وجعل شرحبيل يستنهض مدائن الشام حتى استفرغها ، لا يأتي على قوم إلا قبلوا ما أتاهم به. فبعث له النجاشي بن الحارث ـ وكان له صديقاً ـ بأبياتٍ ، منها :

شـرحبيـل مـا للديـن فارقـت ديننـا

*

ولكـن لـبغض المـالكـي جـريـرِ

وشحنـاء دبـت بـيـن سعـدٍ وبـينـه

*

فـأصبحت كـالحـادي بغيـر بعيـرِ

أتفعـل أمـراً غبـت عـنـه بشـبهـةٍ

*

وقـد حـار فيـه عقـل كل بصيـرِ

بقـول رجـالٍ لـم يـكـونـوا أئمـةً

*

ولا لـلـتـي لـقـوكَـهَـا بحضـورِ

وتترك أن النـاس أعـطوا عهـودهـم

*

عـلـيـاً علـى أنـس بـه وسـرورِ

إذا قيـل هـاتـوا واحـداً يُقتـدى بـه

*

نظيـراً بـه لـم يفـصحـوا بنـظيـرِ

لـعلـك أن تـشقـى الغـداة بحـربـه

*

فلـيس الـذي قـد جـئتـه بصـغيـرِ


ثم أقبل شرحبيل حتى دخل على معاوية فقال له : أنت عامل أمير المؤمنين وابن عمه ، ونحن المؤمنون ، فان كنت رجلاً تجاهد علياً وقتلةَ عثمان حتى ندرك ثأرنا أو تذهب أرواحنا استعملناك علينا ، وإلا عزلناك واستعملنا غيرك ممن نريد ثم جاهدنا معه حتى ندرك ثأرنا بدم عثمان ، أو نهلك.
فقال له جرير بن عبد الله : مهلاً يا شرحبيل ، فان الله قد حقن الدماء ، ولمّ الشعث وجمع أمر الأمة ، ودنا من هذه الأمة سكون ، فإياك أن تفسد بين الناس وأمسك عن هذا القول أن يشيع ويظهر عنك قولٌ لا تستطيع ردَّه.
فقال : لا والله لا أستره أبداً ! ثم قام فتكلم به ، فقال الناس : صَدَقَ صدق ! القول ما قال ، والرأي ما رأى. فأيِسَ جرير عند ذلك من معاوية ومن عوام أهل الشام (1).
قال نصر بن مزاحم في كتابه « صفين » :
كان معاوية قد أتى جريراً قبل ذلك في منزله ، فقال له : يا جرير ، إني
____________
1 ـ نفس المصدر 83 ـ 84.


(175)


قد رأيت رأياً ، قال : هاته. قال : اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام ومصر جبايةٌ ، فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لأحدٍ بعده في عنقه بيعةً ، وأسلم له هذا الأمر ، واكتب إليه بالخلافة.
فقال له جرير : أكتب ما أردت ، أكتُبُ معك.
فكتب معاوية بذلك إلى علي (ع). فكتب عليٌّ إلى جرير :
أما بعد ، فإنما أراد معاوية ألا يكون لي في عنقه بيعة ، وأن يختار من أمره ما أحب. وأراد أن يريثك ويبطئك حتى يذوق أهل الشام ؛ وأن المغيرة بن شعبة قد كان أشار عليَّ أن استعمل معاوية على الشام وأنا حينئذٍ بالمدينة فأبيت ذلك عليه ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا ، فان بايعك الرجل ، وإلا فأقبل ، والسلام.
فلما انتهى الكتاب إلى جرير أتى معاوية فاقرأه الكتاب وقال له : يا معاوية ، إنه لا يُطبع على قلب إلا بذنب ، ولايُشرح صدر إلا بتوبة ، ولا أظن قلبك إلا مطبوعاً عليه ، أراك وقد وقفت بين الحق والباطل كأنك تنتظر شيئاً في يد غيرك.
قال معاوية : ألقاك بالفصل في أول مجلس إن شاء الله.
فلما بايع أهل الشام بعد أن جربهم واختبرهم ، قال يا جرير الحق بصاحبك ! وكتب إليه بالحرب ، وكتب في أسفل الكتاب شعر كعب بن جعيل :

أرى الشـام تكـرهُ أهـل العـراق * وأهـل العـراق لهم كـارِهونـا (1)

« الإمام علي يختبر الفريقين.. »

 

ولما عزم أمير المؤمنين (ع) على المسير إلى الشام دعا رجلاً فأمره أن يتجهز ويسير إلى دمشق ، فإذا دخل أناخ راحلته بباب المسجد ولا يلقي من
____________
1 ـ شرح النهج 3 | 87.


(176)


ثياب سفره شيئاً ، فان الناس إذا رأوه عليه آثار الغربة ، سألوه ، فليقل لهم : تركت علياً قد نهد إليكم بأهل العراق ، فانظر ما يكون من أمرهم.
ففعل الرجل ذلك ، فاجتمع الناس وسألوه ، فقال لهم ، فكثروا عليه يسألونه فأرسل إليه معاوية الأعور السلمي يسأله ، فأتاه فسأله ، فقال له ، فأتى معاوية فأخبره ، فنادى : الصلاة جامعة ، ثم قام فخطب الناس وقال لهم : إن علياً قد نهد إليكم في أهل العراق ، فما ترون ؟
قال : فضرب الناس بأذقانهم على صدورهم لا يتكلمون ، فقام ذو الكلاع الحميري فقال : عليك الرأي وعلينا الفعال.
فنزل ونادى في الناس بالخروج إلى معسكرهم.
وعاد الرجل إلى علي (ع) فأخبره بذلك ، فنادى : الصلاة جامعة ، ثم قام فخطب الناس ، فأخبرهم أنه قدم عليه رسول كان بعثه إلى الشام وأخبره أن معاوية قد نهد إلى العراق في أهل الشام ، فما الرأي ؟
فاضطرب أهل المسجد ، هذا يقول الرأي كذا ، وهذا يقول الرأي كذا ، وكثر اللغط واللجب ، فلم يفهم علي (ع) من كلامهم شيئاً ولم يدر المصيب من المخطىء ، فنزل عن المنبر وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهب بها ابنُ آكلة الأكباد ـ يعني معاوية (1).

اعتراض بعض قراء الشام على معاوية
وقبل أن يتجهز أمير المؤمنين علي للمسير نحو صفين ، جاء أبو مسلم الخولاني في ناسٍ من قراء أهل الشام إلى معاوية فقالوا له : يا معاوية ، علام تقاتل علياً وليس لك مثل صحبته ولا هجرته ولا قرابته ولا سابقته !
فقال : إني لا أدعي أن لي في الإسلام مثل صحبته ولا هجرته ولا سابقته ، ولكن خبروني عنكم ، ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً ! قالوا.
____________
1 ـ شرح النهج 3 | 96.


(177)


بلى ، قال : فليدفع إلينا قتلته لنقتلهم به ، ولا قتال بيننا وبينه.
قالوا : فاكتب إليه كتاباً يأته به بعضنا. فكتب مع أبي مسلم الخولاني :
من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب ، سلام عليك ، فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فان الله اصطفى محمداً بعلمه ، وجعله الأمين على وحيه ، والرسول إلى خلقه ، واجتبى له من المسلمين أعواناً أيده الله تعالى بهم ، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام ، فكان أفضلهم في الإسلام وأنصحهم لله ورسوله الخليفة من بعده ، ثم خليفة خليفته من بعد خليفته ، ثم الثالث الخليفة المظلوم عثمان ! فكلهم حسَدتَ ، وعلى كلهم بغيت ، عرفنا ذلك في نظرك الشزر ، وقولك الهجر ، وتنفُسكَ الصعداء ، وابطائك عن الخلفاء ، تُقاد إلى كلٍ منهم كما يُقادُ الفحل المخشوش ، حتى تبايع وأنت كاره ، ثم لم تكن لأحد منهم بأعظم حسداً منك لابن عمك عثمان ، وكان أحقهم أن لا تفعل ذلك في قرابته وصهره فقطعت رحمه ، وقبّحتَ محاسنَهُ وألبت الناس عليه ، وبطنت وظهرت حتى ضُرِبت إليه آباط الإبل ، وقيدت إليه الإبل العراب ، وحُمل عليه السلاح في حرم رسول الله (ص) فقتل معك في المحنة وأنت تسمع في داره الهائعة ، لا تردع الظن والتهمة عن نفسك بقولٍ ولا عمل.
وأقسم قسماً صادقاً لو قمت فيما كان من أمره مقاماً واحداً تنهنه الناس عنه ما عدل بك من قِبلنا من الناس أحداً ولمحا ذكل عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان والبغي عليه ، وأخرى أنت بها عند أنصار عثمان ظنين ، إيواؤك قتلة عثمان ، فهم عضدك وأنصارك ، ويدك وبطانتك ، وقد ذكر لي أنك تتنصل من دمه ، فان كنت صادقاً فأمكنّا من قتلته نقتلهم به ، ونحن أسرع الناس إليك ، وإلا فانه ليس لك ولأصحابك إلا السيف ، والذي لا إله إلا هو لنطلبنَّ قتلة عثمان في الجبال والرمال ، والبر والبحر حتى يقتلهم الله ، أو لتلحقَنَّ أرواحنا بالله ، والسلام.


(178)


فلما قدم أبو مسلم على عليّ (ع) بهذا الكتاب ، قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فانك قد قمت بأمرٍ وُلّيته ، ووالله ما أحب أنه لغيرك إن أعطيت الحق من نفسك ، إن عثمان قتل مسلماً محرماً مظلوماً ، فادفع إلينا قتلته وأنت أميرنا ، فإن خالفك من الناس أحد كانت أيدينا لك ناصرة ، وألسنتنا لك شاهدة ، وكنت ذا عذرٍ وحجة.
فقال له علي (ع) : أغدُ عليّ غدا فخذ جواب كتابك.
فانصرف أبو مسلم ، وفي اليوم التالي رجع ليأخذ جواب كتابه ، فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه ، فلبست الشيعة أسلحتها ثم غدوا فملأوا المسجد فنادوا : كلنا قتلة عثمان ؛ وأكثروا من النداء بذلك. وأذِنَ لأبي مسلم ، فدخل ، فدفع علي (ع) جواب كتاب معاوية.
فقال أبو مسلم : لقد رأيت قوماً ما لَكَ معهم أمر ! قال : وما ذاك ؟ قال : بلغ القوم أنك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان ، فضجوا واجتمعوا ولبسوا السلاح ، وزعموا أنهم قتلة عثمان.
فقال علي (ع) : والله ما أردت أن أدفعهم إليك طرفة عين قط ، لقد ضربت هذا الأمر أنفه وعينه ، فما رأيت ينبغي لي أن أدفعهم إليك ولا إلى غيرك !.
فخرج أبو مسلم بالكتاب وهو يقول : الآن طاب الضِراب.

جواب الإمام لمعاوية :
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان ، أما بعد : فإن أخا خولان قدم عليّ بكتاب منك تذكر فيه محمداً (ص) وما أنعم الله به عليه من الهدى والوحي ، فالحمد لله الذي صدقه الوعد ، وأيده بالنصر ، ومكن له في البلاد ، وأظهره على أهل العدواة والشنآن من قومه الذين وثبوا عليه ، وشنفوا له ، وأظهروا تكذيبه ، وبارزوه بالعدواة ، وظاهروا على إخراجه وعلى إخراج أصحابه وأهله ، وألبوا عليه العرب ، وجادلوهم على حربه ، وجهدوا


(179)


في أمره كل الجهد ، وقلبوا له الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون.
وكان أشد الناس عليه تأليباً وتحريضاً أسرته والأدنى فالأدنى من قومه إلا من عصم الله. وذكرت أن الله تعالى اجتبى له من المسلمين أعواناً أيده الله بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام ، فكان أفضلهم ـ زعمت ـ في الإسلام وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة وخليفة الخليفة ! لعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم ، وان المصاب بهما لجرحٌ في الإسلام شديد فرحمهما الله وجزاهما أحسن ما عملا ! وذكرت أن عثمان كان في الفضل تالياً ، فإن يك عثمان محسناً فسيجزيه الله بإحسانه وإن يك مسيئاً فسيلقى رباً غفورا ، لا يتعاظمه ذنب أن يغفره ، ولعمري إني لأرجو إذا أعطى الله الناس على قدر فضائلهم في الإسلام ونصيحتهم لله ولرسوله أن يكون نصيبنا في ذلك الأوفر.
إن محمداً (ص) لما دعا إلى الإيمان بالله والتوحيد له كنا أهل البيت أول من آمن به وصدقه فيما جاء ، فبتنا أحوالاً كاملةً مجرمّة (1) تامة ، وما يعبد الله في ربع ساكنٍ من العرب غيرنا ، فأراد قومنا قتل نبينا ، واجتياح أصلنا ، وهموا بنا الهموم ، وفعلوا بنا الأفاعيل ، ومنعونا الميرة (2) وأمسكوا عنا العذب وأحلسونا الخوف (2) وجعلوا علينا الأرصاد والعيون ، واضطرونا إلى جبل وعر ، وأوقدوا لنا نار الحرب ، وكتبوا بينهم كتاباً ، لا يؤاكلوننا ، ولا يشاربوننا ، ولا يناكحوننا ، ولا يبايعوننا ولا نأمن منهم حتى ندفع إليهم محمداً فيقتلوه ويمثلوا به ، فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم إلى موسم. فعزم الله لنا على منعه ، والذب عن حوزته ، والرمي من وراء حرمته ، والقيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف بالليل والنهار ، فمؤمننا يرجو بذلك الثواب ، وكافرنا يحامي عن نفسه.
____________
1 ـ مجرّمة : كاملة.
2 ـ الميرة ـ المواد الغذائية.


(180)


وأما من أسلم من قريش فإنهم مما نحن فيه خلاء ، منهم الحليف الممنوع ، ومنهم ذو العشيرة التي تدافع عنه ، فلا يبغيه أحد مثل ما بغانا به قومنا من التلف ، فهم من القتل بمكان نجوة وأمن ، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون.
ثم أمر الله تعالى رسوله بالهجرة ، وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين ، فكان إذا أحمر البأس ودعي للنزال ، أقام أهل بيته فاستقدموا ، فوقى أصحابه بهم حدّ الأسنة والسيوف. فقتل عبيدة يوم بدر ، وحمزة يوم أحد ، وجعفر وزيد يوم مؤتة ، وأراد من لو شئت ذكر اسمه (1) مثل الذي أرادوا من الشهادة مع النبي (ص) غير مرة ، إلا أن آجالهم عُجلت ومنيتهم أُخرت ، والله ولي الإحسان إليهم ، والمنة عليهم بما أسلفوا من أمر الصالحات ، فما سمعت بأحد ولا رأيته هو أنصح في طاعة رسوله ولا لنبيه ، ولا أصبر على اللأواء والسراء والضراء وحين البأس ، ومواطن المكروه مع النبي (ص) من هؤلاء النفر الذين سميتُ لك وفي المهاجرين خير كثير يعرف ، جزاهم الله خيراً بأحسن أعمالهم.
وذكرت حسدي للخلفاء وابطائي عنهم ، وبغيي عليهم ، فأما البغي فمعاذ الله أن يكون ، وأما الإِبطاء عنهم والكراهية لأمرهم فلست اعتذر للناس عن ذلك.
إن الله تعالى ذكره لما قبض نبيه ، قالت قريش : منا أمير ؛ وقالت الأنصار : منا أمير ؛ فقالت قريش : منا محمد (ص) نحن أحق بالأمر ! فعرفت ذلك الأنصار فسلمت لهم الولاية والسلطان ، فإذا استحقوها بمحمد دون الأنصار ، فان أولى الناس بمحمد أحق به منهم ، وإلا فإن الأنصار أعظم العرب فيها نصيباً ، فلا أعلم ، أصحابي سلموا من أن يكونوا حقي أخذوا ، أو الأنصار ظلموا ، بل عرفت أن حقي هو المأخوذ ، وقد تركته لهم تجاوزاً لله عنهم.
____________
1 ـ يعني نفسه (ع).


(181)


وأما ما ذكرت من أمر عثمان وقطيعتي رحمه ، وتأليبي عليه ! عثمان عمل ما قد بلغك ، فصنع الناس به ما قد رأيت ، وأنك لتعلم أني قد كنت في عزلةٍ عنه ، إلا أن تتجنى ، فتجنى ما بدا لك !
وأما ما ذكرت من أمر قتلة عثمان ، فاني نظرت في هذا الأمر وضربت أنفه وعينه ، فلم أر دفعهم إليك ولا إلى غيرك ، ولعمري لئن لم تنزع عن غيّك وشقاقك لتعرفنهم عن قليل يطلبونك لا يكلفوك أن تطلبهم في برٍ ولا بحر ، ولا سهل ولا جبل.
وقد أتاني أبوك حين ولّى الناس أبا بكر فقال : أنت أحق بمقام محمد ، وأولى الناس بهذا الأمر ، وأنا زعيم لك بذلك على من خالف ، ابسط يدك أبايعك ، فلم أفعل. فأنت تعلم أن أباك قد قال ذلك وأراده حتى كنت أنا الذي أبيت لقرب عهد الناس بالكفر مخافة الفرقة بين أهل الإِسلام ، فأبوك كان أعرف بحقي منك ، فان تعرف من حقي ما كان أبوك يعرف تُصب رشدك وان لم تفعل ، فسيغني الله عنك ؛ والسلام (1).

الإمام علي يستشير المهاجرين والأنصار في القتال
وعزم علي (ع) على مواجهة معاوية عسكرياً ولكنه قبل أن يتجهز لذلك دعا إليه من كان معه من المهاجرين والأنصار فجمعهم وقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال : « أما بعد ، فانكم ميامين الرأي ، مراجيح الحلم ، مقاويل بالحق ، مباركو الفعل والأمر ، وقد أردنا المسير إلى عدونا وعدوكم ، فاشيروا علينا برأيكم ».
فقام المهاجرون والأنصار كلٌّ يدلي برأيه ، ونقتصر هنا على ذكر آراء بعضهم إختصاراً للمسافة ، فإن ذلك يعطينا فكرةً كافية عما كان يتمتع به أصحاب علي (ع) من قوة العقيدة ورباطة الجأش والجرأة والشجاعة.
____________
1 ـ شرح النهج 15 | من 73 إلى 78.


(182)


خطبة هاشم بن عتبة
فقام هاشم بن عبتة بن أبي وقاص الملقب « بالمرقال » فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : « أما بعد يا أمير المؤمنين ، فأنا بالقوم جدُّ خبير ، هم لك ولأشياعك أعداء ، وهم لمن يطلب حرث الدنيا أولياء ، وهم مقاتلوك ومجاهدوك لا يبقون جهداً ؛ مشاحةً على الدنيا ، وظناً بما في أيديهم منها ، وليس لهم إربةً غيرها إلا ما يخدعون به الجهال من الطلب بدم عثمان بن عفان ، كذبوا ، ليس بدمه يثأرون ، ولكن الدنيا يطلبون ، فسر بنا إليهم ، فإن أجابوا إلى الحق فليس بعد الحق إلا الضلال ، وإن أبوا إلا الشقاق ، فذلك الظن بهم ، والله ما أراهم يبايعون وفيهم أحد ممن يطاع إذا نهى ، ولا يسمع إذا أمر » (1).


رأي عمار بن ياسر

وقام عمار فذكر الله بما هو أهله وحمده وقال : يا أمير المؤمنين ، إن إستطعت ألا تقيم يوماً واحداً فافعل ! إشخص بنا قبل استعار نار الفجرة ، واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة وادعهم إلى حظهم ورشدهم ، فإن قبلوا سعدوا ؛ وإن أبوا إلا حربنا ، فوالله إن سفك دمائهم والجد في جهادهم لقربة عند الله وكرامة منه.

رأي قيس بن سعد بن عبادة
ثم قام قيس بن سعد بن عبادة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، إنكمش بنا إلى عدونا ولا تعرج (2) فوالله لجهادهم أحب إلي من جهاد الترك والروم ؛ لإدهانهم (3) في دين الله ، وإستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد (ص) من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان ، إذا غضبوا على رجل حبسوه وضربوه وحرموه وسيروه ، وفيئنا لهم في أنفسهم حلال.
____________
1 ـ صفين : 92.
2 ـ في الأصل لا تعرّد ، والتعريد معناه الإحجام والإنهرام.
3 ـ الإدهان : الغش والمصانعة.


(183)


ونحن لهم فيما يزعمون قطين (1).

الإمام يدعو إلى المسير.
فقام علي خطيباً على منبره وجعل يحرض الناس ويامرهم بالمسير إلى صفين ، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : « سيروا إلى أعداء الله ، سيروا إلى أعداء السنن والقرآن ، سيروا إلى بقية الأحزاب ، قتلة المهاجرين والأنصار.
هذا ، وقد تقاعس نفر عن الإستجابة ، منهم حنظلة بن الربيع ، وقد هرب فيما بعد إلى معاوية ، ولحقه أناس من قومه ، فأمر علي (ع) بداره فهدمت (2).

بين علي (ع) وأبي زبيب
ودخل أبو زبيب بن عوف على علي ، فقال : يا أمير المؤمنين ، لئن كنا على الحق لأنت أهدنا سبيلاً ، وأعظمنا في الخير نصيباً ، ولئن كنا في ضلالةٍ إنك لأثقلنا ظهراً وأعظمنا وزراً ، أمرتنا بالمسير إلى هذا العدو وقد قطعنا ما بيننا وبينهم من الولاية ، وأظهرنا لهم العدواة نريد بذلك ما يعلم الله من طاعتك ، وفي أنفسنا من ذلك ما فيها ، أليس الذي نحن عليه الحق المبين والحوب الكبير ؟ ».
فقال علي : « بلى ، شهدت أنك إن مضيت معنا ناصراً لدعوتنا ، صحيح النية في نصرتنا ، قد قطعت منهم الولاية ، وأظهرت لهم العدواة كما زعمت ، فانك ولي الله تسيح في رضوانه ، وتركض في طاعته ، فأبشر أبا زبيب ».


« عمار يحرض »

فقال له عمار بن ياسر : أثبت أبا زبيب ولا تشك في الأحزاب عدو الله ورسوله.
____________
1 ـ القطين : الخدم والأتباع والحشم والمماليك.
2 ـ راجع كتاب صفين | 95 ـ 97.


(184)


فقال : ما أحب أن لي شاهدين من هذه الأمة فيشهدوا لي على ما سألت عنه من هذا الأمر الذي أهمني مكانكما.
وخرج عمار بن ياسر وهو يقول :

سيـروا إلى الأحـزاب أعـداء النبـي

*

سيـروا فخيـرُ النـاس أتبـاعُ علـي

هـذا أوان طـاب سـل الـمشـرفـي

*

وقَـودُنـا الخيـل وهـزُّ السـمهـري


يزيد بن قيس وزياد بن النضر
ودخل يزيد بن قيس الأرحبي على علي بن أبي طالب فقال : يا أمير المؤمنين ، نحن على جهازٍ وعدة ، وأكثر الناس أهل قوة ، ومن ليس بمضعَّف وليس به علة ، فمر مناديك فليناد الناس يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة ، فإن أخا الحرب ليس بالسؤوم ولا النؤوم ولا من إذا أمكنته الفرص أجلها واستشار فيها ، ولا من يؤخر الحرب في اليوم إلى غدٍ وبعد غد !
فقال زياد بن النضر : لقد نصح لك يا أمير المؤمنين يزيد بن قيس وقال ما يعرف ، فتوكل على الله وثق به ، واشخص بنا إلى هذا العدو راشداً معاناً ، فإن يرد الله بهم خيراً لا يدعوك رغبةً عنك إلى من ليس مثلك في السابقة مع النبي (ص) والقدم في الإسلام والقرابة من محمد (ص). وإلا يُنيبوا ويقبلوا ويأبوا إلا حربنا ، نجد حربهم علينا هيناً ، ورجونا أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم بالأمس.

رأي عبد الله بن بديل
ثم قام عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي فقال :
« يا أمير المؤمنين ، إن القوم لو كانوا الله يريدون ، أو لله يعملون ، ما خالفونا ، ولكن القوم إنما يقاتلون فراراً من الأسوة (1) وحباً للأثرة ، وظناً بسلطانهم ، وكرهاً لفراق دنياهم التي في أيديهم ، وعلى إحنٍ في أنفسهم ، وعداوةٍ يجدونها في صدورهم ، لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمةٍ ، قتلت فيها آباءهم وإخوانهم.
____________
1 ـ الأسوة : المساواة في الحقوق.


(185)


ثم التفت إلى الناس فقال : فكيف يبايع معاوية علياً وقد قتل أخاه حنظلة وخاله الوليد ، وجده عتبة في موقف واحد ، والله ما أظن أن يفعلوا ، ولن يستقيموا لكم دون أن تقصد فيهم المرّان (1) ، وتقطع على هامهم السيوف ، وتنثر حواجبهم بعمد الحديد ، وتكون أمور جمة بين الفريقين.
ثم إن أمير المؤمنين (ع) كتب إلى ولاته وعماله في الآفاق كتباً يوصيهم فيها بتقوى الله والعطف على الرعية ويأمرهم بالتوسعة في العطاء على من عندهم وإرسال ما يتبقى لصرفه في شؤون الجيش.

الإِنذار الأخير
وكتب إلى معاوية كتاباً يعظه فيه أولاً ويخوفه من الدنيا ، ثم يبكّته ويضعه في خانة العدو المغتصب للحق ، والمتسلط والباغي الذي ركبه الشيطان حتى جرى منه مجرى الدم في العروق ، وينصحه بالعودة إلى جادة الصواب ، ولعله آخر كتبه (ع) لمعاوية قبل الخروج للحرب ، وكأنه يعطيه الإِنذار الأخير ويقيم عليه الحجة ، وجاء فيه :
« إنك قد رأيت من الدنيا وتصرفها بأهلها وإلى ما مضى منها ، وخير ما بقي من الدنيا ما أصاب العباد الصادقون فيما مضى ، ومن نسي الدنيا نسيان الآخرة يجد بينهما بوناً بعيداً ، وأعلم يا معاوية أنك قد أدعيت أمراً لست من أهله لا في القَدَم ولا في الولاية ، ولست تقول فيه بأمرٍ بيّن تعرف لك به أثرة ولا لك عليه شاهد من كتاب الله ولا عهد تدعيه من رسول الله ، فكيف أنت صانع إذا إنقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنياً أبهجت بزينتها ، وركنت إلى لذتها ، وخلي فيها بينك وبين عدوٍ جاهد ملح ، مع ما عرض في نفسك من دنيا قد دعتك فأجبتها ، وقادتك فاتبعتها ، وأمرتك فأطعتها.
فاقعس (2) عن هذا الأمر وخذ أهبة الحساب ، فإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا يُجنُّك من مِجَنّ.
____________
1 ـ الرماح.
2 ـ أي تأخر وارجع.


(186)


ومتى كنتم يا معاوية ساسةً للرعية ، أو وُلاةً لأمر هذه الأمة بغير قدَمٍ حسن ، ولا شرفٍ سابقٍ على قومكم ، فشمر لما قد نزل بك ، ولا تُمكن الشيطان من بُغيته فيك ، مع أني أعرف أن الله ورسوله صادقان ، فنعوذ بالله من لزوم سابق الشقاء ، وإلا تفعل أعلمك ما أغفلك من نفسك ، فإنك مُترفٌ قد أخذ منك الشيطان مأخذه ، فجرى منك مجرى الدم في العروق ، وإعلم أن هذا الأمر لو كان الى الناس أو بأيديهم لحسدونا وأمتنوا به علينا ، ولكنه قضاءٌ ممن أمتن به علينا على لسان نبيه الصادق المصدق ، لا أفلح من شك بعد العرفان والبينة.
اللهم أحكم بيننا وبين عدونا بالحق وأنت خير الحاكمين ».
وكتب (ع) إلى عمرو بن العاص كتاباً يعظه فيه ويحذره أمر الدنيا ، ويقول فيه أخيراً « والسعيد من وعظ بغيره ، فلا تحبط أجرك أبا عبد الله ، ولا تجارين معاوية في باطله فإن معاوية غمص الناس ، وسفه الحق ، والسلام ».
وأرسل إلى قادة العرب وزعماءهم في الأمصار يستنهضهم للقتال ، فأجابه منهم خلق كثير ، وقد اقتصرنا على هذا القدر تحاشياً عن الإطالة.


كتاب محمد بن أبي بكر (رض) إلى معاوية

ولمحمد بن أبي بكر قدم سبق في الإسلام ولدى أمير المؤمنين علي (ع) مكانة خاصة ، وتشهد له على ذلك مواقفه في حرب الجمل كما قدمنا ، ومواقفه قبل وبعد صفين ، وقد كتب إلى معاوية كتاباً بمثابة إقرار واعتراف من الصادق الصدوق بفضل الإمام علي (ع) على بقية أصحاب الرسول (ص) ، كما أن فيه تبكيت وتأنيب لمعاوية على موقفه من الإِمام علي (ع) وبغيه وطلبه ما ليس له ، ونحن نذكره كما جاء في رواية نصر :
بسم الله الرحمن الرحيم : من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي بن صخر ، سلام على أهل طاعة الله من هو مسلمٌ لأهل ولاية الله ، أما بعد :


(187)


فإن الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته خلق خلقاً بلا عنَت ، ولا ضعف في قوته ، ولا حاجةٍ به إلى خلقهم ، ولكنه خلقهم عبيداً ، وجعل منهم شقياً وسعيداً ، وغوياً ورشيداً.
ثم أختارهم على علمه ، فاصطفى وانتخب منهم محمداً (ص) ، فاختصه برسالته ، واختاره لوحيه ، وإتمنه على أمره ، وبعثه رسولاً مصدقاً لما بين يديه من الكتب ، ودليلاً على الشرائع ، فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، فكان أول من أجاب وأناب ، وصدّق ووافق وأسلم وسلّم ـ أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب (ع) فصدّقه بالغيب المكتوم وآثره على كل حميم ، فوقاه كل هول ، وواساه بنفسه في كل خوف ، فحارب حربه ، وسالم سَلمَه ، فلم يبرح مبتذلاً لنفسه في ساعات الأزل (1) ومقامات الروع ، حتى برز سابقاً لا نظير له في جهاده ، ولا مقارب له في فعله.
وقد رأيتك تساميه وأنت أنت. وهو هو المبرز السابق في كل خير ، أول الناس إسلاماً ، وأصدق الناس نية ، وأطيب الناس ذرية ، وأفضل الناس زوجة ، وخير الناس ابن عم ، وأنت اللعين بن اللعين. ثم لم تزل أنت وأبوك تبغيان الغوائل لدين الله ، وتجهدان على إطفاء نور الله ، وتجمعان على ذلك الجموع ، وتبذلان فيه المال ، وتخالفان فيه القبائل. على ذلك مات أبوك ، وعلى ذلك خلفته ، والشاهد عليك بذلك من يأوي ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ، ورؤوس النفاق والشقاق لرسول الله (ص) والشاهد لعليٍّ مع فضله المبين وسبقه القديم ، أنصاره الذين ذُكروا بفضلهم في القرآن فأثنى الله عليهم من المهاجرين والأنصار ، فهم معه عصائب وكتائب حوله ، يجالدون بأسيافهم ويهريقون دماءهم دونه ، يرون الفضل في إتباعه ، والشقاء في خلافه ، فكيف ـ يا لك الويل ـ تعدل نفسك بعلي ، وهو وارث رسول الله (ص) ووصيُّه وأبو ولده ، وأول الناس له إتباعاً ، وأخرهم به عهداً ، يخبره بسرّه ويُشركه في أمره ؛ وأنت عدُّوه وابن عدوه ؟ ! فتمتع ما
____________
1 ـ الإزل : الضيق والشدة.


(188)


استطعت بباطلك ، وليمدد لك ابن العاص في غوايتك ، فكأن أجلك قد إنقضى ، وكيدك قد وهى. وسوف يستبين لمن تكون العاقبة العليا.
واعلم أنك إنما تكايد ربك الذي قد أمنت كيده ، وأيست من روحه ، وهو لك بالمرصاد ، وأنت منه في غَرور ، وبالله وأهل رسوله عنك الغَنَاء ، والسلام على من اتبع الهدى (1).
وقد أجابه معاوية على كتابه هذا ولا داعي لذكره.

الإمام علي (ع) يأمر بالخروج
وأمر عليٌّ الحارث الأعور ينادي في الناس : أن اخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة ، فنادى : أيها الناس ، أخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة.
وبعث عليٌّ إلى مالك بن حبيب اليربوعي ـ صاحب شرطته ـ فأمره أن يحشر الناس إلى المعسكر.
ودعا عقبةَ بن عمروٍ الأنصاري فاستخلفه على الكوفة ، وكان أصغر أصحاب بيعة العقبة السبعين ، وأوصاه بوصاياه.
ثم خرج عليٌّ وخرج الناس معه.


إلى الحرب يسيرون

وخرج أمامه الحر بن سهم بن طريف الربعي وهو يقول :

يـا فـرسي سيـري وأمي الشـامـا

*

وقـطعـي الـحـزون والأعـلامـا

ونـابـذي مـن خـالـف الإمـامـا

*

إنـي لأرجـو أن لقـينـا الـعـامـا

جـمـع بـنـي أميـة الـطغـامـا

*

أن نـقتـل الـعـاصي والـهُمـامـا

وان نزيل من رجال هاما

 

وسار عليٌّ (ع) حتى أتى مكاناً يقال له دير أبي موسى ، فصلى بالناس
____________
1 ـ كتاب صفين ص 118.


(189)


صلاة العصر ، فلما انصرف من الصلاة ، رفع يديه بالدعاء وقال : « سبحان ذي الطَولِ والنِعَم ، سبحان ذي القدرة والإفضال ، أسأل الله الرضا بقضائه ، والعمل بطاعته ، والإنابة إلى أمره ؛ فإنه سميع الدعاء ».
ثم سار حتى نزل على شاطىء نرس ، وهو نهر حفره نرس بن بهرام بنواحي الكوفة ، فصلى هناك صلاة المغرب ، فلما انصرف قال : الحمد لله الذي يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل ، والحمد لله كلما وقب ليل وغسق ، والحمد لله كلما لاح نجم وخفق ».
ثم أقام حتى صلى الغداة ، ثم شخص حتى بلغ قُبّة قُبيِّن ـ مكان ـ وفيها نخل طوال إلى جانب البِيعة من وراء النهر ، فلما رآها قال : « والنخلَ باسقاتٍ لها طلعٌ نضيد ». ثم أقحم دابته النهر فعبر إلى تلك البيعة فنزلها فمكث بها قدر الغداة.
ثم تابع سيره فوصل إلى أرض بابل ، فجعل (ع) يخفُّ في سيره ويقول : إن ببابل أرضاً قد خسف بها فلعلنا نصلي العصر خارجاً منها ، فحرك دابته وحرك الناس دوابهم في أثره ، حتى أتوا على مكان وقد كادت الشمس أن تغيب ، فنزل علي (ع) فدعا الله ، فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر ، فصلى بالناس العصر ثم غابت الشمس (1).

قول علي في كربلاء
عن هرثمة بن سليم قال : غزونا مع علي بن أبي طالب غزوة صفين ، فلما نزلنا بكربلاء صلى بنا صلاةً ، فلما سلم رُفع إليه من تربتها فشمها ثم قال : واهاً لك أيتها التربة ليُحشَرُّنَّ منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب.
وعن سعيد بن وهب قال : بعثني مخنف بن سُليم إلى علي ، فأتيته بكربلاء ، فوجدته يشير بيده ويقول : ههنا ههنا ! فقال رجل : وما ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : ثقل لآل محمدٍ ينزل هاهنا ، فويلٌ لهم منكم ، وويلٌ لكم
____________
1 ـ صفين ص 136.


(190)


منهم. فقال له الرجل : ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين ؟ قال. ويلٌ لهم منكم : تقتلونهم ، وويلٌ لكم منهم : يُدخلكم الله بقتلهم إلى النار.
وعن الحسن بن كثير عن أبيه : أن علياً أتى كربلاء فوقف بها ، فقيل يا أمير المؤمنين هذه كربلاء ، قال : ذات كربٍ وبلاء. ثم أومأ بيده إلى مكان فقال : ها هنا موضع رحالهم ، ومناخ ركابهم ، وأومأ بيده إلى موضع آخر فقال : ها هنا مهراق دمائهم (1).

قوله حين مر بآثار كسرى
ثم مضى (ع) إلى مدينة بُهرُ سير ، وإذا برجل من أصحابه يقال له حرّ بن سهم ، ينظر إلى آثار كسرى وهو يتمثل قول ابن يعفر التميمي :

جـرتِ الـريـاح على مكـان ديـارهم * فـكأنمـا كـانـوا علـى مـيـعـادِ


فقال علي (ع) : « كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومَقَامٍ كريم. ونَعمَةٍ كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوماً آخرين. فما بكت عليهم السماءُ والأرضُ وما كانوا مُنظَرين » (2). إن هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين ، إن هؤلاء لم يشكروا النعمة فسُلبوا دنياهم بالمعصية. إياكم وكُفرُ النِعَم لا تحلَّ بكم النقم ، ثم قال : أنزلوا بهذه النجوة (3).

وصوله إلى المدائن ثم الأنبار
لما وصل (ع) المدائن ، أمر الحارث الأعور فصاح في أهلها : من كان من المقاتلة فليواف أمير المؤمنين صلاة العصر ، فوافوه في تلك الساعة ، ولحق به فيما بعد ألف ومائتا مقاتل.
____________
1 ـ صفين 140 ـ 142.
2 ـ سورة.
3 ـ النجوة : المكان المرتفع.


(191)


وجاء علي حتى مر بالأنبار ، فاستقبله دهاقنتها بنو خُشنُوشَك (1) ثم جاؤوا يشتدون معه ، قال : ما هذه الدواب التي معكم ؟ وما أردتم بهذا الذي صنعتم ؟
قالوا : أما هذا الذي صنعنا هو خُلُقٌ منا نعظم به الأمراء ، وأما هذه البراذين فهدية لك ، وقد صنعنا لك وللمسلمين طعاماً ، وهيأنا لدوابكم علفاً كثيراً ، قال (ع) : أما هذا الذي زعمتم أنه منكم خلق تعظمون به الأمراء ، فوالله ما ينفع هذا الأمراء ، وأنكم لتشقون به على أنفسكم وأبدانكم ، فلا تعودوا له. وأما دوابكم هذه ، فإن أحببتم أن نأخذها منكم فنحسبها من خراجكم ، أخذناها منكم ، وأما طعامكم الذي صنعتم لنا ، فإنا نكره أن نأكل من أموالكم شيئاً إلا بثمن.
قالوا : يا أمير المؤمنين ، نحن نقومه ثم نقبل ثمنه ؛ قال : إذن لا تقوِّمُونَهُ قيمته ، نحن نكتفي بما دونه.
قالوا : يا أمير المؤمنين ، فإن لنا من العرب موالي ومعارف ، فتمنُعنا أن نهدي لهم وتمنعهم أن يقبلوا منا ؟ قال : كل العرب لكم موالٍ ، وليس ينبغي لأحدٍ من المسلمين أن يقبل هديتكم ، وإن غصبكم أحد فأعلمونا.
قالوا : يا أمير المؤمنين ، إنا نحب أن تقبل هديتنا وكرامتنا. قال لهم : ويحكم ، نحن أغنى منكم ! فتركهم وسار.


قصة الصخرة ، وصاحب الدير ، وإسلام الراهب

وعطش الناس وهم في طريقهم إلى صفين ، فانطلق علي (ع) مع بعض أصحابه حتى أتى على صخرة ضرس (2) من الأرض كأنها ربضة عنز (3) فأمرهم ، فاقتلعوها ، فخرج لهم ماء ، فشربوا وارتووا وشرب الناس منه ، ثم
____________
1 ـ خشن يعني طيب ونوشك معناها راضٍ. يعني بين الطيب الراضي ـ بالفارسية.
2 ـ الضِرس بالكسر : الأرض الخشنة.
3 ـ ربضة عنز : حجم جثتها إذا بركت.


(192)


أمرهم علي أن يرجعوا الصخرة مكانها. ثم سار قليلاً ثم التفت إلى بعض أصحابه وقال : هل منكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه ؟ قالوا : نعم يا أمير المؤمنين. قال : فانطلقوا إليه. فانطلق منهم رجال مشاةً وركباناً حتى وصلوا إلى المكان الذي يعتقدون أنها فيه ، فطلبوها فلم يجدوها. فانطلقوا إلى ديرٍ قريب بعد أن يئسوا منها ، وسألوهم : أين الماء الذي هو عندكم ؟ قالوا : ما قربنا ماء ! فقال صاحب الدير : ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء ، وما استخرجه إلا نبي أو وصي نبي ! (1).
ثم سار (ع) حتى وصل الرقة فنزل فيها بمكان يقال له بليخ ، على جانب الفرات ، وكان هنالك صومعة فيها راهب ، فلما رأى أمير المؤمنين نزل من صومعته ، وسلم عليه وقال له : إن عندنا كتاباً توارثناه عن آبائنا ، كتبه أصحاب عيسى بن مريم ، أعرضه عليك.
قال علي (ع) : نعم ، فما هو ؟ قال الراهب : بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى ، وسطر فيما سطر ، أنه باعث في الأميَّين رسولاً منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ، ويدلهم على سبيل الله ، لا فظٌّ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ، أمته الحمادُّون الذين يحمدون الله على كل نشز ، وفي كل صعود وهبوط ، تذل ألسنتهم بالتهليل والتكبير والتسبيح. وينصره الله على كل من ناواه ، فإذا توفاه الله اختلفت أمته ثم اجتمعت ، فلبثت بذلك ما شاء الله ثم اختلفت ، فيمر رجل من أمته بشاطىء هذا الفرات ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويقضي بالحق ، ولا يرتشي في الحكم ، الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت به الريح ، والموت أهون عليه من شرب الماء على الظماء ، يخافُ اللهَ في السر ، وينصح له في العلانية ، ولا يخاف في الله لومةَ لائم ، من أدرك ذلك النبي (ص) من أهل هذه البلاد فآمن به ، كان
____________
1 ـ صفين 145 وفي كشف الغمة 1 ص 279 وردت القصة بصورة أخرى وأنه (ع) قلع الصخرة بيده.


(193)


ثوابه رضواني والجنة ، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره ؛ فإن القتل معه شهادة.
ثم قال له : فأنا مصاحبك غير مفارقك حتى يصيبني ما أصابك.
فبكى (ع) ثم قال : الحمد لله الذي لم يجعلني عنده منسيّاً ، الحمد لله الذي ذكرني في كُتُبِ الأبرار. ومضى الراهب معه ، وكان ـ فيما ذكروا ـ يتغدى مع علي ويتعشى معه حتى أصيب يوم صفين ، فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم ، قال علي : إطلبوه. فلما وجدوه ، صلى عليه ودفنه ، وقال : هذا منا أهل البيت ، واستغفر له مراراً (1).
وعبر علي (ع) شاطىء الفرات بعد أن أقاموا له جسراً إلى صفين. ودعا زياد بن النضر وشريح بن هاني ، فسرحهما أمامه نحو معاوية في اثني عشر ألفاً.. فلما انتهوا إلى معاوية ، لقيهم أبو الأعور السلمي في جند من أهل الشام ، فدعوهم إلى طاعة علي فأبوا ، فأرسلوا إلى علي يخبرونه ، فبعث إليهم مالك الأشتر وجعله أميرا عليهم ، وحذره من أن يبدأهم بقتال.
فخرج الأشتر حتى قدم على القوم ، فاتبع ما أمره به علي (ع) وكفَّ عن القتال حتى إذا جاء المساء حمل عليهم أبو الأعور السلمي ، فثبتوا له واضطربوا ساعة.
ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل ورجال ، وخرج إليهم أبو الأعور ، فاقتتلوا يومهم ذلك ، فصبر القوم بعضهم لبعض ، ثم انصرفوا.


غلبة أصحاب معاوية على الماء

وكان أصحاب معاوية قد غلبوا على الماء ، وكان في نيتهم أن يمنعوه عن علي وأصحابه حتى يموتوا عطشاً ـ على زعمهم ـ وقد أشار ابن العاص على معاوية أن لا يفعل ذلك ، لأن ابن أبي طالب لن يظمأ وفي يده أعنة الخيل حتى يشرب أو يموت ـ في حديث طويل ـ فأبى معاوية ذلك.
____________
1 ـ صفين 148.