(ونفسي بخيانتها ومطالي)

تعريف النفس وبيان مراتبها الخمسة

اعلم أنّ النفس كما عرفها الحكماء(1): جوهر مجرد في ذاتها لا في فعلها، وأقوى دليل على تجرّدها تجرّد عارضها، كما قالوا: النفس مجرّدة لتجرّد عوارضها، وهي جسمانية الحدوث وروحانية البقاء; إذ البدن وآلاته وقواه المادّية الحالّة فيه مرتبة من مراتب النفس، وهو جسم وجسماني.

وأقصى مراتب النفس الّتي بها كينونتها السابقة وباطن ذاتها هو العقل الفعّال، ثمّ لها باعتبار صفاتها وشؤونها خمس مراتب، كما أخبر عنها القرآن الكريم:

النفس الأمّارة

الاُولى: الأمّارة، وهي الّتي تمشي على وجهها تابعة لهواها، كما قال الله تعالى: (إنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا مَا رَحِمَ رَبِّي)(2) .

النفس اللوّامة

الثانية: اللوّامة، وهي شأنها تلويم نفسها إن اجتهدت في الإحسان، أو قصرت عنه واجتهدت في الإساءة، وقد أخبر عنها القرآن بقوله تعالى: (وَلا اُقْسِمُ بِالنَّـفْسِ اللَّوَّامَةِ)(3).

النفس المسوّلة

الثالثة: المسوّلة، وهي لا تزال تزيّن الأشياء من الأسباب الدنيوية، من الدراهم والدنانير والضياع والعقار والنساء والبنات والبنين وغيرها عند نفسها، أو تزيّن الأسباب الاُخروية من القصور والحور والجنّات والأنهار الأربعة وغيرها، ثمّ يجتهد في تحصيلها من أيّ طريق اتّفق وعلى أيّ وجه وقع، كما قال الله تعالى: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أنفُسُكُمْ)(4).

النفس الملهمة

الرابعة: الملهمة، وهي الّتي لا تزال مُلهمة بإلهام الله تعالى أو الملك أو مهمّاتها وطاعاتها ونسكها، وفي الاطلاع على المغيبات، أو في فجورها وغرورها، كقوله تعالى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)(5). ولكن إلهام الفجور والمعصية خذلان وخسران لها، وإلهام الطاعات والعبادات توفيق وإحسان لها من الله تعالى.

النفس المطمئنّة

الخامسة: المطمئنّة، وهي الّتي اطمأنّت بذكر الله، وتوكّلت عليه في جميع الاُمور والأحوال، وبردت ببرد اليقين، ووقفت عن الكدّ والسعي في اُمور الدنيا، وهي مقامها أعلى وأشمخ من جميع مراتبها الاُخر، وهي المخاطب بقوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي)(6).

فالنفس ذات عرض عريض، وهي آية الله الكبرى، من عرفها فقد عرف الله، ومن لم يعرفها فلم يعرف الله تعالى. وآية التوحيد; إذ هي بوحدتها كلّ الشؤون والصفات والمراتب، كما أ نّه تعالى بوحدته جميع الصفات الجمالية والجلالية واللطفية والقهرية، وجهه تعالى بوحدته كلّ الأفعال والآثار والوجودات والشؤون.

فجعل تعالى في خلقة الإنسان ووجوده شيئاً من العناصر، وشيئاً من الأفلاك والأملاك وشيئاً من العقول، ونفخ فيه شيئاً من روحه، وأودع فيها شؤوناً من شؤوناته; لأ نّه كما أنّ وجهه تعالى في مقام طبع، وفي مقام جسم، وفي مقام نفس، وفي مقام عقل أو في مقام ناسوت، وفي مقام ملكوت، وفي مقام جبروت، وفي مقام لاهوت، وبذاته لا شيء منها، كذلك النفس في مقام جسم، وفي مقام طبع، وفي مقام نفس مدبّرة، وفي مقام عقل، وفي مقام ليست بهذه كلّها، بل فانية عن جميع هذه، وباقية ببقاء الله.

فإن قلت: إنّها حادثة ذاتاً في مقام الطبع، صدقت.

وإن قلت: إنّها حادثة تعلّقاً، وأردت بالتعلق وجودها الطبيعي الذاتي لا الإضافة المقولية، صدقت.

وإن قلت: إنّها قديمة ذاتاً لا تعلّقاً، باعتبار كينونتها العقلاني الّتي هي تمامية النفس وصورتها النوعية المفارقة كما مرّ أن شيئية الشيء بصورته وتمامه، صدقت.

وإن قلت: إنّها غير باقية، بل زائلة سيّالة باعتبار حركتها الجوهرية ووجودها الزماني، صدقت.

وإن قلت: إنّها جسم، صدقت.

وإن قلت: إنّها روح صدقت.

تو خود يك خيرى وچندين هزارى *** دليل از خويش روشن ترندارى

بيان أقسام أربعة للنفس

ثمّ اعلم أنّ للنفس أربعة أقسام: نامية نباتية، وحسّية حيوانية، وناطقة قدسية، وكلّية إلهية.

روي: أ نّه سأل صاحب هذا الدعاء ـ أعني كميل بن زياد(7) ـ معلّمَه ومعلّمَ الأولين والآخرين أميرالمؤمنين(عليه السلام) قال: يا مولاي اُريد أن تعرّفني نفسي، قال(عليه السلام): (أيُّ الأنفس تريد أن أُعرّفك؟) قال: هل هي إلاّ نفس واحدة؟ قال(عليه السلام): (إنّما النفس أربعة: النامية النباتية، والحسّية الحيوانية، والناطقة القدسية، والكلّية الإلهية ولكلّ واحدة من هذه خمس قوى وخاصّيتان:

النفس النباتية

فالنامية النباتية لها خمس قوى: ماسكة، وجاذبة، وهاضمة، ودافعة، ومربّية. وخاصيتها الزيادة والنقصان، وانبعاثها من الكبد، وهي أشبه الأشياء بنفس الحيوان.

النفس الحيوانية

والحسّية الحيوانية لها خمس قوى: سمع، وبصر، وذوق، وشمّ، ولمس. ولها خاصّيتان: الشهوة والغضب، وانبعاثها من القلب، وهي أشبه الأشياء بنفس السباع.

النفس الناطقة

والناطقة القدسية لها خمس قوى: فكر، وذكر، وعلم، وحلم، ونباهة. وليس لها انبعاث، وهي أشبه الأشياء بنفس الملائكة، ولها خاصيتان: النزاهة والحكمة.

النفس الإلهية

والكلية الإلهية لها خمس قوى: بقاء في فناء، ونعيم في شقاء، وعزّ في ذلّ، وصبر في بلاء. ولها خاصيتان: الرضا والتسليم، وهذه هي الّتي مبدؤها من الله وإليه تعود، لقوله تعالى: (فَـنَـفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا )(8). وأمّا عَودها فلقوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ)(9).

والعقل وسط الكلّ، لكي لا يقول أحدكم شيئاً إلاّ لقياس معقول)(10).

أقول: تحقيق معنى قوله(عليه السلام) في النفس النباتية: (انبعاثها من الكبد)، وفي الحسّية الحيوانية: (انبعاثها من القلب)، يبتني على طول كلام في حركات النطفة، واستكمالاتها في الرحم إذا وقعت فيها.

بيان حركات النطفة في الرحم ودورانها

فاعلم أنّ النطفة ـ كما نقل عن أبقراط، إذا صبّت في الرحم تصير كروية; لأ نّها ماء، والماء شكله الطبيعي كروي، إذ كلّ بسيط ـ سواء كان فلكياً أو عنصرياً ـ شكله الطبيعي هو الكروي.

ثمّ تنضج بالتدريج، حتى تطفو أجزاؤها اللطيفة من مركزها إلى محيطها، فتنقسم إلى طبقات أربع بعدد العناصر، فالّذي هو غليظ في الغاية يبقى في المركز، وما هو لطيف في الغاية يطفو ويصير طبقة محيطة، وما غلظته غالبة تقرب إلى المركز، وما لطافته غالبة تقرب من المحيط، فما في المركز سوداء، وما في المحيط صفراء، وما يلي الصفراء دم، وما يلي السوداء بلغم.

فهذه وإن كانت طبائعها مختلفة، ولكن باعتبار كونها في حشو الرحم ودم الطمث تحمر بالتدريج، فتصير علقة حمراء في أربعين يوماً.

وفي القدسي: (خمّرت طينة آدم بيدي أربعين صباحاً)(11).

بصورت آدمى شد قطرة آب *** چوچل روزش قرار از رحم يافت

وممّا يناسب هذا المقام: أنّ الله تعالى أخذ في تخمير طينة آدم عشر قبضات، قبضة واحدة من العناصر، وتسع قبضات من الأفلاك التسعة: ]مثلا[(12) قبضة الفردانية والجاه أخذها من فلك الشمس، وقبضة المباغضة والعداوة أخذها من فلك المريخ، وقبضة المحبّة من فلك الزهرة، وقبضة السعادة من فلك المشتري، وقبضة التحوسة من فلك زحل. وقِس عليه.

ودوّرها أربع دورات: دورة جمادية، ودورة نباتية، ودورة حيوانية، ودورة إنسانية. والكلّ أربعون.

دادت چهار دور چواندرگلت سرشت *** يك قبضه از عناصر ونه قبضه از فلك

***

الدور المعدني

ثمّ جعل العناية الإلهية هذه الأخلاط الأربعة ـ الّتي هي كالعناصر ـ مادّة لخلق الأعضاء السبعة الظاهرة من الرأس والظهر والبطن واليدين والرجلين، والسبعة الباطنة من الدماغ والقلب والرئة والمرارة والطحال وأعضاء التناسل، فأخذ من الأخلاط لخلق كلٍّ بحسبه وقدره على ما اقتضته الحكمة. وهذا هو الدور المعدني.

الدور النباتي

ثمّ خلق الله تعالى في هذه الأعضاء الظاهرة والباطنة قوى نباتية، من رؤساء أربع ـ أعني الغاذية، والمنمّية، والمولّدة، والمغيّرة ـ وجعل لكلّ منها خوادم، من الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة والمربية. فجذبت الجاذبة دم الرحم من السرّة إلى معدة الجنين، ثمّ جذبت جاذبة الكبد الكيلوس من طريق المارساريقا، فهضمته هاضمة الكبد حتى صار كيموساً نضيجاً، فخلق من زبدته وصفوته الروح النباتي، فانبعاثه من الكبد كما قال(عليه السلام).

فالباقي من الأخلاط ما كان دماً دخل في الأوردة، ووصل نصيب كلّ عضو إليه، وما كان صفراء انجذب إلى المرارة، وخاصّيته ـ كما قال الأطباء ـ : تنقية الدم; لأ نّه بمنزلة النار، ملطّف ومخلخل للدم.

وما كان سوداء انجذب إلى الطحال، وخاصيته تصيير الدم ذا متانة وقوام، وإدخاله في غذاء الطحال والعظام.

وما كان بلغماً فهو في جميع الأعضاء، وخاصيته ـ كما قالوا ـ : ترطيب المفاصل والأدوات الاُخر، وصيرورته دماً عند احتياج الغذاء، وهذا هو الدور النباتي.

الدور الحيواني

ثمّ انجذب صفوة الدم وزبدة الروح النباتي إلى القلب، فإذا نضجا وطبخا صار الروح النباتي روحاً حيوانياً، فانبعاثه من القلب كما قال(عليه السلام)، وينبعث من طريق الشرايين إلى جميع الأعضاء.

فالقلب منبع حياة جميع الأعضاء، وكما قال الحكماء: منزلته في الإنسان الصغير منزلة الشمس في الإنسان الكبير.

ثمّ يستقل منه قسط إلى الكبد، ويصعد منه قسط صالح طريق بعض الشرايين إلى الدماغ، ونضّج فيه مرة اُخرى فاعتدل وصار روحاً نفسانية، محطّاً ومطية للقوى المدركة الظاهرة والباطنة، والقوى المحرّكة.

وهذا هو الدور الحيواني، وإلى هنا التصويرات في الأرحام.

الدورة الإنسانية

وإذا خرج المولود من بطن اُمّه إلى رحم الأرض كان في الدرجة الحيوانية إلى أوان البلوغ الصوري الظاهري، ثمّ يأخذ في الدورة الإنسانية مستعملا للفكر والروية، فإمّا يسلك مسلك التوحيد، وإمّا يذهب مذاهب اُخر إلى ما شاء الله.

فجميع هذه مراتب النفس الإنسانية، ولها درجات ومقامات اُخر من مراتب العقل بالقوّة، والعقل بالملكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، والفناء في العقل الفعّال الّذي هو قدرة الله الملك المتعال، كما قيل:

ونور الإنسان وإن شاب الدجى *** فالهيكل الجامع للتوحيد جا

طبع لدى الحدوث جسماني *** وفي البقاء هو روحاني

ومجمع الصفات تشبيهيه *** ومظهر النعوت تنزيهيّه

كما بأوج الملكوت طائرُ *** فبحضيض الملك أيضاً سائرُ

كما هو الفعّال للتعقّل *** يدرك بالإحساس والتخيّل

والبدن المقبور من مراتبه *** فليحترم فليس من مثالبه

من ذا قرابين وزور شرعا *** فى الحكم عظمه الرميم تبعا

قال صدر المتألهين(قدس سره)، في شرح بعض هذه الكلمات: «قوله(عليه السلام) ـ في النفس الحيوانية ـ : (وانبعاثها من القلب) أي أوّلا وبالذات».

قال: «وهذا لا يدفع قول الحكيم وتسميته إيّاها قوى دماغية; لأنّ الروح البخاري ينبعث من التجويف الأيسر من القلب أوّلا، ثمّ يصعد في مسلك بعض الشرايين إلى الدماغ، فيبرد بالتردّد في تجاويفه، فيعتدل ويصير مطايا القوى الدماغية».

ثمّ قال: «ولعل الفكر والذكر والعلم متعلّقة بالعقل النظري المسمى بالقوة العلاّمة للناطقة، فتكون إشارة إلى العقل بالملكة والعقل بالفعل والعقل المستفاد. والحلم والنباهة متعلّقان بالعقل العملي المسمّى بالقوّة العمّالة للناطقة، فتكون إحداهما الحال، والاُخرى الملكة في العمل الصالح، ومناسبة الحلم إنّما هي مع الملكة باعتبار الثبات والاستقامة والطاقة للعامل.

ويمكن أن تكون النباهة إشارة إلى الحدس المغلوب للفكر في الثالثة، والنزاهة هي الحرية الّتي يقال في النفس الشريفة: هي الّتي فيها الحكمة والحرية».

ثمّ قال: «وقوله(عليه السلام) في الكلية الإلهية: (بقاء في فناء)... إلى آخره، يمكن أن يكون (في) للتعليل ـ ولا يخفى وجهه ـ وأن يكون للظرفية، من قبيل كون الباطن في الظاهر، والروح في الجسد. ومن أمثال العرفاء: إذا جاوز الشيء حدّه انعكس ضدّه».

وقال أيضاً: «وقوله(عليه السلام) (والعقل وسط الكلّ) تمثيل لكون العقل مركزاً وهي دوائر. لكن اعلم أنّ الأمر في المركز والدائرة المعنويين في الإحاطة على عكس حال المركز والدائرة الحسّيين، فذلك العقل الكلّي ـ إن رزقك الله تعالى ـ هو الأصل المحفوظ لهذه»(13) انتهى كلامه الشريف.

معنى خيانة النفس

فإذا عرفت تعريف النفس ومراتبها وأقسامها وبعض أحكامها، فاعلم أنّ خيانتها للعقل ـ في قول السائل ـ اتّباعها الشهوات العاجلة وهواجسها الدائرة الزائلة، وهلوعها وولوعها فيها، وتركها نصيحة العقل في الاُمور الآجلة واللذات الباقية الدائمة، وتقويتها للوساوس الشيطانية الّتي مآلها النكال والعقاب، والمانعة عن لقاء الله، والحرمان من لقاء الحور، والخلود في جهنم، بئس المهاد والمآب.

وسبب اتباعها الشيطان وترك نصح العقل هو عدم معرفتها ذاتها وباطن ذاتها الّذي هو العقل، وحجّة الله الّتي أرسلها من الباطن إلى الخلق، وعدم طاقتها وتحمّلها مشاق التكاليف، وعدم بصيرتها في امتياز الحقّ من الباطل، والآجل من العاجل، كما في الحديث: (حُفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات)(14).

ولهذا، النفوس الضعيفة ـ في الأغلب ـ تركت اتّباع عيسى العقل، وركبت على حمير الأبدان، وجعلت جلّ مقاصدها تعميرها وتسمينها.

ترك عيسى كرده خر پرورده *** لاجرم چون خردرون بروده

نقل كلام الغزالي

قال صاحب «إحياء العلوم» في كيفية محاربة النفس مع الشيطان والتطارد بين جنود العقل والجهل في معركة وجود الآدمي: «اعلم أنّ خاطر الهوى يبتدئ أولا فيدعوه إلى الشر، فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير، فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر، فتقوى الشهوة فتحسن التمتع، فينبعث العقل إلى خاطر الخير، ويدفع في وجه الشهوة ويقبح فعلها، وينسبها إلى الجهل، ويشبّهها بالبهيمة والسبع في تهجمها على الشر، وقلة اكتراثها بالعواقب.

وتميل النفس إلى نصح العقل، فيحمل الشيطان حملة على العقل، ويقوى داعي الهوى، فيقول: ماهذا الزهد البارد؟ ولِمَ تمتنع عن هواك فتؤذي نفسك؟ وهل ترى أحداً من أهل عصرك يخالف هواه أو ترك عزيمته؟ أفتترك ملاذ الدنيا لهم يستمتعون منها وتحجر على نفسك حتى تبقى محروماً مطعوناً يضحك عليك أهل الزمان، تريد أن تزيد منصبك على فلان بن فلان، وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يمنعوا، أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز عن فعل ذلك، ولو كان شراً لامتنع عنه.

فتميل النفس إلى الشيطان وتنقلب إليه، فيحمل الملك حملة على الشيطان، ويقول: هل لك إلاّ من اتبع لذة الحال ونسي العاقبة، أفتقنع بلذة يسيرة وتترك الجنة ونعيمها أبد الآباد؟ أو تستثقل ألم الصبر عن شهوة، ولا تستثقل ألم النار؟ أتغتر بغفلة الناس عن أنفسهم واتباعهم الهوى ومساعدتهم الشيطان، مع أنّ عذاب النار لا يخفف بمعصية غيرك؟ فعند ذلك تميل النفس إلى قول الملك، فلا يزال مردداً بين الجندين، متجاذباًإلى الجانبين، إلى أن يغلب على القلب من هو أولى به.

فإن غلب على القلب الصفات الشيطانية غلب الشيطان، وأجرى على جوارحه سوابق القدر ما هو سبب بُعده عن الله تعالى.

وإن غلب عليه الصفات الملكية لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان، وظهرت الطاعة على جوارحه بموجب ما سبق من القضاء، و (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن). وفي الحديث: (في القلب لمّتان: لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحقّ، ولمّة من العدوّ إيعاد بالشر وتكذيب بالحقّ)»(15) انتهى.

فظهر أنّ الشيطان بوساوسه ممدّ ومعين للهواجس النفسانية، والرحمن والملك بعناياته وإلهاماته ممدّ وناصر للنصائح العقلانية، والشخص الإنساني إن كان تخمير طينته من العليين يميل إلى الحقّ بمعونة نصح العقل، وإن كان تخمير طينته من السجين يميل إلى الباطل بمعونة الشيطان وهواجس النفس.

ثمّ «المطال» في قوله: (ومطالي) هو المصدر الثاني من المصادر الثلاث الّتي كانت لباب المفاعلة، والمعنى: مماطلتها إياي ومماطلتي إياها. والمماطلة: تأخير الحقّ عن ذي الحقّ، ومنه الحديث: (من مطل على ذي حقّ حقّه فهو ملعون).

فيقول السائل: خدعتني الدنيا بغرورها، وخدعتني نفسي بخيانتها ومماطلتها إياي عن حقّي الّذي هو ما يتقرّب به إلى الله تعالى، من معرفته ومعرفة صفاته وأسمائه، والتخلّق بأخلاقه. وفي إتيانه بلفظ «المطال» دون «المطل» إشعار بأنّ المماطلة من الطرفين، يريد أ نّه كما أنّ نفسي ماطلتني عن حقّي، كذلك ماطلتها عن حقّها الّذي هو سوق الشهوات ونيل الأماني والآمال.

(يا سيّدي)

قد جاء «سيّد» لمعان:

قال في المجمع: «السيّد: الرئيس الكبير في قومه المطاع في عشيرته وإن لم يكن هاشمياً ولا علوياً، والسيّد: الّذي يفوق في الخير، والسيّد: المالك. ويطلق على: الربّ، والشريف، والفاضل، والكريم، والحليم، والمتحمّل أذى قومه، والزوج، والمقدّم»(16) انتهى.

و (السيّد) من أسمائه تعالى، فهو في حقّه بمعنى الربّ المالك الشريف، الفاضل الكريم الحليم المقدّم، الفائق في الخير. والمعاني الاُخر لا ]تناسبه[(17)تعالى إلاّ إذا جُرّدت عمّا يدلّ على التجسّم.

ثمّ لمّا وصف السائل طائفة من نعمه تعالى ومننه بالنسبة إليه ـ وأبرز غصّته من جرائمه وآثامه، وسوء أحواله وآلامه، وعظم بلائه، وخداع الدنيا، وخيانة نفسه ومماطلتها إياه صار المقام مقام الالتجاء والاستعاذة إليه تعالى، ولذا قال:

(فأسألك بعزتك أن لا يحجب عنك دعائي)

أي لا يستر عنك.

(سوء عملي وفعالي)

جمع «فِعل» ـ بالكسر ـ : وهو الاسم من: فَعَلَ يَفَعلُ، كقوله تعالى: (وَأوْحَيْنَا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ)(18).

يريد أنّ قبح أعمالي وسوء أفعالي كاد أن يحجب ويستر عنك دعائي فأسألك بعزّتك وقدرتك الّتي لا يمتنع معها شيء أن تُبدّل سيئات أفعالي بالحسنات، ولا تجعلها حجباً بينك وبين دعواتي وأسئلتي.

والباء في قوله: (بعزّتك) للسببية، ويجوز أن يكون للاستعانة.

(ولا تفضحني بخفي ما اطلعت عليه من سري)

الفضيحة: العيب، والجمع: فضائح، ويجيء بمعنى الكشف.

وفي الدعاء: (اللّهمّ لا تفضحنا بين خلقك)(19) أي استر عيوبنا ولا تكشفنا.

السرّ: خلاف الجهر، وكلمة (من) بيان لـ (ما)، والجملة معطوفة على ما قبلها.

(ولا تعاجلني بالعقوبة على ما عملته في خلواتي)

العقوبة: العذاب.

( من سوء فعلي وإساءتي، ودوام تفريطي وجهالتي،

(وكثرة شهواتي وغفلتي)

كلمة (من) أيضاً بيان لـ (ما).

الإساءة: خلاف الإحسان، ومراده الإساءة في طاعة الله وعبادته، كما أن الإحسان في العبادة أن تعبد الله كما تراه، على ما روي عنهم(عليهم السلام).

وقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في تفسير الإحسان المذكور في الآية الشريفة: (ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأحْسَنُوا)(20) ـ : (الإحسان أن تعبدوا الله كما ترونه)(21).

التفريط: التقصير عن الحدّ، كما مرّ ذكره.

الجَهالة: ـ بالفتح ـ مصدر ـ جهل يجهل جهلا وجهالة: وهي عدم العلم والمعرفة كما مرّ، قال الله تعالى: (إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَة)(22).

وقيل: الجهالة: هي اختيار اللذة الفانية على اللذة الباقية، وهي أيضاً منشؤها عدم العلم.

الشهوات ـ جمع «الشهوة» ـ : وهي والغضب قوّتان مودعتان في النفس الحيوانية، والمراد هنا كلّ ما تشتهيه النفس وتلتذّ به، كما قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ)(23).

(وكن اللّهمّ بعزتك لي في الأحوال كلّها رؤوفاً)

حرف الباء للقَسَم، أي اُقسم عليك بعزتك. وإظهار لفظ الجلالة مع استتاره في كلمة (كن) للتأكيد ولمزيد الاهتمام به، ولتحلية اللسان بذكره، ولإعادة ذكر الحبيب، كما مرّ.

(الأحوال) ـ جمع «الحال» ـ : وهو الهيئة الّتي عليها الإنسان من التذكّر والتفكّر، والطاعة والمعصية، والأكلّ والشرب، والنوم واليقظة وغيرها.

الرأفة: الرحمة، وقيل(24): هي أرق من الرحمة; لأ نّها تُقطع مع الكراهة لمصلحة، بخلاف الرأفة فإنّها لا تقطع معها.

و (الرؤوف) من أسمائه تعالى، ونصبه على أ نّه خبر (كن) واُريد معناه الوصفي.

(وعليَّ في جميع الاُمور عطوفاً)

معطوفة على ما قبلها، أي وكن اللّهمّ عليَّ في جميع الاُمور عطوفاً.

العطوف: المشفق.

(إلهي، وربّي من لي غيرك)

كلمة (مَن) للاستفهام، ومَن ذا الّذي غيرك؟ (ألغيرك من الظهور ما ليس لك)؟ وغيرك الّذي يطلبه الجاهلون (كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ)(25).

وإنّما اختص السائل بنفسه وقال: (من لي غيرك)، والحال أ نّه مَن للجميع غيره تعالى؟ إشعاراً بأنّ عدم رؤية غيره ديدن الموحّدين، ودأب المفردين وغيرهم نصب أعينهم رؤية غيره تعالى في حوائجهم، ومآربهم، وإذا يئسوا عن الأغيار اُلجئوا في الاتجاه إلى الله الواحد القهّار، وهو تعالى حينئذ يجيبهم ويكشف عنهم السوء، ويعطي مسألاتهم، كما قال تعالى: (أمَّنْ يُجِيبُ المُضطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)(26).

ثمّ إنّه أردف «الإله» بذكر «الربّ»; ليخرج العموم والشمول من معنى «الإله»، الّذي هو بمعنى المعبود، حقاً كان أو باطلا، ويخصّه بالإله الّذي هو معبوده الحقيقي، وربّه وربّ العالمين.

والربّ يطلق على: المالك، والمدبّر، والسيّد، والمربّي، والمتم، والمنعم، والصاحب. وهو غير مضاف لا يطلق إلاّ على الله تعالى.

(أسأله كشف ضري، والنظر في أمري)

والجملة مُستفهم عنها.

وفي المجمع قال: «قال الشيخ أبو عليّ(رحمه الله): الضُرّ ـ بالضمّ ـ : هو الضرر في النفس، من مرض وهُزال ووجع وغيره، وبالفتح: الضرر من كلّ شيء»(27).

أقول: إن كان مراد السائل هو الضُرّ ـ بالضم ـ كما هو المشهور في الألسنة والمسطور في النسخ، فيقول: مالي أحد أسأله ارتفاع ضرّ نفسي من الآلام والأمراض والهموم والغموم غيرك، كما هو المراد في قوله تعالى حكاية عن أيوب النبي(عليه السلام): (إذْ نَادَى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأنْتَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)(28).

وإن قرئ ـ بالفتح ـ فمراده أسأله كشف جميع مضرّاتي، سواء كانت نفسانية أو جسمانية أو غيرهما.

والأمر في قوله: (والنظر في أمري) أعمّ من الاُمور الدينية والدنيوية.

(إلهي ومولاي أجريت عليَّ حكماً اتبعت فيه هوى نفسي)

بيان معنى الحكم

المراد بالحكم هنا: الحكم الشرعي، أي التكليف، وهو ـ كما قيل ـ : طلب الشارع الفعل أو تركه، مع استحقاق الذم بمخالفته وبدونه أو تسويته.

وعند الأشاعرة: هو خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلّفين.

فالفعل المطلوب إن كان مع المنع من الترك فهو الواجب، أو مع جواز الترك ولكن على المرجوحية فهو المندوب، أو على الراجحية وهو المكروه، أو على المساواة وهو المباح.

والترك المطلوب إن كان مع المنع من الفعل فهو الحرام.

التحسين والتقبيح العقليان والشرعيان

ومعنى قولنا: أنّ المراد بالحكم: الحكم الشرعي، ليس أ نّه لا يكون عقلياً، بل الشرع كاشف عن أحكام العقل، كما هو قاعدة التحسين والتقبيح العقليين; لأ نّه قد اختلف في حسن الأشياء وقبحها أ نّهما عقليان أو شرعيان؟

فذهب جمهور الإمامية والحكماء وجمهور المعتزلة إلى الأوّل(29).

وجمهور الأشاعرة إلى الثاني(30).

والمراد بحسن الفعل: أن يستحق فاعله المدح، وبقبحه أن يستحق فاعله الذم.

والمراد بالعقلية: أ نّه يمكن أن يعلم الممدوحية النفس الأمرية أو المذمومية النفس الأمرية، وإن لم يرد أمر ونهي فيها من الشرع; إمّا تفصيلا، وإمّا إجمالا بأن يعلم أ نّه لو لم يكن في الفعل المأمور به جهة حسن لما أمر به، ولو لم يكن في المنهي عنه جهة قبح لما نهى عنه، وإن لم يعلمهما بخصوصهما.

والمراد بشرعيتهما خلاف ذلك، فإنّ الأشاعرة(31) ـ مثلا ـ يقولون: لا حسن وقبح في المأمور والمنهي في نفس الأمر، بل الحسن والقبح بمجرّد الأمر والنهي. ويقولون: ما أمر به في وقت جاز أن ينهى عنه في ذلك الوقت، وما نهى عنه في وقت جاز أن يأمر به في ذلك الوقت.

والقائلون بالعقلية يقولون: لا يجوز إلاّ في وقتين; للمصلحة والمفسدة، كما في النسخ، والآيات المنسوخة تدلّ على ذلك.

والحقّ: العقلية، والأحكام الخمسة الشرعية كواشف العقلية.

والأدلّة الّتي ذُكرت من الجانبين كثيرة في كتبهم المبسوطة، من شاء فلينظر إليها، وهذا المختصر لا يليق بذكره.

الهوى ـ بالقصر ـ : ميل النفس إلى مأمولها.

وفي الحديث: (شرّ إله عُبد في الأرض الهوى)(32). والعمل به باطل شرعاً.

وفيه أيضاً: (ليس لأحد أن يأخذ بهوى ولا رأي ولا مقاييس).

(ولم أحترس فيه من تزيين عدوي)

(لم أحترس): أي لم أحتفظ.

وفي الدعاء: (اللّهمّ احرسني من حيث أحترس، ومن حيث لا أحترس)(33).

التزيين: التحسين والتجلية.

يريد أنّ في الحكم والتكليف الّذي أجريت عليَّ اتبعت فيه هوى نفسي، وما حفظت نفسي في العمل بأمر الله والكفّ عن المنهي عنه (تزيين عدوي) الّذي هو الشيطان، فإنّ شأنه وشغله تحسين المحرّمات وتزيينها على النفوس، حتى اتبعتها في تحصيلها واستدراكها.

ولذا علّمنا الله تعالى بالاستعاذة منه ومن مكائده في جميع الأحوال إليه تعالى، وقال تعالى: (فَإذَا قَرَأتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)(34)وقال: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)(35)و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ )(36)... إلى آخره.

وفي جامع الأخبار: قال: «روي أنّ إبليس ظهر ليحيى بن زكريا، فرأى(عليه السلام)معاليق من كلّ شيء، فقال يحيى(عليه السلام): (ما هذه؟) قال: هذه الشهوات الّتي اُصيب بهنّ بني آدم، فقال: (هل لي فيها شيء) قال: ربّما شبعت فثقلناك عن الصلاة والصوم والذكر. قال(عليه السلام): «لله عليَّ أن لا أملأ بطني من طعام أبداً). قال إبليس: ولله عليَّ أن لا أنصح مسلماً أبداً»(37).

أقول: فلعلك رأيت في المثنوي الحكاية الّتي ذكرها عن الشيطان عن قصة إبراهيم(عليه السلام) بقتل الديكة، الّتي هي إشارة إلى القلع والقمع للقوة الشهويّة، ولا نبالي بذكرها هاهنا; للمناسبة بينها وبين الحديث المذكور:

كفت إبليس لعين ذا نارزا *** دام زفتى خواهم اين اشكا را

زر وسيم وكله اسبش نمود *** كه بدين ثانى خلائق را ربود

كفت شاباش و ترش افكند لنج *** شد ترنجيده و ترش همچون ترنج

پس زد وگوهر زمعدنهاى كش *** كردان پس مانده را حق پيشكش

گير اين دام دكر را اى لعين *** كفت زين افزون ده اى نعم المعين

چرب وشيرين وشرابات شمين *** دادش وبس جامه ابريشمين

كفت يا رب بيش از اين خواهم مدد *** تابه بند هشان بحبل من مسد

تاكه مستانت كه نرو پردلند *** مردوا راين بندها رابكسلند

تابدين دام ورسنهاى هوا *** مرد تو كرد زنامردان جدا

دام ديكر خواهم بسلطان محنت *** دام مرد انداز حيلت ساز سخت

خمر وچنك آورد پيش اونهاد *** يتيم خنده زد بدان شديم شاد

سوى اضلال ازل پيغام كرد *** كه برد از قعر بحر فتنه كرد

فى يكى از بند كانت موسى است *** پردها در بحر او از كرد بست

اب از هر سوعنانرا فاكشيد *** از تك دريا غبارى برجهيد

چونكه خوبى زنان با او نمويد *** كه از عقل وصبر مردان مير بود

پس زدانكشتك برقص اندرفتاد *** كه بده زوتر رسيدم برمراد

چون بديدان چشمياى پرخمار *** كه كند عقل و مجرد را بيقرار

وان صفاى عارض آن دلبران *** كه بسوز چون سپنداين دل ران

رو وخال وابرو ولب چون عقيق *** كوئيا حق تافت از برده رقيق

أعاذنا الله تعالى عن شروره وفتنه بألطافه ومننه، ووقانا من الوقوع في حبائله ومكائده.

 

(فغرني بما أهوى)

أي خدعني نفسي أو عدوي الّذي هو الشيطان، بسبب ما أرغب فيه من المشتهيات والمشتبهات.

 

(وأسعده على ذلك)

أي أعانه وأمده ـ أي نفسي أو عدوي ـ على الخداع والتسويل.

 

(القضاء)

بيان معاني القضاء

أحدها: الإتيان بالشيء.

الثاني: فعل العبادة ذات الوقت المحدود المعيّن بالشخص خارجاً عنه.

الثالث: فعل العبادة استدراكاً لما وقع مخالفاً لبعض الأوضاع المعتبرة، ويسمّى هذا: إعادة.

جميعها مذكورة في مجمع البحرين(38).

وفي الصحاح قال الجوهري: «القضاء أصله: قضاي; لأ نّه من: قضيتُ، إلاّ إنّ الياء لمّا جاءت بعد الألف هُمزت، والجمع: الأقضية، والقضية مثله، والجمع: قضايا»(39).

والقضاء المقرون بالقدر كما هو المراد هاهنا.

قيل: المراد به: الخلق، وبالقدر: التقدير. ويؤيده قوله(عليه السلام): (القضاء: الإبرام وإقامة العين)(40) وقوله(عليه السلام): (وإذا قضى أمضى)(41) وهو الّذي لا مردّ له.

وفي حديث عليّ(عليه السلام)، مع الشيخ الّذي سأله عن المسير إلى الشام، قال له: يا أميرالمؤمنين، أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام، أبقضاء من الله وقدر؟ فقال(عليه السلام): (يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من الله وقدر). فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي؟ فقال(عليه السلام): (وتظن أ نّه كان قضاء حتماً وقدراً لازماً; إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر من الله، ويسقط معنى الوعد والوعيد، فلم تكن لائمة من الله للمذنب ولا محمّدة للمحسن، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وقدرية هذه الاُمّة)(42).

وفيه أيضاً عن عليّ(عليه السلام)، قال: (الأعمال ثلاثة أحوال: فرائض، وفضائل، ومعاصي.

فأمّا الفرائض فبأمر الله ورضا الله وقضاء الله ومشيئته وبعلمه وتقديره. وأمّا الفضائل فليس بأمر الله، ولكن برضا الله وبقضائه ومشيئته وعلمه. وأمّا المعاصي فليست بأمر الله، ولكن بقضاء الله ومشيئته وعلمه، ثمّ يعاقب عليها)(43).

أقول: قد ظهر بقوله(عليه السلام) في تحقيق معنى القضاء للعاقل الفطن ما قاله الحكماء: من أنّ القضاء هو وجود جميع الموجودات مجملة على الوجه الكلّي في العالم العقلي، والقدر هو وجود صور الموجودات مفصّلة في العالم النفسي السماوي على الوجه الجزئي، مطابقة لما في موادها الخارجية.

وقد مرّ أنّ فيضه تعالى من حيث كونه علّة مؤدية لوجود المقضي في الألواح العالية وفي هذا العالم قضاء، ومن حيث إنّه يقدّر شكل المقضي ويعيّنه قدر.

فقول السائل: (وأسعده على ذلك القضاء) يعني: أعان نفسي أو عدوي في اغتراري وافتتناني في سوق الشهوات وصدور المعاصي القضاءُ، أي وجوداتها العقلانية الّتي كانت علّة مؤدية لوجود ما صدر عني في هذا العالم من الحسنات والسيئات.

(فتجاوزت بما جرى عليَّ من ذلك بعض حدودك)

الحدود: جمع الحدّ، وحدوده تعالى: أحكامه من الأوامر والنواهي، كما قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ)(44) وسمّاها: حدوداً; لأنّ الشرائع كانت كالحدود المضروبة للمكلّفين، لا يجوز لهم أن يتجاوزوها.

يريد: أ نّه لأجل اغتراره من نفسه تجاوز بعض حدود الله تعالى، وحرف الباء للسببية.

(وخالفت بعض أوامرك)

الأوامر: جمع أمر، على غير القياس، وكلمة (بعض) كما يطلق على واحد من الجماعة، وعلى فرد واحد من كلّ شيء، وعلى جزء واحد، كذلك يطلق على أكثرهم وعلى أكثر الأفراد والأجزاء.

ومخالفة الأمر أعمّ من أن لا يقضيه أو يق ضيه، ولكن لا يكون كما أمره تعالى، مثلا أمر الله تعالى بإتيان الصلاة وإقامتها في وقتها مع شرائطها المقرّرة، إن صلى أحدٌ غير جامع لشرائطها، أو لم يصلِّ في وقتها عامداً عالماً، كان مخالفاً لأمره تعالى.

ومن جملة أوامره الأمر بتحصيل المعرفة، كما فسّروا قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلا لِـيَعْبُدُونِ)(45)أي ليعرفون. وكذا في قوله تعالى: (وَمَا اُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا الله)(46); إذ العبادة فرع على معرفة المعبود ولو إجمالا.

وأقلّ مراتب معرفته تعالى: معرفته بالبرهان، كما قال تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ)(47).

وقال الباقر(عليه السلام): (إنّي لوددت أن أضرب رؤوسكم بالسياط حتى تتفقهوا في الدين، وتستنبطوا اُصول عقائدكم بالحجج والبراهين)(48).

وروي: (المتعبّدون بغير علم كحمار الطاحونة)(49).

(فلَكَ الحمدُ عليَّ في جميع ذلك)

كما في الدعاء: (نحمدك على بلائك، كما نشكرك على آلائك).

وحقّ الحمد وحقيقته ما حمد الله به نفسه، إذ حمده هو الوجود المنبسط بشراشره، فإنّ حقيقة الحمد هي إظهار فضائل المحمود وفواضله، وشرح جماله وجلاله، وهو بتمامه شارح كمالاته تعالى وأفضاله، وواصف كراماته وإجلاله، وإعراب عمّا في مرتبة غيب الغيوب، كما ورد أنّ كلامه تعالى فعله.

قال السيد المحقّق الداماد ـ نوّر الله ضريحه ـ في القبسات: «أفضل مقامك في الحمد أن تجعل قسطك من حمدك لبارئك قصياً مرتبتك الممكنة من الاتصاف بكمالات الوجود، كالعلم والحكمة والجود والعدل مثلا، فيكون جوهر ذلك حينئذ أجمل الحمد لبارئك الوهاب سبحانه، فإنّك إذن تنطق بلسانك الحال كلّ صفة من تلك الصفات أ نّها فيك ظل صفته سبحانه، وصنع هبة ذاته جلّ سلطانه بحسب نفس ذاته في تلك الصفة، على أقصى المراتب الكمالية.

فقد ذكرنا في سدرة المنتهى وفي المعلقات على زبور آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم): أنّ الحمد في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(50) هو ذات كلّ موجود بما هو موجود، وهوية كلّ جوهر عقلي بحسب مرتبته في الوجود وقسطه من صفات الكمال; ولذلك كان عالم الأمر ـ وهو عالم الجواهر المفارقة ـ عالم الحمد وعالم التسبيح والتمجيد. ومنه في القرآن الحكيم: (لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ)(51)»(52) انتهى كلامه القمقام.

(ولا حجّة لي فيما جرى عليَّ فيه قضاؤك)

الحجة ـ بضم الحاء ـ اسم من الاحتجاج: وهو المغالبة على الخصم بالدليل، كما قال تعالى: (لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)(53) وقوله: (فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ )(54).

و (قضاءُ) ـ بالرفع ـ فاعل (جرى) اُضيف إلى ضمير الخطاب، والمخاطب هو الله تعالى، يريد السائل: أ نّه لا حجّة لي في شيء جرى قضاؤك عليَّ في ذلك الشيء، بل لك الحجّة في إجراء قضائك عليَّ، ومقصوده: أنّ المجاوزة عن بعض الحدود والمخالفة في بعض الأوامر وقعت عني لسببين:

أحدهما: السبب الطبيعي الّذي هو قضاؤك الّذي لا مردّ له، كما قيل: إذا جاء القضاء ضاق القضاء، وإذا جاء القدر عمى البصر.

قضا چون از گردون فرو ريخت پر *** همه عاقلان كور گردند وكر

چون قضا آيد طبيب ابله شود *** وآندوا در نفع خود گمره شود

از قضا سركنگبين صفر آفزود *** روغن بادام خشكى مينمود

فأين الحجّة وأي حجة لي في ذلك؟

(وألزمني فيه حكمك وبلاؤك)

حكمه تعالى: مشيئته الفعلية، كقوله تعالى: (وَمَا تَشَاؤُونَ إلا أنْ يَشَاءَ اللّهُ)(55).

والبلاء: بمعنى الابتلاء والامتحان.

وقوله: (ألزمني) أي أثبتني وقّفني، والضمير الغائب راجع إلى التجاوز والتخالف في الأوامر والحدود.

(وقد أتيتك يا إلهي بعد تقصيري وإسرافي على نفسي، معتذراً نادماً، منكسراً مستقيلا، مستغفراً منيباً، مقراً مذعناً معترفاً، لا أجد مفرّاً ممّا كان منّي، ولا مفزعاً أتوجّه إليه في أمري، غير قبولك عذري)

التقصير: التفريط في الأعمال كما مرّ، والإسراف: هو الإفراط فيها بحيث يتجاوز عن الحدود.

وقد مرّ أ نّهما من القذارات المعنوية.

فليجتنب المؤمن العادل عن الوقوف في حدّي الإفراط والتفريط، ويستقرّ في حدود الأوساط في كلّ شيء، حتى تتحلى نفسه بالأخلاق الحسنة من الحكمة والعفّة والسخاوة والشجاعة، وليقتصد فليكن اُمّة وسطاً، كما قال تعالى: (جَعَلْنَاكُمْ اُمَّةً وَسَطاً)(56).

الاعتذار: إظهار ما يقتضي العذر والإتيان به.

الندامة: هي التوبة، والندم: ضرب من الغمّ والحزن، وهو أن يغتمّ على ما وقع منه، يتمنى أ نّه لم يقع.

والانكسار: هو كسر الفؤاد، كما في الحديث القدسي: (أنا عند القلوب المنكسرة)(57).

چون دوست دل شكسته ميدارد دوست *** زين بعد من وشكسته كى ودر دوست

الاستقالة: طلب الإقالة والعفو، كما أنّ الاستغفار طلب المغفرة والرحمة.

والإنابة: الرجوع، كما في قوله تعالى: (مُنِيبِينَ إلَيْهِ)(58) أي راجعين إليه.

مقرّاً: أي قائلا باللسان.

والإذعان: هو الاعتقاد بالجنان، كما أنّ الاعتراف هو الإقرار مع الاعتقاد.

وجملة: (لا أجد...) إلى آخره، متعلّقة بقوله: (مقرّاً) وما بعده.

المَفرّ: المهرب والمناص.

المفزع: الّذي يلتجأ ويفزع إليه في الشدائد والمهالك.

(غير): اسم الاستثناء، والمستثنى (مفرّاً)، كأ نّه قال: لا أجد مفرّاً إلاّ أنت لتقبل عذري، وهو تعالى باعتبار المَفَرِّية داخل في المستثنى منه.

(وإدخالك إيّاي في سعة من رحمتك)

أي وغير إدخالك، معطوف على (قبولك).

المراد بالرحمة هنا: الرحمة الرحيمية; إذ هو ثابت في سعة من رحمته الرحمانية. ويحتمل أن يكون المراد مطلق الرحمة.

(اللّهمّ فاقبل عذري، وارحم شدّة ضري، وفكّني من شدّ وثاقي)

الفكاك والتفكيك: التخليص، كقوله تعالى: (فَكُّ رَقَبَة)(59).

الوَثاق ـ بالفتح، وقد جاء كسر الواو فيه في لغة في الأصل ـ : حبل أو قيد يُشدّ به الأسير والدابة، ثمّ استعمل في كلّ ما يقيّد به الشخص من الحبال والقيود والسلاسل والأغلال، والذنوب والآثام الّتي تقيّد الإنسان، ويصير كالأغلال في الأعناق.

فالتمس السائل من الله تعالى إعتاق رقبته من قيود الخطيئات، واستخلاص نفسه عن تحمّلها، والترحّم على مسكنته وضرّه.

(يا ربّ ارحم ضعف بدني)

لأ نّك وصفت خلقة الإنسان بالضعف في كتابك، وقلت: (وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفاً)(60) إذ بدن الإنسان مركّب من لطائف العناصر وصفوتاها، لا يطيق الشدائد والمشقّات.

(ورقة جلدي)

الّذي هو أرقّ وألطف من الحرير.

الرقيق: خلاف الثخين والغليظ، ومنه الثياب الرقاق.

جلد الإنسان قشرة، كما أنّ لحمه وعظمه لبة في بدنه.

(ودقة عظمي)

الدقيق: خلاف الجليل والعظيم، كما في الحديث: (إنّ الله استولى على ما دقّ وجلّ)(61).

العَظْم ـ على وزن «سهم» ـ : قصب الحيوان الّذي عليه اللحم، وقد يطلق على العضو مطلقاً سواءً كان عظماً أو غيره، كما في الحديث: (سجد على سبعة أعظم)(62)أي سبعة أعضاء، وهي المساجد السبعة من الجبهة والكفّين والركبتين والإبهامين.

ثمّ إنّه خلقة العظام في بدن الحيوان والإنسان بمنزلة الجبال الّتي خلقها الله تعالى في بدن الإنسان الكبير، وعددها في الإنسان ـ كما قيل ـ ثمانية وأربعون ومائتان.

بعدد رحم عدد عظم.

چو خواهى كه بدانى يقين *** مى برون آيد از انجا كه برون مى آيى

يعني: من الرحم.

(يامن بدأ خلقي وذكري وتربيتي وبرّي وتعذيتي)

أي الّذي خلقني من العدم، ومضت عليَّ أزمنة طويلة ما كنت فيها شيئاً مذكوراً، كما أخبر عنها القرآن الحكيم بقوله تعالى: (هَلْ أتَى عَلَى الإنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)(63).

ثمّ أحسن بي وأشار باسمي حين وقعت نطفتي في رحم اُمي، فحفظني فيها وما أضاعها، ثمّ جعلني في أربعين يوماً علقة حمراء، كما مرّ.

ثمّ جعلني مضغة، ثمّ جنيناً ذا نفسين: نفس نباتية، ونفس حيوانية.

ثمّ ألهمني جذب دم الطمث في رحم اُمي من السرّة إلى معدتي، وغذّاني به ما أبقاني فيه، إلى أن مضت عليَّ الشهور، وأثّرت فيَّ الكواكب السبعة.

ثمّ أخرجني منها ملهماً بالتقام ثدي اُمي، ومعلّماً بالبكاء، ولولا إلهامه تعالى وتعليمه لجعلتُ الثدي في فضاء فمي اُلجلجه وما مصصته.

ثمّ حفظني ورزقني في الدرجة الحيوانية إلى أوان بلوغي الصوري، ثمّ وفقّني لتحصيل كمالاتي النفسانية، واكتساب معارفه ومعارف أوليائه وأنبيائه، إلى أن بلغت أشدّي.

فكنت مدّة في هاوية الهيولى والظلمات، وزماناً في فيفاء الجمادات، ووقتاً في آجام القصبات ومنبت النباتات، وبرهة كالديدان في الموحلات، وكباقي الحيوانات والعجماوات.

وفي جميع هذه المواقف والمقامات، غذّاني وربّاني وحفظني وكلأني، وصيّرني إنساناً في أحسن تقويم، ذا الأيدي والقوى والقُدُر، فبأيّ لسان أشكر نعماءه وأحمد آلاءه؟ وفي أبي بيان أدرج محامده وثناءه؟

غير آنكه زبان بكام خموشى كشيم ودم نزنيم

 

(هبني لابتداء كرمك وسالف برك بي)

هب: أمرٌ من الهبة، وهي العطاء.

الكرم: كالموهبة من الله تعالى، إفادة ما ينبغي لا لعوض ولا لغرض، كما مرّ الكلام في جوده تعالى.

سالف الزمان: ما مضى منه.

البِرّ: الإحسان، وبالفتح بمعنى: البارّ المحسن.

يريد السائل: أ نّه لأجل ألطافك القديمة، ومواهبك العظيمة العميمة السالفة الّتي أعطيتها لي في ابتداء وجودي إلى الآن، اغفر لي ذنوبي واعطني سؤلي، فإنّك عوّدتني بمواهبك السنية، ومراحمك البهية العلية.

(يا إلهي وسيّدي وربّي، أتُراك معذبي بنارك بعد توحيدك)

الهمزة: للاستفهام الإنكاري، و «تُرى»: مضارع «رأى»، وقياسه: «ترأى» في مضارعه، كـ «تخشى»، ولكن العرب أجمعت على حذف الهمزة من مضارعه، فقالوا: يرى، يريان، يرون، من الرؤية.

والكاف مفعوله الأوّل، وجملة: (معذّبي بنارك) مفعوله الثاني، وكلمة (بعد) من ظروف الغايات.

وتوحيده تعالى تمييزه عن خلقه، وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة، فهو تعالى واحد; إذ ليس له شريك واحد; لأ نّه بسيط وليس له جزء.

النسبة بين الأحدية والواحدية

وبين الأحدية والواحدية ـ كما قرّر في محلّه ـ عموم من وجه; لاجتماعهما في الحقّ البسيط الصرف المحض، وفي العقول، سيّما على مذهب الإشراقيين; لأ نّهم يقولون: إنّها وجودات وأنوار بحتة لا ماهية لها، والتفاوت بينها وبين الوجود الواجبي بالشدّة والعضف.

وكذا في النوع البسيط الّذي هو هيولى عالم العناصر على طريقة المشّائين، حيث إنّها مخالفة بالنوع لهيولى عالم الأفلاك، فلا شريك لها من نوعها، وهي بسيطة; لأنّ جنسها مضمّن في فصلها، وفصلها مضمّن في جنسها، وإن كان لها شريك في جنسها ووجودها، وكان لها أجزاء عقلية، كما عرفت بأ نّها جوهر مستعد، أو ماهية ووجود.

وتفارق الأحدية عن الواحدية في النقطة، من حيث انتفاء الأجزاء المقدارية عنها. وكذا في الأعراض من الماهيات التامّة، من حيث انتفاء الأجزاء الخارجية عنها، وإن كان لها الأجزاء العقلية. وكذا في الأجناس العالية والفصول الأخيرة من الماهيات الناقصة، من حيث انتفاء الأجزاء العقلية عنها.

وتفارق الواحدية عن الأحدية في الأجرام الفلكية من الأفلاك الكلّية والجزئية والكواكب السيارة وغيرها، إذ كلّ منها نوعه منحصر في فرده، ولا شريك له في نوعه، وإن كان لها شريك في جنسها ووجودها، ولو اعتبر النفي بالكلّية كانتا من الصفات المختصة بالله تعالى; لأنّ ما سواه من الموجودات لا يخلو من شيء منها من الشريك في الوجود، بخلافه تعالى فإنّه لا شريك له في الوجود، كما لا ثاني له في الموجود.

وما من موجود إلاّ وهو زوج تركيبي له ماهية ووجود، بخلافه تعالى; إذ لا ماهية له، بل ماهيته إنيّته وتأكّد وجوده ووجوبه.

برهان أحديته وواحديته تعالى

وأمّا بيان أحديته تعالى وكونه وجوداً صرفاً; لأ نّه إن كان ذاته مركّبة من الأجزاء مطلقاً فلا يخلو: إمّا أن تكون الأجزاء موجودة بوجود واحد، أو بوجودات متعدّدة.

الأوّل: تكون أجزاء عقلية من الجنس والفصل والماهية والوجود.

والثاني: قسمان; فإنّ الأجزاء مع كونها موجودة بوجودات متعددة، إمّا أن تكون متّحدة في الوضع فهي الأجزاء الخارجية من المادّة والصورة، وإمّا غير متّحدة في الوضع وهي الأجزاء المقدارية.

فهو تعالى بريء عن جميع هذه; لأ نّه ليس جسماً حتى تكون له المادّة والصورة، وكذا الأجزاء المقدارية الّتي من لواحق الجسم، وليس نوعاً حتى تكون له الجنس والفصل، وكذا لا ماهية له حتى تكون له الأجزاء التحليلية العقلية، بل هو وجود صرف، والوجود بسيط محض.

في الاستدلال على توحيده تعالى:

وأمّا بيان واحديته تعالى ونفي الشريك عنه، فكما قيل في المشهور: إنّه لو كان الواجب لذاته متعدّداً لابدّ من امتياز كلّ منهما عن الآخر، فإمّا أن يكون امتياز كلّ منهما عن الآخر بذاته، فيكون مفهوم وجوب الوجود محمولا عليهما بالحمل العرضي، وكلّ عرضي معلّل، وقد قرّر بطلانه.

وإمّا أن يكون الامتياز ببعض الذات فيلزم التركيب، وكلّ مركّب محتاج إلى الأجزاء، وكلّ محتاج ممكن، هذا خلف.

وإمّا أن يكون الامتياز بالأمر الزائد على ذاتيهما، فذلك الزائد إمّا أن يكون معلولا لذاتيهما، وهو مستحيل; لأنّ الذاتين إن كانتا واحدة كان التعيين أيضاً واحداً، فلا تعدّد، هذا خلف. وإن كانتا متعددتين كان وجوب الوجود عارضاً لهما، وقد ظهر بطلانه.

وإمّا أن يكون معلولا لغيرهما، لزم الافتقار في التعيّن إلى الغير، وكلّ مفتقر إلى غيره في تعيّنه مفتقر إليه في وجوده; إذ التعيّن إمّا عين الوجود أو مساوق له، فيكون ممكناً، هذا خلف.

فقد ثبت توحيد واجب الوجود بالذات جلّ برهانه.

وهاهنا شبهة عويصة منسوبة إلى ابن كمونة، وقد أجابه صدر المتألّهين الشيرازي(رحمه الله) في الأسفار(64) من شاء فليرجع إليه.

وقد ذكر الحكماء حججاً وبراهين كثيرة على توحيده تعالى، والحال أ نّه غنيّ عن الحجج والبراهين، بل ذاته بذاته برهانه ودليل على ذاته، كما في الدعاء: (يامن دلّ على ذاته بذاته)(65).

وفيه أيضاً: (عميت عين لا تراك ولا تزال عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي الّتي توصل إليك)(66).

(اعرفوا الله بالله، والرسول بالرسالة، واُولي الأمر منكم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)(67).

علم چون بر فرازد شاه فرخار *** چراغ انجا نمايد چون شب بار

زهي نادان كه او خورشيد تابان *** بنور شمع جويد در بيابان

فهذا القليل الّذي ذكرت في توحيده تعالى من أقوال الحكماء كاف في هذا المختصر لمن له قلب سليم أو ألقى السمع وهو شهيد.

فقوله: (بعد توحيدك) أي بعد توحيدي إيّاك، اُضيف المصدر إلى المفعول. يريد أ نّك تعذّب بنارك الموحّدين والعارفين بحقّك؟! لا والله، أنت أجلّ وأرفعُ من أن تعذّب موحّديك، وتولّه مفرديك ومحبيك.

الهوامش

(1) الإشارات والتنبيهات: 3/263، شرح المواقف: 7/254.

(2) يوسف: 53.

(3) القيامة:2.

(4) يوسف: 18.

(5) الشمس: 8 .

(6) الفجر: 27 ـ 30.

(7) في المخطوط زيادة: (عن) بعد (زياد).

(8) التحريم: 12.

(9) الفجر: 27 ـ 30.

(10) قرة العيون للكاشاني: 363، بحار الأنوار 58/85.

(11) بحار الأنوار: 11/121.

(12) في المخطوط: مثل ان.

(13) شرح دعاء الصباح: 94 ـ 95 باختلاف.

(14) بحار الأنوار: 67/78 ح 12.

(15) إحياء علوم الدين: 3/26 ـ 27.

(16) مجمع البحرين: 3/71 مادة «سيد».

(17) في المخطوط: يناسب به.

(18) الأنبياء: 37.

(19) بحار الأنوار: 94/269 وفيه: «لا تفضحنا على رؤوس الخلائق».

(20) المائدة: 93.

(21) سنن الترمذي: 5/7 ح 2610 باختلاف.

(22) النساء: 17.

(23) آل عمران: 14.

(24) النهاية في غريب الحديث والأثر: 2/176.

(25) النور: 39.

(26) النمل: 62.

(27) مجمع البحرين: 3/372.

(28) الأنبياء: 83 .

(29) اُنظر كشف المراد: 59.

(30 و31) اُنظر كشف المراد: 57.

(32) اُنظر شرح الأسماء: 100.

(33) بحار الأنوار: 83/45.

(34) النحل: 98.

(35) الناس: 1.

(36) الفلق:1.

(37) جامع الأخبار: 515 ح 1454.

(38) مجمع البحرين: 1/343 مادة «قضا».

(39) الصحاح: 6/2463 باختلاف.

(40) مختصر بصائر الدرجات: 149.

(41) بحار الأنوار: 94/257.

(42) الكافي: 1/155 ح 1 باختلاف.

(43) بحار الأنوار: 75/43 ح 35.

(44) البقرة: 187.

(45) الذاريات: 56.

(46) البينة: 5.

(47) البقرة: 111.

(48) قرة العيون للكاشاني: 20، وفيه: «ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال والحرام».

(49) بحار الأنوار: 1/208 ح 10 وفيه: «المتعبّد على غير فقه...».

(50) الفاتحة: 2.

(51) التغابن: 1.

(52) القبسات: 459.

(53) النساء: 165.

(54) الأنعام: 149.

(55) الإنسان: 30، التكوير: 29.

(56) البقرة: 143.

(57) اُنظر شرح الأسماء: 424.

(58) الروم: 31 و33.

(59) البلد: 13.

(60) النساء: 28.

(61) بحار الأنوار: 4/181.

(62) الاستبصار: 1/329، وفيه: «السجود» بدل: «يسجد».

(63) الإنسان: 1.

(64) الحكمة المتعالية المشهور بالأسفار الأربعة: 1/133.

(65) بحار الأنوار: 91/243.

(66) الإقبال لابن طاووس: 66.

(67) الكافي: 1/85 ح 1، وفيه: «والعدل والإحسان» بدل «والنهي عن المنكر».