(وبعدما انطوى عليه قلبي من معرفتك)

الانطواء: الاندماج والاجتماع، وكلمة (مِن) بيان لـ (ما) .

القلب والروح والنفس الناطقة واحدة عند الحكماء، ولكن فرّق بينها العرفاء والأطباء.

فقال الأطباء: الروح هو البخار اللطيف المتولد في القلب الصنوبري، القابل لقوّة الحياة والحسّ والحركة.

كما يسمّى هذا البخار عند العرفاء بالنفس، وما يتوسّط بين المدرك للكلّيات والمدرك للجزئيات بالقلب، فهو عند العرفاء(1) جوهر نوراني مجرّد يتوسط بين الروح ـ بالمعنى الأوّل ـ والنفس، ولكنّ باطنه الروح، ومركبه وظاهره المتوسط بينه وبين الجسد: النفس.

وفي آية النور في قوله تعالى: (اللّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة الزُّجَاجَةُ كَأ نَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة مُبَارَكَة زَيْتُونَة لا شَرْقِيَّة وَلا غَرْبِيَّة)(2) وقد مثّل القلب بالزجاجة وبالكوكب الدريّ، والروح بالمصباح، والنفس بالشجرة الزيتونة، فإنّها لا من شرق عالم الأرواح ولا من غرب عالم الأجساد، بل هي متوسطة بينهما ومشتملة عليهما.

فإنّ النفس ـ كما مرّ ـ جسمانية الحدوث، روحانية البقاء، ظاهرها هو البدن وقواه ومشاعره، وباطنها هو العقل الفعّال وقدرة الله تعالى.

ويمكن أن يراد بالانطواء: الانفطار.

أي بعدما انفطر عليه قلبي، إذ القلوب مفطورة ومجبولة على المعرفة ولو إجمالا، كما قيل(عليه السلام):

(رأيت العقل عقلين *** فمطبوع ومسموع)(3)

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): (ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة، فأبواه ينصّرانه ويهوّدانه ويمجّسانه)(4).

در هيج سرى نيست *** كه سرّى از خدا نيست

والمعرفة أعمّ من العلم، إذ هي تطلق على إدراك الجزئيات أيضاً، بخلاف العلم، فإنّه لا يقال إذا أدرك أحد جزئياً: هو عالم به، بل يقال: عارف به.

(ولهج به لساني من ذكرك)

كلمة (من) بيانية، والجملة معطوفة على ما قبلها، أي وبعد ما لهج به لساني من ذكرك.

واللهجة: التنطّق، ومنه في وصف عليّ(عليه السلام) قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (عليّ أصدق الناس لهجةً). وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): (ما من ذي لهجة أصدق من أبي ذر)(5).

(واعتقده ضميري من حبّك)

معطوفة على ما قبلها.

الضمير: الفؤاد والقلب، سمّي به لأ نّه مضمر ومستتر. وكلمة (من) أيضاً بيانية.

والحب والعشق بمعنىً واحد.

نيست فرقى در ميان حب وعشق *** شام در معنى نباشد جز دمشق

إنّ المحبة للرحمن أسكرني *** فهل رأيت محبّاً غير سكران(6)

كما أنّ الخمر تذهب بالعقل وتأخذ الإنسان من نفسه، كذلك العشق والمحبة ـ رزقنا الله تعالى ـ تأخذ الإنسان من نفسه، وتسكره سكراً ليس له صحو وإفاقة إلى صباح القيامة.

وقد وصفها الله تعالى في كتابه الكريم، قال: (إنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأس كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَـيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ يُـفَجِّـرُونَهَا تَـفْجِيراً)(7). وقال: (وَيُسْقَوْنَ فِـيهَا كَأساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلا * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا)(8).

وقال تعالى: (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيم)(9) أي مزاح الرحيق المختوم، وهو ما يمزج به (من تسنيم): وهو عين في الجنة، ينصبّ على أهلها من علوّ، وهو أشرف شراب في الجنة. قال تعالى: (عَـيْناً يَشْرَبُ بِهَا المُقَرَّبُونَ)(10).

وفي مجمع البيان: «أي هي خالصة للمقرّبين، يشربونها صرفاً، ويمزج لسائر أهل الجنة)(11).

اعلم أنّ مشرب العرب في شربهم مختلف، فمنهم من يشرب صرفاً، كما قال الشاعر:

يا ساق لا تشعشع الراح بما *** فهو يكفّ عاملا عن عمل

وقال ابن الفارض:

عليك بها صرفاً وإن شئت مزجها *** فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم(12)

ومنهم من يشرب مزجاً، كما قال الشاعر:

فقلت: اقتلوها عنكم بمزاجها *** ]فأطيب[(13) بها مقتولة حين قتل(14)

وقال أبو القاسم الحريري في مقاماته توريةً:

يا قوم كم من عاتق عانس *** ممدوحة الأوصاف في الأنديه

قتلتها لا أتّقي وارثاً *** يطلب مني قوداً أو دِيَه

وقال حسّان بن ثابت:

إنّ الّتي ناولتني فرددتها *** قُتِلَت قُتِلت فهاتها لم تقتل(15)

والله تعالى حرّم أصنافها على المؤمنين في الدنيا، ووعدهم في الاُخرى الصّرف للمقرّبين، والممزوجَ لأصحاب اليمين.

وقول الحريري: «عانس»، يقال: عنست الجارية، إذا بلغت وبقيت عند أهلها، حتى خرجت عن إدارة الأبكار ولا يتزوجها أحد.

والعاتق: من أسماء الخمر، وهي الّتي مضت عليها مدّة طويلة، سنة أو سنتان أو أكثر منها.

(وبعد صدق اعترافي ودعائي خاضعاً لربوبيتك)

الاعتراف والتصديق بمعنىً واحد، والربوبية من الربوب من الربّ، ومعناها بالفارسية: خداوندي. ومنه الحديث: (العبودية جوهرة كنهها الربوبية)(16).

(هيهات، أنت أكرم من أن تضيع من ربيته)

وهذه الجملة ناظرة إلى ما قبلها، إلى قوله: (أتراك معذّبي).

(هيهات) اسم فعل معناه: بَعُدَ.

التضييع: الإفساد.

(ربيّته): من التربية.

(أو تبعد من أدنيته)

أدنوه منّي: أي قرّبوه، من الإدناء، قد مرّ الكلام فيه.

و تشرد من آويته)

التشريد: التطريد والتفريق، كما قال تعالى: (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ)(17).

(آويته): أي مكّنته عندك وضممته إلى عبادك، كقوله تعالى: (فَأوُوا إلَى الكَهْفِ)(18) أي انضموا واجتمعوا إليه.

(أو تسلّم إلى البلاء من كفيته ورحمته)

البلاء هنا بمعنى الغمّ والحزن.

(كفيته): أي أغنيته عن غيرك، كقوله تعالى: (ألَيْسَ اللّهُ بِكَاف عَبْدَهُ)(19) أي بمغن.

(رحمته): رزقته وأحسنت إليه.

(وليت شعري يا سيّدي وإلهي ومولاي، أتسلّط النار على وجوه خرت لعظمتك ساجدة)

(ليت شعري): كلام يقال في مقام الحيرة في أمر، والبهت والاستفسار عن باطن ذاته، وأمثال هذا.

الوجوه ـ جمع «الوجه» ـ : وهو ما اشتمل على الناصية والذقن وما بينهما من الحاجبين والعينين والخدّين والأنف والفم.

(خرّت): أي سقطت.

(وعلى ألسن نطقت بتوحيدك صادقة)

تقييد التوحيد بالصدق لإخراج توحيد أهل النفاق، الّذي هو الإقرار باللسان فقط; إذ من أقسام الكفر كفر النفاق، وهو خلاف كفر التهوّد، الّذي هو الإنكار في الظاهر، والإقرار في الباطن.

مراتب التوحيد:

ثمّ اعلم أنّ مراتب التوحيد أربعة:

توحيد الذات: وهو أن يرى الموحّد جميع الموجودات ممحوقة ومقهورة في وجود الله تعالى، بحيث لا يشذّ عن حيطة وجوده وجود.

وتوحيد الصفات: وهو أن يرى الموحّد جميع القُدَر والصفات الكمالية مستهلكة في صفاته، كما أشعر بالأوّل: (لا هو إلاّ هو) وبالثاني (لا إله إلاّ الله).

وتوحيد الأفعال: وهو أن يرى الموحد جميع الأفعال فانية في فعله تعالى، كما أشار إليه قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم).

توحيد الآثار: وهو أن يرى الموحد كلّ الآثار من الله تعالى، كما قال الحكماء: لا مؤثر في الوجود إلاّ الله.

(وبشكرك مادحة)

معطوف على التوحيد.

(وعلى قلوب اعترفت بإلهيتك محقّقة)

أي اعترافاً واضحاً.

(وعلى ضمائر حوت من العلم بك حتى صارت خاشعة)

(ضمائر): جمع «ضمير».

(حوت): أي جمعت من الحجج والبراهين على توحيدك وتوحيد صفاتك وتوحيد أفعالك وآثارك، حتى حصل لها الخشوع والخشية منك، كما قال تعالى: (إنَّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ)(20).

جميع هذه الجمل والفقرات وكذا الفقرتان الآتيتان معطوفة على «الوجوه».

(وعلى جوارح سعت إلى أوطان تعبدك طائعة)

الجوارح: جمع «جارحة» وهي الأعضاء من الرأس والظهر والبطن واليدين والرجلين وغيرها.

(سعت): أي جهدت وأسرعت.

الأوطان ـ جمع «الوطن» ـ : وهو محلّ التوقّف والإقامة مطلقاً، سواء كان مولد الشخص فيه أم لا، والمراد بها هنا: المساجد والمشاهد الشريفة والمعابد، وكلّ مكان اُقيم فيه طاعته تعالى وعبادته.

التعبّد: هو فعل العبادة وقضاؤها.

أنواع العبادة وحقيقتها

اعلم أ نّه كما قال المحقّق الطوسي والحكيم القدّوسي(قدس سره)، في الأخلاق الناصرية، ناقلا عن أقوال الحكماء: «عبادة الله تعالى على ثلاثة أنواع:

الأوّل: ما يجب على الأبدان، كالصلاة والقيام، والسعي في المواقف الشريفة لمناجاته جلّ ذكره.

الثاني: ما يجب على النفوس، كالاعتقادات الصحيحة، من العلم بتوحيد الله وما يستحقه من الثناء والتمجيد، والفكر فيما أفاضه الله سبحانه على العالم من وجوده وحكمته، ثمّ الاتساع في هذه المعارف.

الثالث: ما يجب عند مشاركات الناس في المدن، وهي في المعاملات والمزارعات والمناكح، وتأدية الأمانات، ونصح البعض للبعض بضروب المقارنات، وجهاد الأعداء والذبّ عن الحريم وحماية الحوزة» انتهى.

وحقّ العبادة وحقيقها ـ كما في الحديث ـ ثلاثة أشياء:

الأوّل: أن لا يرى العبد لنفسه فيما أنعمه الله تعالى ملكاً; إذ العباد لا ينبغي أن يكون لهم الملك، بل يرون المال مال الله، يصرفونه حيث أمرهم الله تعالى.

الثاني: أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيراً.

الثالث: أن يكون جملة اشتغاله فيما أمره الله تعالى ونهاه.

فإذا لم يرَ العبد لنفسه فيما أعطاه الله ملكاً هان عليه الإنفاق، وإذا فوّض العبد تدبير نفسه إلى مدبّره هانت عليه مصائب الدنيا، وإذا اشتغل العبد فيما أمره الله ونهاه لا يتفرّغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس.

فإذا اتّصف العبد بهذه الثلاثة هانت عليه الدنيا وما فيها، ولا يطلب الدنيا تفاخراً وتكاثراً، ولا يطلب ما عند الناس عزّاً وعلوّاً، ولا يدع أيامه باطلة. فهذا أول درجة المتّقين.

ويمكن أن يراد بالتعبّد: دوام فعل العبادة، كما سمّي من يداوم في العبادة بالمتعبّد.

(وأشارت باستغفارك مذعنة)

أي أشارت الجوارح، فينبغي أن نعمم الجوارح حتى تشتمل جميع الأعضاء، من اللسان والجنان والأصابع والعيون والجفون، وغيرها ممّا ذكر أو لم يذكر; إذ حيث يذكر الذاكرُ المذكورَ الحقيقي جميع المشاعر والقوى والآلات والأدوات ملتفتاً ومشيراً إليه تعالى، كما قيل:

جمله اعضايم سراسر سوى دوست *** وقت يا الله إشارت ميكنند

(ماهكذا الظنّ بك، ولا اُخبرنا بفضلك عنك يا كريم)

كلمة (ما) نافية، و (هكذا) كناية عن مقدار الشيء وعدّته.

نقل كلام ابن هشام في بيان لفظ كذا

قال ابن هشام: «ويرد كذا» على ثلاثة أوجه:

أحدها: أن تكون كلمتين باقيتين على أصلهما، وهما كاف التشبيه و «ذا» الإشارة، كما تقول: رأيت زيداً فاضلا ورأيت عمراً كذا.

الثاني: أن تكون كلمة واحدة مركبة من كلمتين، يكنى بهما عن غير عدد، كما جاء في الحديث: (يقال للعبد يوم القيامة: أتذكر يوم كذا وكذا فعلت كذا وكذا).

الثالث: أن تكون كلمة واحدة مكنّياً بها عن العدد، فتوافق «كأيّن» في أربعة اُمور: التركيب، والبناء، والإبهام، والافتقار إلى التمييز.

وتخالفها في ثلاثة:

أحدها: أ نّها ليس لها صدر الكلام.

الثاني: أنّ مميزها واجب النصب، فلا يجوز جرّه بـ (من) اتفاقاً، ولا بالإضافة، خلافاً للكوفيين.

الثالث: لا تستعمل غالباً إلاّ معطوفاً عليها»(21) انتهى.

وهاهنا من الوجه الثاني، ولكنّها مركّبة من كلمات ثلاث، هي: «هاء» التنبيه، و «كاف» التبشبيه، و «ذا» الإشارة، مجرّدة عن معانيها، وصيرورتها كلمة واحدة كنّى بها عن غير العدد.

معنى الظن

الظن يأتي لمعان أربعة كما في المجمع(22).

منها معنيان متضادان:

أحدهما: الشكّ.

والآخر: اليقين الّذي لا شكّ فيه.

فمن موارد اليقين قوله تعالى: (وَأنَّا ظَـنَـنَّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللّهَ فِي الأرْضِ)(23)ومعناه: علمنا وأيقنا.

ومنها معنيان ليسا بمتضادين:

أحدهما: الكذب.

والآخر: التهمة.

والّذي أُريد هنا هو المعنى المصطلح، وهو الطرف الراجح من طرفي الاعتقاد، أي الّذي بمعنى الحسبان، كما هو المراد في الحديث القدسي: (أنا عند حسن ظنّ عبدي المؤمن)(24).

وفي الأخبار: (أحسن ظنك ببارئك)(25).

وقيل: فليحسن العبد ظنّه بربّه.

وقوله: (ولا اُخبرنا) أي ولا هكذا اُخبرنا، مجهول المتكلّم من الماضي من الإخبار، يريد أنّ الّذي أخبرنا بفضلك عنك عن نبيّك يعكس ذلك، وهو قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلَى أنْفُسِهِمْ لا تَـقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً)(26).

وإنّه غافر الخطيئات، ماحي السيئات، معطي المسألات، رافع الدرجات، قاضي الحاجات، واهب العطيات، غفور رحيم، ذو الفضل العميم، ذو العرش العظيم، حكيم قديم حليم كريم، عطوف رؤوف، وأمثال ذلك.

(يا ربّ وأنت تعلم ضعفي)

ضعفى: ووهني ووهيي.

(عن قليل من بلاء الدنيا)

كحرارة أهوية الصيف، وبرودة الشتاء، والجوع والظمأ، وأمثال ذلك.

(وعقوباتها)

ونكالها، كالآلام والأوجاع، وانكسار العظم، وقطع اليد والرجل وسائر الأعضاء، وكالوقوع في المخاوف والمهالك، وسياسات السلاطين والحكّام، والتجلّد بالحدود، وأمثال ذلك.

(وما يجري فيها من المكاره على أهلها)

والضمائر الثلاثة راجعة إلى (الدنيا).

(على أنّ ذلك)

أي بلاء الدنيا وعقوباتها والمكاره الّتي تجري على أهلها.

(بلاء ومكروه قليل مكثه)

ساعة أو يوم أو اُسبوع أو شهر أو سنة، كلّ ذلك:

(يسير بقاؤه)

سريع الزوال.

البقاء: خلاف الفناء، كما أنّ القليل واليسير خلاف الجزيل والكثير.

(قصير مدّته)

وزمانه القصير، ضدّ الطويل.

(فكيف احتمالي لبلاء الآخرة وجليل وقوع المكاره فيها)

يريد أنّ الإنسان الضعيف النحيف الّذي لا يطيق احتمال العذاب والعقوبات السريعة الزوال في الدنيا، كيف يتحمل العقاب والعذاب الدائم المخلّد في الآخرة، كما قلت في كتابك الكريم: (وَلَـنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ)(27).

(وهو بلاء تطول مدته، ويدوم مقامه، ولا يخفّف عن أهله)

أي أهل البلاء، وهو لا يخفّف عن أهله، لأ نّه كما قال تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً)(28).

بيان حشر أصناف الخلق

واعلم أنّ دار الآخرة هي دار بروز صور الملكات والأخلاق، وأهل المحشر يحشرون على أصناف شتى وأقسام مختلفة:

فبعضهم يحشرون على صور البهائم، أُولئك الّذين كانوا في الدنيا واقفين عن تحصيل المعارف الحقّة والكمالات الدينية بالرياضات الشرعية، وبذلوا جهدهم وصرفوا همّهم في سوق الشهوات ونيل اللذات العاجلة كيفما اتفق، وكم من آية مرّت عليهم في الدنيا وهم عنها معرضون!

وبعضهم يحشرون على صور الذؤبان والحضاجر(29)، اُولئك الّذين كانوا في الدنيا حسدين على ما أنعم الله به عباده من المال والكمال والجمال والعزّة والجلال، ولا زالوا حاسدين وتمكنوا فيه، فماتوا على مَلَكته، وكم من نذير جاءهم فيها وهم عنه غافلون!

وبعضهم يحشرون على صورة الدببة والخنازير.

اُؤلئك الّذين كانوا في الدنيا حريصين على ادخار الزخارف، ومولعين في كثرة الأكلّ والشرب، وما زالوا واقفين على تلك الصفة الخبيثة، حتى تمكنوا فيه وصارت مَلَكتهم، وكم من ناصح نصحهم تركه وهم عنهم نافرون!

وبعضهم يحشرون على صور القردة، اُؤلئك الّذين كانت طباعهم مجبولة على تقليد العباد، أفعالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم، وقصروا هممهم على إراءة صفات أهل الله بأقبح وجه وأسوأ حال، وما زالوا عاكفين عليها وماتوا على مَلَكتها، وكم من شفيع زاجر منعهم عن تلك الصفات الخسيسة وهم عنها سائمون!

وبعضهم يحشرون على صور الاُسود والفهود والكلاب والنمور، اُؤلئك الّذين شيمتهم في الدنيا سَوق الغضب على الخلائق، وديدنهم القهر ومزق الأعراض وهتك العصم بلا حجة شرعية، وما زالوا تورّطوا فيها حتى صارت مَلَكتهم، وكم من شفيق مكرم نصحهم تركها فما سمعوا، وماتوا وهم كافرون!

وهكذا بعضهم على صور النمل، وبعضهم على صور العقارب والزنابير والحيّات، وقِسْ عليها ما لم يُكر.

هذا على طريقة الإمامية الاثني عشرية الحقّة، ومذهب حكماء الإسلام، بل مذهب جميع الحكماء، من إدريس(عليه السلام) إلى زماننا هذا، وإليها ذهب جميع العرفاء، وأهل الكشف والشهود، والآيات الفرقانية، والأحاديث الصحيحة الصريحة، والآثار من الحكماء النظّار والعرفاء ـ أولي الأيدي والأبصار ـ في هذا الباب أكثر من أن تعدّ وتحصى.

قال العارف الرومي في مواضع من المثنوي، منها:

ز آنكه حشر حاسدان روز كنند *** بيگمان بر صورت گرگان كنند

حشر پر حرص خس مردار خوار *** صورت خوكى بود روز شمار

زانيانرا كند اندام نهان *** خمر خوارانرا بود كند دهان

سيرتى كاندر نهادت غالب است *** هم بران تصوير حشرت واجب است

ومنها:

آيد ريده پوستين يوسفان *** كرك بر خيزى از انخواب كران

كشته گرگان هر يكى خوهاى تو *** ميدارنند از غضب اعضاى تو

آنسخهاى جومار و گردمت *** مار وكژدم گردد وگيرد دمت

ايبرادر تو همين انديشه *** ما بقى تو استخوان وريشه

گر بود انديشه ات كلّ گلشنى *** ور بود خارى تو هيمه گلخنى

كان قندم نيستان شكرم *** هم زمن ميرويد و من ميخورم

إلى غير ذلك.

وقيل: إنّ يوم الحشر إذا حُشر الناس على تلك الصور صاحوا وفزعوا فزعاً عظيماً، ونادوا نداء، ويقولون: يا ويلتى ما هذه، ما كنّا بهائم وذؤباناً واُسوداً وفهوداً وعمياناً، كما أخبر الله تعالى عن حال الجاهلين في الدنيا، وقولهم هناك: (رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً)(30).

چشم بينا خشه ام من أى كرام *** كور محشورم كند يوم القيام

فيقال لهم: إنّما هي أعمالكم تردّ إليكم، ومَلَكاتكم صوّرت لكم، فيقولون: يا ليتنا كنّا تراباً.

كاش از خاكى سفر نگزيد مى

ثمّ يعرضون جميعهم على النار، ويصلون فيها خالدين إلى ما شاء الله.

(لأنّه لا يكون إلاّ عن غضبك وانتقامك وسخطك)

الضمير: يرجع إلى البلاء.

الغضب في الحيوان: غليان دم القلب الصنوبري إذا أدرك ما ينافر طبيعته، وأراد التفصّي عنه أو الانتقام على باعثه.

وفي الله تعالى: عقابه وإرادة الانتقام من العصاة، فإنّه يفعل بالكفّار ما يفعل الملك الجبّار إذا غضب على من تحت يده.

وفي رواية عمرو بن عبيد مع أبي جعفر(عليهما السلام)، وقد قال له: قوله تعالى: (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى)(31) ما ذلك الغضب؟ فقال(عليه السلام): (هو العقاب يا عمرو، وإنّه مَن زعم أنّ الله قد زال من شيء إلى شيء فقد وصفه صفة المخلوقين)(32).

أقول: قد مرّ في المكر أنّ الغضب والحياء والخدعة والتردّد وأمثال ذلك، إذا اُسند إليه تعالى يراد بها الغايات لا المبادئ، فغاية الغضب مثلا هو الانتقام والتخلّص، فإذا أراد الله تعالى عقوبة العاصي أو انتقام الكفّار على كفرهم، فصدق عليه تعالى أ نّه غضب عليهم، وقِسْ عليه البواقي.

الانتقام: التعذيب على المخالفة.

السخط: الغضب، وهو في الإسناد إليه تعالى كالغضب، يراد به ما يوجب السخط من العقوبة.

(وهذا ما لا تقوم له السماوات والأرض)

يريد أنّ غضبك وانتقامك وسخطك شيء لا تقوم له السماوات والأرض.

(يا سيّدي فكيف بي وأنا عبدك الضعيف الذليل، الحقير المسكين المستكين)

الضعيف: من ضَعُف عن الشيء، أي عجز من احتماله، فهو ضعيف.

الذليل من الذُلّ ـ بالضم ـ : بمعنى الهوان والاستخفاف، خلاف العزّ.

الحقير: الصغير الذليل.

المسكين: الفقير الّذي لا يقدر على قوت يومه وليلته.

المستكين: الخاضع.

يريد: أنّ ما لا تقوم له السماوات والأرض من غضبك وانتقامك كيف يمكن لي تحمّله ومقاومته، والحال أ نّني (عبدك الضعيف)...؟ إلى آخره؟

(يا إلهي وربّي وسيّدي ومولاي، لأيّ الاُمور إليك أشكو، ولما منها أضجُّ وأبكي)

في القاموس: «شكا أمره إلى الله شكوى ـ وينوّن وشكاة وشكاوة وشكية وشِكاية ـ بالكسر ـ إذا أخبر عنه بالسوء»(33).

فالعارف الخبير ينبغي أن لا يشكو إلى غيره تعالى، مقتفياً بالأنبياء والأولياء، كما قال تعالى حكاية عن يعقوب النبي(عليه السلام): (إنَّمَا أشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللّهِ)(34).

والشكوى المذمومة هي الّتي جاءت بها الرواية، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: (إنّما الشكوى أن تقول: لقد ابتليت بما لم يبتلِ به أحد، أو تقول: لقد أصابني ما لم يصب أحداً، وليس الشكوى أن تقول: سهرت البارحة وحُممت اليوم)(35).

(و) عاطفة وكلمة (ما) في قوله: (لما) للاستفهام، وقيامه سقوط الألف إذا دخلت عليه الحاء، ومثل «لِمَ و «بِمَ» و «إلى مَ» وغيرها، ولكن لما كان بعدها حرف من جنسها، وهي الميم في (منها)، ولم يكن محل الإدغام، فلم يسقط ألفها. والضمير راجع إلى الاُمور.

الضجّة: الفزع.

سبب البكاء:

وسبب البكاء ـ كما قيل ـ هو إدراك ما لا يلائم الطبيعة، فإنّه إذا أدرك أحدٌ الأمر الغير الملائم له تحرّك روحه البخاري من الظاهر إلى الباطن، هرباً منه، فتتمدّد الأعصاب نحو الباطن، ويضيّق أفضية الدماغ والعصبتين والصدر، وينعصر منافذها، ويحدث شكل البكاء، ويخرج حينئذ بالضرورة ما في الدماغ من الرطوبات الرقيقة بالدمع والمخاط، كما يخرج الماء من الإسفنجة المغموسة فيه عند غمز اليد عليها.

وحصول تلك الرطوبات واجتماعها في الدماغ بسبب أنّ الألم الموجب للبكاء يسخّن القلب عند توجّه الدم والروح إليه، وحينئذ ترتفع منه ومن نواحيه أبخرة حارة إلى الدماغ، تذيب الرطوبات الّتي فيه وترقّقها وتسيّلها، ثمّ تبرد هي بنفسها، وتغلظ حين وقوفها فيه، فتصير رطوبات، فيدفعها الدماغ بالعصر إلى جهة العين، لاتصال ]...[(34) بها، وكلّما كان الموجب أقوى كان الدمع أحرّ.

(لأليم العذاب وشدّته، أم لطول البلاء ومدته)

أليم: فعيل من الألم، وهو إدراك المنافر، كما أنّ اللذة إدراك الملائم.

معنى الشر والألم

ومن قواعد الحكماء(37) أنّ الشرّ عدمُ ذات أو عدمُ كمال لذات، ونوقضت هذه القاعدة بالألم، حيث إنّه شرّ مع كونه وجودياً. فقد ذكروا في التفصّي عن نقض القاعدة أقوالا.

والحقّ ما حقّقه صدر المتألهين السبزواري(38) من أنّ الألم معدود من الخيرات، لأ نّه وجودي، ولكنّه شرّ بالعرض بواسطتين:

إحداهما: تفرّق الاتصال.

والثانية: عدم الطاقة.

وقاعدة الحكماء غير منقوضة، وهي أنّ كلّ ما هو شرّ بالذات فهو من أفراد العدم البتة. ثمّ إنّ الناس اختلفوا في سبب الألم: هل هو تفرّق الاتصال أو سوء المزاج، أو قد يكون هذا وقد يكون ذلك؟

فأكثر الأطباء ـ تبعاً لجالينوس ـ على الأوّل، والإمام الرازي مع جماعة على الثاني، والشيخ الرئيس على الثالث(39).

ثمّ إنّ استعمال «المدّة» لبلاء الآخرة، كسائر أسماء الزمان الّذي استعمل في ثوابها وعقابها، على سبيل المجاز; لأ نّها من الأسماء المبهمة للزمان، والزمان ـ كما قرّر في محلّه ـ مقدار الحركة القطعية آ الّتي كانت للفلك الأقصى(40).

ودار الآخرة في باطن العالم الجسماني كذلك ثوابها وعقابها من سنخها، وهي دار الصور الصرفة الغير الواغلة في المادة، إذ عالم الصورة غير منحصر في هذا

العالم، بل الصورة صورتان:

صورة منطبعة وواغلة في المواد، وهي داثرة زائلة غير باقية.

وصورة صرفة مجردة عن الموادّ قائمة بذاتها، ودائمة باقية لا تتغيّر من حال إلى حال، وعذابها وثوابها أيضاً صورية صرفة لا تنقطع، فلا وقت ومدّة هناك.

فالمراد بالمدّة ما نزلت منزلتها، وهو الدوام والبقاء الدهري; إذ كما مرّ جار مجرى الوعاء للثابتات هو الدهر.

وما ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْس)(41) وقوله: (يَوْمَ القِيَامَةِ)(42) وقوله: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ)(43) ـ وغير ذلك من أسماء الزمان الّتي ذكرت في القرآن ـ من ذلك القبيل.

(فلئن صيرتني للعقوبات مع أعدائك، وجمعت بيني وبين أهل بلائك، وفرقت بيني وبين أحبائك)

بمعصيتي واستحقاقي للعقوبات.

الأحباء: جميع حبيب، وأحباؤه تعالى هم الّذين خلصوا وأخلصوا في المحبة، وهم الأنبياء والأوصياء، وسيّما رأسهم ورئيسهم وسيّدهم هو الخاتم الملقب بحبيب الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأوصياؤه الاثنا عشر من بعده، وكذلك أشياعهم وأتباعهم وأشعتهم وأظلّتهم من العلماء الراشدين الراسخين، والعرفاء الكاملين الشامخين.

(وأوليائك)

جمع «الولي» بمعنى: الحبيب والمحبّ هنا، وهو من عطف الخاص على العام إن اُريد بها الأوصياء فقط، واُريد بالأحبّاء: جميع الأنبياء والأوصياء والملائكة المقربين، كما مرّ. وقد لا يفرّق بين الأولياء والأحبّاء، بناءً على قاعدة أنّ كلّ نبيّ ولي ولا عكس، وحينئذ كان من قبيل عطف العام على العام، والفرق هو الاختلاف في العبارة وملاحظة التفنّن فيها. وسيأتي لك تعداد بعض معاني «الولي» عند شرح قوله: (يا ولي المؤمنين).

(فهبني يا إلهي وسيّدي ومولاي وربّي صبرت على عذابك)

الفاء للتفريع، «وهب»: من أفعال القلب، يلازم الأمر أبداً، وهو بمعنى: ظنّ.

(هبني) أي ظنّني، ينصب مفعولين، كقول الشاعر:

فقلت أجرني أبا خالد *** وإلاّ فهبني أمرأً هالكا(44)

مفعوله الأوّل ضمير المتكلّم، وجملة (صبرت على عذابك) مفعوله الثاني.

(فكيف أصبر على فراقك)

وحرمان لقائك الّذي هو منتهى آمال المحبّين، ونصب عيون العارفين، وغاية منى المجاهدين، ومفرّج قلوب العاشقين، الّذي وعدت به عبادك المتّقين، وقلت في كتابك المبين ـ وأنت أصدق الصادقين، وأعزّ القائلين ـ : (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحاً وَلا يُشْرِكُ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أحَداً)(45).

فراق بر دل نادان چوپ كاهي نيست *** بيا وبر همدان بين كه كوه الونداست

كيف: اسم للاستفهام، والاصطبار: توطين النفس على تحمّل مشاق الاُمور في طلب المطلوب المحبوب.

وفي الحديث: (الصبر صبران: صبر على ما تكره، وصبر على ما تحب)(46).

فالصبر الأوّل: مقاومة النفس للمكاره الواردة عليها، وثباتها وعدم انفعالها، وقد يسمّى: سعة الصدر، وهو داخل تحت الشجاعة.

والصبر الثاني: مقاومة النفس لقوّتها الشهوية، وهو فضيلة داخلة تحت العفّة.

ثمّ إنّ السائل أدرج فراق أحبّاء الله تعالى وأوليائه في فراقه تعالى، وإلاّ فالأولى أن يقول: فكيف أصبر على فراقك وفراق أحبائك وأوليائك، إشارة إلى أنّ فراقَهم من حيث إنّهم أولياؤه فراقُه تعالى; إذ العلة واجدة لكمال المعلول بنحو الأتمّ. ولهذا ورد: (مَن أحبهم فقد أحب الله، ومن أبغضهم فقد أبغض الله، ومن أطاعهم فقد أطاع الله)(47).

وفي مناجاة الشيخ عبدالله الأنصاري، قال بالفارسية: «إلهي چون آتش فراق داشتي باتش دوزخ چه كار داشتي؟»(48).

أقول: ظنّي أ نّه ألهمه الله تعالى ـ إذ ناجاه بهذه المناجاة ـ أ نّه خلقتُ نار السعير لإحراق جلود الفاسقين والكافرين في الآخرة، وجعلتُ نار فراقي لأحرق بها قلوب العاشقين، والعارفين في الاُولى.

أي فراقت همچو نار مؤصده *** زد بهر بندم هزار آتشكده

سينه خواهم شرحه شرحه از فراق *** تا بگويم شرح درد اشتياق

(وهبني صبرت على حر نارك)

أي نار جهنم. وجملة (هَبني) معطوفة على (هبني) الاُولى.

(فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك)

كرامته تعالى للعباد: إراءته إيّاهم جماله وجلاله في فراديس الجنان، واجتماعهم مع أحبّته وأوليائه في محضر القرب ومشهد الاُنس.

(أم كيف أسكن في النار ورجائي عفوك)

(أم): حرف عطف، والجملة معطوفة على ما قبلها.

يريد: أنّ رجائي القديم الّذي معه وفدتُ على فناء بابك وفضلك وعفوك، فكيف يسكن ويقوم في النار مَن تغيّر رجاؤه وانعكست منيته وآماله.

(فبعزّتك يا سيّدي ومولاي اُقسم صادقاً)

حرف الباء للقسم، وجملة: (اُقسم صادقاً) تؤكده، أي قسماً صادقاً خالصاً.

(لئن تركتني ناطقاً)

أي لا تأخذ عني قوّة التنطّق والتكلّم، ولا تُذهب بجرأتي هيبتُك وسطوتُك، وبقي لي مجال البكاء والفزع والصياح.

(لأضجّن إليك بين أهلها)

أي أهل النار والعذاب.

(ضجيج الآملين)

أي أفزعنّ وأصيحنّ صيحة المشتاقين.

الأمل: المنية والاشتياق، والآمل وصف منه بمعنى: المشتاق والراجي.

(ولأصرخن إليك صراخ المستصرخين)

الصراخ: الصياح بالاستغاثة، والصريخ: المغيث والمستغيث، من الأضداد. ومنه في الدعاء: (يا صريخ المستصرخين)(49) أي مغيثهم.

(ولأبكين عليك بكاء الفاقدين)

الفاقد: مَن فقد ابنه أو ابنته بالموت أو الأسر أو الغرق والخسف والهلك، أو فقد شيئاً آخر مطلوباً له. والمصدر للتنويع، أي نوع البكاء الفاقدين.

(ولاُنادينك أين كنت يا ولي المؤمنين)

معني الولي والإيمان ومراتبه

للولي معان كثيرة، منها: الناصر، والمعين، والمدبّر، والمتولي لاُمور العالم المتصرّف فيه، وهو من أسمائه تعالى. والمناسب هاهنا هو الأوّل والثاني.

والإيمان في اللغة: التصديق والاعتقاد، وفي العرف أيضاً: عبارة عن التصديق بتوحيد الله تعالى ونبوة أنبيائه، والاعتقاد بما جاء به النبيّون، مع موالاة أهل البيت(عليهم السلام) ومحبّتهم.

اعلم أ نّه ـ كما مرّ ـ للإيمان مراتب، أدناها الإقرار باللسان، وأعلى منها التصديق بالجنان والعمل بالأركان، وأعلى منها ـ وهي المرتبة القصوى ـ تنوّر في القلب، ينكشف به حقيقة الأشياء كما هي عليها، فيرى الجميع من الله وإلى الله، واقتدار في الباطن يوصل به إلى مقام «كن»، فيتخطّون في المقامات، ويشاهدون في أنفسهم الكرامات، فيصدّقون على أبلغ وجه بالنبوّات والولايات، ولا يحتاجون في إثباتها إلى الدلائل والبيّنات، وهذه هي حقّ حقيقة الإيمان.

فقوله: (أين كنت) أي أين نصرك وإعانتك يا معين المؤمنين؟

(يا غاية آمال العارفين)

ومنتهى أشواقهم وطلباتهم.

العارف ـ كما قال صدر المتألهين(قدس سره)(50) ـ : من أشهده الله تعالى ذاته وصفاته وأفعاله.

والعالم ـ إذا جُعل مقابلا له ـ : من أطلعه الله على ذلك لا عن شهود، فهو في مقام علم اليقين أو حقّ اليقين، ولهذا يقال: المعرفة إدراك الجزئي أو البسيط; لأنّ متعلق الشهود جزئي حقيقي وبسيط. والعلم حدود ورسوم مركّبة وتصديقات كذلك، وجميعها عنوانات كلّية. وغاية الشيء: منتهاه.

الآمال: جمع «أمل» قد مرّ معناه.

(يا غياث المستغيثين، يا حبيب قلوب الصادقين)

إن كان الحبيب بمعنى المُحبّ فالقلوب محبوبون له تعالى، وإن كان بمعنى المحبوب فهم محبّون له، كما قال تعالى: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)(51).

الغياث: بمعنى الغيث.

(ويا إله العالمين)

ومعبودهم الحقيقي.

العالمون: اسم جمع لـ «العالم» ـ بفتح اللام ـ وليس جمعاً له، إذ هو اسم لما سوى الباري تعالى. والعالمون يختص استعماله في ذوي العقول وما سوى البارئ تعالى، أعمّ من أن يكونوا عقلاء أو غير عقلاء، ولو كان جمعاً له ينبغي أن يكون مدلوله زائداً على مدلول مفرده، والأمر بالعكس فيهما.

(أفتراك سبحانك يا إلهي وبحمدك تسمع فيها صوت عبد مسلم سجن فيها بمخالفته)

الضميران: المؤنّثان راجعان إلى النار.

(سُجن): أي حُبس في السجن، والباء للسببية، أي بسبب مخالفته أوامرك ونواهيك.

والمسلم من أتى بالشهادتين: شهادة التوحيد، وشهادة الرسالة.

(وذاق طعم عذابها بمعصيته، وحبس بين أطباقها بجرمه وجريرته)

أطباق النار: دركات الجحيم الّتي بعضها فوق بعض، كما أنّ درجات الجنان بعضها فوق بعض.

الجريرة: الخطيئة. والضمائر الثلاثة ترجع إلى العبد.

(وهو يضجُّ)

ويفزع.

(إليك ضجيج مؤمّل)

وراج.

(لرحمتك)

ورأفتك.

(ويناديك بلسان أهل توحيدك)

أي يناديك ويدعوك كما يدعوك الموحّدون الّذين لا يرون في مملكة الوجود غيره تعالى ديّاراً، بل يرون في كلّ شيء ذاته وصفاته وأفعاله وشؤونه وآثاره، ولا يدعون لحوائجهم أحداً غير الواحد الأحد الصمد، المقصود في الحاجات وقاضيها، ويقولون:

جمالك في كُلّ الحقائق سائر *** وليس له إلاّ جلالُك ساتر

تجلّيت للأكوان خلف ستورها *** فتمت بما ضمت عليه الساتر(52)

جمال دوست هر جا جلوه كرده *** ز معشوقان عالم بسته پرده

الا تا نغلطى نا گه نگوئى *** كه از عاشقى وزا ونگوئى

كه همچون نيگوئى عشق ستوده *** از او سربر زده در تو نموده

تو آئينه او آئينه آرا *** توى پوشيده و او آشكاره

چونيكو بنگرى آئينه هم اوست *** نه شها گنج او گنجينه هم اوست

من و تو در ميان كارى نداريم *** بجز بيهوده پندارى نداريم

(ويتوسل إليك بربوبيتك)

كما في دعاء عرفة: (بك عرفتك، وأنت دللتني عليك، ولولا أنت لم أدرِ ما أنت)(53).

كما قيل:

بوى گل خود بچمن راهنما شد ورنه *** مرغ مسكين چه خبر داشت كه گلزار كجاست

ولكنّه ليس المراد هاهنا جعله تعالى وسيلة لمعرفته، بل المراد جعله وسيلة لاستخلاصه من العذاب.

الوسيلة: هي ما يتقرّب بها إلى الشخص، حتى يعرض عليه حاجته.

(يا مولاي، فكيف يبقى في العذاب وهو يرجو ما سلف من حلمك)

ورأفتك ورحمتك.

فالمراد برجاء السائل: ما سلف من حلمه تعالى أ نّه في الدنيا كثيراً ما صدر عنه المعصية، وترقّب لذلك غضب الله وسخطه على نفسه، ولكن تجاوز عنه كثيراً ما; لحلمه ورأفته ورحمته بعباده، وما أخذه بالعقوبة، كما قال المولوي:

خونيها جرم نفس قاتله *** هست بر حلمش ديت بر عاقله

فاعتاد لذلك بحلمه تعالى، ويرجوه عن الله في الآخرة أيضاً.

(أم كيف تؤلمه النار)

وتوجعه.

(وهو يأمل)

ويرجو.

(فضلك ورحمتك، أم كيف يحرقه لهيبها وأنت تسمع صوته)

لهب النار: اتقادها واشتعالها.

(وترى مكانه)

ومقامه في النار.

المكان: مقولة من المقولات التسع العرضية، وعُرّف بـ «البعد المجرّد» في اصطلاح الإشراقيين(54) وبـ «تماس باطن الحاوي بظاهر المحوي» في اصطلاح المشائين(55).

كأ نّه يريد السائل: أنّ إبراهيم(عليه السلام) حين اُلقي في نار نمرود لم يستغث ولم يستصرخ، وما دعا ربّه للنجاة منها، مع أنّ جبرائيل(عليه السلام) نزل إليه من ربّه الجليل وقال: (هل لك حاجة)؟ قال: (بلى، أمّا إليك فلا)(56). فمع هذا ما آلمته النار وما أحرقته، بل جُعلت النار عليه برداً وسلاماً، فكيف بعبد استغاثك واستصرخ إليك وأنت تسمع صوته، وترى مكانه فيها، وهي تؤلمه ويحرقه لهبها، ولا تنجيه عنها؟ حاشى بكرمك وفضلك.

(أم كيف يشتمل عليه زفيرها)

اشتمل عليه: أي أحاط عليه.

الزفير: حسيس النار، وهو في الأصل: أول صوت الحمار، كما أنّ الشهيق آخره.

شبّه حسيسها المفظع بزفير الحمار الّذي هو كذلك.

(وأنت تعلم ضعفه)

وهنه وتوانيه وعدم طاقته، وقلّة بضاعته في مبانيه.

(أم كيف يتغلغل بين أطباقها)

التغلغل: هو التحرّك مع الاضطراب، إذا قصد الخروج عن تحت شيء لا طاقة له فيه.

طبقات النار: مواقفها ودركاتها.

(وأنت تعلم صدقه)

أي أنت تعلم أ نّه في تغلغله وعدم تحمله إيلام النار وإحراقها صادقٌ لا خادع وماكر.

(أم كيف تزجره زبانيتها وهو يناديك يا ربّه)

(تزجره): أي تمنعه عن الخروج منها.

الزبانية: الملائكة الموكّلة عليها، واحدهم «زُبني» مأخوذ من «الزبن» وهو الدفع; لأ نّهم يدفعون أهل النار إليها.

وفي الصحاح: «الزبانية عند العرب: الشرطة، وسمّي به بعض الملائكة; لدفعهم أهل النار إليها»(57).

(أم كيف يرجو فضلك في عتقه منها فتتركه فيها)

العتق: التحرير والتخليص عن القيد.

تتركه: أي تَذَرُه فيها.

(هيهات، ما ذلك الظن بك، ولا المعروف من فضلك)

بل الّذي هو معروف من فضلك بين عبادك بعكس ذلك، كما مرّ.

(ولا مشبه لما عاملت به الموحّدين)

معطوفة على ما قبلها، أي ولا هكذا مشبهٌ لمعاملتك مع الموحّدين.

(من برك وإحسانك)

كلمة: (من) بيان لـ (ما).

يريد أ نّك تتعامل مع موحّديك بالبرّ والإحسان، لا بالعذب والإساءة والنيران.

(فباليقين أقطع)

الفاء للتفريع، والظرف متعلّق بـ (أقطع).

وجملة (أقطع) تأكيد لما قبلها، أكده لاقتضاء المقام.

اليقين: هو الاعتقاد الجازم الثابت، ويرادفه القطع.

ثمّ لمّا كان المقام أن يتوهّم متوهّمٌ أنّ السائل في تلك الضراعة والابتهال والمسكنة وتوصيف العذاب والنكال، كأ نّه أساء ظنّه بربّه وضعف اعتقاده بفضله وكرمه، فلدفع هذا التوهم أتى بجملة مؤكدة:

(لولا ما حكمت به من تعذيب جاحديك)

كلمة (من) بيان لـ (ما).

الجاحد: المنكر المصرّ في الإنكار، وحكمه تعالى بتعذيب جاحديه في القرآن المجيد حيث قال: (وَلَوْ تَرَى إذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ربَّـنَا أبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا كُلَّ نَـفْس هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لاَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ* فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ بِمَا كُـنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(58).

(وقضيت به من إخلاد معانديك)

(قضيت): حكمت.

المعاند والعنود والعنيد واحد، وهو: المعارض لك بالخلاف عليك.

والمراد بهم: الّذين عارضوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجادلوه بالباطل والخلاف، ولم يؤمنوا بالله ورسوله، وماتوا على كفرهم.

الخلود: دوام البقاء، وقضى أيضاً في كتابه الكريم، حيث قال تعالى في جواب إبليس متى قال: (فَبِعِزَّتِكَ لاَُغْوِيَنَّهُمْ أجْمَعِينَ * إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ* قَالَ فَالحَقُّ وَالحَقَّ أقُولُ * لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أجْمَعِينَ)(59).

(لجعلت النار كلّها برداً وسلاماً)

جواب (لولا).

البرد: خلاف الحرّ، كما أنّ الحرارة خلاف البرودة.

سلام: كناية عن الراحة وعدم الآفة والأذى، ومنه سمّى الجنة: دار السلام; لعدم وجدان الآفة فيها، ونضارة عيش أهلها بالتنعم والالتذاذ.

الهوامش

(1) اُنظر شرح الأسماء: 212.

(2) النور: 35.

(3) بحار الأنوار: 1/218 ح 44 و44/80 ح 64 وفيه: «العلم علمان...».

(4) بحار الأنوار: 3/281 ح 22 باختلاف يسير.

(5) بحار الأنوار: 22/405 و/406.

(6) انظر شرح الأسماء: 534.

(7) الإنسان: 5 و6.

(8) الإنسان: 17 و18.

(9) المطففين: 27.

(10) المطففين: 28.

(11) مجمع البيان: 10/581.

(12) ديوان ابن الفارض: 184.

(13) من المصدر، وفي المخطوط: «فحب».

(14) ديوان الأخطل: 155.

(15) ديوان حسّان بن ثابت: 185، وفيه: «فاولتني» بدل: «ناولتني».

(16) التفسير الصافي: 4/365.

(17) الأنفال: 57.

(18) الكهف: 16.

(19) الزمر: 36.

(20) فاطر: 28.

(21) حكاه عنه العلاّمة الطريحي في مجمع البحرين: 1/357.

(22) مجمع البحرين: 6/279.

(23) الجن: 12.

(24) بحار الأنوار: 67/366 و385 و390.

(25) بحار الأنوار: 11/263، وفيه: «بربك» بدل: «ببارئك».

(26) الزمر: 53.

(27) السجدة: 21.

(28) النساء: 56.

(29) كذا في المخطوط.

(30) طه: 125.

(31) طه: 81 .

(32) الكافي: 1/110 ح 5.

(33) القاموس المحيط: 4/505.

(34) يوسف: 86 .

(35) بحار الأنوار: 78/202 ح1.

(36) كلمة غير مقروءة في المخطوط.

(37) اُنظر القبسات: 430 ـ 431.

(38) شرح الأسماء: 683 ـ 689.

(39) اُنظر شرح الأسماء: 687.

(40) اُنظر شرح حكمة الإشراق: 428.

(41) يونس: 30.

(42) البقرة: 113 و174 و212.

(43) القمر: 1.

(44) القائل هو عبدالله بن همام السلولي. انظر لسان العرب: 15/412، وفي المخطوط زيادة: «فانيا» آخر البيت، وما أثبتناه وفق المصدر.

(45) الكهف: 110.

(46) بحار الأنوار: 68/95 والزيادة من المصدر.

(47) بحار الأنوار 38/139 و39/250 باختلاف.

(48) اُنظر شرح الأسماء: 107.

(49) المصباح للكفعمي: 336.

(50) شرح الأسماء: 531.

(51) المائدة: 54.

(52) اُنظر جامع الأسرار: 152، شرح الأسماء: 218، شرح دعاء الصباح: 182.

(53) الإقبال: 335، من دعاء أبي حمزة الثمالي.

(54 و55) اُنظر شرح المقاصد: 2/198 ـ 199.

(56) مجمع البيان: 7/75.

(57) الصحاح: 5/2130 مادة «زين».

(58) السجدة: 12 ـ 14.

(59) ص: 82 ـ 85 .