نشاطه الحربي :

سـاهـم ابو الاسود مع الامام (ع ) في كثير من الحوادث والمعارك التي حدثت ايام خلافة الامام (ع ) التي اثارها البعض ممن لم يتلاءم حكم الامام العادل مع مطامعهم ورغباتهم ,فاشترك في صفين والجمل ومحاربة الخوارج كما يؤكد ذلك المؤرخون ((132)) وان لم يذكروالنا صورة تفصيلية عن مدى مـشـاركته في هذه المعارك وبالرغم من انه كان من الفرسان آكما يقول الجاحظ ـ وكما يذكر ذلك ابـو الاسـود نـفـسـه في شعره ويدل على شجاعته مشاركته في الحروب , ويشير لذلك في بعض اشعاره منها:

اجيب اذا الداعي دعاني واحتمي ----- بابيض مصقول ضريبته عضب

واني لمن قوم اذا حاربوا العدى ----- اغاروا بفتيان مغاوير كالشهب

الا انـنا نلاحظ ان التاريخ لم يذكر الا بعض الممارسات التي تتسم بالطابع السياسي اكثر من كونها نـشـاطا عسكريا, ولكن خروجه مع الامام (ع ) الى هذه المعارك يفترض مشاركته العسكرية ايضا فيها.
اما الحروب التي شارك فيها فهي :

1 ـ الجمل : فكان لابي الاسود في حرب الجمل دور فعال يشير اليه المؤرخون , فقد ارسل من قبل عـامـل الامام (ع ) على البصرة عثمان بن حنيف لمفاوضة عائشة وطلحة والزبير,وقد ذكرت هذه الـمـهـمـة في مختلف الكتب , فقد ذكرها ابن عساكر في تهذيبه ((133)) وذكرهاابن الاثير في تاريخه الكامل ((134)) , وذكرها الطبري ايضا في تاريخه ((135)) .
واشارت اليها دائرة المعارف الاسلامية فقالت : ((وكان ابو الاسود من انصار علي , اوفده علي على البصرة ليفاوض عائشة وطلحة والزبير)) ((136)) .
وذكـرهـا ايضا ابن ابي الحديد في شرحه على نهج البلاغة بصورة مفصلة ونحن نذكرها من شرح النهج لانه اكثر تفصيلا من غيره , ولان ذكرها يدل على قدرة ابي الاسود في الحوار,وقد ذكرها ابن ابي الحديد في موضعين من كتابه , احدهما في الجز السادس , والثاني في الجزء التاسع .
ففي الجزء السادس ذكر ان عثمان بن حنيف ارسل ابا الاسود وحده , بينما في الجزء التاسع ذكر انه ارسـلـه مع عمران بن الحصين الخزاعي , وفي احدهما يذكر حواره مع عائشة ,بينمافي الاخر لا يذكره , ونحن نجمع بين النصين , يقول ابن ابي الحديد: ((لما انتهت عائشة وطلحة والزبير الى حفر ابي موسى قريبا من البصرة , ارسل عثمان بن حنيف ـ وقد قام عثمان بن حنيف بهذا العمل بامر من الامام (ع ) حيث بعث له رسالة ليقوم بذلك , ذكرها ابن ابي الـحـديد في الجزء التاسع الى القوم ـ ابا الاسود الدؤلي ـ وفي الجزء التاسع : وعمران بن الحصين الخزاعي ـ يعلم له علمهم , فجاء حتى دخل على عائشة فسالهاعن مسيرها.
فقالت : اطلب بدم عثمان .
قال : انه ليس بالبصرة من قتلة عثمان احد.
قالت : صدقت , ولكنهم مع علي بن ابي طالب بالمدينة , وجئت استنهض اهل البصرة لقتاله , انغضب لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيوفكم .
فـقال لها: ما انت من السوط والسيف ؟ كتاب ربك , وليس على النساء قتال , ولا لهن الطلب بالدماء, وان عليالاولى بعثمان منك , وامس رحما, فانهما ابنا عبد مناف .
فقالت : لست منصرفة حتى امضي لما قدمت له , افتظن يا ابا الاسود ان احدا يقدم على قتالي ؟ قال : اما واللّه لتقاتلن قتالا اهونه الشديد.
فقالت لهما: القيا طلحة والزبير.
فقاما من عندها, ولقيا الزبير فكلماه , فقال لهما: انا جئنا للطلب بدم عثمان , وندعو الناس الى ان يردوا امر الخلافة شورى ليختار الناس لانفسهم .
فـقـالا له : ان عثمان لم يقتل بالبصرة ليطلب دمه فيها, وانت تعلم قتلة عثمان من هم , واين هم , وانك وصـاحبك وعائشة كنتم اشد الناس عليه واعظمهم اغراء بدمه , فاقيدوا من انفسكم , واما اعادة امر الـخـلافـة شورى فكيف وقد بايعتم عليا طائعين غير مكرهين ؟ بقيامك دون هذا الرجل يوم مات رسول اللّه6 وانت آخذ قائم سيفك تقول : ما احد احق بالخلافة منه ولا اولى بها منه , وامتنعت من بيعة ابي بكر, فاين ذلك الفعل من هذا القول ؟ فقال لهما: اذهبا فالقيا طلحة .
فـقـامـا الـى طـلحة فوجداه خشن الملمس , شديد العريكة , قوي العزم في اثارة الفتنة واضرام نار الحرب , فانصرفا الى عثمان بن حنيف , فاخبراه , وقال له ابو الاسود:

يابن حنيف قد اتيت فانفر ----- وطاعن القوم وجالد واصبر

وابرز لها مستلئما وشمر

فقال ابن حنيف : اي والحرمين لافعلن , وامر مناديه فنادى في الناس : السلاح السلاح ,فاجتمعوا اليه , وقال ابو الاسود:

اتينا الزبير فدانى الكلام ----- وطلحة كالنجم او ابعد

واحسن قوليهما فادح ----- يضيق به الخطب مستنكد

وقد اوعدونا بجهد الوعيد ----- فاهون علينا بما اوعدوا

فقلنا ركضتم ولم ترملوا ----- واصدرتم قبل ان توردوا

فان تلقحوا الحرب بين الرجال ----- فملقحها حده الانكد

وان عليا لكم مصحر ----- الا انه الاسد الاسود

اما انه ثالث العابدين ----- بمكة واللّه لا يعبد

فرخوا الخناق ولا تعجلوا ----- فان غدا لكم موعد ((137))

ومـن هـذه الـحـكاية يظهر مدى قدرة ابي الاسود على الحوار, وتدل على ان ابا الاسود كان يكلف بالمهام السياسية كذلك .
وينقل ابن ابي الحديد الرواية التالية عن ابي الاسود: ((ابو الاسود الدؤلي : لما ظهر علي (ع )يوم الـجـمل دخل بيت المال بالبصرة في ناس من المهاجرين وانا معهم , فلما راوا كثرة مافيه قال : غري غيري ـ مرارا ـ ثم نظر الى المال وصعد فيه بصره وصوب , وقال : اقسموه بين اصحابي خمسمائة , فـقـسـم بينهم , فلا والذي بعث محمدا بالحق ما نقص درهما ولا زاددرهما, كانه كان يعرف مبلغه ومقداره , وكان ستة آلاف درهم , والناس اثنا عشرالفا)) ((138)) .
وهـنـاك روايـة ربـمـا يـظـهـر مـنـها مشاركته الحربية في معركة الجمل , وكذلك يدل شعره على فروسيته وشجاعته , فقد قيل : ان رجلا يقال له الحارث بن خليد قابل ابا الاسود فعيره بالفرار من حرب الجمل , ولكن ابا الاسود انكر ذلك ورده بقوله :

وما ولدت امي من القوم عاجزا ----- ولا كان ريشي من ذنابى ولا لغب

ولا كنت فقعا نابتا بقرارة ----- ولكنني آوي الى كنف رحب اجيب

اذا الداعي دعاني واحتمي ----- بابيض مصقول ضريبته عضب

واني لمن قوم اذا حاربوا العدى ----- اغاروا بفتيان مغاوير كالشهب

فلا يوعدوني بالفجار فانني ----- ساحملكم مني على مركب صعب

وفي تاريخ الاسلام للذهبي : ((قاتل يوم الجمل مع علي )) ((139)) وهي تدل على مشاركته القتالية في هذه المعركة .
2 ـ صفين : وشارك ايضا في حرب صفين , وان ذكر الطبري ان ابن عباس خلفه على البصرة , وقد ناقشنا ذلك فيما سبق , والذي يذكره التاريخ هو دور سياسي ايضا, ولم يحدثناعن نشاطه الحربي , ودوره فـي صـفـيـن انـه رشح نفسه للتحكيم , فيقول صاحب (روضات الجنات ): ((انه التمس من عـلـي (ع ) ان يـكـون شـريـكـا مـع الـحـكمين , لكن اهل الباطل لم يرضوابه ولا بمشاركته مع احد)) ((140)) .
وقـد ذكـر السيد المرتضى حديث ابي الاسود مع الامام (ع ) وكيف تنبا ابو الاسود بنتيجة التحكيم قبل نهاية المسرحية , وان ابا موسى لا يصلح لهذه المهمة , وطلبه ان يقوم هوبهذه المهمة , وهي كلها دلائل تـشـير الى مدى وعيه للحوادث ((وقد روي ان ابا الاسودطلب ان يكون في الحكومة وقال لامـير المؤمنين في وقت الحكمين : يا امير المؤمنين , لاترض بابي موسى , فاني قد عجمت الرجل وبـلوته فحلبت اشطره , فوجدته قريب القعرمع انه يمان , وما ادري ما يبلغ نصحه , فابعثني فانه لا يـحـل عـقـدة الا عـقـدت له اشد منها,وانهم قد رموك بحجر الارض فان قيل : انه لا صحبة لي , فـاجـعـلـنـي ثـانـي اثـنـيـن , فـلـيـس صـاحبهم الا من تعرف , وكان في الخلاف عليهم كالنجم , فـابـى (ع ))) ((141)) , ولـكـن بـنـقـل غـيـره ان الامـام (ع ) قـبـل ابا الاسود ولكن اصحابه رفضوه ((142)) .
ويـشير لذلك ابو الاسود نفسه لما وفد على معاوية ((انه سال منه ـ ابي الاسود ـ معاوية يوما: اني سـمـعت انك ذكرت لحكومة حرب صفين , قال : نعم , قال معاوية : لو كنت تجعل حكما ما كنت تفعل ؟ قـال : كـنـت اقـول لـهم : يا معشر الحاضرين من الانصار والمهاجرين اينا احق بالخلافة , رجل من المهاجرين ام رجل من الطلقاء الذين اسره المسلمون حال الكفر ثم اطلقوه ؟ فلما قال ذلك لعنه معاوية , وقـال : الـحـمـد للّه الذي كفاني شرك )) ((143)) ,وذكرت هذه الرواية مع شي ء من التغيير في مصادر اخرى : ((قـال مـعـاوية لابي الاسود لما وفد عليه حين بويع : انت القائل لعلي بن ابي طالب اجعلني حكما؟ فـواللّه مـا انـت هناك . انك لفي المحاورة عي بالجواب فكيف كنت صانعا؟ قال : كنت انظر رهطا من الـمـهاجرين ورهطا من الانصار فاقول لهم : اناشدكم اللّه هل المهاجرون احق بالخلافة ام الطلقاء؟ فـقـال لـه مـعـاويـة : اقسمت عليك لاتذكر هذا الحديث ما عشت ,ثم قال : قاتله اللّه لقد خلعني خلع الوصيف )) ((144)) .
وفي حياة الحيوان : ((انه , دخل يوما على معاوية , وروي انه التمس من علي (ع ) ان يكون شريكا مع الحكمين ولكن اهل الباطل لم يرضوا به ولا بمشاركته مع احد)) ((145)) .
ولـكـن هـذه الـروايـات وان دلت على نشاط سياسي فحسب , فهي لا تعني ان ابا الاسود لم يشارك عـسـكـريـا فـي الـحربين , بل من المفترض ان يشارك مادام قد ذهب لذلك , ففي الشعروالشعراء: ((وشـهـد مـع عـلـي بـن ابـي طالب 2 صفين )) ((146)) وفي سفينة البحار: ((وشهد معه ـ مع الامـام (ع ) ـ وقـعـة صـفـين )) ((147)) وفي التعليقة على اختيار معرفة الرجال نقلا عن جامع الاصول : ((شهد مع علي بن ابي طالب صفين )) ((148)) .
3 ـ حرب الخوارج : وقد شارك ابو الاسود ايضا في محاربة الخوارج الذين ظهروا بعدصفين , ففي الـكـامل : ((واما خوارج البصرة فانهم اجتمعوا في خمسمائة رجل وجعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي فعلم بهم ابن عباس , فاتبعهم ابا الاسود الدؤلي , فلحقهم بالجسرالاكبر فتوافقوا حتى حجز بينهم الليل )) ((149)) .
وفـي دائرة المعارف الاسلامية : ((وكان ـ ابو الاسود ـ على راس الجيش الذي ارسله ابن العباس لـقـتـال الـخـوارج , وكـذلك حضر مع علي وقعة صفين )) ((150)) وهذا مما يدل على مشاركته العسكرية في الحرب .
وهـكذا نرى حياة ابي الاسود في زمن خلافة الامام (ع ) اكثر نشاطا, حياة حافلة بالنشاط الفكري والاداري والحربي والسياسي , ولعل هذه الفترة من حياته هي الاكثروضوحا في التاريخ .
وذكـر فـي الاغـانـي : ((اتـى ابـا الاسـود الـدؤلـي نـعي امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع ) وبيعة الحسن (ع ), فقام على المنبر فخطب الناس ونعى لهم عليا(ع ) فقال في خطبته : ((وان رجـلا مـن اعـداء اللّه الـمارقة عن دينه اغتال امير المؤمنين عليا كرم اللّه وجهه ومثواه فـي مـسـجده وهو خارج لتهجده في ليلة يرجى فيها مصادفة ليلة القدر, فقتله , فياللّه هو من قتيل , واكرم به وبمقتله وروحه من روح عرجت الى اللّه تعالى بالبر والتقى والايمان والاحسان , لقد اطفا مـنه نور اللّه في ارضه لا يبين بعده ابدا, وهدم ركنا من اركان اللّه تعالى لا يشاد مثله , فانا للّه وانا الـيه راجعون , وعند اللّه نحتسب مصيبتنا بامير المؤمنين ,وعليه سلام اللّه يوم ولد ويوم قتل ويوم يبعث حيا, ثم بكى حتى اختلفت اضلاعه , ثم قال : وقد اوصى بالامامة بعده الى ابن رسول اللّه6 وابنه وسليله وشبيهه في خلقه وهديه , واني لارجو ان يجبر اللّه به ما وهي ويسد به ما انثلم , ويجمع به الشمل ويطفى به نيران الفتنة , فبايعوه ترشدوا.
فبايعت الشيعه كلها, وتوقف ناس ممن كان يرى راي العثمانية ولم يظهروا انفسهم بذلك ,وهربوا الى مـعـاويـة مع رسول دسه اليهم يعلمه ان الحسن (ع ) قد راسله في الصلح ,ويدعوه الى اخذ البيعة له بالبصرة ويعده ويمنيه )).
اذا فقد حاول معاوية خداع ابي الاسود بهذه الحيلة , ولكن ابا الاسود لم يخدع بذلك وقال :

الا ابلغ معاوية بن حرب ----- فلا قرت عيون الشامتينا

افي شهر الصيام فجعتمونا ----- بخير الناس طرا اجمعينا

قتلتم خير من ركب المطايا ----- وخيسها ومن ركب السفينا

ومن لبس النعال ومن حذاها ----- ومن قرا المثاني والمئينا

اذا استقبلت وجه ابي حسين ----- رايت البدر راق الناظرينا

لقد علمت قريش حيث حلت ----- بانك خيرها حسبا ودين ((151))

وهذه القصيدة طويلة ذكر فـي الاغـاني بعض ابياتها, بينما ذكر ابن شهرآشوب في كتابه ((مناقب آل ابي طالب )) ((152)) ابياتا اخرى منها, ولعلنا نشير اليها خلال هذه الدراسة فانها حافلة بولائه لاهل البيت : وبمعتقداته .
 

حياته بعد مقتل الامام (ع ):

وحينما قتل الامام (ع ) ((اعتزل العمل , بل عزل في عهد الامويين )) ((153)) لما يعرف من تشيعه ومواقفه تجاه معاوية ايام خلافة الامام (ع ), فكان لابد من عزله حين تبين للامويين عدم امكان ابتعاده عن الولاء لاهل البيت (ع ) بشتى وسائل الاغراءوالترهيب .
وخلال هذه الفترة ظل ابو الاسود ملتزما وفيا لولائه وتشيعه , وحين تسمح له الفرص يحاول نشر مـعتقداته ودفع الشبهات التي يثيرها الخصوم , ويحاول مناقشتهم بما يملكه من قوة بيان وسعة ثقافة وعمق في الفكر, ويعبر عن ذلك بالنثر تارة وبالشعر اخرى وسنشير الى انه خلال هذه الفترة ربما اسـتـعـمـل التقية والمرونة مع معارضي اهل البيت (ع ), وربما حضر مجالسهم وبيوتهم , ولكن لم يتنازل بذلك عن عقيدته وولائه وسنشير الى هذه الملاحظة التي تثير التساؤل في حياته .
وبـعـد ذلـك ((انقطع للعلم والفتيا وتبصير الناس في امور دينهم ودنياهم , وتعليم العربية ودقائقها والـضوابط النحوية التي وضعها, وعقد مجلسا لذلك في جامع البصرة )) ((154)) فكان يذهب الى ذلك الجامع رغم كبر سنه ومرضه ((وانصرف اليه بعض الناس يتعلمون )) ((155)) .
وهـذه الفترة من حياته ـ كما يبدو من التاريخ ـ حافلة بالنشاط الفكري والثقافي بعد ان جرد من كل منصب سياسي , فواصل بحوثه النحوية والادبية والدينية .
وخـلال هـذه الفترة كانت تدفعه الحاجة ـ او اي سبب آخر ـ الى ان يزور بعض الولاة , اويخرج للتكسب , كما زار خلالها معاوية وكانت له منزلة عنده مما حفز عمرو بن العاص آكما ينقل التاريخ ـ ان يـحـيـك له مؤامرة يزرع من خلالها الشكوك حول عقيدته وولائه في ذهن معاوية ليبعده عن الشام , وهي حكاية طويلة سنذكرها في فصل لاحق .
 

تشيعه :

صـرح بتشيعه كل من كتب عنه , سواء من الشيعة او من اهل السنة , ففي الانباء: ((وكان ابوالاسود من المتحققين بولاية امير المؤمنين علي بن ابي طالب ومحبته وصحبته ومحبة ولده )) ((156)) .
وقال ابو الفرج : ((وكان من وجوه الشيعة )) ((157)) .
وقـال الـصـدر: ((وذكـره عـلـمـاء الشيعة في اصحاب امير المؤمنين والحسن والحسين وعلي بـن الـحـسـيـن واثـنـوا عـلـيـه ثناءا حسنا)) ((158)) . وقال في تهذيب التهذيب ج12 ص 13: ((وكـان شاعرا متشيعا)). وفي خزانة الادب ج1 ص 136 ((وكان من وجوه شيعته ـ اي الامام ـ ))وفي طبقات الشعراء للجمحي ص 39 ((وكان علوي الراي )).
وقـد ذكـرنـا خـلال هذه الدراسة تصريح كثير من العلماء والمؤرخين بتشيعه , وهو لوضوحه لا يحتاج لدليل .
ولـم يـكـن ايـمـانـه بالتشيع ايمانا ساذجا او تقليديا, بل كان عن وعي وفهم للاسلام , وعن دراسة وتجربة , لذلك بقي ملتزما به حتى وفاته رغم التحديات التي واجهته في هذاالسبيل .
ولعل ايمانه بالتشيع بدا منذ بداية اسلامه , وربما اشار الى ذلك في قوله عن محبته لاهل البيت (ع ):

هوى اعطيته لما استدارت ----- رحى الاسلام لم يعدل سويا

ويـدل عـلى ايمانه الواعي بالتشيع تردد كثير من المعتقدات والافكار الشيعية في احاديثه وشعره , ونحن نشير الى بعضها:

1 ـ فـكـرة الـوصاية : حيث يعتقد ان الرسول (ص ) اوصى بالخلافة للامام علي (ع ) من بعده, وهذه الفكرة نراها تتردد على لسان ابي الاسود, فحينما ساله معاوية عن اصحاب النبي (ص ) حين اجتمع الـيـه في الشام ((فايهم كان اوثق عنده ؟ قال : من اوصى اليه من بعده )) ((159)) وكذلك قوله في محبته لاهل البيت (ع ):

احب محمدا حبا شديدا ----- وعباسا وحمزة و(الوصيا)

ويقول في قصيدته التي رثى فيها امير المؤمنين (ع ) في وصفه (ع ):

وكنا قبل مهلكه بخير ----- نرى فيه وصي المسلمينا

وكـذلـك يـعـتقد بالفكرة الشيعية التي تقول بان الامامة والخلافة تكون بوصاية الامام السابق للامام الـلاحـق وتـعـيـيـنـه , فـحين سمع بمقتل الامام (ع ) قام فخطب في البصرة , ودعاالى بيعة الامام الحسن (ع ) كما ذكرناها سابقا.
2 ـ اعتقاده بان التمسك باهل البيت (ع ) طريق الخلاص والفوز بالنعيم الاخروي .
ويؤكد هذا المعنى في قصيدته التي رثى بها الامام الحسن (ع ):

ساجعل نفسي لهم جنة ----- فلا تكثري لي من اللائمه

ارجي بذلك حوض الرسول ----- والفوز والنعمة الدائمه

لتهلك ان هلكت برة ----- وتخلص ان خلصت غانمه

ويـشـير لهذا المعنى في قوله حين ساله زياد عن حبه لعلي بن ابي طالب فقال : ((ان حب علي يزداد فـي قـلـبي كما يزداد حب معاوية في قلبك , فاني اريد اللّه والدار الاخرة بحبي عليا,وتريد الدنيا وزينتها بحبك معاوية )) ((160)) .
3 ـ افـضلية اهل البيت (ع ): ويشير الى هذا المعنى في احاديثه وشعره ومنها القصيدة التي رثى بها الامام عليا(ع ) وقد ذكرناها, ومنها:

ومن بعد النبي فخير نفس ----- ابو حسن وخير الصالحينا

لقد علمت (قريش ) حيث كانت ----- بانك (خيرهم ) حسبا ودينا

ولعل في قوله : ((لقد علمت قريش بانك خيرهم )) اشارة الى الفكرة القائلة بان الخلافة تختص في قريش , فيرشح للخلافة افضل شخص من قريش اسلاميا.
وهناك مؤشرات من شعره تدل على تشيعه وولائه لاهل البيت (ع ) وبراءته من خصومهم : فـحـول حـديث سد النبي (ص ) الابواب كلها الا باب علي في مسجد الرسول والاذن لهمابدخولهما جنبين , ولعل فيها اشارة الى العصمة , يقول :

هل ارض مسجده توطا منهم ----- من بعد ذاك سواهما جنبان

اذ ذاك اذهب كل رجس عنهم ----- ربي وطهرهم من الادران

اتراك في شك له من انه ----- للفضل خص بفتحه بابان ((161))

وله يرثي امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع ):

يا من بمقتله دهى الدهر ----- قد كان منك ومنهم امر

زعموا قتلت وعندهم عذر ----- كذبوا وقبرك ما لهم عذر

يا قبر سيدنا المجن سماحة ----- صلى عليك اللّه يا قبر

ماضر قبرا انت ساكنه ----- ان لا يمر بارضه القطر

واذا رقدت فانت منتبه ----- واذا انتبهت فوجهك البدر

واذا غضبت تصدعت فرقا ----- منك الجبال وخافك الذعر

يا ساكن القبر السلام على ----- من حال دون لقائه القبر

يا هاجري اذ جئت زائره ----- ما كان من عاداتك الهجر

واللّه لو بك لم ادع احدا ----- الا قتلت لفاتني الوتر ((162))

وقال يرثي الامام الحسين (ع ) ومن اصيب معه من بني هاشم :

اقول لعاذلتي مرة ----- وكانت على ودنا قائمه

اذا انت لم تبصري ما ارى ----- فبيني وانت له صارمه

الست ترين بني هاشم ----- قد افنتهم الفئة الظالمه

فلو كنت راسخة في الكتاب ----- وبالحرب خابرة عالمه

علمت بانهم معشر ----- لهم سبقت لعنة حاتمه

ساجعل نفسي لهم جنة ----- فلا تكثري لي من اللائمه

ارجي بذلك حوض الرسول ----- والفوز والنعمة الدائمه

لتهلك ان هلكت برة ----- وتخلص ان خلصت غانمه ((163))

وتنسب هذه الابيات لابي الاسود في رثاء شهداء اهل البيت في كربلاء:

ماذا تقولون ان قال النبي لكم ----- ماذا فعلتم وانتم آخر الامم

بعترتي وباهلي بعد مفتقدي ----- منهم اسارى ومنهم ضرجوا بدم

ان كان هذا جزائي اذ نصحت لكم ----- ان تخلفوني بسوء في ذوي رحمي ((164))

وقد نسبت هذه الابيات لغيره ايضا.
وعن التزامه بامامة الامام الحسن (ع ) بعد ابيه يقول في رثاء الامام علي (ع ):

فلا تشمت معاوية بن حرب ----- فان بقية الخلفاء فينا

واجمعنا الامارة عن تراض ----- الى ابن نبينا والى اخينا

فلا نعطي زمام الامر فينا ----- سواه الدهر آخر ما بقينا

ويـذكـر عـن الامـام (ع ) انـه اول مـن اسـلـم , وقد ذكر هذا الشعر في شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد:

وان عليا لكم مصحر ----- يماثله الاسد الاسود

اما انه اول العابدين ----- بمكة واللّه لا يعبد ((165))

وعن استعداده للتضحية في سبيل ولائه :

ولو انا سئلنا المال فيه ----- بذلنا المال فيه والبنينا

ويقول في رثاء شهداء كربلاء وتظهر فيها بعض معتقداته , ويحرض فيها على الاخذبثاره:

يا ناعي الدين الذي ينعى التقى ----- قم وانعه والبيت ذا الاستار

ابني علي آل بيت محمد ----- بالطف تقتلهم جفاة نزار

سبحان ذي العرش العلي مكانه ----- انى يكابره ذوو الاوزار

ابني قشير انني ادعوكم ----- للحق قبل ضلالة وخسار

قودوا الجياد لنصر آل محمد ----- ليكون سهمكم مع الانصار

كونوا لهم جننا وذودوا عنهم ----- اشياع كل منافق جبار

وتقدموا في سهمكم من هاشم ----- خير البرية في كتاب الباري ((166))

بهم اهتديتم فاكفروا ان شئتم ----- وهم الخيار وهم بنو الاخيار

وفي هجائه لخصوم اهل البيت (ع ) يقول في ما فعله ابن زياد بالامام الحسين (ع ) ((167)) .
اقول وذاك من جزع ووجد ----- ازال اللّه ملك بني زياد

وابعدهم بما غدروا وخانوا ----- كما بعدت ثمود قوم عاد

ولا رجعت ركائبهم اليهم ----- الى يوم القيامة والتناد

ومن شعره في بني امية ((168)):

صبغت امية بالدماء اكفنا ----- وطوت امية دوننا دنياها

وفي كتاب قاموس الرجال : وعن الزمخشري قال ابو الاسود:

امفندي في حب آل محمد ----- حجر بفيك فدع ملامك او زد

من لم يكن بحبهم متمسكا ----- فليعرفن بولادة لم ترشد ((169))

ويـشير بهذين البيتين الى احاديث عن الرسول (ص ) في هذا المعنى , وان حب اهل البيت (ع ) علامة على طيب الولادة وان بغضهم علامة رداءة الولادة . قال (ص ) في عترته :(لا يحبهم الا سعيد الجد طيب المولد, ولا يبغضهم الا شقي الجد ردي ء الولادة ) ((170)) .
ونـحن لو اردنا ان نستعرض احاديثه واشعاره التي تدل على مدى ايمانه ووعيه للتشيع ونستعرض مدلولاتها لضاق بنا المجال , لذلك نكتفي بهذه الشواهد.
ونـحن لا ندعي بان هذه الافكار والمعتقدات الشيعية التي وردت على لسان ابي الاسود آوامثاله ـ في تلك المرحلة قد بلغت المستوى الذي بلغته هذه الافكار والمعتقدات اليوم من التطور والعمق بعد جهود ائمتنا(ع ) والعلماء في تفسير هذه المعتقدات وتطويرهاوتعميقها, ولكن هذا لا ينافي ايمانهم الصلب والقوي بمثل هذه المعتقدات , بحيث يستعدون للتضحية في سبيلها بالمال والنفس والبنين .
 

معاناته في سبيل عقيدته :

وقـد جـره ولاؤه لاهـل البيت (ع ) كما هو شان اتباع اهل البيت (ع ) في تلك المرحلة الزمنية الى بـعض المصاعب والتحديات , من الاضطهاد والاهانة والفقر, من قبل عشيرته او من المجتمع او من الحكام , كما تعرض للاغراء ووسائل الخداع من اجل حرفه عن ولائه .
1 ـ الاضطهاد: فقد عانى الاضطهاد من اجل عقيدته .
ا ـ اضـطهاد العشيرة : فهؤلاء بنو قشير, وهم اخواله واصهاره : ((وكان ابو الاسود نازلافي بني قشير, وكانت بنو قشير عثمانية , وكانت امراته ام عوف منهم , فكانوا يؤذونه ويسبونه وينالون من علي (ع ) بحضرته ليغيظوه به , ويرمونه بالليل , فاذا اصبح قال لهم :اي جوار هذا؟ نرمك , انما رماك اللّه لسوء مذهبك وقبح دينك . فقال في ذلك :

يقول الارذلون بنو قشير ----- طوال الدهر لا تنسى عليا

فقلت لهم وكيف يكون تركي ----- من الاعمال مفروضا عليا

احب محمدا حبا شديدا ----- وعباسا وحمزة والوصيا

بني عم النبي واقربيه ----- احب الناس كلهم اليا

فان يك حبهم رشدا اصبه ----- ولست بمخطى ان كان غيا

هم اهل النصيحة غير شك ----- واهل مودتي ما دمت حيا

هوى اعطيته لما استدارت ----- رحى الاسلام لم يعدل سويا

احبهم لحب اللّه حتى ----- اجي ء اذا بعثت على هويا

رايت اللّه خالق كل شي ء ----- هداهم واجتبى منهم نبيا

ولم يخصص بها احدا سواهم ----- هنيئا ما اصطفاه لهم مريا

قـال : فقالت له بنو قشير: شككت يا ابا الاسود في صاحبك حيث تقول ((فان يك حبهم رشدا اصبه )) فـقـال : امـا سـمـعـتم قول اللّه عزوجل : (وانا او اياكم لعلى هدى او في ضلال مبين ) افترى اللّه عزوجل شك في نبيه ؟ ((171)) .
وفي وفيات الاعيان : ((وكان ينزل البصرة في بني قشير, وكانوا يرجمونه بالليل لمحبته علياكرم اللّه وجـهه , فاذا ذكر رجمهم قالوا: ان اللّه يرجمك , فيقول لهم : تكذبون , لو رجمني اللّه لاصابني , ولكنكم ترجمون ولا تصيبون )) ((172)) .
اذا فهم يضطهدونه لمذهبه .
ب ـ جـفـاء الاصدقاء: وكذلك لاقى جفاء الاصدقاء واضطهادهم بسبب عقيدته ((قال المدائني : كان لابـي الاسود صديق يقال له الحرث بن خليد وكان في شرف من العطاء,فقال لابي الاسود: ما يمنعك مـن طلب الديوان فان فيه غنى وخيرا, فقال ابو الاسود, قداغنانا اللّه عنه بالقناعة والتجمل , فقال : كلا ولكنك تتركه اقامة على محبة ابن ابي طالب وبغض هؤلاء القوم , وزاد الكلام بينهما, حتى اغلظ الحرث بن خليد, فهجره ابوالاسود)) ((173)) .
ج ـ اضـطـهـاد الـحكام : ((كان ابن عباس يكرم ابا الاسود الدؤلي لما كان عاملا لعلي بن ابي طالب ويقضي حوائجه , فلما ولي ابن عامر جفاه وابعده ومنعه حوائجه لما كان يعلمه من هواه في علي بن ابي طالب (ع ))) ((174)) .
وكذلك كان موقف زياد من ابي الاسود. يقول صاحب ((الاغاني )): ((فلما ادعى معاوية زيادا وولاه العراق كان ابو الاسود ياتيه فيساله حوائجه , فربما قضاها وربما منعها لمايعلمه من رايه وهواه في علي بن ابي طالب )) ((175)) .
وهـنـاك روايـة ربما سلطت بعض الضوء على موقف ابي الاسود بعد مقتل الامام (ع ),وحول موقف حـكام عصره منه ذكرها ابن عساكر فقال : ((قدم ابو الاسود على معاوية بعد مقتل علي رضي اللّه عـنـه , وقد استقامت لمعاوية البلاد, فادنى مجلسه واعظم جائزته ,فحسده عمرو بن العاص , فقدم على معاوية واستاذن عليه في غير وقت الاذن فاذن له ,فقال له معاوية : يا ابا عبداللّه , ما اعجلك قبل وقت الاذن ؟ فـقـال : يا امير المؤمنين , اتيتك لامر قد اوجعني وارقني وغاظني , وهو من بعد ذلك نصيحة لامير المؤمنين .
قال : وما ذاك يا عمرو؟ قـال : يـا امـيـر المؤمنين , ان ابا الاسود رجل مفوه , له عقل وادب , من مثله الكلام يذكر, وقداذاع بـمصرك من الذكر لعلي والبغض لعدوه , وقد خشيت عليك ان يترى في ذلك حتى يؤخذ لعنقك , وقد رايـت ان ترسل اليه وترهبه وترعبه وتسبره وتخبره , فانك من مسالته على احدى خبرتين , اما ان يبدي لك صفحته فتعرف مقالته , واما ان يستقبلك فيقول ماليس من رايه , فيحتمل ذلك عنه , فيكون لك في ذلك عاقبة صلاح ان شاء اللّه تعالى .
فـقـال لـه معاوية : اني امرؤ واللّه لقلما تركت رايا لراي امرى قط الا كنت فيه بين ان ارى مااكره وبـيـن بين , ولكن ان ارسلت اليه فسالته , فخرج من مساءلتي بامر لا اجد عليه مقدماويملاني غيظا لـمعرفتي بما يريد, وان الامر فيه ان يقبل ما ابدى من لفظه , فليس لنا ان نشرح عن صدره وندع ما وراء ذلك يذهب جانبا.
فقال عمرو: انا صاحبك يوم رفع المصاحف بصفين , وقد عرفت رايي , ولست ارى خلافي , وما آلوك خيرا, فارسل اليه ولا تفرش مهاد العجز فتتخذه وطيئا.
فـارسـل مـعـاوية الى ابي الاسود, فجاءه حتى دخل عليه فكان ثالثا, فرحب به معاوية ,وقال : يا ابا الاسـود, خـلوت انا وعمرو فتناجزنا في اصحاب محمد(ص ), وقد احببت ان اكون من رايك على يقين .
قال : سل يا امير المؤمنين عما بدا لك .
فقال : يا ابا الاسود, ايهم كان احب الى الرسول (ص )؟ فقال : اشدهم كان حبا لرسول اللّه (ص ), واوقاهم له بنفسه .
فـنظر معاوية الى عمرو, وحرك راسه ثم تمادى في مسالته فقال : يا ابا الاسود, فايهم كان افضلهم عندك ؟ قال : اتقاهم لربه , واشدهم خوفا لدينه .
فاغتاظ معاوية على عمرو, ثم قال : يا ابا الاسود, فايهم كان اعلم ؟ قال : اقولهم للصواب , وافضلهم للخطاب .
قال : يا ابا الاسود, فايهم كان اشجع ؟ قال : اعظمهم بلاء, واحسنهم عناء, واصبرهم على اللقاء.
قال : فايهم كان اوثق عنده ؟ قال : من اوصى اليه فيما بعده .
قال : فايهم كان للنبي صديقا؟ قال : اولهم به تصديقا.
فاقبل معاوية على عمرو وقال : لا جزاك اللّه خيرا, هل تستطيع ان ترد مما قال شيئا؟ فقال ابو الاسود: اني قد عرفت من اين اتيت فهل تاذن لي فيه ؟ فقال : نعم , فقل ما بدا لك .
فـقـال : يا امير المؤمنين , ان هذا الذي ترى هجا رسول اللّه بابيات من الشعر, فقال رسول اللّه : اللهم انـي لا احـسـن ان اقـول الـشعر فالعن عمرا بكل بيت لعنة , افتراه بعد هذا نائلافلاحا او مدركا رباحا؟ الـجـنـان , مـسـتشعرا للاستكانة , مقارنا للذل والمهانة , غيرولوج فيما بين الرجال , ولا ناظر في تسطير المقال , ان قالت الرجال اصغى , وان قامت الكرام اقعى , متعيص لدينه لعظيم دينه , غير ناظر في ابهة الكرام , ولا منازع لهم , ثم لم يزل في دجنة ظلماء مع قلة حياء, يعامل الناس بالمكر والخداع , والمكر والخداع في النار.
فـقـال عـمـرو: يـا اخـا بـني الدئل , واللّه انك لانت الذليل العليل , ولولا ما تمت به من حسب كنانة لاختطفتك من حولك اختطاف الاجدل الحدية , غير انك بهم تطول , وبهم تصول ,فلقد استطبق مع هذا لسانا قوالا, سيصير عليك وبالا, وايم اللّه انك لاعدى الناس لاميرالمؤمنين قديما وحديثا, وما كنت قـط بـاشـد عـداوة له منك الساعة , وانك لتوالي عدوه وتعادي وليه , وتبغيه الغوائل , ولئن اطاعني ليقطعن عنه لسانك , وليخرجن من راسك شيطانك , فانت العدو المطرق له اطراق الافعوان في اصل الشجرة .
فتكلم معاوية فقال : يا ابا الاسود, اغرقت في النزع ولم تدع رجعة لصلحك . وقال لعمرو:فلم تغرق كـمـا اغـرقت ولم تبلغ ما بلغت , غير انه كان منه الابتداء والاعتداء, والباغي اظلم , والثالث احلم , فانصرفا عن هذا القول الى غيره وقوما غير مطرودين .
فقام عمرو وهو يقول :

لعمري لقد اعيى القرون التي مضت ----- لغش ثوى بين الفؤاد كمين

وقام ابو الاسود وهو يقول :

الا ان عمرا رام ليث خفية ----- وكيف ينال الذئب ليث عرين

فـانصرفا الى منازلهما, وذاع حديثهما في البلاد, فبينما ابو الاسود في بعض الطريق لقيه شاب من كلب يقال له كليب بن مالك , شديد البغض لعلي واصحابه , شديد الحب لمعاوية واصحابه , فقال له : يا ابا الاسود, انت المنازع عمرا امس بين يدي امير المؤمنين ؟اما واللّه لو شهدتك لاعرقت جبينك . فقال لـه ابـو الاسـود: من انت يابن اخي الذي بلغ ‌خطرك كل هذا؟ وممن انت ؟ قال : انا ممن لا ينكر, انا امـرؤ مـن قـضاعة , ثم من كلب , ثم اناكليب بن مالك . فقال ابو الاسود: اراك كلبا من كلب , ولا ارى للكلب شيئا, اذا هو نبح افضل من ان يقطع باخسا فاخسا ثم اخسا كلبا فانصرف وخلاه )) ((176)) .
 

الاغراء:

وتـعـرض ايـضـا الى اساليب الاغراء والخداع لحرفه عن ولائه , فقد ذكر في الروضات آوهي مـذكـورة في ربيع الابرار ومحاضرات الراغب ـ : ((بعث معاوية لابي الاسود هدايافيها حلوى , فـنـظـرت الـيها بنت ابي الاسود فقالت لابيها: من اين هذه الهدية ؟ فقال : بعث بها معاوية يخدعنا عن ديننا, فقالت :

ابالشهد المزعفر يابن هند ----- نبيع عليك احسابا ودينا

معاذ اللّه كيف يكون هذا ----- ومولانا امير المؤمنينا177"> ((177))

وقد ذكرنا سابقا محاولة معاوية خداع ابي الاسود بعد مقتل الامام علي (ع ) حيث ارسل اليه رسولا يـخـبـره ان الامـام الحسن (ع ) صالحه ولكن ابا الاسود لم يخدع بذلك ولا باغرائه بالمال من اجل التخلي عن ولائه .
اذا فلم يخضع ابو الاسود للاغراء كما لم يستسلم للاضطهاد, بل ظل مواليا لاهل البيت (ع )ملتزما بولائه حتى توفي .
 

درجته في عقيدته :

يـذكـر بـعض مترجميه انه كان ذا دين , ويظهر من شعره انه كان تقيا وملتزما بالاحكام الدينية في اعماله , فيقول :

واني ليثنيني عن الجهل والخنا ----- وعن شتم ذي القربى خلائق اربع

حياء واسلام وتقوى وانني ----- كريم ومثلي قد يضر وينفع

ويقول ايضا:

فاني امرؤ اخشى الهي واتقي ----- معادي وقد جربت مالم تجرب

ويقول ايضا:

توكل وحمل امرك اللّه انما ----- تراد به آتيك فاقنع بذي الفضل

ويقول ايضا:

واذا طلبت من الحوائج حاجة ----- فادع الاله واحسن الاعمالا

فليعطينك ما اراد بقدرة ----- فهو اللطيف لما اراد فعالا

ان العباد وشانهم وامورهم ----- بيد الاله يقلب الاحوالا

وغيرها من اشعاره .
ولـكـن ربـمـا يـؤخـذ على ابي الاسود مواقفه من بعض حكام عصره الذين لا يؤمن بهم ,حيث كان يزورهم ويحضر مجالسهم ويطلب بعض الحوائج منهم , مما لم يفعله اتباع اهل البيت (ع ) المخلصين المضحين الذين كافحوا السلطات الحاكمة الجائرة بكل صلابة وثبات ,وطاردتهم واستشهد اكثرهم آنذاك , حيث يذكر لابي الاسود في التاريخ كثير من هذه الزيارات واللقاءات والحكايات , كما يذكر امثال ذلك في كتاب ((الاغاني )) فكيف نفسرذلك ؟ ربـمـا نـفسر ذلك بالتقية , او عدم ارتفاع درجته لمستوى اولئك الافذاذ, ولعله لذلك عد آفي كتب رجال الشيعة ـ من الممدوحين لا من الثقات , وربما كانت هناك اسباب دفعته لمثل هذه المواقف , امثال التعبير عن معتقدات اهل البيت (ع ) ومناقشة خصومهم , لذلك تجنب اسلوب العنف والشدة , واستخدم اسـلـوب الـمـرونـة ليبعد عنه الخطر والشبهات , وقدرايناه في بعض لقاءاته ينشر معتقدات اهل البيت (ع ) ويناقش خصومهم , كحواره مع عمرو بن العاص في مجلس معاوية , ومما يدل على ذلك انه بـقـي ثـابـتـا على ولائه وعقيدته حتى آخر حياته لم ينحرف عنها رغم تعرضه لاساليب الترهيب والاغراء في هذاالسبيل , وكذلك حذر الحكام منه , وعدم اسناد المناصب الحكومية له بالرغم من انه كان يملك المؤهلات لذلك ((178)) .
وامـا قـيـامـه ببعض الانشطة الثقافية والفكرية في ظل الحكومات الجائرة فهذا مما ليس فيه دعم لسلطانهم وجورهم , وانما كان فيه دعم للفكر الاسلامي والقرآن الكريم , كاعراب المصحف وتعليم النحو ونشره , ويدل على ذلك اقوال علمائنا في مدحه وانه من وجوه اتباع اهل البيت (ع ) واعيانهم ومن اصحاب الائمة (ع ) مما يدل على عدم تنازله عن عقيدته وولائه حتى آخر حياته .
وامـا عـدم مـشـاركته في الانتفاضات الشيعية آنذاك كثورة الامام الحسين (ع ) وحركات التوابين , فـالـسبب في ذلك شيخوخته واصابته بمرض الفالج الذي اقعده عن النهوض لذلك , والا فانه كان قد شارك في معارك امير المؤمنين (ع ), وكان يعد من الفرسان , فلم يكن متهربا من الواجب الديني لو كان مفروضا عليه , وربما كانت بعض هذه الحكايات كاذبة موضوعة يقصد بها تشويه سمعته , او تطييب المجالس كما هو الشان في الحكايات التي تنسب وتحاك حول كثير من ذوي الاهمية .
فـالـحـق انـنـا لا يـمكن ان ننكر ثباته على ولائه لاهل البيت (ع ) وعدم تنازله في عقيدته لارادة الـخصوم , ودفاعه عن ولائه , ويدل على ذلك مدح علمائنا له وثناؤهم عليه ,وصحبته للائمة (ع ), والشواهد التي ذكرناها خلال هذه الدراسة .

ومما ذكرناه خلال دراستنا لولاء ابي الاسود لاهل البيت (ع ) ومواقفه في هذا السبيل ,وسيرته بعد شـهـادة الامـام (ع ), يـظـهر عدم صحة ما ذكره الدكتور الدجني تعليقا على الرواية التي ذكرناها وغـيـرها من الروايات التي دافع فيها ابو الاسود عن ولائه لاهل البيت (ع ) ومبادئهم , قال : (واذا تـحـقـقـنا في هذه الروايات نجد ان الشك يحيط بها, وخاصة في الرواية التي فيها لقاء معاوية وابي الاسود مع عمرو بن العاص لانه لا يستطيع ابوالاسود مهاجمة معاوية في وجهه , او اظهار عداوة لـصـديـقـه عـمـرو بن العاص , وربما تم اللقاء ولم يكن على هذه الصورة , وجاء احد كتاب الشيعة وصـاغـها على هذه الشاكلة ) ((179)) .

ولكن الملاحظ ان غير الشيعة ذكروها في كتبهم كما ان غـيـر ابـي الاسـودمـن الـموالين للامام (ع ) واجهوا معاوية امامه بامثال هذه الاحاديث كما يذكر ذلك المؤرخون , ثم قال الدكتور الدجني (واما الذي نستطيع قوله في هذا الشان ان ابا الاسودضعفت شـخصيته في عهد بني امية وآلمه حكمهم ولكن اراد ان يعيش , وكان كبير السن ,وفي عهد معاوية كـان فـي العقد السابع من عمره ) ((180)) .

ولكن هذه تصورات من لم يدرك واقع الولاء والموالين الحقيقيين لاهل البيت (ع ), ولم يتعرف على حقيقة خصائصهم ,ومبادئهم التي تمثل طريق الفلاح في الـدنيا والاخرة , كما يعبر عن هذه المعرفة والولاءاحاديث ابي الاسود وشعره ومواقفه , ولو كان يـريـد ان يعيش لاسندوا اليه المناصب , في مقابل التنازل عن مبادئه والانقياد لاساليبهم في محاربة اهـل البيت (ع ), لما يعرفونه من كفاءاته , وخاصة بعد ان صار اكثر تجربة في الحياة , ولكنهم كانوا يخشونه لما كانوا يعرفونه عن ماضيه الجهادي والولائي , وعدم تنازله عن مبادئه وولائه , كما عبر عـن هـذه الـحـقـيقة بعض الولاة لما كانوا يعلمونه من هواه لعلي بن ابي طالب (ع ) وقد مر ذكره , الـتي تحاول العودة الى الامة الاسلامية , كما ظهر ذلك فعلا في ثورة الامام الحسين (ع ) وحركات 7ت جين , التوابين وسائر الانتفاضات الاخرى التي ادت الى الاطاحة بالحكم الاموي .
ومما يشهد لبقاء ابي الاسود على ولائه لاهل البيت (ع ), واحتفاظه بتلك الدرجة من الولاء التي كان عـلـيـهـا سابقا, في زمان خلافة الامام (ع ) قصيدته التي نظمها في رثاء الامام الحسين (ع ) وشهداء كربلاء, وقد نظمها في اواخر حياته , ويحرض فيها على الاخذ بثاره ,وقد مر ذكرها.
 

ـــــــــــــ هوامش ـــــــــــــ


 

132- انـظـر: انـبـاء الـرواة , وتـهـذيـب الـتـهذيب , وبغية الوعاة , ووفيات الاعيان , والمعارف لابن قتيبة ,وغيرها.

133- تهذيب ابن عساكر (ع ) / 104.

134- الكامل 3 / 211.

135- تاريخ الطبري 4 / 463.

136- دائرة المعارف الاسلامية 1 / (ع )30.

137- شـرح نـهج البلاغة 6 / 226, و 9 / 313, وذكر هذا الحديث في الغدير 9 / 106, نقلا عن الامامة والسياسة 1 / (ع )5, والعقد الفريد 2 / 8(ع )2.

138- شرح ابن ابي الحديد 1 / 249.

139- تاريخ الاسلام : ج5 / ص 6(ع )2.

140- روضات الجنات 4 / 169.

141- امالي السيد المرتضى 1 / 212.

142- ابو الاسود الدؤلي ونشاة النحو العربي / ص (ع )11.

143- وقد ذكرت هذه الرواية في امالي السيد المرتضى 1 / 212.

144- تاريخ ابن عساكر (ع ) / (ع )10.

145- روضات الجنات 4 / 168.

146- الشعر والشعراء 2 / 615.

147- سفينة البحار 1 / 669.

148- اختيار معرفة الرجال 2 / 5(ع )4.

149- الكامل لابن الاثير 3 / 338.

150- دائرة المعارف الاسلامية 1 / (ع )30.

151- الاغاني 11 / 299, وذكرت القصيدة في اكثر المصادر التي ترجمت له .

152- مناقب آل ابي طالب 3 / (ع )9.

153- كمال ابراهيم , مجلة البلاغ , العدد العاشر, ص 34.

154- كمال ابراهيم , مجلة البلاغ , العدد العاشر, ص 34.

155- المصدر السابق .

156- انباء الرواة 1 / 50.

157- الاغاني 11 / 188, وتاريخ الاسلام للذهبي ج5 / ص 6(ع )2.

158- تاسيس الشيعة : 46.

159- تاريخ ابن عساكر (ع ) / 105. ويشير بهذا البيت وغيره الى وصية رسول (ص ) بالخلافة من بعده للامام (ع ), وقد اكد الرسول (ص ) على خلافة الامام (ع ) من بعده في مواقف كثيرة اشهرها في غدير خم ,وحديث الغدير متواتر. يلاحظ الجزء الاول من الغدير فانه قد خصصه الشيخ الاميني لـحديث الغدير,وذكر له مصادر كثيرة من اهل السنة , وانشد حسان بن ثابت في ذلك اليوم قصيدته التي منها:

فقال له قم يا علي فانني ـــــ رضيتك من بعدي اماما وهاديا

160- روضـات الـجـنات 4 / 169. ولعله يشير في الابيات المذكورة الى روايات كثيرة في هذا المعنى منها:ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه ج 14 ص 321, (عن ام سلمة قالت : سمعت رسول اللّه (ص ) يـقـول :((علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض )). ونقل هذا الـحـديـث كثيرون . يلاحظمصادره في الغدير ج3 ص (ع )(ع )1, وقال (ص ): ((علي احبهم الي واحـبهم الى اللّه )) تاريخ الخطيب ج1 / 160. وقال (ص ) في الامام علي (ع ): ((لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق )) ذكرته مصادركثيرة . راجع الغدير 3 / 184.

161- مـنـاقـب آل ابـي طـالب 2 / 40, ويلاحظ حديث سد الابواب في مسند احمد بن حنبل 4 / 369,والـغـديـر 3 / 202 حـيث نقل مصادر كثيرة لهذا الحديث , ويشير في البيت الثاني الى آية الـتـطـهير (انمايريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ) حيث نزلت في فاطمة وعلي والحسن والحسين (ع ), ويدل على ذلك الكثير من الاحاديث في مختلف المصادر امثال تفسير الدر المنثور 5 / 198, والـمـسـتـدرك لـلـحاكم 3 / 146, وصحيح مسلم (ع ) / 130, وغيرها, وهي تدل على عـصمتهم . لاحظ في هذاالمجال كتاب (الاصول العامة ) للسيد محمد تقي الحكيم فانه بحث عن هذه الاية بحثا قيماص 149.

162- اعيان الشيعة (ع ) / 404.

163- انباء الرواة 1 / 54.

164- مناقب آل ابي طالب 3 / 262.

165- يشير في هذا البيت الى ان الامام (ع ) هو اول من اسلم واول من آمن , وتدل على ذلك احاديث كـثـيـرة .لاحـظ كنز العمال 6 / 13, والغدير 3 / 95, حيث ينقل مصادر اخرى وكذلك يلاحظ الغدير ايضا 3 /220.

166- يـشير بذلك الى ان خير البرية في سورة البينة , هم علي (ع ) واهل بيته وشيعته , ففي الدر المنثور عن جابر بن عبداللّه قال : كنا عند النبي (ص ) فاقبل علي فقال النبي (ص ): والذي نفسي بيده ان هـذا وشـيعته لهم الفائزون يوم القيامة ونزلت (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير الـبـرية ) فكان اصحاب النبي (ص ) اذا اقبل علي قالوا: جاء خير البرية . وفي المجمع عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس في قوله : (هم خير البرية ) قال : نزلت في علي واهل بيته , راجع تفسير الميزان 20 / 341.

167- مروج الذهب 3 / 68.

168- وفيات الاعيان 1 / 538 .

169- قـامـوس الـرجال 5 / 2(ع )1 , هكذا في المصدر واظن ان الصحيح عروضيا (من لم يكن بولائهم ).

170- الرياض النظرة 2 / 189 , الغدير 3 / 26 .

171- الاغاني 11 / 221 , وانباء الرواة 1 / 52 , وذكرها السيد المرتضى في الامالي 1 / 213 .

172- وفيات الاعيان 1 / 535 .

173- الاغاني 11 / 223 , و 226.

174- الاغاني 11 / (ع )21.

175- الاغاني 11 / 212.

176- تاريخ ابن عساكر (ع ) / 104, وقد ذكرها الشيخ الاميني في الغدير 2 / 146.

177- روضات الجنات 4 / 168.

178- ذكرنا بعض الشواهد على ذلك في موضوع : معاناته في سبيل عقيدته .

179- ابو الاسود الدؤلي ونشاة النحو العربي ص (ع )12.

180- المصدر السابق .