(وأسألك بجودك أن تدنيني من قربك)

الجود والكرم بمعنىً واحد، والجواد الّذي لا يبخل بعطائه، وهو من أسمائه تعالى، كما في الدعاء: (اللّهمّ أنت الجواد الّذي لا يبخل)(1).

والجود منه تعالى إفادة ما ينبغي لا لعوض ولا لغرض، كالعطاء والكرم والهبة منه تعالى; إذ مرجعها إلى صفة واحدة هي الإفاضة والفيّاضية.

وفي المجمع: «سئل الحسن(عليه السلام) ـ وهو في الطواف ـ فقيل: أخبرني عن الجواد، فقال(عليه السلام): (إنّ لكلامك وجهين; فإن كنت تسأل عن المخلوق فالجواد الّذي يؤدّي ما افتُرض عليه، والبخيل الّذي يبخل بما افتُرض عليه. وإن كنت تسأل عن الخالق فهو الجواد إن أعطى، وهو الجواد إن منع; لأ نّه إن أعطى عبداً أعطاه ما ليس له، وإن منع منع ما ليس له)»(2).

أقول: أراد(عليه السلام) أنّ خالق جميع العطيات وموجدها ومعطيها ومالكها نفسه تعالى، لا شريك له في الإيجاد، كما لا ثاني له في الوجود.

وقول السائل: (أن تُدنيني من قُربِكَ) أي تقرّبني إليك. فقال: زيد أدنى عمراً إلى بكر، أي قرّبه إليه، وأدنوه مني: أي قرّبوه منّي، من الإدناء. كأ نّه قال: أسألك بسبب جودك وكرمك أن تعطيني بعطاء هو قربك، يعني: توفّقني لإقامة طاعتك وإدامة عباداتك، حتى يحصل لي التخلّق بأخلاقك الحسنة والاتصاف بصفاتك الكريمة; لأ نّك قلت: (عبدي أطعني حتى أجعلك مثلي، أقول لشيء: كن، فيكون، تقول لشيء: كن، فيكون)(3) كما قيل:

حكايت كنند از بزرگان دين *** حقيقت شناسان عين اليقين

كه صاحبدلى برپلنگى نشست *** همى را ندار هوار ومارى بدست

باو گفتم ايمرد راه خدا *** بدين ره كه رفتى مرا ره نما

چه كردى كه درنده رام توشد *** نگين سعادت بنام توشد

بكفت اربينگم زبون دست ومار *** وگربيل وگرگ هاست شگفتى مدار

تو هم گردن از حكم داود هيچ *** كه گردن به بچد زحكم تر هيچ

وقال المولوي:

بركه ترسيد از حق وتقوى گزيد *** ترسد ازوى چن داسن وهركه ويد

وفي الحديث القدسي أيضاً: (مَن تقرّب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، من أتاني مشياً أتيته هرولة)(4).

وكأن غاية التقرّب إليه تعالى هي الفناء في أسمائه وصفاته، وبعبارة اُخرى: الفناء في الحضرة الواحدية، وحينئذ يسري حكم المفني فيه في الفاني، ويبقى ببقائ لا بإبقائه كما في الموجودات اللايزالية، فإنّها باقية بإبقاء الله تعالى.

فهذه الغاية القصوى والبغية الكبرى حصلت لسيّد الأنبياء وخاتمهم، وسيّد الأوصياء والأولياء وخاتمهم، ولهذا قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (من رآني فقد رأى الحقّ)(5). وقال: (لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل)(6). وقال أميرالمومنين(عليه السلام): (معرفتي بالنورانية معرفة الله)(7).

وقال المولوي ـ حكاية عن نوح(عليه السلام) ـ :

گفت نوح اى سركشان من من نيم *** من زجان مردم بجانان ميزيم

چون بمردم از حواس ابو البشر *** حق مرا شد سمع و ادراك و بصر

چونكه من من نيستم ايندم زهواست *** پيش ايندم هركه دم زد كافر او است

(وأن توزعني شكرك)

الإيزاع: الإلهام، والجملة معطوفة على ما قبلها.

يريد: أ نّه بعدما أنعمتني وأعطيتني بالنعمة الّتي هي قُربك، أسألك أن تُلهمني شكرك; لأ نّه ـ كما مرّ ـ لكلّ نعمة شكر خاصّ يختصّ بها، وشكر تلك النعمة العظمى موقوف على إلهامه تعالى، ولعله نفس تلك النعمة، بناءً على الحديث القدسيّ الّذي قال تعالى: (مَن عشقنى عشقته، ومَن عشقته قتلته، ومَن قتلته فعليَّ ديته، ومَن عليَّ ديته فأنا ديته)(8) (من كان لله كان الله له)(9).

والشكر في اللغة: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعماً(10). وعند العلماء وفي اصطلاحهم: صرف العبد جميع ما أنعمه الله تعالى عليه فيما خُلق لأجله.

بيان أقسام الخواطر

والإلهام من فعل الله تعالى، أو مِن فعل الملك، وهو الخاطر الّذي بالقوّة والتسلّط وعدم الاندفاع; إذ الخواطر والواردات على القلب أربعة أقسام:

رباني: ويسمّى نقر الخاطر أيضاً.

وملكي: وهو الباعث على مندوب أو مفروض، ويسمّى إلهاماً.

ونفساني: وهو ما فيه حظّ للنفس، ويسمّى هاجساً.

وشيطاني: هو الباعث على مخالفة الحقّ والعقل، ويسمّى وسواساً.

وسيأتي زيادة توضيح لتلك الأقسام عند شرح: (ونفسي بخيانتها، ومِطالي) إن شاء الله تعالى.

وإن كان الإلهام فعل الملك فقط، كما قال به بعض المحققين، فإسناده إليه تعالى من باب إسناد الفعل إلى فاعله الحقيقي، وانقطاعه عن الفاعل المجازي الّذي هو في الحقيقة معدّ لا فاعل للشيء; إذ جميع الملائكة جهات قادريته تعالى، وجنوده وأياديه الفعّالة العمّالة، ومعطي الوجود ـ كما مرّ غير مرّة ـ ليس إلاّ هو، وقد أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى في مواضع كثيرة: منها قوله: (اللّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)(11) ومنها قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ)(12) (يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)(13) إلى غير ذلك.

(وأن تلهمني ذكرك)

المراد بالذكر هنا: ما يتذكّر به الإنسان من الأذكار والأوراد الّتي بها يستمد من الله تعالى ويطلب قضاء حاجاته منه، بل يستحضره في قلبه، حتى لا ينساه وينسى نفسه به، كما قال الله تعالى: (نَسُوا اللّهَ فَأنْسَاهُمْ أنْفُسَهُمْ)(14).

فالأهم الأقرب والأولى والأنسب أن يؤنس الإنسان نفسه بذكره تعالى في جميع أوقاته، وكان منظور نظره في جملة دعواته القربة إلى وجهه الكريم; ولذا قال سيد الساجدين زين العابدين(عليه السلام)، في المناجاة الثالثة عشر: (وآنسنا بالذكر الخفي، واستعملنا بالعمل الزكي)(15); حتى تنوّر بيت فؤاده بنور جماله، واستتر نقائصه الإمكانية تحت شعاع عظمته وجلاله.

فإذا جاوز عن دار الغرور وتوجّه إلى دار السرور استقرّ في الأنوار الخمسة، كما قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يزال المؤمن الّذي يذكر الله في كلّ حال في أنوار خمسة: مدخله نور،ومخرجه نور،وكلامه نور،وغذاؤه نور،ومنظره يوم القيامة إلى نور)(16).

فالذاكر ينبغي أن يلتفت إلى أن يكون في تذكاره تعالى عمدة غرضه نفس الذكر، ولا يدرج فيه مقاصد اُخر، وإن أدرج ولم يقض أوطاره المندرجة لا يعبأ به، فإنّه قال تعالى: (عَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ)(17). كما قال المولوي(رحمه الله):

آن يكى الله سيكفنى بشى *** تا كه شيرين گردد از ذكرش بى

گفت شيطان آخران بسسيار گو *** اينهمه الله را لبيك گو

مى نيايد يك جواب از پيش تخت *** چند الله سيزنى باردى سخت

او پريشان دل شدونهاد سر *** ديدر خواب او خضر را در خضر

گفت هين از ذكر چون وامانده *** چون پشيمانى از آن گش خوانده

گفت لبيكم نميايد جواب *** زان همى برستم كه باشم درباب

*** گفت او را كه گفت اين بمن *** كه بر وبا أو بگواى ممتحن

خود همان الله تو لبيك ما است *** وان نياز ودر دوسوزت لبيك ما است

حيله ها وجاره جونهاى تو *** جذب ها بود وگشودن پاى تو

از خدا غير خدا را خواستن *** اطن افزو نيسيت كلى كاستن

(اللّهمّ إنّي أسألك سؤال خاضع متذلّل خاشع أن تسامحني)

التذلل: المَسكنة والهوان والحقارة، من الذل ـ بالضم ـ ضد العزة.

الخضوع ـ كالخشوع ـ : الخوف والخشية.

فالمراد بالخضوع هنا: هو التطامن والتواضع، والخشية في القلب والأفعال.

وبالخشوع: التطامن والتواضع في الصوت والقول.

المسامحة: المساهلة، تسامحني: أي تساهلني ولا تأخذني بالشدّة والقهر.

وفي الدعاء أيضاً: (اللّهمّ تفضّل عليَّ بالمياسرة إذا حاسبتني المياسرة)(18).

مفاعلة من اليسر، والمراد: المسامحة في الحساب يوم القيامة.

(وترحمني وتجعلني بقسمك راضياً)

أي بقسمك الّذي قسمت لي من الأرزاق، والعلم والمعرفة، والعزّة أو الذلة، والصحّة أو المرض. وبالجملة، فجميعها بقدرته وحوله وتقديره وقضائه وقدره وعلمه ومشيئته وإمضائه.

قال الله تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَـيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ)(19) وقال: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)(20).

الرضا: ضد السخط والكراهة.

(قانعاً)

القانع: هو الّذي يقنع ويرضى بالقليل، ولا يسخط ولا يكره بقلّة المعيشة. وفي الصحاح: «القانع: الراضي بما معه وبما يعطى من غير سؤال»(21).

أقول: فضيلة القناعة في الأخبار كثيرة، كقوله(عليه السلام): (القانع غني وإن جاع وعرى، ومَن قنع استراح من أهل زمانه واستطال على أقرانه، ومَن قنع فقد اختار الغنى على الذل، والراحة على التعب) وقوله(عليه السلام) (القناعة كنز لا يفند)(22). ولعل عدم نفاده لأنّ الإنفاق منه لا ينقطع كلّما تعذر عليه شيء من اُمور الدنيا قنع القانع بما دونه ورضي به.

وقوله(عليه السلام): (عَزَ مَن قنع، وذلّ مَن طمع).

وقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): (إنّي طلبت الغنى فما وجدت إلاّ بالقناعة، عليكم بالقناعة تستغنوا، وطلبت القدر والمنزلة فما وجدت إلاّ بالعلم، تعلّموا يعظم قدركم في الدارين، وطلبت الكرامة فما وجدت إلاّ بالتقوى، اتقوا الله لتكرموا، وطلبت الراحة فما وجدت إلاّ بترك مخالطة الناس، اتركوا الدنيا ومخالطة الناس تستريحوا)(23).

أو غير ذلك من الأحاديث الّتي تدلّ على فضيلة القناعة.

وسرّها واضح; إذ من المعلوم أنّ من قنع بالقليل من الزاد في مسافرته إلى الله تعالى أمن من الكد والتكلّف والسعي في الطلب، ولا يوقع نفسه في متاعب الكسب ومصاعب الاُمور، ويتقي بوجهه سوء الاكتساب، حتى لا يقع في الشبهات والمحرّمات، ولهذا يصان دينه وإيمانه، وكان بمعزل من الصفات الخسيسة والسمات الخبيثة، ويقبل بجميع وجوهه إلى الله تعالى، ويجعل غاية عزيمته سرعة سيره من هذا الجسر; ليلتحق بالمفردين(24) يسلك في سلك المقرّبين أو في حزب أصحاب اليمين، وتبرّأ عن الانخراط في زمرة المكذّبين الضالين.

مع أنّ الإنسان العارف يعلم أنّ قسّام الأرزاق بجملتها هو الحكيم على الإطلاق، قد قدّر لكلّ فرد من أفراد الأناسي والحيوانات رزقاً معيّناً معلوماً، مقسوماً في أوقات خاصة، لا يقدّم ولا يؤخر طرفة عين.

بر سر هر لقمه بنوشته عيان *** كز فلان بن فلان بن فلان

بل لكلّ غصن من أغصان الأشجار والنباتات وأوراقها رزق معيّن مشخّص، مرزوقة به، لا ترتزق ورقة رزق الاُخرى، بل جميع العالم مرزوقة من الله تعالى من السموات والأرضين، كلّ برزق مخصوص يختصّ به، كما مرّ في أوائل هذا الشرح.

فإذا كان أزمّة الاُمور من الأرزاق وغيرها بيده تعالى، فلِمَ لا يرتضي العبد القانع بما تيسّر له من المعيشة، واغتم بأقسام الآخرين، وأخرج نفسه من سلسلة الصابرين والشاكرين؟! والحمد لله ربّ العالمين.

(وفي جميع الأحوال متواضعاً)

التواضع: التذلل، وفي الحديث: (ما تواضع أحد لأحد لله إلاّ رفعه).

فالعارف البصير، والمسترشد الخبير، الناظر بنور الله إلى وجهه الكريم، في كلّ حال من الأحوال لابدّ أن يكون متواضعاً عند الجميع في جميع الأحوال; لأ نّه لا يرى شيئاً إلاّ وقد يرى الله فيه أو معه أو بعده، كما ورد عن أميرالمؤمنين(عليه السلام)(ما رأيت شيئاً إلاّ وقد رأيت الله قبله أو فيه أو معه) على تعدّد الرواية(25).

وكان تواضعه وخضوعه وخشوعه كلّه لله تعالى، بل الكامل المرشد إذا ذهل طرفة عين عن استبصار أنواره تعالى، وأحياناً توجّه إلى الغير بإسناد فعل من الأفعال أو موجود من الموجودات إلى غيره تعالى، ثمّ التفت إلى ذلك النظر، استغفره تعالى وأناب إليه، كما قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (ليغان على قلبي، وإنّي لأستغفر الله في كلّ يوم سبعين مرّة)(26).

سرمايه دولت اى برادر بگف ار *** وين عمر گرامى بخسارت بگذار

يعنى همه جابا همه كس در همه كار *** ميدار نهضة جشم دل جان يار

ثمّ إنّ هذه الجملة معطوفة على الجملة الّتي قبلها، أي (وتجعلني في جميع الأحوال متواضعاً).

(اللّهمّ وأسألك سؤال من اشتدّت فاقته)

(أسألك) معطوف على (أسألك) وتكرير لفظ الجلالة للالتذاذ، إذ ذكر الحبيب على الحبيب أحلى وألذّ من العسل المصفّى الّذي نهره في الجنّة موعود المتّقين، بل أهنأ وأمرأ من الخمر الّتي هي لذة للشاربين، كما قال الشاعر:

أعد ذكر نعمان لنا إنّ ذكره *** هو المسك ما كررته يتضوع(27)

الفاقة والخصاصة والإملاق والمسكنة والمتربة، جميعها بمعنىً واحد: هو الافتقار، يقال: فلان اشتدت فاقته، أي بلغت فاقته وحاجته في أمر إلى النهاية، بحيث لا يتصوّر فوقها حاجة وفاقة فيه; إذ للاحتياج مراتب مختلفة، بعضها في الشدّة واللزوم فوق بعض; لأنّ احتياج الإنسان إلى طعامه أشدّ وآكد من احتياجه إلى ملح طعامه، واحتياجه إلى الماء أشدّ من احتياجه إلى القصعة والكوزة، واحتياج الوجودات إلى مقوّمها وقيوّمها أشدُّ وآكد من احتياجها إلى نفسها.

ولذا قال الله تعالى: (يا مُوسى أنا بدّك اللازم)(28); لأ نّه تعالى مقوّم الجميع وقيوّمها، والوجودات كلّها روابط محضة وفقراء صرفة (يَا أيُّهَا النَّاسُ أنْتُمُ الفُقَرَاءُ إلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ)(29).

وربّما كانت الحاجة في شيء واحد ذات مراتب متفاوتة في الشدّة والضعف، كما إذا احتاج أحد في الليل إلى سراج أنار بيته المظلم ولم يمكنه، ثمّ يخطر بباله أن ينظر إلى كتاب في مسألة، فحينئذ يؤكد احتياجه إلى السراج، ثمّ يدخل سارق في بيته للسرقة، فاشتدت حاجته إلى السراج حينئذ، ثمّ يقصد السارق قتل صاحب البيت، فالحاجة إلى السراج حينئذ بلغت إلى النهاية، ولا يتصوّر فوقها حاجة فيه.

(وأنزل بك عند الشدائد حاجته)

(الشدائد): جمع «شديد» وهو الأمر الصعب. وتقديم الظرف لقصد الحصر، أي أنزل بك لا بغيرك، ولمراعاة السجع.

والجملة معطوفة على ما قبلها، يعني: (أسألك سؤال من اشتدت فاقته، وسؤال مَن أنزل بك عند الشدائد حاجته)، وذلك كمن حان أن تغرق سفينته وألقتها السوافن العاصفة في التهلكة، فكيف حال السفان والربّان حينئذ؟ فلابدّ أن يلتجئ بجميع مشاعره وقواه إلى الله تعالى، ويتضرّع إليه حتى ينجيه وسفينته من الغرق، وإذن لا يلتفت إلى نفسه، فضلا عن الالتفات إلى الغير.

أو كمن ظهرت أمارات الموت عليه، وكان في حالة الاحتضار والهلاكة، فكيف حاله مع الله تعالى؟ وإلى من يلتجئ هنالك؟ ومن هو يكشف السوء عنه غيره تعالى؟

فالعبد المؤمن الّذي استقرّ بين الخوف والرجاء ينبغي أن يكون في جميع الأوقات ملتجئاً إليه تعالى، كمن اشتدت فاقته، وأنزل به عند الشدائد حاجته.

 

(وعظم فيما عندك رغبته)

معطوفة على ما قبلها، كما مرّ.

الرغبة: تارةً تُستعمل مع «في»، وهي بمعنى: ميل النفس، كما هاهنا. وتارةً تُستعمل مع «عن»، وهي بمعنى: الزهد وعدم الميل، كما في قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ)(30) وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) (ومن رغب عن سنّتي فليس مني)(31). والهاء فيها لتأنيث المصدر.

وفي الحديث: (لا تجتمع الرغبة والرهبة في قلب إلاّ وجبت له الجنّة)(32).

والرغبة: هي السؤال والطلب من الله تعالى، والرهبة هي الخوف منه تعالى. والرغبة في الدعاء هي أن تستقبل ببطن كفيّك إلى السماء، وتستقبل بهما وجهك.

فاعلم أنّ جميع المتعاقبات في سلسلة الزمان من الجواهر والأعراض مجتمعات في وعاء الدهر، وجميع ما في الدهور الأربعة منطويات في السرمد، فجملة الموجودات ثابتة باقية بنحو كمالاتها عنده تعالى، كما قال: (مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللّهِ بَاق)(33).

فالطالب ينبغي أن يلتمس منه تعالى جميع حوائجه، وجملة مآربه ومطالبه ولو كان ملح طعامه وبلاغة كلامه، كما قيل:

كان السؤال للعبيد ديدنا *** طول الخطاب للحبيب استُحسنا

قال لموسى عني اسأل ملحكا *** وهكذا سلني شراك نعلكا

رفع اليدين كديةً ثمّ الحذا *** للوجه إيماءً للاستحيا خذا

(اللّهمّ عظم سلطانك)

انصرف عن المسألة والاستغفار إلى التوصيف; ايماءً إلى أ نّه في دعواته ومسألاته ليس مقصوده هو التكدّي والسؤال فقط، بل قصده الحقيقي هو طول المكالمة والمخاطبة مع الحبيب.

وفيه قد يلتفت إلى نفسه، فما يرى إلاّ الجرائم والآثام، فيطلب منه تعالى المغفرة والرحمة.

وقد يلتفت ويستغرق في أوصافه تعالى من الجمال والجلال واللطف والقهر، فيصفه ويعظّمه على حسب ما يمكنه من ذلك، وعلى قدر تجلّيه تعالى عليه، وإذا حضرته غاية الاستغراق والهيمان لا يقدر على التكلّم والمخاطبة، فكلّ لسانه وارتعش أركانه، وتزلزل فرائصه وعظامه.

ثمّ «السلطان» قد مرّ أ نّه «فُعلان» يُذكّر ويؤنث، وأ نّه بمعنى الحجّة والبرهان، والقوّة والغلبة. فهو تعالى عظيم حجّته وبرهانه، وشديدة قوّته وغلبته. وقد عرفت معاني الكلّ، تأويلاتها وتفسيراتها.

(وعلا مكانك)

أي ارتفع، يقال: فلان مُكّن عند السلطان، أي عظم وارتفع عنده. ومكانه تعالى عرشه بجميع إطلاقاته ومعانيه، إذ قد مرّ أنّ للعرش إطلاقات أربعاً: علمه المحيط، وفيضه المقدّس والعقل الأوّل، والفلك الأقصى.

وفي الأخبار: (أنّ قلب المؤمن عرش الرحمن)(34) كما قال المولوي:

گفت بيغمبر كه حق فرموداست *** من نگنجم هيچ در بالا وپست

در زمين وآسمان وعرش نيز *** اين يقين دان من نگنجم ايعزيز

در دل مؤمن بگنجيم همچو ضيف *** بى زچون وبى چگونه بى زكيف

فالمؤمن الحقيقي الّذي ورد في حقّه أ نّه أعزّ من الكبريت الأحمر، إذا وسع قلبه بحيث اتّحد بأحد معاني العرش وانطبق عليه يصير عرش الله.

وفي الخبر أيضاً: (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلّبه كيف يشاء)(35).

مراتب الإيمان والمعرفة

وإنّما قلنا: المؤمن الموصوف بكذا صار قلبه كذا، إذ للإيمان مراتب أربعة: من الإيمان التقليدي، والإيمان البرهاني، والعياني، والتحقّقي الّذي هو حقّ الإيمان وحقيقته، وأخير درجاته ونهاية مقاماته.

نقل كلام المحقّق الطوسي في مراتب المعرفة

قال سلطان الحكماء: «اعلم أنّ مراتب المعرفة مثل مراتب النار مثلا، وأنّ أدناها مَن سمع أنّ في الوجود شيئاً يعدم كلّ شيء يلاقيه، ويظهر أثره في كلّ شيء يحاذيه، ويسمّى ذلك الموجود ناراً. ونظير هذه المرتبة في معرفة الله تعالى معرفة المقلّدين الّذين صدّقوا بالدين من غير وقوف على الحجج والبراهين.

وأعلى منها مرتبة، من وصل إليه دخان النار، وعلم أ نّه لابدّ له من مؤثر، فحكم بذات لها أثر هو الدخان. ونظير هذه المرتبة في معرفة الله معرفة أهل النظر والاستدلال الّذين حكموا بالبراهين القاطعة على وجود الصانع.

وأعلى منها مرتبة، من أحسّ بحرارة النار بسبب مجاورتها، وشاهد الموجودات بنورها، وانتفع بذلك الأثر. ونظير هذه المرتبة في معرفة الله تعالى معرفة المؤمنين المخلصين الّذين اطمأنت قلوبهم بالله، وتيقّنوا أنّ الله نور السموات والأرض كما وصف به نفسه.

وأعلى منها مرتبة، من احترق بالنار بكلّيته وتلاشى فيها بجملته. ونظير هذه المرتبة في معرفة الله تعالى معرفة أهل الشهود والفناء في الله، وهي الدرجة العليا والمرتبة القصوى. رزقنا الله الوصول إليها والوقوف عليها، بمنّه وكرمه»(36). انتهى كلامه.

أقول: في كلام سيّد الشهداء(عليه السلام): (اعرفوا الله بالله)(37). معناه: أ نّه تارةً يعرف تعالى بأقواله، وتارةً يعرف بآثاره وأفعاله، وتارةً يعرف بصفاته، أي بالاتصاف بها، وتارةً يعرف بذاته المحيطة. وتلك المعارف بعضها فوق بعض، وهذا بعينه مقصوده من تطبيق مراتب المعرفة بمعرفة النار ومراتبها.

فإن قلت: إنّك قد قصرت الإيمان الحقيقي وحقّ الإيمان بالمرتبة الرابعة، وقلت: إنّها نهاية درجاته وغاية مراتبه، فما تقول في إيمانه تعالى بنفسه، وأحد أسمائه هو (المؤمن)؟

قلنا: قد عرفت أنّ الإيمان التحقيقي لا يتيسّر إلاّ للمخلصين الّذين أفنوا أنفسهم في الله وبقوا به، فإذا حصل ذلك المقام لأحد ارتفعت الاثنينية من البين، ويسري حكم المفنى فيه في الفاني، كما قال أميرالمؤمنين(عليه السلام): (إنّ لله لأوليائه شراباً إذا شربوا طربوا، وإذا طربوا سكروا، وإذا سكروا طابوا، وإذا طابوا ذابوا، وإذا ذابوا خلصوا، وإذا خلصوا تخلّصوا، وإذا تخلّصوا طلبوا، وإذا طلبوا وجدوا، وإذا وجدوا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، وإذا اتصلوا لا فرق بينهم وبين حبيبهم)(38).

(وخفي مكرك)

الخفية: الاستتار، خفي مكره: أي استتر.

المكر من الخَلق: خدعة وخبّ، ومن الله: مجازاة، كما قال الله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ )(39).

بيان ما قيل في معنى المكر والتردّد من الله تعالى

وقيل: مكره تعالى: استدراج العبد الماكر من حيث لا يعلم.

وقيل: مكره: إرداف النعم مع المخالفة، وإبقاء الحال مع سوء الأدب، وإظهار خوارق العادات الّتي من قبيل الاستدراجات(40).

وقيل: إنّ المكر والغضب والحياء والخدعة والتردّد وسائر صفات المخلوقين إذا اُسندت إليه تعالى يراد منها الغايات لا المبادئ، مثلا قوله تعالى في الحديث القدسي: (ما تردّدت في شيء أنا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن، إنّني لاُحبُّ لقاءه، ويكره الموت فأصرفه عنه)(41).

فالمراد من معنى التردد في هذا الحديث: إزالة كراهة الموت عنه، وهذه الحالة تقدّمها أحوال كثيرة من مرض وهرم وزمانة وفاقة وشدّة بلاء، تهوّن على العبد مفارقة الدنيا، ويقطع عنها علاقته، حتى إذا يئس منها تحقّق رجاؤه بما عند الله، فاشتاق إلى دار الكرامة، فأخذ المؤمن عمّا تشبّث به من أسباب الدنيا وحبّها شيئاً فشيئاً بالأسباب المذكورة، مضاهي فعل التردد من حيث الصفة، فعبّر تعالى به.

(وظهر أمرك)

بيان معنى الأمر التكويني والأمر التشريعي

أمره التكويني: هو كلمة «كُن» الوجودية الّتي جميع الأشياء ظاهرة بها، وهي ظاهرة بذاتها لا لذاتها، بل لعلّتها الّتي هي ذات الله العليا.

وأمره التشريعي والتكليفي: هو ما جاء به الأنبياء من الأوامر والنواهي الّتي ظهورها بواسطة مظاهره تعالى، من الأنبياء والأولياء، وهو أيضاً ظاهر غاية الظهور. وقوله تعالى: (وَمَا أمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ)(42) أي ما أمرنا إلاّ كلمة واحدة، وهي كلمة «كن» الّتي هي وجود جميع الموجودات، كما مرّ غير مرة.

وأمر الله الّذي قال في القرآن (أتَى أمْرُ اللّهِ)(43) القيامة، وقال الله تعالى: (وَمَا أمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ)(44) أي ما أمر حشر الجميع إلاّ في طرفة عين، وفيه إظهار القدرة التامّة الكاملة، ردعاً ومنعاً للجاهلين.

(وغلب قهرك)

القهر: الغلبة، وقهره تعالى: تسخير الكلّ ومسخّرية الجميع تحت سطوع نوره تعالى (وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)(45). وفي الدعاء: (الحمد لله الّذي علا فقهر)(46) أي علا على جميع الموجودات، فقهر الكلّ بعلوّه تعالى عليها.

(وجرت قدرتك)

بيان ما قيل في معنى قدرته

القدرة عند المتكلمين(47): صحّة صدور الفعل والترك، وعند الحكماء هذا التعريف مخصوص بقدرة الحيوان، إذ الصحة إمكان، والإمكان ذاتياً كان أو وقوعياً لا يليق بجناب الواجب الوجود بالذات الّذي هو واجب الوجود من جميع الجهات، بل هم قالوا في تعريف القدرة: كون الفاعل بحيث إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل، ولكنّه تعالى شاء وفعل، وصدق الشرطية ـ كما قرّر في محلها ـ لا ينافي وجوب المقدّم ولا امتناعه، فإنّها تتألف من صادقين ومن كاذبين، ومن صادق وكاذب.

فالمعتبر في القدرة ـ كما قالوا ـ مقارنة الفعل للعلم والمشيئة، ولا يعتبر حدوث الفعل فيها ولا ينافي دوامه معها. وقدم العالم باطل، وحدوثه واقع بدليل آخر; لأنّ القدرة استدعت ذلك، فإنّ العقول كلّها صادرة عن الله تعالى بالقدرة والاختيار، مع أ نّها دائمة بدوام الله.

وبالجملة، فقدرته تعالى في مقام ذاته عين ذاته، وذاته كلّها قدرة واختيار وإرادة وعلم ومشيئة. وفي مقام فعله أيضاً عين فعله; إذ كما أ نّه فعل الله كذلك هو قدرة الله. وفي العقول: جواهر مفارقة عن المواد، ذاتاً وفعلا; لأ نّها فيها نفس وجوداتها. وفينا: القدرة كيفية نفسانية. فجرت قدرته تعالى بإخراج الممكنات من الليس إلى الأيس، واكتساء المواد بألبسة الصور، ونفخ الأرواح في الأبدان، وإماتة النفوس، وإحياء الموتى، وإيصال النفوس إلى الغايات في الاستكمال، وأرزاق الخلائق، وإعطاء المسألات، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب. وبالجملة:

كمترين كارش بود هر روز آن *** كوسه لشكر ميكند آنسوروان

لشكرى از اصلاب سوى امرت است *** بهرآن تا در رحم رديد نبات

لشكرى از ارحام سوى خاكدان *** تازنر وماده پرگردر جهان

لشكرى از خاك آن سوى أجل *** تا به بيند هر كسى حسن عمل

(ولا يمكن الفرار من حكومتك)

فكيف يمكن الفرار من حكومته تعالى، وهو ذاته محيطة وفعله محيط بجميع الأشياء، وقدرته جارية على الكلّ ولا يمتنع معها شيء، وحكمه نافذ في أعماق الموجودات وآخذٌ بناصيتها، وهي وجودات الأشياء؟ إذ كما عرفت مراراً وجود الكلّ منه تعالى وبه وإليه، كما قيل:

ظهور تو بمن است *** ووجود من از تو

فلست تظهر لولاي *** إن لم أكن لولاك

نقل كلام أفلاطون الإلهي

ومن أثار أفلاطون الإلهي أ نّه قال: «العالم كرة، والأرض نقطة، والأفلاك قسي، والحوادث سهام، والإنسان هدف، والرامي هو الله، فأين المفرّ؟». روي أ نّه قيل هذه الكلمات في حضور عليّ(عليه السلام)، قال: (ففرّوا إلى الله)(48).

غير از تو پناه ومجدم نيست *** هم در تو گريز هم از گريزم

أقول: استفهام أفلاطون من التابعين ليس من باب الغفلة وعدم الاستشعار بذلك، كيف وأ نّه كما ورد في حقه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (كان نبياً جهله قومه)، وأ نّه صدر حكماء الإشراق جميعاً؟! بل من باب الامتحان والاستخبار عن مريديه، ليعلم أنّهم ماذا يقولون في جوابه؟!

(اللّهمّ لا أجد لذنوبي غافراً ولا لقبائحي ساتراً)

أي ولا أجد لأفعالي وصفاتي القبيحة ساتراً.

القبائح: جمع «قبيحة» كمدائح: جمع «مديحة».

روي عن الصادق(عليه السلام) أ نّه قال: (ما من مؤمن إلاّ وله مثال في العرش، فإذا اشتغل بالركوع والسجود فعل مثاله مثل ذلك، فعند ذلك تراه الملائكة، فيصلون عليه ويستغفرون له، وإذا اشتغل بالمعصية أرخى الله على مثاله ستراً، لئلا يطلع عليها الملائكة)(49).

ومن أسمائه تعالى، كما في الدعاء: (يامن أظهر الجميل وستر القبيح)(50).

أقول: ومعنى رؤية الملائكة حسنات المؤمنين وعدم رؤيتهم سيئاتهم ـ كما قيل(51) ـ أنّهم يرون الأشياء باعتبار جهاتها النورية، وبعبارة اُخرى: باعتبار وجوهها إلى الله الحسنة، لا باعتبار وجوهها إلى أنفسها القبيحة; لاستغراق الملائكة في مشاهدة جمال الله وجلاله.

وروي عن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليهما السلام): أ نّه جاء رجل، وقال: أنا رجل عاص ولا أصبر عن المعصية، فعظني بموعظة، فقال(عليه السلام): (افعل خمسة أشياء وأذنب ما شئت، فأول ذلك: لا تأكلّ من رزق الله وأذنب ما شئت، والثاني: اخرج من ولاية الله وأذنب ما شئت، والثالث: اطلب موضعاً لا يراك الله وأذنب ما شئت، والرابع: إذا جاء ملك الموت لقبض روحك فادفعه عن نفسك وأذنب ما شئت، والخامس: إذا أدخلك مالك في النار فلا تدخل في النار، وأذنب ما شئت)(52) انتهى.

(ولا لشيء من عملي القبيح بالحسن مبدّلا غيرك)

القبيح والقبيحة: خلاف الحسن والحسنة، وهو تعالى مبدّل السيئات بالحسنات.

ومن أسمائه: (يا مبدّل) كما يبدّل الأرض غير الأرض، ويبدّل وجودات الأبدال إلى وجودات أنور وأقهر، ويبدّل الجماد إلى النبات، والنبات إلى الحيوان، والحيوان إلى الإنسان، ويبدّل الإنسان بالقوّة إلى الإنسان بالفعل، ويبدّل النطفة إلى العلقة، والعلقة إلى المضغة، والمضغة إلى الجنين، وهكذا.

وبالجملة، هو تعالى مبدّل جميع ما بالقوى إلى الفعليات، والسيئات إلى الحسنات.

(لا إله إلاّ أنت)

أي لا معبود إلاّ أنت; إذ لكلّ موجود نصيب من المعبودية، من حيث الاحتياج إليه في نظام العالم، وإن كان معبوديته أيضاً باعتبار وجه الله الّذي هو في كلّ شيء. وفي الحقيقة ليس سوى ذاته ووجهه تعالى مألوه، وموصوف بأ نّه محتاج إليه، كما قال المولوي(رحمه الله):

هر چه در چشم جهان نكوست *** عكس حسن وپر تو احسان اواست

گر بر آن احسان وحسن ايحق شاسن *** از تو روزى در وجود آيدسپاس

در حقيقت آن سپاس او بود *** نام اين وآن لباس انو بود

ديده خواهم كه باشد شد سناس *** تا شناسه شاه را در هر سپاس

ومن أسمائه (يامن لا يعبد إلاّ إياه)(53).

والحال أنّ المعبودات الباطلة كثيرة: من الأصنام والأحجار والأشجار، والكواكب والنيران، والصور والطيور، حتى الكلاب والقطط، والدراهم والدنانير، والنساء والبنات والبنين، والخيول والبغال والحمير. وبالجملة، أكثر الأشياء أو جميعها بوجه.

فمعنى هذا الاسم الشريف: أ نّه وإن عبد القاصرون والكافرون كلّ معبوداً خاصاً، بزعمهم الباطل واعتقادهم الكاسد الراجل، ولكن في الحقيقة ما عبدوا إلاّ وجهه الكريم، وفيضه القديم العميم، الّذي أشار إليه في القرآن الكريم:

(فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(54). وما خلا وجهه تعالى داثر زائل وفاسد باطل.

كلّ شيء ما خلا الله باطل *** إنّ فضل الله غيم هاطل

وقال لبيد:

ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل *** وكلّ نعيم لا محالة زائل(55)

ولذا قال الله تعالى: (ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَـنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)(56).

أي أمعنوا أنظاركم حتى تعرفوني أولا، ثمّ اعبدوني، ولا توقعوا أنفسكم بسبب عدم معرفتي في عبادة الشياطين ( إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).

فالعارف الناقد البصير وإن احتاج إلى الأشياء ما دام في هذا العالم، ولكنّه يعلم أنّ المحتاج إليه في الجميع وللجميع واحد. ونِعَم ما قيل:

عارف حق سناس را بايد *** كه به سوكه ديده بگشايد

در حوائج خداى را بيند *** جز شهود خداى نگزيند

بل هو يعلم أيضاً أ نّه في وجوده وصفاته وحوله وقوّته يفتقر إليه تعالى، وهو عبده الّذي لا يملك شيئاً من الوجود وتوابعه، العبد وما في يده كان لمولاه.

(سبحانك وبحمدك)

سبحان: مصدر غير متصرّف، لازم الإضافة، ومعناه: اُسبّحك واُنزّهك تسبيحاً وتنزيهاً، والحال أنّ ذلك التسبيح مقترن بحمدك.

والأولى ـ كما قال بعض المحقّقين ـ : (أن يكون الباء في (بحمدك) للسببية، ويكون الحمد مصدراً مضافاً إلى الفاعل، وكان المفعول محذوفاً أو بالعكس. والمعنى حينئذ: والحال أنّ ذلك التسبيح بسبب حمدك نفسك، يعني: تسبيحي بحولك وقوّتك، ومقهور تحت تسبيحك لنفسك، وحمدي مبهور تحت حمدك إياك، كما قال سيّد الكائنات(صلى الله عليه وآله وسلم): (لا اُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)(57).

كيف وحمدنا وتسبيحنا وثناؤنا لك عارية ووديعة لدينا؟ ولابدّ يوماً أن ترد الودائع.

والتسبيح يرجع إلى الحمد، والحمد يرجع إلى التسبيح، كقوله تعالى: (إنْ مِنْ شَيْء إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)(58) يعني: يسبّح بتسبيحه تعالى لنفسه.

ثمّ إنّ السائل نزّهه تعالى بعد التشبيه، كأ نّه أشار إلى طريقة الموحّدين، وهي الجمع بين صفتي التشبيه والتنزيه، كما في قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)(59).

وفي هذا الباب أحاديث كثيرة جمعوا(عليهم السلام) فيها بين صفتي التشبيه والتنزيه:

منها: ما روي عن الإمام الهمام موسى بن جعفر(عليهما السلام)، أ نّه قال: (إنّ الله تبارك وتعالى لم يزل بلا زمان ولا مكان، وهو الآن كما كان، لا يخلو منه مكان، ولا يشغل به مكان، ولا يحل في مكان، (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَة إلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَة إلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أكْثَرَ إلا هُوَ مَعَهُمْ أيْنَ مَا كَانُوا) ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه، احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال)(60).

ومنها: ما قال أميرالمؤمنين(عليه السلام) في بعض خطبه: (مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة)(61).

وقال في البعض الآخر: (لا تقدّره الأوهام بالحدود والحركات، ولا بالجوارح والأدوات، لا يقال له: متى، ولا يضرب له أمد بحتى، لم يقرب من الأشياء بالتصاق، ولم يبعد عنها بافتراق، تعالى عما ينتحله المحددون من صفات الأقدار ونهايات الأقطار، وتأثل المساكن وتمكن الأماكن، فالحد لخلقه مضروب، وإلى غيره منسوب)(62).

إلى غير ذلك ممّا جمعوا(عليهم السلام) التشبيه والتنزيه في كلماتهم، من الخطب الجليلة والأدعية الرفيعة الجميلة، وليس لهذا المختصر وسع أكثر ممّا ذكر.

ومن كلمات بعض العارفين، قال: «عرفت الله بجمعه بين الأضداد، كالجمع بين الخفاء والظهور»(63) كما في الدعاء: (يامَن خفي من فرط ظهوره، واستتر بشعاع نوره).

والجمع بين القرب والبعد كما فيه أيضاً (يامن بعُد فلا يُرى، وقرب فشهِد النجوى)(64) وبين العلو والدنو: (يامَن علا في دنوه، يامن دنا في علوه)(65). والجمع بين الدخول في الأشياء والخروج عنها، كما في قوله(عليه السلام): (داخل في الأشياء لا بالممازجة، وخارج عن الأشياء لا بالمزايلة) وغير ذلك.

(ظلمت نفسي)

بتركها في اتباع الشهوات، ومشايعة وساوس الشيطان، والخروج عن قيود طاعة الرحمن، إلى أن فاتها الوصول إلى كمالاتها البالغة، والعروج إلى مقاماتها الشامخة الفائقة.

ثمّ إنّ للنفس معاني وإطلاقات، سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.

(وتجرأت بجهلي)

وعدم علمي بعواقب الاُمور.

اُلام على لوٍّ وإن كنت عالماً *** بأذناب لوٍّ لم تفتني أوائله(66)

التجري: من الجرأة، وهي عبارة عن سرعة الوقوع في الأمر من غير تدبّر ورويّة، والباء للسببية، أي تجرأت وأسرعت إلى مشتهيات نفسي، بسبب جهلي وعدم عرفاني بعواقبها، كما قال الشاعر:

ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم *** وأسمت سرح اللحظ حيث أساموا

وبلغتُ ما بلغ امرؤٌ بشبابه *** فإذا عصارة كلّ ذاك أثام(67)

بيان الجهل البسيط والمركّب

ثمّ إن الجهل بسيط ومركّب:

الأوّل: عبارة عن عدم العلم.

والثاني: عبارة عن عدم العلم بعدم العلم.

على قياس علمي البسيط والتركيبي يقال: فلان جاهل بالجهل البسيط، أي لا يعلم شيئاً، وبالجهل التركيبي، أي لا يعلم أ نّه لا يعلم.

ثمّ إنّ الجهل بقسميه كان من الخبائث المعنوية، بل اُمُّ الخبائث وأصلها، وإن شئت أن تعرف العقل والجهل وجنودهما فعليك بالنظر في كتاب اُصول الكافي(68).

وقد عدّه علماء علم تهذيب الأخلاق من النجاسات العشرة الّتي ثمانية منها هي: التهوّر والجبن، اللذان هما طرفا الشجاعة من الإفراط والتفريط.

والشره والخمود اللذان هما طرفا العفّة من إفراطها وتفريطها.

والتقتير والتبذير اللذان هما طرفا السخاوة إفراطها وتفريطها.

والجربزة والبلاهة اللتان هما طرفا الحكمة إفراطها وتفريطها.

وتلك الأربعة ـ أعني الشجاعة والسخاوة والحكمة والعفّة ـ أركان العدالة الّتي هي الصراط المستقيم، الّذي هو أحدُّ من السيف وأدقُّ من الشعر. والجميع مأمور بالتجاوز عنه.

ايدل از چشمه حكمت بكف أو رجايى *** بو كه از لوح دلت نقش جهالت برود

(وسكنت إلى قديم ذكرك لي ومنك عليَّ)

المنّ: العطاء.

أراد السائل: أ نّني وقفت على قديم ذكرك الّذي ذكرتك به في سالف الزمان، يعني أوائل عمري وعنفوان شبابي، الّذي هو زمان الغرور والغفلة في الأغلب. ووقفت على العطية الّتي أعطيتني بها في الأزمنة السابقة.

أراد بها: التوفيق لتحصيل معارفه تعالى، وما اجتهدت حقّ الاجتهاد في معرفة صفاتك وأفعالك وحقيقة أوامرك ونواهيك، وما ساعدني التوفيق إلى الوصول إلى ذروة شهود جمالك وجلالك، والوفود على فناء جنابك، والقعود في عتبة بابك.

ومقصوده: أ نّه ما حصل لي الترقّي إلى المقامات الّتي يبلغها أهل الحقيقة بعد البرهان، بموهبة التخلّق والعيان والفناء، الّذي هو قرّة عين أهل السلوك والعرفان، بحول الله الملك المنّان.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن تساوى يوماه فهو مغبون)(69). وفي رواية: (مَن اعتدل يوماه فهو مغبون)(70).

وفي حديث آخر قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (سيروا فقد سبق المفردون)(71).

والمقصود: الحثّ والإغراء على الفورية، كما قال الله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ)(72) (وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَة)(73) فإنّ الأنفاس بيد قدرة الله تعالى، فلعل الإنسان قبض في الآن وحرم من أداء التكليف، ففاتته الغبطة العظمى، وغبن الغبن الأفحش.

ولذا قال المولوي:

صوفى ابن الوقت باشد ابرفيق *** نيست فردا گفتن از شرط طريق

هين مگو فردا كه فرداها كذشت *** تا بكلّى نگذرد أيّام گشت

پند من بشنو كه تن بند قويست *** كهنه بيرون كن گرت ميل نُويست

بُخل تن بگذار وپيش او رسخا *** لب ببند وكفّ پُر زربر گُشا

ترك لذّتها وشهوتها سخااست *** هركه در شهوت فروشد برنخواست

اين سخا شاخى است از سر وبهشت *** واى ان كزكف چنين بشاخى بهشت

والسالك إلى الله تعالى كان ابن الوقت لا يضيع آناً، والوقت أمضى من سيف صارم، وأقضى من نار تضطرم.

فآنٌ مضى أمسٌ وآنُ يأتي غداً *** وآنُ بينهما يوم حاضر

* * *

ما فات ماض وما سيأتيك فائتٌ *** قُم فاغتنم للوقت بين العدمين

والمراد باليوم في الحديث يحتمل أن يكون الآن، كما قلنا، ولعله هو الأنسب.

ويحتمل أن يكون اليوم المعروف الّذي هو عبارة عن قطع الشمس بحركة الأطلس نصف الدورة.

والمراد بالآن هو الآن العُرفي، لا الآن الحقيقي; لأ نّه لا تحقّق له، فإنّ الزمان، عابره وغابره متّصل واحد لا مفصل فيه.

وبالجملة، يقول السائل: أيام عمري وأوقات شبابي معتدلة متساوية، فقد مضت جميعها بالتعطيل والغفلات، وسكنت إلى قديم ذكري وحمدي القولي لله واهب العطيات والمسألات، ولم أتخط إلى التخلق والتحقّق الّذي هو غاية القربات ونهاية الكمالات.

(اللّهمّ مولاي كم من قبيح سترته وكم من فادح من البلاء أقلته)

قد جاء «مولى» لمعان كثيرة، منها: السيّد، والناصر، والنصير. والأنسب هاهنا هو الأوّل.

وكلمة (كم) خبرية في الموضعين وهي اسم ناقص مبهم مبني على السكون وله موضعان: الاستفهام، والخبر. تقول إذا استفهمت: كم رجلا عندك؟ بنصب ما بعده على التمييز، وإذا أخبرت تقول: كم درهم أنفقت؟ تريد التكثير.

ويخفض ما بعده كما يخفض بـ «رُبّ» إلاّ إنّه للتكثير و «ربّ» للتقليل. وإن شئت نصبت.

الفادح: الأمر الّذي يثقل، والجمع: الفوادح.

الإقالة ـ هنا ـ بمعنى: العفو والترك والمسامحة، وفي الحديث: (مَن أقال نادماً أقاله الله من نار جهنم).

ومنه: (أقاله الله عثرته)(74) أي خطيئته.

ومنه قول الشاعر:

فقلت يقال المستجير بأرضكم *** إذا ما جنى ذنباً فقال يقال

أوله هذا:

أقول لظبي مر بي وهو راتع *** أأنت أخو ليلى فقال يقال

فقلت أفي ظل الأراكة بالحمى *** يقال ويستظلل فقال يقال

الأوّل من «القول» مضارع مجهول، والثاني من «الإقالة» بمعنى: الاستراحة والنوم في منتصف النهار، والثالث أيضاً من «الاقالة» بمعنى: المسامحة والعفو والمغفرة.

فقول السائل: (كم من قبيح) أي كم من فعل قبيح صدر عني في خلواتي وجلواتي سترتها بذيل عفوك ورحمتك، وكم من أمر فادح من البلاء والابتلاء الّذي أثقلني وأتعبني حمله، أنت تجاوزت وكشفته عني بفضلك ورأفتك.

(وكم من عثار وقيته، وكم من مكروه دفعته، وكم من ثناء جميل لست أهلا له نشرته)

كلمة (كم) في جميع هذه المواضع خبريّة، قد مرّ معناها.

العِثار ـ بالكسر ـ : من «عثر، يعثر» ـ من باب «ضرب» و «نصر» و «علم» و «كرم» ـ عثراً وعثاراً: إذا كبا، وهو الكبو، أو القريب منه.

والعثرة ـ بالفتح ـ : الخطيئة، ومن أسمائه تعالى: (يا مقيل العثرات).

الوقاية: الحفظ (وقاه الله شر ذلك اليوم): أي حفظه من ذلك.

الثناء ـ بالمدّ ـ : المدح والذكر الحسن، ويستعمل في الأغلب مع الجميل، وهو خلاف القبيح.

المكروه في الأحكام الخمسة: هو ما كره الله فعله، وفي اللغة: ما تنفّر الطبع عنه ولو في الجملة، وهو هنا أعم ممّا كره الله تعالى فعله وممّا تنفر الطباع عنه، من المرض والألم وسوء الحال.

النشر: التفرّق والاشتهار.

يقول السائل في مقام إظهار مراحمه تعالى وعواطفه: كم من مَزالّ الأقدام يكاد أن تزل فيها قدمي وأكبّ على وجهي، وقيتني وأمسكتني عن الكبوة بفضلك، وكم من مكاره الاُمور اعترتني في الأحوال، دفعتها ورفعتها عنّي بكرمك، وكم من مدائح وأوصاف حسنة جميلة، ما كنت أهلا ومستحقاً لانتسابها إليَّ، أضفتها إليَّ بمنّك وكرمك ولطفك، ونشرتها بين عبادك، والحال أ نّه إليك يرجع عواقب الثناءات والمحامد والمدائح كلّها، كما في الدعاء: (وإليك يرجع عواقب الثناء) بل عواقب الاُمور جميعاً (ألا إلَى اللّهِ تَصِيرُ الاُمُورُ)(75).

وقال صدر المتألّهين(قدس سره) في نبراسه في الفقه شعراً:

محامد من أي حامد بدت *** ظاهرها لأي محمود ثبت

ففي الحقيقة إليه آئل *** إذ لله فواضل فضائل

فالحمد كلّ الحمد مخصوص به *** بل كلّ حامدية بحوله

***

(اللّهمّ عظم بلائي، وأفرط بي سوء حالي، وقصرت بي أعمالي، وقعدت بي أغلالي)

البلاء: الغمّ.

الإفراط: تكثير الشيء بحيث يتجاوز عن حدّه، ضد التفريط وهو التقصير عن الحدّ. ولا يخفى ما في الإفراط والقصور من الطباق الّذي هو من المحسنّات البديعية.

أغلال: جمع «غلّ» وهو الحديدة الّتي تجمع يد الأسير إلى عنقه، وهنا كناية عن القيود والعلائق، الّتي هي في الثقل والمنع كالأغلال، كما قال الله تعالى: (فِي أعْنَاقِهِمْ أغْلالا)(76) وقوله: (وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ )(77).

فقوله: (قعدت بي أغلالي) أي حبستني ومنعتني عن المجاهدة والسلوك في سبيل الطاعات والعبادات ومحاسبة النفس، كما ورد: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا)(78) وإماتتها، كما قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (موتوا قبل أن تموتوا)(79).

ثمّ الأغلال والأعمال كلاهما فاعلان، لقوله: (قصرت... وقعدت) ويرجعان إلى معنىً واحد، إذا أراد أنّ أعمالي القبيحة وأفعالي الشنيعة قصرت بي، وصارت سبباً لقصوري عن درك المقامات ونيل السعادات واستضعاف الدرجات، كما أنّ قيودي وعلائقي الّتي هي كالأغلال حبستني عن الوصول إليها.

(وحبسني عن نفعي بعد أمالي، وخدعتني الدنيا بغرورها)

حبسني: أي وقفني ومنعني.

الآمال: جمع (الأمل) وهو الرجاء، ضد اليأس.

وفي الحديث: (طول الأمل ينسي الآخرة)(80).

يريد أنّ طول آمالي في أسباب الدنيا وحبّها منعني عن منافعي الّتي هي ما تيسر بها لذائذ الآخرة، من لقائه تعالى والوصول إلى الجنات الثلاث، من جنّة الذات، وجنّة الصفات، وجنّة الأفعال، الّتي وعد المتّقون بها، كما قال الله تعالى: (مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُـتَّـقُونَ فِيهَا أنْهَارٌ مِنْ مَاء غَيْرِ آسِن وَأنْهَارٌ مِنْ لَبَن لَمْ يَـتَغَيَّـرْ طَعْمُهُ وَأنْهَارٌ مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ)(81).

قال المولوي(رحمه الله) في المثنوي:

چون ركوعى با سجودى مرد گشت *** شد سجود او در آنعالم بهشت

چون زدستت رفت ايثار زكاة *** كشت دين دست آنطرف نخل ونبات

چونكه پريد ازدهانت حمد حق *** مرغ جنت ساحتش ربّ الفلق

آب صبرت جوى آب خلدشد *** جوى شير خلد مهر تست دور

آن حلاوتها جوى انگسبين *** ست وذوق توجوى خمسه بين

فهذه الأبيات والآيات والأخبار الكثيرة في هذا الباب، والدعوات المأثورة عن أهل البيت(عليهم السلام)، تدلّ على تجسّم الأعمال الّذي أطبق عليه الإمامية والحكماء والمحقّقون من أهل الكلام، ولسنا الآن في ذلك المقام.

الخدعة: المكر والاحتيال، ويجيء بمعنى الفساد، كما هو المتعارف عند العرب.

وفي الحديث: سئل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): فيما النجاة غداً؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (النجاة أن لا تخادعوا الله فيخدكم، فإنّه من يخادع الله يخدعه). فقيل له: فكيف يخادع الله؟ قال: (يعمل ما أمر به الله ثمّ يريد به غيره، فاتقوا الرياء، فإنّه شرك بالله، إنّ المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر يا فاجر يا غادر يا خاسر، حبط عملك وبطل أجرك، ولا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له)(82).

وفيه أيضاً: (هيهات، لا يخدع الله عن جنّته)(83).

الغرور: تسويل الباطل وتزيينه، وإسناد الخداع إلى الدنيا ليس بالحقيقة، بل على سبيل المجاز في الإسناد، كما يقول الجاهل: أنبت الربيع البقل، إنّما الدنيا وأسبابها أسباب الخداع وآلاته، وشبكات الفخ وأدواته وحبائله، فإنّ فاعل التسويل والخدع إمّا النفس، كما قال الله تعالى: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أنفُسُكُمْ)(84) .وإمّا الشيطان وجنوده.

كما أنّ النفس المسوّلة من جند الشيطان إن سوّلت الدنيا وأسبابها، ومن جند العقل إن سوّلت العقبى وطاعاتها وما يحصّل به الآخرة.

فلابدّ أولا من تعريف النفس، وتعريف أقسامها ومراتبها، ثمّ تعريف أفعالها وأحكامها، كما قال السائل:

الهوامش

(1) بحار الأنوار: 95/241 باختلاف.

(2) مجمع البحرين: 3/29.

(3) الجواهر السنية: 284 باختلاف.

(4) الأمالي للسيّد المرتضى: 2/6.

(5) صحيح البخاري: 6/2568 ح 6595.

(6) جامع الأسرار: 27 و205.

(7) شرح الأسماء: 623.

(8) اُنظر شرح الأسماء: 119 و394 و670.

(9) اُنظر المصدر السابق: 216 و357 و394.

(10) مجمع البحرين: 3/39 مادة «حمد».

(11) الزمر: 42.

(12) آل عمران: 6.

(13) النحل: 93.

(14) الحشر: 19.

(15) بحار الأنوار: 91/151.

(16) بحار الأنوار: 4/18 باختلاف.

(17) البقرة: 216.

(18) المصباح للكفعمي: 193، بحار الأنوار: 83/354.

(19) الزخرف: 32.

(20) الذاريات: 22.

(21) الصحاح: 3/1273.

(22) روضة الواعظين: 454.

(23) بحار الأنوار: 66/399 ح 91.

(24) كذا في المخطوط.

(25) اُنظر علم اليقين: 1/49.

(26) بحار الأنوار: 25/204.

(27) اُنظر تاج العروس: 5/436.

(28) اُنظر شرح الأسماء: 463.

(29) فاطر: 15.

(30) البقرة: 130.

(31) بحار الأنوار: 22/124 و67/116.

(32) الفقيه: 1/135 ح 632، وسائل الشيعة: 5/477 أبواب أفعال الصلاة ب 3 ح 3.

(33) النحل: 96.

(34) بحار الأنوار: 55/39.

(35) سنن ابن ماجة: 1/72 ح 199، بحار الأنوار: 67/39 ـ 40.

(36) عنه في مجمع البيان: 5/97.

(37) التوحيد: 286 ح 3.

(38) اُنظر شرح الأسماء: 534.

(39) آل عمران: 54.

(40) اُنظر شرح الأسماء: 220.

(41) الكافي: 2/246، بحار الأنوار: 64/65 - 66.

(42) القمر: 50.

(43) النحل: 1.

(44) النحل: 77.

(45) الأنعام: 18.

(46) بحار الأنوار: 73/192 و196.

(47) اُنظر الباب الحادي عشر ص 99.

(48) اُنظر شرح الأسماء: 415.

(49) اُنظر شرح الأسماء: 279 ـ 280.

(50) المصباح للكفعمي: 327.

(51) اُنظر شرح الأسماء: 280.

(52) بحار الأنوار: 75/126 ح 7.

(53) المصباح للكفعمي: 339.

(54) البقرة: 115.

(55) اُنظر مجمع البحرين: 3/140.

(56) يس: 60 و61.

(57) اُنظر شرح الأسماء: 563.

(58) الإسراء: 44.

(59) الشورى: 11.

(60) بحار الأنوار: 3/327 ح 27.

(61) نهج البلاغة: الخطبة 1.

(62) نهج البلاغة: الخطبة 306.

(63) القائل هو أبو سعيد الخراز على ما نُقل في الفتوحات المكية: 4/325.

(64) الإقبال لابن طاووس: 1/140.

(65) بحار الأنوار: 95/379 باختلاف.

(66) خزانة الأدب: 7/320.

(67) ديوان أبي نؤاس: 497.

(68) الكافي: 1/10 ـ 29.

(69) معاني الأخبار: 342 ح 3، وسائل الشيعة: 16/94 أبواب جهاد النفس ب 95 ح 5.

(70) الفقيه: 4/273، الأمالي للطوسي: 435 ح 4.

(71) سنن الترمذي: 5/577.

(72) البقرة: 148.

(73) آل عمران: 133.

(74) الكافي: 5/153 ح 16، وسائل الشيعة: 17/386 أبواب آداب التجارة ب 3 ح 2.

(75) الشورى: 53.

(76) يس: 8.

(77) الأعراف: 157.

(78) نهج البلاغة: الخطبة 90.

(79) اُنظر شرح الأسماء: 430.

(80) بحار الأنوار: 2/106 ح 2.

(81) محمّد: 15.

(82) بحار الأنوار: 81/227.

(83) نهج البلاغة: الخطبة 129، بحار الأنوار: 34/89.

(84) يوسف: 18 و83.