت: هو مفارقة الروح الجسد.

الفناء: هو العدم بعد الوجود.

المعنى: يا إلهي! يا من كنت فرداً متفرداً بالعزّة، ولا عزّة لعزيز إلاّ منك، ومتفرداً بالبقاء، ولا بقاء لباق إلاّ منك. ويا من قهرت وغلبت كل المخلوقين بالموت ومفارقة الروح الجسد، وعودة الأجساد إلى الأصل الذي جاءت منه وهو التراب، وجعلتهم معدومين من الدنيا، بعد أن كانوا موجودين فيها يتمتعون في خيراتها ونعيمها.

(صلّ على محمّد وآله الأتقياء، واستمع ندائي، وأهلِك أعدائي، واستجب دُعائي، وحقّق بفضلك أملي ورجائي)

التقي والمتقي: يقال: وقى فلاناً، أي صانه وستره عن الأذى، واتّقى الله تعالى، أي حذره، وخافه، وتجنّبه... والأتقياء هم الذين خافوا الله حق مخافته.

استمع: يقال: استمعت له إذا أصغيت إليه.

ندائي: صوتي ومناجاتي.

حقق: أي ثبّت، من التحقيق والتثبيت.

المعنى: يا إلهي! صلّ وترحم على محمّد حبيبك الذي اصطفيته وفضّلته على جميع خلقك وبريّتك، وعلى آله الأصفياء الأنقياء الأتقياء الذين أعززتهم وكرّمتهم وطهرتهم وفضلتهم على جميع من خلقت بعد رسولك، أتوسل إليك بهم وبكرامتهم وفضلهم عندك أن تصغي إليَّ وتسمع ندائي، وتستجيب دعائي، وتحقق بفضلك وجودك وكرمك آمالي التي أرجوها في الدنيا، وكل ما أرجوه من مغفرتك لذنوبي، وسترك لعيوبي في الآخرة يا أرحم الراحمين...

 

[يا خير من دُعي لكشف الضّرُّ والمأمول لكلّ عسر ويسر، بك أنزلت حاجتي فلا تردّني يا سيّدي! من سنّي مواهبك خائباً يا كريم يا كريم يا كريم! برحمتك يا أرحم الرّاحمين. وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا خير خلقه محمّد وآله الطّاهرين أجمعين].

(يا خير من دُعي لكشف الضّرُّ والمأمول لكلّ عسر ويسر)

الضرّ: الهزال، وسوء الحال، قال تعالى: (وإن يمسسك الله بضرٍّ فلا كاشف له إلاّ هو). الأنعام/17 ويونس /107.

المأمول: المرجو والمستعان.

العسر: نقيض اليسر، وهو ضيق الحال وشدّته.

المعنى: يا إلهي! أتوجه إليك يا خير من دُعي وسُئل لكشف وإزالة كلّ ضرّ وسوء حال وقع بي، وأسألك يا خير مأمول ومرجو ومستعان في جميع الحالات والأوقات من يسر وعسر... وضيق وشدّة، أنت وحدك سبحانك ترفع عن عبادك كلّ حالة صعبة وشديدة لا يبدلها غيرك...

(بك أنزلت حاجتي فلا تردّني يا سيّدي! من سنّي مواهبك خائباً يا كريم يا كريم يا كريم! برحمتك يا أرحم الرّاحمين)

الحاجة إلى الشيء: الفقر إليه مع محبته.

المواهب، جمع موهبة، وهب يهب وهباً وهبةً: هو العطاء بلا عوض.

الخائب: هو الذي لم يجد مطلوبه.

المعنى: يا إلهي وسيّدي ومولاي! بك وفي ساحتك أنزلت وقدمت حوائجي، وأنت الكريم الذي لا ترد سائلا أو محتاجاً أو فقيراً أو معوزاً، لا ترد أحداً يطلب منك حوائجه، لكرمك القديم العميم الدائم، ورحمتك الواسعة الدائمة يا أرحم الراحمين.

(وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا خير خلقه محمّد وآله الطّاهرين أجمعين)

ثم تسجد وتقول:

 

[إلهي! قلبي محجوب، ونفسي معيوب، وعقلي مغلوب، وهوائي غالب، وطاعتي قليل، ومعصيتي كثير، ولساني مقرّ بالذنوب، فكيف حيلتي يا علاّم الغيوب! يا غفّار الذنوب! يا ستّار العيوب! اغفر لي ذنوبي كلّها، يا غفّار يا غفّار يا غفّار! يا شديد العقاب يا غفور يا رحيم! يا حليم يا كريم! اقض حاجاتي بحقّ القرآن العظيم، والنبيّ الكريم وصلّى الله على محمّد وآله أجمعين، الطيّبين الطاهرين].

 

من صفات المؤمنين:

قال الله تعالى: (محمّد رسول الله والذين معه أشداء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجّداً يبتغون فضلا من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود). الفتح/29.

هذه بعض صفات أصحاب نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) المؤمنين، لا رحمة بينهم وبين الكفّار، بل لابد من الشدّة والقساوة عليهم، ولا شدّة ولا قساوة مع المؤمنين، بل الرحمة والشفقة فيما بينهم.

وترى أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) المؤمنين ركّعاً.

الركوع: هو الإنحناء إلى حدّ وضع اليدين على الركبتين.

وسجّداً: السجود: هو وضع المساجد السبعة على الأرض وهي: الجبهة والكفّان والركبتان ورؤوس إبهامي الرجلين.

وترى أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) المؤمنين لهم سيماء وعلامات في وجوههم من كثرة السجود.

السجود هو العلامة الفارقة بين المؤمنين وغيرهم، وهو وضع الجبهة على الأرض تعبداً وتواضعاً وتذللا لله تعالى قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً(9).

وقال أبو عبدالله الصادق(عليه السلام): أقرب ما يكون العبد إلى الله عزّوجلّ وهو ساجد(10).

وسمة أثر السجود على جبهة المؤمن لها أهميتها الكبرى يوم القيامة، وذلك قول الله تعالى: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود). الفتح/29.

فقد روي عن ابن عبّاس(رضي الله عنه) أنه قال: علامة المؤمنين يوم القيامة أن تكون مواضع سجودهم أشدّ بياضاً.

وقال: شهر بن حوشب: تكون مواضع سجودهم كالقمر ليلة البدر(11).

فإذا قرأنا هذا الكلام، وقرأنا قوله تعالى: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم). الحديد/12.

علمنا أنّ للمؤمن نوراً يسير به، لكي يصل إلى موقعه ومكانه في الحساب يوم القيامة، إن وقف للحساب، وبعدها يُبشَّر في الجنّة والرضوان.

وأمّا المنافق فماذا لديه؟

هل عنده نور يسير به في عرصات القيامة؟!

وإلى أين سيصل؟!

وما هو مصيره ومآله؟؟!!

لنقرأ قول الله عزّ وجلّ: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا اُنظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً). الحديد/13.

يسعى نور المؤمنين والمؤمنات بين أيديهم، من جراء إيمانهم وصلاتهم وعباداتهم وطاعاتهم لله تعالى، وإطالتهم لركوعهم وسجودهم خاضعين خاشعين لربّهم العظيم الكريم تبارك وتعالى...

عندما يرى المنافقون نور المؤمنين يسعى بين أيديهم، يطلبون منهم أن ينتظروهم ليسيروا معهم على نورهم وهو قوله: (اُنظرونا نقتبس من نوركم). فيقول لهم المؤمنون: (ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً) .

أي ارجعوا بالفكر والعقل إلى الأيام التي عشتموها في دار الدنيا، فهل كان لديكم أعمال من الطاعات والعبادات والخيرات... تضيء لكم في هذا الموقف؟؟!! لا. لم يكن لديهم أي عمل في الدنيا يرضي الله تعالى، بل كانوا يسخرون من المؤمنين، ويهزؤون من أعمالهم، ويتّبعون شهواتهم وشياطينهم من الإنس والجن، فكانت هذه عاقبتهم.

يُضرب بين المؤمنين والمنافقين حجاب وسور فيه باب يكون فيه من ناحية المؤمنين الرحمة، ومن ناحية المنافقين العذاب: (فضُرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب). الحديد/13.

إذن عاقبة العبادة، وطاعة الله سبحانه النور والضياء يوم القيامة، وعاقبة المنافقين والكافرين والجاحدين الظلمات والتخبط في عرصات القيامة، وفي النهاية العذاب المهين، مع الشياطين والمجرمين، في نار الجحيم، وساءت مصيراً.

 

ثواب السجود والدعاء:

روي في كتابي السرائر وفلاح السائل، عن بريد العجلي قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): أيّهما أفضل في الصلاة كثرة القراءة أو طول اللبث في الركوع والسجود؟

قال: فقال(عليه السلام): كثرة اللبث في الركوع والسجود في الصلاة أفضل!.

أما تسمع لقول الله تعالى: (فاقرؤا ما تيسّر منه وأقيموا الصلاة). المزمّل/20.

إنّما عني بإقامة الصلاة، طول اللبث في الركوع والسجود.

قلت: فأيّهما أفضل كثرة القراءة أو كثرة الدعاء؟

فقال(عليه السلام): كثرة الدعاء أفضل.

أما تسمع لقول الله لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم): (قل ما يعبؤُا بكم ربّي لولا دعاؤكم)(12). الفرقان/77.

 

صفات شيعة أهل البيت(عليهم السلام):

روى العياشي(رحمه الله)، عن أبي بصير، أنّ الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) قال له: يا أبا محمّد! عليكم بالورع والاجتهاد، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وحُسن الصُحبة لمن صحبكم، وطول السجود، فإنّ ذلك من سُنن الأوّابين(13).

وروى الصدوق(رحمه الله) بسنده، عن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام) من حديث بعد ذكر الأئمّة(عليهم السلام) قال: ودينهم الورع والعفّة، والصدق، والصلاح، والاجتهاد، وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، وطول السجود، وقيام الليل، واجتناب المحارم، وانتظار الفرج بالصبر، وحسن الصحبة، وحسن الجوار(14).

وروى الحسن بن شعبة(رحمه الله)، عن أبي محمّد الحسن العسكري(عليه السلام) أنّه قال لشيعته: اُوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من برٍّ أو فاجر، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم وأدّوا حقوقهم، فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق في حديثه، وأدّى الأمانة، وحسّن خلقه مع الناس، قيل: هذا شيعيّ! فيسرّني ذلك.

اتقوا الله، وكونوا زيناً، ولا تكونوا شيناً، جرّوا إلينا كل مودّة، وادفعوا عنّا كل قبيح.

فإنّه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك.

لنا حقّ في كتاب الله، وقرابة من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتطهير من الله، لا يدّعيه أحد غيرنا إلاّ كذّاب.

أكثروا ذكر الله، وذكر الموت، وتلاوة القرآن، والصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ الصلاة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لها عشر حسنات. احفظوا ما وصيّتكم به، وأستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام(15).

وروى الصدوق(رحمه الله)، عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنّه قال: قال أميرالمؤمنين(عليه السلام): أطيلوا السجود، فما من عمل أشدّ على إبليس من أن يرى ابن آدم ساجداً لأنّه أمر بالسجود فعصى، وهذا أمر بالسجود فأطاع ونجا(16).

وروى الصدوق(رحمه الله)، عن معاوية بن عمّار قال: سمعت أبا عبدالله الصادق(عليه السلام)يقول: إنّ العبد إذا أطال السجود حيث لا يراه أحد، قال الشيطان: و أويلاه! أطاعوا وعصيت، وسجدوا وأبيت(17).

وروى الصدوق(رحمه الله)، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: جاء رجل إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله! كثرت ذنوبي، وضعف عملي.

فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أكثر السجود، فإنّه يحطّ الذنوب كما تحطّ الريح ورق الشجر(18).

رجال ضمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لهم الجنّة

روى الشيخ الطوسي(رحمه الله) بسنده، عن أبي عبدالله(عليه السلام) الصادق قال: إنّ قوماً أتوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله! اضمن لنا على ربّك الجنّة.

قال: فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): على أن تعينوني بطول السجود.

قالوا نعم يا رسول الله. فضمن لهم الجنّة(19).

وروي، عن أبي عبدالله(عليه السلام) الصادق قال: جاء رجل ودخل إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله! إنّي اُريد أن أسألك!

فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): سل ما شئت.

قال: تحمل لي على ربّك الجنّة؟

قال(صلى الله عليه وآله وسلم): تحمّلت لك، ولكن أعنّي على ذلك بكثرة السجود(20).

وروى الكليني(رحمه الله) بسنده، عن أبي عبدالله(عليه السلام) الصادق قال: مرّ بالنبيّ رجل وهو يعالج في بعض حجراته فقال: يا رسول الله! ألا أكفيك؟

قال(صلى الله عليه وآله وسلم): شأنك، فلمّا فرغ.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): حاجتك؟

قال: الجنّة، فأطرق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم قال: نعم، فلمّا ولّى.

قال له: يا عبدالله! أعنّا بطول السجود(21).

 

شيء من سجود الأئمة(عليهم السلام):

روى السيد ابن طاووس(رحمه الله)، عن عليّ بن الحسين(عليه السلام) أنّه برز إلى الصحراء، فتبعه مولاً له فوجده ساجداً على حجارة خشنة، فأحصى عليه ألف مرّة «لا إله إلاّ الله حقّاً حقّاً لا إله إلاّ الله تعبّداً ورقاً، لا إله إلاّ الله إيماناً وصدقاً». ثم رفع رأسه(22).

وروي: عن منصور الصّيقل قال: حججت فمررت بالمدينة، فأتيت قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فسلّمت عليه ثم التفتُّ فإذا أنا بأبي عبدالله(عليه السلام) الصادق ساجداً، فجلست حتى مللت، ثم قلت لاُسبّحنّ ما دام ساجداً، فقلت: سبحان ربّي العظيم وبحمده، أستغفر الله ربّي وأتوب إليه ثلاثمائة مرة ونيفاً وستّين مرّة، فرفع رأسه ثمّ نهض. فأتبعته وأنا أقول في نفسي: إن أذن لي دخلت عليه ثم قلت له: جعلت فداك أنتم تصنعون هكذا فكيف ينبغي لنا أن نصنع؟ فلمّا أن وقفت على الباب خرج إليَّ مصادف فقال: اُدخل يا منصور! فدخلت، فقال لي مبتدئاً: يا منصور! إنّكم إن أكثرتم أو أقللتم فو الله ما يُقبل إلاّ منكم(23).

وروى الصدوق(رحمه الله) بسنده، عن الإمام محمّد بن عليّ الباقر(عليه السلام) قال: كان لأبي(عليه السلام) في موضع سجوده آثار ناتئة وكان يقطعها في السنة مرتين، في كل مرة خمس ثفنات، فسمّي ذا الثفنات لذلك(24).

وروى الصدوق(رحمه الله) بسنده، عن عبدالله بن الفضل، عن أبيه، من حديث طويل، أنّه دخل على أبي الحسن موسى الكاظم(عليه السلام)، قال: فإذا أنا بغلام أسود بيده مقصّ يأخذ اللحم من جبينه وعرنين أنفه من كثرة سجوده(25).

وروى الصدوق(رحمه الله) بسنده، أنّه سئل الإمام أبي عبدالله(عليه السلام) لِمَ اتّخذ الله عزّ وجلّ إبراهيم خليلا؟

قال(عليه السلام): لكثرة سجوده على الأرض(26).

وروى الشيخ الطوسي(رحمه الله) بسنده، عن السكوني، عن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام)قال: قال عليّ(عليه السلام): إنّي لأكره للرجل أن أرى جبهته جلحاء ليس فيها أثر السجود(27).

وروى الديلمي(رحمه الله)، عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: جاء رجل إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: علّمني عملا: يحبّني الله، ويحبّني المخلوقون، ويثري الله مالي، ويصح بدني ويطيل عمري، ويحشرني معك؟!

قال(صلى الله عليه وآله وسلم): هذه ست خصال تحتاج إلى ست خصال:

إذا أردت أن يحبّك الله! فخفه واتّقه.

وإذا أردت أن يُحبك المخلوقون! فأحسن إليهم وارفض ما في أيديهم.

وإذا أردت أن يثري الله مالك! فزكّه.

وإذا أردت أن يصحّ الله بدنك! فأكثر من الصوم.

وإذا أردت أن يطيل الله عمرك! فصل ذوي أرحامك.

وإذا أردت أن يحشرك الله معي! فأطل السجود بين يدي الله الواحد القهّار(28).

 

***

الهوامش

(1) البحار ج 16/222.

(2) رواه الطبراني في المعجم الأوسط، عنه البحار ج 94/ص253.

(3) راجع فضائل الخمسة ج 1/223 ناقلا عن الصواعق المحرقة/146 ط مصر 1965.

(4) تفسير الميزان ج3 /ص143، ناقلا عن تفسير مجمع البيان.

(5) تفسير الميزان ج 3 /ص144، ناقلا عن اُصول الكافي ج2/ص74.

(6) تفسير الميزان ج 3 / ص 144، ناقلا عن نهج البلاغة.

(7) تفسير الميزان ج 3 / ص 144، ناقلا عن كتاب قرب الإسناد.

(8) الكافي: ج 2 ص 57.

(9) البحار ج 16 / ص 313، ناقلا عن أمالي الصدوق، وفي / ص 323; ناقلا عن أمالي الطوسي، وخصال الصدوق.

(10) البحار ج 85 / ص 163، ناقلا عن كتاب ثواب الأعمال.

(11) البحار ج 85 / ص 160، ناقلا عن تفسير مجمع البيان.

(12) البحار ج 84، ناقلا عن فلاح السائل ونقله في ج 85 / ص 117 نقلا عن كتاب السرائر.

(13) البحار ج 69 / ص 395، ناقلا عن تفسير العياشي.

(14) البحار ج 69 / ص 387، ناقلا عن الخصال.

(15) البحار ج 78 / ص 372، ناقلا عن كتاب تحف العقول.

(16) البحار ج 85 / ص 161، ناقلا عن كتابي علل الشرائع والخصال.

(17) البحار ج 85 / ص 163، ناقلا عن كتاب ثواب الأعمال.

(18) البحار ج 85 / ص 162، ناقلا عن كتاب الأمالي.

(19) البحار ج 85 / ص 164، ناقلا عن كتاب الأمالي.

(20) البحار ج 85 /ص 164، ناقلا عن كتاب أربعين الشهيد.

(21) البحار ج 85 /ص 164، ناقلا عن كتاب الكافي.

(22) البحار ج 85 / ص 166، ناقلا عن كتاب اللهوف.

(23) البحار ج 85 / ص 165، ناقلا عن كتاب الخرائج.

(24) البحار ج 85 / ص 161، ناقلا عن كتاب علل الشرائع. والثفنات: جمع ثفنة: وهي ما يقع من أعضاء البعير على الأرض استناخ وغلظ، كالركبتين وغيرهما.

(25) البحار ج 85 / ص 166، ناقلا عن كتاب عيون الأخبار.

(26) البحار ج 85 /ص 163، ناقلا عن كتاب علل الشرائع.

(27) البحار ج 85 / ص 160، ناقلا عن كتاب تهذيب الأحكام.

(28) مدينة البلاغة ج 1 / ص 554 ناقلا عن كتاب إعلام الدين ورواه عنه البحار ج 85 /ص 164.