حكاية مقتل حجر

فـي الـبداية يجدر ان نقول : ان النبي (ص ), وكذلك الامام علي (ع ), قد اخبرا عن مقتل حجر,وقد ذكرنا هذه الاحاديث خلال هذه الدراسة .
امـا حكاية مقتله , بواعثها, وظروفها, ووقائعها ونتائجها, فقد ذكرها اكثر المؤرخين ,الذين بحثوا عن حجر, وما يلاحظ في احاديثهم : 1 ـ ان بعض المؤرخين يكتفي بحديث قصير حول مقتل حجر, ولا يتوسع كثيرا في تفصيلاته , كما فعل ذلك المسعودي في مروج الذهب , وابن سعد في الطبقات .
2 ـ وهـنـاك مـن بـحـث بتوسع عن مصرعه , واستعرض شتى الظروف التي احاطت به , كمافعل الطبري في تاريخه , والاصفهاني في الاغاني , وابن الاثير في الكامل .
3 ـ ولكن رغم التشابه في احاديثهم , الا ان هناك بعض الاختلافات بينهم في بعض النقاط.
وسوف نبحث بالتفصيل عن مصرع حجر وجماعته .
وفـي الـبدء لابد ان نعرف ان حجرا عاصر من ولاة معاوية المغيرة بن شعبة , وزياد بن سمية , وله معهما مواقف بطولية سجلها التاريخ .
ويجدر بنا ان نبحث بايجاز حول المغيرة وزياد.
 

المغيرة بن شعبة

ذكـر الـمـؤرخـون ان دهاة العرب خمسة , وهم : معاوية , وعمرو بن العاص , والمغيرة بن شعبة , وقـيـس بـن سـعد, وعبداللّه بن بديل , وكان قيس وعبد اللّه بن بديل , مع علي ,والمغيرة بن شعبة معتزلا بالطائف حتى حكم الحكمان ((130)) .
ونذكر هنا بعض مواقفه واعماله , مما يعرفنا بايجاز على مزاجه , وصفاته .
لـقـد حث الامام (ع ) على استبقاء معاوية وعمال عثمان على ولاية الشام وغيرها وهو من المتخلفين عن بيعة الامام امير المؤمنين (ع ) ((131)) .
وقد طلب من الامام امير المؤمنين (ع ) ابان الثورة على عثمان ان يعتزل الفتنة ((132)) .
وقد اعتزل الجمل وصفينا, منتظرا من ينتصر حتى ينحاز اليه , وقد انحاز الى معاوية بعدالتحكيم .
واسـتجاب لمعاوية في سب امير المؤمنين (ع ) على المنابر وهو الذي كلفه معاوية في استمالة زياد الى صفه ((133)) .
ويـلاحـظ من هذه المواقف وغيرها ان المغيرة كان يؤثر السلامة والراحة وتجنب المشاكل ,وانه كان متقلبا, ولم يكن مبدئيا, وهذا يدل على ان موقفه من حجر, لم يكن لدافع ديني ,بل لاجل مزاجه , بما يتلاءم وسيرة حياته .
 

زياد بن ابيه

امـا زيـاد فـكـان يـتـصف بالبطش والغلظة , وكان محبا للشهرة والمنصب , وكان مستعدالاجل ذلك للتضحية بمبادئه وارتكاب ابشع الجرائم . فقد كان واليا من قبل الامام (ع ),وكان على الظاهر مؤمنا بـمبادئه , ولكنه انقلب فجاة على عقبيه , وتحول حبه الى عداءشديد, كما صرح بذلك لحجر, واخذ يـطـارد بعنف كل الموالين المؤمنين , ويرتكب ابشع الجرائم والمنكرات , ولكنه في نفس الوقت لم يـسـتسلم لمعاوية تماما, لذلك كان يحافظ على منصبه , وشخصيته , ويدعم معاوية ويحاول ارضاءه , لـذلـك لـم يـقتل حجرا واصحابه بنفسه , بل وجهه لمعاوية , ولكنه في نفس الوقت , استخدم شهادة الـشـهود, لتتوجه النقمة اليهم , وليلقى اللوم على الشهود, وبذلك يحافظ على حكم معاوية , ومنصبه معا.
وقـد صـرح الـمـغيرة بان زيادا محب للشهرة والمنصب , لذلك قدم معاوية بعض التنازلات من اجل اسـتمالة زياد الى صفه , لانه كان يعرف صفاته وقدراته ((134)) , ولذلك ولاه على الكوفة اضافة لولايته على البصرة .
وقد خاف زياد على منصبه من حركة حجر واصحابه , لانها تتهدد وجوده في الكوفة ,لذلك واجهها بكل عنف وشدة , حتى يتسنى له المقام في العراق . ففي مروج الذهب : ((كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرضهم على لعن علي فمن ابى ذلك عرضه على السيف )) ((135)) .
(وكـان زياد يتتبع الشيعة , وهو بهم عارف , لانه كان منهم , فقتلهم تحت كل حجر ومدر,واخافهم , وقطع الايدي والارجل , وسمل العيون وصلبهم عل جذوع النخل , وطردهم وشردهم عن العراق , فلم يبق بها معروف منهم ) ((136)) .
ومـن جـرائمـه قتله لعمرو بن الحمق الخزاعي , فحين تولى زياد الكوفة , طلب عمرو بن الحمق الخزاعي , فهرب منه فاعتقل زوجته وسجنها, ثم تعقب عمرا حتى ظفر به جلاوزة زياد, وقطعوا راسه , فبعث به زياد الى معاوية , وهو اول راس طيف به في الاسلام .
وكـذلـك فعل برشيد الهجري , وكان من خواص الامام (ع ), عرض عليه زياد البراءة واللعن , فابى , فقطع يديه ورجله ولسانه , وصلبه خنقا في عنقه .
وكذلك فعل بجويرية بن مسهر العبدي , حيث اخذه زياد فقطع يديه ورجليه وصلبه على جذع نخلة .
وقد هدم بيت حجر بعد ان اعتقله وارسله الى معاوية .
وفـي مروج الذهب ان ((معاوية عين زيادا واليا على المدينة , بالاضافة للكوفة والبصرة ,وذلك في اواخر حياة زيد. واتصلت ولايته باهل المدينة , (فاجتمع الصغير والكبيربمسجد رسول اللّه (ص ) وضـجـوا الـى اللّه , ولاذوا بـقـبـر النبي (ص ) ثلاثة ايام , لعلمهم بما هو عليه من الظلم والعسف , فخرجت في كفه بثرة , ثم حكها ثم سرت واسودت فصارت آكلة سوداء, فهلك بذلك ) ((137)) .
 

موقف حجر من ولاة معاوية

عـرفـنـا فـيـما سبق خوف معاوية من الامام (ع ) وشيعته , على سلطانه حيث كان يرى في شخص الامـام (ع ) وشـخـصيته سدا امام سلطانه . ففي حياته كان متمثلا بوجوده الشريف ,واما بعد وفاته , فكان متمثلا بالشيعة والموالين له (ع ), وفي شخصيته التي كان لها تاثيركبير في الامة الاسلامية .
فـاما الشيعة فقد استخدم معاوية مختلف الاساليب في القضاءعليهم , واما شخصيته (ع ), فقد استخدم مـعـاوية اسلوبا آخر من اجل تشويهها في المجتمع الاسلامي . وقد ذكرنا اساليبه في ذلك من وضع الاحاديث الكاذبة , وسبه للامام (ع ) على المنابر وفرض ذلك على ائمة الجوامع والخطباء والولاة , من اجل توهين سمعة الامام واهل البيت :, وحط مكانتهم بين المسلمين .
 

حجر والمغيرة بن شعبة

عندما اراد معاوية تعيين المغيرة واليا على الكوفة , دعاه وقال له : (اما بعد فان لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا, وقد قال المتلمس :
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ----- وما علم الانسان الا ليعلما وقـد يـجـزي عنك الحكيم بغير التعليم , وقد اردت ايصاءك باشياء كثيرة , فانا تاركها اعتماداعلى بـصـرك بـمـا يـرضـيـنـي , ويـسـعـد سلطاني ويصلح به رعيتي , ولست تاركا ايصاءك بخصلة : لاتـتـحم ((138)) عن شتم علي وذمه , والترحم على عثمان والاستغفار له , والعيب على اصحاب عـلـي , والاقـصاء لهم وترك الاستماع منهم , وباطراء شيعة عثمان ... والادناء لهم والاستماع منهم .
فقال المغيرة : قد جربت وجربت , وعملت قبلك لغيرك , فلم يذمم بي دفع ولا رفع ولا وضع , فستبلو فتحمد او تذم , قال : بل نحمد ان شاء اللّه )) ((139)) .
واقـام الـمـغـيـرة عـلـى الـكوفة سبع سنين واشهرا, ولم يدع في هذه المدة (ذم علي , والوقوع فـيـه ,والـعـيـب لـقـتـلـة عـثـمـان والـلـعـن لـهـم , والـدعـاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له , والـتـزكـيـة لاصـحـابـه ) ((140)) . (وكان المغيرة لا ينام عن شتم علي (ع ) واصحابه واللعنة بهم ) ((141)) .
ولـكن حجرا المؤمن الموالي لم يسكت , فكان كلما سمع ذلك قال : ((بل اياكم فذمم اللّه ولعن )), ثم قال : ((ان اللّه عزوجل يقول : (كونوا قوامين بالقسط شهداء للّه ), وانا اشهدان من تذمون وتعيرون لاحـق بـالفضل , وان من تزكونه وتطرونه اولى بالذم , فيقول المغيرة : يا حجر, لقد رمي بسهمك اذ كنت انا الوالي عليك , يا حجر ويحك , اتق السلطان ,اتق غضبه وسطوته , فان غضبة السلطان احيانا مما يهلك امثالك كثيرا, ثم يكف عنه ويصفح )) ((142)) .
واستمر حجر و المغيرة على هذا الصراع , حتى كان في اواخر ايام المغيرة , فخطب كعادته , ونال مـن الامـام (ع ), ولـعن شيعته , ولم يسكت حجر (فوثب ونعر نعرة , سمعها كل من كان في المسجد وخـارجه . قال له : انك لا تدري ايها الانسان بمن تولع او هرمت , مرلناباعطياتنا وارزاقنا, فانك قد حـبـسـتها عنا, ولم يكن ذلك لك , ولا لمن كان قبلك , وقداصبحت مولعا بذم امير المؤمنين , وتقريظ المجرمين ) ((143)) .
وكـان لهذه الوثبة صداها بين الحاضرين , اذ قام معه اكثر من ثلثي الناس , كما في رواية الطبري . اما فـي روايـة الاغـاني فقام معه اكثر من ثلاثين رجلا ـ ولعل سبب الاختلاف بين ثلثين و ثلاثين هو اختلاف الخط القديم , ولعل الاصح هو (ثلثي الناس ) ـ يقولون ما قاله حجر, ويكررون هذه النقمة , فاضطر المغيرة ان ينزل ويذهب الى دار الامارة , الا ان بعض النفعيين والانتهازيين , الذين يتحينون مـثل هذه الفرص , ليظهروا ولاءهم للسلطة الحاكمة , اجتمعوا عند المغيرة , وقالوا: ((علام تترك هـذا الـرجـل يقول هذه المقالة ,ويجترى عليك في سلطانك هذه الجراة ؟ انك تجمع على نفسك بهذا خـصـلـتـيـن , امـا اولـهـمـافـتهوين سلطانك , واما الاخرى فان ذلك ان بلغ معاوية كان اسخط له عـلـيك )) ((144)) . قال لهم : ((اني قد قتلته , انه سياتي امير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها مما ترونه يصنع بي , فياخذه عند اول وهلة فيقتله شر قتلة , انه قد اقترب اجلي وضعف عملي , ولا احـب ان ابـتدى اهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم , فيسعدوا بذلك واشقى , ويعز في الدنيا معاوية ويذل يوم القيامة المغيرة )) ((145)) .
وهـذا الـمـوقـف من المغيرة يتلاءم مع مزاجه وسلوكه , مضافا الى انه يدل على تناقض بين اعماله ومـعـتـقـداته , فاذا كان يعتقد بان حجرا وجماعته من الاخيار, وان البطش بهم يؤدي الى الذل يوم القيامة , فهذا يدل على انهم على حق , وان معاوية على باطل وضلالة , فلماذايستجيب لمعاوية في سب الامـام (ع ) والـطـعـن فـيـه , وفي شيعته وانصاره ؟ ولماذا ينحاز الى صف معاوية , ويواجه هؤلاء الاخـيـار؟ ولـعـل موقفه هذا لم يكن عن وازع ديني , وخوف حقيقي من القيامة , بل انه هو الملائم لـمزاجه وسلوكه , حيث كان يؤثر السلامة , ويتجنب المشاكل والمصاعب , او لان وجدانه يستيقظ فـي بعض اللحظات فيبصر الحق , ولكن حبه للدينا, وماتراكم في نفسه من ادران , سرعان ما يقضي على صوت الوجدان .
 

حجر وزياد

ولـما هلك المغيرة سنة (51) هجرية , عين معاوية زياد ابن ابيه على الكوفة , بالاضافة الى ولايته على البصرة , وكان عليه ان يتخذ موقفا متشددا مع الشيعة , الذين يقود حجرحركتهم في الكوفة .
وفي بداية الامر حاول زياد اغراء حجر, لعله يتراجع عن موقفه , ويكف عن امره بالمعروف ونهيه عن المنكر, لذلك (وجه الى حجر فجاءه , وكان له قبل ذلك صديقا, فقال له : ((قد بلغني ما كنت تفعله بـالـمغيرة , فيحمله منك , واني واللّه لا احتملك على مثل ذلك ابدا, ارايت ما كنت تعرفني به من حب علي ووده , فان اللّه قد سلخه من صدري فصيره بغضا وعداوة , وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعـداوته , فان اللّه قد سلخه من صدري وحوله حبا ومودة , واني اخوك الذي تعهد, اذا اتيتني وانا جـالـس لـلـنـاس ,فاجلس معي على مجلسي , واذا اتيت ولم اجلس للناس , فاجلس حتى اخرج اليك , ولـك عـندي في كل يوم حاجتان : حاجة غدوة , وحاجة عشية . انك ان تستقم تسلم لك دنياك ودينك , وان تـاخـذ يمينا وشمالا, تهلك نفسك وتشط عندي دمك . اني لا احب التنكيل قبل التقدمة , ولا آخذ بغير حجة , اللهم اشهد)) ((146)) .
فان زيادا حاول اغراءه وتهديده في نفس الوقت , لما يعرفه من شعبية حجر وشهرته ,وقدم له الكثير مـن التنازلات والاغراءات حتى يكف عن موقفه الاسلامي المشروع ,ولكن حجرا لم يستسلم ولم يسكت , وكانت مواقف حجر اللاحقة جوابا على هذاالاغراء والتهديد.
فقد ذكر اليعقوبي في تاريخه : ((وحين قدم زياد الكوفة خطب خطبة له مشهورة لم يحمداللّه فيها, ولـم يـصـل عـلى محمد(ص ) وارعد فيها وابرق , وتوعد وتهدد, وانكر كلام من تكلم ,وحذرهم ورهبهم )) ((147)) .
وقال غيره : ولما ولي زياد جمع اهل الكوفة , فملا منهم المسجد والرحبة والقصر, ليعرضهم على البراءة من علي , فقام في الناس وخطبهم , ثم ترحم على عثمان , واثنى على اصحابه ولعن قاتليه . فقام حجر ففعل مثل الذي كان يفعله بالمغيرة .
وحـيـن ذهـب زيـاد الى البصرة بحسب ولايته عليها, فانه كان يشتو في البصرة , ويعين عمرو بن حـريـث بـالكوفة نيابة عنه , ويصيف بالكوفة , ويعين سمرة بن جندب نيابة عنه في البصرة . فحين ذهـب لـلبصرة كان حجر يجلس في المسجد, ويجلس حوله اصحابه ,يلهجون باللعن لمعاوية وشتم زياد, وتوسعت حلقته اكثر, ولما ارتقى عمرو بن حريث المنبر, وجرى على سنة الولاة آنذاك , لم يـسكت حجر واصحابه على ذلك , بل اخذوابالتكبير, ولما دنوا من عمرو حصبوه , فرجع للقصر, وكتب رسالة لزياد, ولما وصلت الرسالة لزياد قال وهو في البصرة : ((ما انا بشي ء ان لم امنع الكوفة من حجر, وادعه نكالالمن بعده ويل امك يا حجر, لقد سقط العشاء على سرحان , ثم اقبل الى الكوفة فـدخل القصر, ثم خرج وعليه قباء سندس ومطرف خز اخضر, وحجر جالس في المسجدوحوله اصحابه )) ((148)) .
بـيـنـمـا يـذكـر الـطبري سببا آخر لنقمة زياد على حجر, ينقله عن عوانة : ((خطب زياد يوما في الجمعة , فاطال الخطبة واخر الصلاة , فقال له حجر بن عدي : الصلاة . فمضى فى خطبته , ثم قال : الـصلاة . فمضى في خطبته , فلما خشي حجر فوت الصلاة ضرب بيده الى كف من الحصى وثار الى الصلاة , وثار الناس معه , فلما راى ذلك زياد نزل فصلى بالناس . فلما فرغ من صلاته كتب الى معاوية في امره , وكثر عليه , فكتب اليه معاوية ان شده في الحديد, ثم احمله الي , فلما ان جاء كتاب معاوية , اراد قـوم حـجـر ان يـمـنـعـوه , فـقـال : لا, ولـكـن سمع وطاعة , فشد في الحديد, ثم حمل الى معاوية )) ((149)) .
والـملاحظ في رواية الطبري انها ارادت اختصار الطريق , والظاهر ان هناك مواقف عديدة واجه فيها حجر زيادا, فكانت سببا في اشتداد نقمته عليه , حيث لم يستجب لاغراءاته وتهديداته , ولم يكف عن اعماله . منها رده على خطبه , ومنها هذا الموقف منه ,وكل تلك , ادت الى ان يفكر زياد في اساليب اخرى للقضاء عليه , وعلى كل حال فان مواقف حجر كانت لاجل النهي عن المنكر, واستنكاره الطعن فـي اهل البيت الذين امر اللّه بمودتهم , او لاجل تاخير الصلاة عن وقتها, او لاجل ما ارتكبه الولاة من جرائم وانحرافات واستئثار باموال المسلمين .
فـفـي الدرجات الرفيعة : ((لما ولى معاوية زياد ابن ابيه الكوفة , خطب زياد فقال : اما بعد,فان غب البغي وخيم , وايم اللّه لئن لم تستقيموا لاداوينكم بدوائكم , ولست بشي ء ان لم احم ناحية الكوفة من حجر بن عدي وادعه نكالا لمن بعده )) ((150)) .
فاستدعى زياد امير الشرط (شداد بن الهيثم الهلالي ) واخبره ان ياتي بحجر, فذهب لياتي به , الا ان اصـحابه منعوه من اخذه , فرجع هذا الى زياد خائبا, فبعث زياد معه نفرا,فرجعوا الى حجر, الا ان جـمـاعة سبوهم وشتموهم , وبعد ذلك , غضب زياد, فجمع شيوخ ‌الكوفة وامرهم بسحب اولادهم وافـراد عشيرتهم , من جماعة حجر, فقام كل رئيس بذلك . وهذا يكشف ان زيادا كان يخطط للقضاء عـلـى حـجـر, وتـجـنب النقمة التي سوف يثيرها اعتقاله , او قتله , لذلك استخدم رؤساء العشائر الـمنتفعين في مواجهة انتفاضة حجروجماعته , ولرؤساء العشائر تاثيرهم الكبير في ذلك المجتمع الـعـشـائري , كـمـا اسـتـخدمهم ايضا في الشهادة على حجر, وكما استخدم غيره رؤساء القبائل المنحرفين والمتزلفين ,حربة في مواجهة الاصوات المؤمنة الرافضة , لما يعلمونه من تاثيرهم في ذلـك الـوسـطالـقـبلي . وفي الوقت الذي كان ابناء الامة يعيشون حالة الجوع والهوان , كان معاوية وزيادوامثالهما يقربون رؤساء القبائل ويغرونهم بالاموال والمناصب استمالة لهم , واسكاتالاصواتهم , اذ ان فـي اسـكـاتهم اسكاتا للقبائل الخاضعة لهم , وشغلهم عن التفكير في مواجهة السلطات الغاشمة بالرغم من الاوضاع المزرية التي يعيشونها.
وقد استجاب رؤساء القبائل لطلب زياد, وسحبوا ابناء قبائلهم من جماعة حجر (فلماراى زياد خفة فـيـهـم قـال لـصاحب شرطته : اذهب فائتني بحجر, فان تبعك والا فمر من معك ان ينتزعوا غمد السيوف , ثم يشدوا عليه حتى ياتوا به , ويضربوا من حال دونه ) ((151)) .
فـذهـب شـداد بـن الهيثم لياتي بحجر الى زياد, الا ان اصحاب حجر اجابوا: ((لا واللّه ولانعمة عـيـن )), حـيـنـئذ نـفـذ ما امر به زياد, ولما كان اصحاب حجر قد خفوا بعملية زيادالسابقة بعد استدعائه شيوخ الكوفة وسحبهم لافراد عشيرتهم , ولما كان اصحاب حجرالباقون الملتفون حوله مـجـرديـن من السلاح الا سيفا واحدا, كما اشار الى ذلك احداصحاب حجر, وهو عمير بن يزيد الـكـلبي , وهذا يدل على ان حجرا وجماعته لم يفكروافي الاطاحة بالحكم الاموي بمقاتلة زياد او مـعـاويـة , والا لـكـانـوا يعدون العدة لذلك , وبعدذلك اضطر حجر نزولا عنه الحاح اصحابه الى الاختفاء, فلحقته جلاوزة زياد, وتمكنوامن ضرب عمرو بن الحمق الخزاعي , الصحابي المعروف , مما اجبر اصحاب حجر على ان يحملوه الى احدى الدور لمعالجته .
ولـما راى زياد اختفاء حجر, حينئذ لجا الى عملية تقليدية خبيثة اخرى لمطاردة حجر,ثم القضاء عـلـيه بعد ان وجد ان مهمة القضاء على حجر مهمة عسيرة لما لشخصيته الدينية والقبلية من تاثير كبير في الكوفة , بان اوعز لبعض القبائل مهمة مطاردة حجر,وبذلك يحول قضية حجر الى قضية داخلية , وقبلية , وان قبائل الكوفة هي التي طاردت حجرا واعتقلته , وبذلك يجنب نفسه النقمة التي يـتـوقع انفجارها. ونحن نعلم بان احداساليب المستكبرين في اسكات الشعوب , وتبديد قواها الذي يـؤدي ذلـك بالتالي الى سيادة المستكبرين , هو سلاح التفرقة . وقد استخدم الطغاة عبر التاريخ هذا الـسـلاح فـي مـواجـهـة الشعوب , وكما اشار القرآن الكريم الى الاساليب التي استخدمها فرعون فـي تـوطـيد سلطانه , ومن هذه الاساليب نشر الفساد الاخلاقي , واذلال الامة وامتهانها,والتفرقة , (وجـعـل اهـلها شيعا), وبث الذعر والخوف من السلطة الحاكمة , من خلال قتل كبارهم او التنكيل بـهـم , وغـيـرها من الاساليب , التي استخدمها الطغاة والمستكبرون على مر التاريخ . ومنهم معاوية وزياد والحجاج وغيرهم .
ولذلك اوعز زياد مهمة مطاردة حجر والقبض عليه الى بعض القبائل , بان تحاصر الحي الذي اختفى فـيـه حـجـر, وتـفـتش عنه في دورها, وتقبض عليه , فارتقى المنبر وقال : ((لتقم همدان وتميم وهـوازن وابـنـاء بـغـيض ومذحج واسد وغطفان , فلياتوا جبانة كندة , وليمضوامن ثم الى حجر, فـلـيـاتوني به )) ((152)) , ولكنه التفت الى ناحية قبلية مهمة ,وهو الخوف من الصراع والتناحر المباشر بين هذه القبائل المتعاونة اذا ارسلها مجتمعة , وبذلك يشغلها هذاالصراع عن مهمة المطاردة لـحـجـر (فـكـره ان تـثـيـر مـضـر مـع الـيـمن فيقع شغب واختلاف , وقدتنشب الحمية فيما بـيـنهم ) ((153)) , وذلك لان بعض هذه القبائل , ممن يرتبط بحجر بعلاقة قبلية ,في ذلك الوس ط الـقـبـلـي , ربما تثور حميتها من مطاردة القبائل الاخرى لزعيم من زعمائها,وربما كان يخشى ان تتعاطف مع قضية حجر, او على الاقل , يتجنب مطاردته , كما فعلت بعض القبائل حيث انسحبت , ولو ارسلها مجتمعة فربما اثر هذا الموقف على سائر القبائل الاخرى .
ولـذلـك فـرقـهـم زياد لهذه العوامل , وارسل كلا منها الى جانب لمحاصرة حجر, ولكن اهل اليمن لقرابتهم مع قبيلة حجر, كندة , اعتزلوا هذه العملية , بصورة مباشرة , خوفا من نشوب صراع بينهما, فـتـبـاطؤوا في العمل دون علم زياد ـ حسب اشارة احد زعمائهم آظنا بان مذحجا وهمدان سوف تـسـبقهم بالقيام بهذه المهمة , وعندما وصلت مذحج وهمدان الى مكان اجتماع حجر واصحابه , شعر حـجـر ان لا فـائدة مـن مـقاتلتهم لقلة اصحابه , فامر اصحابه بعدم القتال , واختفى هو في دار احد اصـحـابه , ولكن بالرغم من ذلك , نشبت معركة قصيرة بينهما, ادت الى جرح عدد من اتباع حجر, واسـر آخرين , ولماعلم حجر بان مغبة الامر ليست في صالحه , امرهم بترك القتال , وكان صاحب الـدار الـتـي اخـتـفى فيها حجر, قد استعد لمقاتلة كل من تسول له نفسه الاقتراب من حجر, ولما راى حـجـر ان ذلك يعني تعريض هذا الشخص الى القتل , للعدد الكبير من الاعداء, ابتعد عن منزله ايـضا, الى دار شخص آخر من اصحابه , وهو (عبد اللّه بن الحارث ) اخو الاشتر,وعلم جلاوزة زياد بذلك , فابتعد ايضا عن داره الى دار اخرى , وهكذا لم يبق له اثر يدل عليه .
وبعد ان فشلت , كل هذه المحاولات , في القبض على حجر, لجا زياد الى عملية خبيثة اخرى , وهي اثـارة الشقاق والصراع بين افراد القبيلة الواحدة , فقد (امر محمد بن الاشعث الكندي بالقبض عليه هـادفـا مـن وراء ذلـك الـى زرع بذور الشقاق في كندة , وهي من اقوى قبائل الكوفة , ليستريح من وحـدتـها, ويلهي كلا من انصار حجر وانصار محمد باعدائه الجدد, ولكن يقظة حجر فوتت على زيـاد هـذه الفرصة فسلم نفسه الى السلطة طوعا) بعدان اخذ الامان من زياد حتى يبعثه الى معاوية لـيرى فيه رايه , (فبعثوا اليه ـ اي الى حجر آرسوله ذلك يعلمونه ان قد اخذنا الذي تسال وامروه ان يـاتـي , فـاقـبل حتى دخل على زياد, فقال زياد: مرحبا بك ابا عبدالرحمن حرب في ايام الحرب وحـرب وقـد سالم الناس ؟ لعلى بيعتي . فقال : هيهات هيهات يا حجر تشبح بيد وتاسو باخرى وتريد اذ امكن اللّه منك ان نرضى ؟ كـلا واللّه . قـال : الـم تـؤمـني حتى آتي معاوية فيرى في رايه ؟ قال : بلى قد فعلنا,انطلقوا به الى السجن ((154)) .
وهـكذا انتهت اولى مراحل الصراع مع حجر بالقبض عليه وسجنه وبعد ذلك اخذ زيادفي مطاردة اصحاب حجر واحدا بعد آخر واعتقالهم وايداعهم السجن , كما فعل بحجرفجمع منهم اثني عشر رجلا في السجن .
(وجد زياد في طلب اصحاب حجر فهربوا, واخذ من قدر عليه منهم ... فجاء قيس بن عباد الشيباني الـى زياد فقال له : ان امراء منا يقال له صيفي , من رؤوس اءصحاب حجر,فبعث زياد فاتي به , فقال : يا عـدو اللّه مـا تـقول في ابي تراب ؟ قال : ما اعرف ابا تراب .فقال : ما اعرفك به طالب ؟ قال : نعم . قال : فذاك ابو تراب . قال : كلاذاك ابو الحسن والحسين , فقال له صاحب الشرطة : يقول الامير: هو ابو تراب , وتقول :لا؟ قال : فان كذب الامير اكذب انا واشهد على باطل كما شهد؟ فـقـال لـه زيـاد: وهـذاايـضا؟ علي بالعصا, فاتي بها, فقال : ما تقول في علي ؟ قال : احسن قول . قال : اضـربـوه . حـتـى لـصـق بـالارض , ثم قال : اقلعوا عنه . ما قولك في علي ؟ قال : واللّه لو شرحتني بـالـمـواسـي مـاقـلـت الا مـا سـمعت مني , قال : لتلعننه , او لاضربن عنقك . قال : لا افعل . فاوثقوه حديداوحبسوه ) ((155)) .
ويـكـفـي نـقل هذه الخبر عن التعليق عليه , وهو موقف بطولي من اصحاب حجر, يدل على عمق ما يملكونه من ولاء وايمان .
(فبعث ـ زياد ـ الى قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي صاحب الشرطة وهو شداد بن الهيثم . فدعا قـبـيـصـة فـي قومه , واخذ سيفه فاتاه ربعي بن حراش بن جحش العبسي ,ورجال من قومه ليسوا بـالـكـثير, فاراد ان يقاتل , فقال صاحب الشرطة : انت آمن على دمك ومالك , فلم تقتل نفسك ؟ فقال له اصحاب : قد اومنت فعلام تقتل نفسك وتقتلنامعك ؟ قال : ويحكم ان هذا الدعي ابن العاهرة , واللّه لئن وقـعت في يده لا افلت منه ابدا اويقتلني . قالوا: كلا. فوضع يده في ايديهم فاقبلوا به الى زياد, فلما دخـلـوا عـليه قال زياد:وحي عبس تعزوني على الدين , اما واللّه لاجعلن لك شاغلا عن تلقيح الفتن والتوثب على الامراء. قال : اني لم آتك الا على الامان . قال : انطلقوا به الى السجن ) ((156)) . وقتل مع من قتل من اصحاب حجر.
ويـدل هـذا الـخـبـر على ان زيادا اعطى الامان لحجر واصحابه , ثم غدر بهم . ويدل ايضاعلى ان اصحاب حجر كانوا يعلمون سابقا بان القتل مصيرهم .
 

الشهادة على حجر

ان اعـطـاء زياد الامان لحجر واصحابه لا يعني السكوت عنهم , او الاكتفاء باعتقالهم وحبسهم , فقد راى ان وجود حجر يشكل خطرا يهدد وجوده ووجود الحكم الاموي ليس في الكوفة فحسب , بل في العراق عامة . بل قد يمتد تاثيره الى سائر الاوساط لماعرفته من قوة شخصيته , وعدالة موقفه , واحـقـيـة مطالبه , فاراد زياد ان يقضي على حركة حجر قضاء تاما ليتخلص من هذا الخطر, وذلك بـالـقـضاء على حجر وجماعته المؤمنين الثائرين ولكن القضاء على حجر ليس امرا يسيرا كالقضاء على بعض الافراد, اوالشخصيات الاخرى للاسباب التالية :

1 ـ شخصية حجر الاجتماعية بين المسلمين , بوصفه صحابيا وزعيما دينيا معروفا بالثقة والتقوى , فربما بعث قتله الاستنكار والغضب بين المسلمين , وكذلك لما لشخصيته من ثقل اجتماعي عند قبيلته كندة , مما يبعث فيهم الشعور القبلي وطلب الثار.
2 ـ ان حجرا اخذ الامان من زياد, لذلك لا يستطيع زياد قتله بعد هذا الامان والا ادى ذلك الى نشوء تساؤل فتوتر واضطراب داخل الكوفة .
3 ـ ان حجرا اعلن مرارا انه باق على بيعته لمعاوية , فلا يكون هناك سبب يبرر قتله ,سوى انكاره عـلـى ولاة معاوية في سبهم للامام (ع ) في خطبهم , وامره بالمعروف ونهيه عن المنكر, فلا يملك ذلك المبرر القوي المبيح لقتله .
وهذه الاسباب وغيرها وضعت زيادا امام موقف حرج , فهو من جانب يرى ضرورة القضاء على حجر وقـتله , لتوطيد سلطانه , وتثبيت دعائم الحكم الاموي , ومن جانب آخر لا يتمكن من قتله للاسباب المذكورة , ففكر في الطريق الذي يلزم عليه سلوكه في هذا المجال , ولم يجد افضل من الشهادة على حجر بانه قد ارتكب ما يبرر قتله من نقضه لبيعة معاوية , ومن تحريضه على نقض البيعة , والاطاحة بحكمه , وكفره باللّه . فهو بذلك : 1 ـ سوف يسلب من شخصية حجر, او من قضية مصرعه , تاثيرها الديني والاجتماعي ,بشهادة بعض الشيوخ والافراد الذين لهم تاثيرهم بحسب بعض الاعتبارات الاجتماعية والقبلية آنذاك .
2 ـ سـوف يـملك معاوية المبرر الشرعي , كما يتوهم لقتله , امام الراي العام , وهو نقضه لبيعته , او الـعـمـل على الاطاحة بحكمه , لذلك حينما واجه حجر معاوية بانه باق على بيعته له انهار امام هذا الاعتراف , الا انه سرعان ما وجد الخلاص , بان قال : زياد اصدق من حجر.
وفـي كـل مـا تقدم , راينا ان زيادا عندما طلب من الشهود الشهادة امرهم ان يذكروا في متن الشهادة عـناصر لها اهميتها في تبرير قتل حجر وجماعته ,بحيث تخدع بعض الافراد, ولو ان الواعين لم تخدعهم هذه الشهادة , ولذلك استنكر جريمة معاوية الكثير من الصحابة و غيرهم كما سياتي ذلك , لا ن حجرا لم يقترف ما يبرر قتله بهذه الصورة الوحشية .
ويـذكـر الـمـؤرخون في هذا المجال ان زيادا بعد ان جمع اثني عشر رجلا من اصحاب حجر في السجن , بعث الى رؤوس الارباع ـ لان الكوفة كانت تقسم الى اربع مناطق ـ فحضروا فقال : اشهدوا عـلـى حجر بما رايتموه . وهم عمرو بن حريث على ربع اهل المدينة , وخالد بن عرفطة على ربع تـميم وهمدان , وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة , وابو بردة بن ابي موسى الاشعري على ربع مـذحـج واسـد, فـشهدوا ان حجرا جمع اليه الجموع , واظهرشتم الخيلفة , ودعا الى حرب امير الـمـؤمـنـيـن , وزعم ان هذا الامر لا يصلح الافي آل ابي طالب ووثب بالمصر واخرج عامل امير الـمؤمنين , واظهر عذر ابي تراب والترحم عليه , والبراءة من عدوه واهل حربه , وان هؤلاء الذين معه رؤوس اصحابه , وعلى مثل رايه وامره , ولكن زيادا لم يجد في متن الشهادة ,وفي عدد الشهود ما يـكفي , لذلك اراد ان يذكر في متن الشهادة بعض المبررات التي تعطيها صفة شرعية تسوغ لمعاوية قـتـلـهـم امـام الـراي الـعـام , بان ينص فيها على نقضه للبيعة , ودعوته الناس لنقضها, وتحريضهم على الاطاحة بالحكم الاموي , وانه قد خرج من الدين وكفر باللّه , وان لايقتصروا في الشهادة على استنكار حجر لسب الامام (ع ) فحسب .
ولـذلـك وضـع ابو بردة بن ابي موسى ـ وسياتي بعض الحديث عنه ـ صيغة اخرى للشهادة ارتضاها زيـاد, لانه كتب فيها العناصر التي ينشدها زياد(فكتب ابو بردة : بسم اللّه الرحمن الرحيم . هذا ما اشـهـد عـلـيـه ابـو بـردة بـن ابـي موسى للّه رب العالمين , شهد ان حجرا بن عدي خلع الطاعة , وفـارق الـجـماعة , ولعن الخليفة , ودعا الى الحرب والفتنة . وجمع اليه الجموع , يدعوهم الى نكث البيعة وخلع امير المؤمنين معاوية , وكفر باللّه كفرة صلعاء) ((157)), ومراده من (كفرة صلعاء) انه يوالي الامام عليا(ع ) كما سياتي توضيح ذلك وهذا يوجب الكفر عند زياد وابي بردة .

ومن الواضح ان هذه شهادة زور, ودعوى باطلة , اذ ان حجرا كان بريئا من هذه التهم , ولم يقم بمثل هـذه الاعـمـال الـتي نص عليها في هذه الشهادة , مع تصريح حجر نفسه , وتصريح سائر الصحابة والمستنكرين لمصرع حجر.
وشهد مع ابي بردة رؤوس الارباع الباقون , ولم يكتف زياد بهذا العدد من الشهود, بل اراد ان يعطي لـهـذه الشهادة صورة جماعية , بمستوى الاستفتاءالشعبي , او على الاقل بمستوى مجلس اهل الحل والـعـقـد, فـجـمـع الـنـاس وطلب منهم تاييد هذه الشهادة , فسارع بعض المنتفعين حتى اجتمع له سبعون رجلا.
لـقـد قال زياد عن الصيغة الاولى للشهادة , وعن عدد الشهود وهم اربعة (مااظن هذه شهادة قاطعة واحـب ان يـكون الشهود اكثر من اربعة ). ثم بعد ان وضع ابو بردة صيغة الشهادة الثانية , وامضاها رؤوس الاربـاع الـبـاقـون قـال زياد: على مثل هذه الشهادة فاشهدوا, اما واللّه لاجهدن على قطع عنق الخائن الاحمق . ثم ان زيادا دعا الناس فقال : اشهدوا على مثل ما شهد عليه رؤوس الارباع , فقام عـنـاق بن شرحبيل التيمي اول الناس , فقال : بينوااسمي , فقال زياد: ابداوا باسامي قريش ثم اكتبوا اسـم عـنـاق في الشهود ومن نعرفه , ويعرفه امير المؤمنين بالنصيحة والاستقامة . وكان من جملة الشهودشداد بن المنذر اخو الحصين بن المنذر, وكان يدعى ابن بزيعة , فقال زياد: مالهذا اب ينسب الـيه القوا هذا من الشهود, فقيل له : انه اخو الحصين وهو ابن المنذر, قال : فانسبوه الى ابيه فنسب , فبلغ ذلك شدادا فقال : ويلي على ابن الزانية , او ليست امه اعرف من ابيه ؟ سمية ((158)) .
اذن , فـكـان يـخـتـار تـلك الاسماء المعروفة لاعتبارات اجتماعية او قبلية , ويترك الاسماء غير المعروفة , لتكون الشهادة اكثر وقعا في النفوس .
كـمـا انـهـم اضافوا للشهود اسماء بعض الشخصيات آنذاك , دون ان توافق على هذه الشهادة , امثال شريح بن الحارث , وشريح بن هانى , فاما شريح بن الحارث فقال : سالني عنه ـ اي عن حجر ـ فقلت : اما انه كان صواما قواما.واما شريح بن هانى , فقال : ما شهدت . ولقد بلغني ان قد كتبت شهادتي فاكذبته ولمته . وكتب كتابا الى معاوية وبعثه اليه بيد وائل بن حجر, وفي الكتاب : اما بعد فانه بلغني ان زيادا كـتـب الـيـك بـشهادتي على حجر بن عدي , وان شهادتي على حجر, انه ممن يقيم الصلاة , ويؤتي الـزكـاة , ويـديـم الـحج والعمرة , ويامر بالمعروف وينهى عن المنكر, حرام الدم والمال , فان شئت فـاقـتـلـه , وان شـئت فـدعـه . فـلـمـا قرا معاوية الكتاب قال : ما ارى هذا الا قد اخرج نفسه من شهادتكم ((159)) .
وكتب ايضا شهادة السري بن وقاص الحارثي , وهو غائب في عمله .
(فـغـضـبـت ربـيـعـة عـلى هؤلاء الشهود الذين شهدوا من ربيعة وقالوا لهم :شهدتم على اوليائنا وحلفائنا؟ ((160)) .
وقـد طلبوا من بعض الافراد ان يشهدوا, ولكنهم لم يستجيبوا له , وهم اسماءبن خارجة الفزاري , والهيثم بن الاسود النخعي , ودعا المختار بن ابي عبيدوعروة بن المغيرة بن شعبة فراغا.
ونحن لو تاملنا في الشهادة وظروفها, وشهودها لراينا:

1 ـ ان زيـادا لـم يقتل حجرا بنفسه , لئلا يفقد رصيده في العراق . مركز الشيعة ,ومركز زياد, فان حـدث رد فعل واستنكار بعد ذلك , فسوف تتجه النقمة الى معاوية , ليحتفظ هو بمركزه , كما توجه بـالـفـعـل اسـتـنـكار الامة الى معاوية , بل ربما يعطي لمعاوية ايضا سبيل الخلاص من هذه النقمة والاسـتنكار, حيث يمكن لمعاوية ان يلقي اللوم على الشهود, ويجنب نفسه رياح الثورة والاستنكار, وبذلك يتجنب زياد نفسه , ويتجنب معاوية ايضا الضجة التي سيحدثها مصرع حجر.
2 ـ ان الـشـهـادة اشتملت على العناصر التي كان ينشدها زياد, لمواجهة الضجة التي سيحدثها مقتل حجر او تقليلها, من حيث زيادة عدد الشهود,وكونهم من الاسماء المعروفة لبعض الاعتبارات , ومن حيث بنود الشهادة ,حيث نص فيها على نقض حجر لبيعة معاوية وتحريضه الناس على نقضها,وكفره بـاللّه وخـروجه عن الدين , وهذه العناصر ربما اثرت في اسكات الغضب الجماهيري الذي سينجم عن قتل حجر وجماعته .
وربـمـا اثـرت هذه العناصر على بعض الافراد غير الواعين , ولكنها لم تؤثر على اصحاب الوعي الـذيـن عرفوا واقع الشهادة والشهود, ولذلك استنكروامقتل حجر, ومن ثم تسرب هذا الاستنكار الـى سـائر الامـة . فكان مقتل حجر من جملة الحوافز التي دفعت بعض الجماعات للانتفاض بوجه الحكم الاموي .
وعلق الشيخ الاميني على هذه الشهادة , وهؤلاء الشهود بقوله : (هذه شهادة زور لفقها ابن ابيه او ابن امـه عـلـى اصـنـاف من الناس , منهم الصلحاءالاخيار الذين اكذبوا ذلك العزو المختلق , كشريح بن الحارث , وشريح بن هانى , ومن حذا حذوهما, وشهدوا بخلاف ما كتب عنهما. ومنهم من كانواغائبين عـن سـاعـة الشهادة وساحتها, لكن يد الافك اثبتتها عليهم كابن وقاص الحارثي ومن يشاكله . ومنهم رجرجة من الناس يستسهلون شهادة الزور, ويستسوغون من جرائها اراقة الدماء, ليس لهم من الدين مـوضـع قـدم ولا قـدم , كـعمر بن سعد, وشمر بن ذي الجوشن , وشبث بن ربعي , وزجربن قيس , فتناعقوا بشهادة باطلة لاجلها وصفهم الدعي بانهم خيار اهل المصر واشرافهم , وذوو النهى والدين .
وان مـعـاويـة جـد عـليم بحقيقة الحال ,لكن شهوة الوقيعة في كل ترابي ((161)) حبذت له قبول الـشـهـادة الـمزورة والتنكيل بحجر واصحابه الصلحاء الاخيار, فصرم بهم اصول الصلاح ,وقطع اواصـرهـم يـوم اودى بـهـم , ولـم يـكـتـرث لـمـغـبة ما ناء به من عمل غيرمبرور, فالى اللّه المشتكى ) ((162)) .
والـحـديـث عـن بـعض الشهود وانحرافهم عن مبادى الاسلام , امثال عمر بن سعد وشمر بن ذي الـجوشن وشبث بن ربعي وغيرهم طويل , يعرفه كل من قرا تاريخ حياتهم , وجرائمهم في كربلاء معروفة , ولكن نكتفي هنا بذكر موقف واحد من مواقف ابي بردة , وهو من رؤوس هذه الشهادة .
قـال عـنـه ابـن ابـي الـحـديد: (ومن المبغضين القالين ـ للامام علي (ع ) ـ ابو بردة بن ابي موسى الاشـعـري , ورث الـبغضة له لاعن كلالة ((163)) . وروى عبدالرحمن بن جندب قال , قال : ابو بردة لزياد: اشهد ان حجر بن عدي قد كفرباللّه كفرة اصلع . قال عبدالرحمن : انما عنى بذلك نسبة الـكـفـر الـى عـلي بن ابي طالب (ع ), لانه كان اصلع . قال : وقد روى عبد الرحمن المسعودي عن ابن عياش المنتوف , قال : رايت ابا بردة قال لابي العادية الجهني قاتل عمار بن ياسر: اانت قتلت عمار بن ياسر؟ قال : نعم . قال : ناولني يدك , فقبلها وقال :لا تمسك النار ابدا) ((164)) .
وقد تنكر ابو بردة في موقفه هذا للكثير من الاحاديث التي وردت عن الرسول (ص ) في عمار منها: ((مـا لـهـم ولعمار عاداه اللّه , ومن ابغض عمارا ابغضه اللّه )) ((165)) .
ومـمـا يـجـدر الاشـارة الـيه موقف اهل الكوفة من حجر وجماعته , حيث لم يندفعوا للدفاع عنه , والـوقـوف بوجه زياد, او منعه عن السير بهم الى معاوية , بعد ان كانوا ملتفين حول حجر ومؤيدين لـحـركـتـه . وهـناك عوامل كثيرة ادت الى حصول هذا الموقف , ومنها اساليب الترهيب والاغراء التي استخدمها زياد ومعاوية وغيرهما من الحكام والولاة , التي صنعت مثل هذه الحالة بين المسلمين , بـالـرغـم مـن احساسهم الداخلي ببشاعة اعمال الحكام والولاة , وانحرافها عن الاسلام , ومواقفهم الـمـجرمة بحق اهل البيت :والموالين لهم . وليس هذا الموقف من اهل الكوفة اول موقف ولا آخره , فـقـدوقـفـوا امـثـاله مع الامام امير المؤمنين (ع ) والامام الحسن (ع ) قبل حجر,وكذلك مع الامام الحسين (ع ) في واقعة الطف الدامية ومع زيد في ثورته ,وغيرها, بالرغم من شعورهم بالاستنكار لمواقف السلطات الحاكمة . وكان مثل هذا الشعور بالندم والاستنكار احيانا يغلي في نفوسهم , ويفجر بعض الانتفاضات بوجه السلطات المجرمة , امثال حركة التوابين ولكن بعد فوات الاوان .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

130- بن مسكويه , تجارب الامم , ج 1 / ص 388.
131- في رحاب اهل البيت ج 2 / ص 4.
132- الطبري ج 3 / ص 422.
133- يراجع شرح نهج البلاغة ج 16 / ص 180.
134- يراجع شرح نهج البلاغة ج 16 / ص 180.
135- مروج الذهب ج 3 / ص 26.
136- الدرجات الرفيعة / ص 6.
137- مروج الذهب ج 3 / ص 26.
138- لاتتحم : لا تتورع .
139- الطبري ج 4 / ص 188.
140- المصدر السابق .
141- الدرجات الرفيعة / ص 426.
142- الدرجات الرفيعة / ص 426.
143- الاغاني ج 16 / ص 4.
144- الطبري ج 4 / ص 189.
145- الطبري ج4 / ص 189.
146- الاغاني ج 16 / ص 4.
147- تاريخ اليعقوبي ج 2 / ص 217.
148- الاغاني ج 16 / ص 5.
149- الطبري ج 4 / ص 90.
150- الدرجات الرفيعة / ص 427.
151- الاغاني ج 6 / ص 16.
152- الاغاني ج 16 / ص 7.
153- المصدر السابق .
154- تاريخ الطبري ج4 / ص 196.
155- الكامل ج3 / ص 477, والطبري ج4 / ص 198.
156- الطبري ج4 / ص 197.
157- الاغاني ج 16 / ص 11, والطبري ج 4 / ص 200.

158- يراجع الطبري ج 4 / ص 201.
159- يراجع الطبري ج 4 / ص 201, والاغاني ج 16 / ص 13.
160- الطبري ج 4 / ص 200.
161- نسبة الى ابي تراب الامام علي (ع ).
162- الغدير ج 11 / ص 48.
163- اي لم يرثه عن عرض بل قرب , يريد انه ورث البغض عن ابيه ابي موسى الاشعري .
164- شرح نهج البلاغة ج 4 / ص 99.
165- شرح نهج البلاغة ج 3 / ص 52.