(3)


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى اله الطاهرين ، وصحبه المنتجبين ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين .
وبعد . كنا قد قدمنا للقراء الكرام الحلقة الأولى من « سلسلة الأركان الأربعة » والتي تناولت حياة الصحابي الجليل « أبو ذر الغفاري » رضي الله عنه حيث نالت استحساناً نّم عنه سرعة نفاذ النسخ في خلال أشهر مما شجعنا على متابعة السير في خطىً حثيثة والإسراع في اخراج باقي الحلقات بالشكل اللائق .
والآن نقدم للقراء الكرام الحلقة الثانية وهي تتناول حياة الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه أحد الأركان الأربعة ، وسابق فارس نحو الإسلام ، آملين من الله سبحانه أن يوفقنا لإتمام باقي الحلقات ، وأن يأخذ بيد المسلمين كافة إلى ما فيه الخير والصلاح .
ولا يفوتنا القول بأن الدار قد حرصت كل الحرص على اخراج هذا الكتاب بالشكل اللائق المناسب إيماناً منها بضرورة الإخلاص في العمل والتسهيل على القراء الكرام ، والله حسبنا ونعم الوكيل .


(4)


قالَ عليٌ عليه السلام : « الـسبّاق خمسَة
فأنا سَابق العرب وسَلمان سَـابق فـارس
وصـهيب سَـابق الـروّم وبـلال سـابق
الـحَبـش وَخـبـاب سَـابـق الـنبـط
»


الخصَال " 312 "




(5)


بين يدي القارىء

على مقربة من بغداد صوب الشرق ، تلوح للناظر من بعيد بلدة صغيرة تدعى « المدائن » يلتقي فيها شاهدان . شاهد كسرى وشاهد سلمان .
أما شاهد كسرى ، فذلك الطاق المحدودب الهرم الذي يحكي قصة جبروت صانعيه ، والذي بقي أثراً من الإيوان الشهير الذي أقامه كسرى أنو شروان ليصبح فيما بعد مقراً للأكاسرة حيث كانوا يطلقون عليه إسم « القصر الأبيض » وكانوا يديرون من بين أروقته حكم ثالث إمبراطورية في العالم القديم ، لم يبق منه اليوم سوى هذا الطاق . وهو إن دل على شيء فانما يدل على شموخ الإسلام وعظمته حيث إستطاع أن يقضي على مظاهر الأباطرة والآكاسرة بفترة وجيزة من أيام حكمه .
وأما شاهد سلمان ، فضريح ومزار وقبة ومئذنتان ينطلق منهما صوت الحق عالياً مدوياً كل يوم يحكي قصة الإيمان والتضحية والشرف . وهناك تحت تلك القبة الشامخة يتمدد جسد ذلك الصحابي العظيم « سلمان سابق فارس نحو الإيمان » والذي ستبقى روحه الزكية مناراً يشع عبر العصور باسمى معاني النبل والوفاء للإسلام العظيم ولرسالته الخالدة ، كما ستظل سيرته مؤشراً يلوح للمسلمين بأن يوحدوا خطاهم على درب الله .
ان من عظيم الحكمة وبديع التدبير أن يهيء الله سبحانه أفراداً من أمم شتى وقوميات مختلفة يساهمون في دعم دينه وهو بعد لم يزل في طور نشأته


(6)


ونموه ، فكان منهم العربي والفارسي والرومي والحبشي والنبطي وكانوا كلهم سواء في ساحته يجسدون عنوان وحدته وشموله ويمثل هو عنوان وحدتهم وقوتهم دون أن يكون لإختلاف الدم أو العنصر أي تأثير .
ولقد كان للمبادرين الأول في هذا المضمار ميزة خاصة من بين سائر المسلمين مكنتهم من إحتلال الصدارة في التأريخ الإسلامي ، وأعطتهم لقب السباق نحو الإسلام وكان من بينهم صاحبنا سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه .
قال علي عليه السلام : السُبّاق خمسة ، فأنا سابقُ العرب ، وسلمان سابق فارس وصهيب سابق الروم ، وبلال سابقُ الحبشة ، وخبّاب سابقُ النبط . »
لقد استطاع هؤلاء النفر أن يجسدوا نظرية الإسلام حول التفاضل بين بني الإنسان ، هذه النظرية التي تقوم على أساس التقوى ، تقوى الله سبحانه واطاعته والسير على منهاجه الذي إرتضاه ، كما هو صريح التعبير القرآني . قال تعالى :
« يا أيها الناسُ إنا خلقناكم مِن ذَكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لِتَعارفوا إنَّ أكرمكم عندَ الله أتقاكُم إنَّ الله عليمٌ خَبير » . 49 ـ 13 .
فكانوا أوضح مصداق لهذا المضمون بفضل سلوكهم الصحيح المتسم بالإخلاص والجدية والتفاني في سبيل الله ورفع كلمته ، وبهذا صار كل واحد منهم سابق أمته باستحقاق وجدارة .
ومن ثم ، فقد شن الإسلام حرباً شاملةً في وجه العصبيات بشكل عام ، وكافح دعاتها ، فالعصبية ـ عنصريةً كانت أو عرقيةً أو قبلية ـ لا ترتبط بأي مبدأ ذي قيمةٍ من الوجهة الأخلاقية ، ولا تخضع لأي منطق عقلي ، بل الحكم فيها يرجع إلى العاطفة وحدها ، لأن العصبية لا تعدو كونها ثورةً عاطفية تنتاب الفرد أزاء قرابته أو قبيلته أو بني قومه ، دون أن يكون للعدل فيها دور ، لذا فان الإسلام قد دعا إلى قلب هذه العقلية التي يتسّم بها المجتمع الإنساني بشكل عام وتوجيهها بطريقة إنعاكسية نحو الإيمان بالله سبحانه ، فهو


(7)


أداة الربط بين المؤمنين يجمع شتاتهم ، ويشد عزائمهم ، ويوحد صفوفهم ، وهو أيضاً الوسيلة الناجعة للوصول إلى درب الخلاص ، ومن ثم النهوض بالإنسانية إلى أرقى وأسمى القيم التي تنشدها على هذه الأرض ، الإيمان بالله ، ورسله ، وكتبه ، واليوم الآخر بكل ما انطوت عليه هذه الكلمات من مضامين عالية نبيلة تتهافت عندها جميع الحواجز المادية التي تلف حياة الإنسان ، كما تتلاقى في ساحتها جميع القلوب الخيرة المفتوحة لا فرق في ذلك بين الإنسان الأبيض والأحمر والأسود والأصفر والقريب والبعيد . قال سبحانه وتعالى :
« لا تَجِدُ قوماً يؤمِنونَ بالله واليومِ الآخِر يوادُّونَ من حادَّ اللهَ ورسولَهُ ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو أخوانَهُم أو عَشيرتَهُم أولئكَ كَتَبَ في قلوبهم الإيمانَ وأيَّدهُم بِرُوحٍ منهُ ويُدخِلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ خالدينَ فيها رضيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنه أولئكَ حِزبُ الله آلا إن حِزبَ الله هُم المفلحونَ » 580 ـ 22 .
ولقد كان صاحبنا « سلمان الفارسي » رضي الله عنه أحد المجسدين لهذا الشعار القرآني بعزم وإرادة وتصميم يفوق حد الوصف ، جسده في بداية إيمانه حين هجر أهله ووطنه في سبيل الوصول إلى منابع الإيمان ـ كما ستقرأ ـ ضارباً عرض الحائط كل تفاهات المجوسية واساطيرها دون تردد أو وجل . وجسده بعد إسلامه حين غزا المسلمون أرض فارس سنة 15 للهجرة وأطاحوا بآكاسرتها وأساورتها حيث كان هذا الرجل العظيم « داعية المسلمين ورائدهم » في تلك الوقعة ـ على حد تعبير أبن الأثير ـ فكان يدعو قومه إلى الإسلام ، يدعوهم كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم ، فان أبوا ناجزهم ونهد إليهم .
إن قصة إسلام هذا الصحابي الجليل فريدة من نوعها في عالم التدين ـ حسبما أعلم ـ اللهم عدا ما يختص بالأنبياء والرسل وأوصيائهم ، فهي لا تخلو من مآثر وكرامات وخوارق تتصل كلها بعالم التدين وما يربط بين الأديان جميعاً ، بل هي في ذاتها حافز للمؤمنين يمدهم بمزيدٍ من الثبات والثقة ، وهي


(8)


أيضاً بقدر كونها وثيقة تأريخية تثبت آصالة الأديان السماوية ، تؤكد ـ وبكل وضوح ـ كون الإسلام هو خاتمة تلك الأديان .
« إن الدين عند الله الإسلام وما اختلفَ الذينَ أوتوا الكِتابَ إلا مِن بعدِ مَا جاءهم العِلمُ بغياً بينهم » 30 ـ 19 .
فأنت حين تقرأ سلمان في هذا الكتاب ، ستجد نفسك وجهاً لوجه أمام انسان وقف كل حياته لأجل أن يحظى بنصيب أكبر من عالم الروح والإيمان ، وحين تتعمق في قرائته أكثر ، ستدرك ولا شك أن هذا الانسان المثل كان فريداً من نوعه ، وفي أبناء جنسه وفي مسلكه وفي عمق إدراكه ، حتى ليخيّل إليك أن كان أمةً في جانب ، والناس في جانب ، وستلمس أن هذا الإنسان الذي بدأت حياته بالغرائب والعجائب ، انتهت حياته كذلك .
إنه الرجل الذي استطاع ان يمثل أمةً بأكملها دون أن يستطيع أحد تمثيله ـ إلا ما يعلم الله ـ لا أقول هذا جزافاً أو إعجاباً ، بل أقوله للحق ، وللحق وحده ، فلقد كنت ألوم بعض الذين كتبو عن « سلمان » وأمعنوا في سرد كراماته ومآثره ، بل كنت أعتبر ذلك غلواً منهم وتطرفاً دافعهما الحب والإخلاص ، لكنني حين تأملت ما كتبه المؤرخون حوله ، وجدت أن الأمر كما قالوا ، وأن الصورة التي رسمت له هي الصورة الصحيحة .
رحم الله سلمان ، هلالاً أطل من سماء فارس ليشرق بدراً في دنيا الإسلام .


(9)


بسم الله الرحمن الرحيم

« واصـْبِرْ نفسـَك معَ الـذِينَ يـَدعُونَ رَبَّـهُم بالغـَدَاةِ
والعشي يُرِيدُونَ وجهَهُ وَلا تَعدُو عيناكَ عَنهُم تُرِيدُ زِينَةَ
الحَيَاةِ الدنيا ولا تُطِـع مَن أغفلنَا قلبَهُ عَن ذِكـرِنَا وإتَّبَـعَ
هـَواهُ وَكـَانَ أَمـرُهُ فـُرُطـَا
» الـكـهـف ـ 28 .

نزلت في سلمان




سلمانُ مِنَّـا أهـل البيـت . لو كَـانَ الـدين في الثُريَّـا لنـالـَهُ سـلمـان .
سلمانُ يُبعـَثُ أُمةً ، لـقد أُشبعَ مِنَ العِلـمِ .

الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم



سلمان : إمروءٌ مِنَّا وإلينَا أهلَ البيت ، مَن لَكُم بِمثلِ لقمانَ الحَكيم ، عَلِمَ العِلمَ الأول والعِلمَ الآخر ، وقرأَ الكِتَابَ الأوَل والكِتابَ الآخِر ، وكَانَ بَحراً لا يُنزَف .

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام




(10)




(11)


سلمان والمجوسية

قال سلمان رضي الله عنه وأرضاه :
« كنت ابن دهقان * قرية جي من أصبهان ، وبلغ من حب أبي لي أن حبسني في البيت كما تحبس الجارية فاجتهدت في المجوسية حتى صرت قطن بيت النار..»(1)
الذي يبدو من هذا النص أن سلمان اعتنق المجوسية في بادئ أمره عندما كان يعيش في ظل أبويه شأن أي إنسان يعتنق دين آبائه وأجداده حين لا يجد مندوحةً عن ذلك وحين يفتقد المرشد والموجّه ويعيش بعيداً عن آفاق المعرفة . ومع هذا فان ذلك لا يمكن جعله خدشةً في نقاء الذات التي كان يحملها سلمان ولا وصمةً في طهرها ، سيما بعد أن يتضح لنا أن إرتباطه بالمجوسية كان شكلياً صورياً غير مستند إلى شيءٍ من قناعاته كما سيأتي .
وقبل البحث في هذه الناحية لا بد لنا من المرور في تأريخ « المجوسية » بشكل عابر وسريع نظراً لارتباط سلمان بها تأريخياً ، ومن ثم إيقاف القارىء على حقيقتها ، إذ أن للمجوسية في أذهاننا صورة لم تشأ الذاكرة أن تحتفظ منها بأكثر من « بيوت النيران » وتقديس المجوس أو عبادتهم لها حيث لم
____________
* الدهقان : أمير البيدر أو أمير الفلاحين . وقطن بيت النار : سادنها والمشرف عليها .
1 ـ شرح النهج 18 / 36 ومضمون هذا النص متفق عليه لدى أغلب المؤرخين .


(12)


يوفروا لأنفسهم من هذا الدين سوى طابع الوثنية وتأطيرهم أنفسهم به عبر العصور ، إذن طبيعة البحث تتطلب منا معرفة : ما هي المجوسية ؟
المعروف عن المجوس أنهم المؤمنون بزرادشت ، وكتابهم المقدس ( أوستا ) غير أن تاريخ حياته وزمان ظهوره مبهم جداً كالمنقطع خبره ، وقد افتقدوا الكتاب باستيلاء الإسكندر على إيران ، ثم جددت كتابته في زمن ملوك ساسان ، فأشكل بذلك الحصول على حاق مذهبهم .
والمسلّم أنهم يثبتون لتدبير العالم مبدأين ، مبدأ الخير ومبدأ الشر « يزدان وأهريمن » أو « النور والظلمة » ويقدسون الملائكة ويتقربون إليهم من غير أن يتخذوا لهم أصناماً كما يفعل الوثنيون ، وهم يقدسون البسائط العنصرية وخاصةً النار ، وكانت لهم بيوت نيران بإيران ، والصين ، والهند ، وغيرها ، وينهون الجميع إلى « أهورا مزدا » موجد الكل . » (1)

هل هم أصحاب كتاب ؟

والجواب عن هذا السؤال تتكفل به الكتب الفقهية لما يحمل من أهمية تتصل ببعض الأحكام الشرعية المترتبة على ذلك نفياً أو إثباتاً .
فالمقصود بأهل الكتاب ، هم الأمة أو الفئة الخارجة عن الشريعة الإسلامية ، لكنها تعتنق شريعةً معينة تسندها إلى الخالق سبحانه بواسطة النبي المرسل إليها ، وهؤلاء منهم من له كتاب محقق كاليهود والنصارى فان التوراة والإنجيل كتابان سماويان بلا شبهة . ومنهم من له شبهة كتاب ، كالمجوس .
ولا يبعد أن المراد بالكتب الكتب المنزلة على أولياء العزم وهم : نوح ، وأبراهيم ، وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم ، والذي بقي منها إنما هو التوراة والإنجيل لا غير ، فاختص اتباعهما باسم « أهل الكتاب » في القرآن الكريم ، ولم يثبت أن الإنجيل لم تكن له نسخة في زمن نزول القرآن غير هذه
____________
1 ـ لاحظ الميزان في تفسير القرآن 14 / 358 .


(13)


النسخ الأربع التي هي ليست منه في خلٍ ولا خمر ، لأنها وضعت من جماعة بعد صعود المسيح عليه السلام بمدد طويلة .
فإنجيل « مرقس » كتب بعد سبعين عاماً من صعود المسيح إلى السماء ، وأنجيل « متى » كتب في أوائل القرن الأول من صعوده ، وانجيل « لوقا » كتب في أوائل القرن الثاني وهكذا انجيل « يوحنا » وهي تنقض بعضها بعضاً في نسب المسيح وغيره . (1)
أما المجوس ، فالذي يظهر من كلام الشهرستاني أن كتابهم هو : صحف ابراهيم عليه السلام ، لكن تلك الصحف قد رفعت لأحداثٍ أحدثوها . . (2)
والأخبار الواردة في كتب الفقه تؤكد على أنهم من أهل الكتاب ، لكنها لا تشير إلى رفعه عنهم . فمن ذلك :
ما رواه الشافعي باسناده ، أن فروة بن نوفل الأسجعي قال : على ما تؤخذ الجزية من المجوس ، وليسوا بأهل كتاب ؟
فقام إليه المستورد ، فأخذ بتلبيبه فقال : عدو الله ، أتطعن في أبي بكر وعمر وعلي أمير المؤمنين « عليه السلام » وقد أخذوا منهم الجزية ، فذهب به إلى القصر فخرج علي عليه السلام ، فجلسوا في ظل القصر ، فقال : أنا أعلم الناس بالمجوس ، كان لهم علم يعلمونه ، وكتاب يدرسونه . (3)
ومنه : ما رواه أحمد بن عبد الله بن يونس عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة : أن علياً عليه السلام قال على المنبر « سلوني قبل أن تفقدوني » فقام إليه الأشعث فقال : يا أمير المؤمنين ، كيف تؤخذ الجزية من المجوس ، ولم ينزل عليهم كتاب ، ولم يبعث اليهم نبي ؟ .
____________
1 ـ طهارة أهل الكتاب ، مخطوط ص 7 .
2 ـ الملل والنحل 1 / 208 .
3 ـ طهارة الكتابي ص 13 نقلاً عن سنن البيهقي 9 / 188 .


(14)


فقال : بلى يا أشعث ، قد أنزل الله عليهم كتاباً ، وبعث إليهم نبياً . . (1)
ومنه : صحيحة أو موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد الله عليه السلام قال : بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد إلى البحرين فأصاب بها دماء قوم من اليهود والنصارى والمجوس ، فكتب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أني قد أصبت دماء قوم من اليهود والنصارى فوديتهم ثمانمائة درهم ثمانمائة ، وأصبت دماء قوم من المجوس ولم تكن عهدت إلي فيهم عهداً .
فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن ديتهم مثل دية اليهود والنصارى ، وقال : إنهم أهل الكتاب . (2) إلى غير ذلك من النصوص .

واضع شريعة المجوس

الذي يظهر من أقوال المؤرخين أن واضع شريعتهم هو زرادشت الحكيم ، وأنه كان موحداً كما يستفاد ذلك من مجموع ما نقل من آرائه الفلسفية ، قال ابن الأثير :
« وشرح زرادشت كتابه وسماه « زند » ومعناه التفسير ، ثم شرح الزند بكتاب سماه « بازند » يعني تفسير التفسير وفيه علوم مختلفة كالرياضيات وأحكام النجوم والطب وغير ذلك من أخبار القرون الماضية وكتب الأنبياء . . الخ » (3)
والذي يقوى عندي ـ بعد ملاحظة النصوص ـ أن زرادشت ليس هو واضع شريعتهم ، بل هو مجدد لها ومبين للكتاب الحقيقي الذي رفع عنهم .
____________
1 ـ الوسائل 11 ب 49 ج 7 ص 98 وفيه أخبار كثيرة تشير إلى أنه كان لهم نبي فقتلوه وكتاب حرقوه لكنها غير معتبرة .
2 ـ الوسائل 19 ب 13 ح 7 ص 161 .
3 ـ الكامل 1 / 258 وللتفصيل راجع الملل والنحل للشهرستاني فانه أسهب في عرض معتقداتهم 1 / 233 وما بعدها .


(15)


مذاهبهم

ويبدو أن الفرق المجوسية تنوف على أربع عشر فرقة ، منها : « الثنوية » « والمانوية » و« الزرادشتية » و « والكيومثرية » و « الزروانية » و « المسخية » و « الديصانية » . وغيرها . (1)

هل اعتنق سلمان المجوسية . . ؟

إلا أنه من المقطوع به عندي أن سلمان لم يعتنق المجوسية حتى في صباه ، بل كان موحداً لله سبحانه ، نعم حكمت عليه بيئته التي عاش فيها أن يرتبط بالمجوسية أرتباطاً شكلياً ، كما ورد ذلك في الأحاديث المأثورة عن النبي الكريم وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين .
من ذلك ما رواه الصدوق عن ابن نباتة عن علي عليه السلام حديث جاء فيه : « حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلمان بين يديه فدخل أعرابي فنحاه عن مكانه وجلس فيه ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى در العرق بين عينيه واحمرتا عيناه ثم قال : يا أعرابي أتنحي رجلاً يحبه الله تبارك وتعالى في السماء ويحبه رسوله في الأرض . . إلى أن قال : إن سلمان ما كان مجوسياً ، ولكنه كان مظهراً للشرك مبطناً للإيمان . » (2)

وفي حديث الإمام الصادق عليه السلام

« إن سلمان كان عبداً صالحاً حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين . » (3)
قال الصدوق : إن سلمان ما سجد قط لمطلع الشمس ، إنما كان يسجد لله عز
____________
1 ـ الملل والنحل 1 / 233 .
2 ـ لاحظ البحار 22 / 347 وستأتي القصة مفصلةً انشاء الله تعالى .
3 ـ البحار 22 / 327 .


(16)


وجل ، وكانت القبلة التي أمر بالصلاة إليها شرقيةً ، وكان أبواه يظننان أنه إنما يسجد للشمس كهيئتهم . » (1)
أجل ، إن من يتتبع قصة إيمان هذا الرجل يلمس فيها شواهد على ذلك ، لقد خيل لي وأنا أكتب عن هجرته من فارس أن هذه الآية كانت تعج في أعماق نفسه : « قال يا قوم إني بريءٌ مما تُشركون إني وجّهتُ وجهيَ للذي فَطَر السمواتِ والأرضَ حَنيفاً وما أنا مِنَ المشرِكين . » الأنعام ـ 79
____________
1 ـ سلمان الفارسي / 4 .


(17)


الـهجـرةُ إلـى الله

« وقَالَ إني مهاجرٌ إلى ربي إنه هو العزيزُ الحكيم »

29 ـ 26




(18)




(19)


كان إسمه « روزبة » (1) وسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلمان ، وكان اسم أبيه « خشفوذان » (2) . وكان هذا الأخير من دهاقين فارس ـ وقيل من أساورتها (3) ـ . له إمرة على بعض الفلاحين من أبناء أصفهان وكان واسع الحال يملك بعض المزارع شأن غيره من الطبقة الوسطى في المجتمع الفارسي آنذاك وكانت لولده سلمان مكانة خاصة في نفسه جعلته يستأثر بالنصيب الأكبر من إهتماماته ، فهو لا يكلفه بأي عمل شاق شأنه في ذلك شأن بقية المترفين في معاملة أبنائهم .
وفي ذات يوم كان خشفوذان مشغولاً ببناءٍ في داره فطلب من ولده أن يذهب إلى مزرعةٍ له ليشرف على سير عمل الفلاحين فيها عن كثب وطلب منه أن لا يتأخر في العودة إليه ، قائلاً له : « ولا تحتبس ، فتشغلني عن كل ضيعةٍ بهمي بك . . »
يقول سلمان : « فخرجت لذلك ، فمررت بكنيسة النصارى وهم يصلون ، فملت إليهم وأعجبني أمرهم ، وقلت : والله هذا خير من ديننا ، فأقمت عندهم
____________
1 ـ على الأشهر ، وقيل ماية .
2 ـ اسم والد سلمان ، وقيل إسمه « بوذخشان » وقيل « بود » وقيل غير ذلك . راجع أعيان الشيعة 35 / 220 .
3 ـ الاستيعاب على « الاصابة 2 / 57 »


(20)


حتى غابت الشمس ، لا أنا أتيت الضيعة ، ولا رجعت إليه . . ! »
لوحة رائعة يرسمها لنا سلمان وهو يسرد قصة إسلامه ، حيث يجسد لنا فيها كيف كانت بداية هجرته نحو الإيمان . . الإيمان بالله وحده ، بعزم وتصميم وإرادة قوية لا يقف دونها حاجز ولا تتحكم فيها عاطفة ، وكيف إختار لنفسه موقفاً مميزاً جعله فيما بعد من جملة عظماء البشر الذين يزين بهم التاريخ الإنساني صفحاته ، فكان بذلك « سابق فارس » ورائدها وداعيها إلى الله .
لقد كانت نفسه التواقة إلى المعرفة تدفعه نحو تخطي الحواجز التي عاش بين قضبانها في ظل أبٍ جمد عقله على طقوس المجوسية دون أن تحرك آيات المبدع سبحانه في نفسه أي تحولٍ نحو الأفضل .
أراد سلمان تخطي تلك الحواجز لكي يرى الحقائق الكامنة ورائها ، وكان له ما أراد ، فها هو يعثر على دين خير من دينه حيث ساقته قدماه ـ عن قصد أو غير قصد ـ إلى الكنيسة ، فرأى فيها أناساً يصلون ، وربما يرتلون فصلاً من الإنجيل بصوت رخيم يأخذ بمجامع القلوب فيه رجع وصدىً لترانيم الراهب الحزين الذي يبكي المسيح ! ولا بد أن فقرات من الإنجيل شدته ـ في تلك اللحظات الغامرة ـ إلى الاستغراق والتأمل في عالم اللاهوت ضمن أجواء هي مزيج من الحزن ، والفرح ، والسأم ، واللذة ، طافت به ما وراء الغيب ، ثم انتهت لتوقظ في نفسه مكامن الألم الطويل الذي عاناه في ظل أبيه .
دارت في رأس سلمان زوبعة من التفكير . . انها فرصة قيضتها له يد الغيب ، وما عليه الآن إلا أن يختار . نعم ؛ لقد أعجبه هذا الدين ، ولكن ؛ هل ينتهي به المطاف إلى هنا فتكون هذه الكنيسة هي المحطة الأولى والإخيرة في حياته ؟ ومن يدري ، فلعل يد التشويه قد امتدت إليها أو إلى ذلك الكتاب الذي يتلى فيها فأخرجتهما عن مسارهما الصحيح ، وعندها فما الفائدة إذن ؟ أيترك دين آبائه وأجداده ليعتنق ديناً ربما كان مثله في المحتوى أو أميز منه بقليل ؟


(21)


لم يطل تردده في الأمر ، وحانت منه التفاتة ذكية تنم عن عمق روحي وأصالةٍ في التفكير حيث بدا له أن يسأل عن تواجد أصل هذا الدين ، وبذلك يحفظ خطوط الرجعة على نفسه ، فاندفع يسأل من حوله من النصارى قائلاً لهم :
« وأين أصل هذا الدين . . ؟ » قالوا : بالشام .
أما خشفوذان فقد طال عليه غياب ولده حتى صار نهباً للقلق عليه مما حدا به أن يرسل جماعةً في طلبه ، وبينما هو يتلدد في داره مفكراً حائراً في أمره وإذا بسلمان عائد بعد الغروب بقليل ، عاد إلى بيته ليجد أباه بتلك الحالة ، وهنا بادره أبوه بنبرةٍ فيها شيء من الغضب ، قائلاً له :
« لقد بعثت إليك رسلاً » أين كنت . ؟
ولم يجد سلمان سبيلاً لكتمان ما رأى وسمع ، فالتفت إلى أبيه قائلاً :
« قد مررت بقوم يصلون في كنيسة فأعجبني ما رأيت من أمرهم ، وعلمت أن دينهم خير من ديننا . . »
قال هذا بكل جراءةٍ وثقة ، غير أن خشفوذان لم يصدق ما سمعه ، وخالطته حيرة ودهشة ، لكنه تمالك أعصابه وخاطب ولده باسلوب عاطفي هادئ قائلاً له :
« يا بني ؛ دينك ودين آبائك خير من دينهم . » طمعاً فيه بأن يرجع عن ذلك .
لكن سلمان بادره بكل إصرار قائلاً : « كلا ، والله . . »
وحين لم يجد خشفوذان وسيلةً في اقناع ولده عمد إلى استخدام القسوة لتأديبه ، فوضع القيود في رجليه ، وتركه في البيت رهين محبسين ، فعل معه ذلك خوفاً من أن يهرب عنه ، وعقاباً له كي لا يعود لمثلها .
وظل سلمان رهين قيده وبيته مدةً من الزمن حتى كادت الدنيا أن تسود في


(22)


عينيه لولا حلم الشام الذي ظل يدغدغ فؤاده ويزرع في نفسه الأمل الأخضر الذي يبشره بأزوف الموعد وساعة الخلاص ، فعمد إلى بعض من يثق بهم وأرسله إلى النصارى الذين تعرف إليهم في الكنيسة يعلمهم عن لسانه : بأنه قد أعجبه دينهم ويطلب منهم أن يعلموه بتحرك أول قافلةٍ نحو الشام حتى يكون فيها . فأخبروه .
قال سلمان : « فألقيت الحديد من رجلي ، وخرجت معهم . » وبدأت الرحلة الطويلة نحو الإيمان ، والهجرة إلى الله .
بدأ سلمان هجرته هذه مصوباً كل تفكيره نحو الشام ، ولكن ما أن استوى على راحلته حتى بدأت الشكوك تساوره ، وأخذ القلق يسيطر عليه ، فقد خاف أن ينكشف أمره لدى أبيه فيرسل في طلبه جماعة من علوج أصفهان يرجعونه إليه بالقوة فيعيده إلى محبسيه ، وربما لا يكتفي بذلك بل يقيم عليه الرقباء والعيون يحصون عليه أنفاسه وعندها سيخسر سلمان كل شيء ، وسيكون الفشل نصيب أولى تجاربه في الحياة .
ظلت هذه الوساوس تساوره في بداية الرحلة ، حتى إذا قطع شوطاً من الطريق أمِنَ معه الطلب ، هدأت نفسه وارتاح ضميره وعاد الفرح إلى قلبه ، فمال بتفكيره ثانيةً نحو الشام ، ولكن سرعان ما هومت فوق صدره سحابة من الحزن لفراق أبويه الكهلين الذين دأبا على اسعاده وحرصا على أن يبقى بجانبهما يؤنس وحشتهما كلما تقدمت بهما السن ، لقد تركهما أسيرين للهم والحزن عليه ، وكاد الأسى أن يعصف بقلبه لولا أن تذكر عناد أبيه ووقوفه سداً في طريق سعادته ، فتابع سيره وصمم أن لا يلتفت .
أما خشفوذان وزوجه فقد باتا أياماً وليالي لا يغمض لهما جفن ولا ترقأ لهما دمعة لغياب سلمان المدلل ففراقه أقض مضجعهما ، فهما لا يعلمان أين أمسى وأين أصبح ، ولم يتركا استحفاء السؤال عنه في كل مكان ، لقد انقطعت أخباره . . أين هو ياترى ؟ وربما تناهى إلى سمع خشفوذان أن ابنه رحل إلى الشام فزاد


(23)


ذلك في همه وحزنه ، فأين الشام وأين فارس ومئات الأميال تفصل بينهما . . ويطرق الأب الحزين برأسه إلى الأرض ويستسلم مع زوجته للقدر ، وربما توسلا إلى النار التي يقدسانها أن ترجع إليهما ولدهما الهارب ، ولكن دون جدوى . وهكذا ظل يندب حظه التعس .
أما سلمان ، فظل يتابع سيره حتى إذا بانت له مشارف الشام حرك لسانه بآيات الشكر لله سبحانه الذي أنقذه من النار وتفاهاتها وحماقات أهلها لينعم بين ظلال الرحمة في مهد الأنبياء وأرض الرسالات . في الشام ، التي هي « صفوة الله من بلاده وإليها يجتبي صفوته من عباده » على حد تعبير النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) .
وبعد قليل من الزمن ، حط الركب الفارسي رحاله ليستريح من وعثاء السفر المضني الطويل ، ولينصرف بعد ذلك كل منهم إلى شؤونه ، عدا سلمان الذي لم يستقر به مكانه بعد ، فهو لم يصل إلى ما يريد ! إنه يطلب العالم الذي يعطيه أصول النصرانية التي جاء بها عيسى عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى ، فاندفع يسأل هذا وذاك من أهل الشام عن رجل الدين الذي يولونه ثقتهم ، ويأخذون عنه معالم دينهم ، فأرشدوه إلى الأسقف . فسألهم عن مكان إقامته . ؟
قالوا : هو مقيم في صومعته على رأس جبل ، ودلوه عليه .
كانت الصومعة في قمة جبل يشرف على الشام وقد استدارت حولها غابة من السنديان والصنوبر ، يخيل للناظر إليها من بعيد أنها جزيرة صغيرة وسط بحيرة خضراء .
قصد سلمان تلك الصومعة والفرح يغمر قلبه ، فلما وصل إليها تكلم بكلمات (2) تركت الأسقف ينفتل من عبادته لينظر من هو المتكلم . وكان
____________
1 ـ راجع معجم البلدان 3 / 314 .
2 ـ يروى أنه قال له : اشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى روح الله وأن محمداً حبيب الله ـ كما سيأتي في احدى الروايات .


(24)


الأسقف شيخاً طاعناً في السن مربوع القامة ، في ظهره جنأ (1) كث اللحية أبيضها ، ذو عينين غارقتين تهدل فوقهما حاجبان انعقفا حتى اتصلا بصدغيه ، ترتسم على وجهه سيماء الصالحين . . تطلع سلمان إليه فأدرك فيه ملامح من سيرة المسيح ( ع ) فانتابته حالة من الذهول أطرق معها إلى الأرض ، إلا أن كلمات الأسقف هزته حيث اندفع نحوه متسائلاً من أنت ؟ وماذا تريد ؟
فرفع رأسه وقال : أنا رجل من أهل جي جئت أطلب العمل وأتعلم العلم ، فضمني إليك أخدمك وأصحبك ، وتعلمني شيئاً مما علمك الله ! ؟
قال الأسقف : نعم ، إصعد إلي .
صعد سلمان إليه ليبقى إلى جانبه يخدمه ويتعلم منه ، وكان الغالب في مأكله : الخل والزيت ، والحبوب ، جرايةً تجري له ، يقول سلمان : « فأجرى علي مثل ما كان يجرى عليه . . . » وبدأ الأسقف يعلمه شريعة الله التي أنزلها على المسيح ويقرأ عليه صحائف من الإنجيل كان قد احتفظ بها ، ويطلعه على بعض الأسرار الإلهية التي تناهت إليه من حواريي عيسى عليه السلام ، وقد وجد في سلمان الرجل القوي الأمين الذي يمكن أن يدفع إليه أمانته ووجد سلمان فيه الأب المشفق والعالم الروحاني الذي يوقفه على غامض العلم ويطلعه على شرائع الأنبياء .
ومرت الأيام تتوالى مسرعةً ، وانطوت سنين عديدة كان الأسقف خلالها يتقدم نحو أرذل العمر ، وفي ذات يوم اشتكى علةً في جسده سرعان ما ألزمته سريره ، وأدرك سلمان أنها الشيخوخة التي لا ينفع معها دواء ، فظل دائباً في خدمته والعناية به ليله ونهاره ، حتى إذا قوضت أيامه ودارت في صدره حشرجات الموت ، علم سلمان أن صاحبه يحتضر ، وأنه مفارق هذه الدنيا عن قريب ، فجلس عند رأسه يبكي .
____________
1 ـ الإنحناء .


(25)


وكان تعلق الأسقف به شديداً لما لمسه فيه من الخصال الحميدة النادرة ، فكان يؤلمه أن يراه حزيناً أو مفكراً في أمرٍ يشغل باله ، وحانت منه إلتفاتة خاطفة ، فرأى سلمان يكفكف دموعه ، وآلمه ما رأى ، فالتفت إليه قائلاً :
« ما يبكيك يا ولدي . . ؟ »
قال سلمان ـ وهو يردُّ غصَّته ـ : « خرجت من بلادي أطلب الخير ، فرزقني الله صحبتك فنزل بك الموت ولا أدرى أين أذهب . . ؟ »
وهنا أطرق الراوي إطراقةً طويلة وفكر في أن يقف عند هذا الحد ولا يكمل روايته ، والسر في ذلك هو أن محدثيه كانوا كثراً وكلهم يروي عن سلمان سيرته كما جاءت على لسانه ، لكن ما يروونه فيه إختلاف كبير بالنسبة للشكل والصياغة ، وإن كان متقارباً في أصل المضمون ، فالروايات كلها متفقة على أن سلمان إنتقل من راهب إلى راهب ومن دير إلى دير ، وجاب البلاد طولاً وعرضاً في سبيل الوقوف على أصول الدين الذي يمكن الركون إليه . ولكن يبقى العرض للكيفية التي تم بها ذلك مختلفاً غاية الإختلاف .
قال الراوي : وعلى هذا فلا يمكنني إختيار واحدةٍ من تلك الروايات والإكتفاء بسردها لكم ، لاحتياجها إلى ما في الروايات الأخرى . وافتقار تلك الروايات لها مما يجعل بعضها يكمل بعضاً . ، فالأفضل إذن أن تصاغ القصة من مجموع تلك الروايات في حلةٍ جديدة لائقةٍ بسلمان ومكانته ، تنسج خيوطها من سيرته ذاتها وليست بنشازٍ عنها ، لأنها كلها بلسانه رضي الله عنه .
ثم استطرد في سرد الرواية قائلاً :
« فقال الأسقف وهو يعاني سكرات الموت : يا بني ، لقد ترك الناس دينهم ، ولا أعلم أحداً يقول بمقالتي إلا راهباً في إنطاكية ، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام ، وادفع إليه هذا اللوح . وناولني لوحاً . ، ثم مات الأسقف . ولم يكشف لنا سلمان شيئاً عن سر ذلك اللوح ، لكن من المعتقد أنه أثر كريم بقي من المسيح


(26)


عليه السلام تركه للحواريين يتداولونه فيما بينهم ثم يسلمونه إلى ذوي الكفاءة من أوصيائهم .
يقول سلمان : فلما مات ، غسلته وكفنته ودفنته ، وأخذت اللوح وسرت به إلى انطاكية « وهي بلدة قريبة من حلب بعيدة عن الشام موصوفة بالحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء لها سور ضخم ، وشكلها كنصف دائرة قطرها يتصل بجبل ، والسور يصعد مع الجبل إلى قمته فتتم دائرةً ، وفي السور داخل الجبل قلعة في وسطها بيعة « القسيان » (1) وهي هيكل طوله مائة خطوة ، وعرضه ثمانون ، وعليه كنيسة على آساطين ، وحول الهيكل أروقة يجلس عليها القضاة والعلماء ، وهناك من الكنائس ما لا يجد كلها معمولة بالذهب والفضة والزجاج الملون ، والبلاط المجزع . (2)
ومضى سلمان يغد السير حتى وصل إليها ، وكان قد عرف مواصفات الراهب واسمه ، فلما وصل إلى الهيكل سأل عنه ، فدلوه عليه ، وكان في إحدى الكنائس ، فلما وصل إليها تكلم بكلمات . فأطل عليه الراهب يسأله من هو وماذا يريد ؟
ونظر إليه سلمان ، فرأى فيه سمات التقى والصلاح والزهادة في الدنيا والرغبة عنها إلى الآخرة ، فارتاحت لذلك نفسه ، وعلم أن صاحبه الراحل لم يفرط فيه ، بل أوصى به إلى يدٍ أمينة . . . ورد سلمان على أسئلة الراهب ، ثم أبلغه سلام الأسقف الراحل وسلمه الأمانة .
أخذ الراهب اللوح من يد سلمان بلهفة وزاد في الترحيب به ، وأنزله معه ، وظل سلمان في خدمته مدةً طويلة يأخذ عنه معالم الدين ، حتى إذا مرت سنين ،
____________
1 ـ قسيان : الملك الذي أحيا ولده رئيسُ الحواريين فطرس ، وبيعة القسيان هذه كانت دار للملك فسميت باسمه .
2 ـ راجع معجم البلدان 1 / 267 للتفصيل .


(27)


مرض الراهب مرض الموت ولزم الفراش وسلمان إلى جانبه . وأحس الراهب أنه مفارق هذه الدنيا ، فالتفت إلى سلمان قائلاً :
« إني ميت ! »
وصكت هذه الكلمة مسامع سلمان ، وأخذت من نفسه مأخذاً حيث خاف الضياع من بعده ، فقال له بنبرة فيها شيء من الحزن :
فعلى من تخلفني . . ؟
قال الراهب : لا أعرف أحداً على طريقتي إلا راهباً بالاسكندرية ، فإذا أتيته فاقرأه عني السلام ، وادفع إليه هذا اللوح .
وما لبث الراهب أن توفي ، فقام سلمان بتجهيزه ، فغسله ، وكفنه ، ودفنه ، ثم أخذ اللوح معه وخرج قاصداً الإسكندرية .
وكانت الإسكندرية في ذلك الوقت هي أم الأساطيرـ كما يقال عنها ـ فكان الناس يتحدثون عنها وعن عجائبها فحيكت عن كيفية بنائها قصص كثيرة ، منها : أن الذي بناها هو الاسكندر الأكبر فسميت باسمه ، وقيل : أن الإسكندر وأخوه الفرما قاما ببناء مدينتين في أرض مصر سميت باسمهما ، فلما فرغ الاسكندر من بناء مدينته قال : قد بنيت مدينة إلى الله فقيرة وعن الناس غنية . ، وقال أخوه بعكسه ، فبقيت مدينة الإسكندر ، وتهدمت مدينة أخيه .
وأسطورة تقول : أن الذي بناها هو جبير المؤتفكي ، وكان قد سخر فيها سبعين ألف بناء ، وسبعين ألف مخندق ، وسبعين ألف مقنطر ، واستغرق بناؤها مائتا سنة ، وكتب على العمودين الذي يقال لهما : المسلتين : أنا جبير المؤتفكي عمرت هذه المدينة في شدتي وقوتي حين لا شيبة ولا هرم أضناني ، وكنزت أموالها في مراجل (1) جبيرية ، وأطبقتها بطبق من نحاس وجعلتها داخل البحر .
____________
1 ـ المِرجَل : قِدر ضخم من نحاس .


(28)


واسطورة ثانية تقول : أن جبير المؤتفكي وجد بالقرب منها مغارةً على شاطئ البحر فيها تابوت من نحاس ، ففتحه فوجد فيه تابوتاً من فضة ، ففتحه فإذا فيه درج (1) من حجر الماس ، ففتحه فإذا فيه مكحلة من ياقوتةٍ حمراء مِرودُها عِرق زبرجد أخضر ، فدعا بعض غلمانه فكحل إحدى عينيه بشيء مما كان في تلك المكحلة فعرف مواضع الكنوز ، ونظر إلى معادن الذهب ومغاص الدرر ، فاستعان بذلك على بناء الإسكندرية . . إلى غير ذلك من الإساطير التي ترسمها مخيلة القصاصين . (2)
ولقد كان الركبان الذين يقصدون الإسكندرية يتحدثون بهذا وأمثاله ، يُسَلّون به أنفسهم سيما إذا كان سفرهم عن طريق البحر فإن ذلك يشغلهم عن تذكر البحر وأهواله . . ولكن ماذا يعني سلمان من ذلك كله فهو يسمع ما يروونه عن الإسكندرية لكنه لا يلتفت إلى ما يقولون ، ولا يعبأ بما يتحدثون ، بل كل همه وتفكيره منصبان على كيفية اللقاء بالراهب الذي سيصل إليه ، وكيف سيكون معه ، وهل سيرته كسيرة صاحبيه .
وصل سلمان إلى الاسكندرية ، وسأل عن الراهب الذي أخذ إسمه ومواصفاته من سلفه الراحل ، واستدل على مكانه ، فوصفوا له صومعةً كان يقطن فيها شأن غيره من الرهبان . فلما وصل إليها وقف خارجها وتكلم بكلمات ما لبث بعدها أن أطل الراهب عليه ، ونظر سلمان إليه فوجد فيه مثل ما وجد في صاحبيه من الهدى والصلاح والزهد فاطمأن به المكان بعد أن رحب به الراهب أجمل ترحيب . وأبلغه سلمان سلام سلفه الراحل وسلمه اللوح .
وبقي سلمان معه مدةً من الزمن ، وكانت الأيام تمر سراعاً ، والسنين تتوالى والبشارة تقترب .
ومرض الراهب مرض الموت ، واستمر به المرض حتى إذا إحتضر إلتفت
____________
1 ـ الدَرج : أشبه بالمحفظة .
2 ـ للتفصيل راجع معجم البلدان 1 / 183 وما بعدها .


(29)


إلى سلمان قائلاً : « إني ميت ! » وكأنه ينتظر منه سؤالاً ليجيبه عليه ، وهنا بادره سلمان قائلاً له : « فعلى من تخلفني ؟ »
قال الراهب : لا أعرف أحداً على طريقتي ، وما بقي أحد أعلمه على دين عيسى بن مريم في الأرض ، وقد أظلك زمان نبي يبعث بأرض العرب ، إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد حانت ولادته ، فإذا بلغك أنه قد خرج ، فانه النبي الذي بشر به عيسى صلوات الله وسلامه عليهما ، وآية * ذلك :أن بين كتفيه خاتم النبوة ، وأنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، فان أتيته فاقرأه السلام ، وادفع إليه هذا اللوح.
ثم أغمض الراهب الصالح عينيه مسلماً الروح إلى بارئها . فقام سلمان بتجهيزه ودفنه.
____________
* الآية هنا : العلامة .