عمّار.. والخلفـاء



لا بد لنا ـ ونحن في سيرة عمار ـ من جولة قصيرة نلمح من خلالها طبيعة تعامله مع الخلفاء منذ اليوم الأول بشكل يسمح لنا أن نكّون الصورة الملائمة عن مجمل تطلعاته وسلوكه على الصعيدين الديني والسياسي ، وهذا يتطلب منا بالضرورة عرضاً لبعض النصوص التاريخية التي تتصل بحياته في هذا المضمار.
ولكننا قبل أن نجول في هذا الميدان ، لا بد لنا من إدراك طبيعة تعامل المسلمين مع الرسول الأعظم (ص) لأنها تشكل الحد الفاصل بين عهدين ، عهد النبوة وعهد ما بعد النبوة ، ومن خلال ذلك يمكننا أن نأخذ موقفاً معيناً من مجريات الأمور ومن ثم نسجل ملاحظاتنا آزاء مواقف الصحابة رضوان الله عليهم وفي طليعتهم عمار بن ياسر الذي نحن الآن في سيرته.
إن طبيعة تعامل المسلمين مع النبي (ص) تنطلق من مفهوم « تعامل الإنسان مع خالقه بواسطة الرسول » وهذا يعني الإذعان المطلق والخضوع الكامل لكل ما يأتي به ذلك الرسول ، والتسليم لأوامره ونواهيه دون نقاش أو جدال (1) كما أن للنبي مكانة خاصة في نفوس المسلمين وله عليهم سلطة
____________
1 ـ صريح القرآن الكريم بذلك ، ومنه قوله تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه

=


(67)


مجعولة من قبل المشرع الحكيم ترتقي به لأعلى درجات السلطة في العالم حيث أنه أولى بهم من أنفسهم (1) وهذان الأمران من الثوابت التي لا يختلف فيها أحد من المسلمين إلا أن يحيد عن منطوق القرآن الكريم وعن مفاهيمه لذلك صنف المشككون بهذا الأمر في خانة المنافقين ، ومن ثَمَّ في صف الملحدين والمشركين.
أما تعامل المسلمين مع خلفائهم فإنه يختلف عن ذلك غاية الإختلاف من حيث حرية إبداء الرأي ، بل رفع الصوت عالياً حينما تقتضي الظروف ذلك ، فالخليفة يخضع للنقد من قبل الصحابة فهم بين راضٍ ورافض وأدل دليل على ذلك قول عبد الرحمن بن عوف لأبي بكر : « وإنما الناس رجلان رجل رضي بما صنعت فرأيه كرأيك ورجل كره ما صنعت فأشار عليك برأيه » (2).
بل هو نفسه يدعو إلى ذلك وينتقد ذاته بذاته ، وقد يعترف بالنقص أحياناً ، وذلك كقول أبي بكر في مستهل خطبته التي خطبها بعد استخلافه : أما بعد أيها الناس ، فإني قد وُلّيت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني (3) وقوله : واعلموا ان لي شيطانا يعتريني أحيانا. فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني (4).
وعلى هذا الأساس فلا نفاجأ بعد بما صدر من بعض الصحابة في سقيفة بني ساعدة من الإعتراض سواء على الكيفية التي تم بها اختيار الخليفة ، أو على الخليفة نفسه ، وإليك الصورة كما يرسمها لنا المؤرخون :
____________
=
فانتهوا ) الحشر ـ 7. وقوله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) النجم ـ 3. وقوله تعالى : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة ) الأحزاب ـ 36.
1 ـ قوله تعالى : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ).
2 ـ الإمامة والسياسة 1 | 24.
3 ـ الطبري 3 | 210.
4 ـ الإمامة والسياسة 1 | 22.


(68)


النبي (ص) مسجىًّ على فراشه في بيته وعلي (ع) منهمك في تجهيزه إذ سُمِع صوتٌ دون أن يُرى شخص ، يقول : السلام ورحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً. كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زُحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور لتُبلّون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً ، وأن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور. إن في الله خلفاً من كل هالك ، وعزاءً من كل مصيبة ، عظم الله أجوركم والسلام ورحمة الله (1) وكان المتكلم جبرائيل (ع). وصار المسلمون يدخولون عليه أرسالاً يودعونه ، حتى إذا فرغ الرجال أدخل النساء ، حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان ، ثم أدخل العبيد (2) يودعون المنقذ العظيم وهم بين ذاكرٍ لله ، وبين متمتمٍ بأسمى آيات الإجلال والإعظام ، وبين مرسلٍ دموعه الحرى بهدوءٍ وهم يصلون عليه ويسلمون تسليماً كما أوصاهم (ص).
في هذه اللحظات الرهيبة كان الأنصار يجتمعون في سقيفة بني ساعدة وقد أجلسوا سعد بن عبادة الخزرجي وعصبوه بعصابة وثنوا له وسادة وهم يريدون أن يبايعوه.
مما أثار حفيظة الأوس وأيقض الفتنة بينهم وبين الخزرج ، تلك الفتنة التي أطفأ الإسلام نائرتها ، كما أثار حفيظة المهاجرين فحين علم أبو بكر وعمر باجتماعهم أتوا مسرعين فنحوا الناس عن سعد ، وقالوا : « يا معاشر الأنصار ! منا رسول الله ، فنحن أحق بمقامه » (3).
وقال سعد بن عبادة مخاطباً قومه : فشدوا يديكم بهذا الأمر فإنكم أحق
____________
1 ـ اليعقوبي 2 | 114 وقيل لجعفر بن محمد الصادق (ع) من كنتم ترونه ؟ فقال : جبريل !
2 ـ الطبري 3 | 213.
3 ـ اليعقوبي 2 | 123.


(69)


الناس وأولاهم به.
وقال الحباب بن المنذر : فمنا أمير ومنكم أمير !
فقال عمر بن الخطاب : هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد ، إن العرب لا ترضى أن تؤمركم ونبيها من غيركم.
فقام الحباب وقال : لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من الأمر !
فقال أبو بكر : منا الأمراء. وأنتم الوزراء.
ونادى أبو عبيدة : يا معشر الأنصار ، إنكم كنتم أول من نصر ، فلا تكونوا أول من غيّر وبدّل.
وقال عبد الرحمن بن عوف : يا معشر الأنصار ، إنكم وإن كنتم على فضل ، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي !
فقال المنذر بن أرقم : ما ندفع فضل من ذكرت ، وإن فيهم لرجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد ! يعني علي بن أبي طالب.
فلما رأى بشير بن سعد الخزرجي ما اجتمعت عليه الأنصار من تأمير سعد ـ وكان حاسداً له ـ قال : إن محمد (ص) رجل من قريش وقومه أحق بميراث أمره.. !
فقام أبو بكر وقال : هذا عمر وأبو عبيدة ، بايعوا أيهما شئتم.
فقالا : والله لا نتولى هذا الأمر عليك ، أبسط يدك حتى نبايعك ، فلما بسط يده وذهبا يبايعانه سبقهما بشير بن سعد فبايعه ، فناداه الحباب بن المنذر : يا بشير ، عقَّك عقّاق والله ما اضطرك إلى هذا الأمر إلا الحسد لابن عمك !
قال البراء بن عازب ـ وكان خارج السقيفة ـ : فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده


(70)


فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه ، شاء ذلك أو أبى ، فأنكرت عقلي ! (1).
وجاء البراء بن عازب فضرب الباب على بني هاشم وقال : يا معشر بني هاشم ، بويع أبو بكر ! فقال بعضهم : ما كان المسلمون يحدثون حدثاً نغيب عنه ، ونحن أولى بمحمد.
فقال العباس : فعلوها ، ورب الكعبة !
وكان خالد بن سعيد غائباً ، فقدم فأتى علياً فقال : هَلُمَّ أبايعك ، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك.
وكان المهاجرون والأنصار لا يشكون في علي ، فلما خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس ـ وكان لسان قريش ـ فقال : يا معشر قريش ، إنه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه ونحن أهلها دونكم ، وصاحبنا أولى بها منكم.
وقام عتبة بن أبي لهب فقال :

مـا كنـت أحسـب أن الأمر منصـرف

*

عن هـاشم ثم منها عـن أبي الـحسـن

عـن أول النـاس إيمـانـاً وسـابـقـة

*

وأعلـم الـنـاس بـالقـرآن والـسنـن

وآخـر النـاس عهـداً بـالـنبـي ومن

*

جبريل عـون له في الغسـل والـكفـن

مـن فيـه مـا فيهـم لا يمتـرون بـه

*

وليـس في القـوم مـا فيه من الحسـن


وتخلف عن البيعة قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع علي بن أبي طالب ، منهم : العباس بن عبد المطلب وولده الفضل ، والزبير بن العوام ، وخالد بن سعيد ، والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر.. (2) إلى غير ذلك مما رقمه المؤرخون في كتبهم والذي لا حاجة بنا إلى ذكره.
والذي يهمنا من هذا كله أن نعرف ماذا كان موقف عمّار. وكيف كانت نظرته ؟؟
____________
1 ـ أبو ذر الغفاري للمؤلف | 96 وهو مفصل هناك.
2 ـ اليعقوبي 2 | 124.


(71)


موقف عمّار.. !

كانت نظرته للخلافة نظرةً مستقلةً في ذاتها لأول وهلة ، حتى يخيل للقارئ أنه انطوى على سرٍّ دون أخوانه من الصحابة والسابقين ، ولكن حين نمعن النظر في كلماته وفي التطورات التي انتهت إليها الخلافة ندرك السر الذي ترك عماراً ينفرد مع فئةٍ قليلة من إخوانه في الصف المتخلف عن البيعة.
لقد كان موقف عمار في هذا المجال متأثراً بخطوات علي (ع) حتى يكاد أن لا يبرم أمراً دون مشورته وأخذ النصيحة منه ، ومرد ذلك يرجع لأمرين أساسيين.
الأول : أنه يعلم مسبقاً بأن الوصي بعد رسول الله هو علي بن أبي طالب سماعاً من النبي (ص) صراحة في غدير خم حين حج آخر حجة حيث قال (ص) : « من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، اللهم والي من والاه وعاد من عاده وانصر من نصره واخذل من خذله » (1). حيث أعطاه الولاية على المؤمنين وهي أوسع من الوصاية. كما سمع منه (ص) حديث المنزلة حيث قال مخاطباً إياه : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (2) إلى غير ذلك من الأحاديث التي تصرح أو تلمح إلى أحقيته بالخلافة.
الثاني : أن النبي (ص) خاطب عماراً ذات يوم بقوله :
يا عمار ، إن علياً لا يردك عن هدى ، ولا يدلك على ردى !
يا عمار ، طاعة علي طاعتي ، وطاعتي طاعة الله عزَّ وجلّ (3) !
بعد أن يسمع هذا من النبي في حق علي (ع) فهل يعقل أن يبادر إلى أمر غاية في الخطورة والأهمية دون مشاورة علي فيه ! ؟ بالطبع لا ، وألف
____________
1 ـ حديث متواتر.
2 ـ حديث المنزلة أيضاً من الأحاديث المشهورة مروج الذهب 2 | 425.
3 ـ فرائد السمطين 1 | 145.


(72)


لا ، لأن علياً لا يرده عن هدى ولا يدله على ردى !! سيما إذا كان الأمر يتعلق بمصيره الديني الذي ضحى حياته من أجله.
أما علي (ع) فكان موقفه غايةً في الوضوح ، وقد أجمله للذين طالبوه بالبيعة ، حيث قال لهم :
أنا عبد الله وأخو رسوله.
فقيل له : بايع أبا بكر.
فقال : أنا أولى بهذا الأمر منكم لا أبايعكم ، وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (ص) وتأخذونه منا أهل البيت غصباً ! ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لمكان محمد منكم ، فاعطوكم المقادة وسلموا إليكم الإمارة ، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار.
نحن أولى برسول الله حياً وميتاً ، فانصفونا إن كنتم تؤمنون ، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون.. ألخ.. (1).
ولم يفت عماراً أن يدلي برأيه صراحةً بعدما لمس موقف علي وشاهده عن كثب ، فقام في المسجد وقال :
يا معشر قريش ويا معشر المسلمين ، إن كنتم علمتم ، وإلا فاعلموا أن أهل بيت نبيكم أولى به وأحق بإرثه وأقوم بأمور الدين ، وأأمن على المؤمنين ، وأحفظ لملته وأنصح لأمته ، فمروا صاحبكم فليرد الحق إلى أهله قبل أن يضطرب حبلكم. ويضعف أمركم ، ويظهر شتاتكم ، وتعظم الفتنة بكم ، وتختلفون فيما بينكم ، ويطمع فيكم عدوكم ، فقد علمتم أن بني
____________
1 ـ الإمامة والسياسة 1 | 18 تتمة النص : فقال له عمر : إنك لست متروكاً حتى تبايع ؛ فقال له علي (ع) : احلب حلباً لك شطره ، وأشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً ثم قال : والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه ! فقال له أبو بكر : فإن لم تبايع فلا أكرهك. وكان بنو هاشم قد اجتمعوا على عليّ في هذا الأمر.


(73)


هاشم أولى بهذا الأمر منكم ، وعلي (ع) أقرب إلى نبيكم وهو من بينهم وليكم بعهد الله ورسوله وفرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد حال عند سدّ النبي (ص) أبوابكم التي كانت في المسجد كلها غير بابه ، وإيثاره إياه بكريمته فاطمة دون سائر من خطبها إليه منكم وقوله : أنا مدينة العلم وعلي بابها ، ومن أراد الحكمة فليأتها من بابها ، وأنه مرجعكم جميعاً فيما أشكل عليكم من أمور دينكم اليه ، وهو مستغن عن كل أحدٍ منكم إلى ماله من السوابق التي ليست لأفضلكم ، فما لكم تحيدون عنه ، وتبتزون علياً حقه ، وتؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة... أعطوه ما جعله له الله ولا تولوا عنه مدبرين ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ! (1).
وقد جهد عمار بعد ذلك في ثلة من الصحابة أن يرجعوا الأمر شورى بين المسلمين ولكنهم لم يفلحوا في ذلك.
قال البراء بن عازب : ورأيت في الليل المقداد وسلمان وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم بن التيهان ، وحذيفة ، وعماراً ، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين (2).
بيد أن هذا الإختلاف الذي أوجد عاصفة سياسية هوجاء سرعان ما زال حين أدرك المخلصون من أصحاب محمد (ص) خطورة الموقف وأبعاده فرجعوا متوادين متعاضدين تجمعهم وحدة الهدف ووحدة المصير فواصلوا سيرهم في إكمال مسيرتهم الجهادية ، وكان عماراً في الطليعة حين استصرخهم الواجب في الدفاع عن المسلمين فاشترك في حروب الردة ، لا سيما في حرب اليمامة التي انتهت بنصر المسلمين والقضاء على المرتدين.
لقد سجل المسلمون أعلى الإنتصارات العسكرية في ميادين الجهاد بشكل سريع ومدهش ، وذلك في برهةٍ وجيزة أعقبت الحصار والمطاردة
____________
1 ـ الإحتجاج 1 | 102.
2 ـ شرح النهج 1 | 219 ـ 220.


(74)


والهجرة ، مما جعلهم سادة الموقف بعد أن كانوا ضعفاء مقهورين ، وأرباب السلطان والنفوذ بعد أن كانوا محكومين ، وهكذا فقد أخذ الإسلام ـ بعد ذلك ـ يشق طريقه نحو النفوس بهدوء ومن دون أية وسائل قمعية ، بل بروحيته السمحاء المستمدة من السماء ، فرأيناه في زمان قصير يطبق أرجاء المعمورة أو يكاد ، فيدخل بلاداً لم يطأها فاتح ولم تغزها قوة ، بل أخذ أهلها ـ أو بعضهم ـ هذا الدين الجديد من أولئك المسلمين الذين كانوا يرتادون بلادهم للسياحة أو التجارة ، فيشاهدون الإسلام عقيدة ونظاماً تجسدا في سلوك أولئك الزوار ، في أخلاقهم وعباداتهم ومعاملاتهم.
لقد أرسى النبي الأعظم (ص) قواعد الرسالة الشريفة وأحكم دعائمها ووطد أركانها ، وأعاد للإنسانية شرفها وكيانها بعد أن كانت ضحية أهواء الجبابرة وأرباب السلطان من شذاذ الآفاق الذين لا همَّ لهم إلا إشباع رغباتهم وشهواتهم على حساب الضعفاء من عامة الناس.
وحينما لحق النبي (ص) بالرفيق الأعلى خيّل للمنافقين والملحدين أن الإسلام سينتهي بانتهاء حياة محمد ، لذلك قاموا بحملات معادية مركزة استهدفت ضرب المسلمين وتشتيت وحدتهم ومن ثم القضاء على الرسالة الإسلامية المباركة ، غير أن إرادة الله سبحانه حالت دون ذلك ، فلقد تنبه أقطاب المسلمين من الصحابة لما يجري من حولهم من ممارسات فازدادوا تماسكاً وتوحداً ، وبذلك استطاعوا تفويت الفرصة على أعدائهم.
ويمكن حصر تلك الحملات في جبهات ثلاثة ، وهي :
1 ـ إثارة العصبيات.
2 ـ تحرك دعاة الردة.
3 ـ تحرك بقايا فلول الشرك.
« إثارة العصبيات »
لقد شن الإسلام حرباً شاملةً ضد العصبيات بشكل عام ، وكافح دعاتها وطاردهم باعتبارها تشكل مصدراً واسعاً للفتنة ، فالعصبية ـ قبليةً كانت أو


(75)


عنصرية ـ لا ترتبط بأي مبدأٍ أخلاقي ولا تخضع لأي منطق عقلي ، بل الحكم فيها يرجع للعاطفة وحدها ، لأنها بمفهومها الضيق : ثورة عاطفية تنتاب الفرد أزاء قرابته أو بني قومه ولو على الباطل ، وربما يكون دافعها الأول : الشعور بوحدة المصير :
ولقد دعا الإسلام إلى قلب هذه العقلية التي يتسم بها المجمتمع الإنساني بشكل عام ، وتوجيهها بطريقةٍ معاكسة نحو الإيمان ، فالإيمان هو أداة الربط بين المؤمنين ، وهو القضية الكبرى التي يدافعون عنها لأنهم يرون فيه سعادتهم ، الإيمان بالله وبرسله وكتبه واليوم الآخر.
قال الله تعالى : ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو أخوانهم أو عشيرتهم ) (1).
وقال سبحانه : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (2).
إن الإيمان بالله وباليوم الآخر يولد في نفس المؤمن الخوف من عقاب الله والطمع في ثوابه ، وهاتان الخصلتان يشكلان حاجزاً رادعاً يكمن في صميم النفس الإنسانية ، وسدّاً منيعاً أمام نزواتها ونزعاتها الشريرة ، كما يوجدان دافعاً لها على فعل الخير ، والتحلي بالخلق الفاضل الكريم ومعاشرة الناس بالحسنى !
فالمؤمن لا يقتل بغياً ، ولا يسرق ، ولا يزني ، ولايخيف السُبُل ، ولا يذكر أخاه بسوء فضلاً عن أن يؤذيه ، ويكف يده ولسانه عن الناس ويساعد من يطلب المساعدة ، ويحترم الكبير ويحنو على الصغير ، ويبادر إلى فعل الخيرات ، وكفى بالإيمان شرفا يزين المؤمنين.
ولقد كان المسلمون كما أرادهم الله ، يداً واحدة وقلباً واحداً ،
____________
1 ـ المجادلة : 22.
2 ـ الحجرات : 13.


(76)


تجمعهم وحدة الهدف ووحدة المصير في ظل الإسلام والإيمان.
وحين ولي الخلافة أبو بكر حانت الفرصة لكثيرٍ ممن أسلموا رغبةً أو رهبة أن يستخدموا أسلوب « أثارة العصبيات » لإلقاح الفتنة بين المسلمين وإيقاع السيف فيما بينهم وتفكيكهم وتشتيت كلمتهم لتتسنى لهم العودة إلى أمجاد الماضي.
ولقد كان لإثارة العصبيات دور كبير في حركات الرّدة ، ونذكر هنا على سبيل المثال ما قاله طلحة النمري لمسيلمة الكذاب ـ وهو من أنصاره ـ قال :
« أشهد أنك الكاذب ، وأن محمداً صادق ! ولكن كذّاب ربيعه أحب إلينا من صادق مضر !! » (1).
ولم يفت أبا سفيان أن يستعمل هذا الأسلوب إبان خلافة أبي بكر ، فقد أقبل إلى علي ، وهو يقول : « إني لأرى عجاجة » لا يطفئها إلا الدم ! يا آل عبد مناف ؛ فيم يلي ابو بكرٍ من أموركم ؟ أين المستضعفان ؟ أين الأذلان علي والعباس ؟ ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ؟ !
ثم قال لعلي : أبسط يدك لأبايعك ، فوالله لئن شئت لأملأنها عليه خيلاً ورجلاً ، فأبى علي (ع). فتمثل أبو سفيان بشعر المتلمس :

ولـن يـقيـم عـلـى خـسـفٍ يـراد بـه

**

إلا الأذلان عـيـر الـحـي والـوتـد

هـذا علـى الخسـف معـكـوس بـرمتـه

**

وذا يـشـج فـلا يبـكـي لـه أحـد


فزجره علي (ع) وقال : والله إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وإنك والله طلما بغيت للإسلام شرّاً ، لا حاجة لنا في نصيحتك (2).
ولقد كان هذا الرد طبيعياً من أخي النبي (ص) ووصيه ووزيره (3) رغم
____________
1 ـ الكامل 2 | 362.
2 ـ الكامل 2 | 362 والطبري 3 ـ 209 وشرح النهج 1 | 47.
3 ـ للتفصيل راجع الكامل 2 | 63 حين نزلت الآية ( وانذر عشيرتك الأقربين ).


(77)


أنه يرى نفسه صاحب الحق الشرعي (1) وكان يرمي من وراء ذلك الحفاظ على وحدة المسلمين ووحدة كلمتهم ليبقى الإسلام ويستمر في مسيرته ، كما أن الطرف الآخر كان يرمي من وراء نخوته الجاهلية إلى عكس ذلك ، محاولاً إيقاع الفتنة بين المسلمين ، ولكنه فشل ، وقد كشف عما يدور في نفسه في أكثر من موقف. وقد حدث عبد الله بن الزبير فقال :
« كنت مع أبي باليرموك وأنا صبي لا أقاتل ، فلما اقتتل الناس نظرت إلى ناسٍ على تلّ لا يقاتلون ، فركبت وذهبت إليهم ، فإذا أبو سفيان بن حرب ومشيخة من قريش من مهاجرة الفتح ، فرأوني حدثاً فلم يتقوني ، قال. فجعلوا ـ والله ـ إذا مال المسلمون وركبتهم الروم يقولون : إيهٍ بني الأصفر ! فإذا مالت الروم وركبهم المسلمون ، قالوا : ويح بني الأصفر ! وكان يقول : وبنو الأصفر الملوك ملوك الروم لم يبق منهم مذكورُ (2).
فلما هزم الله الروم أخبرت أبي ، فضحك وقال : قاتلهم الله أبوا إلا ضغناً لنحن خير لهم من الروم (3).
وأعيت الحيلة من هم هذه الشاكلة في ضرب المسلمين وتشتيتهم ، ولكن إرادة الله سبحانه كانت هي الأقوى في حماية هذا الدين ، فكانوا أقصر من أن ينالوا منه ، وكان هو أبعد شأواً وأشد منعة.

 

« تحرك دعاة الردة »

قال ابن الأثير : وارتدت كل قبيلة ، عامة أو خاصة ، إلا قريشاً وثقيفاً واستغلظ أمر مسيلمة الكذاب وطليحة ، واجتمع على طليحة عوام طيءٍ وأسد. وارتدت غطفان تبعاً لعيينة بن حصن ، فإنه قال : نبي من الحليفين ـ
____________
1 ـ لقول رسول الله (ص) فيه في حجة الوداع : من كنت مولاه فهذا علي مولاه الخ. وقوله (ص) « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » ودعائه (ص) في حديث الطائر وقد قدمه إليه أنس « اللهم ادخل إلي أحب خلقك إليك.. إلخ ـ مروج الذهب 2 | 425.
2 ـ الكامل 2 | 414.
3 ـ النصائح الكافية 87.


(78)


يعني أسداً وغطفان ـ أحب إلينا من نبي من قريشٍ (1).
وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى أن الردة كانت على نوعين.
1 ـ ردة صورية ، أو مفتعلة :
سميت ردّة لتبرير الخطأ الكبير الذي ارتكبه خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة !
وحكاية ذلك : أنه بعد وفاة النبي (ص) إلتبس الأمر على بعض القبائل العربية المسلمة بالنسبة لتشخيص الخليفة الشرعي بعد النبي ، فامتنعوا عن أداء الزكاة ، غير منكرين لوجوبها ، وإنما أرادوا إيصالها للخليفة الشرعي ، ومن تلك القبائل « بنو يربوع » بزعامة مالك بن نويرة.
ويعتبر قتل مالك بن نويرة مع بعض أصحابه وبناء خالد بزوجته ليلى ، من أعظم التجاوزات التي ارتكبت بعد وفاة النبي (ص).
ولقد أنكر عمر بن الخطاب على خالد فعلته الشنيعة « وألحَّ على أبي بكر في عزله » وقال : « عدوُّ الله ، عدا على امريءٍ مسلمٍ فقتله ، ثم نزا على امرأته ! ».
وحين دخل خالد المسجد وكان قد غرز في عمامته أسهماً « قام عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها ، ثم قال : أرئاءً ! قتلت امرأً مسلماً ، ثم نزوت على امرأته ! والله لأرجمنك بأحجارك.. » (2).
2 ـ الردة الحقيقة :
وهي التي دعا إليها مسيلمة الكذاب ، وسجاح بنت الحارث التميمية ، والفجاءة السلمي وطلحة بن خويلد الأسدي ، وعيينة بن حصن.
ومما جاء به مسيلمة وزعم أنه وحي ، هو قوله : يا ضفدع بنت
____________
1 ـ الكامل 2 | 359.
2 ـ الطبري 3 | 280. راجع ترجمة مالك بن نويرة في ص 40.


(79)


ضفدع ، نقي ما تنقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين ، لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين ! والطريف في الأمر ، أن هذا القول إنطبق عليه تماماً.
وكان اسم مؤذنه عبد الله بن النواجة. والذي يقيم له حجير بن عمر ، فكان حجير يقول في الإقامة ، « أشهد أن مسيلمة يزعم أنه رسول الله !! » ويرفع بها صوته ، فقال له مسيلمة : أفصح يا حجير فليس في المجمجة خير !!
ومن طريف ما يذكره المؤرخون عن سجاح ومسيلمة : أن سجاح خرجت بالجنود قاصدةٍ مسيلمة فتحصن منها بادئ الأمر ، ثم أجتمع بها بعد ذلك ، فقالت له ما أوحى إليك ربك ؟ ! فقال : ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى ، اخرج منها نسمةً تسعى بين صفاقٍ وحشى ! ».
قالت : ثم ماذا ! قال : إن الله خلق النساء أفراجاً ، وجعل الرجال لهن أزواجاً قالت : أشهد أنك نبي.
قال : هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب ؟! قالت نعم. ففعل ، وكان مهرها من مسيلمة أن أمر مؤذنه بأن ينادي في أصحابها : إن مسيلمة قد وضع عنكم صلاتين ، صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة ، وفي سجاح يقول عطارد بن حاجب ، وكان من أصحابها :

أمست نبيـتنـا أنثـى نطـوف بهـا * وأصبحـت أنـبيـاءُ النـاس ذكـرانـا (1)


ولقد شكلت هذه الردة خطراً كبيراً على المسلمين رغم التفكير السخيف لدعاتها ، وقلة عقولهم ، فقد اجتمع مع مسيلمة من بني حنيفة « أربعون ألف مقاتل » ! (2).
ونذكر على سبيل المثال : أنه في وقعة اليمامة ـ بينهم وبين المسلمين ـ
____________
1 ـ الكامل 2 | 356.
2 ـ نفس المصدر 361.


(80)


أستشهد من المهاجرين والأنصار ـ من أهل المدينة ـ ثلاثمائة وستون رجلاً ، ومن غير المدينة ثلاثمائة رجل (1) عدا غيرهم من عامة المسلمين.
وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه قد أبلي بلاءً حسناً في ذلك اليوم. قال عبد الله بن عمر : « رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح : يا معشر المسلمين ، أمن الجنة تفرون ؟؟ أنا عمار بن ياسر ، هلموا إلي ـ وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب ـ وهو يقاتل أشد القتال (2).

تحرك بقايا فلول الشرك
وكان مركز هذه الحركة في البحرين ، فقد اجتمعت قبيلة ربيعة على الردة ، وارتأى آخرون أن يُردّ الملك إلى المنذر بن النعمان بن التميمي الملقب « بالغرور » وخرج الحُطَم بن ضبعة فاجتمع إليه من غير المرتدين ممن لم يزل مشركاً حتى نزل القطيف وهجر ، وقد حوصر المسلمون في « جواثا » * من قبل المشركين والمرتدين حصاراً شديداً حتى أضرّ بهم الجوع ، لكن الله تعالى أمدهم بالنصر وثبتهم بالصبر ، فغلبوا على عدوهم ، وقتل الحطم ، وهرب من نجا من أتباعه.
____________
1 ـ الإستيعاب 2 | 476.
* ـ جواثا : بلدة من أعمال البحرين.