بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الموفق للصواب ، وأفضل الصلاة وأتم التحية على محمد وآله الاطياب ، وعلى من أخلص الطاعة لهم من الأصحاب.
وبعد : فان الناظر في تاريخ نبينا الأعظم وأهل بيته عليه عليهم أفضل الصلاة يخلص الى قضية وهي : ان كل واحد من هذه الشخصيات الربانية كان بمثابة الشمس الساطع تحيط بها لكواكب لمتكاثرة تستمد من فيض شعاعها ما تعكسه على المتحيرين من البشر زخك يسيرون في حنادس هذه الدنيا المظلمة ، كما قال تعالى : « وبالنجم هم يهتدون » .
ومن نجوم الهداية الزاهرة التي استنارت من منبعي النور النبوي والولوي سلمان الفارسي الذي كان بحق محمديا في أخلاقه وسرته وحسن جديلته.
وقد تفضل سماحة المحقق والعلامة المدقق صاحل التصانيف المعرف السيد جعفر مرتضى العاملي ـ رفع الله شانه ـ بكتابة مستفيضة سلط فيها الأضواء على هذه الشخصية الفذة من جميع جوانبها ، مجليا للمبهمات التي علقت بحياته لكريمة.
وقد تصدت مؤسستنا ـ ولله الحمد ـ لطبع هذا السفر المبارك ونشره وتقديمه للقراء الكرام ، سائلين الله ان يوفق الجميع لما فيه رضا وخدمة الدين انه نعم المولى ونعم المعين.

مؤسسة النشر الاسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة






( 4 )

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين ، والصلاة السلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.
وبعد فان هذا الذي نقدمه بين يدي القاريء ليس كتابا ، اريد له ان تتكامل فصوله ، وتتشابك مطالبه ، وتنسجم مباحثه.
وانما هو بحوث ، أو بالاحرى مطالب ربط فيما بينها ، نفس ذلك الذي أثارها ، أعني سلمان المحمدي ( الفارسي ) رضي الله تعالى عنه ، وسلام منه عليه وبركات.
ولانريد : ان نطيل على القاريء الكريم في تاريخ ربما لايهتم بأمره كثيرا.. فان الحقيقة هي : ان هذه مجموعة مطالب كتبت في باديء الامر ، لتكون جزءا من كتابنا : الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، وبالتحديد لتكون جانبا من الجزء الخامس منه ، والذي لايزال قيد الاعداد.
ولكن.. حين اتضح لدينا : ان هذه المطالب قد اتسعت تضخمت ، وأصبحت تشغل حيزا كبيرا من كتاب : الصحيح ، يجعله يخرج عن حالة التناسق ، الانسجام ، ولو بمستوى الحد الأدنى منه ، ـ فاننا ـ لم نجد مناصا م افرادها عنه ، لتقدمها على شكل كتاب ( أو كتيب ) مستقل عنه. على أمل ان يغض الاخوة القراء والباحثون الطرف عن الهنات ، التي ألمحنا اليها آنفا ، فلربما يجدون عوضا عنها بعضا من القيمة ، في جوانب أخرى منه ، لعلهم سوف يرتاحون لاثارتها ، تعجبهم المبادرة لمعالجتها.
ومهما يكن من أمر.. فاننا نقدم هذه البضاعة الزجاة اليهم ، وقد تقدمنا بالعذر على مايجدونه فيها من تقصير أو قصور.. فان الكمال لله وحده ، وهو ولينا.. وهو الهادي الى سواء السبيل.

قم المشرفة ـ 24 | شهر رجب | 1409 هـ. ق 12 | اسفند | 1367 هـ. ش

جعفر مرتضى العاملي


( 5 )


الباب الاُوّل :
فصول من حياة سلمان



( 6 )



( 7 )


الفصل الاُوّل :

سلمان المحمّدي
في سطور..



( 8 )



( 9 )


بداية :
إن دراسة حياة الأفذاذ من الرجال ، إنّما تصبح ضرورة ملحة ، حينما تكون فرصة لاستيعاب كثير من المعاني البناءة ، وللتعرف على حقائق الحياة ، والوقوف على عميق أسرارها ، من خلال دراسة فكر ورؤية ، ثم حركة وموقف هؤلاء القمم؛ ليكون ذلك رافداً ثرّاً للجانب العاطفي ، ومسهماً في تعميق الوعي العقيدي ، المهيمن على هذا الانسان في كل شؤونه ، ومختلف أحواله وأطواره ..
وليس ضرورياً دراسة حياة أي كان من الناس ، إذا كانت هذه الدراسة تنطلق من مبدأ عبادة الاشخاص ، وتسمح للانسان بالانسياق في متاهات التعظيم والتبجيل لهم دون هدف ، وبلا ضابطة ، أو معيار .. سوى إرضاء الهوى ، والاستجابة إلى النزعات التي ، لا تسمو بالانسان ، ولا هي تمنحه الفرصة ليسمو هو بها على الاُقل ..
بل هي تكبله بما شاءت من قيود ، وحدود ، وتشده إلى الاُرض؛ ليخلد إليها. وليتعامل ـ من ثم ـ مع كل شيء ، بنظرة ضيقة ، وعقلية متحجرة ، وروح ممسوخة ، وقاسية ، وحتى حاقدة أيضاً .. وليواجهك ـ من ثم ـ بكل الأساليب الملتوية ، والممارسات الخاطئة ، والمواقف المهزوزة ، والمشينة في كثير من الأحيان ..


( 10 )


دراستنا لسلمان المحمّدي :
ومن هنا .. فاننا لن نسمح لدراستنا لحياة سلمان المحمّدي ، أن تتخذ إلا طابع الاستفادة من التجربة الفاضلة ، لتسمو بنا ، ونسمو نحن بها ، لتكون ربيعاً لنا نتخير من أزهاره ، ونجني من أثماره ، ونلتذ بأفانين تغريد أطياره.
ونكون نحن لها التجسيد الحي ، والنموذج الفذ ، والمثل الاُعلى ..
ولكننا .. إذ نؤمن بأن قضايا التاريخ ، مما لا يمكن حسم الاُمر فيها ، بسهولة ، الاُمر الذي يتخذ صفة الضرورة ، قبل أن يمكن استيحاء العبرة والفكرة من أية قضية .. فاننا وجدنا أنفسنا تائهين في آفاق التحقيق والتقصي ، لا نكاد نلتفت إلى انفسنا ، ولا أن نعي موقعنا حتى يشدنا تيار تحقيقي آخر إليه ، لنصبح ـ من ثم ـ أسرى بين يديه ..
ولأجل ذلك .. فقد أصبح من الطبيعي أن نقدم دراسة تكاد تكون متمحضة في هذا الاتجاه ، لولا لفتات هنا ، ولمحات ولمعات هناك ..
ولكننا قبل أن نقدم إلى القارىء الكريم حصيلة تلك الجولة نود أن نقدم إليه باقة من حياة سلمان ، على شكل معلومات أولية ، من دون ذكر مصادر لها فعلاً (1).
ما دمنا نشعر بالحاجة إلى التعرف ـ نسبياً ـ على بعض مفاصل حياته رضوان الله وسلامه عليه .. فنقول :

معلومات أولية :
اسمه : سلمان.
____________
(1) ويكفي للإطلاع على جانب من حياته رحمه الله مراجعة كتاب بحار الاُنوار وكتاب سفينة البحار ، وكتاب نفس الرحمان في فضائل سلمان.


( 11 )


كنيته : أبو عبدا‏لله ، أو أبو الحسن ، أو أبو إسحاق.
ولادته : لا مجال لتحديدها.
وفاته : سنة أربع وثلاثين للهجرة.
عمره : قيل : عاش ثلاث مائة سنة ، وقيل : أقل ، وقيل : أكثر.
بلده : جي (قرية في اصفهان). وقيل : إنه من رامهرمز ، من فارس.
محل دفنه : المدائن .. بلد قرب بغداد ، فيه قبره رحمه الله ، وقبر حذيفة بن اليمان ..
أبوه : كان أبوه دهقان أرضه.
عداده : وهو يعدّ من موالي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان قد تداوله بضعة عشر رباً ، حتى أفضى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان قد قرأ الكتب في طلب الدين.
حرفته : كان يسفّ الخوص ، ويبيعه ويأكل منه ، وهو أمير على المدائن.
اسلامه : عدّ في بعض الروايات هو وعلي عليه السلام من السابقين الاولين. كما قال ابن مردويه ويقال : بل اسلم أوائل الهجرة ، كما سيأتي.
مشاهده : روي : أنه شهد بدراً وأحداً ، ولم يفته بعد ذلك مشهد.
عطاؤه : خمسة آلاف ، وكان يتصدق به ، ويأكل من عمل يده.
بيت سكناه : لم يكن له بيت يسكن فيه ، إنما كان يستظل بالجدر والشجر ، حتى أقنعه البعض بأن يبني له بيتاً ، إن قام أصاب رأسه سقفه ، وإن مدّ رجليه أصابهما الجدار.

من خصائص سلمان :
قد عرفنا من بيت سكناه ومن حرفته ، ومما يصنعه بعطائه زهد سلمان ، وعزوفه عن الدنيا ، ولا نريد استقصاء ذلك هنا أكثر من ذلك ..


( 12 )


وقد وصفه البعض بأنه : كان خيراً فاضلاً ، حبراً عالماً ، زاهداً ، متقشفاً (1). وكانت له عباءة يفرض بعضها ، ويلبس بعضها .. .
كان يحب الفقراء ويؤثرهم على أهل الثروة والعدد.
وكان ـ حسبما يقال : يعرف الاسم الاعظم.
وكان من المتوسمين.
والايمان عشر درجات ، وكان سلمان في الدرجة العاشرة.
وكان يحب العلم والعلماء.
إن سلمان ـ حسبما روي عن الامام الصادق عليه السلام ـ كان عبداً صالحاً ، حنيفاً ، مسلماً ، وما كان من المشركين. وفي حديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم : لا تغلّطنّ في سلمان ، فان الله تبارك وتعإلى أمرني ان اطلعه على علم البلايا والمنايا والانساب ، وفصل الخطاب ..
وقد أدرك العلم الأول والآخر ، وهو بحر لا ينزف.
وقد أخبر عن مصارع الشهداء في كربلاء ، وعن أمر الخوارج .. .

منزلته ومقامه :
بعض ما سبق يشير إلى علو مقامه ، وسامق منزلته ، ولا نرى أننا بحاجة إلى المزيد ، ولكننا مع ذلك نقول :
قال صاحب الاستيعاب : لقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من وجوه ، أنه قال :
لو كان الدين عند الثريا لنا له سلمان.
قال : وقد روينا عن عائشة ، قالت : كان لسلمان مجلس من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ينفرد به بالليل ، حتى يكاد يغلبنا على رسول الله
____________
(1) الاستيعاب بهامش الاصابة ج2 ص58 ، وسفينة البحار ج1 ص647.


( 13 )


صلّى الله عليه وآله وسلّم (1).
وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ حسبما سيأتي ـ : سلمان منّا أهل البيت.
وعن الصادق عليه السلام : كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وأمير المؤمنين صلوات الله عليه يحدثان سلمان بما لا يحتمله غيره ، من مخزون علم الله ، ومكنونه.
ويأتيه الأمر : يا سلمان ، إئت منزل فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فانها اليك مشتاقة ، تريد أن تتحفك بتحفة قد اتحفت بها من الجنة ..
وعلمته صلوات الله وسلامه عليها أحد الادعية أيضاً ..
وعن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : سلمان منّي ، ومن جفاه فقد جفاني ، ومن آذاه فقد آذاني الخ.
وقال الصادق عليه السلام لمنصور بن بزرج ـ حسبما روي ـ : لا تقل : سلمان الفارسي ، ولكن قل : سلمان المحمّدي .

من لطائف الاشارات :
ونذكر من لطائف الاشارات ، وطرائف الاحداث :
ان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد آخى بين سلمان ، وأبي ذر ، وشرط على أبي ذر : أن لا يعطي سلمان ..
ومع أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب كان قد رفض تزويج سلمان بشكل أو بآخر ، وصدر منه التعبير عن هذا الرجل الفذ : بـ « الطمطماني» .
فانه ـ لاسباب معينة ، قد ولاه المدائن ، كما سنرى إن شاء الله تعالى ..
____________
(1) الاستيعاب هامش الاصابة ج2 ص59 وسفينة البحار ج1 ص648.


( 14 )


ويقال : إن تاج كسرى وضع على رأس سلمان ، عند فتح فارس ، كما قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وحين زفاف فاطمة ، ركبت فاطمة عليها السلام بغلة النبيّ الشهباء ، وأمر صلّى الله عليه وآله وسلّم سلمان أن يقودها ، والنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يسوقها.
وكان سلمان رحمه الله أحد الذين بقوا على أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد وفاته ..
وكان رحمه الله من المعترضين على صرف الاُمر عن علي أمير المؤمنين إلى غيره ، وله احتجاجات على القوم في هذا المجال ، هو وأبي بن كعب رحمه الله.

وفاة سلمان :
وحين توفي سلمان تولى غسله وتجيزه ، والصلاة عليه ودفنه علي أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، وقد جاء من المدينة إلى المدائن من أجل ذلك. وهذه القضية من الكرامات المشهورة لأمير المؤمنين عليه الصلاة.
وقد نظم أبو الفضل التميمي هذه الحادثة؛ فقال :

سمعت مني يســيراً من عجائبه * وكل أمر عليٍ لم يزل عــجبا
أدريت في ليلة سار الـوصي إلى * أرض المدائن لما أن لـها طلبا
فألحد الطهر سلمانـاً ، وعـاد إلى * عراص يثرب والاصباح ما قربا
كآصف لـم تـقل أ انـت بـلى * أنا بـحيدر غـال أورد الكـذبا


لعل الصحيح :

(فأنت في آصف لم تغل قلت بلى * أنا بحيدر غال ، إن ذا عجباً)
إن كان أحمد خـير المرسلين فذا *خي الوصيين ،أو كل الحديث هبا


____________
(1) لعل الصحيح : يخرق.


( 15 )


وقلت ما قلت من قول الغلاة فما * ذنب الغلاة إذا قالوا الذي وجبا (1)


المستنصر بالله ، وابن الأقساسي :
ويذكر هنا : أن الخليفة العباسي ، المستنصر بالله ، خرج يوماً إلى زيارة قبر سلمان رحمه الله ، ومعه السيد عزالدين ابن الاقساسي.
فقال له الخليفة في الطريق : إن من الاكاذيب : ما يرويه غلاة الشيعة من مجيء علي بن أبي طالب عليه السلام من المدينة إلى المدائن لما توفي سلمان ، وتغسيله إياه ، ومراجعته في ليلته إلى المدينة.
فأجابه ابن الاقساسي ، فقرأ له الابيات المتقدمة :

انكرت ليلة إذ جاء الوصي إلى * أرض المدائن لما أن لها طلبا


الابيات (2).
والظاهر هو ان ابن الاقساسي قد استشهد بالابيات المذكورة؛ لاُن المستنصر بالله إنما ولد في سنة 589 هـ أي بعد وفاة ابن شهرآشوب بسنة واحدة (3).

ختام :
كانت تلك باقة رائقة ، إخترناها من آلاف الازاهير الفيحاء ، المنتشرة في واحات خمائله الغناء.
ولعل فيما صرفنا النظر عنه الكثير مما هو أعطر وأزكى ، ولعل فوّاح أريجه كان أطيب ، وابهج وأذكى ..
____________
(1) مناقب آل أبي طالب ج2 ح302.
(2) راجع : مجالس المؤمنين ج1 ص507. وراجع أيضاً : هامش البحار ج99 ص279 | 278.
(3) راجع أيضاً : هامش البحار ج99 ص279.


( 16 )


ولعل القاريء يجد في بعض ما يأتي من فصول هذا الكتاب بعض ما صفا من جواهره ، ونماذج مما راق من لآلئه ..
ونستميح القاريء العذر على التقصير ، فان الإطاحة بكل ذلك مما يخرج عن حدود الطاقة ، ويجلّ عن الوسع ، ويأبى عن الاحاطة ، فلا محيص لنا عن الاقتصار على ما يسمح لنا به الوقت ، وأتاحته لنا الفرصة. فإلى ما يلي من فصول ومطالب ..


( 17 )


الفصل الثاني :

حديث الاسلام والحرية



( 18 )



( 19 )


حديث إسلام سلمان :
في السنة الاولى من الهجرة وبالذات في جمادى الاولى منها ، ـ كما قيل (1) ـ كان اسلام سلمان المحمّدي ، المعروف بسلمان الفارسي ، رحمه الله ، ورضي عنه ، وحشرنا معه وفي زمرته ، والذي كان قد هاجر من بلاده وتحمل المشاق الكثيرة ، والمصاعب الكبيرة ، حتى لقد ابتلى بالرق وذلك في سبيل طلب الدين الحق ، فهداه الله إليه ، وكانت له المنة في ذلك عليه.
وحكاية كيفية وصوله إلى المدينة ، وما جرى عليه قبل ذلك ، طويلة ، وفيها شيء من الاختلاف ، ولسنا هنا بصدد التحقيق في هذا الاُمر ..
ولكن ما لا شك فيه هو : أنّه قد استرقوه في سبيل ذلك ، وأخذ إلى منطقة الحجاز ، وبالتحديد إلى المدينة ، ويقال : مكة ، أو وادي القرى ، ثم انتهى امره إلى المدينة.
وكان قد عرف : ان نبياً سيخرج ، وأنه لا يأكل الصدقة ، ويأكل الهدية ، وبين كتفيه خاتم النبوة ، فحينما.
التقى بالنبي (ص) في قباء قدّم إليه رطباً على أنها صدقة؛ فلاحظ : أن النبيّ (ص) قد أمر أصحابه بأن يأكلوا ، ولم يأكل هو؛ لاُنها صدقة.
فعدها سلمان واحدة.
____________
(1) راجع : الخميس ج1 ص351.


( 20 )


ثم التقى به (ص) في المدينة.
فقدم له ـ رطباً على أنها هدية ، فلاحظ : انه (ص) قد أكل منها هذه المرة ..
ثم التقى به (ص) في بقيع الغرقد ، وهو في تشييع جنازة بعض أصحابه ، فسلم عليه ، ثم استدار خلفه؛ فكشف صلّى الله عليه وآله له عن ظهره ، فرأى خاتم النبوة؛ فانكب عليه يقبله ويبكي ، ثم أسلم ، وأخبره بقصته (1).
ثم كان تحريره من الرق ، حسبما سيأتي .

نحن .. وحديث الاسلام هذا :
ويلاحظ هنا : أن سلمان لم يسلم بدافع عاطفي أو مصلحي ، ولم يسلم أيضاً استجابة لضغوط عليه ، أو لجو معين .. وإنما دخل في الاسلام عن قناعة فكرية خالصة ، وبعد أن هاجر في طلب الدين الحق ، ولاقى الكثير من المصاعب والمتاعب ، حتى ابتلي بالرق والعبودية .. مع أنه كان من أول الاُمر مظهراً للشرك مبطناً للايمان ، كما في بعض الروايات الآتية.
وذلك إن دلّ على شيء ، فانما يدل على أن التدين أمر فطري؛ وأنه مما يدعو له العقل السليم ، فعن هذا الطريق توصل سلمان إلى الايمان بالله ، وبأنبيائه ، وشرائعه.

متى تحرّر سلمان ؟
ويقولون : إن تحرير سلمان من رق العبودية بصورة كاملة ، قد كان في
____________
(1) مصادر هذا الذي ذكرناه كثيرة جداً ، وما سيأتي في هذا الفصل كله ، قد ذكر هذا الحديث ، فلا حاجة إلى ذكرها ، ومع ذلك نقول : راجع : الاصابة ج2 ص62 وقاموس الرجال ج4 ، والاستيعاب واسد الغابة ، والبحار ج22 ، ونفس الرحمان والمصنف لعبدالرزاق ج8 ص418 وتاريخ الخميس والدرجات الرفيعة وروضة الواعظين ، ووو إلخ..


( 21 )


أوّل السنة الخامسة من الهجرة النبوية الشريفة (1).
وذلك قبل وقعة الخندق ، التي يرى عدد من المؤرخين : أنها كانت سنة خمس ، في ذي القعدة منها (2).
ولكننا بدورنا نقول :
إن ذلك مشكوك فيه من ناحيتين :
الاولى : في تاريخ وقعة الخندق.
والثانية : في تاريخ عتق سلمان..

تاريخ غزوة الخندق :
فأما بالنسبة للناحية الاولى ، اعني تاريخ الخندق؛ فاننا نقول :
1 ـ لو سلم : أنها كانت في السنة الخامسة فإن مجرد ذلك لا يكفي ، في تعيين زمان عتقه على النحو المذكور ، إذ قد يكون العتق قد تم بعد أحد بأشهر يسيرة ، في السنة الرابعة مثلاً ، ثم حضر الخندق ، بعد ذلك بسنة ، أو أكثر ، أو أقل.
2 ـ لقد جزم البعض بان الخندق كانت في سنة أربع ، وصححه النووي في الروضة ، وفي شرحه لصحيح مسلم (3).
____________
(1) الثقات ج1 ص257 وتاريخ الخميس ج1 ص352 و 468.
(2) راجع : البداية والنهاية ج4 ص53 وتاريخ الاُمم والملوك للطبري ط الاستقامة ج2 ص333 والكامل في التاريخ ج2 ص178 وتاريخ الخميس ج1 ص179 والمحبر ص 113 وفتوح البلدان ج1 ص23 ، وليراجع : صفة الصفوة ج1 ص455 ـ 459 ومختصر التاريخ لابن الكازروني ص42 والسيرة الحلبية ج2 ص328 وشذرات الذهب ج1 ص11 والتنبيه والاشراف ص115 والبدء والتاريخ ج4 ص216 ومغازي الواقدي ج2 ص440 و441 والمصنف للصنعاني ج5 ص67 وطبقات ابن سعد ج2 قسم 1 ص47 قسم 1 ص60 وتاريخ بغداد ج1 ص170 ، وانساب الاشراف ج1 (قسم حياة النبيّ « ص» ) ص343.
(3) مجمع الزوائد ج9 ص345 وتهذيب الكمال ج10 ص31 والجامع لابن أبي زيد القيرواني


( 22 )


بل لقد قال ولي الدين العراقي عن غزوة الخندق : « المشهور أنها في السنة الرابعة للهجرة» (1).
وقال عياض : « ان سعد بن معاذ مات إثر غزوة الخندق ، من الرمية ، التي أصابته ، وذلك سنة أربع باجماع أهل السير ، إلا شيئاً قاله الواقدي» (2).
فقوله : « باجماع أهل السير» يحتمل رجوعه إلى سنة أربع ، فيكون قد ادعى الاجماع على كون الخندق في سنة أربع ، ويحتمل رجوعه إلى موت سعد بن معاذ بعد الخندق ، وتكون كلمة « وذلك سنة أربع» معترضة ، ولا تعبر إلا عن رأيه ..
ومما يدل على أن الخندق قد كانت سنة أربع :
1 ـ أنهم يذكرون بالنسبة لزيد بن ثابت : أن أباه قتل يوم بعاث وهو ابن ست سنين ، وكانت بعاث قبل الهجرة بخمس سنين (3) وقدم النبيّ (ص) المدينة ، وعمر زيد احدى عشرة سنة (4).
____________
ص 279 وراجع : فتح الباري ج7 ص302 والمحبر ص113 وعنوان المعارف في ذكر الخلائق ص12 والمناقب لابن شهرآشوب ج4 ص 76 وشرح صحيح مسلم للنووي ، بهامش ارشاد الساري ج8 ص64 ونقله في وفاء الوفاء ج1 ص300 وفي تاريخ ابن الوردي ج1 ص160 عن النووي في الروضة ، وأصر عليه ابن خلدون في كتابه : العبر ، وديوان المبتدأ والخبر ج2 قسم2 ص29 و33 وراجع : صحيح البخاري ج3 ص20.
(1) تاريخ الخميس ج1 ص480 والمواهب اللدنية ج1 ص110.
(2) شرح صحيح مسلم للنووي ، بهامش ارشاد الساري ج10 ص226 وفتح الباري ج8 ص360.
(3) تهذيب الكمال ج10 ص27 و30 ومستدرك الحاكم ج3 ص421 وراجع : شذرات الذهب ج1 ص54 ، وتهذيب تاريخ دمشق ج5 ص449.
(4) مجمع الزوائد ج9 ص345 عن زيد نفسه. وتهذيب التهذيب ج3 ص399 والثقات ج3 ص136 وصفة الصفوة ج1 ص704 وسير اعلام النبلاء ج2 ص 427 | 428 وتهذيب الكمال ج10 ص 25 و27 وتهذيب الاسماء ج1 ص 200 | 201 والاستيعاب بهامش الاصابة ج1 ص 551 وشذرات الذهب ج1 ص54 وتهذيب تاريخ دمشق ج5 ص449.


( 23 )


ثم يقولون : إن أول مشاهد زيد الخندق (1) ، لاُن النبيّ (ص) قد أجازه يوم الخندق (2) وهو ابن خمس عشرة سنة (3).
والخندق إنما كانت في شوال سنة أربع (4).
ويروى عن زيد قوله : أجازني رسول الله (ص) يوم الخندق ، وكساني قبطية (5).
وعنه : اُجزت يوم الخندق ، وكانت وقعة بعاث وأنا ابن ست سنين (6).
وعنه : لم أجز في بدر ، ولا في اُحد ، وأُجزت في الخندق (7).
وتوفي زيد سنة ثمان واربعين ، وسنه تسع وخمسون سنة (8). وقال الواقدي : مات سنة خمس وأربعين وهو ابن ست وخمسين سنة (9) وذلك يؤيّد ما قلناه.
وقد استدل النووي ، وابن خلدون ، وربما يظهر ذلك من البخاري على : أن غزوة الخندق قد كانت سنة أربع (10) بانهم قد أجمعوا على أن حرب اُحد ، كانت
____________
(1) تهذيب الكمال ج10 ص 30 و31 ومستدرك الحاكم ج3 ص421 ، وتذكرة الحفاظ ج1 ص30 وشذرات الذهب ج1 ص54 وتهذيب تاريخ دمشق ج5 ص449 وراجع : تهذيب ج3 ص399 عن الواقدي ..
(2) تهذيب تاريخ دمشق ج5 ص446 ومجمع الزوائد ج9 ص345 وتهذيب الكمال ج10 ص31.
(3) تهذيب الكمال ج10 ص30 و31 ومستدرك الحاكم ج3 ص421 ومجمع الزوائد ج9 ص31.
(4) مجمع الزوائد ج9 ص345 وتهذيب الكمال ج10 ص31 وتقدمت طائفة اُخرى من المصادر.
(5) سير اعلام النبلاء ج2 ص432 وفي هامشه عن الطبراني ، وتهذيب الكمال ج10 ص29 وتهذيب تاريخ دمشق ج5 ص449.
(6) سير اعلام النبلاء ج2 ص433 ومستدرك الحاكم ج3 ص421 وتهذيب تاريخ دمشق ج5 ص 449 وتهذيب الكمال ج10 ص30.
(7) الاصابة ج1 ص561.
(8) مجمع الزوائد ج9 ص345 وتهذيب الكمال ج10 ص31.
(9) صفة الصفوة ج1 ص 704 | 705.
(10) راجع : فتح الباري ج7 ص302 وشرح صحيح مسلم (بهامش ارشاد الساري) ج8 ص64 والعبر ، وديوان المبتدأ والخبر ج2 قسم 2 ص29 و33 وراجع : تاريخ الخميس ج1 ص480

=


( 24 )


سنة ثلاث ، ولم يجز النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ابن عمر أن يشترك فيها؛ لاُن عمره كان أربع عشرة سنة ، ثم أجازه في وقعة الخندق؛ لاُنّه كان قد بلغ الخامسة عشرة (1)؛ فتكون الخندق بعد اُحد بسنة واحدة ..
وقد حاول البعض الاجابة على ذلك بطرح بعض الاحتمالات البعيدة ، وقد أجبنا عنها في كتابنا : « حديث الإفك» ص96 ـ 99؛ فليراجعه من أراد ..
ومهما يكن من أمر؛ فان احتمال أن يكون تحرر سلمان من الرق قد تم قبل السنة الخامسة من الهجرة ، يصبح على درجة من القوة ..
وأما بالنسبة لتحديد.

تاريخ الحريّة
فإننا نكاد نطمئن إلى أنه قد تحرر في السنة الاولى من الهجرة .. بل لقد ورد في بعض الروايات ما يدل على أنه قد اعتق في مكة (2).
ويدل على تحرره في السنة الاولى :
1 ـ أن روايات عتقه يدل عدد منها على أنه قد اعتق عقيب اسلامه بلا فصل ، وهو إنما اسلم ـ أو فقل : أظهر اسلامه ـ في السنة الاولى من الهجرة (3).
____________
والمواهب اللدنية ج1 ص110 وصحيح البخاري ج3 ص20 ط سنة 1309 هـ. فانه نقل في عنوان الباب : عن موسى بن عقبة : أن الخندق كانت سنة أربع.
(1) سنن ابن ماجة ج2 ص850 ومسند الامام أحمد بن حنبل ج2 ص17 ، وصحيح البخاري ج3 ص20 وج2 ص69 وصحيح مسلم ج6 ص30 ، والمصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج5 ص 310 | 311 وطبقات ابن سعد ج4 ص105 وأنساب الاشراف (قسم حياة النبيّ « ص» ) ج1 ص343 | 344 باضافة كلمة : واشف منها ، والمواهب اللدنية ج1 ص110.
(2) راجع : مستدرك الحاكم ج3 ص 603 | 604 وغيره وستأتي رواية اُخرى تدل على أنه كان هو المشير بدعوة أبي بكر إلى الاسلام.
(3) راجع : نفس الرحمان ص20 ، وهو ظاهر ان لم يكن صريح الرواية التي ذكرها ص5 ـ 6

=


( 25 )


2 ـ قد صرح البعض ـ كتاريخ گزيدة ـ بأن الرسول (ص) قد اشتراه في السنة الاولى من هجرته (1).
وسيأتي التصريح بذلك عن الشعبي ، وعن بريدة .. وذلك حين الكلام على كونه من موالي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ..
3 ـ ومما يدل على أن سلمان قد تحرر في أول سني الهجرة.

كتاب النبيّ (ص) في مفاداة سلمان :
حيث يقولون : إن النبيّ (ص) قد أملى كتاب مفاداة سلمان على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وهو وـ والنص لابي نعيم ـ كما يلي :
هذا ما فادى صلّى الله عليه وآله وسلّم محمّد بن عبدالله ، رسول الله ، فدى سلمان الفارسي من عثمان بن الاُشهل اليهودي ، ثم القرظي ، بغرس ثلاثمائة نخلة ، وأربعين أوقية ذهب؛ فقد برىء محمّد بن عبدالله رسول الله لثمن سلمان الفارسي ، وولاؤه لمحمّد بن عبدالله رسول الله ، وأهل بيته ، فليس لاُحد على سلمان سبيل.
شهد على ذلك : أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن الاسود ، وبلال مولى أبي بكر ، وعبدالرحمان بن عوف ، رضي الله عنهم.
وكتب علي بن أبي طالب الاثنين في جمادى الاولى ، مهاجر محمّد بن عبدالله رسول الله (ص).
____________
واعتبرها أصح الروايات ، وهي موجودة في اكمال الدين ص162 ـ 165 وفي روضة الواعظين ص 275 ص 278 والبحار ج22 ص355 ـ 359 والدرجات الرفيعة ص 203 ونقلها النوري أيضاً عن : الدر النظيم ، وعن قصص الانبياء للراوندي ، وعن الحسين بن حمدان.
(1) نفس الرحمان ص20.