الفَصـل الأوَّل

* صورَة مُجمَلة
* الفَارِسُ الشّجاع
* تعَبُّدهُ قبلَ الإسلام
* إسـلاَمـه
* معَ الرّسُول ( ص )
* التشيُّع . . مَا هُوَ ؟
* أبو ذَرّ وَالتّشيُّع
* إقامتهُ في بِلاَد الشَّام
* أبو ذرّ والتّشيَّع في جَبل عَامِل


(18)




(19)


صُـورَة مُجْـمَلة

أبو ذر الغفاري : جُندب بن جَنادة . *
رمز اليقظة في الضمير الانساني المتعب ، كما هو في الضمير الاسلامي .
أتمثله شيخاً حاني الظهر ، ترتسم على وجهه سيماء الأولياء والصالحين ، وفي عينيه ألق ظل مشعاً بالأمل والحياة على هاتيك الفئات المظلومة من الناس .
أتمثله ، وهو ينهب الأرض بقدميه ، في رحلته التأريخية الثأرية ، حاملا على ظهره هموم المظلومين والمعذبين ، وعلى لسانه تتجسد صرختهم .
فهو هكذا أراد ، أراد أن يخرج عن حدود الزمان والمكان ، ويرقى قمة الحرية . . حرية الكلمة ، وحرية التعبير ، فكان منبر الاسلام في فترة من فترات الحكم .
____________
* على الاصح الاشهر . وقيل اسمه : برير بن جنادة ، وقيل جندب بن سكن وقيل السكن بن جنادة ولكن المشهور المتسالم عليه هو جندب ابن جنادة ، ولا يعرف في كتب التراجم بغير هذا الاسم .


(20)


لقد بايع أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، على أن لا تأخذه في الله لومة لائم ، وعلى أن يقول الحق ، ولو كان مُرَّا (1) .
فالتزم ببيعته . فكان جريئاً في جنب الله آخر عمره ، كما كان في أول أمره .
ولعل أجرأ نداء صريح في مسمع حاكم ظالم ، كان نداء أبي ذر ( رض ) على أبواب الخضراء . . « أتتكم القطار بحمل النار ! اللهم إلعن الآمرين بالمعروف التاركين له . اللهم العن الناهين عن المنكر ، المرتكبين له » (2) .
هذا هو أبو ذر ، صاحب الكلمة الجريئة ، التي لا تعرف المداهنة ، ولا الرياء ولا الوجل .
خاطب معاوية ذات مرة ، مجيباً إياه : « ما أنا بعدو لله ولا لرسوله ، بل أنت وأبوك عدوّان لله ولرسوله ، أظهرتما الاسلام ، وأبطنتما الكفر ، ولقد لعنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعا عليك مرات أن لا تشبع .
فقال معاوية : ما أنا ذاك الرجل .
فقال أبو ذر : بل أنت ذلك الرجل ! أخبرني بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسمعته يقول ، وقد مررتَ به : اللهم إلعنه ، ولا تشبعه إلا بالتراب . . » (3) .
وخُيِّل لجلاديه الحاكمين ، أن غضبه إنما كان لنفسه . وأنه ربما كان عن فاقة ألمِّت به ، أو مطمع يدفعه الى ذلك . فساوموه رجاء أن يسكت أو يكف ، لكنهم وجدوا خلاف ما كانوا يتوقعون .
____________
1 ـ أعيان الشيعة / 16 / 319 نقلا عن أسد الغابة .
2 ـ شرح النهج ج 8 / 257 .
3 ـ شرح النهج 8 / 257 .


(21)


بعث اليه معاوية بثلاثمائة دينار ، فقال : إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا ، قبلتها . وان كانت صلة ، فلا حاجة لي فيها » (1) .
وقال له ـ ذات مرة ـ حبيب بن مسلمة أحد القادة : « لك عندي يا أبا ذر ، ألف درهم ، وخادم ، وخمسمائة شاة .
قال أبو ذر : إعطِ خادمك ، وألفَكَ ، وشويهاتِكَ ، من هو أحوج الى ذلك مني ! فاني إنما أسأل حقي في كتاب الله . . ! » (2) .
بهذه الصراحة ، وبهذا الوضوح يرسم لنا أبو ذر بعض مواقفه ، إنه لم يكن ليثأر ، ويغضب لنفسه ، بل للحق الذي طالب بتثبيته ، وبذلك جعل من نفسه رمزاً يدفع بالمقهورين والمظلومين الى المطالبة بحقوقهم ، وعرض ظلاماتهم . فكان في تصرفاته تلك رائدا من رواد الحق ، يجازف بنفسه من أجل الآخرين .
وما أغناه عن أن يقاسي ما قاسى ، لو أراد .
لقد كان بوسعه أن يعيش حياة الرفاهية والترف ، شأن بعض الصحابة ممن هم دونه في الفضل بمراتب . لو أراد .
ولكن في هذه النقطة تكمن احدى الفوارق ما بين الانسان الرسالي ، والانسان العادي .
بين الانسان الذي يحمل هموم ومستقبل أمة بأسرها ، وبين انسان ينشغل بنفسه ولهوه ، متخماً يتجشأ على موائد الترف !
____________
1 ـ الغدير 8 / 293 .
2 ـ اعيان الشيعة 16 / 364 عن آمالي الطوسي .


(22)


نعم . كان أبو ذر انساناً رسالياً ، ولم يكن انساناً عادياً . وكان في بعض مواقفه يمثل مواقف أمير المؤمنين علي عليه السلام . ولا غرو ولا عجب ، فهو تلميذ الإمام وواحد من أكثر الناس إخلاصاً له .
قال أمير المؤمنين عليه السلام :
« ولو شِئتُ لاهتديتُ الطريق الى مُصفى هذا العسلِ ، ولُبابِ هذا القمح ، ونَسائجِ هذا القزِّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جَشعي الى تخيُّرِ الأطعمة ، ولعلَّ بالحجاز أو اليمامة ، من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع ، أوَ أبيت مبطاناً ، وحولي بطون غرثى ، وأكباد حرَّى ، أوَ أكونُ كما قال القائل :

وحـسـبـك داء أن تـبـيـت بـبـطـنـة * وحـولـك أكـبـاد تـحِـنُّ الـى الـقِـدِّ (1)


لقد كان أمير المؤمنين علي عليه السلام ، يقول هذا ، ومقدرات الأمة تحت قبضة يده ، بل المعروف أن صدقاته الخاصة وحدها كانت تساوي آلاف الدنانير ذهباً .
نعم . كان يقول هذا ـ ويعمل بما يقول مع نفسه ـ ليلفت أنظار المسلمين الى ضرورة تفقد الضعفاء ، والمقهورين ، والمدفوعين عن حقوقهم ، ويلفت انظار الولاة الى الرفق بالرعية وتفقد أحوالهم .
وكان أبو ذر ـ تلميذ الإمام ـ ممن سار على هذا الهدي ، فقد كان عطاؤه السنوي اربعماية ديناراً ذهباً . ومع هذا فانه كان لا يدخر منها
____________
1 ـ نهج البلاغة 3 / 71 / 72 ( الجشع ـ الحرص ـ البطنة ـ الاشر ـ والبطر ) . القد : سير من جلد غير مدبوغ ، والمعنى ان بعضهم يطلب أكله فلا يجده .


(23)


شيئاً . وكان يندد بالكانزين للذهب والفضة الذين لا يخرجون الزكاة الواجبة منها ، أو الذين أخذوها من طرق غير مشروعة أيام عثمان . وكان يطلب حقه ( في كتاب الله ) كما تقدم . ويرفض الألف درهم ، والعبد والخمسماية شاة .
أجل . انه لم يكن ليفعل هذا عن فاقة ، أو مطمع ، بل كان يريد إلفات المسؤولين ـ في حينه ـ الى انصاف المظلومين ، وايصال كل ذي حق الى حقه .
وأعيت الحيلة غرماءه الحاكمين في إسكاته ، فعمدوا الى طريقة ثانية قرروا فيها إسكاته ، وكانت طريقة ناجحة ـ في نظرهم ـ فنفوه الى الربذة .
حمل من الشام الى المدينة على مركب وعر ، حتى تسلخ فخذاه ، ثم بعد ذلك ، نفي الى الربذة * بعيداً عن مهاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومواطن الايمان ، حتى توفي غريباً هناك !
رحم الله أبا ذر ، لقد كان ينسى كل جراحه وآلامه في رحلته الثأرية تلك ، ليكتب على رمال الصحراء ملحمته الخالدة .
ملحمته التي ستبقى مع الشمس تشرق ، ولكنها لا تغيب !!
____________
* الربذة : موضع على بعد ثلاثة ايام من المدينة . . . معجم البلدان 3 / 24 .


(24)




(25)


الـفَـارِسُ الـشّجَـاع



(26)




(27)


الفـَارِسُ الشّجَـاع

الشجاعة أو الجرأة . موهبة يتمتع بها غالب عظماء الانسانية ، فهي لا تقبل التكلُّفَ ولا تستقيم معها محاكاة . وهي ايضاً صفة كريمة تميَّز بها العرب بصورة عامة ، والمسلمون بصورة خاصة .
فالعربي بطبعه ـ غالباً ـ شجاع غير هياب ، يتقحم موارد الهلكة ، إن رأى في ذلك ما يرضي مزاجه ، حتى ولو كانت الخسارة عنده أكبر في ميزان الاحتمال . ولعل هذه الخصلة الكريمة ، هي احدى معطيات الطبيعة الصحراوية ، وما فرضته من خشونة العيش على هذا الانسان .
فالمعروف عن العرب القدامى ، أن ظروفهم المعاشية كانت صعبة للغاية ، فكانت جلُّ حياتهم الاقتصادية تقوم على الغزو أو السلب ، أو طَرق الاحياء أو ما شابه ذلك ، مما كان متسالم عليه لديهم آنذاك * ، ولا يرون فيه أي إخلال بالشرف أو المكانة الاجتماعية ، بل على العكس من ذلك ، فقد كان هذا العمل يكسب القائم به رفعة وسؤدداً في قبيلته وبني قومه . فكان المغيرون على الأحياء يتفاخرون بذلك . وينشدون فيه الأشعار .
____________
* وكانت التجارة احدى الدعامات الاقتصادية الهامة ، لكن يبدو انها كانت مختصة بطبقة معينة من أصحاب السيادة .


(28)


قال طفيل الغنوي :

وغـارة كـجـراد الريح زعزعـها * مخراق حرب كنصل الـسيف بهـلـول (1)


وهم يرون في ذلك ردءاً لهم من الغارات التي يمكن أن تشنها عليهم القبائل الأخرى ، كما يرون في ذلك إظهارا لشجاعتهم وقوتهم حتى لا يفكر الآخرون بغزوهم .
قال المثقب العبدي :

ونحمـي على الثغر المخـوف ويتقـى * بغارتنا كـيدُ الـعـدى وضُـيـومُهـا(1)


وقال الآخر :

ومـن لم يـذد عـن حوضه بسلاحه * يُهدَّم ومن لم يظلـم الـنـاس يـُظـلَـم


والمسلم الحقيقي شجاع ايضا بمقتضى تركيبته الذهنية الخاصة التي صقلها الاسلام ، وروحه الرسالية المستمدة منه . فهو لا يعرف معنى الخوف من الموت ـ في الله ـ لأنه مؤمن بسلامة المصير ، فلا يرى غير الجنة أعدت للمتقين في الآخرة . ومتى كان الامر كذلك ، يهون عليه كل شيء في سبيل ذلك حتى نفسه . وتأريخنا الاسلامي حافل بالبطولات والتضحية كما هو بيِّن وواضح لدى كل من يتتبعه .
وصاحبنا أبو ذر رضي الله عنه ، الذي هو موضوع بحثنا الآن ، كان ممن اتسم بأعلى معاني البطولة والشجاعة ، في الجاهلية ، وفي الاسلام .
____________
1 ـ شعر الحرب في العصر الجاهلي 80 و 462 ( البهلول : السيد الجامع لكل خير ) و ( المخراق : الرجل الحسن الجسيم المتصرف بالامور الذي لا يقع في أمر الا خرج منه ) .


(29)


ففي الجاهلية كان شجاعاً بطبعه ، بل في طليعة الشجعان المغامرين ، فالمعروف عنه أنه كان فارس ليل ، لا يعرف معنى الخوف ولا الوجل ، يغير على الحي ، وعلى القوافل ، فيصيب منها ، ثم يرجع الى مقره .
روى بن سعد في الطبقات ، بسنده :
كان أبو ذر رجلا يصيب الطريق ، وكان شجاعاً يتفرد وحده بقطع الطريق ، ويغير على الصرم * في عماية الصبح على ظهر فرسه ، أو على قدميه ، كأنه السبع ، فيطرق الحي ويأخذ ما أخذ . ثم إن الله قذف في قلبه الاسلام (1) .
وهذه الرواية لا تنافي كونه كان متعبداً قبل الاسلام ، يتألَّه ويعبد الله وحده ، فمما لا يخفى على الباحث والمطلع ، أن هناك أموراً كانت سائدة لدى العرب في الجاهلية وكانوا متسالمين على أكثرها فأقرَّ الاسلام بعضها ، ونهى عن بعضها الآخر ، فكان من جملة ما نهى عنه الاسلام هذه الخصال الذميمة وهي قطع الطرق ، والإغارة على الناس في مآمنهم . فانتهى عنها المسلمون . ولا مانع من أن يكون أبو ذر متعبداً قبل الاسلام بسنوات ، ويفعل بعض هذه الاعمال ، ثم انتهى عنها حين نهى الاسلام عنها ! إنه لا مانع من ذلك قط ، ولا يُخلُّ هذا بشرفه ومكانته . هذا ، اذا لم نقل بأنه كان يفعل ذلك مع الفئات والقبائل التي تعبد الأصنام ، استحلالا منه لذلك . فمن يدري ؟
وحين اسلم أبو ذر ، زاده الاسلام شجاعة الى شجاعته ، ومنحه زخماً
____________
* الصَّرم : الفرقة من الناس ليس بالكثير .
1 ـ أعيان الشيعة 16 / 320 .


(30)


لا تدرك حدوده ، فكان من فرسان الاسلام وأبطالهم ، من أول يوم . فقد قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم :
يا رسول الله ، اني منصرف الى أهلي ، وناظر متى يؤمر بالقتال ، فألحق بك ، فاني أرى قومك عليك جميعاً !
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أصبت .
فانصرف ، فكان يكون بأسفل ثنية غزال (1) فكان يعترض لعيرات قريش ، فيقتطعها فيقول : لا أرُدّ لكم منها شيئاً حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله ، وان محمداً رسول الله . !
فان فعلوا ، ردَّ ما أخذ منهم ، وان أبوا ، لم يرد عليهم شيئاً ، فكان على ذلك ، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومضى بدر ، وأحد ، ثم قدم فأقام بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم (2) .
____________
1 ـ ثنية غزال موضع بين مكة والمدينة .
2 ـ أعيان الشيعة 16 / 321 عن الطبقات الكبرى لابن سعد .


(31)


تعَـبُّـدهُ قبـلَ الإسـلاَم

قال عبد الله بن الصامت ، قال أبو ذر :
« وقد صليت ـ يا ابن أخي ـ قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث سنين .
قلت : لمن ؟
قال : لله .
قلت : فأين توجَّه ؟
قال : أتوجه حيث يوجهني ربي ، أصلي عشاء ، حتى اذا كان من آخر الليل ، أُلقيت ، كأني خِفَاء * (1) حتى تعلوني الشمس (2) . وكان أكثر عبادته التفكر والاعتبار (3) .
وفي الطبقات الكبرى لابن سعد : كان أبو ذر يتأله في الجاهلية ، ويقول لا إله إلا الله ، ولا يعبد الأصنام . فمرَّ عليه رجل من أهل مكة ـ بعدما أوحي الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال : يا أبا ذر ! إن رجلا بمكة يقول مثل ما تقول لا إله إلا الله ، ويزعم انه نبي (4) . .
____________
1 ـ * الخفاء ـ الكساء الذي يغطَّى به السَّقاء .
2 ـ صحيح مسلم ـ 4 ـ ص 1920 ب 28 ـ فضائل الصحابة .
3 ـ الخصال ص 42 .
4 ـ الغدير 8 / 308 .


(32)


إسْـلاَمـه

حين تناهى الى سمع أبي ذر ، نبأ ظهور النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ودعوته الناس الى الاسلام عقد العزم على اللقاء به ، والاستماع منه . لكنه فضل بادئ الأمر أن يرسل أخاه ـ أنيساً ـ * ليحمل اليه بعض أخباره ، فقال له :
____________
* ومن غريب ما ورد في خبر اسلامه أيضاً :
أن ذئبا عدى على غنم له من جانب ، فنجش عليه أبو ذر بعصاه ، فتحول الى الجانب الآخر ، فنجش عليه ، فقال : مارأيت ذئبا أخبث منك ؟ فأنطق الله الذئب فقال : أشر مني أهل مكة ! بعث الله اليهم نبيا ، فكذبوه وشتموه . فخرج ابو ذر من أهله يريد مكة . . الخ . . هكذا ورد في كتاب الواعظ م 2 ص 146 .
وهذه الرواية ـ اذا صحت ـ فهي معجزة للنبي محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقد ذكر الدميري في كتاب الحيوان 1 ص 362 قريبا من ذلك بدون أن يذكر الاسم . قال : عن ابي سعيد الخدري :
بينما راع يرعى بالحرَّة ، اذ عدا الذئب على شاة ، فحال الراعي بينه وبينها ، فأقعى الذئب على ذنبه ، وقال : يا عبد الله ، تحول بيني وبين رزق ساقه الله الي ؟
فقال الرجل : واعجبا ! ذئب يكلمني ؟ فقال الذئب : آلا اخبرك بأعجب مني ، هذا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بين الحرتين يخبر الناس بأنباء ما قد سبق !

=


(33)


« اركب الى هذا الوادي ، واعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم انه يأتيه الخبر من السماء ! واسمع من قوله ، ثم إإتني .
انطلق أنيس ، حتى قدم مكة ، وسمع من قوله .
ثم رجع الى أبي ذر ، فقال : رأيته يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويأمر بمكارم الأخلاق ، وسمعت منه كلاماً ، ما هو بالشعر !
فقال له أبو ذر : ما شفيتني فيما أردتُ .
فتزود وحمل شنَّة له فيها ماء ، حتى قدم مكة . فأتى المسجد ، فالتمس النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) و ( هو ) لا يعرفه ، وكره أن يسأل عنه ، حتى أدركه الليل ، فاضطجع . فرآه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فقال : كأن الرجل غريب .
قال : نعم .
قال : انطلق الى المنزل .
قال أبو ذر : فانطلقت معه ، لا يسألني عن شيء ولا أسأله . فلما
____________
= فزوى الراعي شياهه الى زاوية المدينة ، ثم أتى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فأخبره ، فخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : صدق والذي نفسي بيده .
( ثم قال ) : قال ابن عبد البر : وغيره كلم الذئب من الصحابة ثلاثة : رافع بن عميرة ، وسلمة بن الاكوع ، وأهبان بن أوس الاسلمي ، قال : ولذلك تقول العرب : هو كذئب أهبان يتعجبون منه . وذلك ، ان أهبان بن أوس المذكور كان في غنم له ، فشد الذئب على شاة منها ، فصاح به أهبان ، فأقعى الذئب ، وقال : أتنزع مني رزقا رزقنيه الله ؟ ! فقال أهبان : ما سمعت ولا رأيت اعجب من هذا ، ذئب يتكلم ؟ . فقال الذئب : أتعجب من هذا ، ورسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بين هذه النخلات ، وأومأ بيده الى المدينة يحدث بما كان وبما يكون ، ويدعو الناس الى الله والى عبادته وهم لا يجيبونه . . الخ .

(3)





(34)


أصبحت من الغد ، رجعت الى المسجد ، فبقيت يومي حتى أمسيت ، وسرت الى مضجعي . فمر بي عليّ ، فقال : أما آن للرجل أن يعرف منزله ؟
فأقامه ، وذهب به معه ، وما يسأل واحد منهما صاحبه .
حتى اذا كان اليوم الثالث ، فعل مثل ذلك ، فأقامه عليّ معه .
ثم قال له علي ( عليه السلام ) : ألا تحدثني ما الذي اقدمك هذا البلد ؟
قال : إن اعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدني . فعلت . ففعل .
فأخبره علي ( عليه السلام ) عنه أنه نبي ، وأن ما جاء به حق ، وأنه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . ثم قال له : فاذا اصبحت ، فاتبعني ، فاني إن رأيت شيئاً أخاف عليك ، قمت كأني أريق الماء ، فان مضيت ، فاتبعني حتى تدخل معي مدخلي .
قال : فانطلقت أقفوه ، حتى دخل على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ودخلت معه ، وحييت رسول الله بتحية الاسلام ، فقلت : السلام عليك يا رسول الله ـ وكنت أول من حياه بتحية الاسلام ـ
فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : وعليك السلام . من أنت ؟
قلت : رجل من بني غفار . فعرض علي الاسلام فاسلمت ، وشهدت أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله .
فقال لي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ارجع الى قومك ، فأخبرهم ، واكتم أمرك عن أهل مكة فاني أخشاهم عليك .
فقلت : والذي نفسي بيده ، لأصوِّتن بها بين ظهرانيهم .


(35)


فخرج حتى أتى المسجد ، فنادى بأعلى صوته : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله .
فثار اليه القوم وضربوه حتى أضجعوه .
فأتى العباس ، فأكب عليه وقال : ويلكم ألستم تعلمون أنه من بني غفار ، وأن طريق تجارتكم الى الشام عليهم ، وأنقذه منهم .
ثم عاد من الغد الى مثلها ، وثاروا اليه فضربوه ، فأكب عليه العباس ، فأنقذه . ثم لحق بقومه . (1)
ومن طريف ما يروى عنه :
أنه رأى إمرأة تطوف بالبيت ، وتدعو بأحسن دعاء في الأرض ، وتقول : اعطني كذا وكذا . . ثم قالت في آخر ذلك : يا إساف ، ويا نائلة . !! ( وهما صنمان لقريش ، زُعم أنهما كانا من أهل اليمن ، أحب أحدهما الآخر ، فقدما حاجين ، فدخلا الكعبة ، فوجداها خلواً من كل أحد ، ففجرا بها ، فمسخا حجرين ، فأصبح الحجاج ، فوجدوهما حجرين ، فوضعوهما الى جانب ليتعظ بهما الناس كي لا يتكرر هذا العمل ، ثم توالت الأيام ، فعبدتهما قريش كبقية الأصنام ) .
فالتفت أبو ذر الى تلك المرأة ، قائلا : أنكحي أحدهما صاحبه ! .
فتعلقت به ، وقالت : أنت صابئ ، فجاء فتية من قريش فضربوه ، وجاء ناس من بني بكر ، فنصروه .
____________
1 ـ اعيان الشيعة ج 16 / 316 ـ 317 نقلا عن : الاستيعاب / باب الكنى . وفي الاصابة 4 / ص 62 ـ 63 وفي صحيح مسلم قريبا من ذلك .


(36)


فجاء الى النبي ، فقال : يارسول الله ، أما قريش ، فلا أدعهم حتى أثأر منهم . . . ضربوني !!
فخرج حتى أقام بعسفان (1) وكلما أقبلت عير لقريش يحملون الطعام ، ينفِّر بهم على ثنية غزال فتلقي أحمالها ، فيجمعوا الحنط ، ( فيقول أبو ذر لهم ) : لا يمس أحد حبة حتى تقولوا ، لا إله إلا الله . فيقولون ، لا إله إلا الله ، ويأخذون الغرائر ! (2)
وحين رجع أبو ذر الى قومه ، نفذ وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فدعاهم الى الله عز وجل ونَبذِ عبادة الأوثان والايمان برسالة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فكان أول من أسلم منهم أخوه أنيس ، ثم اسلمت أمهما ، ثم أسلم بعد ذلك نصف قبيلة غفار ، وقال نصفهم الباقي : اذا قدم رسول الله المدينة ، أسلمنا .
جاء في صحيح مسلم : عن أبي ذر قوله :
فأتيت أنيساً ، فقال : ما صنعت ؟ قلت : صنعت ، أني قد أسلمت وصدَّقت . قال : ما بي رغبة عن دينك . !
فأتينا أمَّنا . فقالت : ما بي رغبة عن دينكما ! فاني قد أسلمت وصدقت .
فاحتملنا (3) حتى أتينا قومنا غفاراً . فأسلم نصفهم .
____________
1 ـ عسفان : موضع على بعد ستة وثلاثين ميلا ، ( بين مكة والمدينة ) المعجم .
2 ـ أعيان الشيعة 16 / 320 ـ 321 . الكلمات التي بين قوسين خارجة عن الأصل .
3 ـ يعني حملنا انفسنا ومتاعنا .


(37)


وقال نصفهم : أذا قدم رسول الله المدينة ، أسلمنا . فقدم رسول الله المدينة ، فأسلم نصفهم الباقي . وجاءت أسلم (1) فقالوا : يارسول الله ! اخوتنا ، نسلم على الذي أسلموا عليه . فأسلموا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم « غفَار غَفر الله لها . وأسلَم سالمها الله » (2) .
ومجمل القول : فان أبا ذر ( رض ) كان من المبادرين الأول لاعتناق الاسلام حتى قيل انه رابع من أسلم ، وقيل خامسهم .
قال في الاستيعاب :
كان إسلام أبي ذر قديماً . يقال بعد ثلاثة ، ويقال : بعد أربعة ، وقد روي عنه أنه قال : أنا ربع الاسلام . وقيل : كان خامساً (3) .
وقال الواقدي : وأسلم أبو ذر ، قالوا رابعاً ، أو خامساً (4). .
____________
1 ـ اسم قبيلة .
2 ـ صحيح مسلم 4 / ك الفضائل ص 1922 .
3 ـ الاستيعاب / حاشية على كتاب الاصابة / م 1 ص 213 .
4 ـ الكامل 2 / 60 .