أبـو ذرّ وَالتّـشيُّع في جَبـل عَامِـل

وقبل الدخول في الموضوع ، لا بد لنا من الوقوف على موقع ( جبل عامل ) الجغرافي من بلاد الشام ، تأريخيا ، لكي تتثبت من إقامة ابي ذر فيه ، وتنجلي لنا حقيقة الامر في ذلك .

حـدود الـشـام :

قال ياقوت في معجم البلدان : وأما حدها ـ يعني الشام ـ فمن الفرات الى العريش المتاخم للديار المصرية .
وأما عرضها : فمن جبلي طيىء من نحو القبلة ، الى بحر الروم ، وما بشأمة ذلك من البلاد . وبها من أمهات المدن : منبج ، وحلب ، وحماة ، وحمص ، ودمشق ، والبيت المقدس ، والمعرة . وفي الساحل : إنطاكية ، وطرابلس ، وعكا ، وصور ، وعسقلان ، وغير ذلك . . الخ (1) .
هذه هي سعة الشام وسعة حدودها ـ في ذلك الوقت ـ ويتضح من ذلك ، ان منطقة جبل عامل داخلة في ضمنها ، لأن منها صور .
وقال في متن اللغة . مادة : ع م ل .
بنو عاملة ، حي يمان من ولد الحرث بن عدي . ينتهي الى كهلان بن سبأ ، نُسبوا الى أمهم عاملة بنت مالك القضاعية . وجبلهم بالشام ، فوق
____________
1 ـ معجم البلدان 3 / 312 مادة : شأم .


(73)


صور وصيدا ، يعرف بهم . واشتهر باسم : جبل عامل (1) .
المهم : ان الشام لم تكن اسما لخصوص دمشق ( العاصمة ) ، بل كان لفظ الشام يطلق على المنطقة المشار اليها آنفا بأجمعها ، بما فيها جبل عامل .
وقد أشرنا سابقا الى أن أبا ذر ( رض ) أقام في الشام بعد وفاة أبي بكر ـ كما يظهر من رواية الاستيعاب ـ حتى شكاه معاوية الى عثمان ، فأخرجه الى المدينة ، ثم نفاه الى الربذة . وأن الروايات الاخرى التي تشير الى اخراجه من المدينة الى الشام ، لا تعني اخراجه اليها منفيا ، بل كل ما هناك أن عثمان كان يأمره بالتعجيل في الخروج الى الشام ، كما في قوله له : « الحق بمكتبك » . راجع ص 67 .
ثم ان اقامة أبي ذر فيها ، لا تعني في خصوص دمشق ـ كما يتوهم ـ بل في المنطقة عامة ، يؤيد ذلك قول أبي ذر مخاطبا عليا عليه السلام حين كان في وداعه : « اني ثقلت على عثمان بالحجاز ، كما ثقلت على معاوية بالشام ! » (2) .
فكما أن كلمة « الحجاز » تشمل كل مدن الحجاز بما فيها المدينة ، كذلك كلمة « الشام » تشمل كل مدن الشام ، بما فيها دمشق ، وبما فيها « جبل عامل » .
ومن الواضح : أنه ( رض ) ، كان في هذه المنطقة ، تحت قبضة معاوية وسلطانه . فصح أن يقال : كان عند معاوية .
____________
1 ـ متن اللغة 4 / مادة : ع م ل / 209 .
2 ـ شرح النهج 8 / 254 .


(74)


تحـديـد مـدة اقـامته في الشـام

النصوص التأريخية ، لا تحدد مقدار إقامته فيها . إلا ما ورد عن كميل بن زياد رحمه الله ، قال : « كنت بالمدينة حين أمر عثمان أبا ذر باللحاق بالشام ، وكنت بها في العام المقبل حين سيَّره الى الربذة » (1) .
هذه الرواية فقط ـ اذا صحت ـ تشير الى ان اقامته فيها استغرقت سنة . أما ما عداها ، فلا يستند إلا الى التخمين والاستنتاجات الخاصة . ومع ذلك ، فان رواية كميل هذه لا يستفاد منها مجموع إقامته في الشام ، بل يستفاد منها : أن المدة ما بين أمر عثمان أبا ذر باللحاق بالشام ، وبين نفيه الى الربذة ، استغرقت سنة .
وعلى هذا ، فلا تنافي بين رواية ( الاستيعاب ) المتقدمة وهذه الرواية .
وبوسعنا القول الآن : أن اقامة ابي ذر في بلاد الشام ، في مدنها وقراها ، كانت طويلة جدا ، ربما استغرقت أربعة عشر سنة ، وأهم الشواهد على ذلك ، ما يلي :
اولا : رواية الاستيعاب المتقدمة ( ص 65 ) وهي صريحة فيما نرمي اليه ، حيث يقول فيها : « ثم خرج بعد وفاة ابي بكر الى الشام ، فلم يزل بها حتى ولي عثمان ، ثم استقدمه عثمان لشكوى معاوية . . »
والمعروف أن وفاة أبي بكر كانت في سنة 13 هـ . وفي هذه السنة ولي عمر بن الخطاب ، حتى توفي سنة 23 هـ ، وفيها بويع عثمان بن عفان (2) ، الى سنة 35 هـ ( على التقريب ) وقد نفى عثمان أبا ذر من الشام الى المدينة ، فالربذة ، في سنة 30 ـ على ما ذكره ابن الأثير ـ (3) .
____________
1 ـ الغدير 8 / 204 .
2 ـ مروج الذهب 2 / 297 / 304 .
3 ـ الكامل 3 / 113 .


(75)


فعلى هذا تكون الفترة ما بين خروج أبي ذر الى الشام ونفيه الى المدينة سبعة عشر سنة . على رواية الاستيعاب !
ثـانيـا : النصوص التي تتحدث عما أوجده أبو ذر ، ـ في اقامته تلك ـ من تغيير في ذهنية المجتمع الشامي ، وصرفه الناس اليه ، وأخذهم منه الحكم والفتيا واجتماعهم من حوله ، من جهة ، وميل المعسكر الذي كان فيه ، اليه من جهة أخرى . الى حدّ حرك في نفس معاوية الخوف من عواقب ذلك . فكتب الى عثمان يحمله اليه . واليك بعض هذه النصوص :
أ ـ قول حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية : « إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام ، فتدارك أهله ، إن كان لك فيه حاجة . . »(1)
ب ـ كتب معاوية الى عثمان : « إن أبا ذر تجتمع اليه الجموع ، ولا آمن أن يفسدهم عليك ، فان كانت لك في القوم حاجة ، فاحمله اليك . . »(2)
ج ـ وكتب اليه : « إن أبا ذر قد حرف قلوب أهل الشام ، وبغضك اليهم فلا يستفتون غيره ! ولا يقضي بينهم إلا هو . . ! »(3)
د ـ « قول عثمان لأبي ذر حين طلب الرجوع الى الشام : « انما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها ! أفأردّك اليها !؟ »(4)
ويؤيد ذلك ، كلام ابن بطال المتقدم : « كان في جيش معاوية ميل الى أبي ذر ، فأقدمه عثمان خشية الفتنة » .
____________
1 ـ شرح النهج 8 / 257 .
2 ـ مروج الذهب 2 / 340 .
3 ـ رجال بحر العلوم 2 / 152 .
4 ـ شرح النهج 8 / 260 .


(76)


إن هذه النصوص ، تزودنا بالكثير حول ( اقامته الطويلة في بلاد الشام ) . فقد كانت اقامته هذه تقضّ مضاجع الحكام آنذاك ، فقد استطاع هذا الصحابي الجليل ، أن يستقطب الاكثرية من الناس ، يعضهم ويرشدهم ، ويذكرهم بأيام الله . وينوّه بمقام أهل البيت عليهم السلام ، ومكانتهم وفضلهم ، وما ورد فيهم على لسان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الى غير ذلك مما جلب على معاوية المتاعب ، فكتب فيه الى عثمان .
وهنا سؤال يفرض نفسه :
أترى ، كان باستطاعته أن يقوم بهذه الادوار الخطيرة ، خلال أشهر أو سنة !؟ كما يدعي أكثر الكتَّاب والمؤرخين .

فهل أن تغيير ذهنية مجتمع بكامله ، كان يتعاطف مع الامويين ، ولم يعرف غيرهم ، وتزويده بذهنية جديدة ذات طابع معيَّن ، من السهولة بمكان ؟؟ كما ربما يتصور البعض .
إن تصور هذا من البعد بمكان .
فان عملية إفساد المجتمع الشامي على معاوية ومن ولاَّه ، لا بد وأنها استغرقت سنين عديدة ، لأن تغيير المرتكزات الذهنية السائدة لدى أي مجتمع كان ، لا يمكن أن يتم في خلال أشهر معدودة .
من هنا ، ومما ذكرنا آنفا ، يسهل علينا الوصول الى الحقيقة التاريخية الهامة التي أغفلها المؤرخون القدماء ، وتكتم فيها كثيرون .
أغفلها المؤرخون ، إما إستخفافا بأهلها ، أو فرقا من الحكام الذين كانوا في زمانهم .
وتكتم فيها كثيرون ، خوفا على دمائهم وأموالهم .


(77)


هذه الحقيقة ، هي صلة التشيع في ( جبل عامل ) بأبي ذر ( رض ) . فان مما توارثه أهل هذا الجبل عن الاباء والاجداد ، أن تشيعهم لمذهب أهل البيت عليهم السلام كان على يد هذا الصحابي الجليل ، عندما كان مقيما في بلاد الشام .
وهنا يجدر بنا أن نستعرض كلمات بعض كبار الباحثين حول هذا الموضوع .
قال السيد الامين في أعيان الشيعة : « ومن المشهور ان تشيع جبل عامل كان على يد أبي ذر ، وأنه لما نفي الى الشام ، وكان يقول في دمشق ما يقول ، أخرجه معاوية الى قرى الشام ، فجعل ينشر فيها فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) فتشيع أهل تلك الجبال على يده . فلما علم معاوية ، أعاده الى دمشق ، ثم نفي الى المدينة . . »
ثم قال : وهذا ، وان لم يرد به خبر مسند ، لكنه قريب غير مستبعد (1) .
وذكر الشيخ الوالد مد ظله في كتابه ( جبل عامل في التأريخ ) ، كلمات لبعض كبار الباحثين حول هذا الموضوع ، وبدوري أقتطف بعضا من كلماتهم .
قال الاستاذ الشيخ أحمد رضا : « إن التشيع في بلاد الشام هو أقدم منه في كل البلاد ، غير الحجاز . وهذا من العجيب ، أن يقوم أول ركن ، وتنتشر أول دعوة للشيعة في بلاد محكومة لأعدى الناس لهم .
ثم استطرد في كلامه عن أبي ذر ، ونشره مذهب التشيع في بلاد الشام فقال : ثم كان يخرج الى الساحل ، فكان له مقام في قرية الصرفند
____________
1 ـ أعيان الشيعة 16 / 358 .


(78)


القريبة من صيدا ، ومقام آخر في قرية ميس ، المشرفة على غور الاردن ، وكلتاهما من قرى جبل عامل ، والمقامان الى الآن معروفان ، الى آخر ما قال .
ولقد عقبه الامير شكيب ارسلان ، فقال :
أما كون التشيع في جبل عامل هو أقدم منه في العجم ( ايران ) بل في كل قطر حاشا الحجاز ، فمن الحقائق التي لا خلاف فيها ، ثم استطرد عارضا ظهور التشيع في ايران ، ثم ذكر انه في العرب وبلاد الشام لم يكن ظاهرا ، وأن الشيعة كانت تستمسك بحبال التقية خوفا على أنفسهم ، ولذا تجد المؤرخين يتجانفون عن نسبة علماء الشيعة الى التشيع . . ثم ذكر حادثة جرت بين الشيخ البهائي وبعض علماء السنة في الشام ـ راجع .
وقد ذكر الاستاذ الشيخ سليمان ظاهر ما يقرب من كلام صاحبيه ، قائلا : إن قدم التشيع في هذا القطر ، ( يعني جبل عامل ) يمتد الى خلافة عثمان ( رض ) والى عهد نفي أبي ذر .
ثم عقب سماحة الشيخ مدظله ، فقال :
هؤلاء أعلام ثلاثة من ثقات أهل الاستقراء والتدقيق ، يشهدون شهادة جازمة بقدم التشيع في بلاد عاملة ، وأنه من عهد نفي أبي ذر الغفاري ، كما يشهدون بسبق تشيع الحجاز .
ثم ذكر كلمة الحر العاملي ( قدس سره ) وهو من أعظم الثقات ومن أجلاء أهل زمانه وهو أقدم من هؤلاء جميعا .
كان يقول : إن تشيعهم ( يعني العامليين ) أقدم تشيع . فقد روي أنه لما مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكن من شيعة علي ( عليه السلام ) إلا أربعة مخلصون : سلمان ، وأبو ذر ، والمقداد ، وعمَّار . ثم تبعهم جماعة قليلون إثنا عشر ،


(79)


وكانوا يزيدون ويكثرون بالتدريج حتى بلغوا ألفا وأكثر . ثم في زمن عثمان ، لما أخرج أبا ذر الى الشام ، بقي أياما ، فتشيع جماعة كثيرة ، ثم أخرجه معاوية الى القرى ، فوقع في جبل عامل ، فتشيعوا من ذلك اليوم (1) الى آخر ما ذكره .
بعد هذا العرض ، يتضح لنا أن هذا متفق عليه ، لا مكان للغموض فيه . ولكن يمكننا النقاش في عملية الطرح لهذا المضمون ، فنقول :
مما لا شك فيه ، أن أبا ذر ( رض ) هو أول من بذر هذه البذرة الطيبة في جبل عامل ( قرى الشام ) بفضل إقامته فيها . ولكن إقامته الطويلة الأمد التي استغرقت من عمره سنوات ، والتي كان مرتاحا فيها ـ على الاقل ـ بادئ الامر ، كما قدمنا ، لا منفيا . هذا أولا .
وثانيا : انه أقام أولا في قرى الشام خلال هذه المدة الطويلة . بدليل قوله « كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغني عنهم . . » راجع ص 68 . والثغر لا يعني قلب العاصمة ، بل على العكس ، يعني حدود المنطقة التي يمكن للعدو أن ينفذ منها . ثم بعد ذلك ـ يمكننا القول ـ بأن معاوية حين خشي منه أن يفسد الناس عليه ، جلبه الى الشام ليكون تحت رقابته ، ورقابة جلاوزته . فلما رأى انه لايكف عن ذلك ، كتب فيه الى عثمان .
أما القول بأن معاوية ، نفاه الى قرى الشام أولا ، ثم جلبه اليه ، فبعيد جدا ، ولا يتلائم مع دهاء معاوية وحذره . إذ كيف يعقل أن ينفيه معاوية من الشام بسبب اثارته الناس عليه ، وهو فيها تحت قبضته وسلطانه ، الى قرى
____________
1 ـ جبل عامل في التاريخ ج 1 / 49 الى 54 .


(80)


الشام ، النائية عن العاصمة ، والتي يجد فيها أبو ذر حرية أكبر ـ بطبيعة الحال ـ ومجالا أوسع لنشر أفكاره ، بعيدا عن الرقباء والجلاوزة ؟؟

ومجمل القول :

فان نسبة التشيع في جبل عامل لأبي ذر الغفاري ( رضي الله عنه ) مما توارثه أبناء هذه المنطقة ، أباً عن جد ، وحبهم لآل البيت ( عليهم السلام ) ، واعتناقهم مذهبهم ، هما الصفة المميزة لأهل هذا الجبل . وعلى مر العصور والاعوام ، وجدنا جبل عامل ، منبتاً لفحول علماء المسلمين من أتباع مذهب أهل البيت ، عليهم السلام ، وستبقى هذه السلسلة الذهبية ، مستمرة لامعة في دنيا الاسلام ، مهما حاول المغرضون ، بترها .
وسيبقى طهر أبي ذر ( رضي الله عنه ) وشفافية نفسه الزكية ، يطيفان على أهل هذا الجبل ، بركة وخيرا ، وايمانا مستمدا من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل بيته الميامين .
رحم الله أبا ذر حامل مشعل الهداية والكرامة .
رحم الله تلك الروح الزاكية التي تشبعت بحب النبي وآل النبي ، حتى فاضت ، وفاضت ، فشملت أهل هذا الجبل ( جبل عامل ) بالبركات .


(81)




(82)




(83)


الفَـصْـل الثَّـاني

* بينَ أبي ذَرّ وَعثمان
* حُـلمُ الأمـَويّـين
* الإمَـــامَـــة
* فـي السَّـقيـفَـة
* إثَـارَة الـفِـتَـن
* رقَـابَـة المُسلمين
* فِـقدان الهيَبة في خِلافة عثمان
* سيَاسَة عثمان في إختِيار الولاة
* سياستهُ في المـال
* معـارضة أبـي ذرّ
* مَوقف أبي ذَرّ من مُعَاوِية
* ودَاع أهـل الشّام لَه



(84)




(85)


يـا أبـا ذر ! انـك غَضِبـتَ للهِ ، فـارجُ مَـن غَضِبـتَ لـه ، إنَّ القـومَ خـافوكَ على دُنيـاهـم ، وخِفتهـم على دِينـك ، فاتـرُك فـي أيـديِـهم مـا خـافـوكَ عليـه ، واهـرب مِنهـم بمـا خفتـهـم عليـه ! فـمـا أحـوَجـَهـُم الـى مـا مـنعـتـهـم ، ومـا أغـنـاكَ عـمَّـا منعـوك .

الإمام علي ( عليه السلام )




(86)




(87)


حُـلمُ الأمـوَيّين

حَلم الأمويين طويلا ، بالحكم والرياسة والمجد ، قبل البعثة النبوية المباركة ، لأن المسألة ـ بنظرهم ـ لا تعدو المفخارة بالإيلام ، والإطعام ، ونحر الجزر ، على مرأى من الحَكَمِ الذي يختارونه للبتِّ فيما بينهم ، والحكم إمَّا لهم ، وإمَّا عليهم .
لكن هذا الحلم الطويل ، بترته البعثة النبوية المباركة ، فعاد سراباً بِقيعة .
يظهر ذلك ، من خلال ما قاله بعض قادتهم وزعمائهم . قال :
« تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، حتى اذا تحاذينا على الرُكب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك مثل هذا ؟ واللات لا نؤمن به ولا نصدقه » (1) .
لقد كانت نبوة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مفاجأة رهيبة بالنسبة للفكر العربي المتخلف ـ آنذاك ـ كما كانت ضربة قاصمة في صميم العصبية الجاهلية ، لذلك ، رأينا قريشا ، وقد تألبت وأجمعت على حرب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومكافحة رسالته ، وان الأمويين ـ أبناء العم ـ هم الذين اضطلعوا بذلك ، فكانوا
____________
1 ـ حياة الامام الحسن 1 / 21 .


(88)


على رأس الحملات المضادة للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولرسالته السمحاء . سيَّما وأنهم يعتبرون أنفسهم غرماء مجد للهاشميين .
وأظهر الله نبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على قريش وكافة من ناهضه من المشركين ، فانتصر المسلمون انتصارات متتالية ، انتصر فيها الحق على الباطل ، والخير على الشر ، وأخذ الاسلام يشق طريقه نحو القمة ، ويأخذ مكانه في النفوس ، بروحيته السمحة ، ومبادئه العالية . .
ولا غرو في ذلك ، ولا عجب . فقد استصفى الله الانسان من دون سائر مخلوقاته ، واستصفى للانسان دين الاسلام ، فقال تعالى :
« إنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسلامُ ومَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلام دِيناً فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وهوَ في الآخِرة مِن الخَاسرين » .
لقد أرسى النبي الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قواعد الرسالة الكريمة ، وأحكم دعائمها ووطد أركانها وأعاد للانسانية شرفها وكيانها ، بعد أن كانت ضحية أهواء الجبابرة وأرباب السلطان ، من شذاذ الآفاق الذين لا همَّ لهم إلا إشباع رغباتهم ونزواتهم على حساب الضعفاء من عامة الناس .
والتحق صلى الله عليه وآله وسلم بربه راضيا مرضيا ، وظل حُلمُ الامويين محالا في قاموس الاسلام ، ولكن ما ان مضت فترة من الزمن وجيزة ، حتى عاد هذا الحلم يراود أهله من جديد ، فقد بدأ يتمطى عن رقدة طويلة ، عادت بعدها آمالهم خضراء مورقة . فها هي إمارات « ملك بني أمية » تلوح من قريب ، بعد ان كانت بعيدة عن دنيا الاسلام .
إنه « الملك » في مفهوم بني أمية و « الخلافة » في مفهوم الاسلام . وما أبعد ما بينهما . إنه كالبعد بين الحق ، والباطل ، خطان متوازيان ، ذاك يدعو الى الجنة ، وهذا يجر الى النار ، وذاك ينصر المظلوم ـ في الله ـ


(89)


وهذا يقرّ الظالم ، وذاك يطارد المفسدين والقتلة ، وهذا يقتل أولاد الأنبياء ، ويمثِّل بالأبرار ، ويطارد المؤمنين .
ويأتي السؤال هنا : كيف تسنى لهذه الفئة التي جهدت في حرب الرسول والرسالة ، أن تخلف رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مقعده ، وأن تتسلط على مقدرات الامة الاسلامية ، زهاء ثمانين سنة ؟ !
كيف تسنى لهم استغلال نبوة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للاستيلاء على العالم الاسلامي ، وبسط نفوذهم فيه ، وتحويل الخلافة بالتالي الى ملك عضوض يتوارثه الأبناء ؟ ومن المسؤول عن ذلك ؟
وسواء تجاهلنا الامر ، أو تجاهله غيرنا ، فان ذلك لا يترك لنا مندوحة للتهرب من إدراكنا للظروف الصعبة التي عاشها المسلمون السابقون في فترات مختلفة ، أو التهرب من الواقع المرير الذي يعيشه المسلمون اليوم بشكل عام ، والذي حدث نتيجة للانحراف القديم .
إن هذا السؤال يفرض نفسه ، ويتطلب منا جوابا واضحا لا إلتواء فيه ، ولا مواربة .
ويجدر بنا ـ ونحن نتلمس الإجابة عن هذا السؤال ـ أن نتناول بعض النصوص التأريخية وننظر فيها نظرة تمحيص وتحليل ، نسلط خلالها الأضواء الكاشفة على خفاياها ـ إن كانت غامضة ـ ونتأملها طويلا ، فهي تحكي وتجلو لنا حقبة تأريخية معينة ، عاشها المسلمون وتفاعلوا معها، وأوصلتهم بالتالي الى ما وصلوا اليه من تفكك وانهيار ، أفقدهم شخصيتهم المميزة عبر التأريخ .
نتأمل تلك النصوص ـ بموضوعية وعمق ـ كي نصل الى نقطة الارتكاز الرابطة بين ما عاناه المسلمون في السابق ، وما يعانونه اليوم ، وبين الاسباب الحقيقية لذلك ، محاولين قدر الإمكان أن نبتعد بضمائرنا


(90)


وتفكيرنا ، عن كل الحساسيات ، والتشنجات النفسية ، لنوفر للعقل وحده فرصة الانتصار .
والذي يبدو جليا واضحا ، أن المسلمين الأوائل يتحملون شطرا من المسؤولية حول هذا الامر . لكن من المتيقن ان القيادة بدورها تتحمل الشطر الاكبر من تلك المسؤولية ، اذ إنها كانت محط الثقة الكاملة لدى المسلمين ، ومعقد آمالهم ، فكانوا يرون في الخلافة مصدرا يمدهم بالقوة والثقة اذا ضعفوا أو وهنوا ، ومصدرا تنبعث منه كل الطاقات التي تمكنهم من الثبات والاستمرار ، ويضمن لهم السلامة والرقي ، لذلك ، فانهم كانوا يتركون للخليفة كلمة الفصل في أحرج الظروف ، ويشاركهم هو في ذلك ، ومن ثَمَّ يضحُّون بكل شيء في سبيل انجاح مقرراته طائعين غير مكرهين ، حفاظا على الاسلام .
وهذه الرؤية ـ بالذات ـ نجدها قد تبددت في عهد عثمان ، لما لمسه المسلمون من انحراف واضح في مسلكه ، سواء في ذلك مسلكه السياسي مع كبار الصحابة كأبي ذر الغفاري ، وعبد الله بن مسعود ، وعمار بن ياسر ، والأشتر النخعي وأصاحبه .
أو مسلكه المالي ، في اغداقه على المقربين من ذوي رحمه ، وحرمانه الآخرين من أعطياتهم المفروضة .
فنفى أبا ذر الى « الربذة » حتى مات فيها غريبا .
وسيَّر عبد الرحمن بن حنبل صاحب رسول الله ، الى القموس من خيبر . وهمَّ بتسيير عمار بن ياسر ، فحال علي ( عليه السلام ) وبنو مخزوم دون ذلك .
وأمر بعبد الله بن مسعود ، فجُرّ برجله ، حتى كسر له ضلعان ، ووطئ جوفه ، حتى صار لا يعقل صلاة الظهر ، ولا العصر ، ومنعه عطائه


(91)


ـ على حد تعبير ابن مسعود (1) ـ حتى مات .
وسيَّر جماعة من صلحاء الكوفة ، من بينهم مالك ابن الأشتر النخعي وصعصعة بن صوحان وأخوه زيد ، وعدي بن حاتم لكلام جرى بينهم وبين عامله على الكوفة سعيد بن العاص ، فسيًّرهم أولا الى الشام ، ثم بعد ذلك أعادهم ، ثم سيَّرهم الى حمص وكان العامل فيها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وكان هذا الاخير يغلظ لهم ، فكان من جملة ما يقول لهم : لا أهلا بكم ولا سهلا . . جزى الله عبد الرحمن إن لم يؤذكم (2) . . الى غير ذلك .
لقد كانت هذه الفترة ، من أشد الفترات حساسية في الاسلام . فمنها كانت بداية الشر ، فقد كان المسلمون قبلها يلجأون في مخاصماتهم الى الخليفة نفسه للنظر فيها والاستماع الى رأيه العادل في ذلك ، أو ـ على الاقل ـ كان يستمع منهم ويأخذ بآرائهم . أما ، وقد اختلت القاعدة ، وانعكست الموازين ، حيث أصبح الخليفة طرفا في الخصومة ، أو منحازا الى فئة معينة ، فانه لم يعد بالامكان ضبط الامور ، ولم تعد مخاصماتهم لتقتصر على الملاسنة والحجاج ، بل تعدتها الى استعمال القوة ، واللجوء الى القتل والفتك .
هذه الفترة الصعبة ، بدأت مواسمها تمرع في السنة السادسة من خلافة عثمان ، فكان مقتله بداية الحصاد ، ثم استمر وطال أعواما وقرونا ، خلَّف فيما بعد الجسم الاسلامي ، جسما هزيلا مفككا ، بعد ان كان صلبا قويا لا تعادله قوة .
ومن هذه الفترة ، تولدت الفترات المظلمة في تأريخ الاسلام ، والتي
____________
1 ـ اليعقوبي 2 / 170 و 173 .
2 ـ الغدير : 9 / من 30 الى 46 .


(92)


وصف بعضها عمر بن عبد العزيز بقوله : « الوليد في الشام ، والحجاج في العراق ، ومحمد بن يوسف في اليمن ، وعثمان بن حيان في الحجاز ، وقرة بن شريك في مصر ، ويزيد بن مسلم في المغرب ، إمتلأت الارض والله جورا ! » .
وعلينا الآن ـ لكي نقف على حقائق تلك الفترة ـ أن نستعرض النصوص الكافية التي تعطينا صورة واضحة عن مواقف عثمان وسياسته . وقبل أن نتحدث عن ذلك ، يجدر بنا ان نمر مرورا سريعا بالظروف التي مهدت لعثمان ، والتي كانت سببا في تسلط الأمويين ، والتي بدأت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .