مع الاعتراض الرابع:

ونناقش فيه مشكلة اختلاف الروايات , في سبب الوضع , وفي الشكل اللفظي للروايات , وفي الواضع .

1 ـ الاختلاف في سبب الوضع : عـرفنا سابقا مدى شيوع اللحن , ومدى خطره الديني واللغوي , وكان الامام (ع ) قد اطلع على بعض مـضـاعـفات ومظاهر هذا الوباء على الالسنة ,كما ان ابا الاسود كان يلمس بين آونة واخرى مدى انـتـشار اللحن بين المسلمين نظرا لثقافته اللغوية واحساسه باللحن وتفكيره الدائم في هذاالمجال , وكـان يـرى شواهد كثيرة للحن بين الناس , وكان ينقل بعض هذه الشواهد والمؤشرات للامام (ع ) كما درسنا ذلك . اذا فـالسبب الذي دعا الى وضع النحو هو (انتشار اللحن), ولا يمكن ان يكون اللحن منتشرا الا اذا كانت هناك مؤشرات وشواهد عديدة تعبر عن هذا الانتشار, اما اذا كان هناك شاهد واحد للحن ـ او شاهدان ـ فلا تدفع مثل هذه الضالة الامام (ع ) او ابا الاسود لوضع النحو, لانه حينئذ لا يشكل حافزا قويا فاعلا لوضعه , فاذا ادركنا ذلك عرفنا لماذا تعددت الاسباب لوضع النحو. يـقول عبد الرحمن السيد: ((.. لانه اذا كان السبب في التفكير في هذا العلم خطا واحد فقد نتساءل : لقد سبق هذا الخطا باخطاء اخرى نبه اليها, وعيب بها قائلوها, فلم لم يدفع واحد منها الى وضع هذا الـعـلم ؟ الـى تـعـدد الاسـباب والاخطاء, وان هذا التعدد في الخطا والتنوع فيه هو الذي حفز الهمة وقوى الـرغـبـة في محاولة التخلص منه ))" ((342)) فكانت هناك اخطاءنحوية قليلة صدرت قبل هذه الـفترة , ولكنها لم تحفز على التفكير في وضع النحو, وذلك لقلتها وضالتها, وانما بدا التفكير حينما اتسعت ظاهرة اللحن آللعوامل التي ذكرناها سابقا, والتي كانت تشجع على هذا الانتشاروالاتساع ـ وخوفا من تزايد هذه الظاهرة في المستقبل بحيث يصعب علاجها.

2 ـ الاختلاف في متون النصوص : كما نرى ذلك في بعض الروايات الواردة في هذا المجال , ولكننا نلاحظ ان هذاالاختلاف لا يقتصر عـلـيـهـا فحسب , بل نراه ايضا حتى في الاحاديث النبوية الشريفة مع وجود حوافز اقوى واكثر لـحـفظها وعدم اهمالها ونسيانها, كل ذلك لاجل عدم وجود التدوين وتاخر الكتابة , والاعتماد على الـذاكـرة فـي حفظها, والنقل بالمعنى للاحاديث لا نقل اللفظ وهذه الحالة تفرض هذاالاختلاف في المتن والشكل ولو بصورة جزئية لا تؤدي الى الاختلاف الكبير في المعنى والمضمون .

3 ـ الاختلاف في الواضع : فـان بعض الروايات ـ كما راينا ـ تدل على ان ابا الاسود هو الذي وضع النحو, بينما البعض الاخر منها يدل على وضعه النحو بتوجيه من الامام (ع )بعد ان وضع له بعض القواعد الاساسية ليسير على ضوئها, اذا فكيف نجمع بين هذه الروايات المختلفة ؟

1 ـ ولكن ـ وكما لاحظنا في فصل سابق ـ فان الروايات والادلة لم تجمع على ابي الاسود فحسب , بل ان اكثر الروايات ـ وتقرب من الاجماع ـ تنسب وضع النحو للامام (ع ), وانه تلا بعض القواعد الـرئيـسـيـة عـلـى ابـي الاسودواشار عليه ان يواصل البحث من خلالها, فوسع فيها ابو الاسود واضـاف الـيـها قواعد وآراء اخرى اكتشفها من خلال بحوثه وتجاربه في هذا المجال , اوكما يقول عـبـد الـرحـمن السيد: ((وهذه الروايات تكاد تجمع ايضا على ان اباالاسود وضع النحو بارشاد عـلـي(ع) وبعضها يروي ذلك على لسان ابي الاسود نفسه , وقلة منها تجعل ابا الاسود هو مبتكر هذا العلم ومبدعه دون ان يطلب اليه ذلك احد او يوجهه فيه موجه )) ((343)) .

فـاذا اعـترف ابو الاسود نفسه باخذه النحو من الامام (ع) واعترف بهذه النسبة نفس القائلين بوضع ابـي الاسـود لـلـنحو وهي اكثر بكثير من الروايات التي تنسب وضع النحو لابي الاسود بصورة مـستقلة , بل ربما قام الاجماع على ذلك . هذه المرجحات وغيرها ترجح الراي والروايات التي تدل على دور الامام (ع) في وضع النحو, بينما الروايات التي تعتبر ابا الاسود مستقلا في وضع النحو لا تملك مثل هذه المرجحات التي تملكها تلك الروايات التي تدل على دور الامام (ع) في وضع النحو.

2 ـ انـنـا لـو تتبعنا ((نهج البلاغة )) واحاديث الامام (ع ) في مختلف المجالات ,ومن خلال سيرته الـفـكرية والحياتية ـ بغض النظر عن مقدرة الامام المعصوم كما يؤمن بها الشيعة الامامية لراينا ان الامـام اوسع من ابي الاسودثقافة واطلاعا على لغة العرب , واكثر تركيزا ووعيا في شتى القضايا واكـثـرفـهـما واهتماما باحتياجات المسلمين , وبالحفاظ على القرآن الكريم والاحاديث الشريفة , فـعـنـدمـا ننسب النحو لابي الاسود فمن طريق اولى نسبته للامام (ع ) على اساس الخصائص التي يتميز بها الامام (ع ) فهو يملك اكثر المؤهلات التي تؤهله لوضع النحو, وليس هناك مانع يمنعه عن ذلك والروايات الكثيرة واجماع المؤرخين كلها تدل على وقوع هذه الحقيقة ايضا.

اذا فـلا يـمكن لنا ان ننكر دور الامام (ع ) في وضع النحو, كما لا يمكن ان ننكردور ابي الاسود ومشاركته في ذلك , فالراي الصائب ان نقول : ان الامام (ع )وضع بعض القواعد الرئيسية في النحو, وفـتح عيون ابي الاسود على هذاالعلم , ووجهه الى الطريق واكد عليه مواصلة البحث فيه , فاضاف ابوالاسود ـ على ضوء ذلك ـ ابواباً وقواعد اخرى للنحو, ووسع وطور ماوضعه الامام (ع ).

وعـلى هذا الاساس فان عملية الوضع قد شارك فيها الامام (ع ) وابو الاسود,وكان لكل منهما دوره الفاعل الخلا ق في هذا المجال , وبذلك يمكن الجمع والتوفيق بين هذه الروايات المتعارضة صوريا, فـلا حـاجـة الـى طـرح بـعـضـهـاوالالـتـزام بالبعض الاخر ما دام الجمع ممكنا اتباعا للقواعد والـمـقـايـيس المتبعة في مجال الروايات المتعارضة , حيث ان (الجمع مهما امكن اولى من الطرح ), فـذكـر الامـام بـعض القواعد العامة , وواصل ابو الاسود المسير في تفريعاتها وتطويرها واضافة ابواب لها بتوجيه من الامام (ع ) وتاكيد منه على ذلك , لانه تلميذه المتميز بالخبرة اللغوية , والذهنية الوقادة , كما ذكرناعن خصائصه فيما سبق .

ويـؤيـد الـدكتور الدجني نسبة وضع النحو لابي الاسود, ولكنه يشكك في نسبته للامام (ع ), ومن جملة ادلته في ذلك اضطراب الروايات الدالة على نسبة الوضع للامام (ع ).

ولـكـن اذا كـانـت الروايات مختلفة ومضطربة ـ بتعبير الدكتور الدجني ((344)) آحول وضع الامام (ع ) للنحو, فهي مختلفة ايضا حول ابي الاسود, وطريقة المعالجة لهذا الاختلاف واحدة , كما ذكـرنـاهـا, ثـم كـيـف يمكن لنا انكاروتكذيب هذه الروايات الكثيرة وآراء القدماء, والكثير منهم معاصرون لتلك الفترة , وبعضهم من غير الشيعة , التي تؤكد على نسبة وضع اصول النحو للامام (ع )؟

كما لم يمكن انكارها بالنسبة لابي الاسود. ومـا ذكره الدكتور الدجني من قوله : (ومن يدري لعل ابا الاسود نفسه هوالذي نسب ذلك الى الامام علي (ع ) ارضاء لنزعته الشيعية ) كيف يتلاءم مع ما ذكره من خصال ابي الاسود وصفاته , وهل يمكن لـلامـام (ع ) مـوافـقـة ابـي الاسـود وامـضـائه عـلـى ذلك , وهل يجوز انكار الحقائق التاريخية والـنصوص المسلمة , او التشكيك فيها بمثل هذه الاجتهادات والظنون , وعلى كل حال ففيما ذكرناه خـلال هـذه الـدراسة حول الامام (ع ) وفيما ذكره العلماء من مختلف المذاهب يكفي في مناقشة هذه الشبهة .

ولكن هناك من ينكر نسبة النحو للامام (ع ) على اعتبار ان الاخباروالروايات التي تثبت نسبة النحو لـلامـام (ع ) هي من وضع الشيعة الذين يحاولون نسبة كل علم لائمتهم (ع ) او اصحابهم , واتباعهم , فهي موضوعة لسبب مذهبي . فـيقول احمد امين : ((واخشى ان يكون ذلك من وضع بعض الشيعة الذين ارادوا ان ينسبوا كل شي ء الى علي واتباعه )) ((345)) . ويقول سعيد الافغاني : ((وفي النفس شي ء من نسبة الاولية في وضع النحووسائر العلوم لعلي بن ابي طالب )) ((346)) , ويقول الدكتور الدجني : (نحن نعلم ان الشيعة يتعصبون للامام علي , ويحاولون بكل وسيلة ان ينسبوا اليه كثيرامن العلوم والاحاديث وغير ذلك ) ((347)) .

ونناقش هذا الرأي:

1 ـ انـنـا لو نسبنا تهمة الوضع للروايات التي تنسب وضع النحو للامام (ع )لامكن لنا ان ننسب نفس التهمة للروايات التي تسنده لابي الاسود, اذ كان ابو الاسود ـ باعتراف الجميع ـ من اقطاب الشيعة وكـبـارهـم , اذا فـلـنـتـهـم هـذه الروايات بالوضع ايضا, بالاضافة الى ان ابا الاسود ادنى درجة مـن الامام (ع ) علميا وفكريا وادبيا ولغويا ـ وهما من عصر واحد ـ فتكون التهمة بالنسبة اليه اشد مـنـها بالنسبة للامام (ع ) لما يملكه الامام (ع ) من المؤهلات التي تفوق مؤهلات ابي الاسود في هذا المجال.

2 ـ ان الـروايـات التي تنسب وضع النحو للامام (ع ) اكثر رواتها ورجالها من غير الشيعة , واكثر الـمـصادر التي ذكرتها غير شيعية , بل اكثر من قال بنسبة النحو للامام (ع ) والتزم بهذا الراي من غـير الشيعة , فلو كان فيها اقل ريب اوشبهة لحاول الكثير الطعن فيها او اغفلها, مع محاولة الكثير الـتكتم او الطعن في الروايات الشيعية , فلا بد ان تكون هذه الفضيلة والنسبة قد بلغت حداكبيرا من الـشـيـوع والانتشار والواقعية بحيث لا يمكن للكثير اغفالها او الطعن فيها, وليس لهم الا التسليم لـلامـر الواقع , فذكرهم للروايات والاراء في كتبهم دليل على عدم وجود مغمز فيها, ودليل على وصـولـهـا الـى الـحد الذي لايقبل الطعن والزيف والوضع , يقول محمد الطنطاوي بعد ذكر موجة العداءللشيعة : ((فكيف يدعون امرا خطيرا كهذا يمضي على كر الزمان , ويخلد في بطون الاسفار, وهم احر الناس على الغض من شان العلويين وشيعتهم , ولاسيما في مثل هذا الشان ذي البال والاثر الخالد)) ((348)) ومراده من الامر هونسبة وضع النحو للامام (ع ) ولابي الاسود.

3 ـ ان الـشـيعة يدعون ان اكثر العلوم منسوبة لائمة اهل البيت (ع ) واتباعهم ,والحقائق التاريخية تـثـبـت ذلـك ولا يدعون ذلك جزافا بدون ادلة مقنعة وقوية , اذ تدل الروايات الصحيحة والحقائق التاريخية التي يذعن بها حتى مخالفيهم على نسبة اكثر العلوم اليهم ((349)) فلا يوجد هناك مبرر لاسـتثناءالنحو منها, وهناك عوامل كثيرة ادت الى نشاة اكثر العلوم على ايدي الشيعة ليس هنا مجال ذكـرهـا, ومـنـهـا ان الـشيعة تفرغوا اكثر للاعمال الفكرية والثقافية وبذل جهودهم في مثل هذه المجالات لاكثر من سبب دفعهم لذلك.

4 ـ وبـالاضـافـة لـذلك كله , ما ذكرناه في موضوع ((الاختلاف في الوضع )) من كثرة الروايات والاراء, ومـن دلالة ((نهج البلاغة )) وغيرها على ذلك , فمن الروايات ما ذكره الحافظ ابن كثير في ذيل تفسيره ((فضائل القرآن )) ص 15ـ طبع في ذيل المجلد الرابع ـ ((قد توجد مصاحف على الـوضع العثماني يقال انها بخط علي(ع) وفي ذلك نظر. قال في بعضها: (كتبه علي بن ابي طالب )وهذا لـحـن مـن الكلام , وعلي(ع) من ابعد الناس عن ذلك فانه كما هوالمشهور عنه هو اول من وضع علم الـنـحـو ـ فـيـما رواه عنه ابو الاسود ظالم بن عمرو الدؤلي ـ وانه قسم الكلام الى : اسم وفعل وحـرف , وذكـر اشـياء اخرتممها ابو الاسود بعده , ثم اخذ الناس عن ابي الاسود فوسعوه فصار عـلمامستقلا)) وهو يؤكد ما ذكرناه من الجمع بين الروايات المختلفة في هذا المجال ,وعن بدائية النحو الذي وضع . وقـال ابـن جني في الخصائص 2 / 8 ـ الطبعة الحديثة , تحقيق محمد علي النجار ـ : ((وروي من حـديـث عـلي(ع) مع الاعرابي الذي اقراه المقرى (ان اللّه بري ء من المشركين ورسوله ) حتى قال الاعرابي : برئت من رسول اللّه فانكر ذلك علي (ع ) ورسم لابي الاسود من عمل النحو ما رسمه ما لا يجهل موضعه ...)).

وغيرها من الروايات التي ذكرنا بعضها في هذه الدراسة , وهناك كثير لم نذكره ـ يراجع في الكتب ـ كلها تؤكد على دور الامام (ع ) في وضع النحو. زمن الوضع ومكانه : يبقى هنا زمن اكتساب ابي الاسود النحو من الامام (ع ) ومكانه . هناك روايات عديدة تصرح بان ابا الاسود كان قد اخفى النحو حيث اكتسبه من الامام (ع ) بالاضافة الـى ان ((الـكـثـير من المؤرخين يشير الى انه حين اخذ العلم من الامام علي او وضعه من نفسه لم يخرجه الى احد)) ((350)) . ومـن ذلـك مـا قاله ابو عبيدة معمر بن المثنى ((اخذ ابو الاسود عن علي بن ابي طالب (ع ) العربية فـكـان لا يـخرج شيئا مما اخذه عن علي بن ابي طالب (ع )الى احد حتى بعث اليه زياد: اعمل شيئا تكون فيه اماما ينتفع الناس به )) ((351)) .

ونحن لا نستبعد هذا الراي لاننا نعلم ان ابا الاسود اكتسب النحو من الامام (ع ) حين جاء الامام (ع ) الـى الـعراق ـ كما ذكرت ذلك بعض الروايات التي ذكرنا قسما منها في فصول هذه الدراسة ـ ولا يـمـكـن ان يـكـون مـثـل هـذاالاكـتساب قد حصل حين كانا في المدينة , اذ اتصلت بوضع النحو بـعـض الـحوادث , كشيوع اللحن مثلا الذي كان منتشرا في العراق بعد انتشارالاجانب فيه وتوسع الـبـلاد الاسلامية واختلاطهم بالشعوب والثقافات الاخرى , بالاضافة الى انه ليس هناك من مبرر وسـبب يفرض التكتم على النحو واخفائه خلال هذه المدة من حين اكتسابه من الامام (ع ) حين كان في المدينة يتعلم ويدرس الثقافة الاسلامية على يد الامام (ع ) الى حين ولاية زياد في ايام معاوية .

 فـالـراي الـراجح هو ان ابا الاسود اكتسب القواعد الاساسية للنحو من الامام (ع ) حين مجيئه الى العراق , وبعد ان لمس انتشار اللحن وادرك اخطاره الكبيرة وخصوصا في المجال الديني . ولكن هناك عـوامـل كـثـيـرة ادت الـى اخـفائه ـ سنذكر بعضها في موضوع التنقيط ـ ولعل منها ظروف تلك الـمـرحلة المثيرة الصاخبة التي ادت الى عدم الاعلان عنه الى ان تهدا الاجواء, لان اباالاسود كان مـشاركا ايضا في شتى المهام والانشطة العسكرية والسياسية والاجتماعية في تلك المرحلة ـ كما ذكـرنـا ذلك في ترجمته ـ ولكن بعد شهادة الامام (ع ) في محراب مسجد الكوفة , وحين هدا الجو لابـي الاسـود ولـم تـعـدالحوادث والمناصب تستغرق اوقاته حينذاك ـ كما ذكرنا في ترجمته ـ تـفرغ الى البحث والدراسة واظهر ما اكتسبه من الامام (ع ) بعد الحاح الحاجة والضرورة الى ذلك , ولم يكتف بما اكتسبه من الامام (ع ) بل حاول التوسع فيه جهد طاقته وبما يملكه من فكر وثقافة . وقد ذهب الدكتور الدجني الى ان ابا الاسود وضع النحو في عهد الامام (ع ),ولكنه اظهره بعد ذلك . يـقول : (كان ابو الاسود قد عمل شيئا في النحو العربي في عهد الامام علي ولم يظهره الا في حالة اضـطـرارية عندما راى اللحن فاشيا ورغبة في تحقيق امل زياد بن ابيه ) ((352)) .

وما ذكره من تـاريـخ الوضع ,وتاريخ اظهاره لا يبعد صحته , الا اننا ذكرنا مناقشتنا له في رايه ان الواضع هو ابو الاسود وحده , كما ان ما ذكر من ان اظهاره كان بسبب الاستجابة لرغبة زياد بن ابيه , ليس صحيحا, فـان اظـهـاره كان بسبب تفشي اللحن ,ورفع الاجواء التي ذكرنا بعض ظروفها في موضوع تنقيط الـمـصـحف الشريف , ويؤيد ما ذكرناه ما ذكره السيد الامين (واراد زياد منه ـ اي ابي الاسود ـ ان يـكـتـب فـي ذلك ـ في النحو ـ كتابا فلم يقبل الى ان سمع قارئا يقرا:(ان اللّه بري ء من المشركين ورسوله بكسر لام رسوله ) فوضع كتابا في النحو وهو اول كتاب كتب ) ((353)) .

وحين كان يجلس في مسجد البصرة ويتردد عليه بعض طلاب الثقافة اوحين كان يجتمع مع الناس في كل مكان كان يعرفهم حينذاك على هذه الفكرة الجديدة وعلى كيفية ولادتها. ونـحـتـمـل اخـيـرا ان الامـام (ع ) حين اقصي عن الخلافة بعد وفاة الرسول (ص ),حيث تجاهل الكثيرون تلك النصوص والتاكيدات الكثيرة من الرسول (ص )على خلافة الامام علي (ع ) وولايته ووصـايته , وتقدمه على الاخرين , في علمه , وجهاده , ودينه , وغيرها, فانما كان ذلك لاسباب , ليس هـنـا مـوضـع ذكرها, والبحث عنها. تجاهلوا هذه الاحاديث والتاكيدات , وتجاهلوا فضل الامام (ع ) وتـقـدمـه , فـاقـصي عن الخلافة , واغتصب حقه , وبذلك تفرغ الامام (ع ) اكثر من اي وقت آخر, للانشطة الثقافية والفكرية والعلمية , فربى في تلك الفترة جماعة من الصحابة والتابعين , تعلموا على يـديه مختلف المجالات الثقافية , كما انه كان مرجعا للخلفاء في الكثير من القضايا والمسائل وقد ذكر انه اهتم بجمع القرآن الكريم وتفسيره , وهذا الاهتمام منه في المجالات الثقافية , عرفه على بعض القضايا والمسائل , وخاصة تلك المسائل التي ربماكان عدم الاهتمام بها, مما له خطره على الشريعة الاسـلامية , والقرآن الكريم ,والسنة النبوية , ولعل منها النحو, وتحريك القرآن الكريم , وتفسيره وبـعـض الـمـسـائل الـفقهية والعقائدية وغيرها, سواء كان هذا الاهتمام منه , او من بعض اصحابه الـمقربين , بتوجيه وتعليم من الامام (ع ), كما يلاحظ ذلك في الكتب التي بحثت عن الحركة العلمية والـثـقـافـيـة عند الامام (ع ) واصحابه , حيث ذكرت بعض الانشطة والاعمال الثقافية , والمؤلفات والـكـتـابـات لـه , اولاصـحـابـه .

اذن فـالامام (ع ) كان اكثر تفرغا خلال الفترة التي عاشها بعد وفـاة الـرسـول (ص ) الى زمان خلافته , مما وفر له الظروف المناسبة للاهتمام بالكثيرمن القضايا الـثـقـافية , يضاف لذلك ما يتمتع به الامام (ع ) من علم زاخر,وذهنية كبيرة يشهد له الجميع بذلك , بـغض النظر عن علمه الموهوب من اللّه , مما عرفه هذا الاهتمام على بعض المسائل التي ربما كان المعالم الرئيسية لهذه الحلول ليواصلوا هم او غيرهم من ابناء الاجيال اللاحقة البحث عنها, والتوسع فيها, وتطويرها. ولـسنا في مجال الحديث عن الشبهات التي اثيرت حول نهج البلاغة ,والجواب عنها, فان هذه الكتب الـقـيمة قامت بهذه المهمة خير قيام ,وناقشت هذه الشبهات بروح علمية وموضوعية وفندتها بقوة , ويـلـزم عـلـى الـقارى مراجعتها من اجل التعرف على واقع الشبهات التي اثيرت حول وضع النحو, والجواب عنها, ليعرف ان بعض الافراد الذين اعترضوا على وضع الامام (ع ) او ابي الاسود للنحو, هـم بـانـفـسـهـم قد اعترضوا على نسبة نهج البلاغة للامام علي (ع ) امثال احمد امين , والاهداف والـشـبـهـات متشابهة , كما ان الاجوبة متشابهة .

وحين نراجع في هذا المجال كتاب ((مصادر نهج البلاغة )), نرى ان الشبهات التي اثيرت حول نهج البلاغة تشابه كثيرا الشبهات حول وضع النحو, كـمـا انـه مـن الاجوبة التي ذكرها هذاالكتاب وغيره لهذه الشبهات يظهر الجواب عن الكثير من الشبهات التي اثيرت حول وضع النحو بصورة علمية موضوعية . والـمـلاحـظ ان قصة الشبهات التي اثيرت حول نسبة ((نهج البلاغة ))للامام (ع ), اذ انهم نسبوه لـلشريف الرضي , هذه الاسطورة قد قضي عليهااخيرا على ايدي بعض الكتاب المؤمنين المخلصين الـذيـن قاموا بدراسات واعية وبحوث احصائية اءثبت من خلالها اءن ((نهج البلاغة )) لايمكن اءن يـكـون مـن انشاء الشريف الرضي , وذلك لوجود اكثر الخطب والاحاديث في مصادر وكتب متقدمة زمـيـنـا عـلى زمان الشريف الرضي , اذا فاذا ثبتت صحة نسبة ((نهج البلاغة)) للامام (ع) لما في ((نهج البلاغة)) من تعريفات وتقسيمات ومصطلحات وافكار عالية المضامين والمعاني دل ذلك على ابداع وعلى قوى فكرية هائلة . ونحن نلاحظ ان القرآن الكريم يشتمل عى الكثير من التقسيمات والمضامين السامية , فلا يستغرب صدور مثل هذه التقسيمات والابداعات في تلك الفترة الزمنية من الامام (ع) وهو تلميذ القرآن , الذي عـايـش الـقـرآن الـكريم منذ صغره , وكذلك نلاحظ وجود التقسيمات والتعريفات والمصطلحات في الاحاديث النبوية , فلا غرابة في ان يتعلم منها من نشا وعاش في اجوائها,وخاصة الامام (ع ) الذي يملك من القوى الفكرية الزاخرة ما يشهد به الجميع . ولـيـس الـشيعة وحدهم يعترفون بهذا الراي , بل هناك احاديث وآراء من اهل السنة تثبت هذا العلم الـواسع الزاخر للامام علي (ع ) موجودة في كتبهم وصحاحهم . كل ذلك يدل على ان الامام (ع) كان يمتلك علما يتميز به عن الاخرين .

 

مع الاعتراض الخامس :

ونناقش فيه الراي الذي يذهب اليه المعارضون ان المراد من العربية او النحوـ في الروايات ـ هو تحريك المصحف الشريف بتنقيطه وليس النحو بمعناه المصطلح . وقـبـل ان نـدخل في مناقشتنا لهذا الراي يجدر بنا ان نبحث حول عملية تحريك المصحف الشريف بالتنقيط التي قام بها ابو الاسود باجماع القدماء. فـتـذكـر ـ في الكتب والمصادر القديمة والحديثة ـ الطريقة التي ابتكرها ابوالاسود في تحريك الـمـصحف الشريف وهي في واقعها الاساس للحركات الاعرابية التي تعتمد على المعرفة النحوية واللغوية وتدل ايضا على قوة الابداع والابتكار التي يملكها ابو الاسود وهو يؤكد اكثر ابداعه لعلم الـنـحـو,فيقول ابو العباس المبرد عن ابي الاسود: ((اول من نقط المصاحف )) ((354)), ويقول الـسيرافي : ((كان ابو الاسود لا يخرج شيئا مما اخذه عن علي بن ابي طالب (ع ) الى احد حتى بعث اليه زياد وقال له : اعمل شيئا لتكون فيه اماماينتفع به الناس وتعرب به كتاب اللّه , غير ان ابا الاسود رفـض حـتـى سمع قارئا يقرا: (ان اللّه بري ء من المشركين ورسوله ) فقال : ما ظننت ان امرالناس يـصـل الـى هذا, فرجع الى زياد فقال : انا افعل ما امر به الامير فليبغني كاتبا لقنا يفعل ما اقول , فاتي بـكاتب من عبد القيس فلم يرضه , فاتي باخر,وقال ابو العباس : احسبه منهم , فقال له ابو الاسود: اذا رايـتـني فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة بين يدي الحرف , وان كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف , فـان اتـبعت شيئا من ذلك غنة فاجعل مكان النقطة نقطتين , فهذه نقط ابي الاسود)) ((355)) ولعل مـراده مـن الـنـقطتين هو التنوين وان التنوين علامته نقطتان . ويمكن ان يكون مراد السيرافي من (الـشـي ء) فـي قوله : ((كان ابو الاسود لا يخرج شيئا مما اخذه عن علي بن ابي طالب (ع ))) هو تنقيطالمصحف , ويمكن ان يكون النحو. ((ومـن كـتاب المطالع السعيدة لجلال الدين السيوطي قال : واخرج ابن الانباري من طريق العتبي , قال : كتب معاوية الى زياد يطلب عبيد اللّه , فلماقدم عليه كلمه , فوجده يلحن , فرده الى ابيه , وكتب الـيه كتابا يلومه فيه ,ويقول : امثل عبيد اللّه يضيع ؟ ان هذه الحمراء ـ واراد بهم العجم لغلبة الحمرة على الوانهم ـ قدافسدت السن العرب , فلو وضعت شيئا يصلح به الناس كلامهم ويعرب به كتاب اللّه , فابى ذلك ابو الاسود, فوجه زياد رجلا, فقال له : اقعد في طريق ابي الاسود فاذا مربك فاقرا شيئا من القرآن وتعمد اللحن فيه , ففعل ذلك ,فلما مر به ابو الاسود رفع صوته يقرا (ان اللّه بري ء من المشركين ورسوله) فاستعظم ذلك ابو الاسود فقال : عز وجه اللّه ان يتبرا من رسوله , ثم رجع من فوره الى زياد, فقال : قد جئتك الى ما سالت , ورايت ان ابدا باعراب القرآن, فابعث الي ثلاثين رجلا, فاحضرهم زياد, فاختار ابو الاسود عشرة , ثم لم يزل يـخـتارهم حتى اختار منهم رجلا من عبد القيس , فقال : خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد, فاذا فـتـحـت شـفـتي فانقط واحدة فوق الحرف , واذاضممتهما فاجعل النقطة الى جانب الحروف , فاذا كـسـرتـهـما فاجعل النقطة في اسفل الحرف , فان اتبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين , فابتدابالمصحف حتى اتى على آخره , ثم وضع المختصر المنسوب اليه بعدذلك )) ((356)) .

وهـنـاك روايـات وآراء اخـرى تـؤكد نسبة التنقيط لابي الاسود, وان كان هناك بعض الاختلاف الـضئيل في متون هذه الروايات , ولكن لو تاملنا فيهالراينا عدم تعارضها واختلافها, اذ يمكن الجمع بينها. والـملاحظ ان هذا العمل من ابي الاسود قد تم في زمان زياد ومعاوية ـ كماتؤكده الروايات ـ وان ابا الاسود كان عالما به قبل هذا الزمان , وربما كان بتعليم وتوجيه من الامام (ع ) كما تحتمله عبارة السيرافي ـ وكما سنذكره بعدذلك ـ ولكن بالرغم من علمه بذلك في زمان سابق فان ابا الاسود كان يـخـفيه وكان به ضنينا, ويمكن ان نحتمل اسبابا كثيرة ادت الى اخفائه والى تاخيراظهاره الى زمان زياد ومعاوية , اذ يمكن ان نرجع ذلك الى الاسباب التالية : فربما كان السبب في التاخير الظروف السياسية والاجتماعية والحربية الصاخبة آنذاك في الفترة التي عاشها امير المؤمنين (ع ) حيث لم تسمح له بنشر هذا العمل .

وربـمـا كـان الـسـبب هو المنع الذي كان مفروضا على التدوين والكتابة عامة ,وخاصة بما يرتبط بـالشريعة الاسلامية , وبالاخص على اصحاب اميرالمؤمنين (ع ) ومواليه وشيعته , خوفا من كتابة ونـشـر بـعـض الكتابات التي ترفع من شان اهل البيت (ع ) وتحط من اعدائهم ومخالفيهم , فالشيعة كـانـوامطاردين في تصرفاتهم واقوالهم وكتاباتهم , لذلك لم تسمح السلطة بامثال هذه الاعمال منهم , فـربـمـا لـو كان ابو الاسود يبدا بهذا العمل من نفسه لم يكن له مثل هذا الانتشار والتاثير, وربما حـاربـته السلطة الحاكمة , ولكنه كان ينتظر الفرصة المناسبة التي يشعر بها المسؤولون والحكام انفسهم بخطراللحن على الامة وبالحاح من الظروف والناس ليطلبوا منه او من غيره القيام بهذا العمل .

وربـمـا كـان حـجـة الـذين منعوا من التدوين والكتابة بصورة عامة , وخاصة بمايرتبط بالشريعة الاسـلامـية , هو الخوف من اختلاطها بالقرآن الكريم ,وبذلك لا يحافظ على اصالة القرآن الكريم وسلامته . اذا فـكيف بمثل هذا العمل الذي يتعرض بصورة مباشرة للقرآن الكريم ومحاولة تحريكه وتشكيله واضـافـة بعض الكتابات فيه ؟ مما يكون عامل المنع فيه اقوى , وهذه الحجة وان كان وراءها دوافع واغراض سياسية, ولكن قد تذرع بها البعض للمنع من التدوين والكتابة.

او ان الـسـبب في ذلك عدم انتشار اللحن في القرآن الكريم وفي كلام العرب ,وانما اخذ بالانتشار والـذيـوع بعد اختلاط العرب بغيرهم مما ادى الى ظهوراللحن باتساع والى الشعور اكثر بخطر المشكلة . او ان الـسبب هو احتياط بعض المسلمين وتورعهم عن اضافة بعض الكتابات في المصحف الشريف , لانهم كانوا يشعرون بانه يلزم الحفاظ على المصحف الشريف كما نزل على النبي (ص ) دون اضافة , ومن هنا كان تجنبه تورعا عن القيام بمثل هذا العمل , ولكن بعد ان ادرك ان الضرورة الاسلامية تحتم عليه القيام بهذا العمل قام به خير قيام , وكما قال الدكتور شوقي ضيف :((كان ذلك عملا خطيرا حقا فقد احاطوا لفظ القرآن الكريم بسياج يمنع اللحن فيه )) ((357)) .

ويـقول الدكتور مازن المبارك : ((ومعنى وضع ابي الاسود لشكل المصحف انه وضع الضوابط التي تـمـنـع الـقـارى مـن الزلل او اللحن في القرآن , وهل للنحوغاية اخرى ابرز من حفظ اللسان من الخطا؟ ((358)) .

وهناك عوامل اخرى ـ ربما لا نعلمها ـ كانت السبب في تاخير ابي الاسوداظهار هذا العمل , وتشمل بعض هذه الاسباب النحو ايضا, اذ تاخر ابوالاسود في الاعلان عنه ايضا. امـا عـن وجود هذا المصحف الذي شكله ابو الاسود, فهل هو موجود اوضاع كما ضاع الكثير من كتب التراث ؟ ذكر السيد محسن الامين في كتابه ((اعيان الشيعة )) انه راى في خزانة الكتب الشريفة الرضوية مـصـحـفا بخط الامام امير المؤمنين (ع ) عليه مثل هذاالشكل والتنقيط, وهذا يؤيد ما ذكرناه ان ابا الاسـود قـد تـلـقى تحريك المصحف بالتنقيط من الامام امير المؤمنين (ع ) كما تلقى النحو منه , الا ان نـقـول : ان تـحريك هذا المصحف الشريف الذي كتبه الامام (ع ) بخطه قداضيف اليه من قبل ابي الاسود او غيره ـ بعد كتابته ـ كما يحتمل ذلك السيدالامين . يـقـول الـسيد محسن الامين عن القرآن المنسوب خطه الى امير المؤمنين (ع): ((جزء من القرآن منسوب الى خطه الشريف ايضا ـ اي امير المؤمنين (ع ) آمن اول سورة هود الى آخر سورة الكهف , بـشـكـل ما نسميه سفينة ويسميه الفرس بياضا, اي ان اسفل كراريسه من جهة العرض لا من جهة الـطول ,وكذلك باقي المصاحف التي رايناها, رايناه في خزانة الكتب الشريفة الرضوية في 12 ربيع الثاني 1353, عند تشرفنا بزيارة مشهد الرضا(ع )مكتوب على الجلد الرقيق الذي لا يفترق كثيرا عـن الـكـاغـد بـخـط كـوفـي غـيرمنقط, وعليه نقط بالحمرة مدورة هي علامات على الشكل , والظاهرتاخرها عن كتابته , فللكسرة نقطة تحت الحرف , وللفتحه نقطة فوقه ,وللضمة نقطة امامه , واذا كـان فـي وسـط الـكـلـمـة تـوضع النقطة بجانبه ,وللتنوين نقطتان فوقه للمنصوب , وتحته لـلمخفوض , وامامه للمرفوع , اماالحرف الساكن فليس عليه علامة , وقد كانت المصاحف اولا غير منقطة , لاللاعجام ولا للشكل . واول مـن نـقـطها للشكل ابو الاسود الدؤلي في امارة زياد, كان يقول للكاتب : اذا رايتني فتحت فمي بـالحرف فانقط نقطة فوقه على اعلاه , وان ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف , وان كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف .

وذكره ابن النديم في الفهرست , وزاد ابن الانباري في نزهة الالباء: فان اتبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين , وهذا بعينه تنقيط المصاحف التي رايناها, وهو يؤيد انها بخطوطهم (ع ), وفي آخره سطرين هكذا: كتبه علي بن ابي طالب وجـلده مذهب , موضوع في صندوق مذهب , كلاهما في غاية الاتقان ,مكتوب على جلده : وقف الشاه عـبـاس الصفوي سنة 1008, عدد اوراقه68 , سطور كل صفحة 15, طوله 34 سانتيما, عرضه 23 سانتيما, قطره 3سانتيمات , وكتب الشيخ البهائي على ظهره بخط يده ما صورته : هذا الجزءمن الـقـرآن المجيد الذي هو بشريف خط سيد الاوصياء, وحجة اللّه على اهل الارض والسماء, نفس الـرسـول , وزوج الـبـتول , وابي السبطين , وامام الثقلين ,والمخصوص باختصاص انما وليكم اللّه , المعزز باعزاز من كنت مولاه فعلي مولاه ..)) ((359)).

ثـم يـذكـر الـسـيـد الامـيـن انه توجد نسخة اخرى من القرآن الكريم بخطمنسوب للامام امير المؤمنين (ع ) وهو ((كالجزء السابق بجميع مميزاته سوى ان سوره غير سوره , ونقط قليلة خضر مـن تـحـت وفـوق , واقـل منها زرق غيرنقط الشكل الحمر لم نتحقق المراد منها, وفي آخره في سطرين هكذا: كتبه علي بن ابي طالب وقـد راجعت فهرس مخطوطات خزانة الكتب الرضوية (استان قدس رضوى ) فرأيت فيه نموذجا مصورا عن هذا المصحف الشريف بخط الامام امير المؤمنين (ع ), مع تعريف بهذه النسخ المخطوطة القيمة , والملاحظ ان هذاالمصحف لا يضم القرآن الكريم كله بل بعضه , فقد ذكر في هذا الفهرس حـول هـذا المصحف (ان هذا المصحف الشريف كتب فيه من اول سورة هود الى آخر سورة الكهف , كـتبه علي بن ابي طالب , بخط كوفي على الجلد الرقيق , في الصفحة الاولى وقف شاه عباس , بخط وامـضـاء الشيخ البهائي , بتاريخ ‌جمادى الاول سنة 1008, وعبارة الوقف (هو الحق هذا الجزء من الـقـرآن الـمـجيد الذي هو بشريف خط سيد الاوصياء وحجة اللّه على اهل الارض والسماء نفس الـرسول وزوج البتول وابي السبطين وامام الثقلين المخصوص باختصاص انما وليكم اللّه , المعزز باعزاز من كنت مولاه فعلي مولاه :

سلام من الرحمن نحو جنابه ----- فان سلامي لا يليق ببابه

وقـف عـلـى الـروضـة الـمنورة المقدسة الرضية الرضوية على ساكنها الف صلاة وسلام وتحية والـواقـف هـو تـراب اعـتابها والمفتخر بخدمة بابها اعني سيدسلاطين الزمان واشرف خواقين الـدوران صـاحـب النسب الموسوي الصفوي خلد اللّه تعالى ملكه واجرى في بحار النصر والتاييد فـلـكه بمحمدوآله الطاهرين , وكان ذلك في شهر جمادى الاول سنة الف وثمان من الهجرة ,حرره تراب اقدام العتبة المقدسة الرضوية بهاء الدين محمد العاملي عفي عنه . وكـل صـفـحة من هذا المصحف الشريف فيها خمسة عشر سطرا, مع اعراب وتنوين بنقاط كبيرة مـدورة مـكـتـوبة باللون الاحمر, وحجم السطر: 5 / 6 25* سانتيمتر, وفي الصفحة الاخيرة سـطـران وفـي السطر الاول عبارة (كتبه علي بن ) وفي السطر الثاني عبارة (ابي طالب ) وعدد اوراق المصحف كما ذكرفي اعلى الصفحة الاولى (69) صفحة , ولكن الموجود (68) صفحة .

ونشر في هذا الفهرس نموذجا مصورا من احدى صفحات هذا المصحف من سورة ابراهيم من الاية (ع )3 الى الاية 42 ((360)) , وننشر هذا النموذج في هذاالكتاب ونرمز اليه بالرقم (1).

كما انه في فهرس آخر لمخطوطات المكتبة الرضوية , ذكر هذا المصحف الشريف ونشر نموذجا مـصـورا لـه , وقال عنه : (القرآن الكريم رقم 6, بخطكوفي , من اول سورة هود الى آخر سورة الـكـهـف , مـكـتـوب على الجلدالرقيق , وفي الصفحة الاخيرة (كتبه علي بن ابي طالب ). وننشر النموذج المصور ايضا, برقم (2), وهو من سورة النحل , الاية : 36 الى الاية : 41.

ويلاحظ في هذين النموذجين النقاط, كما ذكره السيد الامين , فقد تكون نقطة واحدة فوق الحرف , وهـي تـرمـز للفتحة , او نقطة واحدة تحت الحرف وهي ترمز للكسرة , او نقطة واحدة في جانب الحرف وهي ترمز للضمة , وقدتكونان نقطتين وهما يرمزان للتنوين . وهـكذا نرى ان ابا الاسود كان قد تلقى علومه من الامام امير المؤمنين (ع ),ولا عجب في ذلك فانه مـن تـلامـذته واصحابه الموالين والمخلصين ـ كما ذكرناه في ترجمته ـ, ولعله كان لديه مصحف بخط الامام (ع ) مشكول بهذا الشكل, وهو الذي اخذه من الامام (ع ) وهو الذي كان به ضنينا ـ كما في قول السيرافي ـ . ويـجـب ان نـعـلـم ان ما قام به ابو الاسود هو تشكيل المصحف الشريف بالنقط,اي تمييز حركاته بـالنقط, كما بينا طريقته في ذلك , واما اعجام المصحف الشريف اي نقط الحروف المتشابهة فلم يقم بـه ابـو الاسود, وانما قام به بعض تلامذته وهو يحيى بن يعمر كما يحدثنا به التاريخ , ففي تهذيب التهذيب (اول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر) ((361)) وذلك في زمان عبد الملك بن مروان . يقول السيد حسن الصدر في كتابه تاسيس الشيعة لعلوم الاسلام : (اول من وضع نقط المصف وحفظه عـن الـتـحـريف ابو الاسود الدؤلي صاحب اميرالمؤمنين (ع ).

قال عبد الواحد بن علي ابو الطيب الـلـغـوي فـي كـتـاب مـراتـب النحويين : ((ابو الاسود اول من نقط المصحف . وقال جلال الدين السيوطي في كتابه المطالع السعيدة : ان ابا الاسود الدؤلي اعرب مصحفا واحدا في خلافة معاوية )) وكـذا في اكثر كتب التواريخ وغيرها, وقد تقدم نقلها, وقيل :ان يحيى بن يعمر العدواني تلميذ ابي الاسـود اول مـن نقط المصحف والاصح الاول , وايهما كان فالفضل للشيعة لانهما من الشيعة بالاتفاق كما عرفت في ترجمتهما والنصوص على ذلك ((362)) .

ولـكـن بـمـا ذكرناه آنفا ترتفع المنافاة بين الرايين , فان ما قام به ابو الاسود هوتحريك المصحف بالنقط, بينما ما قام به يحيى بن يعمر هو اعجامه وتنقيطحروفه المتشابهة . وبعد هذا الذي ذكرناه حول عمل ابي الاسود في تحريك المصحف الشريف بالتنقيط, نعود لمناقشة هذا الاعتراض , ومناقشته تكون على خطوات :

1 ـ فالملاحظ ان المعارضين الذين يعارضون نسبة النحو ـ بمعناه المصطلح آلابي الاسود, جميعهم يـؤيدون نسبة التنقيط والتحريك اليه , مع ان عملية تحريك المصحف الشريف بالتنقيط ـ وبالصورة الـتـي ذكـرت , والتي رويت عن ابي الاسود نفسه ـ تعتمد على ملاحظة حركات الاعراب , وهي عـملية تحتاج الى ان يكون صاحبها عالما ببعض الافكار والمسائل النحوية , اضافة الى انها عملية لا تـقـل تـعقيدا وتركيزا عن عملية وضع بدايات النحو,فالقادر على التحريك لا تصعب عليه عملية وضـع النحو في بداياته , وهذه العملية يفسرها ابو الاسود كما في الرواية ((خذ المصحف , وصبغا يخالف لون المداد, فاذا فتحت شفتي فانقط واحدة فوق الحروف , واذا ضممتها فاجعل النقط الى جانب الـحـرف , واذا كـسـرتـهـا فاجعل النقطة الى اسفله , واذا اتبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانق ط نقطتين )) ((363)) .
ونـحن حينما نتامل هذه الرواية جيدا ـ التي يؤيدها حتى المعارضون لفكرة وضعه النحو ـ نرى ان هـذه الـعـملية التي قام بها ابو الاسود تدل على مدى ثقافة ابي الاسود النحوية واللغوية وعلى مدى تـركـيـز ذهـنـيـتـه وتـطـورهـا,ونـرى ايـضا ان هذه الرواية تشير الى بعض المصطلحات , كالحركات والكسر والفتح والضم , وهي مصطلحات تدل على وجود قابلية الابداع والتركيز ـ ولو بـصـورة بـدائية بسيطة ـ عند بعض رجال ذلك العصر, وعلى تقدير اكتساب هذه العملية ـ عملية الـتـحـريـك بالتنقيط ـ ومصطلحاتها من السريان آنذاك ـ كما يتبنى هذا الراي احمد حسن الزيات ((364)) فان ذلك لايؤخر مرحلة وضعها عن زمان ابي الاسود وانه الواضع لها.
فـالمعارضون يقولون : ((ان الامر قد اختلط على الرواة اذ كانوا يقصدون بالنحو ضبط الكلام على سـبـيل العرب وسمتها في القول , فابو الاسود نقطالمصحف , وهذا النقط هو النحو المقصود بكلام الرواة )) ((365)) .
2 ـ ولـكـن الـملاحظ من الروايات انها ((لم تكتف بان ابا الاسود وضع النحواو العربية فقط, بل ذكـرت ابوابا من النحو نسبت اليه , فكيف ناخذ شق الرواية ونترك شقها الاخر؟ جـميعا او تطرح جميعا)) ((366)) فمن الابواب التي ينسب وضعها الى الامام (ع ) وبعضها ينسب لابـي الاسـود:بـاب الـتعجب والاضافة والظاهر والمضمر وتقسيم الكلمة وباب الفاعل والمفعول وحرف الرفع والنصب والجر والجزم .
3 ـ اضـافـة الـى ان بعض الروايات تشير الى ان ابا الاسود وضع تشكيل المصحف الشريف بالنق ط والـنحو او العربية , فتفصل بينهما, مما يدل على اختلاف معنييهما ومما يدل على انه كان هناك فرق بـيـن مـفهومي التنقيط وبين العربية والنحو في اذهان الرواة والمؤرخين , وابن حجر ينقل رواية تـؤكـدمـثـل هـذا الـفصل بين مفهومي التنقيط والنحو, فقد نقل ان زيادا ((امر اباالاسود ان ينق ط الـمـصـاحـف فـنـقطها, ورسم من النحو رسوما)) ((367)) وهناك روايات وآراء اخرى تؤكد وتصرح بهذا المعنى , ويقول ابو العباس المبرد:((اول من وضع العربية ونقط المصاحف ابو الاسود الدؤلي )) ((368)) .
وقـال الـدكـتور الدجني : (يجب علينا ان نفرق بين عملين قام بهما ابو الاسودالدؤلي , حيث اختل ط الامـر بـيـن الكتاب المحدثين خاصة , حتى وصل بالبعض ان ينكر عمل ابي الاسود (تاليف النحو), واعـتـبـر الـعمل الثاني (نقطالمصحف ) العمل الوحيد له , كما اعتبر بعضهم نقط المصحف البذرة الاولـى فـي غرس النحو العربي , اما القدماء فلم يقعوا في هذه الاشكالات فقد فرقوا بين العملين اذ رووا عـنـدمـا ذكـروا ابـا الاسـود الـدؤلـي ونـشـاة الـنحو انه ((اول من اسس العربية ونق ط المصحف ))) ((369)) .
بـالاضـافـة الى ان المفهوم من كلمة النحو او العربية غير المفهوم من كلمة التنقيط كما هو ظاهر, فكيف يكون المعنى في كليهما واحدا؟ ويـذكـر الـسيد محسن الامين : ((واعراب القرآن لا دخل له بوضع علم النحو,الذي كان في زمن امير المؤمنين (ع ) وبامره لا بامر زياد, ويجوز ان يكون ابوالاسود اظهر كتابه يومئذ, وكان الفه قـبـل ذلـك , او رتـب يـومـئذ مـا كـان تـلـقـنـه مـن امـير المؤمنين (ع ) واضافه هو اليه فجعله كتابا)) ((370)) .
واخيرا.. فالملاحظ ان هناك علاقة وثيقة بين النحو واعراب القرآن ,فالمتمكن من اعراب القرآن الـكريم والذي يقوم بمهمة تحريك المصحف الشريف يدل على ان له علما ومعرفة بالنحو وتركيزا فـي الـتـفـكـيـر, ولكن على كل حال فان العمل بوضع النحو غير العمل بتحريك القرآن وتنقيطه كمايؤكد ذلك المؤرخون .
الخلاصة : من خلال ما ذكرناه نستطيع التوصل للنتيجة التالية : ان الامام (ع ) شعربضرورة وضع القواعد التي تـحـفـظ اللسان من الخطا, وخاصة في قراءة القرآن الكريم بعد ان وجد اللحن شائعا على الالسنة , وبـما انه خليفة المسلمين آنذاك كانت عليه مهمة الحفاظ على سلامة القرآن الكريم من اللحن , وبما ان ابا الاسود كان مرجعا للخلفاء والولاة في القيام بمثل المهام التي تمس اللغة العربية ـ نتيجة لثرائه في اللغة ولذكائه ومستواه الثقافي آفاعطى الامام (ع ) مهمة وضع هذه القواعد لابي الاسود بعد ان مـهـد له الطريق بوضع بعض القواعد الاساسية ليسير على ضوئها ويواصل البحث من خلالها, وقد سـار ابـو الاسود في هذا الدرب الذي رسمه الامام (ع )وواصل البحث فيه بصورة اشمل فاكتشف بعض المسائل والابواب النحوية التي ترتبط وثيقا بشيوع اللحن , اي ان المجال الذي يشيع فيه اللحن كـان يدفع ابا الاسود للبحث والنظر فيه حتى ياخذ فكرة عامة عنه , وبسيطة بدائية لا فكرة مفصلة مـتـطـورة كالتي نراها اليوم في الكتب النحوية , ولذلك قلنا: ان النحو الذي وضعه ابو الاسود كان بـدائيـا بـسـيـطـا, ويـقـتصر على ابواب قليلة دعت اليها الحاجة وضرورة محاربة شيوع اللحن فيها خاصة .
والـدلـيـل عـلى هذا الراي تواتر الروايات , وتضافر الاراء, وكثير من الرواة قريبو العهد بعصر الامام (ع ).
وقد احتمل البعض اكتساب النحو من الحضارات الاجنبية , ولم يتم مثل هذاالاتصال الوثيق بالثقافات الاجنبية الا في زمن متاخر من عصرالامام (ع ).
ولا يـمكن ان يكون الاكتساب من النحو اليوناني , لان النحو العربي كان موجودا قبل ترجمة الكتب اليونانية , ولانه يختلف في طبيعته عن النحواليوناني .
وكذلك لا يمكن ان يكون مكتسبا من النحو العبري , لان مرحلة نشاته متاخرة عن النحو العربي .
اذا فـلا بد ان يكون الاكتساب من النحو السرياني ـ على القول بانه سبق النحو العربي في وضعه ـ لـوجـود الـسريانيين في المجتمع الاسلامي آنذاك ,ونتيجة لاحتكاك المثقفين من العرب بهم انتقل النحو منها.
ولكن هذا الاحتمال لا يؤخر بداية النحو عن تلك الفترة من عصرالامام (ع ) اذ ان السريانيين دخلوا الاسلام في خلافة عمر, وهم كانوامقيمين داخل المجتمع الاسلامي , فيحتمل ـ ما دام الامر يقوم على الاحتمال والفروض دون الاعتماد على الروايات التي لا تشير الى هذه الفكرة ـ ان اطلع الامام ـ مـع الـغض عن فكرة علم الامام المعصوم ـ او اطلع ابو الاسودعلى ثقافة السريان وعلى نحوهم فاكتسب منهم بعض قواعدهم وآرائهم النحوية , ولا يمنع مثل هذا الاتصال والاكتساب اي مانع .
لـكن هذا القول الاخير انما يعتمد على الفرض والاحتمال دون ان يكون له اي سند روائي , وكذلك يـعـتـمـد على القول بان النحو العربي مكتسب وليس اصيلا, وهذه الفكرة الاخيرة ينفيها كثير من الـمحدثين من العرب والمستشرقين , بالاضافة الى ان التاريخ لا يشير ابدا الى فرضية الاكتساب مع اختلاف طبيعة النحو السرياني عن النحو العربي , كما ذكره البعض .
وعـلى اى احتمال , فان بداية وضع النحو العربي لا تخرج من تلك الفترة آفترة عصر الامام (ع ) ـ سـواء قـلـنـا بـاصـالـة النحو العربي في بداياته كما هوالراي الحق , وراي اجماع القدماء وبعض المعاصرين , او قلنا بانه مكتسب من النحو السرياني كما هو راي البعض الاخر من المعاصرين .
الملحق الاول : ((دراسة حول تقسيم الامام (ص ) للكلمة وتعريفاته لهذه الاقسام )) نـرى مـن الـجـديـر ان نتعرف ولو بايجاز على تقسيم الامام (ع ) للكلمة ,وتعريفاته لهذه الاقسام , مـسـتـفـيدين في هذا البحث الموجز من آراء علمائناالمحققين , سواء في الفلسفة او علم الاصول , ونـسـتـعـرض خلاصة هذه الاراءبصورة مبسطة , ولم نحاول ذكر مقدماتها او التعمق فيها وترك التعمق والتوسع فيها لمن يريد التوسع , وعليه مراجعة الكتب الفلسفية والاصولية في هذا المجال .
قـسـم الـنـحـويـون الـكلمة الى ثلاثة اقسام : الاسم والفعل والحرف . واستدلواعلى هذا التقسيم بالاستقراء وبعض الوجوه العقلية .
وعـرفـوا كـل قسم منها بتعاريف , وبعض هذه التعاريف , كانت ناظرة للفظ,كتعريفهم الاسم بانه ما يـصلح ان يقع في الجملة مسندا ومسندا اليه , والفعل بانه ما لا يصلح ان يكون الا مسندا. واما الحرف فما لا يصلح ان يقع مسنداولا مسندا اليه .
ولكن الاشهر عندهم تعريفها من خلال ملاحظة معانيها لا الفاظها.
فالاسم : كلمة دلت على معنى في نفسها من غير اقتران بزمان .
والـفعل : كلمة دلت على معنى في نفسها مع اقترانها باحد الازمنة الثلاثة , اماالماضي او الحاضر او المستقبل , او انها دلت على معنى وزمان .
والحرف : ما دل على معنى في غيره .
ولعل هذا التعريف هو الاقرب لاراء الاصوليين في هذا المجال .
تـعـرض بـعـض عـلـمـائنـا فـي عـلم الاصول , في مباحث الالفاظ الى الرواية الشريفة عن امير الـمـؤمنين (ع ) المنقولة عن ابي الاسود الدؤلي في تقسيم الكلمة , واعتمدوها في تفسيرهم لحقيقة الاسـم والـفـعـل والحرف , بل ان البعض منهم كتب فيه رسالة مستقلة , وفي هذه الدراسة نتعرض بايجاز الى بعض الاراء الاصولية , وخاصة الجديدة المتطورة في المعنى الاسمي والحرفي ,والفرق بينهما, وكذلك نتعرض الى معنى الفعل .
ويـجـدر ان نـشير في البداية , ان الاصوليين يرون ان المعنى الاسمي بماله من معنى عندهم يشمل ايـضـا الفعل بمادته , لان الفعل مؤلف من مادة وهيئة ,ومادته معنى اسمي , وهيئته معنى حرفي , ولكن يـتـمـيـز الـفعل باقترانه بالزمان ,وكذلك ليس المراد من المعنى الحرفي , خصوص حروف الجر وامـثـالـهـا, بـل تـشمل كل ما يصدق عليه المعنى الاصولي للحرف , لذلك يشمل النسبة في القضايا, والهيئات وغيرها, فيقصد منه ما يقابل الاسم والفعل , فلا يشمل حروف الكلمة نفسها.
وبـما ان مسائل هذا الموضوع كثيرة ولها علاقة بالكثير من البحوث الاصولية والفقهية , لذلك نحن نـكـتفي ببعض الاراء والخطوط العامة , بما يرتبط بالرواية الشريفة عن الامام (ع ) في مجال تقسيم الكلمة .
فانهم تعرضوا في بداية علم الاصول , في مباحث الالفاظ, الى مبحث الوضع , فبعد ان بحثوا عن حقيقة الـوضع , والاراء حوله , بحثوا عن اقسام الوضع , حيث انه يعني وضع اللفظ لمعنى , فلا بد من تصور المعنى ليوضع له اللفظ, ولا يمكن الوضع لمجهول , ومن هنا بحثوا عن ذلك المعنى الذي وضع له اللفظ فـي الاسـماء والحروف , وما يتصوره الواضع حين الوضع ثم ما يوضع اللفظ له , ومن هنا بحثوا عن المعنى الاسمي , والمعنى الحرفي . ونستعرض هناالاراء الاساسية في المعنى الحرفي .
الـراي الاول : مـا ذهـب الـيه صاحب الكفاية , من ان معنى الحرف هو بنفسه معنى الاسم المشابه له , فمعنى كلمة (من ) الحرف هو نفس معنى كلمة (الابتداء) الاسم , وهو كلي الابتداء, وهو الموضوع لـه فـي كـلـيـهـمـا, ويـدلان عـلـى مفهوم واحد, وانما الاختلاف بينهما في اللحاظ والاستعمال , فـالـمستعمل تارة يلاحظ الابتداء بصورة مستقلة , ويريد استعماله مستقلا, كما لو ارادترتيب حكم على الابتداء نفسه , فيقول (ابتداء الامور خير من انتهائها),ويسمى هذا باللحاظ الاستقلالي , وكلمة (الابـتداء) الاسمية تدل على هذاالمعنى ملحوظا بهذا اللحاظ الاستقلالي , واخرى يلاحظ الابتداء نـفـسـه ولكنه مرتبط وقائم في غيره , ويستعمله كذلك قائما بغيره , ويسمى باللحاظالالي , وكلمة (من ) تدل عليه ملحوظا بهذا اللحاظ, كما لو قال (سرت من البصرة الى الكوفة ).
اذن , فـعـلى هذا الراي , ليس هناك اختلاف بين معنى الاسم والحرف بالذات ,وفي المعنى الموضوع له , وانما الفرق بينهما في اللحاظ وفي مقام الاستعمال وهوامر خارج عن ذات المعنى الموضوع له , وطارى عليه , ولا يؤخذ هذااللحاظ الالي او الاستقلالي في معناهما الموضوع له .
ولعل هذا التعريف هو الاقرب لاراء الاصوليين في هذا المجال .
ويـجـدر هـنـا الاشارة الى بعض اراء الاصوليين من علمائنا المعاصرين حول هذه المفاهيم الثلاثة الاسم والفعل والحرف .
وقد تعرض بعض علمائنا في علم الاصول , في مباحث الالفاظ الى هذه الرواية الشريفة .
الـراي الـثاني : وهو راي المحقق الاصفهاني حيث ذهب الى ان الاختلاف بين الاسم والحرف ذاتي , فـهـما برايه متباينان , ولا علاقة لاحدهما بالاخر في المعنى الموضوع له , وكل منهما وضع لمعنى معين . ومن المقدمة التي ذكرناها في تقسيم الوجودات يتضح هذا الراي اكثر.
وفي رايه ان الحروف وضعت للوجود الرابط, وذلك لان الحكماء بعد ان ذهبوا الى ان الوجود حقيقة واحـدة مـشـكـكـة فيكون لها مراتب واقسام , وقدقسم الوجود ابتداء, للوجود المستقل والوجود الرابط. اما الوجود المستقل ويسمى بالوجود النفسي والمحمولي وربما اطلق عليه بالمعنى الاسمي , مـا كـان مـسـتقلا في وجوده , وقد قسم بدوره لثلاثة اقسام : الى واجب الوجودبالذات , وهو ما لم يكتسب الوجود من غيره , ووجود الجوهر وهو مااكتسب الوجود من غيره , ولا يحتاج في وجوده لـمـوضـوع , ووجـود العرض ,وهو ما احتاج في وجوده لموضوع , وهذه الاقسام الثلاثة مستقلة بالمفهومية ويمكن للذهن تصورها بنفسها.
واما الوجود الرابط, فهو ما ليس له وجود مستقل خارجا, وما لا يمكن تصوره مستقلا الا بالارتباط بـالـوجودات المستقلة , نظير وجود النسبة في القضية , فلو لا وجود الموضوع والمحمول لم يكن للنسبة وجود, وهو صرف الربط والتعلق لا شي ء له الربط.
وقـبـل صـدر الـمتالهين لم يقل احد بتحقق الوجود الرابط خارجا, وانما في رايهم المتحقق وجود الـجوهر والعرض فحسب , ولكن صدر المتالهين ذهب لوجوده خارجا ولكنه وجود ضعيف بالنسبة لـلـوجـود الـمـسـتـقل , وتطورت هذه النظرية من بعده اكثر, واقيمت الادلة على تحققه خارجا, ووسعواالوجود الرابط بما يشمل سائر الممكنات , بتوضيح عميق , ولسنا في مجال البحث حول هذه النظرية العميقة , وللتوسع في هذا الموضوع اكثر تراجع الكتب الموسعة .
فـفـي راي المحقق الاصفهاني ان الحروف وضعت للوجود الرابط بواقعه الخارجي , اي انها وضعت للروابط الخارجية , التي تعرفنا عليها في المقدمة ,والتي لا وجود مستقل في نفسها, وانما وجودها بـوجـود طـرفـيها, فلم توضع الحروف لمفهوم الرابط, بل لواقع الوجود الرابط خارجا, بعد قيام الـبـرهان على وجوده , وذلك لان الوجود الرابط لاماهية له لضعفه , ليتصورهاالواضع ويضع اللفظ لـهـا, اذ لا يـمكن تصور الوجود الرابط في نفسه , مع تقومه بالطرفين , وانما يمكن تصور عناوين اسـمية تشير اليه , فيقول وضعت (من )لذلك الوجود الرابط الخارجي الذي يعبر عنه بالابتداء, اذن فالحروف وضعت للوجود الرابط الخارجي .
واما الاسماء, سواء كانت من الجواهر او الاعراض , فبما انها لها ماهيات , لذايمكن تصورها مستقلة فـي الـذهـن , ويوضع اللفظ لماهياتها, ولا توضع لوجودها الخارجي , فيضع اسم (الابتداء) لماهية الابـتـداء ـ فـلم يؤخذ في الموضوع له الوجود الخارجي او الذهني او العدم , لان المعاني الاسمية مفاهيم ومعان مستقلة , ولها ماهيات يمكن تصورها مستقلة في الذهن , وتوضع الالفاظ لتلك الماهيات .
ولـكن بعض الاعلام ذهب الى ان المحقق الاصفهاني لا يقول بوضع الحروف للوجود الرابط بالحمل الـشـائع في واقعه الخارجي , وانما الحروف وضعت للنسب بين المعاني الاسمية , وانما شبه النسبة بـالـوجود الرابط, فكما ان الوجودالرابط ليس له وجود مستقل خارجا وماهية متصورة في نفسها, في مقابل الطرفين , لانه وجود لا في نفسه , كذلك النسبة لا يمكن ان توجد بدون طرفيها, فلا يمكن ان تتصور النسبة بين زيد وقائم , الا مع وجود زيد قائم ,واما بدون هذه الجملة فلا يمكن ان يتحقق لـلـنسبة اي وجود, ولا يمكن تصورها وتحققها, ولعل هذا التفسير للمحقق الاصفهاني يتلاءم اكثر مع كلامه في حاشيته على كفاية الاصول .
الـراي الـثـالـث : مـا اختاره المحقق النائيني , وهو ان معاني الحروف ايجادية , بينمامعاني الاسماء اخطارية .
بمعنى ان الحرف , حين يطلق وحده , دون ان يكون مرتبطا بغيره من المعاني الاسمية , فلا يخطر في الـذهـن مـنه معنى , وانما يظهر له معنى حين يقع في تركيب كلامي , وهو يوجد ويحقق الربط بين المعاني الاسمية , وكلماته , فلو لم تكن هناك حروف لم يتحقق الربط في الذهن بين الكلمات والمعاني الاسـمـيـة , وان كـان الارتباط الخارجي بين المعاني الاسمية بوجوداتها الخارجية تكويني ,ولكن الارتـبـاط بـيـنها في عالم المعنى واللفظ لا يتم الا بوساطة الحرف ,فالحرف يمتاز عن الاسم بان الحرف هو الموجد لمعناه , وليس له قبل الاستعمال معنى موجود في عالم الادراك كالاسماء لانه هو الذي يوجد الربطبينها, فلو قلت زيد دار, لم يوجد اي ارتباط بين معنى زيد والدار, فلابدلاحداث الارتـبـاط بـيـن الـكـلمتين ومعنييهما من كلمة (في ) فتقول : (زيد في الدار) فالموجد للربط بين الـمـعنيين , هو الحرف (في ), فالحروف وضعت لايجادالربط بين المعاني , اضافة الى انها ليست لها مـعـان مـسـتـقـلـة , اذ لا يـفـهـم منهامعنى بدون الارتباط بغيرها في تركيب كلامي مشتمل على المعاني والاسماء.
فمعنى الحرف آلي , بمعنى : 1 ـ ان الحروف لا يظهر لها معنى , ولا يتصور الذهن لها معنى الا بالارتباطبغيرها.
وانـهـا كـالالات تـحقق وتوجد الارتباط بين المعاني الاسمية , وذلك لاجل ان استعمال الحرف في الجملة هو الموجد لمعناه الربطي اطلق على الحرف انه ايجادي .
وامـا الاسماء فالمعاني التي وضعت لها مستقلة في عالم المعنى , وغير قائمة في الغير, فلا يعتبر في ظهور معنى الاسم ان يكون ضمن تركيب كلامي , وانمايحضر الاسم في الذهن مستقلا عندما يطلق وحـده , فـهـو مـعنى قائم بنفسه في عالم المعنى , فاذا قيل (انسان ) حضر في الذهن المعنى المقابل لـلشجر اوالفرس . اذن فمعنى لفظ الانسان قائم بنفسه , ويحضر في الذهن بنفسه من دون الاحتياج لتركيب كلامي , فيخطر معناه في الذهن بنفسه وبصورة مستقلة دون احتياجه للانضمام لغيره , ومن هـنا اطلق على المعنى الاسمي , انه معنى خطوري , ولفظ الاسم انه اخطاري , موجب لخطور معناه في الذهن .
وهناك آراء اخرى في تفسير حقيقة الاسم والحرف , والمعنى الاسمي والحرفي تلاحظ في الكتب الاصولية الموسعة والمعمقة , وقد ذكر كل واحد من هؤلاءالاعلام المحققين ادلة عديدة لرايه كما تـعرضت هذه الاراء الى اعتراضات ومناقشات ولكننا هنا ذكرنا اهم الاراء الاصولية المتطورة في هذا المجال .
ولـعـل هـذه الاراء وامـثـالـهـا, تـشترك في تعريف الحرف , بانه ما يدل على معنى غير مستقل في الـمفهومية , فلا يمكن للذهن ان يفهم من الحرف معنى بمجرده ,دون ان يكون ضمن غيره , بان يكون ضـمـن جـملة يرتبط بها الحرف , فلايمكن ان يظهر للفظ الحرف معنى الا اذا كان ضمن غيره من الاسـمـاء, ولعله لهذا المعنى يشير الامام (ع ) في تعريفه للحرف : بانه ما دل على معنى في غيره ,اي انـمـا يـظـهـر له معنى اذا كان في غيره , ولفظ الحرف انما يدل على هذا المعنى الارتباطي , او ان الـحـرف يـوجـد الارتـباط بين المعاني الاسمية , فيدل على ذلك المعنى التركيبي في الاسماء كما وضحناه في راي المحقق النائيني .
وامـا الاسم : فيدل على معنى مستقل في المفهومية , فيفهم الذهن من الاسم معناه بصورة مستقلة سواء كان ضمن جملة ام لا, ولفظ الاسم يحكي وينبى عن هذا المعنى المستقل في الذهن ولعله لهذا المعنى يشير الامام (ع ) في تعريفه للاسم بانه (ما دل على معنى في نفسه ), او (ما انبا عن المسمى ).
واما (الفعل ), فقد عرفه الامام (ع ) بانه (ما انبا عن حركة المسمى ).
وقد حاول علماؤنا تفسير حركة المسمى , التي ينبى عنها الفعل ويدل عليها.
فـقـد فـسـر المحقق النائيني هذا التعريف بتفسير عميق , وذكر له بعض المقدمات العلمية الدقيقة نذكر خلاصة رايه في هذا المجال .
فـانـه يـرى ان الـفعل مركب من مادة وهيئة , وهيئته تدل على انتساب المبداللذات , واما المادة فهي الـمـبدا, فالمراد من المسمى في هذا التعريف هو مبداالاشتقاق , وبما ان مبدا المشتقات يشترط ان يـكـون غـيـر مـتـحـصـل وغـيـرمـتـشكل بهيئة ما, فانه لو كان متشكلا بهيئة ما, لم يكن مبدا لـلاشـتـقاق ,وساريا في جميع المشتقات , لذلك بما ان هذا المبدا او المسمى معرى من الهيئة وغير متحصل , فان الفعل بهيئته يمنحه التحصل والشكل , (فبالفعل يخرج المبدا عن اللاتحصلية , ويتحرك من القوة الى التحصلية والفعلية , فالفعل بجملته يظهر وينبى عن حركة ذلك المسمى ـ الذي هو مبدا الاشـتـقاق ـ من القوة الى الفعلية , ومن اللاتحصلية الى التحصلية في عالم المفهومية , حيث كان غير متحصل فصار بواسطة هيئة الفعل متحصلا) ((371)) .
وفـسـر الـمحقق الاصفهاني هذا التعريف : ان هيئة الفعل تدل على نسبة المبدا اوالمادة الى الذات , وهـذه النسبة معنى حرفي , واما نفس المادة فهي معنى اسمي ,(والنسبة في الفعل لها جهة حركة من الـعـدم الى الوجود فيحضر في الذهن من سماع ضرب زيد مثلا حركة الضرب حقيقة من العدم الى الـوجـود بـحـقـيـقـة الـحـركـة الـصدورية , فكانه يرى الحدث المخصوص متحركا من العدم الى الوجود). ((372)) .
ويـمـكـن ان نفسر دلالة الفعل على حركة المسمى : بان الفعل بما انه يدل على الزمان كما رايناه في تعريف بعض النحويين للفعل , والزمان بنفسه متحرك ,وغير قار, وانما حقيقته التصرم وعدم الثبات .
لذلك دل الفعل على حركة المسمى , اي حركة معناه وعدم ثباته لاخذ الزمان فيه .
ولكن علماءنا انكروا دلالة الفعل على الزمان بالوضع , اذ لم يؤخذ الزمان في مدلوله . وذلك لان الفعل مـركـب مـن مادة وهو المبدا, وهو معنى اسمي , بينماهيئته مثل هيئة (ضرب ), فانها معنى حرفي , وهـي تـدل على انتساب المبدالذات ما, فاين دلالة الفعل بمدلوله على الزمان , اذ ليس فيه الا الهيئة والـمـادة وقـد راينا عدم دلالتهما على الزمان , ومن هنا عبر البعض عن الفعل بانه مركب من الاسم والحرف , وبذلك يمكن تفسير حركة المسمى بتفسير يتلاءم ومدلوله .
فـان الـفعل كما ذكرنا, يدل على انتساب الحدث للذات , والملاحظ ان هذاالانتساب ليس ثابتا قارا, لـعـدم ثـبـات الـحدث في حال انتسابه للذات ,فالضرب مثلا المنتسب للضارب , هو في حال انتسابه وصدوره منه , في حالة تجدد وحدوث وحركة , باي معنى فسرنا الحركة , بتفسير المحقق النائيني , او الاصفهاني بخروج الحدث من العدم الى الوجود, او لاجل ارتباط الحدث بزمان , والزمان متحرك , او بمعنى آخر, وبذلك ينبى الفعل عن حركة المسمى والحدث .
الملحق الثاني : مدى تاثير العامل القومي في تصرفات المسلم الملتزم ذكرنا ان البعض غالى في دور العامل القومي في وضع النحو, واكد عليه كثيرا, مع تجاهله او تقليله لـدور الـعـامـل الـديـني , ولكن ذكرنا, ومن خلال الشواهد, ان الدافع الديني , وحفظ النصوص من الـتـحـريـف والاشـتـبـاه والالـتـبـاس كـان اقـوى الـدوافع عند الواضعين الاولين امثال الامام اميرالمؤمنين (ع ) وابي الاسود الدؤلي , كما كان له تاثيره في وضع الكثير من العلوم .
ولـذلـك راينا من الجدير ان نستعرض بايجاز مدى تاثير الدافع القومي في تصرفات المسلم الملتزم وان كان فيه استطراد, مع التاكيد على ان حب الانسان لقومه ولغته ووطنه , بما لا يتصادم وعقيدته الاسلامية , مما لايرفضه الاسلام , ومنها تفكيره في وضع القواعد للغته حفاظا عليها, وان هذا الحب والولاء كما سنذكره من الميول الطبيعية المغروسة في كل انسان وخاصة في تلك المجالات النبيلة والفاعلة المتعلقة بقومه وامته , ولكن وككل الميول والرغبات , ربما تعرضت لعوامل الانحراف التي جاء الاسلام لتعديلهاواعادتها الى حالة التوازن والاستقامة المشروعة .
ولذلك , ومن خلال الواقع الموضوعي للمسلم الملتزم , وراي الاسلام في هذاالموضوع , في تعاليمه وتـجـارب الـمسلمين الملتزمين , نحاول هنا تسليط بعض الضوء على مدى صحة المغالاة في العامل الـقـومـي , وهـل لـه تـاثيره الوحيد اوالاكبر في تصرفات المسلم الملتزم , وخاصة فيما لو كانت متصادمة مع التعاليم الاسلامية ورضا الاسلام وارادته .
فـالقرآن الكريم يعتبر تقسيم البشر الى وحدات سياسية بطابع فئوي قطري او قومي او طبقي او امثال ذلك , عذابا دنيويا تتعرض له الامم , ويؤدي بالتالي الى دمار البشرية ((373)) . قال تعالى : (او يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم باس بعض ) ((374)) .
وكـذلـك يعتبر تقسيم الامة , من اساليب الطغاة في سبيل اذلال الشعوب ,والاستيلاء عليها, والقضاء على روح المقاومة والقوة فيها, فقد استخدم فرعون عدة اساليب في سبيل تحكيم سلطانه وطغيانه , ذكرها القرآن الكريم ومنها (ان فرعون علا في الارض وجعل اهلها شيعا) ((375)) .
ولعل هذا العذاب الدنيوي , وانهيار روح الامة , نتيجة طبيعية لتقسيم الامة ,بل البشرية عامة , وذلك لان هـذا الـتـقـسيم سبب التفرقة والتنازع , والتفرقة سبب للضعف والفشل (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ).
والملاحظ ان جميع المبادى الارضية لا تملك عامل الوحدة الحقيقية بين البشر, وانما الايمان باللّه والتقوى وحده , يملك هذا التاثير العميق في تكوين الوحدة , كما ان الايمان باللّه هو الاساس المكين لـلالـتـزام بالمكارم الاخلاقية والقوانين العملية لما يملكه من دوافع دنيوية واخروية , ضاربة في عمق الفطرة , واما سائر المبادى فتفقد المبرر القوي لذلك , وتوضيح هذه الفكرة اكثر في محله .
ويـرى الـقـرآن الكريم ان رسول الاسلام والرسالة الاسلامية لجميع البشركافة على السواء لا لطائفة معينة (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ) ((376)) (وما هو الا ذكر للعالمين ) ((377)) , (وما ارسلناك الا كافة للناس بشيراونذيرا) ((378)) .
وان جـمـيع البشر يرجعون الى اصل واحد فلا مبرر لاستعلاء البعض على البعض الاخر بالنسب , وانـه لامـيزة لاحد الا بالتقوى (يا ايها الناس اتقواربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) ((379)) , (وهو الذي انشاكم من نفس واحدة ) ((380)) .
وان جـمـيع البشر امة واحدة في ظل الاسلام لا امم ولا طوائف ولا ميزة الابالتقوى وعبادة اللّه (ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون ). (ياايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجهاوبث فيها رجالا كثيرا ونساء).
ويـحـدد الـقـرآن الكريم معيار الفضل والكرامة للانسان او الامة بالتقوى فحسب , دون غيره من المعايير البشرية , وان على البشر الاتحاد والتعاون لاالتفرقة والشقاق (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباوقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم ).
وان العامل الوحيد في الوحدة الحقيقية للبشر, وفي سعادتهم في الدنياوالاخرة هو الاعتصام بحبل اللّه , وامـا غيره من المبادى والمعتقدات الجاهلية فهي عوامل العداء والشقاق والشقاء: (واعتصموا بـحـبـل اللّه جـمـيـعـا ولاتـفـرقـوا واذكروا نعمة اللّه عليكم اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم فـاصبحتم بنعمته اخوانا) ((381)) , وليس هناك شعب ممتاز او ملة سامية متفوقة على سائر الملل (وقـالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا او نصارى تلك امانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين بـلـى مـن اسـلـم وجـهـه للّه وهـو مـحـسـن فـلـه اجـره عـنـد ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ((382)) .
وهناك آيات كثيرة في هذا المجال , لم نذكرها رعاية للاختصار, والملاحظ ان هذه الايات تتضمن مفاهيم كثيرة لم نذكر الا القليل منها.
واما الاحاديث النبوية في هذا الموضوع فهي كثيرة , نذكر القليل منها مع الاشارة لبعض مدلولاتها.
فـقـد صـرح الـرسول (ص ) في خطابه الاول بعد فتحه لمكة باستنكار العصبية الجاهلية , وتعظيم الاباء, والاستعلاء على القبائل والشعوب الاخرى , وان التفاخر بالتقاليد والمعايير الجاهلية , ليس لها اية قيمة في الاسلام .
قال (ص ): ((لا اله الا اللّه , وحده لا شريك له , صدق وعده , ونصر عبده ,وهزم الاحزاب وحده , الا كل ماثرة او دم او مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين . يا معشر قريش ان اللّه قد اذهب عنكم نخوة الـجـاهـلـيـة , وتـعـظمهابالاباء. الناس من آدم , وآدم من تراب )) ثم تلا هذه الاية : (يا ايها الناس اناخلقناكم من ذكر وانثى ...) ((383)) .
وكانه (ص ) استهدف من خطابه الاول هذا القضاء على البقية الباقية من تقاليد الجاهلية , والاشارة الى العامل المهم في تكوين الجاهلية والتخلف والتنازع والاختلاف لذكره في بيانه الاول بعد الفتح .
ويـصـرح الـرسـول (ص ) بـانـه لا فضل لاحد على احد الا بالتقوى , والعمل الصالح , وان الجميع يـرجـعـون الى اصل واحد, فلا مبرر للتفاخر والاستعلاءولا فضل للقوميات والعصبيات مهما كان نوعها.
قـال رسـول اللّه (ص ): ((يا ايها الناس الا ان ربكم واحد, وان اباكم واحد, الالافضل لعربي على اعـجـمـي , ولا لـعـجـمـي عـلـى عـربـي , ولا لاحـمر على اسود, ولالاسود على احمر الا بالتقوى )) ((384)) .
وقال (ص ): ((ليس لاحد على احد فضل الا بالدين او عمل صالح )) ((385)) .
(وعـن فـسـيـلة قالت : سمعت ابي يقول : سالت النبي (ص ) فقلت : يا رسول اللّه امن العصبية ان يحب الرجل قومه ؟ قال : لا, ولكن من العصبية ان يعين الرجل قومه على الظلم ) ((386)) .
اذن فـالاسـلام لا يرفض ان يحب الانسان قومه لانه امر طبيعي , يعيشه ويدركه كل انسان وكيف يمكن للاسلام ان يرفض شعورا طبيعيا دون ان يتنافى ومسيرته ومبادئه . وخاصة فيما لو كان قومه متصفين بالصفات النبيلة , وكذلك لا يرفض الاسلام ان يحب قومه فيما اذا كانوا على حق , وكان حبه لاجل اللّه , فهو في واقعه حب للحق ذاته , وكذلك يرفض الاسلام ان يبغض الانسان قوما الا اذا كان بغضه لاجل اللّه ايضا, فيكون في واقعه بغضا للباطل .
ويرفض الاسلام ان يحب الانسان قومه اذا كانوا على باطل , وان يعينهم على الظلم , والاصرار على البقاء على محبة قومه رغم ضلالهم وظلمهم للاخرين , كما يرفض ان يرى الانسان قومه اسمى من سائر الاقوام بدون استحقاق او مبرر شرعي وعلى اساس التقوى .
ولاجل ذلك رفض الاسلام العصبية , بان يذوب الانسان في حب قومه .حتى لو كانوا على باطل وان يـعينهم على الظلم والباطل وسحق حقوق الاخرين ومشاعرهم وان يصر على حماية قومه وآبائه وتـقـالـيـدهم وحبهم وولائهم , رغم باطلهم وظلمهم , فان هذه العصبية والاصرار على تقاليدقومه وآبائه ومعتقداتهم ضلال , وهي عادة جاهلية , سواء كانت عصبية قومية او قبلية او غيرهما, مما لا يـقوم على اساس العقيدة والتقوى . قال الرسول (ص ): (ومن قتل تحت راية عمية ((387)) يغضب للعصبية او يقاتل للعصبية او يدعو للعصبية فقتلته جاهلية ) ((388)) .
(ويحدد الامام زين العابدين (ع ) هذه الفكرة بقوله : ((العصبية التي ياثم صاحبها ان يرى شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين , وليس من العصبية ان يحب الرجل قومه , ولكن من العصبية ان يعين قومه على الظلم )), وهذاحسم قيم في هذا المجال , حيث ان الميل الى العصبية والقبيلة امر طبيعي ,جرت عليه العادة , فاذا كان على اساس الحب والولاء فهو امر جيد, لكن اذاكان على اساس المحاباة وظلم الاخـرين وعلى حساب حقوق الاباعد, اوكان من باب اعانة الظلم , فهذا هو المردود في الاسلام , والـذي يـدعـيه اصحاب النعرات العنصرية واهل الغرور والجهل الفارغين من القيم كبني امية هو النوع الثاني ) ((389)) .
وقـال الرسول (ص ): ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد اذااشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى )) ((390)) .
فـان مـثـل هـذا التراحم والتواد, كما هو مطلوب من المؤمنين , فانه ايضا نتيجة الايمان حقا باللّه , فـالايـمـان باللّه وحده يمكنه التاثير في ذلك , واما غيره من المبادى والمعتقدات فانها لا تملك هذا الـتـاثـير الشامل والمتجذر في عمق الروح الانسانية وواقع الجاهلية القديمة والحديثة , والتنازع والـحـروب بين الامم , بل الامة الواحدة دليل على ذلك , وما نشب من صراع بين المسلمين ناشى من عدم التزامهم حقا بالاسلام الاصيل .
وامـا الامـام علي (ع ) فقد حارب العصبية او الحمية او النخوة الجاهلية ,بحسب تعبيراته (ع ), في الكثير من خطب نهج البلاغة , واعتبرها من رواسب العصر الجاهلي , ومن نفثات الشيطان التي يلزم الـمـسـلـم التنزه عنها,ونذكر هنا القليل من احاديث الامام (ع ) في هذا المجال : ((فاطفئوا ما كمن فـي قـلـوبـكـم من نيران العصبية واحقاد الجاهلية , فانما تلك الحمية تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته ونزعاته ونفثاته )) ((391)) .
((اللّه اللّه في الحمية وفخر الجاهلية )) ((392)) .
((فان كان لابد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الاخلاق )) ((393)) .
ويـفسر الشيخ المجلسي العصبية , بعد ان يذكر حديث الرسول (ص ) ((من تعصب او تعصب له فقد خلع ربقة الايمان من عنقه )) بقوله : (من يعين قومه على الظلم , والتعصب المذموم في الاخبار هو ان يـحـمـي قـومه او عشيرته اواصحابه في الظلم والباطل , او يلج في مذهب باطل او مسالة باطلة , لـكـونـه دينه او دين آبائه او عشيرته , ولا يكون طالبا للحق , بل ينصر ما لم يعلم انه حق او باطل لـلـغـلـبـة عـلـى الخصوم , او اختار مذهبا ثم ظهر له خطاه فلايرجع عنه لالا ينسب الى الجهل والضلال ) ((394)) .
ومـا ذكـره الشيخ المجلسي من مصاديق العصبية بمعناها الواسع , ولعل من مصاديقها الحب المنحرف لـغـير الاسلام , بان يحب الارض او الدم او اللغة اوالاجداد او غيرها من العلاقات الارضية , حبا مـنـحـرفـا بما يتنافى وحب الاسلام , وكما ذكرنا من ان يحب امثال هذه الامور ويتعلق بها حتى لو كانت على باطل وضلال , ويتشبث بها دون محاولة الانفكاك عنها, وان يتفاخر بهاويشعر باستعلائها عـلـى غـيرها, وان يقدم ارادتها والولاء لها على ارادة الاسلام , وان يصر في الالتزام بتقاليد قومه وآبـائه ومـعتقداتهم رغم ظهوربطلانها وضلالها, وان يساعد قومه على الباطل والظلم والتجاوز على حقوق الاخرين , والاستهانة بمشاعر الاخرين وعاداتهم ومعتقداتهم .
والـمـلاحـظ مـن سيرة الرسول (ص ) انه رفع من مكانة سلمان الفارسي المحمدي وبلال الحبشي وغيرهما وذلك لما يتمتعون به من سمو في الايمان والحق والجهاد, ووضع من مكانة بعض اشراف الـعـرب الـمشركين الذين وقفوا في وجه الاسلام , وذلك لما تميزوا به من باطل وانحراف وعداء للقيم والاسلام .
وكـان مـن تـاثـيـر الـعـقـيـدة الاسلامية في نفوس المسلمين , ان يحارب المسلم قبيلته في زمان الرسول (ص ), وبعده ايضا من المسلمين المخلصين , بل ربماحارب اقرباءه , واباه واخاه , الذين كانوا في معسكر المشركين , او معسكرالباطل , وهكذا يجب ان يكون المسلم الحقيقي , حيث يقدم علاقته بالاسلام على سائر العلاقات والاغلال الارضية .
قـال تعالى : (لا تجد قوما يؤمنون باللّه واليوم الاخر يوادون من حاد اللّه ورسوله ولو كانوا آباءهم او ابناءهم او اخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه ويدخلهم جنات تـجـري مـن تحتها الانهارخالدين فيها رضي اللّه عنهم ورضوا عنه اولئك حزب اللّه الا ان حزب اللّه هم المفلحون ).
اذن فـلا انتماء الا للّه , وحزب اللّه هم المفلحون . اولئك الذين يرضى عنهم اللّه ,واولئك المؤمنون حقا, والمؤيدون من اللّه .
والاية الشريفة تشير لهذه الفكرة : (قل ان كان آباؤكم وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم وامـوال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادهاومساكن ترضونها احب اليكم من اللّه ورسوله وجهاد في سبيله فتربصواحتى ياتي اللّه بامره ).
ويـقـول الامـام امـيـر الـمؤمنين (ع ): (ولقد كنا مع رسول اللّه (ص ) نقتل آباءناوابناءنا واخواننا واعمامنا, ما يزيدنا ذلك الا ايمانا وتسليما ومضيا على اللقم وصبرا على مضض الالم وجدا في جهاد العدو) ((395)) .
وهـنـاك شـواهـد كـثيرة في زمان الرسول (ص ) وغيره , قدم فيها المسلمون اواصرالعقيدة على اواصـر الـقـرابة , حيث قاتل فيها الابن اباه او قريبه , نذكر منهاهذا المثال , ففي معركة بدر (كان عتبة بن ربيعة حين دعا الى البراز قام اليه ابنه ابو حذيفة يبارزه , فقال له رسول اللّه (ص ): اجلس , فلما قام اليه النفر,اعان ابو حذيفة بن عتبة على ابيه بضربة ) ((396)) .

 

ـــــــــــــ هوامش ـــــــــــــ

342- مدرسة البصرة النحوية : 50.

343- مدرسة البصرة النحوية : 49.

344- ابو الاسود الدؤلي ونشاة النحو العربي ص 6(ع )1.

345- ضحى الاسلام : 2 / 285.

346- من تاريخ النحو: 11.

347- ابو الاسود الدؤلي ونشاة النحو العربي ص 6(ع )1.

348- نشاة النحو: 23.

349- لاحظ كتاب ((تاسيس الشيعة لفنون الاسلام )) ففيه الكثير من الادلة على هذه الحقيقة .

350- مجلة الاقلام , السنة الرابعة : العدد 6 / ص 104.

351- اخبار النحويين البصريين : 12.

352- ابو الاسود الدؤلي ونشاة النحو العربي ص 90.

353- اعيان الشيعة : (ع ) / 403 نقلا عن القاموس .

354- الاصـابـة لـلحافظ ابن حجر: 2 / 341, والمقنع في رسم مصاحف الامصار للداني :132, وطبقات النحويين : 5, والمزهر 2 / (ع )39.

355- بغية الوعاة للسيوطي : 4(ع )3, الاغاني 12 / 269.

356- نزهة الالباء: 9, وروضات الجنات 4 / (ع )16.

357- المدارس النحوية : (ع )1.

358- النحو العربي : 30.

359- اعيان الشيعة : 1 / 90.

360- راهـنـمـاى كـنـجـيـنـه قـرآن , تـاليف احمد گلچين معاني , انتشارات كتابخانه استانه قدس ,منشورات المكتبة الرضوية , سنة (ع )134 شمسية .

361- تهذيب التهذيب : 11 / (ع )26.

362- تاسيس الشيعة لعلوم الاسلام : ص 318.

363- انباء الرواة : 5.

 364- تاريخ الادب العربي : 54.

 365- نقلا عن مدرسة البصرة النحوية : 154.

 366- مدرسة البصرة النحوية : (ع )5.

 367- الاصابة لابن حجر: 2 / 241.

 368- الاغاني : 11 / 230.

 369- ابو الاسود الدؤلي ونشاة النحو العربي : ص 86.

 370- اعيان الشيعة : 1 / 162.

 371- فوائد الاصول : 1 / 5.

 372- نهاية الدراية : 1 / 3(ع ).

 373- الاسلام والقومية : ص 95.

 374- القصص : 41.

 375- الانعام : 65.

 376- الانبياء: (ع )10.

 377- القلم : 52.

 378- سبا: 28.

 379- الانبياء: 1.

 380- الانعام : 98.

 381- آل عمران : 103.

 382- البقرة : 111 ـ 112.

 383- سيرة ابن هشام : 4 / 54.

 384- مسند احمد بن حنبل : 5 / 411, كنز العمال : 3 / 699 حديث 8502.

 385- كنز العمال : 16 / 39 حديث 43840.

 386- سنن ابن ماجة : 2 / 1302.

 387- عمية : ضلالة .

 388- سنن ابن ماجة : 2 / 1302, مسند احمد بن حنبل 2 / 306, 488.

 389- جهاد الامام السجاد زين العابدين (ع ) السيد محمد رضا الحسيني الجلالي :ص 163.

 390- البحار: 61 / 150.

 391- نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح : ص 288.

 392- المصدر نفسه : ص 289.

 393- المصدر نفسه : ص 295.

 394- مرآة العقول : 10 / 4(ع )1.

 395- نهج البلاغة : ص 92 , خطبة 56.

 396- المغازي للواقدي : ص 50.