حـرب صفين.. المحنة الكبرى



إن حرب الجمل بالرغم من شراستها وماتركت من مآسٍ وآلام في نفوس المسلمين ، تبقى المحنة الأقل والأهون بالقياس لما حدث بعدها من حروب ، لا سيما حرب « صفين » التي استهدفت أكبر قوةٍ بشرية وعسكرية ومادية على الساحة الإِسلامية في ذلك الوقت ، وامعنت فيها نزفاً وتمزيقاً.
إنها في الحقيقة محنة المسلمين الكبرى التي واجهها أمير المؤمنين عليّ (ع) بصبر وشجاعة عظيمين ، شأنه في ذلك شأن الأوصياء الذين يجهدون في إقامة العدل على الأرض وتثبيت شريعة السماء مهما كلف الأمر ، متوخياً من وراء ذلك رضا الله سبحانه وحده ، والبعد عن الذات ودوافعها الشخصية.
إن الإنسان المتبصر لا يتردد في القول أن علياً (ع) كان بإمكانه أن يعيش عيش الأمراء ـ على الأقل ـ منذ وفاة الرسول (ص) حتى استشهاده ، فلا أحد من المسلمين يستطيع إنكار فضله وسمو مكانه ، وما قدم في ميادين الجهاد ، والذين خلفوا الرسول حتى عهد عثمان لا يترددون في هذه المقولة لو شاء أو أراد ، ولم يؤثر عنده (ع) البتة أنه طالب يوماً من الأيام بشيء من حطام هذه الدنيا الزائلة ، اللهم إلا ما كان من أمر « فدك » التي طالب بها


(158)


على إنها حق من حقوق « فاطمة الزهراء (ع) » نحلةً أو ميراثاً من أبيها (ص) وما ذلك منه إلا احدى دعواته لإقامة الحق ورفع الظلم أياً كان المظلوم.
نعم ، طالب منذ اليوم الأول بالخلافة معتبراً إياها حقا مشروعاً له ، واعتبرها معظم قدماء الصحابة من المهاجرين والأنصار حقاً مشروعاً كذلك (1). ومهما يكن الأمر فلم تكن مطالبته بها هدفاً دنيوياً ـ كما يتوهم البعض ـ بل محض واسطةٍ لتثبيت دعائم شريعة الله ، يبدو ذلك واضحاً جلياً من خلال خطبه ومواعظه التي وردت في كتب المؤرخين وفي نهج البلاغة ، كما يتضح ذلك أكثر خلال فترة حكمه وما جرى له مع الولاة الذين سبقوا عصر خلافته.
لقد كان علي (ع) منذ اليوم الأول لوفاة الرسول (ص) يراقب الأمور عن كثب مراقبة المسؤول الحريص على سلامة المسلمين ووحدتهم وكان الأهم عنده سلامة تطبيق مبادئ الإسلام وشرائعه.. حتى جاء عهد عثمان ، فكان الإنحراف وكان الإلتواء ، كانا ماثلين أمام عينيه بشكل صارخ من جراء بعض الممارسات الشاذة التي قام بها بعض الولاة والأمراء ممن سبقوا عصر سلطته ـ كما قرأت.
لذلك وجدناه يصرّح في أكثر من مناسبة : بأنه سيجهد في إقامة العدل وتثبيته على الأرض بكل ما أوتي من قوة ومهما كانت النتائج وكان الثمن ، ومن ذلك قوله (ع) : « وسأجهد في أن أطهر الأرض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس ، حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد » (2).
كما وجدناه أيضاً عمد إلى استبدال الرموز المتسلطة في الدولة بآخرين ممن استقامت الروح الإِسلامية في عقولهم وسلوكهم ، ثم بعد ذلك أوعز
____________
1 ـ بالنص من النبي (ص) عليه في حجة الوداع | راجع. الغدير 1 | 8 وما بعدها.
2 ـ من كتاب له (ع) إلى ابن حنيف. نهج البلاغة 3 | 73.


(159)


بإرجاع القطائع والأموال التي اقطعها عثمان لبعض ولاته وأقربائه وجعلها في بيت مال المسلمين ، وكان يقول في ذلك : « والله لو وجدته قد تُزوّجَ به النساء ، ومُلِك به الإماءُ لرددته فإن في العدل سعةٌ ، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق » (1).
وكان (ع) في سياسته أمور الناس أبعد ما يكون عن الدهاء ، الذي يعتبره ضرباً من ضروب المكر الذي ينتهي بصاحبه إلى الغدر ، فكان صريحاً واضحاً في مواقفه ، كاشفاً لحقائق الأمور بدون خوف ولا وجل ، متوخياً بذلك رضا الله سبحانه ، غير عابىءٍ بما ينتج عن ذلك من مضاعفات على الأرض قد تؤدي إلى خسارته وانكماش سلطانه ، وهو (ع) هو الذي يرى الدنيا عنده أزهد وأحقر من نعلٍ بالٍ إلا أن يقيم حقاً أو يدفع باطلاً.
لذلك ، كان البعض يظن أن معاوية تغلب في مواقفه بدهائه ومكره ، وأن علياً كان يفتقر إلى ذلك في سياسة الأمور ، ومنهم المغيرة بن شعبة الذي أشار على علي (ع) أن يقر معاوية على الشام حتى تستقيم له الأمور ، ثم بعد ذلك يرى رأيه فيه ، وكان جواب علي (ع) « ما كان الله ليراني متخذ المضلين عضدا ».
وفي هذا المضمار يقول علي (ع) : « والله ما معاوية بأدهى مني ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ؛ ولكن كل غدرة فجرة ، وكل فجرةٍ كفرةٌ ، ولكل غادرٍ لواءٌ يعرف به يوم القيامة. والله ما أُستغفل بالمكيدة ، ولا أستغمزُ بالشديدة » (2).
ومن طبيعة أرباب السياسة الفاجرة ، أن يجوروا في أحكامهم ضد الغير ، لا سيما حين يجدون أنفسهم في موقع صعب ينذر بإنهيارهم وسقوطهم ، ويجدون في ذلك الغير الذي هو خصم لهم القوةَ والكفاءة
____________
1 ـ النهج 1 | 46.
2 ـ النهج 3 | 180 ( لا أستغمز بالشديدة يعني : لا يستضعفني شديد القوة.


(160)


للحكم ، فنراهم في هذا الحال ينسبون له جريمةً هو أبعد الناس عنها طمعاً منهم في إضعافه ولوي رقاب الناس عنه ، وتبريراً منهم لشن الحرب ضده أمام أعين الناس كي تخلو الساحة لهم ، وبذلك يستطيعون تنفيذ أطماعهم ومآربهم.
إن هذا اللون من السياسة الظالمة استعمل من الأمويين حيال علي (ع) إبان خلافته ، فانه بعد مقتل عثمان انصبت التهمة بقتله منهم على علي ، ومرجع ذلك في رأيي إلى أمرين :
الأول : هو الخوف من سيطرة مبادئ علي والعودة بهم إلى ما قبل الخلافة والإمارة وبذلك يخسرون كل شيء ، بالإضافة للخسارة الفعلية التي واجهوها في أمور دنياهم.
الثاني : ضياع دم عثمان بين المسلمين ، وبذلك يضيع ما بناه الأمويون خلال عشرين سنة ، وكفى به إذلالاً لهم.
والحق ، أن علياً كان أبعد ما يكون عن قدر محجمةٍ من دم عثمان ، بل هو على العكس من ذلك ، فلقد جهد بكل ما أوتي من قوة في إبعاد المسلمين عن الفتنة ، وردء القتل عنه ، وهو القائل لابن عباس حين أتاه برسالةٍ من عثمان وهو محصور يسأله فيها الخروج إلى ينبع :
يا بن عباس ، ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغرب ، أقبل وأدبر ! بعث إليَّ أن أخرج. ثم بعث إلي أن أقدم ، ثم هو الآن يبعث إلي أن أخرج والله لقد دفعتُ عنه حتى خشيت أن أكون آثماً (1) !.
وهو في الوقت ذاته ليس جندياً من أجناد السلطة الأموية حتى يكون ملزماً بالدفاع عن مصالحهم الشخصية التي تكرس لهم الحكم والسلطة لا أكثر ، بل إن المسلمين لا يرضون له ذلك مطلقاً ، فموقع علي (ع) في نفوسهم منذ عهد الرسول له ميزات لا يمكن تخطيها بسهولة.
____________
1 ـ النهج 2 | 233.


(161)


ومع ذلك ، فقد أوعز إلى ولديه الحسن والحسين عليهما السلام أن يكونا في جملة المدافعين عنه (1).
هذا كله ، بالإضافة إلى أنه (ع) لم يكن يملك القوة الضاربة ليمنع حصول ما وقع بل كان مكفوف اليد تماماً ، وحتى بعد مبايعته بالخلافة طولب من قبل بعض الصحابة بمعاقبة من أجلب على عثمان ، فقال :
« يا اخوتاه ، اني لست أجهل ما تعلمون ، ولكن كيف لي بقوةٍ والقوم المجلبون على حدّ شوكتهم ، يملكوننا ولا نملكهم ! وها هم أولاء قد ثارت معهم عبدانكم ، والتفت إليهم أعرابكم ، وهم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا ، وهل ترون موضعاً لقدرةٍ على شيء تريدونه ! » (2).
ومن الممكن القول أن عليا (ع) حينما يتخذ موقفا من قضية ما ، فانه إنما يتعامل معها من موقع الإمام المعصوم العادل ، وبذلك لا يكون بحاجة الى محام أو مدافع يبرر له مواقفه وقراراته.
بعد هذا العرض المبسط يمكننا أن نستخلص الأسباب التي دفعت بطلحة والزبير إلى إخراج عائشة أم المؤمنين والتمرد على خلافة علي (ع) وتجييش الناس عليه ، وانتهاء الأمر بحرب « الجمل » التي قدمنا ذكرها والتي انتهت بنصره (ع) ، فان الدوافع لهم على ذلك كانت محض شخصية تتحكم فيها الأنانية والرغبة في الحكم.
كما تتضح لنا أسباب حرب « صفين » التي انتهت بالتحكيم. هذه الحرب المدمرة التي شنها معاوية ومن معه من الأمويين وأتباعهم ضد علي وضد خلافته وضد من كانوا معه من المهاجرين والأنصار.
فالمعلوم الواضح أن معاوية كان أحد الرموز التي أصر الإمام على
____________
1 ـ قال الشيخ محمد عبدة ، أما نهيه عن قتله بلسانه فهو ثابت ، وهو الذي أمر الحسن والحسين أن يذابا عنه.
2 ـ النهج 2 | 80 ـ 81.


(162)


استبدالها إنطلاقاً من نهجه الجديد الذي سار عليه بعد استخلافه ؛ والسبب في ذلك أنه ليس من ذوي السابقة في الدين والصحبة ، بل هو أحد الطلقاء يوم الفتح ومثله لا يكون حاكماً على المسلمين ، هذا بالإضافة إلى السياسة التي انتهجها معاوية في حكمه بلاد الشام والتي تشبه إلى حدٍ بعيد سياسة الملوك والأباطرة من الأستئثار بالفيء والإِغداق على المقربين ، والإساءة إلى بعض الصحابة ، كأبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، والتلويح بالترهيب والترغيب بشكل دقيق ومركز.
لقد كان هذا الإجراء من علي (ع) في حق معاوية بمثابة صدمةٍ قويةٍ له ، فكان عليه أن يتأهب ويستعد للمواجهة.
وكان معاوية بسياسته تلك قد استطاع أن يرسخ قدميه على بلاد الشام منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب ، حتى عهد عثمان الذي زاد في سلطانه بأن ضم إليه فلسطين وحمص والجزيرة ، واستطاع أيضاً أن يستغل سذاجة الناس وبسطاتهم وعفويتهم ، فنجح في تجميع قبائل أُفرزت من أقاليم عدة كانت بعيدةً عن روح الإسلام ، وعمد إلى ذوي النفوذ من القادة والزعماء ، وزاد في تقريبهم والإغداق عليهم بعد أن شحذ أذهانهم وأنفسهم بضرورة الأخذ بثأر الخليفة المظلوم عثمان !
وراح هؤلاء بدورهم ينشرون ذلك في الآفاق وفيمن هم تحت سلطانهم ، حتى تم له بذلك تجميع جيش كثيف لمواجهة علي ، وكأن علياً هو المسؤول عن قتل الخليفة !.
لقد كانت هذه الخطة أفضل وسيلةٍ للإنتقام من علي ومبادئه في عرف الأمويين وأتباعهم ، وان كان طلحة والزبير قد فشلا في خطتهما ، فربما حالف الحظ معاوية ، من يدري ؟
هكذا أراد معاوية ، أراد القضاء على بقية الله في أرضه ، أو الشام ! ملكاً طلقاً يتوهج بمفاتن الدنيا وبهارج الحياة عله يستطيع بذلك أن يستر دفائن


(163)


نفسه وأطماعها عن كثير ممن عميت عيونهم عن الحقيقة.. تلك الدفائن التي أفرغتها فيه سيوف المسلمين في بدرٍ وأحد والخندق حتى الفتح. وتلك الأطماع التي ورثها عمن كان قبله فعاشت وأمرعت حتى أفرخت حرباً ظالمة ، قطف ثمارها فيما بعد ملكاً أوسع من ملك كسرى وقيصر !
إنها حرب صفين ! وسوف تقرأ فيما يلي ظروفها وملابساتها ، ولا ننسى دور عمار بن ياسر فيها فلقد كان شاهد الحق مع علي ، كما كان شهيدها.


(164)


عودة علي إلى الكوفة(1)



بعد انتهاء وقعة الجمل قدم علي (ع) الكوفة في شهر رجب سنة 36 هـ ، فدخلها ومعه أشراف الناس من أهل البصرة وغيرهم ، فاستقبله أهل الكوفة وفيهم قراؤهم وأشرافهم ، فدعوا له بالبركة وقالوا : يا أمير المؤمنين ، اين تنزل ؟ أتنزل القصر ؟ قال : لا ، ولكني أنزل الرحبة ، فنزلها وأقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى فيه ركعتين ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ، ثم قال :
أما بعد يا أهل الكوفة ، فإن لكم في الإسلام فضلاً ما لم تبدلوا وتغيروا ، دعوتكم إلى الحق فأجبتم ، وبدأتم بالمنكر فغيرتم ، إلا أن فضلكم فيما بينكم وبين الله ، فأما في الأحكام والقسم فأنتم أسوة غيركم ممن أجابكم ودخل فيما دخلتم فيه.
ألا إن أخوفَ ما أخافُ عليكم أتّبَاعَ الهوى وطول الأمل ، أما اتباعُ
____________
(1) اعتمدت في نقل حوادث واقعة صفين على كتاب صفين لنصر بن مزاحم بالإضافة إلى شرح النهج لابن أبي الحديد ، ومروج الذهب للمسعودي ، وكذلك تاريخ الطبري وغيرها ، ولا أرى نفسي ملزماً بذكر الجزء والصفحة من هذه الكتب وغيرها ، لأنه يشبه بعضها بعضاً في النص وقد تقصدت التغيير في صورة النص مع حفظ المضمون طبعاً وحذف الأسانيد اللهم إلا ما تفردت به بعض هذه الكتب دون غيرها من النصوص.


(165)


الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة ؛ ألا ان الدنيا قد تَرحلَت مدبرة وان الآخرة قد ترحّلَت مقبلة ، ولكل واحدةٍ منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة اليوم عمل ولا حساب ! غداً حساب ولا عمل ؛ الحمد لله الذي نصر وليه ، وخذل عدوه ، وأعز الصادق المحق ، وأذل الناكث المبطل.
عليكم بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه من المستحلين المدعين المقابلين إلينا ، يتفضلون بفضلنا ويجاحدوننا أمرنا ، وينازعوننا حقنا ، ويباعدوننا عنه ، فقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غِياً ، ألا أنه قد قعد عن نصرتي رجال منكم ، وأنا عليهم عاتب زارٍ فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا ليُعرف بذلك حزب الله عند الفرقة.
فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي ـ وكان صاحب شرطته ـ فقال : والله إني لأرى الهجر وسماع المكروه لهم قليلاً ، والله لو أمرتنا لنقتلنهم. فقال علي (ع) : سبحان الله يا مالكِ جُزت المدى وعدوت الحد فأغرقت في النزع. فقال : يا أمير المؤمنين ، لبعضُ الغشم أبلغ في أمرٍ ينوبك من مهادنة الأعادي ؟ فقال (ع) : ليس هكذا قضى الله يا مالكِ ، قال سبحانه : ( النفسُ بالنفسِ ) فما بال ذكر الغشم ؟ وقال تعالى : ( ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل ). والإِسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك ، فقد نهى الله عنه ، وذاك هو الغشم.
فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي ـ وكان ممن تخلف عنه ـ فقال : يا أمير المؤمنين ؛ أرأيت القتلى حول عائشة وطلحة والزبير ، علامَ قُتلوا ؟ أو قال : لِمَ قُتلوا ؟
فقال (ع) : قُتلوا بما قَتلوا شيعتي وعمالي ، وقتلوا أخا ربيعة العبدي في عصابةٍ من المسلمين قالوا إنا لا ننكث كما نكثتم ولا نغدر كما غدرتم فوثبوا


(166)


عليهم فقتلوهم. فسألتهم أن يدفعوا لي قَتَلةَ إخواني أقتلهم بهم ثم كتاب الله حكم بيني وبينهم فأبوا عليّ وقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي ودماءُ قريبٍ من ألف رجل من شيعتي ، فقتلتهم أفي شك أنت من ذلك ؟ فقال : قد كنت في شك ، فأما الآن فقد عرفت ، واستبان لي خطأ القوم ، وانك المهتدي المصيب.
ثم إن علياً (ع) تهيأ لينزل ، وقام رجال ليتكلموا ، فلما رأوه نزل جلسوا وسكتوا.
ونزل بالكوفة على جعدةَ بن هبيرة المخزومي وهو ابن أخته أم هاني. ودخل المسجد فصلى ثم تحول فجلس إليه الناس. فسأل عن رجل من الصحابة كان نزل الكوفة فقال قائل : استأثر الله به. فقال علي (ع) : إن الله تبارك وتعالى لا يستأثر بأحدٍ من خلقه ، إنما أراد الله جل ذكره بالموت اعزاز نفسه واذلال خلقه ، وقرأ قوله تعالى : ( كنتم أمواتاً فاحياكم ثم يُميتُكم ثم يُحييكُم ).
ولما لحق به (ع) ثقَلُه قالوا : أننزل القصر ؟ فقال (ع) قصر الخبال (1) لا تنزلوا فيه. ومكث (ع) في الكوفة ، فقال شن بن عبد القيس :

قـل لهـذا الإِمـام قـد خبـتَ الحـربُ

*

وتـمـت بـذلـك الـنـعـمـاءُ

وفـرغنـا من حـرب من نقض العهـد

*

وبـالـشـام حـيـة صـمــاءُ

تـنفـث الـسـم مـا لـم نـهـشـتـه

*

فـارمهـا قبـل أن تعض شفـاءُ

إنـه والــذي يـحـج لـه الـنــاس

*

ومـن دون بـيـتـه الـبـيـداءُ

لـضعيـف الـنخـاع إن رمـي اليـوم

*

بـخـيـلٍ كـأنـهــا أشــلاء

تـتبـارى بكـل أصـيد كـالـفـحـل

*

بـكـفـيـه صُـعـدةٌ سـمـراء

إن تـذره فـمـا مـعـاويـة الـدهـر

*

بـمـعـطيـك مـا أراك تـشـاءُ

ولـنَـيـلُ الـسمـاء أقـرب مـن ذاك

*

ونـجـم الـعـيّـوق والـعـوّاءُ

____________
1 ـ الخبال : الفساد.


(167)


فاعـدُ بـالحـد والحديـد إليهـم * لـيس والله غـيـر ذاك دواء


وخطب علي (ع) الناس في يوم الجمعة ، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله :
أوصيكم بتقوى الله فان تقوى الله خير ما تواصى به عبادُ الله وأقربه إلى رضوان الله وخيره في عواقب الأمور عند الله ، وبتقوى الله أمرتم ، وللإِحسان والطاعة خلقتم ، فاحذروا من الله ما حذّركم من نفسه فانه حذر بأساً شديداً ، واخشوا خشيةً ليست بتعذير ، واعملوا في غير رياءٍ ولا سُمعة، فانه من عمل لغير الله وكَلَهُ الله إلى ما عمل له ومن عمل لله مخلصِاً تولى الله أجره ، اشفقوا من عذاب الله فانه لم يخلقكم عبثاً ولم يترك شيئاً من أمركم سدى ، قد سمى أثاركم وعلم أعمالكم وكتب أجالكم ، فلا تغتروا بالدنيا فانها غرارةٌ لأهلها مغرورٌ من اغتر بها ، وإلى فناءٍ ما هي ، وان الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون ، اسأل الله منازل الشهداء ومرافقة الأنبياء ، ومعيشة السعداء فإنما نحن به وله.
ثم استعمل علي (ع) العمال وفرقهم في البلاد واستعد لمواجهة معاوية وأهل الشام (1).


عليٌّ يدعو معاوية إلى البيعة

أقبل جرير بن عبد الله البجلي إلى علي (ع) فقال له : ابعثني يا أمير المؤمنين إليه ـ يعني معاوية ـ فانه لم يزل لي مستخصاً ووُداً ، آتيه فأدعوه على أن يسلم لك هذا الأمر ويجتمع معك على الحق على أن يكون أميراً من أمرائك وعاملاً من عمالك ما عمل بطاعة الله واتبع ما في كتاب الله ، وأدعو أهل الشام إلى طاعتك وولايتك ، فجلهم قومي وأهل بلادي ، وقد رجوت ألا يعصوني.
فبعثه علي (ع) وقال له : إن حولي من أصحاب رسول الله (ص) من
____________
1 ـ صفين ص 3 ـ 10 وشرح النهج 3 | 102 ـ 108.


(168)


أهل الرأي والدين من قد رأيت ، وقد اخترتك عليهم لقول رسول الله (ص) فيك « إنك من خير ذي يمن » إئت معاوية بكتابي ، فان دخل فيما دخل فيه المسلمون ، وإلا فانبذ إليه ، وأعلمه أني لا أرضى به أميراً ، وان العامة لا ترضى به خليفة.
فانطلق جرير حتى أتى الشام ، ونزل بمعاوية ، فلما دخل عليه حمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد يا معاوية فانه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين ، وأهل الحجاز وأهل اليمن وأهل مصر ، وأهل العروض ـ عُمان ـ وأهل البحرين واليمامة ، فلم يبق إلا هذه الحصون التي أنت فيها ولو سال عليها سيل من أوديته لأغرقها ، وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة هذا الرجل ، ثم دفع إليه كتاب علي (ع) وفيه :

كتاب علي لمعاوية
أما بعد : فان بيعتي بالمدينة لزمتكَ وأنتَ بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بُيعوا عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار إذا اجتمعوا على رجل فسمّوهُ إماماً ، كان ذلك لله رضاً ، فان خرج من أمرهم خارج بطعنٍ أو رغبةٍ ، رَدوه إلى ما خرج منه فان أبى ، قاتلوه على إتباع سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا ، وان طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي فكان نقضهما كرِدّتِهما ، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ، فادخل فيما دخل فيه المسلمون فان أحب الأمور إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء. فان تعرضت له قاتلتك واستعنت بالله عليك.
وقد أكثرت الكلام في قتلة عثمان ، فأدخل فيما دخل فيه الناس ، ثم حاكم القوم إليّ أحملك وإياهم على كتاب الله ، فأما تلك التي تريدها فخدعةُ الصبي عن اللبن ، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان.


(169)


وأعلم أنك من الطلقاء الذين لا يحل لهم الخلافة ، ولا تُعرض عليهم الشورى ، وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله البجلي وهو من أهل الإيمان والهجرة ، فبايع ولا قوة إلا بالله (1).
أما جرير ، فانه بعد أن سلم معاوية الكتاب وقرأه ، قام خطيباً فقال في جملة ما قال :
أيها الناس ، إن أمر عثمان قد أعيا من شهده فكيف بمن غاب عنه ، وان الناس بايعوا علياً غير واتر ولا موتور ، وكان طلحة والزبير ممن بايعاه ثم نكثا بيعته على غير حدث.
ألا وان هذا الدين لا يحتمل الفتن ، وقد كانت بالبصرة أمس روعة ملحمةٍ إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس ، وقد بايعت الأمة علياً ، ولو ملكنا والله الأمور لم نختر لها غيره ، ومن خالف هذا استعتب ، فادخل يا معاوية فيما دخل فيه الناس.
فان قلت استعملني عثمان ثم لم يعزلني ، فان هذا قول لو جاز لم يقم لله دين وكان لكل امرىءٍ ما في يديه ، ولكن الله جعل للآخر من الولاة حق الأول ، وجعل الأمور موطأةً ينسخ بعضها بعضاً.
فقال معاوية : انظرُ وتنظر ، واستطلع رأي أهل الشام.


معاوية يشاور أهل الشام

وبعد أيام أمر معاوية مناديه فنادى ، الصلاة جامعة ، فلما اجتمع الناس صعد المنبر ثم خطب خطبة جاء في آخرها : أيها الناس ، قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان عليكم ، واني لم أقم رجلاً منكم على خزايةٍ قط ، واني وليُّ عثمان ، وقد قُتل مظلوماً ، والله تعالى يقول : ( ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليهِ سلطاناً
____________
1 ـ صفين 27 ـ وشرح النهج 2 | 74 ـ 76.


(170)


فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ). وأنا أحب أنت تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان ؟
فقام أهل الشام بأجمعهم فأجابوا إلى الطلب بدم عثمان وبايعوه على ذلك ، واوثقوا له على أن يبذلوا بين يديه أموالهم وأنفسهم حتى يدركوا بثأره أو تلتحق أرواحهم بالله.
وغني عن التفسير ما يحمل هذا الأسلوب من مغالطات لا تنطلي إلا على السذج والبسطاء من الناس ، فمتى كان معاوية هو ولي عثمان ، سيما مع وجود الولي الشرعي أعني الخليفة المفترض الطاعة ، وهو الإمام علي (ع) ، فان علياً هو الولي ـ بعد خلافته ـ ومن حقه هو فقط الطلب بدم عثمان وله السلطة المطلقة في ذلك طبقاً للموازين والأعراف الدينية والشرعية.
ولو تنازلنا وسلمنا بأن معاوية هو ولي عثمان ، فما علاقة علي بدم عثمان ، ولماذا يكون هو المستهدف بالثأر ؟ لكنها السياسة الفاجرة التي تلصق الجريمة بابعد الناس عنها !!
لكن معاوية حين أمسى واختلى بأهله ، اغتم وذهبت به الفكر بعيداً ، فبالأمس كان طلحة والزبير قد دفعا ثمن نكثهما بيعة علي غالياً ، وها هي الحواضر الإِسلامية برمتها تفتح ذراعيها لعلي ، ما عدا الشام. ترى ماذا يفعل ؟ أيستسلم للأمر الواقع فيبايع وينتهي كل شيء وتنتهي أحلامه الكبار ؟ أم أنه يقاوم بقميص عثمان وأنامل نائلة ، يستثير بهما عواطف البسطاء من الناس ؟
إختار الثانية.. اختارها متأرجحةً بين خطر الموت والقتل بسيف علي ، وبين مجد السلطان وانبساط الدنيا وزهو الملك إذا قدر لعلي أن يخسر الحرب أو على الأقل أن لا يكون هنالك لا غالب ولا مغلوب.
أما أن علياً صاحب الحق وأن الخلافة لازمه الطبيعي والأخلاقي والشرعي ، فهذا مما لا يحرك في ضمير معاوية شيئاً. وان شئت فقل :


(171)


استولت الدنيا على شعوره وتفكيره وأخذت بمجامع قلبه فلم يكن للآخرة عنده نصيب ، لذلك جعل يردد هذه الأبيات :

تـطاول ليلـي واعتـرتني وسـاوسـي

*

لآتٍ أتـى بـالتـرهـات الـبسابـس

أتـانـي جـريـر والحـوادث جَـمّـة

*

بـتلـك التي فيها اجتـداع المعـاطسِ

أكـايـده والـسيف بـيـنـي وبـينـه

*

ولـست لأثـواب الـدنـيء بـلابس

إن الشـام أعطـت طـاعـة يمـنيـةً

*

تواصفهـا أشيـاخهـا في المجـالس

فـان يفـعلـوا أصـدم عليـاً بجبهـةٍ

*

تفـت عـليهـا كـل رطب ويـابس

واني لأرجـو خيـر ما نـال نـائـل

*

ومـا أنـا من ملـك العـراق بـآيس (1)


ثم إن جريراً جعل يستحث معاوية بالبيعة لعلي (ع) ، فقال له معاوية : يا جرير ، أنها ليست بخلسة وأنه أمر له ما بعده ، فابلعني ريقي حتى أنظر.
وكان بإمكان معاوية أن يرفض البيعة حين جاءه جرير بكتاب علي وليكن ما يكون ولكنه في الفترة التي كان يكايد فيها جريراً ويوهمه أنه ينظر في الأمر ، كان قد بدأ بتجميع القوى الشامية وتكريسها لصالحه وتأهليها للحرب وكأنه بذلك يرد على كتاب علي بأنه والشام على أهبة الاستعداد لمواجهته عسكرياً ، لذلك دعا قادة الجند وزعماء القبائل ممن يثق بهم للإستشارة ، فأشار عليه أخوه عتبة بن أبي سفيان بعمرو بن العاص ، وقال له إنه من قد عرفت ، وقد اعتزل عثمان في حياته ، وهو لأمرك أشد إعتزالاً إلا أن يثمن له دينه.

معاوية يستعين بعمرو بن العاص وشرحبيل
فاستدعى معاوية عمراً ، فاشترط عليه ولاية مصر. ثم استقدم شُرَحبيل بن السمط ، رئيس اليمنية وشيخها والمقدم عليها ، ودسَّ إليه الرجال يغرونه بعلي (ع) ، ويشهدون عنده أنه قتل عثمان حتى ملأوا صدره وقلبه
____________
1 ـ شرح النهج 3 | 78.


(172)


حقداً وتِرةً واحنةً على علي (ع) وأصحابه.
قال له معاوية : يا شُرحبيل ، علي خير الناس لولا أنه قتل عثمان بن عفان ، وقد حبست نفسي عليك وإنما أنا رجل من أهل الشام أرضى ما رضوا وأكره ما كرهوا.
فقال شرحبيل : أخرج فانظر.
فخرج شرحبيل ، فلقيه أولئك النفر الموطئون له ، فكلهم يخبره بأن علياً قتل عثمان بن عفان ، فخرج مغضباً إلى معاوية فقال : يا معاوية ، أبى الناس إلا أن علياً قتل عثمان ، والله لئن بايعت لنخرجنك من الشام أو لنقتلنك.
قال معاوية : ما كنت لاخالف عليكم ، وما أنا إلا رجل من أهل الشام. قال : فرد هذا الرجل ـ يعني جريراً ـ إلى صاحبه ! فعرف معاوية أن شرحبيلاً قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق ، وأن الشام كله مع شرحبيل. فأتى حُصَينَ بن نمير فقال : ابعث إلى جرير فليأتنا ، فبعث حصين بن نمير إلى جرير أن زرنا فعندنا شرحبيل ، فاجتمعا عند حصين ، فتكلم شرحبيل فقال :
يا جرير ، أتيتنا بأمرٍ مُلفّف لتلقينا في لهوات الأسد ، وأردت أن تخلط الشام بالعراق ، وأطريت علياً وهو قاتل عثمان والله سائلك عما قلت يوم القيامة.
فقال له جرير : أما قولك اني جئت بأمر ملفف فكيف يكون كذلك وقد اجتمع عليه المهاجرون والأنصار ! وقوتل على رده طلحة والزبير ! ؟ وأما قولك إني القيك في لهوات الأسد ، ففي لهواتها ألقيت نفسك. وأما خلط أهل الشام بأهل العراق ، فخلطهما على حق خير من فرقتهما على باطل.
وأما قولك إن علياً قتل عثمان ، فوالله ما في يديك من ذلك إلا القذف بالغيب من مكان بعيد ، ولكنك مِلتَ إلى الدنيا وشيء كان في نفسك على


(173)


زمن سعد بن أبي وقاص.
فبلغ ما قالاه إلى معاوية ، فبعث إلى جرير فزجره.
قال نصر في كتابه : وكتب إلى شرحبيل كتاب لا يعرف كاتبه ، فيه :

شـرحبيـل يـا بن السَمـط لا تتبع الهـوى

*

فما لك في الـدنيـا من الـدين من بـدل

وقـل لابن حـرب مـا لـك اليـوم خلـة

*

تـروم بها ما رمت واقطـع لـه الأمـل

شـرحـبيـل ان الـحـق قـد جـدَّ جـدُّه

*

فكـن فيـه مأمـون الأديـم من الـنعـل

مقـال ابـن هنـدٍ فـي علـي عضـيهـة

*

وللهُ في صدر ابـن أبـي طـالـب أجـل

ومـا كــان إلا لازمـاً قـعـرَ بـيـتـه

*

إلـى أن أتـى عثمـان فـي داره الأجـل

وصـي رسـول الله مـن دون أهــلــه

*

ومن باسمه في فضلـه يُضـربُ الـمثـل


فلما قرأ شرحبيل الكتاب ، ذُعر وفكر وقال : هذه نصيحة لي في ديني ، ولا والله لا أعجل في هذا الأمر بشيء وفي نفسي منه حاجة ، وكاد يحول عن نصر معاوية ويتوقف ، فلفق له معاوية الرجال يدخلون إليه ويخرجون ويعظمون عنده قتل عثمان ويرمون به علياً ، ويقيمون الشهادة الباطلة والكتب المختلفة حتى أعادوا رأيه وشحذوا عزمه (1).
وسار شرحبيل فبدأ بأهل حمص ، فقام فيهم خطيباً ، وكان أهل الشام يرونه مأموناً ناسكاً متألهاً ، فقال :
أيها الناس ، إن علياً قتل عثمان. فغضب له قوم من أصحاب رسول الله (ص) فلقيهم فهزم الجمع وقتل صلحائهم وغلب على الأرض ، فلم يبق إلا الشام وهو واضع سيفه على عاتقه ، ثم خائض غمرات الموت حتى يأتيكم ، أو يحدث الله أمراً ، ولا نجد أحداً أقوى على قتاله من معاوية ، فجدوا وانهضوا.
فأجابه الناس كلهم ! إلا نُساكاً من أهل حمص ، فانهم قالوا له : بيوتنا قبورنا ومساجدنا ، وأنت أعلم بما ترى.
____________
1 ـ نفس المصدر 80.