ونقول: إن ذلك لا يصح ، ولعله وضع بدوافع عنصرية ، للحط من شأن سلمان رحمه الله . وذلك لما يلي :
1 ـ ان ابن قتيبة قال : أنا أنكر هذا الحديث. ثم استدل على ذلك بقوله : « وقد قدمنا من كلامه مايضارع فصحاء العرب» (1). ثم ذكر : أن « خشبان» في اللغة صحيح جيد ، وأنه جمع لجمع خشب ، كجمل ، وجملان وسلق وسلقان (2).
وقال الزمخشري ، وابن الاثير : « قد أنكر هذا الحديث ، لاُن كلامه يضارع كلام الفصحاء والخشبان في جمع الخشب صحيح ، ومروي . ونظيره : سلق ، وسلقان ، وحمل وحملان ، وقال :

كأنهم بجنوب القاع خشبان


ولا مزيد على ما يتعاون على ثبوته القياس ، والرواية .. » (3) .
2 ـ قد تقدم في رواية الامام مالك ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبدالرحمان : أن النبي الاعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قد انتصر لسلمان ، وبلال ، وصهيب ، ورد على قيس بن مطاطية؛ فكان مما قاله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
« .. إن الرب واحد ، والاب واحد ، وليست العربية بأحدكم ، من أب ، ولا اُم. وإنما هي اللسان؛ فمن تكلم بالعربية؛ فهو عربي» (4).
____________
والنهاية في اللغة ج2 ص32 وطبقات المحدثين بأصبهان ج1 ص224 وفي هامشه عن : غريب الحديث لابن قتيبة ج2 ص268.
(1) راجع غريب الحديث ج2 ص262 ، على ما ورد في هامش طبقات المحدثين بأصبهان ج1 ص224.
(2) راجع هامش طبقات المحدثين ج1 ص224 عن غريب الحديث لابن قتيبة ج2 ص268 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص211.
(3) الفائق ج1 ص372 وراجع : النهاية لابن الاثير ج2 ص32.
(4) تهذيب تاريخ دمشق ج6 ص200 وحياة الصحابة ج2 ص253 ، عن كنز العمال ج7 ص46 ، المنار ج11 ص258 ـ 259 واقتضاء الصراط المستقيم ص169 عن السلفي .


( 102 )


فلعله يمكن أن يستفاد من جواب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم هذا : أن هؤلاء لأنهم كانوا يتكلمون بالعربية ، فهم عرب إذن ، فلا يصح لقيس بن مطاطية أن يفتخر عليهم بعروبته ، فالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يريد أن يفند دعوى افضلية العرب عليهم ، عن طريق ادخالهم في جملة العرب ، لانهم يحسنون التكلم بلغتهم.
وهذا.. ما لعله قد اشير إليه بقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : فمن تكلم بالعربية فهو عربي . مستفيداً من فاء التفريع ، التي يمكن دعوى ظهورها في ذلك.
3 ـ وكيف يمكن أن نتصور إنساناً ـ كسلمان ـ في فهمه وعلمه ، ودقة ملاحظته ، يعيش في المجتمع العربي عشرات السنين ، فلا يتعلم لغته ، حتى كان لا يفهم كلامه من شدة البلادة؟!!
4 ـ وتقدم : أيضاً : أن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حين حفر الخندق قد دعا الله سبحانه : أن يطلق لسان سلمان ، ولو ببيت من الشعر ، فأطلق الله لسانه بثلاثة أبيات.
5 ـ وفي حديث اسلامه رضوان الله عليه ، نجد نصاً يقول في ضمن حديث : إن جبرئيل تفل في فيه ، فجعل سلمان يتكلم بالعربية الفصيح (1) .
6 ـ وبعد .. فان لسلمان ـ كما قال ابن قتيبة ـ رسائل ، وخطباً ، وكلمات نقلها المؤرخون ، والمحدثون عنه تعتبر في غاية الفصاحة والبلاغة (2) . وهي وحدها كافية في ردّ مدعى أبي عثمان وغيره.
هذا .. وأما ما نجده في رواية اخرى ، رواها المحاملي ، عن أبي سليمان ، قال : لما ورد علينا سلمان الفارسي المدائن ، أتيناه نستقريه ،
____________
(1) الدرجات الرفيعة ص205 عن شواهد النبوة ، ونفس الرحمان ص15.
(2) راجع : نفس الرحمان ، والاحتجاج ج1 والبحار ، وتهذيب تاريخ دمشق ، وقاموس الرجال وغير ذلك من المصادر.


( 103 )


يعني : نقرأ عليه. فقال : إن القرآن عربي ؛ فاستقروه رجلاً عربياً.
فكان يقرينا زيد ، ويأخذ عليه سلمان ، فاذا أخطأ ردّ عليه (1).
إن هذه الرواية ، لا تضر ، فان فصاحة سلمان ، لا يلزم منها أن تكون لهجته سليمة في الغاية ، فلعل شيئاً من اللهجة الفارسية ، كان لا يزال فيها . ولم يكن يحب أن يتأثروا حتى ولو بهذا المقدار ، كما أن استقراءهم إياه يدل دلالة واضحة ، على أنّهم يرونه أهلاً لذلك ، ولا يرون فيه عجمة الى حد تمنع من ذلك. ونعتقد : أن السبب في هذه التهمة هو عمر بن الخطاب ، فانه هو الذي قال عن سلمان « الطمطماني» (2) وذلك في محاولة لانتقاص شخصية سلمان ، واستجابة لرغبة أكيدة في الحطّ من قدره رحمه الله .
ولعله قد كان ثمة لكنة لدى سلمان ، ولكنّها لا تصل الى حد الطمطمأنية والعجمة ، لما ذكرناه آنفاً.

الحقد الاعمى :
وأخيراً.. فإننا لا نستغرب كثيراً حين نجد المستشرقين ، يطعنون في ديننا ، ويهاجمون مقدساتنا ، ويشككون في أبده بديهيات الاسلام والقرآن وأجلاها ، وأشدها وضوحاً لدى العقل ، وأقواها رسوخاً في الفطرة.
فقد عرفنا : أنهم العدو الحاقد والطامع ، والمستعمر الذي يعمل بكل ما اوتي من قوة وحول من أجل تدميرنا ، والاستئثار بمقدراتنا ، والعبث بمقدساتنا ، والسخرية بمثلنا وقيمنا.
وقد يستخدم ـ هذا العدو المستعمر ـ من أجل تحقيق اهدافه الشريرة : الحديد ، والنار تارة .. وقد يلجأ إلى اسلوب التضليل ، والتشكيك ، والمكر والحيلة ، تارة اخرى ..
فلا عجب إذن.. رأيناهم يعتبرون سلمان الفارسي شخصية قلقة ، أو
____________
(1) تهذيب تاريخ دمشق ج6 ص15 وعن المصنف لابن أبي شيبة ج10 ص460 وج12 ص192.
(2) ستأتي المصادر لذلك إن شاء الله .


( 104 )


اسطورة تاريخية ، أو أنه من الموالي لا يحق له التصدي لبعض الامور ، أو ما إلى ذلك (1) .. فانهم يحاولون ما هو أعظم من ذلك وأخطر ، وهو النيل من رسول الاسلام الاعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، والعبث بالقرآن ومفاهيمه ، وتشويه حقائقه ، ومسخ تشريعاته وتهجينها.
نعم .. لا عجب من ذلك كله .. وانما العجب كل العجب : من اولئك الذين يعتبرون أنفسهم ، ويعتبرهم الناس مسلمين ، ويحملون هوية الاسلام ، ويرفعون شعاراته ، حيث نجدهم: أشد كيداً للاسلام ، وأكثر اصراراً على تشويه معالمه ، وأعظم أثراً في تقويض دعائمه.
ولا نريد حشد الشواهد والادلة الكثيرة ، على ان هؤلاء قد تربوا على أيدي اولئك ، وتخرجوا من مدرستهم ، وتأثروا بأفكارهم ومفاهيمهم ، ونفثوا فيهم سمومهم المهلكة؛ فان ذلك كالنار على المنار ، وكالشمس في رابعة النهار.
ولعل ذلك كان أمراً طبيعياً ما دام أن هؤلاء حين اتصلوا باولئك الشياطين المهرة ، لم يكونوا قد استضاءوا بنور العلم ، ولا كانت لديهم حصانة كافية ، ولا وعي للاسلام ومفاهيمه يمكّنهم من الصمود في وجه الهجمة الشرسة ، التي تستهدف تشويه شخصيتهم ، ومسخ كل وجودهم ، وتدمير كل طاقاتهم ، من قبل تلك الوحوش الكاسرة.. هذا إلى جانب شعور بالحقارة ، واحساس بالضعف ، وانبهار تام بمظاهر الحضارة الخادعة ، التي وجدوها عندهم .. فضاعوا ، وأضاعوا وضلوا الطريق وأضلوا ، وعجزوا عن فهم الاُمور ، وعن تقييمها ، ولم يمكنهم وضع الاُمور في نصابها ، بوعي ، وبمسؤولية ، وتعقل..
فكان أن وجد فيهم اولئك الاعداء الحاقدون ، غاية أمانيهم ، ومنتهى مقاصدهم؛ وأصبحوا دمية طيعة في أيديهم ، يوجون إليهم زخرف القول غروراً ..
وكان أن سمعنا ورأينا من هؤلاء ، الذين ينسبون أنفسهم إلى الاسلام ،
____________
(1) راجع : سلمان الفارسي ، للعلامة السبيتي ، ابتداءً من 49.


( 105 )


كل عظيمة ، وارتكبوا في حق دينهم وامتهم ، أبشع الجرائم ، وافظعها ، ولا نريد أن نفيض في ذكر نماذج من جرائمهم تلك ، فان ذلك يفوق حد الاحصاء .. ولكننا نقول ـ على سبيل الإجمال ـ :
إنه لم يَسلَم منهم شيء على الاطلاق .. فهم قد شككوا في العقائد ، وأثاروا الشبهات حول كثير منها في أذهان الكثيرين من البسطاء والسذج وشوهوا الكثير من التعاليم والمفاهيم الاسلامية ، أو كذبوا بها ، ومسخوا المعاني القرآنية ، وعبثوا بتعاليمه وأحكامه..
وفيما يرتبط بالشخصيات الاسلامية فقد حاولوا تصغير شأنها ، والمس بكراماتها ، والنيل منها ، وبصورة ، أو باخرى .. وكان لسمان ـ موضوع بحثنا ـ نصيب دَسِم في هذا المجال ، حتى لقد قالوا عنه : إنه يظهر أنه من خصوم الاسلام الباطنيين (1).
ولا ندري كيف اكتشفوا هذا السر المكنون ، الذي لم يكتشفه أحد سواهم ، وأين وما هي تلك النشاطات الهدامة ، التي كان يمارسها سلمان ، والتي استحق لاجلها هذا الوسام الخطير.. وتلك هي حياته ، وتلك هي مواقفه ، وممارساته ، فليراجعها الباحثون ، وليعكف عليها الدارسون ، فهل يمكن أن يكتشفوا من خلالها إلا كل خير وصلاح ، واستقامة وفلاح ، وغيرةٍ على الاسلام ، وتفانٍ في سبيله ؟ !
وبعد .. فانهم قد وصفوا الاشتر بـ « المارق» (2).
أما أبو ذر ، فقد اعتبروه جلفاً ، جافاً ، قاسياً ، واعرابياً (3) .
بل لم يسلم منهم الحسنان عليهما السلام (4) ولا امهما فاطمة صلوات الله
____________
(1) وصفه بذلك محمد عبدالله عنان. راجع : دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام ج2 ص238.
(2) الصواعق المحرقة ص38.
(3) أبو ذر .. والحق المر ص 20.
(4) راجع : التاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية ج2 ص49 و201 و202 و35 و36 .


( 106 )


وسلامه عليها .. (1) .
كل ذلك بغضاً بعلي عليه السلام ، وبكل من يتعاطف معه ، وينسج على منواله ، وانتصاراً للخليفة الثالث عثمان الذي كان لابي ذر ، والاشتر موقف منه معروف.
ولسمان ذنب آخر .. وهو أنه لم يكن عربياً ، فلابد وأن يتعرض أيضاً لرياح الحقد العنصري البغيض لاُن أسيادهم المستشرقين هكذا يريدون (2) ، فان ذلك محقق لرغبتهم ، ويصب في مصلحتهم.


( 107 )


الفصل الثاني :

التمييز العنصري
أحداث .. ومواقف



( 108 )



( 109 )


توطئة لابدّ منها :
إننا لانريد هنا : أن نؤرخ لقضية التمييز العنصري ، لدى الشعوب المختلفة ، ولا استكشاف جذوره وآثاره قبل الاسلام وبعده ، ولا دراسة دوافعه النفسية ، ومناشئه ، ولا معالجة النظريات التي جاءت لتقرر ، وتبرر ، لا لتبني وتحرّر ..
وإنما نريد أن نلمح إلى بعض ما يرتبط بهذه القضية ـ على سبيل الايجاز والاشارة ـ وفي حدود ما يمس الواقع الذي عاشه المسلمون ، بعد وفاة الرسول الاُعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وما عانوه من آثار وسلبيات ، انتجتها ، وخلفتها سياسات لها هذا الطابع ، وتصب في هذا الاتجاه ..
فنقول :
إن تاريخ هذه السياسة بعد ظهور الاسلام ، يرجع إلى عهد الخليفة الثاني عمعر بن الخطاب ، وهو المخطط والمؤسس لها ، والمصرّ على تنفيذها ، ثم سار الامويون على نهجه ، ونسجوا على منواله ، ونفذوا ما رسمه لهم بكل دقة وامانة ، وحزم ..
وقبل أن نلم ببعض ما حفظه لنا التاريخ من مواقف ، وتشريعات ، وقرارات ، من قبل ذلك المؤسس القوي والعتيد ، نلمح إلى بعض ما تمس الحاجة إلى الالماح إليه ، من ملاحظات ، وافكار ، ترتبط بهذه السياسة ، في الفترة التي تلت عهد مؤسسها ، ورائدها الاول .. وبالتحديد .. في عهد


( 110 )


الامويين ، على أساس أن نعتبر هذا فصلاً تمهيدياً ، لذلك الفصل الذي نتحدث فيه عن سياسات الخليفة الثاني في هذا المجال .
وبما أن سياسة التمييز هذه ، لم تلق معارضة جديدة وحقيقة إلا من قبل أهل البيت عليهم السلام ، وعلى رأسهم سيدهم علي أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.. فاننا سوف نذكر نبذة عن هذا الامر أيضاً ونتلمس بعض آثارها .. كل ذلك على سبيل الايجاز والاشارة بحول ا‏ وقوته ، ومنّه وكرمه ..
فلنبدأ هنا ببعض ما يرتبط بالسياسة الاموية وما تلاها ، وما يرتبط بها ، فنقول :

الاُمويون وسياسة التمييز العنصري :
لقد كانت السياسة الاموية تقوم على أساس التمييز بين العرب وغيرهم ، ممن يعبرون عنهم بـ « الحمراء» تارة ، بملاحظة اختلاف لون بشرتهم ، وبـ « الموالي» اخرى (1) .
بل لقد تعدت السياسة الاموية ذلك إلى إثارة النعرات القبلية بين العرب أنفسهم ، كالقيسية المضرية ، واليمانية؛ فتارة يؤيدون هؤلاء ، واخرى يؤيدون اولئك ، حسبما تقتضيه مصالحهم الخاصة ، وطموحاتهم في التسلط ، وبسط نفوذهم على البلاد والعباد.
وقد استمروا على تأييد اليمانية إلى زمان هشام بن عبدالملك ، الذي عدل إلى المضرية فقربهم ، واستمروا على ذلك إلى حين سقوط الدولة الاموية ، على يد أبي مسلم الخراساني والعباسيين ، الذين اتخذوا جانب اليمانية ، حتى لقد أرسل إبراهيم الامام ، الزعيم العباسي إلى داعيته أبي مسلم ، يأمره باكرام
____________
(1) الموالي هم : اما أسرى استرقوا ، ثم اعتقوا ، وهم قلة .. وأما هم من غير العرب ، دخلوا الاسلام؛ فحالفوا بعض القبائل العربية؛ لضمان الحماية اللازمة ، أو لغير ذلك .. مع العلم بأن محالفتهم لهذه القبيلة ، أو لتلك ، يفيدها في تعزيز دورها وتأكيده بصورة عامة بين سائر القبائل .


( 111 )


اليمنيين ، وأن يبيد خضراء مضر ، ولا يدع على الارض منهم دياراً (1) .

ضريبة الانحراف عن الخطّ الاسلامي :
وهذا التمييز ، وإن كان له جذور عميقة في تاريخ البشر قبل ظهور الاسلام ، لدى قدماء اليونان ، ولدى غيرهم أيضاً ..
ثم ظهر الاسلام في الجزيزة العربية ، واعلن حرباً لا هوادة فيها على هذه النزعة ، وعلى كل مظاهرها ورموزها ، حتى اضطرها إلى التراجع والانحسار أمام قوة اندفاعه ، وعمقها ..
ولو أن الاسلام بقي هو صاحب القرار على الساحة ، لاقتلعت كل جذورها ، وعفيت جميع آثارها.. وإلى أبد الآبدين ..
غير أنّه بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، حينما استطاعت فئة معينة أن تختلس القرار السياسي من أصحابه الشرعيين ، ولم تكن معظم المواقع في هيكلية الحكم التي أقامتها تمتلك المناعات الكافية ، ولا الدوافع الحقيقية في مجال الالتزام والحركة ، ولا القدرات الفكرية أو العلمية الغنية ، والقوية ، والاصيلة في فهم الاسلام وتشريعاته ، لا في المجال النظري ، ولا على صعيد العمل والموقف .. الاُمر الذي أفسح المجال لكثير من النزعات ، والانحرافات للظهور ، والاعراب عن نفسها من جديد. ووجدت الكثيرين على استعداد لدعمها ، وتوفير الشرعية لها ، عن طريق جعل الحديث على لسان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ؛ ليصبح الإنحراف ديناً ، والهوى شريعة..

***


____________
(1) شرح النهج للمعتزلي الحنفي ج3 ص268 | 267 وتاريخ الامم والملوك ج7 ص344 والكامل في التاريخ ج5 ص348 والامامة والسياسة ج2 ص137 وارجع : البداية والنهاية ج10 ص28 والعقد الفريد ج4 ص479 والنزاع والتخاصم ص45 وضحى الاسلام ج1 ص32.


( 112 )


العرب .. والفتوحات :
ثم .. وبعد أن فتح العرب البلاد ، واستجاب لدعوة الاسلام العباد ، وارتبط الناس من غير العرب بكثير من القبائل العربية برابطة الولاء ، ورأى العرب : أنهم المنتصرون ، وأنهم المتفضلون ، وأنهم يملكون جمعي مصادر القوة ، وقد ذل لهم العزيز ، وضعف لديهم القوي .. فانهم قد بدأوا يعاملون هؤلاء الناس من موقع السيادة والهيمنة ، والإستئثار ، والغطرسة ، والاستهتار ..
ولم يقتصر الامر في ذلك على الحكام ، بل قد تعداهم إلى مختلف فئات الشعب ، وطبقاته .. حتى لقد ظهرت آثار ذلك في الفتاوى الفقهية ، والنظريات العقائدية لدى كثر من الذين تصدوا للفتوى ، وللتنظير في مجال الاعتقادات ..
وقد حفظ التاريخ لنا الكثير الكثير ، مما يثبت حقيقة هذه النظرة ، ويعطي صورة واضحة عن هذا التعامل القبيح ، والرذل ، سواء على مستوى السياسة المعتمدة والمدروسة في واقع الحكم ، أو على مستوى التعامل العفوي ، واليومي لدى عامة الناس ، وفي مختلف المواضع والمواقع ..

تمحل الاعذار لا يجدي :
ولئن حاول البعض : اعتبار ما ورد مما يشير إلى ظاهرة احتقار العرب للموالي ، من قبيل الحالات النادرة ، التي يسجلها العلماء؛ لما فيها من صفة الندرة والشذوذ ، كما وشكك في بعض ما يذكر من ارهاق الموالي بالضرائب ، وحرمانهم من العطاء وغير ذلك ..
لئن حاول هذا البعض ذلك .. (1) .
____________
(1) عبدالعزيز الدوري : الجذور التاريخية للشعوبية ص16 ـ 20.


( 113 )


فانها كانت محاولة فاشلة وعقيمة ، وليس لها أية قيمة علمية ، وذلك لانها ـ لو صحت ـ فلسوف تعني ، لنا : أننا سوف لن نستطيع إثبات أية حقيقة تاريخية على الاطلاق ، بل أننا سوف نشك حتى في وجود معاوية ، وعلي عليه السلام ، وفي واقعة صفين ، والجمل ، وكربلاء . ولسوف لن نصدق بعد الآن.. بحدوث الطوفان ، ولا بسقوط الاندلس ، ولن يمكن أيضاً إثبات صفة الكرم والشجاعة للعرب ، ولا غير ذلك من امور..
وذلك لان ما نقل إلينا حول مسألة التمييز العنصري ـ إن كان لا يثبت هذا الامر ، وهو بهذه الكثرة العجيبة والمفرطة ـ فإنه لا يمكن اثبات أي شيء من الحقائق المشار إليها آنفاً ، على الاطلاق.
وكيف يمكن اعتبار الفتاوى الفقهية ، المتأثرة بهذه النزعة ، والتي تعمل بموجبها فرق كبيرة ، ومنتشرة في طول البلاد وعرضها ـ كيف يمكن اعتبارها ـ من الامور الشاذة والنادرة؟ ! ولسوف يأتي بعض من ذلك في مسائل الزواج ، والارث ، فانتظر ..
هذا إلى جانب هذا الاُمر زخماً عقائدياً ، كان ولا يزال راسخاً في عقل السواد الاعظم من الناس ، ولمدة قرون عديدة ؛ حتى لنجد ابن تيمية يقرر ذلك بصورة صريحة وواضحة ، ويرسله ارسال المسلمات ؛ فيقول :
« .. فان الذي عليه أهل السنة والجماعة : اعتقاد : أن جنس العرب أفضل من جنس العجم ؛ عبرانيهم وسريانيهم ، رومهم وفرسهم ، وغيرهم (1) ..» واستدل على ذلك بان العرب أفهم من غيرهم ، واحفظ ، وأقدر على البيان (2) .
هذا.. ولسوف نجد في هذا الفصل ، وفي الذي يليه طائفة كبيرة من النصوص ، عن كثير من المصادر ، تظهر التنوع والاختلاف الشديد في الموارد ، وفي طبيعة الاُمور ، التي ظهرت فيها هذه النزعة اليهودية البغيضة ! ! فان من
____________
(1) اقتضاء الصراط المستقيم ص148.
(2) اقتضاء الصراط المستقيم ص160.


( 114 )


الواضح : أنه لا يمكن أن يربط بين هذه المتفرقات ، ويجمع تلك المختلفات ، إلا عصبية راسخة ، وبواعث لا شعورية عميقة .
هذا كله.. إلى جانب نصوص كثيرة ، لم نتعرض لها ؛ لاننا لسنا بصدد دراسة مستوعبة وشاملة لهذه القضية ، وإنما هدفنا مجرد الالماح والاشارة .. مع تأكيدنا على أن دراسة مختلف مظاهر هذا الاتجاه ، وما كان له من آثار عبر التاريخ على المجتمعات ، وفي الحروب ، والحركات ، حتى ليقال :
إن تمييز العرب على غيرهم ، كان هو السبب في ضياع الاندلس ، فضلاً عما سوى ذلك من قضايا كبيرة ، وأحداث خطيرة ، عانى منها العالم الاسلامي عبر التاريخ.. (1).
نعم.. إن دراسة كهذه ، تحتاج إلى مزيد من التتبع والاستقصاء ، وإلى كثير من الوقت والجهد ، لسنا الآن مهيئين له ، ولا قادرين على توفيره..

تطوير اسلوب الصراع :
وأخيراً .. فلا يفوتنا التنبيه على أن هذا الصراع قد اتخذ طابعاً نظرياً فكرياً أيضاً ، فاقيمت الحجج والبراهين ، وكتبت الرسائل والبحوث ، لاثبات فضل العرب ، على غيرهم . وقد استمر ذلك إلى عهود متأخرة ، وقد أدلى ابن تيمية (2) بدلوه في هذا المجال ، كما صنع غيره.
وقد كان من الطبيعي : أن يجهد اولئك المضطهدون ، والمهدورة كراماتهم ، والمسلوبة حقوقهم ، في سبيل اثبات مساواتهم للعرب ، واقناعهم : بأنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ، والعمل الصالح..
ولكننا لم نجد شيئاً ذابال ، في هذا المجال في عهد الامويين ، ولعل ذلك
____________
(1) راجع : الاسلام والمشكلة العنصرية ص97 ـ 103.
(2) راجع : اقتضاء الصراط المستقيم ص142 ـ 170 .


( 115 )


يرجع إلى أنهم ما كانوا يجرؤون على الظهور في أيامهم (1) ، لانهم كانوا من أشد الناس في هذا الامر ، وكانوا يفرضون سياساتهم على الناس بالقوة والقهر..
أما بعد ذلك ، فنجد الدعوة إلى التسوية قد نشطت ، وكتبت في ذلك الرسائل ، واحتجوا لها بمختلف الحجج (2).
ولكن ذلك لا يعني : أن الدولة العباسية لم تكن حساسة تجاه هذا الامر ، بل الامر على عكس ذلك تماماً؛ فانها منذ بداياتها قد تصدت لهؤلاء ، ولكن بذكاء ، وحنكة ، وتحت شعارات خادعة ، وما كرة ، من قبيل الاتهام بالزندقة ، كما سنشير إليه فيما يأتي إن شاء الله تعالى ..

الشعوبية هم دعاة التسوية :
وقد عرف دعاة التسوية هؤلاء باسم : « الشعوبية» .
قال ابن تيمية : « ذهبت فرقة من الناس : إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العمم ، وهؤلاء ، يسمون : الشعوبية» (3).
قال الجاحظ : « .. ونبدأ على اسم الله ، بذكر مذهب الشعوبية ، ومن يتحلى باسم : التسوية ..» (4).
وقال ابن عبدربه : « .. قول الشعوبية ، وهم أهل التسوية.. » (5).
وقال ابن منظور ، وغيره : « الشعوبي : الذي يصغر شان العرب ، ولا يرى لهم فضلاً على غيرهم» (6).
____________
(1) راجع : تاريخ التمدن الاسلامي ، المجلد الثاني ، جزء 4 ص344 عن الاغاني ج4 ص125.
(2) راجع : العقد الفريد ج3 ص403 ـ 417 والفهرست لابن النديم ص124 ونوادر المخطوطات ج1 ص331 إلى آخر الكتاب. والبيان والتبيين ج3 ص5 فما بعدها ، وغير ذلك.
(3) اقتضاء الصراط المستقيم ص149.
(4) البيان والتبيين ج3 ص5.
(5) العقد الفريد ج3 ص403 وراجع ص405 و408 وراجع : الجذور التاريخية للشعوبية ص9.
(6) لسان العرب ج1 ص500 وأساس البلاغة ص236 والنهاية في اللغة ج2ص478.


( 116 )


أي أن من لا يرى للعرب فضلاً على غيرهم؛ فهو يصغر من شأنهم؛ فهو إذن : شعوبي.
ويدل على ذلك قول الخليل : « الشعوبي : الذي يصغر شأن العرب ، فلا يرى لهم فضلاً» (1) حيث عطف بالفاء.
هذا .. وقد شذ من أخذته العصبية منهم ، ففضل العجم على العرب ، كابن غرسية ، واسماعيل بن يسار (2).
أما في عصرنا هذا ، فقد أصبح لفظ « الشعوبية» يطلق على خصوص من يفضل العجم على العرب (3).

نماذج عنصرية اموية :
ونحن نذكر هنا نماذج قليلة من النصوص ، التي توضح سياسة الدولة الاموية ، وكذلك مواقف الناس وتوجهاتهم ، في مجال التمييز العنصري ، في تلك الحقبة من الزمن فنقول :
1 ـ قالوا : إنّ الحجاج قد أمر أن لا يؤم في الكوفة إلاّ عربي (4).
2 ـ ولما ولىّ الحجاج سعيد بن جبير قضاء الكوفة ، قال أهل الكوفة :
لا يصلح للقضاء إلاّ عربي ! !
فاستقضى الحجاج أبا بردة بن أبي موسى الاشعري ، وأمره أن لا يقطع أمراً
____________
(1) العين ج1 ص263.
(2) راجع : رسالة ابن غرسية في نوادر المخطوطات ج1 ص329 ـ 330 ، واجوبتها الاربعة من قبل علماء الاندلس ، في نفس الكتاب ، والفهرست لابن النديم ص137 و133 و118 والحيوان ج4 ص 448 / 449 حول يونس بن أبي فروة ، وكذا في أمالي المرتضى ج1 ص132.
(3) راجع : الاسلام والمشكلة العنصرية ص93.
(4) ضحى الاسلام ج1 ص24 ، والعقد الفريد ج2 ص233 وراجع ص235 وراجع أيضاً : وفيات الاعيان ، لابن خلكان ج2 ص373 وراجع : شذرات الذهب ج1 ص109.


( 117 )


دون سعيد بن جبير (1).
3 ـ « وهو [اعني الحجاج] أول من نقش على يد كل رجل اسم قريته ، ورده إليها ، وأخرج الموالي من بين العرب» (2).
4 ـ ويذكرون : أنه طرد غير العرب من البصرة ، والبلاد المجاورة لها ، واجتمعوا يندبون : وامحمّدا ، وأحمدا ، ولا يعرفون أين يذهبون ، ولا عجب أن نرى أهل البصرة يلحقون بهم ، ويشتركون معهم في نعي ما نزل بهم من حيث وظلم (3).
5 ـ بل لقد قالوا : لا يقطع الصلاة إلاّ كلب ، أو حمار ، أو مولى (4).
وذكر في بعض النصوص : المرأة ، بدل المولى ، وهذا الاحتقار للمرأة مأخوذ من اليهود ، كما يعلم بالمراجعة إلى كتبهم الدينية.
6 ـ وقد أراد معاوية أن يقتل شطراً من الموالي ، عندما رأهم قد كثروا ؛ فنهاه الاحنف عن ذلك (5). وقيل : إن زياداً هو الذي أراد ذلك (6).
7 ـ وتزوج رجل من الموالي بنتاً من أعراب بني سليم؛ فركب محمد بن بشير الخارجي إلى المدينة ، وواليها يؤمئذٍ إبراهيم بن هشام بن إسماعيل ، فشكا إليه ذلك ، ففرق الوالي بين المولى وزوجته ، وضربه ماءتي سوط ، وحلق رأسه ، وحاجبه ، ولحيته؛ فقال محمد بن بشير في جملة أبيان له :
____________
(1) وفيات الاعيان ج2 ص373 ، وضحى الاسلام ج1 ص24 ، وراجع : تاريخ التمدن الاسلامي ، المجلد الثاني جزء 4 ص343.
(2) الاوائل ج2 ص61 وراجع : العقد الفريد ج3 ص 316 | 317 وشذرات الذهب ج1 ص109 وضحى الاسلام ج1 ص24.
(3) السيادة العربية والشيعة والاسرائيليات ص57/56 والكامل لابن الاثير ج4 ص465 وراجع : تاريخ التمدن الاسلامي ، المجلد الاول جزء 2 ص274 وراجع : ربيع الاُبرار ج3 ص600 وضحى الاسلام ج1 ص24 عن محاضرات الادباء ج1 ص 218.
(4) العقد الفريد ج3 ص413 وتاريخ التمدن الاسلامي ، المجلد الثاني جزء 4 ص341.
(5) المصدران السابقان.
(6) محاضرات الادباء ج1 ص350.


( 118 )


قضيت بسنة وحكمت عدلاً * ولم ترث الخلافة من بعيد (1)


8 ـ وكان طاووس لا يأكل ذبيحة الزنجي ، وكان يقول: وهل رأيت في زنجي خيراً قط؟ (2).
9 ـ ويقول : هو عبد مشوه الخلق (3).
10 ـ ولم تفشل ثورة المختار ، إلاّ لانه استعان فيها بغير العرب ، فتفرق العرب عنه لذلك (4).
وكان من جملة ما نقموه عليه أن قالوا : « .. ولقد أدنى موالينا ؛ فحملهم على الدواب ، واعطاهم فيئنا» (5).
11 ـ ويقول أبو الفرج : « .. كان العرب إلى أن جاءت الدولة العباسية ، إذا جاء العربي من السوق ؛ ومعه شيء ، ورأى مولى ، دفعه إليه ؛ فلا يمتنع» (6).
12 ـ بل كان لا يلي الخلافة أحد من أبناء المولدين ، الذين ولدوا من امهات اعجميات (7).
13 ـ ويذكرون من اسباب ثورة زيد بن علي بن الحسين عليه السلام : ما جرى بينه وبين هشام بن عبدالملك ، الذي قرر عدم صلاحية زيد للخلافة ؛
____________
(1) الاغاني ج14 ص150 وضحى الاسلام ج1 ص23 و24 وراجع : محاضرات الادباء ج1 ص350.. ما هو بهذا المعنى.
(2) المصنف للصنعاني ج4 ص485 وراجع : الالمام ج1 ص186.
(3) الالمام ج1 ص186.
(4) راجع : الاخبار الطوال ص299 و300 و304 والكامل في التاريخ ج4 ص227 و231 و 268 | 269 . والسيادة العربية والشيعة والاسرائيليات ص40 وراجع : تاريخ التمدن الاسلامي ، المجلد الاول جزء 2 ص 282 | 283.
(5) الكامل في التاريخ ج4 ص231 وتاريخ الامم والملوك ج6 ص44 ط دار المعارف بمصر.
(6) ضحى الاسلام ج1 ص25.
(7) راجع : العقد الفريد ج6 ص 130 | 131 وضحى الاسلام ج1 ص25 وتاريخ التمدن الاسلامي ، المجلد الثاني جزء 4 ص343.


( 119 )


لاُنّه ابن أمة..
وقد ردّ عليه زيد رضوان الله تعالى عليه بالنقض باسماعيل عليه السلام ، الذي لم يمنع كونه ابن امة : أن بعثه ا‏لله تعالى نبياً ، فراجع نص الحوار بينهما في مصادره (1).
14 ـ وقد نافع بن جبير بن مطعم ، رجلاً من أهل الموالي ، يصلي به ؛ فقالوا له في ذلك ؛ فقال : إنما أردت أن أتواضع ‏ بالصلاة خلفه (2).
15 ـ « وكان نافع بن جبير هذا إذا مرت به جنازة ، قال : من هذا؟ فاذا قالوا : قرشي ، قال : واقوماه ، واذا قالوا : عربي ، قال : وابلدتاه (وامادتاه) واذا قالوا : مولى : قال : من مال الله ، يأخذ ما شاء ، ويدع ما شاء» (3).
وقال ابن عبدربه :
16 ـ وكانوا لا يكنونهم بالكنى ، ولا يدعونهم إلاّ بالاسماء والالقاب.
17 ـ ولا يمشون في الصف معهم.
18 ـ ولا يقدمونهم في الموكب.
19 ـ وإن حضروا طعاماً ، قاموا على رؤوسهم.
20 ـ وإن اطعموا المولى ، لسنه ، وفضله ، وعلمه ، أجلسوه في طرف الخوان ؛ لئلا يخفى على الناظر : أنه ليس من العرب.
21 ـ ولا يدعونهم يصلون على الجنائز ، إذا حضر أحد من العرب ، وإن كان الذي يحضر غريراً.
22 ـ وكان الخاطب لا يخطب المرأة منهم إلى أبيها ، ولا إلى أخيها ، وإنما
____________
(1) راجع : ارشاد المفيد ص268 والبحار ج46 ص187 | 186 والعقد الفريد ج6 ص128 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص23 و24 وعمدة الطالب ص 255 | 256 والبيان والتبيين ج1 ص310 وربيع الاُبرار ج3 ص33 ومروج الذهب ج3 ص206 وتاريخ الامم والملوك ج7 ص165 والكامل في التاريخ ج5 ص232 وبهجة الآمال ج4 ص232 وقاموس الرجال ج4 ص260.
(2) العقد الفريد ج3 ص 412 | 413.
(3) العقد الفريد ج3 ص413 والكامل للمبرد ج4 ص15.


( 120 )


يخطبها إلى مواليها ، فان رضي ، زوِّج ؛ والارُدَّ ؛ فان زَوَّج الاب والاخ بغير رأي مواليه ، فسخ النكاح ، وإن كان قد دخل بها ، وكان سفاحاً غير نكاح.
23 ـ وحينما كلّم حمران ، مولى عثمان ، عامر بن عبدالقيس ، المعروف بزهده ، وعبادته ، وتقشفه ، واخباته ونسكه ـ كلّمه ـ عند عبدالله بن عامر صاحب العراق ، في تشنيعه على عثمان ، أنكر عامر ذلك ؛ فقال له حمران : لا كثَّر الله فينا مثلك..
فقال له عامر : بل كثَّر الله فينا مثلك .
فقيل له:أيدعو عليك ، وتدعو له؟ !
قال : نعم ، يكسحون طرقنا ، ويخرزون خفافنا ، ويحكون ثيابنا.
فاستوى ابن عامر جالساً ، وكان متكئاً ؛ فقال : ما كنت أظنك تعرف هذا الباب ؛ لفضلك ، وزهادتك.
فقال : ليس كل ما ظننت أني لا أعرفه ، لا أعرف.
24 ـ وكان عقيل بن علّفة المري ، يصهر إليه الخلفاء ، وقال لعبدالملك بن مروان ؛ إذ خطب إليه ابنته الجرباء : جنبني هجناء ولدك.
25 ـ ودخل أحد بني العنبر على سوار القاضي ، فقال : إن أبي مات ، وتركني ، وأخاً لي ، وخط خطين. ثم قال : وهجينا. ثم خط خطاً ناحية ، فكيف يقسم المال؟
فلما أخبره سوار : أن المال بينهم أثلاثاً ، قال: ما أحسبك فهمت عني ، إنه تركني ، وأخي ، وهجيناً ؛ فكيف يأخذ الهجين كما آخذ أنا ، وكما يأخذ أخي ؟ !
قال : أجل..
فغضب الاعرابي ، ثم اقبل على سوار ، فقال : والله ، لقد علمت : أنك قليل الخالات بالدهناء.


( 121 )


قال سوار : لا يضرني ذلك عند الله شيئاً (1) .
26 ـ ويروى : أن ناسكاً من بني الهجيم بن عمرو بن تميم كان يقول في قصصه : اللهم اغفر للعرب خاصة ، وللموالي عامة ، وأما العجم فهم عبيدك ، والاُمر إليك (2).
27 ـ ولما فرغ الحجاج من بناء واسط ، أمر بإخراج كل نبطي بها ، وقال : لا يدخلون مدينتي ؛ فانهم مفسدة (3) .
28 ـ ولم وصل بسر بن أبي ارطاة إلى صنعاء قتل مائة شيخ من ابناء فارس ؛ لان ابني عبيدالله بن العباس كانا مستترين في بيت امرأة من ابنائهم ، تعرف بابنة بزرج (4).
29 ـ وحول اهتمام معاوية بالعرب ، تأسياً بسياسة سلفه عمر بن الخطاب ، نجد عمرو بن عتبة يقول :
« .. ما استدرّ لعمي كلام قط ، فقطعه ، حتى يذكر العرب بفضل ، أو يوصي فيهم بخير» (5).
وسيأتي المزيد من الشواهد على هذه السياسة حين الكلام على اتجاه الموالي نحو العلوم وتحصيلها فانتظر ، هذا بالاضافة إلى ما سوف نورده حين الكلام على سياسة الخليفة الثاني في هذه المجال ..
بقي أن نشير إلى أن ظاهرة توليه بني امية الدواوين للموالي ، دون العرب لا تشكل خرقاً لهذه السياسة ، وذلك لانهم كانوا مجبرين على ذلك ، بسبب أن العرب كانوا لا يكتبون ، ولا يحسبون (6).
____________
(1) راجع : العقد الفريد ج3 ص412 ـ 415.
(2) الكامل للمبرد ج4 ص16.
(3) معجم البلدان ج5 ص350 ومحاضرات الادباء ج1 ص350.
(4) الغدير ج11 ص27.
(5) العقد الفريد ج3 ص323. وينقل عمر بن عتبة بن عمه معاوية اموراً اُخرى في هذا المجال ، فلتراجع في المصدر المذكور.
(6) تاريخ التمدن الاسلامي ، المجلد الثاني جزء 4 ص342 عن المسعودي ج2 ص114.


( 122 )


في عهد العباسيين :
أما في عهد العباسيين ، فقد كانت التقلبات السياسية ، التي كان لغير العرب دور كبير فيها وفي صنعها ، وتوجيهها ـ كان لها ـ تأثير بارز على ظهور التعصبات العرقية ، والعنصرية بين حين وآخر ، على درجات متفاوتة من القوة والضعف ، وقد صاحب ذلك تهيؤ الفرصة أمام غير العرب ، للتعبير عن رأيهم في هذه القضية ، والدفاع عن مبدأ المساواة بين الناس ، بقوة وبحرية..
ولكن موضوع التمييز العرقي ، والشعور العنصري ، بقي له دوره في كثير من المواضع والمواقع ، وكان له تأثيره في كثير من التقلبات ، والمواقف ، ولا نريد هنا تقصي هذا الامر ، وإنما نريد فقط الالماح إلى مورد أو موردين ظهر فيهما هذا الامر جلياً وواضحاً ، ونكل أمر تقصي ذلك إلى من يهمه هذا الاُمر.
فنقول: إنه عدا عن الفتن العرقية والثورات العنصرية التي ظهرت في اكناف واطراف الدولة الاسلامية هنا وهناك ، وهي كثيرة جداً (1) فاننا نجد :
1 ـ إنه يظهر : أن سياسة الاتهام بالزندقة ، التي تعني لزوم قتل المتهم بها ، ـ هذه السياسة ـ يرجع تاريخها إلى عهد بني اُمية ، ثم تبناها العباسيون بصورة أكثر فعالية ، وحزماً ، وتشدداً. وكانت هذه التهمة تمثل اسلوب الانتقام الناجح من الخصوم ، من دون أن يثير أية سلبيات ظاهرة ، بل ان فيها ايجابية اظهار الهيئة الحاكمة حريصة على الشريعة ، مهمتة بأمر الدين ، متجلببة جلباب التقوى ، والخشية والورع.
وقد طالت هذه التهمة الموالي بالدرجة الاولى ، وخصوصاً المثقفين والواعين منهم ، ويظهر من بعض النصوص: أن الموالي كانوا مستهدفين ـ هم والشيعة ـ
____________
(1) راجع : على سبيل المثال الفتن والحروب التي جرت في عهد الرشيد ما بين سنة 170 و185 فإن في ذلك مقنعاً وكفاية ، لمن أراد الرشد والهداية .


( 123 )


بصورة رئيسية ، وأساسية ، يقول الجاحظ :
« .. فان عامة من ارتاب بالاسلام ، إنما كان ذلك أول رأي « الشعوبية» ، والتمادي فيه ، وطول الجدال المؤدي إلى القتال ؛ فإذا أبغض شيئاً ، أبغض أهله.. إلخ» (1).
وقد ادعى البعض: أن أغلب الزنادقة ، كانوا من الموالي ، أما العرب؛ فلم يوصف منهم بالزندقة سوى أربعة أشخاص ، لا غير (2)!!
2 ـ ويذكر المؤرخون: أن الخليفة الراضي لم يكن يتناول شيئاً من أسود (3).
3 ـ وقد قرروا : أن ضياع الاندلس كان سببه التمييز بين العرب ، وغيرهم (4).

قوالب حضارية خادعة :
هذا.. وقد استمر هذا الاتجاه بالظهور والاختفاء بين حين وآخر ، حتى لقد دافع ابن تيمية بحرارة ، عن عقيدة أهل السنة والجماعة ، في أن جنس العرب أفضل من جنس العجم ، حسبما تقدم ولكن أصبح الجهر بهذا الاُمر صعباً ، ومستهجناً ، وثقيلاً. فكان أن ظهر أخيراً في قوالب حضارية (!!) ، وشعارات خادعة ، وتحت اسماء مضللة ، ومطاطة ، وغائمة.. إن اختلفت في عباراتها وطروحاتها في الظاهر ، فهي متفقة من حيث المضمون والجوهر ، ثم من حيث الآثار والنتائج ، وهذه القوالب من قبيل: الغرب ، والشرق ، والاوربية ، والآسيوية ، والقومية والوطنية.
____________
(1) الحيوان: ج7 ص220 ، الجذور التاريخية للزندقة والشعوبية عن البيان والتبيين : ج‌3 ص14 ولم نجده فيه ، ولعلّه قد اشتبه عليه الامر.
(2) الزندقة والشعوبية ص21.
(3) الالمام ج1 ص186.
(4) راجع : الاسلام والمشكلة العنصرية ص97 ـ 103.


( 124 )


ونحو ذلك..
وذلك لاُنّ شعار القومية العربية مثلاً ، والقومية الفارسية ، والقومية الكردية.. وما إلى ذلك من امور ، تعطى على أساسها الامتيازات ، وترسم انطلاقاً منها السياسات.. ـ إن هذه الشعارات ـ ما هي إلاّ ذلك التعبير الفني الخادع ، الذي يستبطن التمييز العرقي ، والعنصري ، بأبشع أنواعه.
ولعل أول من استخدام كلمة « القومية» ـ فيما نعلم ـ هو أبو يحيى بن مسعدة ، في رسالته التي كتبت في القرن السادس الهجري ، وردّ فيها على ابن غرسية (1).
وبعد .. فان من الواضح : أن التعصب للوطن بما هو وطن ، وللكردية والفارسية ، والعربية والاوربية وغيرها ، واعطاء الامتيازات ، ثم حرمان الآخرين ، على أساس هذا الانتماء ، أو ذاك ، وعدمه ، لا يبعد في مضمونه الحقيقي عن واقع التمييز العنصري ، وما دام أن اعطاء الامتيازات على اساسه ، يؤول إلى جعل أمر غير اختياري منشأ للامتيازات ، وللحرمان منها.. الامر الذي لن يكون قادراً على المساهمة في تكامل الانسان في انسانيته ، وملكاته الخيرة والنافعة ، لا من قريب ، ولا من بعيد ، تماماً كما هو الحال في التمييز على أساس الجمال ، أو اللون ، أو اللغة ، أو الطبقة ، أو ما إلى ذلك..
ومن هنا.. فان الحاجة تمس إلى توضيح ذلك للناس ، وبيان خلفياته وابعاده المختلفة؛ ليكون الناس على بصيرة من أمرهم ، وليتأكد لهم صحة وسلامة النظرة الاسلامية الواقعية في هذا المجال ، ولتلتزم البشرية بتعاليم الاسلام ، ويهديه القويم ، في اعتبار التقوى أساساً للتفاضل ، ومعياراً لتقييم الانسان في انسانيته ، وفي ما يصدر عنه من أعمال ومواقف.
____________
(1) راجع: نوادر المخطوطات ج1 ص277.