(وبعلمك الّذي أحاط بكلّ شيء)

المراد: علمه الذاتي الّذي أحاط بعلمه الفعلي، وهو أحاط بجميع الأشياء (أحَاطَ بِكُلِّ شَيْء عِلْماً)(1) وقدرة (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّة)(2) (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْء مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ)(3) ومن يشاء من عباده.

 

تحقيق معنى العلم، وأنّ أي قسم منه لائق به تعالى

العلم: ما به ينكشف الشيء لدى العالم، فهو إمّا بحصول صورة الشيء في الذهن، أو بحضور ذلك الشيء لدى المجرّد.

بتقسيم آخر: العلم فعليّ وانفعالي، والعلم اللائق بجنابه تعالى هو العلم الفعلي الحضوري الّذي هو نحو وجود كلّ شيء، وإحاطته محاطية وجودات الأشياء وحضورها لديه تعالى; لأ نّه لمّا كان تعالى بسيط الحقيقة، محض الوجود وصرفه ـ وصرف الشيء واجد لما هو من سنخ ذلك الشيء، ومجرّد عمّا هو من أجانبه وأباعده، وبعيد الوجود لا يكون إلاّ ما هو من سنخ العدم ـ كان كلّ وجود حاضراً له أشدّ من حضوره لنفسه، إذ كما قلنا: نسبة الشيء إلى فاعله بالوجوب، وإلى قابله بالإمكان.

ولا نعني بنفس الأشياء وقابلها إلاّ الماهيات الّتي هي قابلة للوجودات الخاصة، فكما لا يشذّ عن حيطة وجوده تعالى وجود، كذلك لا يعزب عن حيطة علمه مثقال ذرّة.

قال الحكماء: إنّ الله تعالى ظاهر بذاته لذاته، لكون ذاته بريئاً من جميع الحيثيّات، ومجرّداً عن كلّ الأحياز والجهات والأوقات، وكلّ مجرّد عالم بذاته، وذاته علّة لجميع ما سواه، والعلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول.

قال المعلم الثاني: الأوّل تعالى هو الغني المغني الّذي ينال الكلّ من ذاته(4).

فكما أنّ بوجود واحد مُظهر لجميع الموجودات بنحو البساطة، كذلك بعلم واحد يعلم جميع المعلومات، فكأن ذاته تعالى كالصورة العلمية الّتي بها ينكشف ذو الصورة الخاصة، إلاّ إنّ ذاته تعالى بذاته ما به ينكشف جميع الأشياء، لا بصورة حاصلة زائدة.

وهاهنا كلام ينبغي أن يذكر، وهو قول المتكلّمين: إنّ العلم أعمّ من القدرة; لتعلّقه بالممتنعات دون القدرة; لأنّ المقدور لابدّ أن يكون ممكناً. ومعنى قوله تعالى: (إنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(5) أي كلّ شيء ممكن مستقيم قدير.

أقول: قال الحكماء: لا وجه لقولهم هذا; إذ الممتنع من حيث حقيقته الّتي هي عين اللاشيئية كما أ نّه ليس مقدوراً كذلك ليس معلوماً، كيف والمعدوم المطلق لا ]يخبر[(6) عنه، ومن حيث وجوده في نشأة الأذهان عالية كانت أو سافلة كما هو معلوم كذلك هو مقدور.

فإن قيل: علمه تعالى يتعلّق بذاته، وذاته معلومة له تعالى بخلاف قدرته، فكيف الاتحاد للعلم والقدرة؟

قلنا: تعلّق العلم والعالِمية بذاته تعالى ـ كما قولا ـ معناه: أنّ ذاته عين العلم، لا أنّ ذاته شيء وعلمه بذاته شيء آخر، فكذلك تعلّق القدرة والقادرية معناه أ نّه عين القدرة، فالمساواة والاتحاد محقّقة بين مفهومي العلم والقدرة من حيث المصداق والوجود، وكلامنا ليس في اتحاد مفهومي المعلوم والمقدر. فثبت أنّ كلّ ما هو معلوم لله تعالى بلغت إليه قدرته.

ثمّ إنّه ليت شعري بأيّ لسان أصف محاسن العلم ومحامده، وفي أي بيان أذكر شرافته وإنافته: العلم نعم القائد في طريق المشاهدة، ونعم الدليل في سبيل العيان، ولذا قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد)(7) ، وقال: (اطلبوا العلم ولو بالصين)(8)، وقال: (طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة).

العلم ثمّ العلم حبّذا رصد ***فلتطلبوا من مهدكم إلى اللحد

ولتبتغوا ولو بسفك المهج ***ولتفحصوا ولو بخوض اللجج

وحقّ علم لهو التوحيد ***وحقّ قبلة هو المجيد

قال المولوي:

خاتم ملك سليمان است علم***جمله عالم صورت جان است علم

آدمى ازين هنر بيچاره گشت***خلق درياها وخلق كوه ودشت

(وبنور وجهك الّذي أضاء له كلّ شيء)

أي بضياء فيضك المقدّس الّذي استضاء به جميع الأشياء، واستنار به كلّ الموجودات.

 

الفرق بين النور والضياء

قد فرّق بين النور والضياء بأنّ الضياء: ما كان من ذات الشيء كالشمس، والنور: ما كان مكتسباً من غيره كما في القمر; ولذا قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالقَمَرَ نُوراً)(9).

وفيما نحن فيه قد علمت مراراً أنّ وجهه تعالى كالمعنى الحرفي، داخل في صقع الذات، ليس له استقلال في نفسه، بل إضافة وإن كان بذاته، ولكن لا يكون لذاته، بل لعلّته الّتي هي ذات الله تعالى، ولهذا قال السائل: (بنور وجهك) ولم يقل: بضياء وجهك. وإن أطلق عليه لفظ (الضياء) و (الإضاءة) ـ كما قلنا في شرحه ـ فباعتبار أ نّه عين الوجود كسائر الصفات، لا مكتسبة.

ولكن قوام الضياء والنور في الوجه لمّا كان بذاته الله العليا; لأ نّه مقوّم الوجود وقيّومه، فكأ نّه مكتسب ضوؤه من ذاته تعالى، والتفاوت بين نوري الوجه والذات بالشدّة والضعف، كما قال(عليه السلام) (توحيده تعالى تمييزه عن خلقه، وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة)(10)، أي بينونة ثابتة في صفة الشدّة والضعف.

وفي الحديث: (إنّ لله تعالى سبعين ألف حجاب من نور وسبعين ألف حجاب من ظلمة، لو كشفها لأحرقت سبحاتُ وجهه كلّ ما انتهى إليه بصره)(11).

والمراد بـ (سبحات وجهه) تعالى: إشراقاته وأنواره، كما في القاموس، قال: «سُبحات وجه الله: إشراقاته»(12). وهي الأنوار القاهرة الّتي إمّا متكافئة من الطبقة العرضية، وإمّا مترتبة من الطبقة الطولية.

والحجب الّتي بينها وبين عباده: المنشآت والمخترعات والمكوّنات، ونوريّتها بالنسبة إلى جهاتها الربانية، وظلمتها بالنسبة إلى جهاتها النفسية.

وإطلاق عدد السبعين عليها إشارة إلى كثرتها، كما أطلق على الأيام الربوبية تارةً(ألْفَ سَنَة)(13) وتارةً (خَمْسِينَ ألْفَ سَنَة)(14) إشارة إلى سعة تلك الأيام وطولها.

ويمكن أن يراد بالسُبحات الأنوار الذاتية، فحينئذ الحجب تكون أنواره الفعلية بجملتها ونوريتها وظلمتها، على قياس ما مرّ.

وقوله: (أضاء) من الإضاءة، وهو هنا لازم، وفاعله قوله: (كلّ شيء) إذ باب الأفعال قد يجيء لازماً، واللام في قوله: (له) للتعليل، والضمير راجع إلى النور المضاف إلى الوجه.

ويحتمل أن يكون متعدّياً، وفاعله ضمير مستتر راجع إلى مرجع ضمير الخطاب، وهو الله تعالى، من باب الانصراف من الخطاب إلى الغيبة، والجملة الصلة مشتملة على ضمير عائد إلى الموصول، وهو الهاء في (له). وحينئذ قوله: (كلّ شيء) كان مفعولا به، ولكن الأوّل أقوم.

و (أضاء) بمعنى: استضاء.

 

 

(يا نور)

بيان قسمي النور الحسّي والمعنوي

النور قسمان:

حسّي: وهو الّذي يجري على ظواهر السطوح، وعُرّف بأ نّه كيفيّة ظاهرة بذاتها مُظهرة لغيرها، كالأنوار السراجية والكوكبية، حتى أظلالها وأظلال أظلالها، إلى أن ينتهي إلى الظلمة، وهي عدم قاطبة النور.

ومعنوي: وهذا حقّ حقيقة الوجود; لأ نّها ظاهرة بذاتها ومظهرة لغيرها، وهذا هو القدر المشترك بين جميع مراتب النور المعنوي أيضاً، من الظل وظل الظل، والضوء وضوء الضوء إلى نور الأنوار، والنيّر الحقيقي: (اللّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ)(15).

فمراتب الوجود، من الحقائق والرقائق والأمثلة والأرواح والأشباح والأشعة والأظلّة، كلّها أنوار بحقيقته النورية لتحقّق هذا المعنى فيها; لأنّ حقيقة الوجود ظاهرة بذاتها، ومظهرة بها جميع الماهيات والأعيان الثابتات الّتي بذاتها لا موجودة ولا معدومة، ولا نورانية ولا ظلمانية، بل الماهية من حيث هي.

قال الحكماء: إذا سُئل بطرفي النقيض فالجواب السلب لجميع الأطراف.

 

بيان فروق كثيرة بين النورين الحسّي والمعنوي

ثمّ بين النورين الحسّي الظاهري العرضي والمعنوي الوجودي الحقيقي الذاتي فروق كثيرة، كما قال صدر المتألّهين(قدس سره)(16) وغيره من الحكماء.

منها: أنّ النور الحسّي العرضي ـ كنور الشمس مثلا ـ قائم بغيره، ونور الوجود قائم بذاته.

ومنها: أنّ النور الحسّي يجري على ظواهر السطوح والألوان المبصرة، ونور الوجود وسع كلّ شيء من المعقولات والمحسوسات، من المبصرات والمسموعات والمذوقات والمشمومات والملموسات والمتخيّلات والموهومات، وما وراء الحسّ والعقل.

ومنها: أنّ النور الحسّي انبسط على ظاهر الألوان، ونور الوجود نفذ في أعماق المستنيرات وبواطنها، حتى لم يبق من المستنير سوى الاسم.

ومنها: أنّ النور الحسّي لا شعور له، وأنوار الوجود كلّها أحياء، بعضها بالحياة العامّ، وبعضها بالحياة الخاصّ، وبعضها بالحياة الأخصّ; إذ الحياة ثلاثة أقسام:

 

بيان ثلاثة أقسام للحياة أولها: الحياة العامة

الأوّل: وهي الحياة العامة، وهي الّتي في جميع الموجودات، من الدرّة إلى الذرّة، هي نحو وجود الأشياء، ولهذا قال تعالى: (وَإنْ مِنْ شَيْء إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)(17); إذ التسبيح فرع الشعور والحياة، ومن الأشياء: الجماد والنبات، ولو لم تكن حية لما تسبح بحمده تعالى، ولكنها حية بالحياة العامة.

ثانيها: الحياة الخاصّة

الثاني: وهي الحياة الخاصّة، هي الّتي مبدأ الدرك والفعل، أدناها حياة الخراطين، وأعلاها هي الحياة الواجبة بذاتها.

ثالثها: الحياة الأخصّ

الثالث: وهي الحياة الأخصّ، الّتي تختص بأهل العلم والعرفان والإيمان بالله، وإلى هذا أشار أميرالمؤمنين(عليه السلام) بقوله: (الناس موتى وأهل العلم أحياء)(18). وقال تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أمْوَاتاً بَلْ أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)(19).

والمقتول هاهنا أعمّ من المقتول الاضطراريّ كما في الشهداء، والمقتول الاختياري كما في العلماء المجاهدين الّذين قتلوا أنفسهم بالرياضات والمجاهدات، وارتكاب الأعمال الشاقة والمخالفة مع نفوسهم، كما قال الله تعالى: (اقْتُلُوا أنفُسَكُمْ)(20) و(تُوبُوا إلَى اللّهِ )(21).

بيان أقسام الموت الاختياري:

فإذا بلغ الكلام إلى هذا المقام فالأنسب أن نذكر الموتات الاختيارية الأربعة الّتي هي معتبرة عند أهل السلوك، ومشار إليها في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (موتوا قبل أن تموتوا)(22).

فاعلم أنّ أقسام الموت الاختياري أربعة، وقيل: ثلاثة، بجعل أحد الأقسام ـ وهو الموت الأسود ـ في الموت الأحمر.

الأوّل: هو الموت الأبيض، وهو عبارة عن الجوع الّذي يصفو القلب به، بل هو سحاب يمطر الحكمة، كما قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (الجوع سحاب يمطر الحكمة)(23) وقال: (الجوع طعام الله تعالى). فاذا اعتاد السالك نفسه بالتجوّع وقلّة الأكلّ والشرب، ابيّض قلبه وسرى الابيضاض في وجهه، فحينئذ مات موتاً أبيض.

والثاني: الموت الأخضر، وهو عبارة عن لبس المرقّع، وهو الثوب الموصل من الخرق الملقاة في الطرق، الّتي لا قيمة لها، كما قال أميرالمؤمنين(عليه السلام): (والله لقد رقّعت مدرعتي هذه، حتى استحييت من راقعها، فقال لي قائل: ألا تنبذها عنك؟ فقلت: اعزب عنّي، فعند الصباح يحمد القوم السرى)(24).

فإذا قنع السالك من اللباس بالثوب المرقّع اخضّر عيشه، ووجدت نضارة في وجهه، مات بالموت الأخضر.

والثالث: الموت الأحمر، وهو عبارة عن المجاهدة مع النفس، ويسمّى بالجهاد الأكبر، كما قال(صلى الله عليه وآله وسلم) حين رجوعه من بعض غزواته: (قد رجعنا من الجهاد الأصغر، عليكم بالجهاد الأكبر). قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: (مخالفة النفس)(25).

فإذا خالف السالك أهوية نفسه، وعَبدَ الله تعالى، وقوى عقله في الطاعات وتحصيل المعارف، فقد مات بالموت الأحمر; لإهراق دم النفس.

والرابع: الموت الأسود، وهو عبارة عن تحمل الملامة والأذى من الشامتين اللائمين، في حبّ الله تعالى، ومحبّة أوليائه من النبيين والشهداء والصدّيقين، كما قال الله تعالى: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِم)(26). وقال الشاعر:

أجدُ الملامَةَ في هَواكَ لذيذةً *** حُبّاً لِذِكرِكَ فليلُمني اللوَّمُ(27)

فإذا لم يكترث السالك بتشنيع الواشين ولوم اللائمين في الحبّ، مات بالموت الأسود.

وسرّ التسمية والتوصيف بهذه الأوصاف واضحة.

أمّا في الأوّل; لابيضاض وجه السالك بالجوع، كما مرّ، وفي الثاني لاخضرار عيشه بالقناعة، وفي الثالث لإهراق دم النفس في الرياضة، وفي الرابع لاسوداد وجه السالك بملامة الواشين.

ومنها: أنّ النور الحسّي له أوّل وله ثان، وله مقابل، ونور الوجود ليس له أوّل ولا ثان ولا مقابل; لأ نّه واحد بالوحدة الحقّة الحقيقية، ولا مضادّ له.

نقل كلام شيخ الاشراقيين

قال الشيخ المقتول شهاب الدين السهروردي، رئيس الحكماء الإشراقيين(قدس سره): «وإخوان التجريد يشرق عليهم أنوار، ولها أصناف:

الأوّل: نور بارق يرد عليهم، وينطوي كلمعة بارقة لذيذة.

والثاني: وهو بعد الأوّل، نور بارق أعظم من النور الأوّل، وأشبه منه بالبرق، إلاّ إنّه برق هائل، وربّما يسمع معه كصوت رعد، أو دوي في الدماغ.

والثالث: نور وارد لذيذ، يشبه وروده ورود ماء حار على الرأس.

والرابع: نور ثابت زماناً طويلا، شديد القهر، يصحبه خدر في الدماغ.

والخامس: نور برّاق لذيذ جدّاً، لا يشبه البرق، بل يصحبه بهجة لطيفة حلوة، تتحرّك بقوّة المحبّة.

والسادس: نور محرق، يتحرّك من تحريك القوّة العزّية، وقد يحصل من سماع طبول وأبواق واُمور هائلة للمبتدئ.

والسابع: نور لامع في خطفة عظيمة، يظهر مشاهدةً وإبصاراً، أظهر من الشمس في لذة مغرقة.

والثامن: نور برّاق لذيذ جدّاً، يتخيّل كأ نّه متعلّق بشعر الرأس زماناً طويلا.

والتاسع: نور سانح مع قبضة مثالية، تتراءى كأ نّها قبضت شعر رأسه، وتجرّه شديداً وتؤلمه ألماً لذيذاً.

العاشر: نور مع قبضة، تتراءى كأ نّها متمكّنة في الدماغ.

الحادي عشر: نور يشرق من النفس على جميع الروح النفساني، فيظهر كأ نّه تدرّع بالبدن شيء، ويكاد يقبل روح جميع البدن صورةً نوريةً، وهو لذيذ جداً.

الثاني عشر: نور مبدؤه في صولة، وعند مبدئه يتخيّل الإنسان كأنّ شيئاً ينهدم.

الثالث عشر: نور سانح، يسلب النفس وتتبيّن معلّقة محضة، منها تشاهد تجرّدها عن الجهات.

الرابع عشر: نور يتخيّل معه ثقل لا يكاد يطاق.

الخامس عشر: نور معه قوّة تحرّك البدن، حتى يكاد يقطع مفاصله.

وهذه كلّها إشراقات على النور المدبّر، فتنعكس على الهياكلّ وعلى الروح النفساني، وهذه غايات المتوسّطين.

وقد تحملهم هذه الأنوار فيمشون على الماء والهواء، وقد يصعدون إلى السماء مع أبدان، فيلتصقون ببعض السيارة العلوية، وهذه أحكام الإقليم الثامن، الّذي فيه جابلقا وجابرصا وهورقليا ذات العجائب.

وأعظم الملكات ملكة موت، ينسلخ النور المدبّر من الظلمات البدنيّة وإن لم يخل عن بقية علاقة مع البدن، إلاّ أ نّه يبرز إلى عالم النور ويصير معلّقاً بالأنوار القاهرة، ويصير كأ نّه موضوع في النور المحيط.

وهذا ]المقام[(28) عزيز جدّاً، حكاه أفلاطون عن نفسه وهرمس وكبار الحكماء، وصاحب هذه الشريعة وجماعة من المُنسلخين عن النواسيت، ولا يخلو الأدوار عن هذه الاُمور، وكلّ شيء عنده بمقدار.

ومن لم يشاهد في نفسه هذه المقامات فلا يعترض على أساطين الحكمة، فإنّ ذلك نقص وجهل وقصور، ومن عَبَدَ الله على الإخلاص، وتاب(29) عن الظلمات، ورفض مشاعره، يشاهد ما لا يشاهد غيره»(30) انتهى كلامه رفع مقامه.

ثمّ إنّ من المعلوم أنّ مراد السائل بالنور هاهنا هو حقيقة الوجود الّتي أنارت كلّ الظلمات الإمكانية، من الدرّة البيضاء إلى الذرّة الهباء، واستشرقت بها جميع الماهيات، من الجواهر والأعراض وما فوقها، وهو نور الأنوار، بهر برهانه وقهر سلطانه.

(يا قدوّس)

(سبّوح قدّوس ربّ الملائكة والروح)

(القُدُّوس) ـ بضم القاف وتشديد الدال مع ضمّها ـ وكذا (السُبُوح)، بمعنى: الطاهر، المنزّه عن العيوب والنقائض. وقد يفتح القاف في (القدّوس) والسين في (السبوح).

فهو تعالى قدّوس، أي منزّه عن جميع النقيصة والعيب حتى عن الماهيّة; لأ نّه تعالى ماهيته إنيته، وهي تأكدّ الوجود والوجوب وشدّة النورية، كما قرّر في محلّه، ومجرّد عن جميع المواد، سواء كانت المادّة بمعنى المحلّ المستغني فيها، كما في المادّة بمعنى الموضوع بالنسبة إلى العرض، أو كانت المادّة بمعنى المتعلّق، كما في البدن بالنسبة إلى النفس، أو كانت المادّة العقلية، كالجنس إذا أخذ بشرط (لا) في البسائط الخارجية، كالأعراض أو كالمادّة التبعية; لأنّ هذا معنى المادّة العقلية في الأعراض، وكالماهية بالنسبة إلى الوجود، فإنّ الماهية مادّة عقلية للوجود. فعلت ساحة كبريائه تعالى عن أن يصل إليها أغبرة النقائص والحاجات والماهيات والموادّ علوّاً كبيراً، كما قيل:

أنت المنزّه عن نقص وعن شين *** حاشاي حاشاي عن إثبات اثنين(31)

 

(يا أوّل الأولين، ويا آخر الآخرين)

هاتان الأولية والآخرية ليستا زمانيتين كما يتبادر إلى بعض الأوهام; لأ نّه تعالى ليس في حدّ من حدود الزمان حتى يحيط به، وكيف يسع للزمان الّذي هو من مبدئه إلى منتهاه كالآن الواحد بالنسبة إلى مقرّبي حضرته تعالى، فكيف بجنابه أن يظهر الزمان في سطوع نوره تعالى؟

بل هذه الأوليّة والآخريّة سرمديّتان وذاتيتان; إذ وعاء وجوده تعالى هو السرمد، كما أنّ وعاء وجودات العقول والنفوس المفارقة هو الدهر، ووعاء الطبائع السيّالة الممتدة وعوارضها هو الزمان. فهو تعالى (أوّل الأوّلين) إذ منه بدء وجود كلّ أوّل في السلسلة النزولية، و (آخر الآخرين) إذ إليه ينتهي كلّ آخر في السلسلة الصعودية، وليس قبله ولا بعده تعالى شيء، حتى يكون هو أوّل الأوّلين وآخر الآخرين.

وفي ابتداء دعاء الاعتصام، قال: (اللّهمّ أنت الأوّل فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دُونك شيء)(32).

وتحقيق المقام: أ نّه تعالى لمّا كان في الاجادة والإفاضة على أهل مملكته هو المبدأ الأوّل والموجد الأعزّ الأجلّ، ثمّ فاض منه الجود إلى العقل الأوّل، ومنه إلى العقل الثاني، ثمّ منه إلى الثالث حتى العاشر، ثمّ منه إلى أهل هذا العالم، فهؤلاء العقول هم الأولون بعد الحقّ الأوّل تعالى، ووسائط جوده بالنسبة إلينا في ]النزول[(33) فهو (أوّل الأوّلين) وكذلك في الصعود: (إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّـيِّبُ)(34)من البشرية إلى الملكية، ومنها إلى العقل الفعّال، ثمّ إلى العقول الاُخر، حتى العقل الأوّل، ومنه إلى الفناء في الحضرة الواحدية، فهو تعالى (آخر الآخرين).

أو بطريق آخر نقول: ثمّ فاض منه تعالى الجود إلى العقل، ومنه إلى النفس، ومنها إلى المثال، ومنه إلى الأفلاك، ومنها إلى عالمنا: العناصر الهيولاني.

أو نقول: ثمّ فاض إلى الجبروت، ثمّ إلى الملكوت بقسميها، ثمّ إلى الناسوت. وتلك العوالم متطابقة.

وكذا نقول في العود إلى الله تعالى، كما قال المولوي(رحمه الله) في المثنوي:

از جمادى مردم ونامى شدم *** وزنما مردم از حيوان سرزدم

مردم از حيوان وپس آدم شدم *** از چه ترسم كى زهر من كم شدم

بار ديگر بايد هم مرد از بشر *** تا برآدم از عهد يك بال وپر

بار ديگر از ملك قربان شوم *** آنچه اندروهم نايد آن شوم

بار ديگر بايدم حبن نرجو *** كلّ شيء هالك إلاّ وجه هو

پس عدم كردم عدم چون ازغنون *** گويدم كلنا إليه راجعون

والّذي لا يبلغ الأوهام دركه هو العقل، ولذا قال: «آنچه اندروهم نايد آن شوم».

والبيت الآخر إشارة إلى الفناء التام في الحضرة الواحدية، وهو قرّة عين العارفين.

أو نقول: هو تعالى أول السلسلة الطولية النزولية، ومبدأ المبادئ: (كان الله ولم يكن معه شيء)(35) وآخر السلسلة الطولية الصعودية، وغاية الغايات (ألا إلَى اللّهِ تَصِيرُ الاُمُورُ)(36) (إنَّا لِلّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ )(37) . هذا ما عندي لأوّليته تعالى وآخريته طولا.

وأمّا عرضاً، فنقول: هو تعالى أوّل الأنبياء والمرسلين، وما خلق من نوع الآدميين في الأدوار والأكوار; إذ العلّة واجدة لكمال المعلول، وهؤلاء معاليل الله تعالى، فهو أوّل الأولين وآخر الآخرين; لأن إليه تعالى تنتهي سلسلة الأنبياء والأولياء والكمّلين، عليهم سلام الله أجمعين.

ثمّ لمّا سأل السائل عن الله تعالى، ووصف طائفة من أسمائه الحسنى وصفاته العليا، استشعر بجماله وجلاله، وتحيّر في عظمته تعالى وكماله، فبهر في عقله والتفت إلى ذنوبه وآثامه، فارتعش من خوفه تعالى فرائصه وعظامه، فرفع يديه ملحّاً وفزعاً إليه، فقال مستغفراً منه تعالى:

(اللّهمّ اغفر لي الذنوب الّتي تهتك العصم)

الغفران والمغفرة: الستر، ومنه قولهم: جاؤوا الجمّ الغفير، أي الجمع الستير، يعني: لكثرتهم كأ نّهم ستروا وجه الأرض من جوانبه. وهو تعالى غفور وغفّار، أي ستّار للجرائم والخطيئات الشرعية، والنقائص الإمكانيّة، بذيل رحمته الرحمانية ورحمته الرحيمية.

نقل كلام المحقّق السبزواري

و (الذنوب) جمع (الذنب) وهو الإثم والجريمة.

الذنوب والكبائر

والذنب والخطيئة كما قال صدر المتألّهين(قدس سره)، نقلا عن كلمات الفقهاء ـ رضوان الله عليهم ـ : «تنقسم إلى ما هو ذنب وخطيئة بالنسبة إلى أصل الشرع، كشرب الخمر والميسر، وغيرهما من الماهيات الشرعية، وإلى ما يصير ذنباً بالنية والعزم، كالتزيين للزنا، والأكلّ للتقوي على المعصية، وإلى ذنب الجوارح وذنب القلوب، وكلّ منهما إلى الصغيرة والكبيرة»(38).

نقل الأقوال في تعيين الكبيرة

ثمّ قال: «واختلفت آراء الأكابر في الكبائر على أقوال شتى، وليس للقلب اطمئنان على أدلّتهم، ولعل في اختفائها حكمة، وهي الاجتناب عن جميع المعاصي، مخافة من الوقوع فيها.

فقال قوم: هي كلّ ذنب توعّد الله تعالى عليه في الكتاب المجيد بالعذاب والوعيد(39).

وقال بعضهم: هي كلّ ذنب رتّب عليه الشارع حدّاً، أو نصّ فيه بالعقاب(40).

وقالت فرقة: إنّها كلّ خطيئة تؤذن بأنّ فاعلها قليل الاعتناء في دين الله تعالى.

وقال جماعة: إنّها كلّ ذنب ثبت حرمته بالبرهان.

وقالت طائفة: هي كلّ ذنب أوعد الله تعالى فاعلها في القرآن الحكيم بالعذاب الأليم، أو أوعد حججُه تعالى في سنّتهم السديدة بالعقوبة الشديدة(41).

وعن عبدالله بن مسعود أ نّه قال: اقرؤوا من أوّل سورة النساء إلى قوله تعالى: (إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ)(42) فكلّ ما نهي عنه في هذه السورة إلى هذه الآية فهو كبيرة.

وقالت طائفة: الذنوب كلّها كبائر; لاشتراكها في مخالفة الأمر والنهي، لكن قد يطلق الصغيرة والكبيرة على الذنب بالإضافة إلى ما فوقه وما تحته، كما أنّ القُبلة بالنسبة إلى الزنا صغيرة، وبالنسبة إلى النظر بالشهوة كبيرة.

قال الشيخ الجليل أمين الإسلام أبو عليّ الطبرسي ـ طاب ثراه ـ في مجمع البيان بعد نقل هذا القول: «وإلى هذا ذهب أصحابنا ـ رضي الله عنهم ـ فإنّهم قالوا: المعاصي كلّها كبيرة، لكنّ بعضها أكبر من بعض، وليس في الذنوب صغيرة، وإنّما تكون صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر، ويستحق العقاب عليه أكثر»(43). انتهى كلامه(قدس سره).

وفي مجمع البحرين: قال: «الذنوب تتنوع إلى: مالية وبدنية، وإلى: قولية وفعلية، والفعلية تختلف باختلاف الآلات الّتي تفعل بها، إلى غير ذلك.

فمنها: ما يغيّر النعم، ومنها: ما يُنزل النقم ومنها: ما يقطع الرجاء، ومنها: ما يديل الأعداء، ومنها: ما يردّ الدعاء، ومنها: ما يستحق بها نزول البلاء، ومنها ما يحبس غيث السماء، ومنها: ما يكشف الغطاء، ومنها: ما يعجّل الفناء، ومنها: ما يُظلم الهواء، ومنها: ما يورث الندم، ومنها: ما يهتك العصم، ومنها: ما يدفع القسم، إلى غير ذلك».

ثمّ قال: «واعلم أنّ جميع الذنوب منحصرة في أربعة أوجه لا خامس لها: الحرص، والحسد، والشهوة، والغضب. هكذا روي عنهم(عليهم السلام)»(44) انتهى.

أقول: لعل مراده بالانحصار في الأوجه الأربع أنّ أسباب الذنب منحصرة في هذه الأوجه، بل منحصرة في الشهوة والغضب فقط; لأنّ الحرص والحسد من صفات الشهوة والغضب، وخواصّهما: الهتك والمزق والخرق.

بيان العصمة

و(العِصَم): جمع «عصمة»، كـ (نِعَم»: جمع «نعمة»، وهي لغةً(45) : المنع. وفي اصطلاح الفقهاء والحكماء: كيفيّة روحانية يمتنع بها صدور الخطأ عن صاحبها; لعلمه بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات.

فإذا بلغ الكلام إلى هذا المقام، فالأنسب أن نفصّل العصمة بأ نّها ما هي وفي من هي؟ وفي كم هي؟ ومتى هي؟ وعمّ هي؟ ولِمَ هي؟

أمّا الأوّل: فقد ذكرتها.

وأمّا الثاني: فهي في الأنبياء والأئمّة الاثني عشر، وفي الملائكة.

والظاهريون الّذين قالوا: إنّ الملائكة أجسام لطيفة هوائية، تقدر على التشكّل بأشكال مختلفة، مسكنها السماوات، وفيهم داعية الشهوة والغضب، يجوّزون عليهم المعصية، واختلفوا في عصمتهم.

وعمدة ما أوقعهم في الشبهة والاختلاف في عصمة الملائكة أمران:

أحدهما: الاستثناء في قوله تعالى: (فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ)(46).

والثاني: حكاية هاروت وماروت، فإنّهما كانا ملكين ففسقا عن أمر ربّهما.

واُجيب عن الأوّل: أ نّه بني على التغليب، أو يكون المستثنى فيه منقطعاً.

وعن الثاني بأ نّها مؤوّلة، وقد أوّلها العلاّمة، في التفسير الصافي(47) عند تفسير قوله تعالى: (وَمَا اُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ)(48) بعد ذكر أحاديث كثيرة مختلفة الورود في قصتهما عن الأئمّة(عليهم السلام). والآيات الدالّة على عصمتهم في القرآن الحكيم كثيرة جداً.

وأمّا الثالث: فجميع الفقهاء والحكماء والمتكلمين مطبقون على وجوب عصمة الأنبياء في اعتقاداتهم، وقائلون بأ نّهم معصومون عن الكفر، إلاّ الخوارج ـ لعنهم الله ـ فإنّهم يقولون: من صدر عنه الخطيئة فهو كافر(49) ويجوّزون صدور الذنب عن النبيين(عليهم السلام).

وأمّا الرابع: قال كثير من المعتزلة(50) وجمّ غفير من الأشاعرة(51): إنّ العصمة مخصوصة بزمان البعثة في الأنبياء، ولا يجب قبلها.

وأمّا الخامس: ـ يعني العصمة عن الصغيرة والكبيرة، عمدهما أو سهوهما ـ ففيه أقوال ومذاهب(52):

فالحشوية قد جوّزوا تعمّد الصغيرة والكبيرة على الأنبياء، وكثير من المعتزلة جوّز تعمّد الصغيرة، بشرط عدم خساستها، كسرقة اللقمة وتطفيف الكيل، وأمثال ذلك.

والحنابلة قالوا: جاز صدور الذنب عن الأنبياء على سبيل الخطأ في التأويل.

والأشاعرة قالوا بصدور الصغيرة عنهم سهواً لا عمداً. وغيرها من أباطيلهم الّتي ما لاقت بالذكر.

فالمذهب الّذي هو أحقّ وأليق بالذكر ما ذهب إليه الإمامية، من وجوب العصمة في الأنبياء والأوصياء والملائكة مطلقاً، وفي تمام عمرهم، سواء كان في الاعتقاديات، أو في التبليغ، أو في الفتوى، أو في الأحوال والأفعال، صغائر كانت الذنوب أم كبائر، ولا يجوز السهو والنسيان عليهم(عليهم السلام).

وأمّا السادس ـ أي الدليل عليها ـ فكما قالوا من أنّ صحة الوجوب على الله كالووب من الله، وقد تقرر عند المحقّقين من أهل الكلام(53) أنّ اللطف على الله واجب، ومن هنا وجب على الله بعث النبي ونصب الإمام. وقالوا: لا شكّ أنّ العصمة على الوجه المذكور أدخل وأمدّ في اللطف، ولهذا يجب تنزّههم عن العيوب والنقائص الخُلقية كالخَلقية، فلا يجوز على الحكيم الإخلال به.

وعن عليّ بن الحسين(عليهما السلام): (الإمام منّا لا يكون إلاّ معصوماً، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فتعرف). قيل: فما معنى المعصوم؟ قال(عليه السلام): (المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن، فلا يفترقان إلى يوم القيامة)(54).

ثمّ المراد بالعصمة في قول السائل معناها اللغوي، وهو زجر العقل ومنع النفس من الوقوع في المعصية.

و (الذنوب الّتي تهتك العصم) ـ على ما روي(55) عن الصادق(عليه السلام) ـ هي: شرب الخمر واللعب والقمار، وفعل ما يضحك الناس من المزاح واللهو، وذكر عيوب الناس، ومجالسة أهل الريب. فليتجنب عن جميعها; لئلا يهتك العصمة.

(اللّهمّ اغفر لي الذنوب الّتي تنزل النقم)

(النقم) جمع «نقمة»، كـ «نِعَم» جمع «نعمة»، أصلها «نَقِمة» ـ بكسر القاف ـ وزان «كَلِمة» بمعنى الأخذ بالعقوبة، والجمع: «نَقِمات» و «نِقَم»، كـ «كلمات» و «كَلِم» جمع «كلمة».

ولكن قال الجوهري: «وإن شئت سكّنت القاف، ونقلت حركتها إلى النون، فقلت: نقمة، والجمع نقم، كنعمة ونِعَم»(56) انتهى.

بيان ما يترتب على الذنوب

و (الذنوب) الّتي تصير سبباً لنزول النقم هي ـ على ما جاءت به الرواية ـ : نقض العهد، وظهور الفاحشة، وشيوع الكذب، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى، ومنع الزكاة، وتطفيف الكيل. قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (خمس بخمس). قالوا: يارسول الله، ما خمس بخمس؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (ما نقض قوم العهد إلاّ وسلّط الله عليهم عدوهم، وما ظهرت عنهم الفاحشة إلاّ وقد فشا فيهم الموت، وما شاع فيهم الكذب والحكم بغير ما أنزل الله إلاّ وقد فشا فيهم الفقر، وما منعوا الزكاة إلاّ حبس عنهم القطر، وما طفّفوا الكيل إلاّ منعوا النبات واُخذوا بالسنين)(57).

كما قال المولوي:

ابر برنايد پى منع زكاة *** وززنا افتروبا اندر جهات

قال تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)(58).

 

(اللّهمّ اغفر لي الذنوب الّتي تغيّر النعم)

(النِعَم): جمع (نعمة) ـ بكسر النون ـ وهي ما يلتذّ ويتنعّم به الإنسان من المال والنساء، والقوى والآلات والأدوات، والصحة والفراغة، والمأكولات والمشروبات، والأنعام من الأغنام والإبل والخيول والبغال والحمير والبقرات، وغيرها ممّا أنعم الله به على عباده (وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوهَا)(59).

قال تعالى:(ذَلِكَ بِأنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنفُسِهِمْ)(60).

في المجمع قال: «قال بعض الأعلام: يكتب في اللوح أشياء مشروطة وأشياء مطلقة، فما كان على الإطلاق فهو حتم لا يغيّر ولا يبدّل، وما كان مشروطاً ـ نحو أن يكون مثبتاً في اللوح أنّ فلاناً إن وصل مثلا يعيش ثلاثين سنة، وإن قطع رحمه فثلاث سنين ـ فإنّما يكون ذلك بحسب حصول الشرط، وقد قال الله تعالى: (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ اُمُّ الكِتَابِ)(61)»(62) انتهى.

الذنوب المغيرة للنعم

و (الذنوب الّتي تغيّر النعم) ـ كما جاءت بها الرواية ـ : ترك شكر المنعم، والافتراء على الله والرسول، وقطع صلة الرحم، وتأخير الصلاة عن أوقاتها حتى انقضت أوقاتها، والدياثة، وترك إغاثة الملهوفين المستغيثين، وترك إعانة المظلومين.

وبالجملة، قد قرّر الشارع لكلّ نعمة أنعم الله بها على عباده شكراً وطاعة، كما قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(63).

ومعلوم أنّ تركه يصير سبباً لأخذ المنعم تلك النعمة عن المنعَم عليه.

وعن الصادق(عليه السلام)، قال: «نحن والله نعمة الله الّتي أنعم بها على عباده، وبنا فاز من فاز»(64).

أقول: لمّا كانوا(عليهم السلام) وسائط فيض الله تعالى وجوده، ومجالي نوره وظهوره، ومكامن سرّه، كما قال(عليه السلام): (بنا اهتديتم في الظلماء، وتسنمتم العلياء وبنا انفجرتم عن السرار...)(65) أي صرتم ذوي فجر.

وقوله(عليه السلام): (تسنّمتم العلياء) أي ركبتم سنامها.

فما من نعمة فاضت على الخلق إلاّ بواسطتهم وبأيديهم، فهم النعم العظمى، والدولة القصوى من الله تبارك وتعالى في الآخرة والاُولى، كما قيل:

من فضل ربّهم ولاته ارتوت *** أنوارهم في نورهم قد انطوت

وقرب فرض الكلّ مثل النفلِ *** كالفرع ثمّ قربهم كالأصلِ

بأرضهم تستنسر البغاثُ *** والمستغيثين بهم أغاثوا

مجد بناته وفضل كرم *** في غرف مبنية عليهم

ثمّ إنّ النعم تشتمل النعم الباطنة من العلم والحكمة والعرفان، والإيمان بالله وباليوم الآخر، والأنبياء والرسل والأوصياء الاثني عشر، عليهم صلوات الله الملك الأكبر إلى يوم المحشر.

 

بيان الذنوب المغيّرة للنعم

فالذنوب الّتي تغيّر تلك النعم وتذهب بنورها هي الخطيئات الّتي يعدّها أهل السلوك إلى الله تعالى أيضاً ذنباً، كالتوجّه إلى غيره تعالى وترك الأولى، وكثرة الأكلّ والشرب والنوم، وقلّة الاكتراث بالصلاة والصوم، وكلّ ما كان من هذا القبيل من الهواجس النفسانية، فضلا عن الوساوس الشيطانية. فليتجنب العبد المؤمن عن جميع هذه الذنوب، بعناية الله الحبيب المحبوب.

(اللّهمّ اغفر لي الذنوب الّتي تحبس الدعاء)

حبس يحبس ـ من باب (ضرب) ـ حبساً. الحبس: الوقوف والتوقيف، خلاف الإطلاق والإرسال.

والذنوب الّتي تحبس الدعوات وتمنعها عن الوصول إلى ذروة إجابة قاضي الحاجات ـ على ما روي عن سيّد الساجدين زين العابدين(عليه السلام) ـ (هي: سوء النية، وخبث السريرة، والنفاق مع الإخوان، وترك التصديق بالإجابة، وتأخير الصلاة المفروضة حتى تذهب أوقاتها)(66).

بيان الذنوب الحابسة لغيث السماء

وقال(عليه السلام) في الذنوب الّتي تحبس غيث السماء: (هي جور الحكّام، وشهاة الزور، وكتمان الشهادة، ومنع الزكاة، والمعاونة على الظلم، وقساوة القلب على الفقراء)(67).

وبالجملة: من الذنوب الّتي تحبس الدعاء: فساد النيّات للأغراض الباطلة المتعلّقة بالاتجاه إلى العاجلة والترك عن الآجلة، الكاشفة عن الأهوية الفاسدة والعقائد الكاسدة، كما قال الله تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أتَـيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ)(68).

فخير الدعوات وقربها من الإجابة هو تطابق لسان الحال مع لسان المقال، كما قال المولوي:

ما درون را بنگريم وحال را *** نى زبان را بنگريم وقال را

ناظر قبسيم اگر خاشع بود *** گرچه كفت لفظ ناخاشع بود

قال صدر المتألهين(قدس سره): «فاعلم أ نّه لا دعاء بلسان الاستعداد والحال غير مستجاب، إلاّ ما هو من باب لقلقة اللسان فقط، كما يقول الجالس في مساكن ذكر الله ببدنه: اللّهمّ ارزقني توفيق الطاعة، وبُعد المعصية. ولكن جميع أركانه وجوارحه وملكاته الراسخة، وأخلاقه الرذيلة، وشياطينه الّذين صارت قلبه عشهم، وبهائم شهواته، وخنزير حرصه، وكلب غضبه اللاتي غدت باطنه مرتعها، كلّهم ينادون ويقولون: اللّهمّ اخذلنا بالمعصية، ويستغيثون ويطلبون أرزاقهم، وهو تعالى مجيب الدعوات (أعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)(69).

وكما يقول الإنسان الطبعي المطيع للوهم: اللّهمّ أبقني في الدنيا، وهو بسرّه وعلانيته حتى وهمه متوجّه إلى ربّه، كلٌّ يبتغي وجهه، والتمكّن في داره أو سجنه، وأركان بدنه تطلب أحيازها الطبيعية، وفروخه المحتبسة في بيوض المواد من قواه ـ العلاّمة والعمّالة ـ تستدعي النهوض والطيران، بل الأدوار والأكوار تقتضي آثارها، بل الأعيان الثابتة التابعة اللازمة للأسماء يقولون لكلّ اُمة من الصور انطبعت وتعلّقت بالمادّة: إلى متى تلبثون هنا وتعطّلون المواد، ألم تنقض نوبتكم؟ فشمروا لسفركم، وتأهّبوا للقاء أميركم; ليصل النوبة إلى طائفة اُخرى.

ولذا فالروح تتمنى الموت وتفارق البدن بالاختيار، والكاره له هو الوهم وإن كان هو أيضاً طالباً له بلسان الاستعداد: (يَا أيُّهَا الإنسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ)(70).

ولسان المقال أيضاً دعاؤه مستجاب; لكونه يستدعي غذاءه الّذي هو النطق، أيّ نطق كان. فهو تعالى مجيب دعوتهم ومبلّغهم إلى اُمنيتهم، وقد لا يساعد الداعى لسان استعداد هويته وإن ساعده بحسب النوع، كطلب كلّ واحد مرتبة الآخر، فلعلّه حيث ليس له علم محيط يضرّه ما استدعى بلسان المقال ويفسده، فحاله وعلله يطلبون له ما يصلحه، كما في الحديث القدسي: (إنّ من عبادي من لا يُصلحه إلاّ الغنى، لو صرفته إلى غير ذلك لهلك، وإنّ من عبادي من لا يصلحه إلاّ الفقر، لو صرفته إلى غير ذلك لهلك)(71).

وعلى هذا فأجلُّ الأذكار ما اشتمل على توحيده وتمجيده تعالى، لا ما يشعر بالطلب والتكدّي، ولذا قال(عليه السلام): (فوت الحاجة أحب إليَّ من قضاء الحاجة).

وفي الحديث القدسي: (من ترك ما يُريد لما اُريد ترك ما اُريد لما يريد).

وفي الدعاء: (اللّهمّ أنت كما اُريد، فاجعلني كما تُريد).

وورد: (المؤمن لا يريد ما لا يجد).

وقال المولوي(رحمه الله):

قوم ديكر ميشناسم از أولياء *** كه زبانشان بسته باشد از دعاء

وإن كان السؤال أيضاً حسناً; لأ نّه أيضاً من أسباب سعادتك، ومن موجبات تذكّرك، ولهذا كان موسى(عليه السلام) مأموراً بمسألة ملح طعامه منه تعالى; إذ كلّما يجلب إلى جنابه فهو حسن، وإن كان للحسن عرض عريض.

وفي كلمات الشيخ أبي سعيد أبي الخير(قدس سره):

راه تو به هر روش كه ميدونيد نكو است *** ذكر تو به هر زبان كه گويند خوش است»(72)

انتهى كلامه.

 

(اللّهمّ اغفر لي الذنوب الّتي تنزل البلاء)

البلاء والبليّة والبلوة ـ بالكسر ـ : الغمّ، كأ نّه يبلي الجسم.

بيان الذنوب المنزلة للبلاء:

و (الذنوب) الّتي تصير سبباً لنزول البلاء ـ كما روي عن السجاد(عليه السلام) ـ هي: ترك إغاثة الملهوف، وترك إعانة المظلوم، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(73).

وفي بعض الأخبار(74): أ نّها سبع، وقد عدوّها من الكبائر، وهي: الشرك بالله، وقتل النفسط الّتي حرّم الله تعالى، وقذف المحصنة، وأكلّ مال اليتيم ظلماً، والزنا، والفرار من الزحف، والسرقة.

(اللّهمّ اغفر لي الذنوب الّتي تقطع الرجاء)

(الرجاء): يجيء بمعنى التمنّي والترجّي، وبمعنى: الخوف، ومن هذا قول الشاعر:

لعمرك ما أرجو إذا مُتُّ مسلماً *** على أيّ جنب كان في الله مصرعي(75)

فالرجاء بالمعنى الأوّل قسمان: رجاء ممدوح، ورجاء مذموم.

فالممدوح: هو رجاء رحمة الله تعالى، وتوقّعها من العمل الصالح المعد لحصولها، وترك الانهماك في المعاصي، المفوّت لهذا الاستعداد.

والرجاء المذموم: الّذي هو في الحقيقة حمق وغرارة، وهي توقّع الرحمة من غير عمل صالح، وعدم الاجتناب عن المعاصي والخطيئات، كما قيل:

ايغره برحمت خداوند *** در رحمت او كسى چگويد

هر چند مؤثر است باران *** تا دانه نيفكنى نرويد

قال الله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ)(76).

ومقابل هذا الرجاء: اليأس والقنوط والحرمان. والمؤمن ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه متساويين، بحيث لو وزن خوفه ورجاؤه لاعتدلا، كما في الحديث: (خف الله خوفاً ترى أ نّك لو أتيته بحسنات أهل الأرض لم يقبلها منك، وارجُ الله رجاءً ترى أ نّك لو أتيته بسيئات أهل الأرض غفرها لك).

الذنوب القاطعة للرجاء

والذنوب الّتي تقطع الرجاء ـ كما جاءت بها الرواية ـ : اليأس من رَوح الله، والقنوط من رحمة الله، والثقة بغير الله، والتكذيب بوعده(77).

وفي دعاء أبي حمزة الثمالي، قال: (إلهي لو قرنتني بالأصفاد، ومنعتني سيبك من بين الأشهاد، ودللتَ على فضائحي عيون العباد، وأمرت بي إلى النار، وحُلتَ بيني وبين الأبرار، ما قطعتُ منك رجائي، ولا صرفت وجه تأميلي للعفو ]عني[(78)عنك، ولا خرج حبك عن قلبي، أنا لا أنسى أياديك عندي، وسترك عليَّ في دار الدنيا)(79).

(اللّهمّ اغفر لي كلّ ذنب أذنبته، وكلّ خطيئة أخطأتها)

وفي المصباح: «الخطيئة ـ على وزن «فعيلة»، ولك أن تشدّد الياء ـ الاسم من الخطأ ـ بالكسر ـ : الإثم، والجمع: الخطايا» انتهى.

الفرق بين الذنب والخطيئة

وهي والذنب بمعنىً واحد، وقد يفرّق بينهما بأنّ الآثام ما لم يتمكن صاحبها فيها تسمّى ذنوباً، وإذا تمكن فيها وصارت ملكة له فحينئذ تسمّى خطيئة، كأ نّه يخطو فيها ويعتملها.

وقول السائل: (أخطأتها) أي فاتني الصواب في عملها، فلان أخطأ في الأمر; إذا فاته الصواب فيه.

ثمّ إنّ السائل لمّا سأل من الله تعالى المغفرة عن الذنوب الموصوفة بالأوصاف المذكورة، انصرف عن التوصيف فقال: (اللّهمّ اغفر لي كلّ ذنب أذنبته) في مدة عمري، صغيرة كان أو كبيرة، عمداً كان أو سهواً، قولا كان أو فعلا، جناناً كان أو أركاناً، سواءً كان صدوره عني في زمن الصبا والترعرع، أو في أوقات البلوغ والتكليف، فإنّك قلت في كتابك الكريم: (إنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً)(80). ومن ذا الّذي يغفر الذنوب جميعاً إلاّ أنت.

(اللّهمّ إنّي أتقرب إليك بذكرك)

بيان المراد من الذكر

أي بذكري إياك، اُضيف المصدر إلى المفعول.

المراد بالذكر: إمّا معناه المصدري، يعني: بتذكّري إياك في كلّ حال أتقرّب إليك، أراد: أنّ غاية تذكّري إياك هي التقرّب إليك، وكمال التقرّب إليه تعالى هو التخلّق بأخلاقه، كما ورد: (تخلّقوا بأخلاق الله)(81). وورد (تخلّقوا بأخلاق الروحانيين).

وحقيقة الذكر حضور المذكور لدى الذاكر، وهو تعالى أجلّ ذاكر لأبهى مذكور، هو ذاته لذاته، كما في الدعاء: (يا خير الذاكرين)(82). فذكره تعالى في مرتبة ذاته كلامه الذاتي، وعلا بذاته الّذي هو حضور ذاته بذاته لذاته، بمعنى: عدم انفكاك ذاته عن ذاته تعالى. وفي مرتبة فيضه المقدّس وفعله الأقدس ذكره أمره الإيجادي، وكلمة: «كُنْ» الوجودية. ولذا قال الشاعر:

فلمّا أضاء الليل أصبحت عارفاً *** بأ نّك مذكور وذكر وذاكر

وإمّا المراد بالذكر: وجهه تعالى، فإنّ البرهان الصحيح يدلنا على التثليث: الذاكر، والذكر، والمذكور. فالذاكر هو الله تعالى، والذكر: الوجود المنبسط، والمذكور: مخلوقه ومصنوعه. وقد مرّ أنّ ذلك الوجود وجهه تعالى.

فحينئذ مراد السائل أ نّه يقول: أتقرب إلى ذاتك الحكيم القديم بوجهك الكريم.

وإمّا المراد بالذكر: وجود السائل، إذ قد عرفت أنّ الوجودات بأسرها، كما أ نّها إشراق الله تعالى، كذلك كلماته وأذكاره، كما قال الله تعالى: (بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ)(83) وقال: (إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّـيِّبُ)(84).

وخبر الأذكار: هو أن يصير وجود الذاكر عين ذكره تعالى، يعني: استشعر الذاكر بالعلم ثمّ بالعيان أنّ وجوده ذكره تعالى، كما قيل:

أگر مؤمن بدانستى كه بت چيست *** يقين كردى كه دين در بت پرستى است

أگر كافر زبت آگاه گشتى *** كجا در دين خود گمراه گشتى

يعني: لو علم المؤمنون الّذين دخلوا في أوائل درجات الإيمان، وقالوا: لا إله إلاّ الله، تقليداً ولساناً لا برهاناً وعياناً، أنّ وجودات الأصنام كلّها من الله وإشراقاته، وهو تعالى أحاط بكلّ شيء علماً وقدرة، وفي الحقيقة معطي الكمالات ليس إلاّ هو; لأيقنوا ـ هؤلاء المؤمنون ـ بأنّ عبادة الأصنام بذلك الاعتبار عبادة الله تعالى، وفي الحقيقية كذلك، ولكن عبدة الأصنام لم يكونوا مستشعرين بهذا الأمر، بل يعبدون نفس الأصنام بأ نّها آلهتهم أو أدلاّء، وشفعاؤهم عند إلههم، وذلك كفر وإلحاد وملعنة.

فحينئذ مراده: إنّي أتقرّب إليك، بسبب وجودي الّذي هو من صنعك، وكونك موجداً إياي، وآخذاً بناصيتي، تجرّها إليك.

وإمّا المراد بالذكر: هو القرآن المجيد والفرقان الحميد، كما سمّاه الله تعالى به، قال:(أاُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَـيْنِنَا)(85)،وقال:(نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(86).

فحينئذ مراده: أتقرّب إليك بكتابك، يعني: بمواظبتي قراءته، وممارستي التفكّر في محكماته ومتشابهاته، وناسخه ومنسوخه، وتأويله وتنزيله، ومجمله ومفصّله.

والقرآن ـ من الفاتحة إلى الخاتمة ـ وجوده الوجود اللفظي حين القراءة، والوجود الكتبي حين عدمها لجميع الموجودات، آفاقية والأنفسية، إذ قُرّر في محله أنّ لكلّ شيء وجودات أربعاً: العينية، والذهنية، والكتبية، واللفظية. والعوالم كلّها متطابقة، فكلّ ما في عالم من العوالم فهو في عالم أعلى منه بنحو الأكملية والأتمّية ممّا في العالم الأدنى، كما قال تعالى: (وَلا رَطْب وَلا يَابِس إلا فِي كِتَاب مُبِين)(87).

فالمراد بالكتاب المبين وإن كان هو العقل الأوّل والممكن الأشرف، إلاّ أن القرآن حقيقته ووجوده الكتبي كما قلنا، فكلّ ما في اُمّ الكتاب بنحو اللف والبساطة فهو في الكتاب التدويني بنحو الكتابة والعبارة. والتفصيل يستدعي محلاظّ آخر ونمطاً آخر غير ما سمعت.

وإمّا المراد بالذكر: أهل البيت(عليهم السلام); لأ نّهم أهل الذكر وحاملو القرآن كما هو حقّه، كما روي عن أبي جعفر(عليه السلام) في قوله تعالى: (فَاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ)(88) قال: (نحن والله أهل الذكر). فقيل: أنتم المسؤلون؟ قال: (نعم). قيل: وعليكم أن تجيبونا؟ قال(عليه السلام): (ذاك إلينا إن شئنا فعلنا، وإن شئنا تركنا)(89). فهم(عليهم السلام) بشراشر وجودهم ذكر الله تعالى وفيضه.

وحينئذ مراده: أتقرّب إليك بأهل ذكرك، يعني بمحبتهم وموالاتهم(عليهم السلام). فحُذف المضاف واُقيم المضاف إليه مقامه.

ثمّ إنّ حرف الباء في قوله: (بذكرك) للسببية.

فبالجملة، ذكره تعالى في جميع الأحوال حسن، والعقل الهيولاني في أوّل الأمر وابتداء الحال يستدعي الصورة، كالهيولى الاُولى الّتي تستدعي الصورة الجسمية. فصوّروا العقل بذكر ذاته تعالى وذكر أسمائه وصفاته، ولا ترتسموه بصور داثرات مخلوقاته من الأباطيل الزائلة الفانية، والترّهات العادمة غير الباقية.

الله في كلّ شؤون اذكرا *** فإنّ ذكر الله كان أكبرا

ومنه جا حثّ عليه في الخلا *** وحائض وقاطئ وما خلا

(وأستشفع بك إلى نفسك)

أي أجعلك شفيعاً لشفاعة نفسي الخاطئة الجانية إلى ذاتك المقدّسة العالية في العاجلة والآجلة، يوم لا يشفع الشافعون إلاّ باذنك، وهو يوم: (لا يَشْفَعُونَ إلا لِمَن ارْتَضَى)(90).

البحث في الشفاعة

والشفاعة ـ كالمغفرة والعفو ـ تقع لأصحاب الكبائر إذا ماتوا بلا توبة، وجميع العلماء اتفقوا على هذا، إلاّ المعتزلة فإنّهم في كتبهم فسّروا الشفاعة بطلب زيادة المنافع للمؤمنين المستحقين للثواب، وقالوا أيضاً بمنع العفو لأصحاب الكبائر.

نقل كلام المحقّق السبزواري

وقال صدر المتألهين(قدس سره): «إنّ حقيقة الشفاعة بروز صور دلالات الأدلاّء على الله في الدنيا بصور الشفاعات في الاُخرى، إذ الكلّ يسعدون بدلالة شرائع الأنبياء ورُشد طرائق الأئمة الهداة(عليهم السلام) في الاُخرى، وهداية النبي الداخل ـ أعني: العقل الّذي هو الحجّة البالغة أيضاً ـ بهداية روحانية النبي والوصي والولي الخارجِيين; لأنّ كلّ العقول في تعقّلاتهم يتّصلون بالعقل الفعّال وبروح القدس، كما هو مقرر عند الحكماء قاطبة، فهي كمرائي حازت وجوهها شطر مرآة كبيرة فيها كلّ المعقولات، فيفيض على كلٍّ قسطه بحسبه: (وروح القدس في جنان الصاقورة، ذاق من حدائقهم الباكورة)(91).

بل الشفاعة منها: تكوينية سارية، ولكلّ موجود منها قسط بحسب دلالته على الله تعالى، كالنبوة التكوينية السارية، وكالمعلّم بالنسبة إلى الأطفال، والرجل بالنسبة إلى أهل بيته. ولهذا ورد(92) أن المؤمن يشفع أكثر من قبيلة ربيعة أو مضر.

ومنه: شفاعة القرآن لأهله، وأمثال ذلك.

لكن لمّا كان دلالتها بتعريف النبوّة وإرشاد الولاية في الظاهر أو في الباطن ـ وفي الشرائع والطرائق والحقائق: الفقهاء مظاهر الأنبياء، والعرفاء مظاهر الأولياء والأوصياء، ومناهج الظواهر والمظاهر في الأوائل والأواخر كأنهار أكابر وأصاغر، من قاموس منهج خاتمهم، كما قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (الشريعة أقوالي، والطريقة أفعالي، والحقيقة حالي)(93). وله السيدودة العظمى على جميعهم، كما قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (أنا سيّد ولد آدم ولا فخر)(94)، وقال: (آدم ومَن دونه تحت لوائي يوم القيامة)(95) ـ ختم عليه الدلالة العظمى في الاُولى والشفاعة الكبرى في الاُخرى، كما قال تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)(96)»(97).

ثمّ قال: «إن قلت: كيف تتحقّق الشفاعة في الاُخرى لمن يرتكب الكبائر، ولا دلالة ولا هداية له في الاُولى؟

قلت: لا يمكن ذلك، إذ له عقائد صحيحة ـ ولو إجمالية ـ متلّقاة من الشارع ظاهراً وباطناً، وربّما يكون له خصال حميدة، ولا أقل من خواطر حقّة ثابتة، على درجات متفاوتة، ولا سيّما أنّ العبرة بأخير حالاته ونهاية أوقاته، ]كما قيل:

هيچ كافررا سنجرارى منگريد *** كه مُسلمان مرونش باشد اميد[(98)

ولو فرض خلوّه عن جميع الوسائل وانبتات يده عن تمام الحبائل، فنلتزم عدم حصول الشفاعة له، ولهذا وقع في الدعاء: (اللّهمّ قرّب وسيلته، وارزقنا شفاعته)(99)»(100) انتهى.

ثمّ مراده من جعله تعالى شفيعاً لجرائمه وآثامه عنده تعالى، هو طلب العفو والمغفرة منه تعالى، على سبيل الكناية الّتي هي أبلغ من التصريح وأدعى منه.

الهوامش

(1) الطلاق: 12.

(2) يونس: 61.

(3) البقرة: 255.

(4) فصوص الحكم للفارابي: 59 فص 11.

(5) البقرة: 20.

(6) في المخطوط: خبر.

(7) عوالي اللآلي: 4/70 ح37، بحار الأنوار 1/177.

(8) عوالي اللآلي: 4/70 ح36، بحار الأنوار 1/177.

(9) يونس: 5.

(10) بحار الأنوار: 4/253 ح 7.

(11) بحار الأنوار: 55/45 و73/31.

(12) القاموس المحيط: 1/460 مادة «سبح»، وفيه: «أنواره»، بدل: «إشراقاته».

(13) البقرة: 96.

(14) المعارج: 4.

(15) النور: 35.

(16) شرح الأسماء: 269.

(17) الإسراء: 44.

(18) ديوان الإمام عليّ: 5.

(19) آل عمران: 169.

(20) النساء: 66.

(21) النور: 13.

(22) بحار الأنوار: 66/317 و69/59.

(23) اُنظر: الاُصول الأصيلة: 165.

(24) نهج البلاغة: الخطبة 160.

(25) الكافي: 5/12 ح 3، المحجة البيضاء: 5/13 باختلاف.

(26) المائدة: 54.

(27) مختصر المعاني: 306، والقائل هو أبو الشيص.

(28) من المصدر.

(29) في المصدر: ومات.

(30) حكمة الإشراق ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق: 1/252 ـ 255 باختلاف.

(31) لم نعثر عليه بهذا النظم وفي ديوان الحلاّج / 160:

أأنت أم أنا هذا في إلهين *** حاشاك حاشاك من إثبات اثنين

(32) مصباح المتهجد: 487.

(33) في المخطوط: الزوال.

(34) فاطر:10.

(35) جامع الأسرار: 56.

(36) الشورى: 53.

(37) البقرة: 156.

(38) شرح الأسماء: 116 بتفاوت.

(39) كتاب الكائر: 8، الجامع لأحكام القرآن: 5/159.

(40) التفسير الكبير: 10/61 حكاه عن ابن عباس.

(41) نفس المصدر: 10/61.

(42) النساء: 31.

(43) مجمع البيان: 3/51.

(44) مجمع البحرين: 2/61.

(45) لسان العرب: 9/344 مادة «عصم».

(46) البقرة: 34.

(47) التفسير الصافي: 1/170 ـ 172.

(48) البقرة: 102.

(49) اُنظر: شرح المقاصد 5/49 ـ 50، مناهج اليقين: 279.

(50) اُنظر: تنزيه الأنبياء: 16.

(51) اُنظر: قواعد المرام: 125.

(52) اُنظر شرح المقاصد: 5/49 ـ 51، كشف المراد: 349، الذخيرة في علم الكلام للمرتضى: 338، مناهج اليقين: 280.

(53) قواعد المرام: 118، إرشاد الطالبين: 277.

(54) بحار الأنوار: 25/194 ح 5.

(55) بحار الأنوار: 70/375.

(56) الصحاح: 5/2045 مادة «نقم».

(57) بحار الأنوار: 70/370.

(58) البقرة: 59.

(59) إبراهيم: 34.

(60) الأنفال: 53.

(61) الرعد: 39.

(62) مجمع البحرين: 3/431 مادة «غير».

(63) إبراهيم: 7.

(64) بحار الأنوار: 9/112 و218.

(65) بحار الأنوار: 32/237.

(66 و67) معاني الأخبار: 271 ح2، وسائل الشيعة: 16/282 أبواب الأمر والنهي ب 41 ح 8 .

(68) المؤمنون: 71.

(69) طه: 50.

(70) المطففين: 6.

(71) الجواهر السنية: 100.

(72) شرح الأسماء: 113 ـ 115.

(73) بحار الأنوار: 70/375.

(74) نفس المصدر: 76/5 و9 و12.

(75) اُنظر مجمع البحرين: 1/176 مادة رجا.

(76) البقرة: 218.

(77) معاني الأخبار: 271 ح 2.

(78) من المصدر.

(79) المصباح للكفعمي: 790.

(80) الزمر: 53.

(81) اُنظر بحار الأنوار: 58/129.

(82) المصباح للكفعمي: 334.

(83) آل عمران: 45.

(84) فاطر: 10.

(85) ص: 8.

(86) الحجر:9.

(87) الأنعام: 59.

(88) النحل: 43.

(89) الكافي: 1/210 ح 3 باختلاف.

(90) الأنبياء: 28.

(91) بحار الأنوار: 75/378 ح 3 وفيه: «حدائقنا» بدل : «حدائقهم».

(92) اُنظر بحار الأنوار 8/58 ح 75.

(93) جامع الأسرار: 346 و359.

(94) اُنظر بحار الأنوار: 16/325 ح 21.

(95) المصدر السابق: 16/402 ح 1.

(96) الضحى: 5.

(97) شرح الأسماء: 625 و626.

(98) ليست في المصدر.

(99) بحار الأنوار: 87/132 باختلاف.

(100) شرح الأسماء: 626.