بسم الله الرحمن الرحيم

(اللّهمّ)

أصله: «يا الله»، فحذفت كلمة «يا» وعُوّض عنها الميم المشدّدة، تفخيماً وتعظيماً له تعالى.

قال الشيخ أبو عليّ(رحمه الله): «الميم فيه عوض عن «يا»، ولذلك لا يجتمعان، وهذا من خصائص هذا الاسم، كما اختص «التاء» في القَسم»(1).

وقال الفراء: «أصل «اللّهمّ» يا الله آمنّا بالخير، أي اقصدنا به، فخّفف بالحذف، لكثرة الدوران على الألسنة»(2).

والشيخ الرضي(3) ردّ هذا الكلام بأ نّه يقال أيضاً: اللّهمّ لا تؤمهم بالخير، و «الله» قيل(4): هو غير مشتق من شيء، بل هو علم لزمته الألف واللام.

وقال سيبويه: «هو مشتق، وأصله: إله، دخلت عليه الألف واللام فصار: الإله، ثمّ نُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت فبقي (الله)، فاُسكنت اللام الاُولى واُدغمت، وفُخّم تعظيماً، لكنه ترقّق مع كسر ما قبله»(5).

ويؤيد كلام سيبويه ما ورد في بعض الأخبار، ومنه قوله(عليه السلام): (يا هشام الله مشتق من إله، والإله يقتضي مألوهاً)(6) (كان إلهاً إذ لا مألوه)(7).

وذكر صدر المتألّهين السبزواري(رحمه الله)، في ابتداء شرح دعاء الصباح كلاماً يدلّ على اشتقاقه من شيء، فإنّه قال: «أصل (الله) كأن الهاء المستديرة; لمناسبة أنّ الدائرة أفضل الأشكال وأصلها، وأ نّها لا نهاية لها; إذ الخط ينتهي بالنقطة وهي طرف الخط، ولا طرف للدائرة، وأنّ البدء والختم فيها واحد، وقد تكتب بالدائرتين إشارة إلى الجمال والجلال، وقد تكتب بدائرة واحدة إشارة إلى أنّ صفاته الحقيقية عين ذاته تعالى . هذه هي المناسبة بحسب الرسم والكَتْب.

وأمّا المناسبة بحسب اللفظ والنطق، فلأ نّها جارية على أنفاس الحيوانات كلّها، سواء كانت أهل الذكر والعلم بالعلم التركيبي أو بالعلم البسيط.

ثمّ اُعرب بالضمّة، إشارة إلى ترفّع المسمّى، ثمّ تارةً اُشبع، إشارةً إلى أ نّه تعالى فوق التمام، وأ نّه فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى عدّة ومدّة وشدّة، فصار بالإشباع (هو) (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )(8).

وتارة اُدخل عليه لام الاختصاص والتمليك، فصار: (له) فـ (لَهُ الخَلْقُ وَالأمْرُ)(9). ثمّ اُشبع فتح اللام، إشارة إلى أ نّه من عنده الفتوح التامّ، فصار (لاه). ثمّ اُدخل عليه لام التعريف، إشارة إلى أ نّه تعالى معروف ذاته لذاته ولما سواه(أفِي الله شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ )(10) فصار (الله)»(11) انتهى كلامه.

ثمّ إنّ العلماء أطبقوا على أنّ هذا الاسم الشريف هو الاسم الأعظم، وفيه أسرار لا تعدّ ولا تحصى; لأ نّه ـ على الأصح ـ عَلَم للذات المقدّسة الجامعة لجميع الصفات العليا والأسماء الحسنى.

وفي الحديث: سُئل(عليه السلام) عن معنى (الله) فقال: (استولى على ما دقّ وجلّ)(12).

وفيه أيضاً: (الله معنىً يُدلّ عليه بهذه الأسماء، وكلّها غيره)(13).

أراد(عليه السلام) أنّ سائر الأسماء معانيها مشمولة للذات الواجبة الجامعة لجميع صفات الكمالات، الّتي هي مسمّى الاسم (الله) بخلاف تلك الأسماء، فإنّ كلا منها يدلّ على الذات ولكن لا مطلقاً، بل ملحوظاً بتعيّن من التعيّنات النورية. وسيأتي توضيح ذلك عند قوله: (وبأسمائك الّتي ملأت أركان كلّ شيء)، إن شاء الله تعالى.

 

(إنّي)

أثبت السائل لنفسه الإنيّة، إشعاراً بأ نّه ممسوس في إنيّة الإنيّات، كما ورد: (إنّ عليّاً ممسوس في الله)(14) أو إشارة بأ نّه ممسوس بالوجود، والوجود إشراق الله تعالى : (اللّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ)(15).

وهذا الامتساس من أعظم النعماء الّتي أنعه الله بها، فحدّث بهذه النعمة العظمى والمنّة القصوى، امتثالا لقوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)(16).

هذا، وإن كان إثبات الإنية للنفس من أعظم الخطايا عند أصحاب الحقيقة وأرباب العيان، كما قيل:

..................................... *** وجودك ذنب لا يقاس به ذنب

وقيل:

بيني وبينك إنّي ينازعني *** فارفع بلطفك إنّيِّ من البين(17)

إلاّ إنّه من باب: (حسنات الأبرار سيئات المقرّبين)(18).

وبالإضافة وتوضيح المقام: أ نّه لمّا كان المقام مقام التضرّع والابتهال ـ كما قال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ)(19) وقال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ)(20) ـ أشار السائل إلى أ نّه في أسئلته ودعواته ليس ممّن كتم ما أنعمه المنعم وتكدّى في ازدياد النعمة ضنّة وولعاً وإمساكاً وهلعاً، بل اعترف في أوّل الأمر وابتداء الحال بأ نّه من المستغرقين في آلائه تعالى، ومن المستخلعين بخلعه الفاخرة، من الوجود والحياة والقدرة والعلم والعرفان، وغيرها من لواحق الوجود الّتي دارت معه حيثما دار، كما قيل:

نور اُو آز يمن ويسار وتحت وفوق *** بر سر وبر گردنم افكنده طوق

كمن لبس ثياب الخلعة، وقام عند منعمه تعظيماً لإكرامه، وحامداً لأنعامه، قائلا بلسان حاله الّذي هو أفصح من لسان قاله، بل أصدق منه: ربّ (لا اُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك)(21).

گر بهر مولى زبانى باشدم *** شكر يك نعمت نگويم آز هزار

وبالجملة، ففي أمثال هذا المقال إن أثبت السائلون لنفوسهم الإنيّة فعلى ضرب من المجاز; لأ نّه ـ كما حقق في موضعه ـ شيئية الشيء كانت بصورته وتمامه، وتماميته بفاعله وعلّته، كما قال الحكماء: نسبة الشيء إلى فاعله بالوجوب والوجدان، وإلى قابله بالإمكان والفقدان.

ومن المعلوم أنّ فوق التمام وعلّة العلل وفاعل الفواعل هو الحقّ الأوّل الجاعل تعالى شأنه، فالإشارة إلى النفس في الحقيقة إشارة إلى مقوّمها، سواء كان المشير من ذوي الاستشعار بهذا أم لا.

تو دير بزى كه من برفتم زنسيان *** گر من گويم زمن توئى مقصود

ولهذا قال معلم هذا الدعاء(عليه السلام): (معرفتي بالنورانية معرفة الله عزّوجلّ)(22).

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): (من رآني فقد رأى الحقّ)(23).

ففي الحقيقة هو تعالى كان سائلاً ومسؤولا وذاكراً ومذكوراً، كما قال الشاعر:

لقد كنت دهراً قبل أن يكشف الغطاء *** أخالُك أ نّي ذاكر لك شاكرُ

فلمّا أضل الليل أصبحتُ عارفاً *** بأ نّك مذكور وذكرٌ وذاكرُ(24)

فإذا كشف عنك غطاؤك، وحدّد بصرك تُصدّق بقوله تعالى: (إنْ هِيَ إلا أسْمَاءٌ سَمَّـيْـتُـمُوهَا أنْـتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أنزَلَ اللّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان)(25) تصديقاً شهودياً.

(أسألك)

السؤال يستعمل في الداني بالنسبة إلى العالي، بخلاف الالتماس فإنّه يستعمل في المساوي، وأمّا في العرف فاشتهر بعكس ذلك.

(برحمتك التي وسعت كلّ شيء)

المراد بالرحمة هنا: الوجود المطلق الّذي هو قسم من مطلق الوجود والمشيئة الفعلية كما ورد: (إنّ الله خلق الأشياء ]بالمشيئة[ والمشيئة بنفسها)(26). والوجود المنبسط والفيض المنبسط الّذي فاض على كلّ الماهيات والأعيان الثابتات المرحومة بها، والفيض المقدس; لأ نّه بذاته عار عن أحكام الماهيات، كما أنّ ظهور ذاته تعالى بالأسماء والصفات في المرتبة الواحدية يسمّى بالفيض الأقدس، لا ما هو عبارة عن رقّة القلب; لأنّ استعمالها خاصّ بالممكن، يقال: فلان رحيم، أي رقيق قلبه، يعني: إذا رأى فقيراً مثلا ـ وهو ذو النعمة والسعة ـ يترحم عليه بالإعطاء.

ومن ألقاب ذلك الوجود المطلق الّذي عبّرنا به عن الرحمة: النفس الرحماني، والإبداع، والإرادة الفعلية، والحقيقة المحمّدية.

 

بيان مراتب الوجود:

وتحقيق ذلك: أنّ للوجود مراتب مختلفة بالشدّة والضعف: الوجود الحقّ، والوجود المطلق، والوجود المقيّد.

فالأوّل: هو الوجود المجرّد عن جميع الأوصاف والألقاب والنعوت.

والثاني: هو صنع الله وفيضه المقدس، ومشيئته الفعلية، ورحمته الواسعة، وإبداعه وإرادته الفعلية، والنفس الرحمانية، وعرش الرحمن، والماء الّذي به حياة كلّ شيء، وكلمة (كن) الّتي أشار إليها أميرالمؤمنين(عليه السلام) بقوله: (إنّما يقول لما أراد كونه: كن فيكون، لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع)(27). وفعل الله، وبرزخ البرازخ، وغير ذلك من الأوصاف والألقاب.

والثالث: أي الوجود المقيّد، وهو أثره تعالى، كوجود العقول والنفوس، والملك والفلك والإنسان والحيوان، وغير ذلك.

 

أقسام الرحمة:

فإذا عرفت هذا، فاعلم أنّ الرحمة رحمانية ورحيمية، وهي مختصة بأهل التوحيد، وهم العالمون بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر، وبالجلمة: الّذين هداهم الله إلى صراط مستقيم، وعرّفهم توحيده وأنبياءه وأولياءه وما جاء به النبيون.

والرحمة الرحمانية لا تختص بشيء دون شيء، بل هي وسعت كلّ شيء، ومرحومة بها جميع الماهيات، من الدرّة البيضاء إلى الذرّة الهباء، حتى أنّ الكافر والكلب والخنزير وإبليس، وكلّ ما تراه في غاية القذارة والحقارة والملعنة أيضاً مرحومة بها; إذ تلك الرحمة أمر الله الّذي يأتمر به كلّ موجود، وكلام الله الّذي لا خالق ولا مخلوق، وفعل الله الّذي اشتمل على كلّ المفاعيل، وخطاب الله المتخاطب به جميع الأعيان الثابتة، وصنع الله الّذي كلّ مصنوع بذلك الصنع.

فمن كان له عقل صريح وقريحة مستقيمة يعلم أنّ الصانع هو الله، والصنع ذلك الوجود، والمصنوع الموجودات، وكذلك الآمر والأمر والمؤتمر، والخالق والخلق والمخلوق، والمتكلم والكلام والمخاطب، والرحمن والرحمة والمرحوم، وهكذا، وفي الحديث القدسي قال: (رحمتي تغلب على غضبي)(28)، يعني: تعلّق إرادته تعالى بإيصال الرحمة أكثر من تعلّقها بإيصال العقوبة، فإنّ الرحمة من مقتضيات صفة الرحمانية والرحيمية، والغضب ليس كذلك، بل هو باعتبار المعصية.

وفي الحديث: (إنّ لله تعالى مائة رحمة)(29).

أقول: كأ نّه(عليه السلام) أراد الكثرة لا تحديد الرحمة، إذ علمت أنّ رحمته تعالى صفته، وصفات الله كلّها غير متناهية، فإنّه حُقّق في موضعه أنّ صفاته الحقيقية عين ذاته تعالى، وذاته غير متناهية عدّة ومدّة وشدّة، فكذلك صفاته غير متناهية.

ثمّ إنّ الشيء في قوله: (كلّ شيء) بمعنى: مشيء وجوده، وهو الماهية: إذ هي مشيء وجودها.

والباء في قول السائل: (برحمتك... ) إلى آخره، للاستعانة، ويجوز أن تكون للسببية، وفيه إشارة إلى أ نّه مرحوم بكلتا الرحمتين.

أمّا بالرحمة الرحمانية، فوجوده ومشاعره وأعضاؤه وجوارحه جميعاً شاهدة على مرحوميته ومرزوقيته من الله تعالى، إذ ورد عن أميرالمؤمنين(عليه السلام)حين سُئل عن الرحمن، قال: (الرحمن هو الّذي يرحم ببسطه الرزق علينا، والرحيم هو العاطف علينا في أدياننا ودنيانا وآخرتنا، وخفف علينا الدين فجعله سهلا خفيفاً، وهو يرحمنا بتمييزنا من أعدائه)(30).

 

بيان أرزاق الموجودات:

اعلم أنّ جميع الموجودات مرزوقة من الله تعالى، كلّ على حسب ما تقتضيه العناية الإلهية، فرزق العقول الكلّية هو مشاهدة جمال الله تعالى وجلاله، والالتذاذ بالاستغراق في تجلّياته وإشراقاته.

ورزق النفوس: اكتساب الكمالات، واقتناء العلوم والصناعات.

ورزق الأملاك: التسبيح والتهليل والتقديس، إذ رزق كلّ شيء ما به يتقوّم ذلك الشيء.

ورزق الأفلاك: هو حركاتها الدورية، وتشبّهاتها بالملأ الأعلى الوضعية(31).

ورزق البدن: ما به نشوؤه وكماله، على نسبته اللائقة به.

ورزق الحواس: إدراك المحسوسات، فرزق الباصرة: المبصرات، والسامعة: المسموعات، والذائقة: المذوقات، والشامّة: المشمومات، واللامسة: الملموسات.

ورزق البنطاسيا: إدراك جميع المحسوسات الظاهرة والباطنة، غير ما يدرك بالوهم.

ورزق الخيال: ما يأتيه من الحسّ المشترك ويحفظه.

ورزق المتخيلة: درك الصور الجزئية المجرّدة عن المادّة.

ورزق الواهمة: إدراك المعاني الجزئية.

ورزق العاقلة: إدراك المعاني الكلّية.

حتى أن رزق الماهيات: الوجودات الخاصة.

وأمّا إنّ السائل مرحوم برحمته الرحيمية، فأيمانه وأسئلته دالّة عليها دلالة واضحة.

 

(وبقوتك الّتي قهرت بها كلّ شيء)

 

بيان القوى العشر الظاهرة والباطنة:

المراد بالقوّة: القدرة، لا استعداد الشيء، كالتي هي قسط الهيولى من مطلق الكمال، كما عرفت بأ نّها جوهر بالقوّة المحضة، جنسها مضمّن في فصلها، وفصلها مضمّن في جنسها. ولا من سنخ القوى العشر الّتي أودعها الله تعالى في الإنسان، سبعة منها مدركة للجزئيات، وهي: الواهمة المدركة للمعاني، والحسن المشترك، والباصرة، والسامعة، والذائقة، والشامّة، واللامسة. واثنتان منها هما المحرّكة: محرّكة العاملة ومحرّكة الشوقية. وعاشرها: العقل، أي العاقلة، وهي المدركة للكلّيات، وهي منشعبة إلى أربع قوى:

 

بيان انشعاب العقل إلى أربع قوى:

أحدها: هي القوّة الغريزية الّتي يستعدّ بها الإنسان لإدراك العلوم النظرية، ويفارق بها البهائم، فكما أنّ الحياة تهيئ الجسم للحركات الإرادية والإدراكات الحسيّة، فكذا القوة الغريزية تهيئ الإنسان للعلوم النظرية والصناعات الفكرية.

الثانية: قوّة يحصل بها العلم بأنّ الاثنين مثلا أكثر من الواحد، والشخص الواحد لا يكون في زمانين ومكانين.

والثالثة: قوّة تحصل بها العلوم المستفادة من التجارب بمجاري الأحوال.

والرابعة: قوّة بها يعرف الإنسان عواقب الاُمور، فيقمع الشهوة الداعية إلى اللذّة العاجلة، ويتحمل المكروه العاجل لسلامة الآجل.

فإذا حصلت تلك القوى سُمّيّ صاحبها: عاقلا، فالاُولى والثانية حاصلة بالطبع، والثالثة والرابعة حاصلة بالاكتساب.

وإلى ذلك أشار أميرالمؤمنين(عليه السلام) بقوله:

(رأيت العقل عقلين *** فمطبوع ومسموعُ

ولم ينفعك مسموع *** إذا لم يك مطبوعُ

كما لا تنفع الشمس *** وضوء العين ممنوعُ)(32)

وإنّما لا يجوز إطلاق القوة بهذه المعاني على الله تعالى: إذ جميع ذلك استعدادات وإمكانات وانفعالات وإن نعدّها وجودات، فكانت من جملة قدرته الفعلية الّتي سنفصل لك ونبيّن أن جميعها جهات قادريته تعالى.

بل القدرة ـ كالعلم ـ ذات مراتب، ومرتبة منها هي الواجبة بذاتها، وهي قدرته الذاتية. ومرتبة منها عين الوجود المنبسط، وهي قدرته الفعلية.

وجميع الأشياء مقدورات لله تعالى بهذه القدرة الفعلية، وانقهارها استهلاكها واضمحلالها تحتها; لأ نّها بذواتها ليست أشياء على حيالها، ولهذا ورد عن الشرع الأنور: (لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم).

وقوله: (وبقوّتك الّتي قهرت بها كلّ شيء) أي بقوتك الفعلية الّتي هي تحت قدرتك الذاتية الّتي قهرت بها جميع المقدورات. والباء في قوله: (بها) سببية، أو بمعنى: مع.

(وخضع لها كلّ شيء، وذل لها كلّ شيء)

الضمائر الثلاثة راجعة إلى القوّة. والخضوع ـ كالخشوع ـ : التواضع خوفاً ورجاءً، وقد يفرّق بينهما بأنّ الخضوع يستعمل في البدن، والخشوع في الصوت(33)، مثل قوله تعالى: (وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ)(34).

وقد لا يفرق بأنّ الخضوع ـ أيضاً ـ استعمل في القول والصوت، كقوله تعالى: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ)(35).

فقوله: (وخضع لها كلّ شيء، وذل لها كلّ شيء) مثل قوله تعالى: (وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَـيُّومِ)(36) أي ذلّت وخضعت الوجودات له تعالى; لأ نّه مالك رقابها، وآخذ بناصيتها، وقيوّمها ومقوّمها، وبفيضه تعالى قوام الأشياء، وبسببه حياتها.

گر فيض تو يك لمحه بعالم نرس *** معلوم ثمود بود ونبود همه كس

(وذلّ) من الذُل ـ بالضم ـ ضدّ العز، أي هان لها كلّ شيء. ويحتمل أن يكون من الذّل ـ بالكسر ـ ضدّ الصعوبة، أي انقاد لها كلّ شيء.

(وبجبروتك الّتي غلبت بها كلّ شيء)

وجه تسمية عالم العقول بالجبروت:

جبروت: فَعَلُوت، من الجبر، وهو تعالى جبار; لأ نّه يجبر نقائص الممكنات بإفاضة الخيرات عليها، ويكسو العناصر صور المركبات، فيخبر نقصانها. وخصّ استعمالها بعالم العقول، طولية كانت أو عرضية، صعودية كانت أو نزولية.

 

وجه تسمية عالم الأسماء والصفات باللاهوت:

كما أ نّه خصّ استعمال «اللاهوت» بعالم الأسماء والصفات، أي عالم الواحدية، وهو المسمّى في لسان الشرع الأنور بـ (الاُفق الأعلى) و (الاُفق المبين)، وهو مقام: (قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى)(37). وهو منتهى سير السالكين العارفين، وكان مقام نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإلى ذلك المقام أشار جبرائيل بقوله: (لو دنوت أنملة لاحترقت)(38) كما قيل:

أحمد اربُگشايد آن پُر جليل *** تا أبد مدهوش ماند جبرئيل

وجه تسمية عالم المثال بالملكوت

وخصّ استعمال «الملكوت» بعالم الباطن من عالم المثال الأعلى والأسفل، أي عالم النفوس مطلقاً وعالم الصور الصرفة، وباصطلاح حكماء الإشراق(39) عالم المُثل المعلقة.

وجه تسمية عالم الأجسام بالناسوت

وخصّ استعمال «الناسوت» بعالم الطبائع، أي عالم الجسم والجسماني، وبعبارة اُخرى: عالم الزمان والزمانيات.

كما أنّ «الملكوت» يطلق على عالم الدهور أيضاً، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ)(40).

فليعلم أنّ أول ما صدر من الحقّ الحقيقي هو العقل الأوّل، والممكن الأشرف الأجلّ، كما قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (أول ما خلق الله تعالى العقل)(41) وبرواية اُخرى: (أول ما خلق الله نوري)(42) و (روحي)(43). وهو المسمّى في الكتاب الإلهي والفرقان السماوي بـ (اُمُّ الكِتَاب) كقوله تعالى: (وَعِنْدَهُ اُمُّ الكِتَابِ)(44) وبالقلم كقوله: (ن وَالقَـلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)(45).

فهو لاشتماله على جميع الحقائق، لكونه بسيط الحقيقة، جامعاً لكمالات ما دونه بنحو اللفّ والجمع، سُمّي بـ (اُمُّ الكِتَاب) إذ الاُمّ بمعنى الأصل، فهو أصل جميع الكتب ومنبعها، وكتابيته باعتبار ماهيته.

كما أنّ عالم العقول بهذا الاعتبار سُمّي بـ (الأرض البيضاء)، كقوله(عليه السلام): (إن الله أرضاً بيضاء مشحونة خلقاً، يعبدون الله ويسبّحونه ويهللونه، ولا يعلمون أنّ الله خلق آدم ولا إبليس)(46) وذلك لأنّ الوجود المنبسط والرحمة الواسعة تختلف أسماؤه باعتبارات شتى ]في[ نفس الأمرية، فإنّه مضافاً إلى الله تعالى إيجاده وصنعه كما مرّ، ومضافاً إلى الماهية وجودها، ومن حيث إنّه كالقلم بين أصابع الرحمن يكتب على صفحات القوابل: (قلم) ومن حيث المثبت في الألواح العالية من اللوح المحفوظ ولوح القدر (كتابه) كما قيل:

بزد آنكه جانش در تجلّى است *** همه عالم كتاب حق تعالى است

عرض اعراب وجوهر چون حروف است *** مراتب همچو آيات وقوف است

از او هر علمى چون سوره اى خاص *** يكى زان فاتحه وآن ديگر اخلاص

***

ومن حيث كونه علّة مؤدّية لوجود المقضي: (قضاء) ومن حيث إنّه يعيّن شكل المقضي ويقدّر مقداره: قدر.

وبالجملة: من حيث إنّه كلمة (كن) الوجودية: (كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)(47).

ثمّ صدر بتوسّطه العقل الثاني، ثمّ الثالث، إلى العاشر، وهو المسمّى عند الحكماء بـ (العقل الفعّال)، وعند العرفاء(48) بـ (روح القدس) وفي لسان الشرع الأطهر بـ (جبرائيل).

وهذا الترتب العلّي بين العقول العشرة على طريقة حكماء المشّائين(49) وأمّا على مذهب الإشراقيين(50) لا ترتّب بينها، بل هي عندهم متكافئة، ولا نهاية لها.

والعرفاء يسمون العقول: أرباب الأنواع، فالجبروت اسم لذلك العالم جملة.

فقد عُلم ـ بما ذُكر ـ أنّ وجود العقول غالب ومقدّم على كلّ شيء، لا نّه أصل في التحقق والجعل، فهو غالب على جميع الماهيات، وقاهر عليها بالحقّ بعد الحقّ، فهو تعالى إذا كان بجبروته ـ الّتي هي عالم من عوالمه ـ قاهراً على الأشياء، فمقهورية الكلّ تحت نور ذاته الظاهرة لا خفاء بها (وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ)(51).

 

(وبعزتك الّتي لا يقوم لها شيء)

العزّة: المغالبة والممانعة، أو بمعنى القوة، وجاءت لندرة الوجود.

وفي القاموس: «عزّ يعزُّ عِزّاً وعزّةً وعزازة ـ بكسرها في الثلاثة ـ : صار عزيزاً، كمعزّز، وقوي بعد ذلة، وأعزّه وعززه، والشيءُ: قلّ فلا يكاد يوجد»(52).

فإن اُخذت بمعنى ندرة الوجود فباعتبار رؤيته تعالى في صورة مظاهره الأكملين النادريّ الوجود الأقلّين، كما قال(عليه السلام): (هؤلاء الأقلون)(53).

وقيل:

خليلي قطّاع الفيافي إلى الحمى *** كثيرٌ وأمّا الواصلون قليلُ(54)

وإن اُخذت بمعنى القوة بعد الذلّة فمن باب التجريد، إذ لا أوّلية لعزّته تعالى، ولا تكون له ذلّة حتى انصرف منها وصار عزيزاً ووجدت له عزّة بعد ذلّة، بل هو العزيز المقتدر أزلا أبداً، لا يعتريه فترة، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

ولكنّ الحقّ، أنّ عزّته تعالى كسائر صفاته الحقيقية عين ذاته، وكيف كان لها مقاوم ومقابل، والحال أ نّه لا ثاني له تعالى: (شَهِدَ اللّهُ أ نَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَاُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلاّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)(55).

 

(وبعظمتك الّتي ملأت كلّ شيء)

أفعال الله الحسية وفيه ذكر بيان معاني العرش

العظمة: الكبرياء، والتعظيم: التبجيل والتوقير، وعظمة الفاعل تظهر بعظمة فعله، ومن جملة أفعاله (الفلك الاقصى) الّذي هو عرش الله تعالى، إذ للعرش إطلاقات أربع:

قد يطلق العرش ويراد به علمه المحيط.

وقد يطلق ويراد به الفيض المقدّس.

وقد يطلق ويراد به عالم العقل.

وقد يطلق ويراد به الفلك الأطلس.

ولمّا كان هو من حيث الكمية والكيفية أعظم الأجسام، وصفه تعالى بالعظمة في كلامه المجيد، وقال: (رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ)(56). وخصّه بالذكر; إذ جميع الأجسام مشمولة، وهو محيط بجميعها.

ومن جملة الأجسام: الفلك الثامن الّذي يسمّى بـ (الكرسي)، ويشتمل على كرات وأجرام منيرة وكواكب مضيئة.

بيان مقدار عظم الكواكب الثابتة والسيارة

وقد حُدّد في علم الهيئة أنّ أعظم الثوابت المرصودة مقدار جرمه مائتان واثنان وعشرون مثل مقدار جرم الأرض، وأصغرها مقدار جرمه ثلاثة وعشرون مثل مقدار جرم الأرض. وأنّ مقدار جرم زحل من الكواكب السيارة اثنان وثمانون مثل جرم الأرض، ومقدار جرم المشتري مائة وثمانون مثل مقدار جرم الأرض، وأنّ مقدار المريخ ثلاثة أمثال مقدار الأرض، ومقدار جرم الشمس ثلاثمائة وستة وعشرون مثل مقدار الأرض.

وهكذا سائر الثوابت والسيارات الّتي قد حدّدت مقاديرها، ولا يعلم عددها إلاّ هو، وكذا طبقات الأرض، من الطينية والصرفة، والطبقة الّتي صارت مسكن المواليد الثلاثة.

بيان أفعال الله المعنوية

وسائر المركّبات كلّها فعل: إمّا من أفاعليه ـ سبحانه ـ الحسية، وإمّا أفعاله المعنوية من العقول والنفوس، والصور البرزخية الّتي لا يعلم حسابها إلاّ الله تعالى. بل من جملة أفعاله الحسية والمعنوية معاً خلقة الإنسان الّذي هو جالس بين الحدّين، وجامع للحسنيين، وواسطة بين الإقليمين، الّذي فؤاده بيت يتراءى فيه جميع أفعاله تعالى، من السماء والسماوي، والأرض والأرضي، بل كلّ إنسان مع ما في قلبه في قلب الأناسي الاُخر.

وبالجملة، فبهذه يظهر عظمة الله تعالى، والوجود المنبسط الّذي قد مرّ أ نّه صنع الله وفعله، طبق وملأ تجاويف الأشياء، وهو كخيط ينظم شتاتها، وجامع متفرّقاتها، بحيث لا يعزب عن حيطته شيء. وقد مرّ أ نّه في العقل عقل، وفي النفس نفس، وفي الجوهر جوهر، وفي العرض عرض، وبذاته لا شيء منها.

ليس الوجود جوهراً ولا عرض *** عند اعتبار ذاته بل بالعرض(57)

 

(وبسلطانك الّذي علا كلّ شيء)

السلطان: الحجّة والبرهان، وقوله تعالى: (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً)(58) يجوز أن يكون بمعنى الغلبة والتسليط، ويحتمل أن يكون بمعنى الحجّة، أي يجعل لكم حجّة وبرهاناً. والسلطنة: القوة والغلبة.

علا يعلو: ارتفع وتفوّق، وفاق.

وفي القاموس: «السلطان: الحجة، وقدرة الملك ـ ويضم لامه ـ والوالي»(59).

وهاهنا بجميع معانيه صادق عليه تعالى: لأنّ حجّته وبرهانه وسلطنته وغلبته وكذا قدرته وتوليته علت وفاقت على جميع الأشياء.

ثمّ إنّ من حججه وبراهينه خلفاءه تعالى في أرضه، وأُمناءه في بلاده الّذين افتتحت منهم الباديات، واختتمت بهم العائدات، كما ورد: (بكم فتح الله وبكم يختم)(60). فإنّه لمّا كان مقامهم بحسب الروحانية مقام العقول الكلّية ـ وهي وسائط جوده تعالى بحسب النزول، وروابط الحوادث بالقديم بحسب الصعود ـ كان افتتاح الفيض منهم واختتامه بهم.

فهم(عليهم السلام) ـ بشراشر وجودهم ـ حجج الله تعالى على عباده، الّتي لا تعلوها حجّة سوى ذاته تعالى; إذ عقولهم الصحيحة الكافية المستكفية حجج على العقول، ونفوسهم المطمئنة المعلّمة حجج على النفوس، وأقوالهم الشافية الوافية حجج للمحبين، وأفعالهم الخالصة الصافية حجج للعاملين المستكملين المسترشدين.

ومن حججه وبراهينه النفوس المتعلّمة بالأسماء بالقوّة، كما ورد عن أميرالمؤمنين: (الصورة الإنسانية هي أكبر حجج الله على خلقه، وهي الكتاب الّذي كتبه بيده، وهي الهيكل الّذي بناه بحكمته، وهي مجموع صور العالمين، وهي المختصر من اللوح المحفوظ، وهي الشاهدة على كلّ غائب، وهي الحجة على كلّ جاحد، وهي الطريق المستقيم إلى كلّ خير، وهي الجسر الممدود بين الجنّة والنار)(61).

والآيات الفرقانية والكلمات الحكمية والعرفانية في هذا الباب كثيرة جداً.

منها قوله تعالى: (اقْرَأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)(62) وقوله:(وَفِي أنفُسِكُمْ أفَلا تُبْصِرُونَ )(63)وقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أنْفُسِهِمْ حَتَّى يَـتَـبَـيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ الحَقُّ)(64) وقوله تعالى:(وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ )(65).

وقوله(عليه السلام) (من عرف نفسه فقد عرف ربّه)(66) وقوله: (أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه)(67).

وقال صدر المتألّهين السبزواري(قدس سره) في النبراس الّذي نظّمه في الفقه:

لا تعد عنك بك للكلّ اتّسا *** آسيك فيك دافع عنك الأسى

كلّ الكمال من وجودك اقتبس *** منك اثنتا عشرة عيناً تنبجس

وكلّ ناد يستضئ من باينه *** والقلب باد يستضئ من باطنه

وهذه الأبيات كانت ترجمة كلام أميرالمؤمنين(عليه السلام):

دواؤك فيك ولا تبصر *** وداؤك منك ولا تشعرُ

وأنت الكتاب المبين الّذي *** بأحرفِه يظهرُ المُضمرُ

أتزعم أ نّك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبرُ(68)

وقال(قدس سره) في الأبيات الفارسية:

فلك دوران زند بر محمّد محور هى *** وجود هر عالم مظهر هى

برآن نقش كه بر لوح از قلم رفت *** نوشته دست حق بر دفتر هى

ومن حججه البالغة في تفسير قوله تعالى: (فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ)(69): أ نّه تعالى يقول يوم القيامة للعبد: (عبدي كنت عالماً؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت؟! وإن قال: كنت جاهلا، قال: أفلا تعلّمت حتى تعمل؟! فيخصمه، فتلك الحجّة البالغة)(70).

 

(وبوجهك الباقي بعد فناء كلّ شيء)

هذا كقوله تعالى: (كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ)(71) وقوله:(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَـبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإكْرَامِ)(72).

در نعت بقا *** نيست كسى باتو مشارك

ذات تو بود باقي *** وباقي هم هالك

قد جاء (الوجه) لمعان كثيرة، ولا شيء منها يناسب هذا المقام إلاّ الوجود المطلق الّذي هو وجه الله القديم، وفيضه الغير المنقطع العميم، المحيط بجميع الأشياء، المشار إليه بقوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(73) إذ قد عرفت أنّ ذلك الوجود المطلق الّذي هو وجه الله الباقي وفيضه الدائم داخل في صقع الربوبية، وكالمعنى الحرفي، لا حكم له على حياله، فبقاؤه ببقائه لا باستقلاله.

ومن جملة معاني الوجه: ذات الشيء، وقد جاء بهذا المعنى في الدعاء المخصوص بتعقيب صلاة الصبح أو المشترك بين الصباح والمساء، وهو هذا: (اللّهمّ إنّي أصبحت ـ أو أمسيتُ ـ أُشهدك ـ وكفى بك شهيداً ـ وأُشهد ملائكتك، وحَمَلة عرشك، وسكان سماواتك وأراضيك وأنبياءك ورسلك، والصالحين من عبادك وجميع خلقك، فاشهد لي ـ وكفى بك شهيداً، إنّي أشهد أ نّك أنت الله، لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك، وأنّ محمّداً عبدك ورسولك، صلواتك عليه وآله، وأن كلّ معبود ممّا دون عرشك إلى قرار أرضك السابعة السفلى باطلٌ مضحمل، ما خلا وجهك الكريم فإنّه أعزّ وأكرم من أن يصف الواصفون كُنه جلاله، أو تهتدي القلوب إلى كنه عظمته.

يا مَن فاق مدح المادحين فخر مدحه، وعدا وصف الواصفين مآثر حمده، وجلّ عن مقالة الناطقين تعظيم شأنه، صل على محمّد وآل محمّد، وافعل بنا ما أنت أهله، يا أهل التقوى وأهل المغفرة)(74).

فاعلم أ نّه إذا تجلّى تعالى باسمه القهّار المفني في الطامة الكبرى الّتي قال تعالى: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا)(75)(وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَـوَاتِ وَمَن فِى ا لاَْرْضِ)(76) وقال تعالى: (لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ) وحيث لم يبق أحد من المالكين المجازي، إذ الكل يفنى عند تجلّيه الأعظم، ما من مجيب يجيبه تعالى، فأجاب نفسه بقوله: (لِلّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ )(77).

وحينئذ يظهر أ نّه تعالى مالك ملك الوجود بالعيان والشهود، وأنّ ما سوى الحقّ المعبود المحمود ـ ممّا استظل بظله الممدود، وادّعى مالكية سهم من الوجود ـ كان مثله (كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللّهَ عِنْدَهُ)(78).

فكان السائل والمجيب في الآخر هو السائل والمجيب في الأوّل ـ يعني: في عالم الذر ـ إذ هنالك أيضاً حين قال تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) أجاب نفسه بقوله: (بَلَى)(79); لأنّ العباد ما كانوا موجودين بوجوداتهم الخاصّة المتفرّقة حتى أجابوا الله تعالى.

هم خود (أَلَسْتُ) گويد *** وهم خود (بَلَى) كند

بل كانوا موجودين بالوجود العليّ لله تعالى، وإلى ذلك المقام أشار العارف الرومي(رحمه الله) في المثنوي:

متحد بوديم ويك جوهر همه *** بى سر وبى پا بديم آن سر همه

يك گهر بوديم همچون آفتاب *** پيكره بوديم وصاحى همچه آب

چون بصورت آمد آن نور سره *** شد عدد چون سايه هاى كنگره

كنگره ويران كنيد از منجنيق *** تا رود فرق از ميان اين فريق

هذا وإن كانت الماهيات عند أرباب الشهود والبيّنات مستهلكةً ومندكةً في نور الوجود أزلا أبداً، كما قالوا: الأعيان الثابتة ما شمّت رائحة الوجود أزلا أبداً. والملك والبقاء لوجهه الكريم وفيضه القديم، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.

 

(وبأسماك الّتي ملأت أركان كلّ شيء)

الأسماء: جمع اسم.

قال الجوهري: «الاسم مشتق من: سَموتُ; لأ نّه تنويه ورفعة وتقدير، ووزنه: افعٌ، والذاهب منه الواو; لأن جمعه: أسماء، وتصغيره: سُمَيّ»(80).

وقال بعض الكوفيين: (أصله وسم، لأ نّه من الوسم وهو العلامة، فحذفت الواو وهي فاء الكلمة، وعوّض عنها الهمزة، فوزنه: اعل)(81). واستضعفه المحقّقون.

أقول: الاسم ما أنبأ عن المسمّى، إن كان المسمّى هو الذات لا بشرط شيء فهو اسم للذات، كلفظ الجلالة، فإنّه اسم الذات الواجب الوجود، المستجمع لجميع صفات الكمالات، من دون تعيين صفة من الصفات، وملاحظة تعيّن من التعيّنات معها.

أسماء الصفات

وإن كان المسمّى هو الذات ولكن بشرط شيء، وبعبارة اُخرى: ملحوظة بتعيّن من التعيّنات النورية، كالعلم والقدرة والحياة وغيرها فهو اسم الصفة، كالعالم والقادر والمريد والحي، إلى آخر أسماء الصفات.

بيان أقسام ثلاثة لأسماء الله تعالى

وعن بعض أهل التحقيق، قال: «الأسماء بالنسبة إلى ذاته المقدّسة على ثلاثة أقسام:

الأوّل: ما يمنع إطلاقه عليه تعالى، وذلك كلّ اسم يدلّ على معنىً، يحيل العقل نسبته إلى ذاته الشريفة، كالأسماء الدالّة على الاُمور الجسمانية، أو ما هو مشتمل على النقص والحاجة.

الثاني: ما يجوز عقلا إطلاقه عليه تعالى وورد في الكتاب العزيز والسنّة الشريفة تسميته تعالى به، فذلك لا حرج في تسميته به، بل يجب امتثال الأمر الشرعي في كيفيّة إطلاقه، بحسب الأحوال والتعبدات، إمّا وجوباً، أو ندباً.

الثالث: ما يجوز إطلاقه عليه ولكن لم يرد ذلك في الكتاب والسنّة، كالجوهر، فإنّ أحد معانيه كون الشيء قائماً بذاته، غير مفتقر إلى غيره، وهذا المعنى ثابت له تعالى، فيجوز تسميته به; إذ لا مانع في العقل من ذلك، لكنّه ليس من الأدب; لأ نّه وإن كان جائزاً عقلا ولم يمنع منه مانع، لكنّه جاز أن لا يناسبه من جهة اُخرى لا نعلمها، إذ العقل لم يطّلع على كافة ما يمكن أن يكون معلوماً، فإنّ كثيراً من الأشياء لا نعلمها إجمالا ولا تفصيلا، وإذا جاز عدم المناسبة ولا ضرورة داعية إلى التسمية، فيجب الامتناع من جميع ما لم يرد به نصّ شرعيّ من الأسماء.

وهذا معنى قول العلماء: «إنّ أسماء الله تعالى توقيفيّة» يعني: موقوفة على النصّ والإذن في الإطلاق.

بيان أقسام أربعة لأسمائه تعالى

إذا تقرر هذا، فاعلم أنّ أسماءه تعالى إمّا أن تدلّ على الذات فقط من غير اعتبار أمر، أو مع اعتبار أمر، ذلك الأمر إمّا إضافة ذهنية فقط، أو سلب فقط، أو إضافة وسلب. فالأقسام أربعة:

الأوّل: اسم الذات فقط

فالأوّل: ما يدل على الذات فقط، وهو لفظ: (الله) فإنّه اسم للذات الموصوفة بجميع الكمالات الربانيّة، المتفردة بالوجود الحقيقي، فإنّ كلّ موجود سواه غير مستحق للوجود بذاته، بل إنّما استفاده من الغير. ويقرب من هذا الاسم لفظ (الحقّ)، إذا اُريد به الذات من حيث هي واجبة الوجود، فإنّ الحق يراد به: دائم الثبوت، والواجب ثابت دائماً غير قابل للعدم والفناء، فهو حقّ، بل هو أحقّ من كلّ حقّ.

الثاني: أسماء الذات مع إضافة

الثاني: ما يدلّ على الذات مع إضافة كـ(القادر)، فإنّه بالإضافة إلى مقدور تعلقت به القدرة بالتأثير. و (العالم) فإنّه أيضاً اسم للذات، باعتبار انكشاف الأشياء لها، و (الخالق) فإنّه اسم للذات باعتبار تقدير الأشياء، و (البارئ) فإنّه اسم للذات باعتبار اختراعها وإيجادها، و (المصوّر) باعتبار أ نّه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب، و (الكريم) فإنّه اسم للذات باعتبار إعطاء السؤالات، والعفو عن السيئات.

و (العليّ) اسم للذات باعتبار أ نّه فوق سائر الذوات، و (العظيم) فإنّه اسم للذات باعتبار تجاوزها حدّ الإدراكات الحسّية والعقلية، و (الأوّل) باعتبار سبقه على الموجودات، و (الآخر) باعتبار صيرورة الموجودات إليه، و (الظاهر) هو اسم للذات باعتبار دلالة العقل على وجودها دلالة بيّنة واضحة، و (الباطن) فإنّه اسم بالإضافة إلى عدم إدراك الحسّ والوهم، إلى غير ذلك من الأسماء.

الثالث أسماء الذات باعتبار سلب الغير عنه

الثالث: ما يدلّ على الذات باعتبار سلب الغير عنه، كـ (الواحد) باعتبار سلب النظير والشريك، و (الفرد) باعتبار سلب القسمة والبعضية، و (الغني) باعتبار سلب الحاجة، و (القديم) باعتبار سلب العدم، و (السلام) باعتبار سلب العيوب والنقائص، و (القدوس) باعتبار سلب ما يخطر بالبال عنه، إلى غير ذلك.

الرابع أسماء الذات مع الإضافة والسلب

الرابع: باعتبار الإضافة والسلب معاً، كـ (الحي)، فإنّه المُدرك الفعّال الّذي لا تلحقه الآفات، و (الواسع) باعتبار سعة علمه وعدم فوت شيء منه، و (العزيز) وهو الّذي لا نظير له وهو مما يصعب إدراكه والوصول إليه، و (الرحيم) وهو اسم للذات باعتبار شمول رحمته لخلقه وعنايته بهم، وإرادته لهم الخيرات، إلى غير ذلك»(82) انتهى.

تحقيق معنى الاسم

والتحقيق الأحق بالذكر في تبيين هذا المقام ما حققه الحكماء والعرفاء، فإنّ الاسم عندهم حقيقة الوجود ملحوظة بتعيّن من التعينات الكمالية من صفاته تعالى، أو باعتبار تجلٍّ خاص من التجليات الإلهية.

فالوجود الحقيقي مأخوذ بتعيّن كونه ما به الانكشاف لذاته ولغيره اسم (العليم)، وبتعيّن كونه خيراً محضاً وعشقاً خالصاً اسم (المريد).

وملحوظاً بتعيّن الظاهر بالذات والمظهرية للغير اسم (النور)، وبتعيّن الفياضيّة الذاتية للنورية عن علم ومشيّئة اسم (القدير).

وبتعيّن الدراكيّة الفعّالية اسم (الحي)، وبتعيّن الإعراب عمّا في الضمير المكنون الغيبي اسم (المتكلّم)، وهكذا.

وكذا مأخوذ بتجلّ خاصّ على ماهيّة خاصّة، بحيث يكون كالحصة الّتي هي الكلّي المضاف إلى خصوصية، بكون الإضافة بما هي إضافة ـ وعلى سبيل التقييد لا على سبيل كونها قيداً ـ داخلة، والمضاف إليه خارجاً، لكن هذه بحسب المفهوم، والتجلي بحسب الوجود اسم خاصّ.

نقل كلام المحقّق السبزواري

وعند هذا قال صدر المتألّهين السبزواري(قدس سره): «فنفس الوجود الّذي لم يلحظ معه تعيّن ما، بل بنحو اللاتعيّن البحت هو المسمّى، والوجود بشرط التعيّن هو الاسم، ونفس التعيّن هو الصفة، والمأخوذ بجميع التعيّنات الكمالية اللائقة به المستتبعة للوازمها من الأعيان الثابتة الموجودة بوجود الأسماء ـ كالأسماء بوجود المسمّى ـ هو مقام الأسماء والصفات، الّذي يقال له في عرف العرفاء: المرتبة الواحدية، كما يقال للموجود الّذي هو اللا تعيّن البحت: المرتبة الأحدية.

والمراد من اللاتعيّن: عدم ملاحظة التعيّن الوصفي، وأمّا بحسب الهوية والوجود فهو عين التشخّص والتعيّن والمتشخص بذاته والمتعيّن بنفسه، وهذه الألفاظ ومفاهيمها، مثل الحي العليم المريد القدير وغيرها، أسماء الأسماء»(83)انتهى كلامه، رفع مقامه.

قوله تعالى: (وَللّهِ الأسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)(84) قيل: هي: (الله، الرحمن، الرحيم، الملك، القدّوس، الخالق، البارئ، المصوّر...) إلى تمام ثلاثمائة وستين اسماً، كما في المجمع(85).

وفيه أيضاً قال الشيخ أبو عليّ(قدس سره): «(وَللّهِ الأسْمَاءُ الحُسْنَى) الّتي هي أحسن الأسماء; لأ نّها تتضمن معاني حسنة، بعضها يرجع إلى صفات ذاته، كالعالم والقادر والحيّ والإله، وبعضها يرجع إلى صفات فعله، كالخالق والرازق والبارئ والمصوّر، وبعضها يفيد التمجيد والتقديس، كالقدّوس والغنيّ والواحد»(86) انتهى.

وعن الصادق(عليه السلام): (إنّ الله تعالى خلق اسماً بالحروف غير متصوّت، وباللفظ غير مُنَطق، وبالشخص غير مجسّد، وبالتشبيه غير موصوف، وباللون غير مصبوغ، منفيّ عنه الأقطار، مبّعد عنه الحدود، محجوب عنه حسّ كلّ متوهّم، مستتر غير مستور، فجعله كلمة تامّة على أربعة أجزاء معاً، ليس شيء منها قبل الآخر، فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها، وحجب منها واحداً، وهو الاسم المكنون المخزون، فهذه الأسماء الّتي ظهرت، فالظاهر هو الله تبارك وتعالى، وسخّر لكلّ اسم من هذه الأسماء أربعة أركان، فذلك اثنا عشر ركناً، ثمّ خلق لكلّ ركن منها ثلاثين اسماً فعلا منسوباً إليها، فهو الرحمن، الرحيم، الملك، القدّوس، الخالق، البارئ، المصوّر، الحيّ القيّوم لا تأخذه سنة ولا نومٌ، العليم، الخبير، السميع، البصير، الحكيم، العزيز، الجبّار، المتكبّر، العلي، العظيم، المقتدر، القادر، السلام، المؤمن، المهيمن، البارئ، المنشئ، البديع، الرفيع، الجليل، الكريم، الرّزاق(87)، المحيي، المميت، الباعثُ، الوارث.

فهذه الأسماء وما كان من الأسماء الحسنى، حتى تتم ثلاثمائة وستّون اسماً، فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة، وهذه الأسماء الثلاثة أركان، وحجب الاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة، وذلك قول الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَِ أيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى)(88))(89).

نقل كلام المحقّق السبزواري في شرح الحديث المذكور:

أقول: قد ذكر هذا الحديث الشريف صدر المتألّهين(قدس سره)، مشروحاً في (شرح الإسلام)، عند شرح الاسم الشريف: (يا مَن جعل في السماء بروجاً)(90) ونقل كلام الفاضل المازندراني الشارح لاُصول الكافي ـ عليه الرحمة ـ وزيّف بعض ما قال في شرح هذا الحديث، فالأولى والأنسب أن ننقل كلامه الشريف، وما حقّقه وما زيّف من كلام الشارح، توشيحاً لهذا الشرح، ولا بأس بالإطالة والإطناب، إذ المقام مقام التفصيل والفحص في تحقيق أسمائه تعالى جليل جميل.

فقال(قدس سره): «قوله(عليه السلام): (إنّ الله تبارك وتعالى خلق اسماً...) قال الفاضل المازندراني(91) الشارح لاُصول الكافي ـ عليه الرحمة ـ : قيل: هو (الله) وقيل: ـ هو اسم دالّ على صفات ذاته جميعاً. وكأنّ هذا القائل وافق الأوّل; لأنّ الاسم الدال على صفاته جميعاً هو (الله) عند المحقّقين، ويرد عليهما أنّ (الله) من توابع هذا الاسم المخلوق أولا، كما يدلّ عليه هذا الحديث.

ويحتمل أن يراد بهذا الاسم اسم دالّ على مجرّد ذاته تعالى، من غير ملاحظة صفة من الصفات معه، وكأ نّه «هو». ويؤيده ما ذكره بعض المحقّقين من الصوفية من أنّ «هو» أشرف أسمائه تعالى، وأنّ «يا هو» أشرف الأذكار، لأنّ «هو» إشارة إلى ذاته من حيث هو هو، وغيره من الأسماء يعتبر معه صفات ومفهومات قد تكون حجباً بينه وبين العبد.

وأيضاً إذا قلت: (هو الله الرحمن الرحيم الغفور الحليم)، كان «هو» بمنزلة الذات، وغيره من الأسماء بمنزلة الصفات، والذات أشرف من الصفات، فهو أشرف الأسماء.

ويحتمل أن يراد به: (العليّ العظيم)، لدلالة الحديث الآتي عليه، حيث قال(عليه السلام): (فأوّل ما اختار لنفسه: العليّ العظيم). إلاّ إنّ ذكره في أسماء الأركان ينافي هذا الاحتمال، ولا يستقيم إلاّ بتكلّف، وهو أنّ مزج الأصل بالفرع للإشعار بالارتباط وبكمال الملائمة بينهما»(92).

قال(قدس سره): «وفيه مؤاخذة; لأ نّه ينبغي أن يقال: ذلك الاسم مجموع: (هو الله الرحمن الرحيم)، أو مجموع: (هو الله العليّ العظيم)، لا أ نّه «هو» وحده مثلا، لقوله(عليه السلام) (فجعله...) إلى آخره.

قوله(عليه السلام): (بالحروف غير متصوّت)، جعله هذا الشارح(93) حالا من فاعل (خلق)، أي خلقه والحال أ نّه تعالى لم يتصوّت بالحروف، ولم يخرج منه حرف وصوت، ولم ينطق بلفظ; لتنزّه قدسه عن ذلك، ولا يخفى أنّ جعل هذا وما بعده ـ إلى قوله(عليه السلام): (فجعله كلمة تامّة) ـ صفة له تعالى، فيه بعدٌ غاية البُعد، ولا سيّما التنزيه عن الجسمية والكيفية والكمية وغيرها ليس فيه كثير مناسبة لخلق ذلك الاسم، ولا خصوصية له به، بل الـ (متصوّت) والـ (منطق) بصيغة المفعول، والكلّ صفة الاسم، على ما سنذكره.

وقوله(عليه السلام): (مستتر غير مستور) أي مُستتر عن الحواس، غير مستور عن القلوب، أو معناه مستتر عن فرط الظهور.

قوله(عليه السلام): (على أربعة أجزاء معاً) قال الشارح(94): أي على أربعة أسماء باشتقاقها وانتزاعها منه، وهي غير مرتبة بعضها على بعض، كترتّب (الخالق) و (الرازق) على (العالم) و (القادر)، وعلى ما نذكر فالمقصود نفي الترتّب المكاني.

وقوله(عليه السلام): (وحجب واحداً منها)، أي لا يعلمه إلاّ هو، حتى الأنبياء(عليهم السلام)، فإنّه قد استأثر علمه لنفسه.

قوله(عليه السلام): (فهذه الأسماء الّتي ظهرت، فالظاهر هو الله تبارك وتعالى).

قال الشارح(95): (أي الظاهر البالغ إلى غاية الظهور، وكماله من بينها هو الله تعالى، ويؤيّده أ نّه يضاف غيره إليه فيعرف به، فيقال: (الرحمن)، اسم (الله)، ولا يقال: (الله) اسم (الرحمن)، وليس المراد أن المتصف بأصل الظهور هو (الله); لأنّ غيره أيضاً متصف بالظهور، كما قال(عليه السلام): (وأظهر منها ثلاثة). وهذا صريح بأنّ أحد هذه الثلاثة الظاهرة هو (الله). وأمّا الآخران فلم ينقلهما على الخصوص.

ويحتمل أن يراد بهما (الرحمن الرحيم)، ويؤيده آخر الحديث، واقترانهما مع (الله) في التسمية، ورجوع سائر الأسماء الحسنى إلى هذه الثلاثة، عند التأمّل.

ثمّ قال: إلاّ أنّ عدّ (الرحمن الرحيم) في جملة ما يتفرّع على الأركان ينافي هذا الاحتمال، ولا يستقيم إلاّ بتكلّف مذكور.

ونسب إلى بعض الأفاضل: أ نّه يفهم من لفظ (تبارك): جواد، ومن لفظ: (تعالى) أحد.

قوله(عليه السلام): (أربعة أركان). قال الشارح(96): اعتبار الأركان إمّا على سبيل التخييل والتمثيل، أو على سبيل التحقيق باعتبار حروف هذه الأسماء، فإنّ الحروف المكتوبة في كلّ واحد من الأسماء المذكورة أربعة.

ويحتمل أن يراد بالأركان كلمات تامّة مشتقّة من تلك الكلمات الثلاث ومن حروفها، وإن لم نعلمها بعينها.

قوله(عليه السلام): (وذلك قول الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ)(97)).

قال الشارح(98): إنّما لم يذكر الثالث لقصد الاختصار، أو لأ نّه أراد بالرحمن: المتّصف بالرحمة المطلقة الشاملة للرحمة الدنيوية والاُخروية»(99).

قال(قدس سره): «أقول: قد علمت حقيقة الاسم، وأنّ هذه الألفاظ أسماء الأسماء، فالمراد ـ وهم(عليهم السلام) أعلم بمرادهم بذلك الاسم ـ : الوجود المطلق المنبسط، الّذي هو تجلّيه وصنعه ورحمته الواسعة الفعلية، وجعله أربعة عبارة عن تجلّيه في الجبروت والملكوت والناسوت، ونفس ذلك التجلي ساقط الإضافة عنها.

وبعبارة اُخرى: أصلها المحفوظ، وسنخها الباقي، وروحها الكامن. ومعلوم أ نّه بهذا الوجه مكنون عنده، فالخلق المفتاق إليها شيئيات ماهياتها، والأسماء الثلاثة هي التجلّيات عليها; إذ قد مرّ أ نّه كما أنّ الوجود باعتبار تعيّن كمالي اسم من الأسماء، كذلك باعتبار تجلّ فعلي اسم أيضاً.

وإن كنت من المتفطنين لحقيقة الخلق والإيجاد، وأ نّه اختفاء نور الحقّ تعالى في حجب أسمائه، وفي حجب صور أسمائه، وأنّ مدّة اختفاء النور دورة الخلق، كما أنّ مدّة ظهور نوره واستتار حجبه دورة الحقّ وإفنائهم (تَعْرُجُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إلَـيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَة)(100)، لوسع لك تجويز أن يكون ذلك الاسم أعمّ من الرحمة الصفتية والرحمة الفعلية.

والمكنون منه هو التجلّي اللاهوتي، أعني: التجلّي في أسمائه وصفاته في المرتبة الواحدية، والثلاثة الظاهرة ـ التجلّيات الثلاثة المذكورة ـ والاكتنان هنا أشدّ; لأ نّه إذا كان الرحمة الفعلية ساقطة الإضافة من صقع الذات، كان الرحمة الصفتية أوغل في ذلك; لأنّ الصفة أقرب من الفعل.

وقوله(عليه السلام): (فالظاهر هو الله تبارك وتعالى) معناه: أ نّه لمّا كان الاسم عنواناً للمسمّى وآلة للحاظه، فالأسماء الثلاثة ظهورات المسمّى، فهو الظاهر; لأنّ معنى (الظاهر) ذات له الظهور، فالذات الّتي هو (الله)، له الظهورات، فهو الظاهر بالأسماء.

أو المراد: أن الأسماء الثلاثة ظهورات الاسم المكنون المستأثر لنفسه، الّذي هو عنوان لذاته تعالى عند ذاته، لكنّه معنون بالنسبة إلى الثلاثة. والدليل على هذا المراد أنّ (الله) اسم واقع على الحضرة الواحدية كاللاهوت، فإنّ معناه: الذات المستجمعة لجميع الصفات والكمالات، وتلك الحضرة أيضاً مجمع الأسماء والصفات، ولذا عبّر في حديث الأعرابي(101) عن النفس اللاهوتية بذات الله العليا.

والأركان الأربعة لكلّ واحد من هذه الأسماء عبارة عن الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة المعنويات، أعني: حرارة العشق والابتهاج، وبرودة الطمأنينة والإيقان، ورطوبة القبول والإذعان، أو الإحاطة والسريان، ويبوسة التثبّت والاستقامة عند الملك المنّان، نظير ما قال بعض أهل الذوق كجابر بن حيّان: إنّ السماوات وما فيها من العناصر الأربعة، وحمل عليه قول أميرالمؤمنين(عليه السلام) في خطبة المشيئة، المذكورة في نهج البلاغة. والصواب: الحمل على ما ذكرنا.

والغرض كلّ الغرض منه: تطبيق العالمين الظاهر والباطن، بجعل ذلك الاسم كالنيّر، والاثني عشر ركناً بروجه، والثلاثين اسماً درجات كلّ برج، حتى تتم ثلاثمائة وستون درجة، وهي تعيّنات الأسماء الّتي انطوت فيها، وهي مظهرها، فيكون بعدد درجات دورة الفلك الظاهر»(102).

ثمّ قال(قدس سره): «أو نقول: المراد بذلك الاسم: الغوث الأعظم الّذي هو خاتمة كتاب الوجود، كما أنّ المعنى الأوّل الّذي هو فاتحته وروحانيته، وهو ختم الكلّ والاسم الأعظم، وقال خلفاؤه: (نحن الأسماء الحسنى)(103) فجعله أربعة أجزاء ثلاثة منها ظاهرة، هي: العقل والقلب والنفس، وواحد مستور، هو أصلها المحفوظ الّذي لا يعلمها إلاّ الله.

وهذه الثلاثة هي المشار إليها بقوله تعالى: (حم* عسق )(104) أي حقّ لا باطل، «محمّد» الّذي هو العقل والنفس والقلب، أو (حم) أي التسعة والتسعون من الأسماء، هو: العقل والنفس والقلب من الإنسان الكامل، أو الثمانية والأربعون من الصور الّتي هي مجالي شمس الحقيقة، هي: العقل والنفس والقلب، ثمّ الأركان الاثنا عشر والدرجات الثلاثمائة والستون كما سبق.

وكان بروج نوره الواحد الّتي هي خلفاؤه في هذا العالم أيضاً اثني عشر، كلّ واحد منها مظهر ثلاثين اسماً باعتبار من الأسماء المحيطة.

ثمّ المقصود من ذكر الأسماء: إمّا تعداد على سبيل التمثيل فلا كلام، وإمّا تعيين ثلاثين، فيكون بعضها من الأسماء المركّبة، كـ (الرحمن الرحمى) و (العليّ العظيم) مثلا، فإنّ (العليّ) ـ مثلا ـ مفرداً اسم من أسمائه وله خاصية على حدة، وكذا لـ (العظيم)، ومركباً اسم وله خاصّية اُخرى، ومن المركّبة: (البارئ المنشئ). فلا تكرار من الناسخ، كما زعمه الشارح المذكور»(105) انتهى كلامه الشريف.

الأركان: جمع «ركن»، وهو جانب الشيء.

قول السائل: (ملأت أركان كلِّ شيء) أي أطرافه وجوانبه.

ثمّ اعلم أ نّه كما قال العرفاء الشامخون: إنّ كلّ نوع من الأنواع تحت اسم من أسماء الله تعالى، وذلك النوع مظهر ذلك الاسم، كما أن الإنسان مظهر اسم (الله) والملك مظهر (السبوح) و (القدّوس)، والفلك مظهر اسم (الرفيع الدائم) والحيوان مظهر (السميع والبصير) والأرض مظهر (الخافض) والهواء مظهر (المروّح) والماء مظهر (المحيي) والنار مظهر (القهّار) وهكذا.

وعلمت ممّا سبق أنّ الاسم عبارة عن المسمّى مأخوذاً بتعيّن من التعيّنات الكمالية، فكما أنّ ماء الحياة الّذي هو الوجود المطلق سارية في جميع الأودية، ونفذت في أعماق الأشياء، كذلك توابع الوجود الّتي تدور رحاها على قطب الوجود سارية في جميع الموجودات، ولكن في كلٍّ بحسبه وقدره، على ما اقتضته الحكمة الإلهية.

ثمّ إنّ من الموجودات ماله أربعة أركان:

منها: أركان عرش علم الله تعالى من العناية، والقلم، والقضاء، والقدر. وأركان عرشه العيني من الركن الأبيض، والركن الأصفر، والأخضر، والأحمر.

ومنها: أركان عرش قلوب المؤمنين من العقل بالقوّة، والعقل بالملكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد.

ومنها: أركان علم الإنسان من التعقّل والتوهّم والتخيّل والتحسّس، وأركان بدنه من الماء والتراب والهواء والنار، هذه وسائطه، أو مركباته من الدم والبلغم والصفراء والسوداء.

وأركان بيت الله المعنوي أيضاً، الّتي هي: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ويقال لها: حملة العرش.

وأركان بيته الظاهري من الركن اليماني، والحجازي، والشامي، والعراقي، وغيرها ممّا لا نطيل الكلام بذكرها، فجميعها مالية(106) من صفاته وأسمائه تعالى، كما قيل:

اجزاى من وجود من همه اوست گرفت *** نامى است زمن برمن وباقى همه او است

الهوامش

(1) مجمع البيان : 2/548.

(2) انظر: المصدر السابق، لسان العرب: 1/190 مادة «أله».

(3) شرح الرضي على الكافية: 1/384.

(4) القائل هو أبو الهيثم. اُنظر لسان العرب: 1/188 مادة «أله».

(5) كتاب سيبويه: 2/195.

(6) الكافي: 1/87 ح 2.

(7) الكافي: 1/139 ح 4 وفيه: (كان رباً إذ لا مربوب، وإلهاً إذ لا مألوه).

(8) الاخلاص: 1.

(9) الأعراف: 54.

(10) إبراهيم: 10.

(11) شرح دعاء الصباح: 4 ـ 5 بتفاوت.

(12) الكافي: 1/115 ح 3.

(13) الكافي: 1/114 ح 2.

(14) بحار الأنوار: 39/313 و107/31.

(15) النور: 35.

(16) الضحى: 11.

(17) ديوان الحلاّج:، 160.

(18) بحار الأنوار: 25/205.

(19) الأعراف: 55.

(20) الأعراف: 205.

(21) مصباح الشريعة: 56.

(22) بحار الأنوار: 1/26 ح 1.

(23) صحيح البخاري: 2568/6 كتاب التعبير ح 6595.

(24) نُسب هذان البيتان للقيصري، كما في المجلي: 294 الهامش.

(25) النجم: 23.

(26) الكافي: 1/110 ح 4 وفيه: (خلق الله المشيئة بنفسها، ثمّ خلف الأشياء بالمشيئة).

(27) بحار الأنوار: 4/255.

(28) الجواهر السنية: 120، وفيه: (رحمتي سبقت غضبي).

(29) بحار الأنوار: 6/219.

(30) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام): 28 باختلاف.

(31) كذا في المخطوط.

(32) ديوان الإمام عليّ(عليه السلام): 61.

(33) اُنظر الفروق اللغوية: 216 الرقم: 844 .

(34) طه: 108.

(35) الأحزاب: 32.

(36) طه: 111.

(37) النجم: 9.

(38) اُنظر بحار الأنوار: 18/382.

(39) حكمة الإشراق ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق: 1/230.

(40) الأنعام: 75.

(41) بحار الأنوار: 1/97 و54/309.

(42) بحار الأنوار: 1/97 و54/170.

(43) بحار الأنوار: 54/309.

(44) الرعد: 39.

(45) القلم: 1.

(46) عوالي اللآلي: 4/100 ح 144 ، مختصر بصائر الدرجات: 12 باختلاف.

(47) إبراهيم: 24.

(48) الإنسان الكامل: 2/8.

(49) اُنظر كتاب المشارع والمطارحات ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق: 2/450.

(50) اُنظر حكمة الإشراق ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق: 1/139 ـ 140.

(51) الأنعام: 18.

(52) القاموس المحيط.

(53) مضمون حديث ورد بألفاظ مختلفة، اُنظر بحار الأنوار: 65/265 و275، 92/457.

(54) نُسب هذا البيت إلى عبدالقادر الجيلي، اُنظر الصوارم المهرقة: 269.

(55) آل عمران: 18.

(56) النمل: 26.

(57) شرح المنظومة للسبزواري: 2/172.

(58) القصص: 35.

(59) القاموس المحيط: 2/539 مادة (السلط).

(60) بحار الأنوار: 98/153 و212.

(61) المجلي: 169، الحقائق للكاشاني: 349 وفيه عن الصادق(عليه السلام).

(62) الإسراء: 14.

(63) الذاريات: 21.

(64) فصلت: 53.

(65) البقرة: 91.

(66) بحار الأنوار: 58/91 و66/293.

(67) روضة الواعظين: 20.

(68) ديوان الإمام عليّ(عليه السلام): 45.

(69) الأنعام: 149.

(70) الأمالي للطوسي: 9/10.

(71) القصص: 88.

(72) الرحمن: 26 و27.

(73) البقرة: 115.

(74) المصباح للكفعمي: 105 باختلاف.

(75) المعارج: 6 و7.

(76) الزمر: 68.

(77) غافر: 16.

(78) النور: 39.

(79) الأعراف: 172.

(80) الصحاح: 6/2383.

(81) انظر تاج العروس: 10/183.

(82) مجمع البحرين: 1/224 ـ 226.

(83) شرح الأسماء: 574 ـ 757.

(84) الأعراف: 180.

(85) مجمع البيان: 4/622.

(86) اُنظر مجمع البيان: 4/622 باختلاف.

(87) في المصدر: الرازق.

(88) الإسراء: 110.

(89) الكافي: 1/112 ح 1.

(90) المصباح للكفعمي: 346.

(91) شرح الكافي للمازندراني: 3/369 ـ 370.

(92) شرح الأسماء: 712 ـ 713.

(93) شرح الكافي للمازندراني: 3/370 ـ 371.

(94) نفس المصدر: 3/347.

(95) نفس المصدر: 3/376 ـ 377.

(96) المصدر السابق : 3/378.

(97) الإسراء: 110.

(98) المصدر قبل السابق: 3/383.

(99) شرح الأسماء: 713 ـ 715.

(100) المعارج: 4.

(101) قرة العيون للكاشاني: 363.

(102) شرح الأسماء: 715 ـ 716.

(103) بحار الأنوار: 25/5.

(104) الشورى: 1 و2.

(105) شرح الأسماء: 716.

(106) كذا في المخطوط.