نظرة عامة في حركة حجر ومصرعه

اكـد حـجر انه لم ينقض بيعة معاوية , ولم يعمل للاطاحة بالحكم الاموي , تدل على ذلك تصريحاته هو وجماعته , وتصريحات المستنكرين على معاوية ,وانما حاول حجر وجماعته القيام بمهمة الامر بـالـمـعروف والنهي عن المنكر,والاعتراض على سب الامام (ع ) على المنابر فحسب . وقد مرت نماذج من هذه التصريحات .
ومـن الـمؤكد ان حجرا لم يكن مؤمنا بخلافة معاوية اسلاميا, وانما راى الظروف تسوغ له البيعة , كـمـا دفـعـت غيره من المؤمنين لبيعة معاوية . ولكن هذه البيعة لا تفرض على المؤمن السكوت عن الانـحـرافـات والـمـنكرات ,فكان حجر وجماعته وغيرهم من المؤمنين ينبهون الامة او النظام الحاكم على انحرافاته وانحرافات عماله وانصاره .
ولـكـن مـعـاويـة وزمـرته انما استولوا على الحكم , طمعا بالمطامع الدنيوية ,ولاجل ارتكاب تلك الـمـنـكـرات , وقـد اسـتـخدموا مختلف الاساليب والممارسات في تطبيع الامة على حياة ملائمة لاطماعهم , ومن هنا كان يرى في وجود حجر وامثاله خطرا يتهدد وجوده واحلامه , وكان يخشى ان يـثـيرحجر واصحابه الامة ضد ممارساته ومخططاته , وبذلك تذهب جهوده ادراج الرياح , فكان يـخـشـى انتشار هذه الاراء الرافضة بين الجماهير, وبذلك يعسر القضاء على هذا الوعي والغضب الجماهيري . فقد روى ابن كثير في تاريخه ان عبد الرحمن بن الحارث قال لمعاوية : ((اقتلت حجر بـن الادبـر؟فـقـال معاوية : قتله احب الي من ان اقتل معه مئة الف , وقال معاوية : اني رايت في قتلهم صـلاحـا لـلامـة , وفي مقامهم فسادا للامة , وقال : اني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خيرا من استحيائه في فسادهم )) ((228)) , ونظر ذلك ما اجاب به معاوية على استنكار عائشة ((229)) .
ولـم يـقـصـد معاوية من صلاح الامة , الا تمرير الحكم الفاسد, وتطبيع الامة على قبول ممارساته ومـنـكـراته , ولم يقصد من فسادهم الا انتشار الوعي الثوري الاسلامي , وانكشاف منكرات النظام ومساوئه , وبذلك يتزعزع العرش الاموي .
وكـان الـمغيرة بن شعبة , عامل معاوية على الكوفة , وهو من عملاء معاوية ,ومن دهاة العرب , يعلم جـيـدا بـان مـعاوية يستهدف من خلال القضاء على الاصوات الواعية والرافضة التي تمثل الاسلام الحقيقي والرفض للاعمال المنحرفة التي يمارسها النظام الحاكم يستهدف دعم سلطانه وتثبيته , ولو عـلـى حـسـاب تشويه سمعة المغيرة وسحقه , فانه لما اشير على المغيرة التنكيل بحجرواصحابه اجاب : (لا احب ان ابتدى اهل هذا المصر بقتل خيارهم , وسفك دمائهم , فيسعدوا بذلك واشقى , ويعز في الدنيا معاوية , ويذل يوم القيامة المغيرة ).
اجل , اراد معاوية ان يخنق كل اصوات الرفض والهداية في الامة , وان يزيل كل العقبات امام نزواته , واسـتـخـدم في سبيل ذلك شتى الاساليب والممارسات , حتى يستمر في سلطانه , ويوطد لبني امية الحكم من بعده .
ولكنه لدهائه , لم يواجه تلك العقبات بصورة سافرة , وانما كان يخططللقضاء عليها, وكانت له حاشية مـن الـدهاة المتزلفين , ترسم له الخططالدقيقة , لمواجهة شتى التحديات , لذلك رايناه , حينما واجه استنكار الامة لقتله حجرا, يلقي اللوم على الشهود, ويتضح من ذلك ان الشهادة كانت مخططا مدروسا, لـلـتـغـطية على اهدافها, حيث كان يستهدف من خلالهاامتصاص الغضب الجماهيري الناجم من قتل حجر واصحابه , لذلك قال معاولة : ((لست انا قتلتهم , وانما قتلهم من شهدوا عليهم )).
وقـد ذكـرنـا ظـروف الشهادة , وصفات الشهود, مما يدل على ان الشهادة كانت مخططا يستهدف من خـلالـه القضاء على حجر وجماعته , بصورة لاتثير غضبا على السلطة الحاكمة , وتعطي للشهادة صيغة مشروعة من حيث متنها, وظروفها, وشهودها.
بل انه من خلال القضاء على هذه الجماعة , بالرغم من انها كانت معروفة بين المسلمين , ارادوا خنق سائر الاصوات الواعية , وارهابها واسكات استنكارها لسياسة معاوية , وبث الذعر في النفوس .
ولـكن الحقيقة لم تخف على الواعين , وان سكتوا طمعا او خوفا من معاوية ,وكذلك انكشفت الحقيقة للتاريخ والاجيال اللاحقة , حيث ان الفرق واضح بين الجانبين , جانب حجر وجماعته , وجانب معاوية وزمرته وجلاوزته .
لـقـد كـان حجر وجماعته يمثلون الالتزام الاسلامي الشديد, بينما يمثل الجانب الاخر الانحراف والـتـزلـف والـجـاهـلـية , وحب الدنيا, وقد شهد لهذا الفرق رجالات العصر في استنكارهم لهذه المجزرة , حتى المغيرة عامل معاوية , بل حتى معاوية كان يشعر بقصوره عنهم , بعد اظهار ندمه رياء على ما ارتكبه .
وعـلـى الـعـكـس مـمـا استهدفه معاوية , من خنق صوت الرفض والوعي الاسلامي من خلال هذه الـمـجزرة , فقد فجرت هذه الدماء الزكية الصحوة والثورة في قلوب المسلمين , عبرت في بداياتها عـن نفسها بصورة استنكارمن الزعماء, وغيرهم , ثم اخذ التذمر يكبر ويمتد الى سائر المسلمين , نتيجة لهذه المجزرة , وسائر الممارسات الاجرامية , والمنكرات التي قام بها النظام الاموي , لينعكس اثـرها على الانتفاضات التي قام بها بعض المتذمرين ,حيث ادت بالتالي الى الاطاحة بالحكم الاموي , وان استفاد بعض طلاب الدنيا من حالة الرفض والاستنكار هذه , للتوصل الى اطماعهم .
لـقـد استهدف معاوية القضاء على الوعي الثوري الاسلامي , ولكن تحدى مخططاتهم ,بعض المؤمنين الـمـلـتـزمـين الذين لم تسمح عقيدتهم بالسكوت امام هذه الموجة الجاهلية , حيث شعروا بضرورة الـوقـوف بـوجـهها حتى لو ادى ذلك للتضحية بارواحهم من اجل ان لا تحقق اهدافها بما يهدد كيان الاسلام وبيضته , ولو لا تلك الدماء الطاهرة التي اريقت في سبيل العقيدة , لكان مستقبل الاسلام مظلما قـاتـما, ولما وصل الاسلام الاصيل الى الاجيال اللاحقة , حتى يومنا هذا. لقد سجل الاسلام الاصيل خلوده , بفضل قوة الاسلام واصالته وروحه وتعاليمه , وبفعل تلك الدماء الزكية الثائرة التي اريقت في سبيل الحفاظ على وجهه الاصيل المشرق.
 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

228- تاريخ ابن كثير.
229- اعلام الورى ص 43.