الفصل الرابع :

التمييز العنصري ..
نتائج .. وآثار



( 152 )



( 153 )


من آثار ونتائج السياسة العمرية :
وبعد.. فلقد كان لسياسة التمييز العنصري التي تحدثنا عنها أثارها الخاصة بها ، سواء بالنسبة إلى اولئك الذين هدرت كراماتهم ، وسلبت حقوقهم ، وعلى اساسها ، وهم الموالي ، وغير العرب..
أو بالنسبة لمؤسسها ورائدها ، الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، وكل الذين ساروا على نهجه ، ونسجوا على منواله..
ولكنها آثار لها طبيعتها الخاصة بها ، بالنسبة إلى كل فريق من هذين ، كما سنرى .
أضف إلى ذلك تلك الآثار الاخرى ، ذات الطبيعة المتميزة أيضاً على ذلك الفريق الثالث ، الذي عارض هذه السياسة ، ورفضها ، وأدانها ، بقوة ، وصلابة .. أعني عليّاً أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، وأهل بيته الطاهرين ، صلوات ا‏لله وسلامه عليهم أجمعين ، ثم شيعتهم الابرار الميامين ، الذين ترسموا خطاهم ، واتبعوا سبيلهم ، الذي هو سبيل الايمان والاسلام .

آثار سياسة عمر على العرب :
فاما بالنسبة لآثارها على العرب ، وهم المنتفعون الاوائل من هذه السياسة ، بصورة عامة فاننا نقول باختصار :
إن العرب قد حصلوا نتيجة لذلك على امتيازات كثيرة ، وأصبحت لهم السابقة


( 154 )


والارجحية في كل شيء ، واختصوا لانفسهم بكل مصادر الخير ، والفضل ، والتقدم في المجالات المختلفة وهم الذين كانوا إلى الامس القريب لا يحلمون حتى بأن يحكموا أنفسهم ، أو يملكوا أمرهم. وكانوا يعيشون الحياة الصعبة بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، ويعانون من عقدة التخلف ، والحقارة ، والمهانة بصورة حقيقية..
وكانوا يتعاملون مع كل من يحيط بهم من الامم ، من موقع الحاجة ، والضعف ، والاستكانة ، والفقر؛ فيقيسون ما هم من ذل إلى ملك كسروي ، وجبروت قيصري ، فيرون البون الشاسع ، والفرق الكبير ؛ فأين الثريا من الثرى . وأين الحضيض من السها ، قال قتادة : « كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلاً ، وأشقاه عيشاً ، وأبينه ضلالةً ، واعراه جلوداً ، وأجوعه بطوناً ، معكومين على رأس حجرين أسدين : فارس ، والروم . لا وا‏لله . ما في بلادهم يؤمنذ شي ء يحسدون عليه ، من عاش منهم عاش شقياً ، ومن مات ردّي في النار. يؤكلون ، ولا يأكلون . والله ما نعلم قبيلاً يؤمئذٍ ، من حاضر الارض ، كانوا فيها أصغر حظاً ، وأدق فيها شأناً منهم ، حتى جاء الله عزّوجلّ بالاسلام ، فورثكم به الكتاب واحل لكم به دار الجهاد ، ووضع لكم به من الرزق ، وجعلكم به ملوكاً على رقاب الناس» (1).
وهناك كلمات أمير المؤمنين المعبرة عن حالة العرب ، وأنهم كانوا على « شر دين ، وفي شر دار ، بين حجارة خشن ، وحيات صم ، تشربون الكدر ، وتأكلون الجشب إلخ» (2). وله عليه السلام كلمات اخرى تعبر عن حالة العرب .. فليراجعها من ارادها .. وليراجع أيضاً كلام المغيرة بن شعبة في هذا المجال (3).
____________
(1) جامع البيان ج4 ص25 وضحى الاسلام ج1 ص18 عنه.
(2) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 25 بشرح محمد عبده.
(3) راجع في ذلك كتابنا : الصحيح من سيرة النبيّ الاعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ج1 ص47 | 48.


( 155 )


وإذا كانت هذه حالتهم ، فانهم لم يكن يمكن لهم أن يسمحووا لمخيّلتهم أن يمر فيها وَهمُ الخروج من حالتهم تلك ، فضلاً عن أن يفكروا في السيطرة على الامبراطورية الكسروية وغيرها ، ويصبحوا بين يوم وآخر أسياد العالم وحكامه ، والمسيطرين على قدراته وامكاناته .
أضف إلى ذلك : أن الاكثرية الساحقة حين حصول هذا التحول الهائل في واقعهم ، كانت لا تزال تعيش في ظل مفاهيمها الجاهلية ، وتخضع للضوابط والمعايير القبلية ، وتنطلق في مواقفها من اهوائها ، وعصبياتها ، ومصالحها الشخصية.
ولم يتهيأ لها ، أو لم تكلف نفسها عناء العيش في ظل مفاهيم الاسلام وتعاليمه ، ولم تتفاعل مع قيمه ومثله ، ولا عاشت التجربة إلا في حدود الشعار ، أو التوهج العاطفي ، الذي لم يتأصل في وعيها ، ولم يتجذر في فكرها ، ولا تلاقي مع فطرتها ، ولا لامس ضميرها ووجدانها..
وقد تجلى ذلك بصورة أوضح ، بعد أن تعرضت الامة بعد وفاة نبيها لمسحٍ إعلامي ، وتثقيفي ، عمل على إيجاد حالة جديدة ، تستهدف تحويل الاتجاه في مرامي الطموح إلى مسار جديد ينسجم مع المصالح الطارئة ، والتغيرات العارضة ، التي جاءت كنتيجة طبيعية للتغيير غير الطبيعي الذي نار مركز القيادة بعد الرسول الاعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فتسلّمت القيادة تلك الفئة التي خصتهم بامتيازات ما كانوا يفكرون فيها ، ولا يحلمون بها .. فعكفوا على دنياهم ، وغرقوا في زبارجها وبهارجها.
ولم يعد يهمهم ، إلا أن يكرسوا لانفسهم هذه الامتيازات ، ويحوطوها ، ويحافظوا عليها ، ثم الحصول على المزيد منها ، مهما كان ذلك ظالماً ، ومدمراً للآخرين ، أو مخالفاً للشرع ، ولاُحكام الدين ، أو تمجه الاخلاق ، وتأباه الفطرة ..
وبعد كل ذلك ، فان من الطبيعي : أن نجد : أن هؤلاء ، قد ابتلوا بداء


( 156 )


الغرور ، وبرذيلة الصلف والكبرياء ، وما فتئوا يمارسون مختلف أنواع الظلم ، والاضطهاد ، والاذلال لمن كانوا بالامس أسيادهم ، وأصبحوا اليوم مواليهم وعبيدهم..
وكان من المتوقع كذلك بعد أن ملكوا الاموال ، والضياع ، والبلاد أن يسقطوا في حمأة الشهوات ، وأن يستغرقوا بصورة بشعة ، وغير معقولة ولا متزنة في الملذات ، ما حلّ منها ، وما حرم . وأن تسحرهم الجواهر والمظاهر وتأخذ عقولهم الدنيا وما فيها ، من زبارج . وتبدأ ملامح شخصيتهم الانسانية بالانحسار والتلاشي ، ليبرز عوضاً عنها ذلك المارد البهيمي الشرس ، والضاري ، الذي افلت من القمقم ، حين كان يعيش في ظلمات نفوسهم..
هذا المارد العتي ، الذي لم يكن ليرحم أحداً ، يحاول أن يقف في وجهه ، ولسوف يواجهه بالمزيد من المقت ، والكراهة ، والحقد ، وبروح الافناء والتدمير . ولا يفرق بين نبي ، أو ولي ، ولا بين رسول ورسالة ، ولا بين فضيلة أو تقوى ، ولا بين فطرة أو عقل ..
وهذا بالذات هو الذي يفسر لنا ما نال عليّاً عليه السلام وأهل بيته ، وشيعته ، على مدى التاريخ وما واقعة كربلاء عنا ببعيد ، وهو أيضاً يعطينا التفسير الدقيق لدوافع الحرب التي لا تزال تشن دون هوادة ، على الاسلام ، والقرآن ، وعلى كل ما هو شرف ودين ، وكمال وفضيلة..
ذلك أن عليّاً عليه السلام وأهل بيته وشيعته ، يلتزمون بتعاليم الاسلام ، ويمثلون خط القرآن والايمان ، ويتحلون بفضائل الاخلاق ، وكريم السجايا ، ويهتدون بهدى العقل والفطرة.

عظمة عمر بن الخطاب في العرب :
وأما فيما يرتبط بآثار تلك السياسة على رائدها الاول ، ومرسي قواعدها ،


( 157 )


عمر بن الخطاب ، فقد كان من الطبيعي ، بعد أن فتحت الفتوحات ، وأقبلت الدنيا على الناس ، واُرٍضِيَ غرور الانسان العربي ، واستجيب لاهوائه ، وطموحاته في الحصول على المال ، وعلى غيره .. ثم استثمر الاعلام ذلك لصالح فريق معين ، على حساب كل ما ومن عداه . لقد كان من الطبيعي والحالة هذه : أن يتأكد عند الناس نباهة قوم ، وخمول آخرين ، وهو ما اشار اليه علي عليه السلام ، حين قال في جملة كلام له : « .. ثم فتح ا‏لله عليها الفتوح؛ فأثرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجهد والمخمصة ..» .
إلى أن يقول : « ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها ، وحسن تدبير الامراء القائمين عليها؛ فتأكد عند الناس نباهة قوم ، وخمول آخرين إلخ..» (1) .
نعم .. لقد كان من الطبيعي : أن يوجد ذلك التمييز والتفضيل للعرب ، تياراً جارفاً من الحب ، والتعظيم ، والتبجيل لذلك الذي كان السبب في حصولهم على كل ما حصلوا عليه ، وأن يصبح رأيه فيهم كالشرع المتبع ، وتصبح سنته فيهم هي السنة الماضية .
وقد ذكرنا في كتابنا : الحياة السياسية للامام الحسن عليه السلام ص86 ـ 90 بعض ما يفيد في هذا المجال ، ونذكر هنا بعض النصوص الاخرى ، لاظهار كيف أن قول الخليفة الثاني قد أصبح في الناس كالشرع المتبع ، وهي التالية :
إنه يكفي أن نذكر : أنه قد بلغ من عظمة عمر بن الخطاب : أن عليّاً عليه السلام لم يستطع أن يمنع جنده من صلاة التراويح ، قال عليه السلام :
« .. وتنادى بعض أهل عسكري ، ممن يقاتل معي : يا أهل الاسلام ، غيرت سنة عمر ، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً ، ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري » (2).
وفي نص آخر : أنهم سألوه أن ينصب لهم اماماً يصلي بهم نافلة شهر
____________
(1) شرح النهج للمعتزلي ص20 ص299.
(2) الكافي ج8 ص59 ـ 63.


( 158 )


رمضان ؛ فزجرهم ، وعرفهم : أن ذلك خلاف السنة ، فتركوه ، واجتمعوا لانفسهم ، وقدموا بعضهم ؛ فبعث إليهم ولده الحسن ليفرقهم ؛ « فلما رأوه تبادروا إلى أبواب المسجد ، وصاحوا: واعمراه» (1).
ولعل اول من صاح بذلك هو قاضيه شريح (2).
وحينما أراد أن يعزل شريحاً عن القضاء ، قال له أهل الكوفة: « لا تعزله ، لانه منصوب من قبل عمر ، وقد بايعناك على أن لا تغير شيئاً قرره أبو بكر وعمر» (3).
كما أن يزيد بن المهلب قد وعد الناس بالعمل بسنة العمرين (4) . وليس سنة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم !!
بل إن طلحة والزبير ، الذين قاتلا أمير المؤمنين عليه السلام بأهل البصرة العراقيين ، حينما قال لهما عليه السلام :
« .. ما الذي كرهتما من أمري ، ونقمتما من تأميري ، ورأيتما من خلافي ؟ !
قالا : خلافك عمر بن الخطاب ، وائمتنا ، وحقنا في الفيء إلخ .. » (5).
ونادى أصحاب الجمل بأمير المؤمنين : « اعطنا سنة العمرين» (6).
وقال الخوارج لقيس بن سعد : « لسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر.
فقال : والله ، ما نعلم على الاُرض مثل عمر ، إلا أن يكون صاحبنا» .
وحسب نص الطبري : « ما نعلمه فينا غير صاحبنا ، فهل تعلمونه فيكم ؟ !» (7).
____________
(1) راجع : شرح النهج للمعتزلي ج2 ص283 وج1 ص269 والصراط المستقيم ج3 ص26 وتلخيص الشافي ج4 ص58 والبحار ط قديم ج8 ص284 .
(2) رجال المامقاني ج2 ص83.
(3) المصدر السابق .
(4) محاضرات الراغب المجلد الثاني جزء 3 ص188.
(5) المعيار والموازنة ص113 .
(6) الكامل للمبرد ج1 ص144.
(7) الاخبار الطوال ص207 وتاريخ الامم والملوك ج4 ص62 والكامل لابن الاثير ج3 ص343 وأنساب الاشراف ، بتحقيق المحمودي ج2 ص370 | 371 وبهج الصباغة ج7 ص143.


( 159 )


وحينما أراد الخوارج اقناع بعض زعمائهم ، وهو زيد بن حصين ، بقبول الولاية عليهم ، اجتمعوا إليه ، وقالوا له : « أنت سيدنا وشيخنا ، وعامل عمر بن الخطاب على الكوفة ، تولّ إلخ ..» (1).
كما أن نجدة بن عامر الحروري : قد تخلى عن فكرة مهاجمة المدينة ، لما أن « أخبر بلبس عبدالله‏ بن عمر بن الخطاب السلاح ؛ تأهباً لقتاله مع أهل المدينة ، ذلك أن نجدة ، وسائر الخوارج ، كانوا يوقرون اباه عمر بن الخطاب توقيراً شديداً. وقد اختاره نجدة للإجابة على مسائله ، فكتب إليه نجدة يسأله عن اشياء في الفقه لكنها كانت اسئلة عويصة ؛ فترك الاجابة عنها إلى ابن عباس» (2).
ويذكرون أيضاً : ان ابن عباس ، قد أشار علي أمير المؤمنين عليه السلام بابقاء معاوية على الشام ، واحتج لذلك بقوله : « فان عمر بن الخطاب ولاه الشام في خلافته» (3).
وحينما عاتب أمير المؤمنين عليه السلام الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، في أمر تولي معاوية للشام ، قال له عثمان : « انكرت علي استعمال معاوية ، وانت تعلم : أن معاوية كان أطوع لعمر بن يرفأ غلامه ؟ إن عمر كان إذا استعمل عاملاً وطأ على صماخه إلخ..» (4).
وفي نص آخر : ان عثمان قال له: « ألم يولّ عمر المغيرة بن شعبة ، وليس هناك ؟ قال : نعم . قال : أو لم يولّ معاوية ؟ قال علي : ان معاوية كان أشد خوفاً وطاعة لعمر من يرفأ . وهو الآن يبتز الامور دونك إلخ..» (5).
____________
(1) الثقات ج2 ص295 والخوارج والشيعة ص71 .
(2) الخوارج والشيعة ص71.
(3) الفصول المهمة لابن الصباغ ص49.
(4) شرح النهج للمعتزلي الخنفي ج9 ص24.
(5) انساب الاشراف ج5 ص60 والكامل لابن الاثير ج3 ص152 وتاريخ الامم والملوك ج3 ص377 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 قسم 2 ص143 والغدير ج9 من 160 عنهم وعن تاريخ أبي الفداء ص168 . والنصائح الكافية ص174.


( 160 )


هذا .. وقد احتج معاوية نفسه على صعصعة وأصحابه بنصب عمر له ؛ فليراجع (1).
ولما خرجت الخوارج من الكوفة ، أتى علياً أصحابه ، وشيعته ، فبايعوه ، وقالوا : نحن اولياء من واليت ، واعداء من عاديت ؛ فشرط لهم فيه سنة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ؛ فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي ، وكان شهد معه الجمل ، وصفين ، ومعه راية خثعم ؛ فقال له : بايع على كتاب ا‏لله ، وسنة رسوله .
فقال ربيعة : على سنة أبي بكر ، وعمر..
فقال له علي عليه السلام : ويلك ، لو أن بكر وعمر عملا بغير كتاب ا‏لله ، وسنة رسوله ، لم يكونا على شيء من الحق..
فبايعه ربيعة .
ونظر إليه علي عليه السلام ، فقال : أما والله ، لكأني بك ، وقد نفرت مع هذه الخوارج ، فقتلت ، وكأني بك ، وقد وطأتك الخيل بحوافرها ..
فقتل يوم النهر. قال قبيصة : فرأيته يوم النهروان قتيلاً ، قد وطأت الخيل وجهه ، وشدخت رأسه ومثلت به. فذكرت قول علي ، فقلت : ‏ در أبي الحسن ما حرك شفتيه قط بشيء الا كان كذلك (2).
وقال الاشعث بن قيس لامير المؤمنين عليه السلام فيما يرتبط بارسال أبي موسى للتحكيم :
« .. وهذا أبو موسى الاشعري ، وافد أهل اليمن إلى رسول الله صلّى الله
____________
(1) تاريخ الطبري ج3 ص316 والكامل لابن الاثير ج3 ص143 والغدير ج9 ص35. عن : شرح النهج للمعتزلي ج1 ص158 ـ 160 وعن تاريخ ابن خلدون ج2 ص387 ـ 389 وعن تاريخ أبي الفداء ج1 ص168.
(2) الامامة والسياسة ج1 ص146 وراجع : تاريخ الطبري ج4 ص56 ، وبهج الصباغة ج7 ص179 وراجع كتابنا : الحياة السياسية للامام الحسن عليه السلام ص والكامل لابن الاثير ج3 ص337.


( 161 )


عليه وآله وسلّم ، وصاحب مغانم أبي بكر ، وعامل عمر بن الخطاب.. » (1) .

أما في الاتجاه السلبي :
وفي الاتجاه السلبي ، نجد أن هؤلاء المهدورة كراماتهم ، المسلوبة حقوقهم ، من قبل الهيئة الحاكمة ، واعوانها على الخصوص ، يصبحون أشد الناس على عثمان ، حيث ثار الناس عليه ، بسبب ما ظهر منه ، في أيام خلافته ، ولا سيما في السنوات الاخيرة منها .
1 ـ يقول ابن عبدربه ، وهو يتحدث عن حصر أهل المدينة ، وأهل مصر عثمان بن عفان :
« .. وكان معهم من القبائل : خزاعة ، وسعد بن بكر ، وهذيل ، وطوائف من جهينة ، ومزينة ، وانباط يثرب ، وهؤلاء كانوا أشد الناس عليه» (2).
2ـ وحينما جاء عرب الكوفة إلى عبدالرحمان بن مخنف الازدي ، وطلبوا منه الخروج معهم على المختار ، قال لهم عبدالرحمان :
« .. أخاف أن تتفرقوا وتختلفوا . ومع الرجل شجعانكم وفرسانكم ، مثل فلان ، وفلان . ثم معه عبيدكم ، ومواليكم ؛ وكلمة هؤلاء واحدة . ومواليكم أشد حنقاً عليكم من عدوكم ؛ فهم مقاتلوكم بشجاعة العرب ، وعداوة العجم» (3) .
3 ـ هذا .. بالاضافة إلى أن قتل الخليفة عمر بن الخطاب ، إنما تم على يد شخص غير عربي ، وهو أبو لؤلؤة ، غلام المغيرة بن شعبة .. (4) وذلك معروف ومشهور .
____________
(1) الامامة والسياسة ج1 ص130.
(2) العقد الفريد ج4 ص300 والغدير ج9 ص169 عنه.
(3) راجع : تاريخ الامم والملوك ج6 ص45 ط دار المعارف بمصر . والكامل لابن الاثير ج4 ص231.
(4) راجع : تاريخ عمر بن الخطاب ، لابن الجوزي ص 238 | 239 وأي كتاب تاريخي ، يؤرخ لقتل الخليفة الثاني .


( 162 )


وذلك كله أمر طبيعي ، فان الناس بشر ، لهم أحاسيسهم ، ومشاعرهم ، ولهم كذلك كرامات ، وطموحات ، لابدّ من مراعاتها ، والاستجابة لها ، وإلا.. فان النار تحرق ، والشجر يورق ، والبحر يغرق .

آثار سياسة علي عليه السلام وأهل بيته :
هذا .. ولكن سياسة علي أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، قد اسفرت عن نتائج وآثار سلبية ، واخرى ايجابية ..
فأما بالنسبة للسلبية منها ؛ فان مساواة علي عليه السلام بين العرب وغيرهم ، ولا سيما في العطاء ، قد كان من أهم اسباب الخلاف عليه ، وكانت قسمته بالسوية أول ما أنكروه منه ، واورثهم الضغن عليه (1).
وكان ذلك من أسباب خروج طلحة والزبير ، ثم ما جرى في حرب الجمل (2).
وقد قال له عمار ، وأبو الهيثم ، وأبو أيوب ، وسهل بن حنيف ، وجماعة :
« إنهم قد نقضوا عهدك ، واخلفوا وعدك ، ودعونا في السر الى رفضك . هداك ا‏لله لرشدك ، وذلك لانهم كرهوا الاسوة ، وفقدوا الإثرة ، ولما آسيت بينهم وبين الاعاجم أنكروا إلخ .. » (3).
وكتب ابن عباس إلى الامام الحسن عليه السلام يقول له :
« .. وقد علمت أن أباك عليّاً ، إنما رغب الناس عنه ، وصاروا إلى معاوية ؛ لانه واسى بينهم في الفيىء ، وسوى بينهم في العطاء إلخ .. » (4).
بل لقد كان للعرب ، كل العرب موقف سلبي من علي عليه السلام ، قد عبر
____________
(1) شرح النهج للمعتزلي الخنفي ج7 ص37.
(2) راجع : المعيار والموازنة ص 113 | 114.
(3) شرح النهج للمعتزلي الحنفي ج7 ص37 عن الاسكافي ، وبهج الصباغة ج12 ص200.
(4) الفتوح لابن اعثم ج4 ص149 وشرح النهج للمعتزلي الحنفي ج16 ص23 وعن جمهرة رسائل العرب ج2 ص1 وراجع : حياة الامام الحسن بن علي القرشي ج2 ص26.


( 163 )


عنه هو نفسه ، حينما كتب لاخيه عقيل : « ألا وان العرب قد أجمعت على حرب أخيك ، اجماعها على حرب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قبل اليوم ؛ فأصبحوا قد جهلوا حقه ، وجحدوا فضله ، وبادروه العداوة ، ونصبوا له الحرب ، وجهدوا عليه كل الجهد ، وجروا إليه جيش الاحزاب إلخ» (1) .
وعلى الصعيد الايجابي فإننا نجد تعاطف غير العرب ، مع أولئك الذين وجدوا فيهم التجسيد الحي لتعاليم الاسلام ، وهم علي وأهل بيته عليهم السلام ، وشعيته الابرار ؛ فقد كان من الطبيعي : أن تشدّهم إليهم أواصر المحبة ، وأن ينظروا إليهم بعين الاكبار ، والاجلال ، والتقدير الفائق ، وأن يجدوا فيهم الملجأ والملاذ لهم ، في جميع ما ينوبهم ..
ويكفي أن نذكر هنا :
1 ـ أن الموالي كانوا هم أنصار المختار ، في حركته التي كانت ترفع شعار الاُخذ بثارات الحسين عليه السلام ، وكان ذلك ـ على ما يبدوا ـ هو السبب في تخاذل العرب عنه (2).
2 ـ وكان لعثمان عبد ، فاستشفع بعلي أن يكاتبه عثمان ، فشفع له ، فكاتبه (3).
3 ـ وقال السيد أمير علي : « وقد أظهر الامام علي منذ بداية الدعوة الاسلامية كل تقدير ومودة نحو الفرس ، الذين اعتنقوا الاسلام . لقد كان سلمان الفارسي ـ وهو أحد مشاهير اصحاب الرسول ـ رفيق علي وصديقه . كان من عادة الامام أن يخصص نصيبه النقدي في الانفال لافتداء الاسرى . وكثيراً ما أقنع الخليفة عمر بمشورته ، فعمد إلى تخفيف عبء الرعية في فارس . وهكذا.. كان ولاء الفرس لاحفاده واضحاً تمام الوضوح» (4).
____________
(1) شرح النهج للمعتزلي الحنفي ج2 ص119 والغارات ج2 ص431 والبحار ج8 ط قديم ص621 والدرجات الرفيعة ص156 ونهج السعادة ج5 ص302.
(2) الخوارج والشيعة 227 | 228 .
(3) ربيع الاُبرار ج3 ص22.
(4) روح الاسلام ص 306.


( 164 )


4 ـ ويرى فان فلوتن : ان من اسباب ميل الخراسانيين ، وغيرهم من الإيرانيين الى العلويين ، هو أنهم لم يعاملوا معاملة حسنة ، ولا رأوا عدلاً ، إلا في زمن حكم الامام علي عليه السلام (1).
5 ـ وأخيراً .. فقد رأينا السودان ـ وهو ليسوا من العرب ـ يثورون ضد ابن الزبير ، انتصاراً لابن الحنفية. وكان فيهم غلام لابن عمر اسمه ، رباح ، فلما كلمه ابن عمر ، متعجباً ومستفهماً عن سبب خروجه مع الثائرين ، قال :
« والله ، إنا خرجنا لنردكم عن باطلكم إلى حقنا .. » (2).
هذا كله .. عدا عن أن هذه السياسة الاسلامية الخالصة ، قد أسهمت في حفظ اصول الاسلام ، وفي وعي تعاليمه ، وترسيخ قواعده على المدى البعيد .. ثم في تعريف الناس على اولئك الذين يحملون همّ الاسلام للاسلام ، لا لاُجل مصالحهم الخاصة ، ولا لتحقيق مآربهم في التسلط والهيمنة على الآخرين ، واستغلالهم ..
فهم يعيشون الاسلام قضيةً ، وفكراً وطريقة ، ومنطلقاً ، وهدفاً . ويجسدونه رسالةً إلهية ، وانسانية ، تنبض بالحياة ، وتزخر بالمعاني السامية ، والغنية في مضامينها كما هي غنية في عطائها ، وروافدها.

غير العرب هم روّاد العلم والثقافة :
ورغم أن السياسة الاموية القاسية تجاه غير العرب ، والتي لم تكن إلا استمراراً لسياسة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قد ارهقت غير العرب ، وحرمتهم من أبسط الحقوق الانسانية والشرعية.. فان هؤلاء الناس قد اتجهوا نحو ما هو أهم ونفعه أعم ، فحصلوا على المجد والرفع÷ عن طريق العلم والمعرفة ، وأقبلوا على الاسلام ، وعلى النهل من معين معارفه ، وآدابه ، والغوص في بحار
____________
(1) السيادة العربية والشيعة والاسرائيليات.
(2) انساب الاشراف ، بتحقيق المحمودي ج3 ص 295.


( 165 )

علومه وحقائقه بصورة مثيرة ومذهلة.
حتى لقد اصبحوا في مدة وجيزة هم علماء الامة ، وقراء الاسلام ، ودعاته ، ونحن نذكر هنا النصوص التالية :
1 ـ قال أبو هلال العسكري عن الحجاج :
« .. وهو أول من نقش على يد كل رجل اسم قريته ، ورده إليها . وأخرج الموالي من بين العرب .. إلى أن قال :
وكان الذي دعاه إلى ذلك : أن أكثر القراء ، والفقهاء ، كانوا من الموالي . وكانوا جلّ من خرج عليه مع ابن الاشعث ؛ فأراد أن يزيلهم من موضع الفصاحة والادب ، ويخلطهم بأهل القرى ؛ فيخمل ذكرهم. وكان سعيد بن جبير منهم ، وكان عبد رجل من بني أسد ، اشتراه ابن العاص ؛ فأعتقه ، فلما أتي به الحجاج ، قال :
يا شقي بن كسير ، أما قدمت الكوفة ، وما يؤم بها [إلا] (1) عربي ؛ فجعلتك إماماً ؟ إلخ .. » (2).
2 ـ روى الحاكم بسنده عن الزهري ، قال :
قدمت على عبدالملك بن مروان ، فقال لي : من أين قدمت يازهري ؟
قلت : من مكة.
قال : فمن خلفت يسود أهلها ؟
قال : قلت : عطاء بن أبي رباح .
قال : فمن العرب ، أم من الموالي ؟
قال : قلت : من الموالي .
____________
(1) هذه الكلمة ساقطة من كتاب الاوائل ، لكنها موجودة في شذرات الذهب وفي وفيات الاعيان ج2 ص373 .
(2) الاوائل للعسكري ج2 ص61 و62 وراجع : العقد الفريد ج3 ص416 | 417 وشذرات الذهب ج1 ص109. ولم يذكر في العقد قصة سعيد بن جبير. وهي في وفيات الاعيان ج2 ص373.


( 166 )


قال : ويم سادهم ؟
قال : قلت : بالديانة والرواية.
قال : إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا ؛ فمن يسود أهل اليمن ؟
قال : قلت : طاووس بن كيسان .
قال : فمن العرب ، أم من الموالي ؟
قال : قلت : من الموالي ؟
قال : وبم سادهم ؟
قال : قلت : بما سادهم به عطاء.
قال : إنه لينبغي. فمن يسود أهل مصر ؟
قال : قلت : يزيد بن أبي حبيب.
قال : فمن العرب ، أم من الموالي ؟
قال : قلت : من الموالي .
قال : فمن يسود أهل الشام ؟
قال : قلت : محكول.
قال : فمن العرب ، أم من الموالي ؟
قال : قلت : من الموالي ، عبد نوبي ، أعتقته امرأة من هذيل.
قال : فمن يسود أهل الجزيرة ؟
قال : قلت : ميمون بن مهران .
قال : فمن العرب ، أم من الموالي ؟
قال : قلت : من الموالي.
قال : فمن يسود أهل خراسان ؟
قال: قلت الضحاك بن مزاحم.
قال : فمن العرب ، أم من الموالي ؟
قال : قلت: من الموالي .


( 167 )


قال : فمن يسود أهل البصرة ؟
قال : قلت : الحسن بن أبي الحسن .
قال : فمن العرب ، أم من الموالي ؟
قال : قلت : من الموالي .
قال : ويلك ، فمن يسود أهل الكوفة ؟
قال : قلت : إبراهيم النخعي.
قال : فمن العرب ، أم من الموالي ؟
قال : قلت : من العرب .
قال : ويلك يا زهري ، فرجت عني وا‏لله ، ليسودنٌ الموالي على العرب ، حتى يخطب لها على المنابر ، والعرب تحتها !
قال : قلت : يا أمير المؤمنين ، انما هو أمر ا‏لله ودينه ، من حفظه ساد ، ومن ضيعه سقط (1).
3 ـ وعن العباس بن مصعب ، قال :
خرج من مرو أربعة من أولاد العبيد ، ما منهم أحد إلا وهو امام عصره :
عبدالله بن المبارك ، ومبارك عبد.
وابراهيم بن ميمون الصائغ. وميمون عبد .
والحسين بن واقد . وواقد عبد .
وأبو حمزة ، محمد بن ميمون السكري وميمون عبد (2).
ثم ذكر الحاكم جماعة من كبار التابعين وأئمة المسلمين ، كلهم من الموالي ، فمن أراد الاطلاع على ذلك ، فليراجع كتابه : معرفة علوم الحديث ص199 ـ 200.
4 ـ ودخل محمد بن أبي علقمة على عبدالملك بن مروان ، فقال : من سيد الناس بالبصرة ؟
____________
(1) معرفة علوم الحديث ص198 ـ 199 .
(2) معرفة علوم الحديث ص199.


( 168 )


قال : الحسن.
قال : مولى ، أو عربي ؟
قال : مولى .
قال : ثكلتك امك ، مولى ساد العرب ؟ !
قال : نعم.
قال : بم ؟
قال : استغنى عما في ايدينا من الدنيا ، وافتقرنا إلى ما عنده من العلم إلخ (1) .
وقال ابن أبي ليلى : قال لي عيسى بن موسى ، وكان جائراً شديد العصبية : من كان فقيه البصرة ؟
قال : الحسن بن أبي الحسن .
قال : ثم من ؟
قلت : محمد بن سيرين .
قال : فما هما ؟
قلت : فما هما ؟
قلت : موليان .
قال : فمن كان فقيه مكة ؟
قلت : عطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبر ، وسعيد بن جبير ، وسليمان بن يسار .
قال : فما هؤلاء ؟
قلت : موالى.
قال : فمن فقهاء المدينة ؟
قلت : زيد بن اسلم ، ومحمد بن المكندر ، ونافع بن أبي نجيح .
____________
(1) ربيع الابرار ج1 ص811.


( 169 )


قال : فمن هؤلاء ؟
قلت : موالي .
فتغير لونه ، ثم قال : فمن افقه أهل قباء ؟
قلت : ربيعة الرأي ، وابن أبي الزناد .
قال : فما كانا ؟
قلت : من الموالي .
فاربد وجهه ، ثم قال : فمن كان فقيه اليمن ؟
قلت : طاووس ، وابنه ، وهمام بن منبه .
قال : فما هؤلاء ؟
قلت : من الموالي .
فانتفخت اوداجه ، وانتصب قاعداً ، ثم قال : فمن فقيه خراسان .
قلت : عطاء بن عبدا‏ الخراساني .
قال : فما كان عطاء هذا ؟
قلت : مولى .
فازداد وجهه تربداً ، واسود اسوداداً ، حتى خفته ، ثم قال : فمن كان فقيه الشام ؟
قلت : مكحول .
قال : فما مكحول هذا ؟
قلت : مولى .
فازداد تغيظاً وحنقاً ، ثم قال: فمن كان فقيه الجزيرة ؟
قلت : ميمون بن مهران .
قال : فما كان ؟
قال : مولى .
قال : فتنفس الصعداء ، ثم قال : فمن كان فقيه الكوفة ؟
قال : فوّالله لولا خوفه لقلت : الحكم بن عيينة وعمار بن أبي سليمان .


( 170 )


ولكن رأيت فيه الشر ؛ فقلت : إبراهيم ، والشعبي .
قال : فما كانا ؟
قلت : عربيان .
قال : ا‏لله أكبر .
وسكن جأشه (1).
6 ـ وقال عبدالرحمان بن زيد بن أسلم : لما مات العبادلة : عبدالله بن عباس ، وعبدالله بن عمر ، وعبدالله‏ بن الزبير ، وعبدالله بن عمرو بن العاص ، صار الفقه في جميع البلدان الى الموالي :
فقيه مكة : عطاء .
وفقيه اليمن : طاووس .
وفقيه اليمامة : يحيى بن أبي كثير .
وفقيه البصرة : السن البصري .
وفقيه الكوفة : إبراهيم النخعي.
وفقيه الشام : مكحول .
وفقيه خراسان : عطاء الخراساني .
الا المدينة ؛ فان ا‏لله حرسها بقرشي ، فقيه غير مدافع : سعيد بن المسيّب إلخ .. (2) . ولكن ذكر إبراهيم النخعي في جملة الموالي لا يصح ، فإنه كان عربياً من النخع من مذحج.
وقد يجوز لنا أن نتساءل هنان فنقول : لماذا كانت الحراسة بقرشي لخصوص المدينة ، مع أن مكة أشرف منها وأقدس ، لان فيها الكعبة المشرفة ، قبلة المسلمين ، وبيت الله فلماذا لم يحرسها ا‏لله بقرشي ، واصل قريش منها ، ولعل الاُصح خصها كما في معجم البلدان .
____________
(1) العقد الفريد ج3 ص415 | 416 .
(2) شذرات الذهب ج1 ص103 ومعجم البلدان ج2 ص354 .


( 171 )


كما أننا نرى ان لنا الحق في تسجيل تحفظ فيما يرتبط بنسبة الفقاهة إلى اكثر العبادلة ، الذين ذكرت اسماءهم ، ولمناقشة هذا الاُمر موضع آخر .
7 ـ وقال ياقوت عن أهل خراسان: « أما العلم ؛ فهم فرسانه ، وساداته واعيانه ، ومن أني لغيرهم مثل : محمد بن اسماعيل البخاري إلخ» (1).
8 ـ « ولما تكلم ابن خلدون في فصل : أن حملة العلم في الاسلام أكثرهم من العجم ، من مقدمة العبر إلخ ..» (2) .
قال : « من الغريب الواقع : أن حملة العلم في الملة الاسلامية أكثرهم العجم ، لا من العلوم الشرعية ، ولا من العلوم العقلية (3) الا في القليل النادر . وان كان منهم العربي في نسبته؛ فهو عجمي في لغته ، ومرباه ، ومشيخته ، مع أن الملة عربية ، وصاحب شريعتها عربي ..» .
إلى أن قال بعد ذكره أمثلة على ذلك : « .. ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه الا الأعاجم . وظهر مصداق قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : لو تعلق العلم بأكناف السماء لنا له قوم من أهل فارس إلخ .. » (4).
9 ـ وقال الزمخشري :
قال قرشي : سألني سعيد بن المسيّب عن أخوالي .
فقلت : أمي فتاة .
فنقصت في عينه ؛ فامهلت حتى دخل عليه سالم بن عبدالله بن عمر ، فقلت : من امه ؟
قال فتاة.
ثم دخل القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق؛ فقلت : من امه ؟
____________
(1) معجم البلدان ج2 ص353 .
(2) التراتيب الادارية ج2 ص318.
(3) أي سواء من العلوم الشرعية ، أو من العلوم العقلية ، كما جرى عليه ابن خلدون في تعبيراته.
(4) راجع : مقدمة ابن خلدون ص543 ـ 545.


( 172 )


قال : فتاة .
ثم دخل علي بن الحسين؛ فقلت : من امه ؟
قال : فتاة .
ثم قلت : رأيتني نقصت في عينك ؛ لاني ابن فتاة !! أفما لي بهؤلاء أسوة ؟ !
فجللت في عينه (1).
10 ـ ويذكرنا موقف هذا القرشي من سعيد بموقف زيد بن علي رضوان ا‏لله تعالى عليه من هشام بن عبدالملك ، حينما قال له هشام :
بلغني : أنك تطلب الخلافة ، ولست لها بأهل .
قال : ولم ؟ !.
قال : لانك ابن أمة .
قال : فقد كان إسماعيل ابن أمة ، وإسحاق ابن حرة وقد أخرج ا‏لله من ولد إسماعيل سيد ولد آدم..
ولهذه القضية نصوص اخرى ، فلتراجع في مصادرها ، التي قدمّنا شطراً منها حين الكلام على سياسة الامويين في موضوع التمييز العنصري ، فلتراجع.

غير العرب .. والامر بالمعروف والنهي عن المنكر :
هذا .. وقد رأينا أيضاً : أن غير العرب كانوا أكثر التزاماً لجانب الحق ، وأشد تحرياً واجتهاداً ، والتزاماً بالشرع وأحكامه ، وقد تقدم كيف أن السودان ـ وهم ليسوا من العرب ـ يثورون ضد ابن الزبير ، انتصاراً لابن الحنفية ، وكان فيهم غلام لابن عمر ، اسمه : رباح ، فلما سأله ابن عمر عن الذي دعاه للخروج مع الثائرين .
قال : « .. والله ، إنا خرجنا لنردكم عن باطلكم إلى حقنا ..» (2).
____________
(1) ربيع الابرار ج3 ص31.
(2) انساب الاشراف ، بتحقيق المحمودي ج3 ص295
.


( 173 )


الملحق :



( 174 )



( 175 )


مؤخاة سلمان مع من ؟ ! :
وقبل أن ننهي الحديث عن سلمان ، أحببنا تسجيل ملاحظة ، حول ما يذكر في قضية مواخاته رضوان الله تعالى عليه فانهم يقولون : إن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد آخى بينه وبين أبي الدرداء (1).
وفي نص آخر : إنه آخى بينه وبين حذيفة (2).
وفي رواية ثالثة : إنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قد آخى بينه وبين المقداد (3).

انكار حديث المؤاخاة والاجابة عن ذلك :
أما ابن سعد ، فقد قال :
« أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني موسى بن محمد ، بن إبراهيم ، بن
____________
(1) الاصابة ج2 ص62 ، والاستيعاب بهامشه ج2 ص60 وج4 ص59 والغدير ج10 ص103 | 104 وج3 ص174 وقد ناقش في هذه الرواية. والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص 152 وأسد الغابة ج2 ص330 و331 وطبقات ابن سعد ط ليدن ج4 قسم 1 ص 60 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص203 وشرح النهج للمعتزلي ج18 ص37 وتهذيب الاسماء ج1 ص227 وقاموس الرجال ج07 ص256 ونفس الرحمان ص91 و85 عن أبي عمر ، وعن المناقب للخوارزمي ، الفصل 14 . وتهذيب التهذيب ج4 ص138 .
(2) طبقات ابن سعد ج4 قسم 1 ص60 ط ليدن.
(3) نفس الرحمان ص85 عن الحسين بن حمدان .


( 176 )


الحارث ، عن أبيه ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال: أخبرنا محمد بن عبدالله ، عن الزهري :
أنهما كانا ينكران كال مؤاخاة كانت بعد بدر ، ويقولان : قطعت بدر المواريث .
وسلمان يومئذٍ في رق ، وإنما عتق بعد ذلك . وأول غزوة غزاها: الخندق ، سنة خمس من الهجرة (1) .
ولأجل ذلك ؛ فقد عبر البلاذري هنا بقوله : « .. وقوم يقولون : آخى بين أبي الدرداء ، وسلمان .
وإنما اسلم سلمان فيها بين أحد والخندق .
قال الواقدي : والعلماء ينكرون المؤاخاة بعد بعد ، ويقولون : قطعت بدر المواريث» (2).
« .. وقال ابن أبي الحديد : قال أبو عمر : آخى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بينه وبين أبي الدرداء ، لما آخى بين المسلمين .
ولا يخفى ضعفه ، وغرابته» (3).
ونقول : إن لنا على ما تقدم ملاحظات ، نجملها فيما يلي :
أولاً : قولهم إن المؤاخاة قد انقطعت بعد بدر ، لا يصح ، وقد تحدثنا عن ذلك في كتابنا : الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ج3 ص 59 | 60 فليراجعه من أراد . فلا داعي لاستغراب هؤلاء ، ولا مبرر لانكار أولئك .
وثانياً : قولهم : إن انقطاع المؤاخاة بعد بدر يلزمه عدم صحة مؤاخاة سلمان مع أحد من الناس ، لا يصح كذلك ، إذ لماذا لا يؤاخي قبل بدر بين سلمان وان
____________
(1) طبقات ابن سعد ط ليدن ج4 قسم 1 ص60.
(2) انساب الاشراف (قسم حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم) ج1 ص271.
(3) نفس الرحمان ص85 عنه.


( 177 )


كان عبداً وبين رجل آخر حر ..
هذا بالاضافة إلى أنه قد تقدم في اول هذا الكتاب : أنه قد اسلم وتحرر في اول سني الهجرة .
وثالثاً : أما دعوى البلاذري أن سلمان قد اسلم بين أحد والخندق ، فلا تصح أيضاً لأنه إنما أسلم في أول الهجرة ، كما اتضح من روايات اسلامه ، نعم.. هم يقولون : إن تحرره قد كان قبل الخندق .
فاذا كان مسلماً حين المؤاخاة ؛ فيمكن أن يؤاخي بينه وبين أحد المسلمين ، ولو كان الطرف الآخر حراً ؛ لعدم الفرق بين الحر والعبد ، في الايمان والانسانية ، وغير ذلك بنظر الاسلام ..
هذا.. لو سلم أن كان لا يزال عبداً..
ورابعاً : إن الذي انقطع بدع بدر انما هو التوارث بين الاخوة وليس نفس المؤاخاة..
مع أننا نقول أيضاً : إن التوارث لم يكن موجوداً حتى قبل ذلك ، ولعل بعض المسلمين قد توهم التوارث بين المتأخرين ، فجاء الردع عنه ، وتصحيح اشتباهه في ذلك ، فصادف ذلك زمان حرب بدر ..
فنشأ عن ذلك توهمان آخران : هما : ان التوارث كان ثابتاً .. وأن المؤاخاة تنقطع بانقطاع التوارث ، وكلاهما باطل ، ولا يصح ..
وخامساً : قولهم : إن المؤاخاة قد كانت بين سلمان وبين أبي الدرداء.
يقابله :
1 ـ ما روي عن امامنا السجاد عليه الصلاة والسلام ، أنه قال : « لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ، ولقد آخى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بينهما ، فما ظنكم بسائر الخلق» (1) .
____________
(1) بصائر الدرجات ص25 والكافي ج1 ص331 والغدير ج7 ص35 عنهما واختيار معرفة الرجال


( 178 )


2 ـ عن أبي عبدالله عليه السلام ، أنه قال : آخى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بين سلمان وأبي ذر ، واشترط على أبي ذر : أن لا يعصي سلمان (1).
وقد ذكرنا شيئاً حول هذا الحديث في كتابنا : الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ج3 ص68 | 69 فليراجع .
3 ـ إننا نعتقد : أن مؤاخاة سلمان مع أبي ذر هي الأصح ، والأوفق بما يذكرونه من أن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يؤاخي بين كل رجل ونظيره (2) . وكان أبو ذر أكثر مشاكلةً لسلمان من أبي الدرداء له ؛ فان سلمان يؤكد على أنه لابدآ من الوقوف إلى جانب القرآن ، إذا اقتتل القرآن والسلطان ، كما أن أبا ذر قد كان له موقف عنيف من السلطة ، حينما وجد أنها تسير في خطٍ انحرافي خطير ، فكان أن اتخذ جاب الحق ، واعلن ادانته للانحراف بصورة قاطعة ، كما أنه هو وسلمان قد كان لهما موقف منسجم من أحداث السقيفة ، ونتائجها ..
أما أبو الدرداء .. فقد أصبح من وعاظ السلاطين ، واعوان الحكام المتسلطين ، حتى لنجد معاوية ـ كردٍّ للجميل ـ يهتم بمدحه وتقريظه ، والثناء عليه (3) .
كما أن أبا الدرداء ـ حسبما تقدم ـ يكتب لسلمان يدعوه إلى الارض المقدّسة ، وهي الشام بزعمه ، وليس مكة ، والمدينة ! فاقرأ واعجب ؛ فانك ما عشت أراك الدهر عجبا.
____________
ص 17 والبحار ج22 ص 343 ومصابيح الانوار ج1 ص348 وقاموس الرجال ج4 ص418 | 419 . والظاهر : أن الرواية معتبرة .
(1) الكافي ج8 ص162 ، والبحار ج22 ص345 عنه ، ونفس الرحمان ص91.
(2) راجع كتابنا : الصحيح من سيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ج3 حين الكلام حول حديث المؤاخاة..
(3) طبقات ابن سعد ج2 قسم 2 ص115.


( 179 )


ويكفي أن نذكر : أن يزيد بن معاوية قد مدح أبا الدرداء ، واثنى عليه (1) .
كما أن معاوية قد ولاه دمشق (2).
بالاضافة إلى أن رسول الله ـ حسبما يروى ـ قد ذم أبا الدرداء ، وقال له :
إن فيك جاهلية .
قال : جاهلية كفر ، أم جاهلية اسلام ؟
قال : جاهلية كفر (3).
4 ـ وإذا كان سلمان قد اسلم في أول سني الهجرة ، حسبما تقدم ، وإذا كان أبو الدرداء ، قد تأخر اسلامه إلى ما بعد احد (4) .. فلماذا ترك النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم سلمان من دون أن يواخي بينه وبين أحدٍ من الناس ، في هذه المدة الطويلة كلها ؟ !
5 ـ واذا أخذنا بقول الواقدي : إن « .. العلماء ينكرون المؤاخاة بعد بدر ، ويقولون : قطعت بدر المواريث ..» (5).
فان النتيجة تكون : أن العلماء ينكرون المؤاخاة بين سلمان وأبي الدرداء ، لأن أبا الدرداء قد تأخر اسلام عن بدر كثيراً..
6 ـ وأخيراً .. فقد جاء في بعض النصوص : أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قد آخى بين أبي الدرداء ، وعوف بن مالك الاشجعي (6) ولعل هذا هو الأصح ، والاولى بالقبول..
____________
(1) تذكرة الحفاظ ج1 ص25 و.
(2) الاستيعاب بهامش الاصابة ج3 ص17 وج4 ص60 والاصابة ج3 ص46 والتراتيب الادراية ج2 ص426 / 427.
(3) الكشاف ج3 ص537 وقاموس الرجال ج10 ص69 عنه .
(4) الاستيعاب بهامش الاصابة ج3 ص16 وراجع ج4 ص60.
(5) قاموس الرجال ج7 ص256 وج10 ص69 وانساب الاشراف (قسم حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم) ج1 ص271 وراجع : طبقات ابن سعد ج4 قسم 1 ص60.
(6) طبقات ابن سعد ج4 قسم 1 ص22.


( 180 )



( 181 )


كلمة أخيرة


كانت تلك نبذة يسيرة تناولت بعض ما يذكر حول سلمان المحمدي (الفارسي) وعن موضوع التمييز العنصري ، الذي عانى منه سلمان كما عانى منه غيره أيضاً.
وهي قد اقتصرت على النزر اليسير جداً ، لأنها منذ الشروع فيها كان يراد لها : أن تكون محدودة ، وموجزة ، ومنتقاة ولو بصورة غير متناسقة ، حسب ما تقتضيه المناسبة التي فرضت التعرض لها ..
ونأمل أن لا نكون قد تسببنا بشعور القارىء ، بعد اطلاعه عليها بالغين ، وخيبة الأمل .. حينما لا يجد فيها ما يراه بديلاً عن الوقت الذي أهدره ، والجهد الذي بذله في قراءتها ..
وحسبه : أنه يجد مجموعة من النصوص ، عن طائفة من المصادر ، حاضرة لديه ، يمكنه أن يستفيد منها ، إذا أراد معالجة موضوع يتصل بها..
ونسأل الله سبحانه : أن يلهمنا جميعاً ويرزقنا صواب القول ، وخلوص النية ، وجدوى العمل ، ونقاءه وبقاءه ، لينفنا يوم لا ينفع مال ، ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ..
وأن يثيبنا على هذا الجهد المتواضع ، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم ، إنه خير مأمول ، واكرم مسؤول..


( 182 )


والحمد لله ، أولاً وآخراً ..
وباطناً وظاهراً ..
وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى ، محمّد وآله الطيبين الطاهرين ..

قم المشرّفة ـ إيران
حرّر بتاريخ 24 | رجب | 1409 هـ . ق
12 | اسفند | 1367 هـ . ش
جعفر مرتضى الحسيني العاملي
عامله الله بلطفه وإحسانه