سواء كان نحلة أو ميراثاً ، وأن الخبر الذي تفرّد به أبو بكر قد جرّ على الاُمّة ولا يزال مزيداً من المحن والإحن ، وفتح عليها باب العداء على مصراعيه ، وأجّج البغضاء والشحناء ، وشقّ عصا المسلمين إلى اليوم .

ثالثاً : اسقاط سهم ذوي القربى :
لقد نصّ الكتاب الكريم على سهم ذوي القربى في قوله تعالى : ( واعلموا إنّما غنمتم من شيء فأنّ لله خُمُسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) (1) وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يختص بسهمٍ من الخمس ، ويخصّ أقاربه بسهمٍ آخر منه ، فلمّا ولي أبو بكر تأوّل الآية ، فأسقط سهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسهم ذوي القربى ، ومنع بني هاشم من الخمس ، وجعلهم كسائر يتامى المسلمين ومساكينهم وأبناء السبيل منهم (2) .
عن سعيد بن المسيب ، قال أخبرني جبير بن مطعم أنّه جاء هو وعثمان ابن عفان يكلمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما قسم من الخمس بين بني هاشم وبني المطلب ، فقلت : يا رسول الله ، قسمت لاِخواننا بني المطلب ، ولم تعطنا شيئاً ، وقرابتنا وقرابتهم منك واحدة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « إنَّما بنو هاشمٍ وبنو المُطَّلب شيءٌ واحد » .
قال جبير : ولم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من ذلك الخمس ، كما قسّم لبني هاشم وبني المطلب ، قال : وكان أبو بكر يقسّم الخمس نحو
____________
1) سورة الإنفال : 8 | 41 .
2) راجع : الكشاف 2 : 221 . وفتح القدير | الشوكاني 2 : 310 ـ 313 . وتفسير القرطبي 8 : 9 ـ 15 . وتفسير الطبري 10 : 4 و 5 و 7 .


( 185 )


قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير أنّه لم يكن يُعطي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعطيهم ، قال : وكان عمر بن الخطاب يعطيهم منه (1) .
ولم يقبل بنو هاشم ما عرضه عمر عليهم لاَنّه دون حقّهم ، فقد رووا عن علي عليه السلام أنّه قال : « إنّ عمر قال : لكم حقّ ولا يبلغ علمي إذا كثر أن يكون لكم كلّه ، فإن شئتم أعطيتكم منه بقدر ما أرى لكم ، فأبينا عليه إلاّ كلّه ، فأبى أن يعطينا » (2) .
وعن يزيد بن هرمز : أن نجدة الحروري حين حجَّ في فتنة ابن الزبير ، أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربى ، ويقول : لمن تراه؟ قال ابن عباس : لقربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسّمه لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضاً رأيناه دون حقّنا ، فرددناه عليه ، وأبينا أن نقبله (3) .
وقد نازعت الزهراء عليها السلام أبا بكر في سهم ذوي القربى ، كما نازعته في النحلة والإرث ، لكنها لم تجد أُذناً صاغية منه ، حيث تمادى في إصراره على سلب هذا الحقّ الذي فرضه الله تعالى في كتابه وعمل به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم .
روى الجوهري بالاسناد عن عروة بن الزبير ، قال : أرادت فاطمة عليها السلام أبا
____________
1) سنن أبي داود 3 : 45 | 2978 ـ باب في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى . ومسند أحمد 4 : 83 . ومجمع الزوائد | الهيثمي 5 : 341 .
2) سنن البيهقي 6 : 344 . ومسند الشافعي : 187 .
3) سنن أبي داود 3 : 145 | 2982 ـ باب في بيان مواضع قسم الخمس . ومسند أحمد 1 : 320 و 324 . وسنن البيهقي 6 : 344 ـ 345 . وفتح القدير | الشوكاني 2 : 312 .


( 186 )


بكر على فدك وسهم ذوي القربى ، فأبى عليها ، وجعلهما في مال الله (1) .
وعن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال : إنّ أبا بكر منع فاطمة عليها السلام وبني هاشم سهم ذوي القربى ، وجعله في سبيل الله ، في السلاح والكراع (2) .
وعن أنس بن مالك ، قال : إنّ فاطمة عليها السلام أتت أبا بكر ، فقالت : لقد علمت الذي ظلمتنا عنه أهل البيت من الصدقات ، وما أفاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربى! ثمّ قرأت عليه قوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ) الآية .
فقال لها أبو بكر : بأبي أنت وأُمّي ووالد ولدك! السمع والطاعة لكتاب الله ولحقّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحقّ قرابته ، وأنا أقرأ من كتاب الله الذي تقرأين منه ، ولم يبلغ علمي منه أنّ هذا السهم من الخمس يسلّم إليكم كاملاً .
قالت عليها السلام : « أفلك هو ولاَقربائك؟ » قال : لا ، بل أُنفق عليكم منه ، وأصرف الباقي في مصالح المسلمين . قالت عليها السلام : « ليس هذا حكم الله تعالى » . قال : هذا حكم الله!! إلى أن قال : وهذا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ، فاسأليهما عن ذلك ، وانظري هو يوافقك على ما طلبت أحدٌ منهما ، فانصرفت إلى عمر ، فقالت له مثل ما قالت لاَبي بكر ، فقال لها مثل ما قال أبوبكر ، فعجبت فاطمة عليها السلام من ذلك ، وتظنّت أنهما كانا قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه (3) .
____________
1) شرح ابن أبي الحديد 16 : 231 .
2) شرح ابن أبي الحديد 16 : 231 .
3) شرح ابن أبي الحديد 16 : 231 .


( 187 )


أقول : ليس هو ظنّاً ، وإنّما اليقين ، إذ كيف يتّفق فعل أولئك على خلاف كتاب الله عزّ وجلّ ، لو لم يكن ثمة اتفاق من قبل؟!
وعن أُمّ هانيء ، قالت : دخلت فاطمة عليها السلام على أبي بكر بعدما استخلف ، فسألته ميراثها من أبيها فمنعها ، فقالت له : « لئن متّ اليوم من يرثك؟ » قال : ولدي وأهلي . قالت : « فلِمَ ورثت أنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون ولده وأهله؟ » قال : فما فعلت يا بنت رسول الله؟ قالت عليها السلام : « بلى ، إنّك عمدت إلى فدك ، وكانت صافية لرسول الله فأخذتها ، وعمدت إلى ما أنزل الله من السماء فرفعته عنّا » (1) .
وفي رواية اُخرى عن أُمّ هانيء : قال أبو بكر لفاطمة عليها السلام : يا بنة رسول الله ، ما ورث أبوك داراً ولا مالاً ولا ذهباً ولا فضة . قالت عليها السلام : « بلى سهم الله الذي جعله لنا ، وصافيتنا التي بيدك؟ » فقال : انّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يطعم أهله ما دام حيّاً ، فإذا مات رفع ذلك عنهم . وفي لفظ آخر : سمعته يقول : إنّما هي طعمة أطعمنيها الله حياتي ، فإذا متّ كانت بين المسلمين (2) .
وعن أبي الطفيل ، قال : قالت فاطمة عليها السلام لاَبي بكر : « أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم أهله؟ قال : لا ، بل أهله . قالت : فما بال الخمس؟ » فقال : إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إذا أطعم الله نبيّاً طعمة ثمّ قبضه ، كانت للذي
____________
1) شرح ابن أبي حديد 16 : 232 . والسقيفة وفدك | الجوهري : 116 .
2) فتوح البلدان | البلاذري : 44 ـ 45 . والسقيفة وفدك . الجوهري : 117 . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 232 . ومسند فاطمة عليها السلام السيوطي : 13 .


( 188 )


يليه بعده ، فلمّا وليت رأيت أن أردّه على المسلمين (1) .

التكرم وشرع الإحسان :
لقد ثبت ممّا تقدّم أنّ الزهراء عليها السلام طالبت أبا بكر بالنحلة والإرث وسهم ذي القربى ، وأنه لم يعطها شيئاً مما طلبت ، فلو فرضنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لايورث ، وأن جميع متروكاته بما فيها فدك وسهم ذي القربى هي طعمة لولي الأمر بعده ، وليتصرف بها حيثما يشاء ، أو أنها من الأموال العامّة ومن حقّ الحاكم أن يتصرف بها وفقاً لمقتضيات المصلحة الإسلامية العامة .
إذن أليس من الحكمة والتدبير وشرع التكرم والاحسان أن يعطي فاطمة عليها السلام شيئاً مما طلبت ولا يردّها خائبة؟! وهي ابنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم التي لم يخلف بينهم غيرها ، تطييباً لخاطرها ، وحفظاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : « المرءُ يحفظ في ولده » ، وقطعاً لدابر الفرقة والاختلاف التي حكمت حياة المسلمين سنين متمادية .
ولو فعل ذلك لم يكن بدعاً منه ، فقد أقطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض أراضي بني النضير لاَبي بكر وعبدالرحمن بن عوف وأبي دجانة (2) ، وأقطع أرضاً من أرض بني النضير ذات نخلٍ للزبير بن العوّام (3) .
____________
1) سنن البيهقي 6 : 303 . والرياض النضرة | المحب الطبري 1 : 191 . ومسند أحمد 1: 4 . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 219 . ومسند فاطمة عليها السلام | السيوطي : 15 عن مسلم وأحمد وأبي داود وابن جرير .
2) فتوح البلدان | البلاذري : 31 .
3) فتوح البلدان | البلاذري : 34 .


( 189 )


وتنبّه كثير من المحقّقين القدامى والمحدثين لهذه المسألة ، فقد نقل عن القاضي عبدالجبار المعتزلي أنّه قال : قد كان الأجمل أن يمنعهم التكرم مما ارتكبا منها ، فضلاً عن الدين .
قال ابن أبي الحديد معلقاً : وهذا الكلام لا جواب عنه ، ولقد كان التكرم ورعاية حقّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحفظ عهده يقتضي أن تعوّض ابنته بشيء يرضيها ، وإن لم يستنزل المسلمون عن فدك ، وتسلّم إليها تطييباً لقلبها ، وقد يسوغ للاِمام أن يفعل ذلك من غير مشاورة المسلمين إذا رأى المصلحة فيه (1) .
وقال الاُستاذ محمود أبو رية : بقي أمر لابدّ أن نقول فيه كلمة صريحة ، ذلك هو موقف أبي بكر من فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما فعل معها في ميراث أبيها ، لاَنّا إذا سلّمنا بأن خبر الآحاد الظنّي يخصّص الكتاب القطعي ، وأنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال : إنّه لا يورث ، وأنه لا تخصيص في عموم هذا الخبر ، فإن أبا بكر كان يسعه أن يعطي فاطمة عليها السلام بعض تركة أبيها صلى الله عليه وآله وسلم ، كأنّ يخصّها بفدك ، وهذا من حقّه الذي لا يعارضه فيه أحد ، إذ يجوز للخليفة أن يخصّ من يشاء بما يشاء ، وقد خصّ هو نفسه الزبير بن العوّام ومحمد بن مسلمة وغيرهما ببعض متروكات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، على أنّ فدك هذه التي منعها أبو بكر لم تلبث أن أقطعها الخليفة عثمان لمروان (2) .
إذن فالزهراء عليها السلام تستحق بمقتضى التكرم والاحسان أن تأخذ شيئاً مما
____________
1) شرح ابن أبي الحديد 16 : 286 .
2) مجلة الرسالة المصرية ، العدد ( 518 ) السنة ( 11 ) الصحفة ( 457 ) ، ونحوه في شيخ المضيرة أبو هريرة : 169 ، الطبعة الثالثة . والنص والاجتهاد | شرف الدين : 70 .


( 190 )


ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لكنّ أبا بكر منعها وسدّ جميع السبل المؤدية إلى استحقاقها ، حتى ولو كان إحساناً وتكرماً ، فلماذا إذن اتخذ هذا الموقف من بضعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ؟
هذا السؤال الذي توقّف ابن أبي الحديد عن الإجابة عليه آنفاً ، يحمل أكثر من إجابة تتضح في بيان أهداف السلطة من الاستيلاء على الإرث النبوي .

أهداف السلطة :
أقدمت السلطة على إلغاء امتياز البيت الهاشمي بالموروث النبوي ، وذلك لتقوية مركزها السياسي ، والاستعانة به في دعم الكيان السياسي للسلطة ، ولذا قال عمر لاَبي بكر لمّا كتب بفدك لفاطمة عليها السلام : ممّاذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب (1) ؟ ولسلب القدرة الاقتصادية من أهل البيت عليهم السلام التي قد تمكّنهم من استعادة سلطانهم المسلوب ، وذلك بقطع الشريان الاقتصادي الذي يغذّي الخلافة الشرعية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمعارضة المتوقعة من بيت الزهراء عليها السلام ، والاطمئنان من أي حركة تستهدف الحكم .
ولو أغضينا عن تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خيبر وبني النضير والمدينة وسهم ذي القربى ، فإنّ فدك وحدها كان دخلها أربعة وعشرين ألف دينار في كلِّ سنة ، في رواية الشيخ عبدالله بن حماد الأنصاري ، وفي رواية غيره : سبعين ألف دينار (2) ، وإنّها كانت تغلّ في أيام عمر بن عبد العزيز عشرة آلاف
____________
1) السيرة الحلبية 3 : 362 .
2) كشف المحجة | ابن طاووس : 182 .


( 191 )


دينار (1) . وقيل : أربعون ألف دينار (2) .
ونقل ابن أبي الحديد عن علي بن تقي من بلدة النيل (3) أنه قال : كانت فدك جليلة جداً ، وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل ، وما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عليها السلام عنها إلاّ ألاّ يتقوى علي بحاصلها وغلّتها على المنازعة في الخلافة ، ولهذا أتبَعَا ذلك بمنع فاطمة عليها السلام وسائر بني هاشم وبني المطلب حقّهم في الخمس ، فانّ الفقير الذي لا مال له تضعف همّته ويتصاغر عند نفسه ، ويكون مشغولاً بالاحتراف والاكتساب عن طلب الملك والرياسة (4) .
وكانت السلطة تدرك البعد السياسي لمطالبة الزهراء عليها السلام بالحقوق المالية لاَهل البيت عليهم السلام وعامة بني هاشم ، وأنّها عليها السلام اتخذت من تلك المطالبة عنواناً لثورتها على السلطة التي لا تستمد بقاءها بغير منطق القوة والسطوة ، والزهراء عليها السلام إنّما طالبت كي تبيّن الحق وتعرّي السلطة ، وتلقي الحجة على الاُمّة التي انقلبت على تعاليم السماء ، وتنكرت لنهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصاياه .
ولهذا اجتمع رأي رجال السلطة على منع الزهراء عليها السلام من جميع حقوقها المترتبة لها بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى ولو كان إحساناً أو تكرماً ، وبقي أبو بكر لا يحير جواباً أمام منطق الزهراء عليها السلام القائم على الكتاب المبين وسُنّة
____________
1) صبح الإعشى 4 : 291 .
2) سنن أبي داود 3 : 144 | 2972 ـ باب في صفايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
3) بلدة تقع في سواد الكوفة قرب الحلة .
4) شرح ابن أبي الحديد 16 : 236 ـ 237 .


( 192 )


النبي الأمين صلى الله عليه وآله وسلم غير أن يقول لفاطمة عليها السلام : ما كان لك أن تسأليني ، وما كان لي أن أعطيك (1) .
فلو تنازلت السلطة أمام مطالب الزهراء عليها السلام وأذعنت لحجّتها البالغة ودليلها الساطع ، كان ذلك بمثابة اعتراف لما بعد فدك من الموروث النبوي الذي منه الخلافة لاَمير المؤمنين عليه السلام وعترة النبي المعصومين عليهم السلام ، وهذا ما صرّحت به الزهراء عليها السلام في خطبتها المشهورة ، وإزاء هذا كان على السلطة أن تبيّن لعامة المسلمين أنّ فاطمة عليها السلام تدّعي ماليس لها بنحلة ، وتطالب ماليس لها بميراث ، وتريد لعلي عليه السلام الملك وليس له بحقّ!
قال ابن أبي الحديد : سألت علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد ، فقلت له : أكانت فاطمة صادقة؟ قال : نعم . قلت : فلِمَ لم يدفع إليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة؟ فتبسّم ثمّ قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلّة دعابته : لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها ، لجاءت إليه غداً وادّعت لزوجها الخلافة ، وزحزحته عن مقامه ، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيءٍ ، لاَنّه يكون قد سجّل على نفسه أنّها صادقة فيما تدّعي كائناً ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود ، وهذا كلام صحيح ، وإن كان أخرجه مخرج الدعابة والهزل (2) .
ولهذا استباح أبو بكر ردّ دعوى الزهراء عليها السلام في النحلة ، ورفض شهادة أمير المؤمنين عليه السلام لها ، وادّعى حديث منع الإرث ، ومنع سهم ذي القربى عن
____________
1) فتوح البلدان | البلاذري : 45 . ومعجم البلدان | ياقوت ـ فدك ـ 4 : 273 . والعقد الفريد | ابن عبد ربه 6 : 171 .
2) شرح ابن أبي الحديد 16 : 284 .


( 193 )


مستحقيه .
ومن هنا فقد اكتسبت نحلة الزهراء عليها السلام بعداً سياسياً ومعنىً رمزياً ، وهو الخلافة المغتصبة ، وتجاوزت كونها أرضاً وادعة في أطراف الحجاز قدّمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هدية لابنته الزهراء عليها السلام بأمرٍ إلهي ، لتصبح غاية سياسية تستهدف استرداد حق مسلوبٍ ، وفضح سلطان متجبر غاشم ، وتنبيه أُمّة رجعت على أعقابها القهقهرى ، فوردت غير مشربها ، وسقطت في الفتنة تاركة الكتاب والعترة النبوية وأضواء السُنّة المحمدية .
ويتضح المعنى الرمزي لنحلة الزهراء عليها السلام في حديث الإمام الكاظم عليه السلام مع هارون الرشيد الذي نقله الزمخشري في ( ربيع الأبرار ) قال : كان الرشيد يقول لموسى الكاظم بن جعفر عليه السلام : يا أبا الحسن ، حدُّ فَدَكَ حتى أردّها عليك ، فيأبى حتى ألحّ عليه ، فقال : « لا آخذها إلاّ بحدودها ، قال : وما حدودها ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إن حددتها لم تردّها . قال : بحقّ جدّك إلاّ فعلت . قال : أما الحدّ الأول : فعدن ، فتغير وجه الرشيد ، وقال : هيه ! قال : والحدّ الثاني : سمرقند ، فاربدّ وجهه ، قال : والحدّ الثالث : أفريقية ، فاسودّ وجهه ، وقال : هيه ! قال : والرابع سِيف البحر ممّا يلي الخزر وأرمينية .
قال الرشيد : فلم يبقَ لنا شيء ، فتحوّل في مجلسي . قال موسى عليه السلام : قد أعلمتك أنّي إن حددتها لم تردّها » (1) . فهي إذن رمز لحقّ مغتصب وخلافة مسلوبة .
ويتضح الهدف السياسي جليّاً في اختلاف وجهة النظر السياسية فيها
____________
1) ربيع الأبرار | الزمخشري 1 : 316 . والمناقب | ابن شهر آشوب 4 : 320 . وبحار الأنوار 48 : 144 | 20 .


( 194 )


على مسار التاريخ : « فشحّت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين » فتاريخها لا يستقيم على نحو واحد ، وإنّما كان يجري على وفق أهواء السلطات السياسية ، ومطامع الحكام الشخصية ، ومواقفهم من أهل البيت عليهم السلام .
فقد أقطعها عثمان بن عفان لمروان بن الحكم (1) ، ولا ندري ما وجه تخصيص مروان بفدك ، فان كانت ميراثاً ففاطمة عليها السلام وأولادها أحقّ بها ، وإن كانت فيئاً ، فما وجه تخصيص مروان بها وهو طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن طريده؟! هذا مع ما عرف عنه من مكرٍ وخداعٍ وانحرافٍ وعداءٍ لآلمحمد صلى الله عليه وآله وسلم !!
وروى الجوهري بالاسناد عن ابن عائشة ، قال : حدثني أبي ، عن عمّه ، قال : لما ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان أقطع مروان بن الحكم ثلث فدك ، وأقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها ، وأقطع يزيد بن معاوية ، ثلثها ، وذلك بعد موت الحسن بن علي عليه السلام ، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلّها لمروان بن الحكم أيام خلافته ، فوهبها لعبد العزيز ابنه ، فوهبها عبدالعزيز لابنه عمر بن عبدالعزيز ، فلمّا ولي عمر بن عبدالعزيز الخلافة ، كانت أول ظلامة ردّها ، دعا الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، وقيل : بل دعا علي بن الحسين عليه السلام فردّها عليه .
وكانت بيد أولاد فاطمة عليها السلام مدّة ولاية عمر بن عبدالعزيز ، فلمّا ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم . فصارت في أيدي بني مروان ، كما كانت يتداولونها ، حتى انتقلت الخلافة عنهم ، فلما ولي أبو العباس السفاح ردّها
____________
1) السيرة الحلبية 3 : 50 ، شرح ابن أبي الحديد 16 : 216 . العقد الفريد 5 : 33 . وتاريخ أبي الفداء 2 : 79 . والسنن الكبرى | البيهقي 6 : 301 .


( 195 )


على عبدالله بن الحسن بن الحسن ، ثمّ قبضها أبو جعفر لما حدث من بني حسن ما حدث ، ثمّ ردها المهدي ابنه على ولد فاطمة عليها السلام ، ثمّ قبضها موسى ابن المهدي وهارون أخوه ، فلم تزل في أيديهم حتى ولي المأمون ، فردّها على الفاطميين ، وأنشد دعبل الأبيات التي أولها :

أصبح وجه الزمان قد ضحكا * بردّ مأمونِ هاشمٍ فَدَكا


فلم تزل في أيديهم حتى كان في أيام المتوكل ، فأقطعها عبدالله بن عمر البازيار ، وكان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده ، فكان بنو فاطمة عليها السلام يأخذون تمرها ، فإذا قدم الحجاج أهدوا لهم من ذلك التمر فيصلونهم ، فيصير إليهم من ذلك مال جزيل جليل ، فصرم عبدالله بن عمر البازيار ذلك التمر ، ووجّه رجلاً يقال له بشران بن أبي أُميّة الثقفي إلى المدينة فصرمه ، ثمّ عاد إلى البصرة ففلج (1) .
وجميع هذه التقلّبات التي مرّ بها تاريخ فدك ، تحكي لنا البعد السياسي لمسألة فدك في التاريخ ، وتلقي الأضواء الكاشفة على قيمة الحديث الذي جاء به أبو بكر مضاداً لكتاب الله تعالى وسُنّة رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم . هذا فضلاً عمّا اثبتته الزهراء عليها السلام من استحواذ السلطة على ميراثها ولو بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

المبحث الثاني : حال الزهراء عليها السلام ومواقفها بعد أبيها صلى الله عليه وآله وسلم :
كان الحزن هو المظهر البارز في حياة الزهراء عليها السلام بعد فقدها أباها صلى الله عليه وآله وسلم ،
____________
1) شرح ابن أبي الحديد 16 : 216 ـ 217 . والسقيفة وفدك | الجواهري : 103 . وراجع : فتوح البلدان | البلاذري : 45 ـ 46 . ومعجم البلدان | ياقوت 4 : 272 ـ 273 . والطرائف | ابن طاووس : 252 ـ 253 . والكامل في التاريخ 3 : 348 و 457 و 497 ، و 5 : 63 ، و 7 : 116 .


( 196 )


فهي ابنته الوحيدة التي اُصيبت به ، فكانت أشدّ الناس تأثراً بهذا الخطب الجلل ، وتتّضح لنا سحابة الوجد والحزن التي جلّلت حياة الزهراء عليها السلام من ندبتها لاَبيها صلى الله عليه وآله وسلم حيث تقول :

اغبرّ آفاق السماء وكـوّرت * شمس النهار وأظلم العصرانِ
فالأرض من بعد النبي كئيبةٌ * أسفاً عليـه كثيـرة الرجفانِ
فليبكه شرق البلاد وغـربها * ولتبكـه مضرٌ وكلّ يمانِ (1)



قال الامام الصادق عليه السلام : « عاشت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمس وسبعين يوماً لم تر كاشرة ولا ضاحكة ، تأتي قبور الشهداء في كلّ جمعة مرتين : الاثنين والخميس ، فتقول : هاهنا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهاهنا كان المشركون » .
وفي رواية عنه عليه السلام : « أنّها كانت تصلّي هناك وتدعو حتى ماتت » (2) .
وروي أن عليّاً عليه السلام بنى لها بيتاً في البقيع نازحاً عن المدينة ، يسمى بيت الأحزان ، أو بيت الحزن ، وهو باقٍ الى هذا الزمان ، وهو الموضع المعروف بمسجد فاطمة عليها السلام في جهة قبة مشهد الحسن عليه السلام والعباس رضي الله عنه ، وإليه أشار الرحّالة ابن جبير بقوله : ويلي القبة العباسية بيت يُنسب لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعرف ببيت الحزن ، يقال : إنه هو الذي آوت إليه والتزمت فيه الحزن على موت أبيها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، وذكره الغزالي وغيره في زيارة
____________
1) العمدة | ابن رشيق 2 : 816 ، إتحاف السائل | المناوي : 102 ، الثغور الباسمة | السيوطي : 54 ، أعيان الشيعة 1 : 223 ، أعلام النساء | كحالة 4 : 113 .
2) الكافي | الكليني 4 : 561 | 4 و 3 : 228 | 3 ، وبحار الأنوار 43 : 195 | 24 .


( 197 )


البقيع ، وقال : ويصلّى في مسجد فاطمة عليها السلام (1) .
وقد اتخذت الزهراء عليها السلام من هذا المسجد محراباً للعبادة والدعاء كما تقدم ، وموضعاً للحزن والبكاء على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، قال الامام الصادق عليه السلام : « أما فاطمة عليها السلام فبكت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تأذى بها أهل المدينة ، فكانت تخرج الى مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضي حاجتها ثمّ تنصرف » (2) .
إن دموع الزهراء عليها السلام تجسّد عمق المأساة التي حلّت بالاسلام بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلاريب أن موته صلى الله عليه وآله وسلم خطب جليل ، انقطع به وحي السماء ، وذهب به معلّم الخير والرحمة ، وتكون المصيبة أعظم اذا انقلبت اُمّته على تعاليم السماء ووحيها ووصايا نبيّها ، وكان المتصدّون لمقامه على غير هدىً من نهجه ورسالته ، فذلك هو الموت الأخطر والمرارة الكبرى التي ما انفكّت ترافق حياة الزهراء عليها السلام بعد أبيها صلى الله عليه وآله وسلم فقوّضت بقايا قوّتها ، وهدّت أركانها ، وجعلتها تذوب حتى الممات .
عن أم سلمة : أنها سألت فاطمة عليها السلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم : كيف أصبحت يابنت رسول الله ؟ قالت : « أصبحت بين كمد وكرب : فقد النبي ، وظلم الوصيّ » (3) .
عاشت الزهراء عليها السلام في سبيل الاسلام قبل أن تعيش لنفسها منذ عهد طفولتها حيث كانت تذبّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمام طغام قريش وطغاتها ،
____________
1) راجع رحلة ابن جبير : 174 ، وفاء الوفا | السمهودي 3 : 907 و 918 ، أهل البيت | توفيق أبو علم : 167 ، بحار الانوار 43 : 177 .
2) الخصال | الصدوق : 272 | 15 . وكشف الغمة | الاربلي 1 : 498 . وبحار الانوار 43 : 155 | 1 .
3) المناقب | ابن شهر آشوب 2 : 205 ، بحار الانوار 43 : 156 | 5 .


( 198 )


وتجشّمت في هذا السبيل صنوف المصاعب والمعاناة ، وكان رائدها الصبر والتحمل في أحلك الظروف وأشدها قسوة ، وكان لها بعد أبيها صلى الله عليه وآله وسلم مواقف سجلت فيها مواقع الريادة والقدوة في بيان الحق ، والدفاع عن المبادئ الاسلامية العليا ، والدعوة إلى التمسك بالمسار الصحيح لامتداد النبوة المتمثل في خط الامامة الأصيل الذي خصّه الله تعالى بعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتنبيه الأمة على شبح الانحراف الذي تنبأت بوقوعه في خطبتها عليها السلام ، هذا فضلاً عن بيان مظلوميتها وسخطها على من ظلمها ، وفيما يلي نذكر بعض هذه المواقف ونذكر في آخرها خطبتي الزهراء عليها السلام :

1 ـ المطالبة بحقوقها وبيان مظلوميتها :
انبرت الزهراء عليها السلام للمطالبة بالحقوق المالية المترتبة لها بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطالبت أيضاً بحقوق بني هاشم عامة ، وذلك حق طبيعي لكل مظلوم أن يدافع عن حقوقه المغتصبة ، وقد ذكرنا جملةً من هذه المطالبات في المبحث الاول .
والذي نودّ الإشارة إليه هنا ، هو هدف الزهراء عليها السلام من هذه المطالبات التي أدّت الى مقاطعة رجال السلطة حتى الممات وبعد الممات حسب وصيتها عليها السلام ، فهل كانت عليها السلام بحاجة ماسة الى الأموال التي تجبى من فدك ، أو هل اندفعت من أجل هدف مادي رخيص وحطام زائل ، وهي أول الناس لحاقاً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما أخبرها؟!
هذا فضلاً عن أن الزهراء عليها السلام كان لديها من الأموال ما يغنيها عن المنازعة في فدك وغير فدك ، فقد أوقف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الحوائط السبعة على


( 199 )


فاطمة عليها السلام (1) وذلك بعد أن بسط الاسلام نفوذه على سائر أنحاء الجزيرة وعمّت المسلمين حالة من الرخاء .
وقد جاء في وصيتها عليها السلام ما يدل على امتلاكها لتلك الحوائط وأموال أخرى ، فقد روي عن الامام الباقر عليه السلام أنّه أخرج حُقاً أو سفطاً ، فأخرج منه كتاباً فقرأه ، وكان فيه : « بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم . . . أوصت بحوائطها السبعة إلى علي بن أبي طالب ، فان مضى فإلى الحسن ، فان مضى فإلى الحسين ، فان مضى فإلى الأكابر من ولدي ، شهد المقداد بن الاسود والزبير بن العوام ، وكتب علي بن أبي طالب » . وروي نحو ذلك عن الامام الصادق عليه السلام (2) .
وعليه فالزهراء عليها السلام أجلّ قدراً وأعلى شأناً من أن تحرص على دنيا فانية أو حطام زائل ، فلابدّ إذن من أن تكون هناك أهداف اُخرى تبتغيها من وراء تلك المطالبة ، وتتجلى تلك الأهداف لمن تمعّن في قراءة خطبة الزهراء عليها السلام في المسجد النبوي وأمام الملأ من قريش والأنصار ، فلقد تهيأت لها عليها السلام الفرصة السانحة والمجال الرحب من خلال تلك المطالبات أن تدلي برأيها وتقوم بالمسؤولية الملقاة على عاتقها ، وتؤدي دورها الرسالي على أحسن مايرام وأمام الملأ ، فبيّنت أحقية أمير المؤمنين علي عليه السلام في قيادة الاُمة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وكشفت عن اجتهاد السلطة في موضع النصّ ، فأظهرت حال السلطة أمام الملأ ، وألقت الحجة على الاُمة لتؤدي
____________
1) الكافي 7 : 47 | 1 .
2) الكافي | الكليني 7 : 48 ـ 49 | 5 ـ 6 ، التهذيب | الطوسي 9 : 144 | 50 ، وراجع وصيتها 3) أموالها الاخرى في دلائل الامامة للطبري : 129 ـ 131 | 39 ـ 41 . وأوصت عليها السلام إلى غير أولادها من بني هاشم وبني المطلب . راجع سنن البيهقي 6 : 161 و 183 .


( 200 )


مسؤوليتها ، وكادت تلك المطالبة أن تؤدي اُكلها فتصفّي الحساب مع السلطة ، لولا أنهم سدّوا جميع الطرق التي تستحقّ بها تلك الحقوق ، لادراكهم بأنهم لو صدّقوا الزهراء عليها السلام في هذه القضية فانها ستبدأ جولة جديدة تطالب فيها بالخلافة .
ثم إن الزهراء عليها السلام لو سكتت عن مظلوميتها ولم تطالب بحقها لصار السكوت على الظالمين والتغاضي عن الحق سُنة ، ذلك لاَنها عليها السلام قدوة واُسوة ، وإن فعلها لايتجافى عن الحق لذلك اندفعت الى ميدان الصراع ، وسلكت معترك الطريق ، ووقفت بكل مالديها من قوة بوجه الظلم لاسترداد حقها السليب ، مع ما بها من الضعف والانكسار والحزن والألم ، فأثبتت أن المرأة قادرة على الدفاع عن حقّها بل وحقّ غيرها ، وصارت فاطمة الزهراء عليها السلام راية المقاومة للظلم والدفاع عن المظلوم في كلّ زمان ومكان .

2 ـ سخطها على ظالميها :
بعد أن دُفعت الزهراء عليها السلام عن جميع حقوقها المالية في نحلتها وإرثها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسهمها من الخمس ، اتخذت موقفاً حاسماً من الشيخين ، يدلّ على ظلامتها وكونها مخاصمة غير راضية عنهما حتى لقيت ربّها وهي في ريعان الشباب وزهرة الصبا .
وقد قدّمنا أن الرواة اتفقوا على أن فاطمة عليها السلام غضبت على أبي بكر وعمر وهجرتهما ولم تكلمهما حتى توفيت وهي ساخطة عليهما ، وأوصت أمير المؤمنين عليه السلام أن لايحضرا جنازتها ، ولا يصليا عليها ، وأن يُعفّى قبرها ، فلمّا توفيت دفنها أمير المؤمنين ليلاً ، ولم يؤذن بها أحداً ممن ظلمها .


( 201 )


قال ابن قُريعة :

ولأي حـــالٍ لحّدت * باليـل فاطمـة الشريفه
ولمـا حمـت شيخيكم * عن وطأ حجرتها المنيفه
أوّه لــبنت مـحمـدٍ * ماتت بغصّتها أسيفه (1)


وهكذا جعلت عليها السلام من موتها وتشييع جنازتها ودفنها وسيلة جهادٍ وكفاحٍ ، تثير التساؤل عبر الأجيال في نفس كلّ مسلم غيور على الدين ومبادئه الحقّة ، كي يتوصل الى الحقائق المثيرة من تاريخ تلك الحقبة المهمة ، لقد أرادت سلام الله عليها أن تقول إنها غاضبة على كل من لايعرف الحق ، ويتنكر لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم .
وحاول الشيخان إرضاء الزهراء عليها السلام فقال عمر لاَبي بكر : انطلق بنا الى فاطمة فانا قد أغضبناها ، فانطلقا جميعاً ، فاستأذنا على فاطمة عليها السلام فلم تأذن لهما ، فأتيا علياً عليه السلام فكلماه ، فالتمسها فأذنت لهما ، فلمّا قعدا عندها ، حولت وجهها إلى الحائط ، فقالت : « أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعرفانه وتفعلان به؟ » قالا : نعم .
فقالت : « نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟ » قالا : نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
قالت : « فاني اُشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن
____________
1) كشف الغمة | الاربلي 2 : 131 .


( 202 )


لقيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاَشكونكما اليه » .
فقال أبو بكر : أنا عائذ إلى الله من سخطه وسخطك يافاطمة ، ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق وهي تقول : « والله لاَدعون الله عليك في كل صلاة أصليها » ، ثم خرج باكياً ، فاجتمع إليه الناس فقال لهم : يبيت كل رجل منكم معانقاً حليلته مسروراً بأهله ، وتركتموني وما أنا فيه ، لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي (1) .
وروي أنه لما خرجا قالت عليها السلام لاَمير المؤمنين عليه السلام : « هل صنعت ما أردت؟ » قال : « نعم » . قالت : « فهل أنت صانع ما آمرك به؟ » قال : « نعم » . قالت : « فاني أنشدك الله ألاّ يصليا على جنازتي ، ولا يقوما على قبري » (2) .
إنّ غضب الزهراء عليها السلام لم يكن ثأراً لنفسها ، أو لمسائل شخصية بينها وبين الشيخين ، ولو كان كذلك لرضيت عنهما ، إنها غضبت للتجاوز على حرمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والانقلاب على الأعقاب ونبذ الكتاب ، ولهذا فقد أنفت ابنة الرسول أن تذكر ما حدث لها شخصياً من حرق بيتها وضربها وإسقاط محسنها في خطبتها الشهيرة ، وركزت على المسائل الأساسية التي أثارت في نفسها الوجد والسخط والغضب .
ولو لمست عليها السلام تغييراً في موقف الشيخين ممّا ارتكباه ، أو تصحيحاً للمسار الذي انتهجاه ، لسارعت الى الاذن لهما والرضا عنهما .
وقد تواتر عن أبناء الزهراء عليها السلام ـ معصومين وغيرهم ـ غضبها على
____________
1) الامامة والسياسة : 13 ـ 14 ، أعلام النساء | كحالة 4 : 123 ـ 124 ، وراجع دلائل الإمامة | الطبري : 134 ، بحار الانوار 43 : 170 و 189 ـ 199 .
2) شرح ابن ابي الحديد 16 : 281 ، الشافي | المرتضى 4 : 115 .


( 203 )


الشيخين وسخطها عليهما لسوء صنيعهما المتعمّد معها حتى قضت نحبها وهي على هذا الحال .
عن الامام الرضا عليه السلام قال : « كانت لنا اُمٌّ صالحة ، وهي عليهما ساخطة ، ولم يأتنا بعد موتها خبر أنها رضيت عنهما » (1) .
وعن داود بن المبارك ، قال : أتينا عبدالله بن موسى بن عبدالله بن الحسن ابن الحسن ، ونحن راجعون من الحج في جماعة ، فسألناه عن مسائل ، وكنت أحد من سأله ، فسألته عن أبي بكر وعمر ، فقال : أجيبك بما أجاب به جدي عبدالله بن الحسن ، فانه سُئل عنهما فقال : كانت اُمّنا صدّيقة ابنة نبي مرسل وماتت وهي غضبى على قومٍ ، فنحن غضاب لغضبها .
وقد أخذ هذا المعنى أحد شعراء الطالبيين من أهل الحجاز ، فقال :

يا أبا حفص الهوينى ومـا كنت * مليـاً بـذاك لـولا الحمـام (3)
أتموت البتول غضبى ونرضى * ما كذا يصنع البنون الكـرام (8)


وسيبقى موقف الزهراء عليها السلام درساً يعلم الأجيال الاستبسال في الدفاع عن الحق والوقوف بوجه الظلم وعدم الركون إلى القهر والاستبداد .
____________
1) الطرائف | ابن طاووس : 252 | 351 .
2) أي ما كنت قادراً على أن تلج بيت فاطمة عليها السلام على الوجه الذي ولجت فيه ، لولا موت أبيها صلى الله عليه وآله وسلم .
3) شرح ابن أبي الحديد 6 : 49 . والسقيفة وفدك : 116 .


( 204 )


3 ـ الدفاع عن الولاية والإمامة :
تقدّم أنّ أهمّ الأهداف التي توخّتها الزهراء عليها السلام في مطالباتها المالية ، هو الدفاع عن ولاية أهل البيت عليهم السلام وإثبات أحقيتهم في قيادة الاُمّة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتضح ذلك من خلال خطبة الزهراء عليها السلام في المسجد النبوي ، وخطبتها الاُخرى بنساء المدينة ، وفي مواقف اُخرى متعددة ، أدّت فيها واجبها الرسالي في الدفاع عن إمامة أمير المؤمنين عليه السلام .
ففي خطبتها الاُولى ذكرت ولاية أهل البيت عليهم السلام كفرض إلهي لا يختلف عن سائر الواجبات والفروض التي عدّدتها في الخطبة وبينت العلة من إيجابها ، قالت عليها السلام : « فجعل الله طاعتنا نظاماً للملّة ، وإمامتنا أماناً من الفرقة » .
وأكّدت عليها السلام على ذكر فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وتقدّمه على سواه بالعلم والشجاعة ، فقالت عليها السلام : « أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي » وقالت عليها السلام : « كلّما فغرت فاغرة المشركين ، قذف أخاه عليّاً في لهواتها ، وأنتم في رفاهية من العيش وادعون ، فاكهون آمنون ، تتربصون بنا الدوائر ، وتتوكفون الأخبار ، وتنكصون عند النزال ، وتفرّون من القتال » . وقالت عليها السلام في خطبتها الثانية : « وما الذي نقموا من أبي الحسن ، نقموا منه والله نكير سيفه ، وقلّة مبالاته بحتفه ، وشدّة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمّره في ذات الله » .
وأشارت عليها السلام إلى أحقية أمير المؤمنين عليه السلام في خلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفضله على غيره ، فقالت عليها السلام في خطبتها الاُولى : « وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض » . وقالت عليها السلام في خطبتها الثانية : « ويحهم أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة ، وقواعد النبوة والدلالة ، ومهبط الروح الأمين ، والطّبين بأمور الدنيا والدين » .


( 205 )


وذكرت عليها السلام النصّ على أمير المؤمنين عليه السلام بالتلميح الذي هو أقوى من التصريح حيث قالت عليها السلام في خطبتها الثانية : « وتالله لو تكافّوا عن زمامٍ نبذه إليه رسول الله لاعتقله ، ثمّ لسار بهم سيراً سجحاً » .
ونبّهت عليها السلام على أنّ الاختيار غير صحيح بقولها في خطبتها الاُولى : « فوسمتم غير إبلكم ، وأوردتم غير شربكم ، هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لما يندمل ، والرسول لمّا يقبر ، بداراً زعمتم خوف الفتنة ، ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين » .
وقالت عليها السلام في خطبتها الثانية : « استبدلوا والله الذنابى بالقوادم ، والعجز بالكاهل » وقالت عليها السلام فيها أيضاً : « ليت شعري إلى أي لجأ لجأوا ، وإلى أي سنادٍ استندوا ، وعلى أيّ عمادٍ اعتمدوا ، وبأيّ عروةٍ تمسّكوا ، وعلى أيّ ذريةٍ قدّموا واحتنكوا؟! » .
وللزهراء عليها السلام مواقف اُخرى في الدفاع عن الإمامة ، منها مارواه الجوهري عن الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام قال : « إنّ عليّاً عليه السلام حمل فاطمة عليها السلام على حمارٍ ، وسار بها ليلاً إلى بيوت الأنصار ، يسألهم النصرة ، وتسألهم فاطمة عليها السلام الانتصار له ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به . فقال علي عليه السلام عليهم السلام أكنت أترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ميتاً في بيته لا أُجهزه ، وأخرج إلى الناس أُنازعهم سلطانه! وقالت فاطمة عليها السلام : ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ، وصنعوا هم ما الله حسيبهم عليه » (1) .
وخروج الزهراء عليها السلام ليلاً مع شدة اللوعة التي تنتابها لفقد أبيها صلى الله عليه وآله وسلم
____________
1) شرح ابن أبي الحديد 6 : 13 . والإمامة والسياسة | ابن قتيبة 1 : 12 .


( 206 )


وضعف حالها ، وقوة السلطة في ملاحقة من يعارضها ، إنّما هو أداء لدورٍ رسالي يقتضيه الواجب الاسلامي المقدس في حفظ العقيدة الحقّة من الضياع والانحراف ، وفي ذلك درس بليغ لنا حقيق بالاقتداء وخليق بالاحتذاء .
وكان للاَنصار موقف من السلطة أقلّه الندم على البيعة ، وأعلاه الهتاف باسم أمير المؤمنين عليه السلام ، وأنّى يكون ذلك لولا خروج الزهراء عليها السلام تطلب نصرتهم ، وخطبتها عليها السلام التي ذكّرت فيها وحذّرت .
عن عبدالرحمن بن عوف ، قال : لما بويع أبو بكر واستقرّ أمره ، ندم قومٌ كثيرٌ من الأنصار على بيعته ولام بعضهم بعضاً ، وذكروا علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهتفوا باسمه (1) .

4 ـ خطبتا فاطمة عليها السلام :
الخطبة الاُولى : كانت بعد عشرة أيام من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي خطبة طويلة غاية في الفصاحة والبلاغة والمتانة والشهرة ، قال الاربلي رضي الله عنه : إنّها من محاسن الخطب وبدائعها ، عليها مسحة من نور النبوة ، وفيها عبقة من أرج الرسالة (3) .
وكلام الزهراء عليها السلام في هذه الخطبة قد تناقله المؤرخون والرواة وأرباب الأدب والبلاغة خلفاً عن سلف ، ناهيك عن أن أهل البيت عليهم السلام وعموم آل أبي طالب كانوا يتناقلونه ويعلمونه أولادهم ، عن زيد بن علي بن الحسين
____________
1) الموفقيات | الزبير بن بكار : 583 | 382 .
2) كشف الغمة | الاربلي 1 : 479 .


( 207 )


ابن زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن علي عليه السلام ، وهو زيد الأصغر ، من أصحاب الإمام الهادي عليه السلام ، قال : رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ، ويعلمونه أولادهم ، وقد حدثني به أبي عن جدّي يبلغ به فاطمة عليها السلام (1) .
لقد اندفعت فاطمة عليها السلام في مظاهرة نسائية من بيتها إلى المسجد النبوي ، وهو حاشد بالمهاجرين والأنصار ، فاختارت الكلمة بما تحمله من حجة بالغة وبرهان ساطع سلاحاً للمواجهة وشحذ الهمم ، كي تعرّي أُسس السقيفة وتزعزع كيانها ، فكانت أذكى من نار عمر ، إذ أقرحت العيون ، وأثارت العواطف ، وكسبت الرأي العام حتى هتف الأنصار بذكر علي عليه السلام ، مما أثار حفيظة أبي بكر ، خوفاً من اضطراب الأمر عليه ، فبالغ في نهيهم (2) معرّضاً بأمير المؤمنين عليه السلام مبدياً ما كان يكتم على ما سيأتي بيانه في محلّه .
والخطبة ذات مضامين عالية وسبك لغوي لا يصدر إلاّ عن أهل البيت الذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب ، وأهمّ مضامينها هو تنبيه الاُمّة على غفلاتها عن حالة الانقلاب على الاعقاب والإحداث بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فتنازعت سلطانه تاركة أولياءه وعترته وكتابه وسنته « فلمّا اختار الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ، ظهرت فيكم حسيكة النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الأقلين » .
« أنّى تؤفكون وهذا كتاب الله بين أظهركم ، أموره ظاهرة ، وأحكامه زاهرة ... قد خلّفتموه وراء ظهوركم » .
____________
1) الشافي | المرتضى 4 : 76 . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 252 .
2) شرح ابن أبي الحديد 16 : 215 .


( 208 )


« تستجيبون لهتاف الشيطان الغوي ، وإطفاء نور الدين الجلي ، وإهماد سنن النبي الصفي » ثم ذكرت عليها السلام الاستيلاء على إرث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كمصداق للاجتهاد في موضع النص ، وقالت عليها السلام : « أفعلى عمدٍ تركتم كتاب الله ، ونبذتموه وراء ظهوركم؟ » .
وتحدّت رأس السلطة « فدونكها مخطومة مرحولة ، تكون معك في قبرك ، وتلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، ونعم الزعيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون » .
وألقت الحجة على الاُمّة ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حيي منهم عن بينة « ألا وقد قلت ما قلت ، على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم . . . ولكنها فيضة النفس . . . وتقدمة الحجة » .
« وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فاعملوا إنّا عاملون ، وانتظروا إنّا منتظرون » .
والخطبة الثانية : كانت في الأيام التي اشتدّت فيها علّة الزهراء عليها السلام وقبل أن تودّع الحياة ، وهي كلمة بليغة تهزّ القلوب والمشاعر ، ألقتها على مسامع نساء المدينة اللواتي هرعن لعيادتها ، ألقت فيها الحجة البالغة على نساء اولئك الرجال الذين استصرختهم بالأمس في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلم تجد منهم ناصراً ولا مغيثاً لانتزاع حقوق عترة المصطفى المغتصبة ، والتي على رأسها حق علي عليه السلام في الخلافة ، حيث تناولت في هذه الخطبة عتاباً وتقريعاً لهم لعزوفهم عن ولاية علي عليه السلام ، وأقامت الأدلة والشواهد على حق أمير المؤمنين عليه السلام وعظم شأنه وأهليته ، وأخيراً أشرفت على المستقبل الذي ينتظرهم بما يحمل من ذلٍّ وهوانٍ واستبدادٍ من الظالمين لما قدّمت


( 209 )


أيديهم ، وفيما يلي نصّ الخطبتين .

أولاً : خطبة الزهراء عليها السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
روى خطبة الزهراء عليها السلام في المسجد النبوي جمع من أعلام الشيعة والعامّة بطرق متعدّدة تنتهي بالاسناد عن زيد بن علي ، عن أبيه ، عن جده عليهم السلام ، وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أبيه الباقر عليه السلام ، وعن جابر الجعفي ، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ، وعن عبدالله بن الحسن ، عن أبيه ، وعن زيد بن علي ، عن زينب بنت الحسين عليه السلام ، وعن رجالٍ من بني هاشم ، عن زينب بنت علي عليها السلام ، وعن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، قالوا : لمّا بلغ فاطمة عليها السلام اجماع أبي بكر على منعها فَدَكَ ، وانصرف عاملها منها ، لاثت خمارها على رأسها ، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لُمّةٍ من حفدتها (1) ، اً ونساء قومها ، تطأ ذيولها ، ما تخرم (2) مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فدخلت عليه وهو في حشدٍ من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت دونها ملاءة (3) ، فجلست ثمّ أنّت أنّةً أجهش القوم لها بالبكاء ، فارتجّ المجلس ، ثمّ أمهلت هنيهة ، حتى إذا سكن نشيج القوم ، وهدأت فورتهم ، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله أبيها صلى الله عليه وآله وسلم فعاد القوم في بكائهم ، فلمّا أمسكوا عادت في كلامها ، فقالت كلاماً طويلاً في الحمد والثناء والتمجيد ، والصلاة على الرسول المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلم .
ثم التفتت إلى أهل المجلس وقالت : « أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه ،
____________
1) أعوانها وخدمها .
2) ما تترك ولا تنقص .
3) إزار .


( 210 )


وحماة دينه ووحيه ، وأُمناء الله على أنفسكم ، وبلغاؤه إلى الاُمم ، وزعيم حقّ له فيكم ، وعهد قدّمه إليكم ، وبقية استخلفها عليكم ، كتاب الله الناطق ، والقرآن الصادق ، والنور الساطع ، والضياء اللامع ، بيّنة بصائره ، منكشفة سرائره ، متجلّية ظواهره ، مغتبطة به أشياعه ، قائد إلى الرضوان أتباعه ، مؤدٍّ إلى النجاة استماعه ، به تنال حجج الله المنوّرة ، وعزائمه المفسّرة ، ومحارمه المحذّرة ، وبيّناته الجالية ، وبراهينه الكافية ، وفضائله المندوبة ، ورخصه الموهوبة ، وشرائعه المكتوبة .
فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك ، والصلاة تنزيهاً لكم من الكبر ، والزكاة تزكية للنفس ، ونماءً في الرزق ، والصيام تثبيتاً للاخلاص ، والحج تشييداً للدين ، والعدل تنسيقاً للقلوب ، وطاعتنا نظاماً للملّة ، وإمامتنا أماناً من الفرقة ، والجهاد عزّاً للاِسلام ، وذلاً لاَهل الكفر والنفاق ، والصبر معونةً على استيجاب الأجر ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصلحةً للعامّة ، وبرّ الوالدين وقايةً من السخط ، وصلة الأرحام منسأةً في العمر ، والقصاص حقناً للدماء ، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة ، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس ، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس ، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة (1) ، وترك السرقة إيجاباً للعفّة ، وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية ( فاتقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون ) (2) وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه ( فإنما يخشى الله من عباده العلماء ) (3) .
ثم قالت : أيُّها الناس أعلموا أني فاطمة وأبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أقولها عوداً
____________
1) إشارة إلى قوله تعالى في حقّ من يرمون المحصنات : ( لعنوا في الدنيا والآخرة )
2) سورة آل عمران : 3 | 102 .
3) سورة فاطر : 35 | 28 .


( 211 )


على بدءٍ ، ولا أقول ما أقول غلطاً ، ولا أفعل ما أفعل شططاً ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) (1) فإن تَعزُوه (2) تجدوه أبي دون نسائكم ، وأخا ابن عمي دون رجالكم ، ولنعم المَعزيّ إليه صلى الله عليه وآله وسلم .
فبلّغ الرسالة ، صادعاً بالنذارة ، مائلاً عن مدرجة المشركين ، ضارباً ثَبَجَهم (3) ، آخذاً بكظمهم ، داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، يجذّ (4) الأصنام ، وينكت الهام ، حتى انهزم الجمع وولّوا الدبر ، وحتّى تفرّى الليل عن صُبحه ، وأسفر الحقّ عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ، وطاح وشيظ النفاق ، وانحلّت عقدة الكفر والشقاق ، وفهتم بكلمة الاخلاص ، في نفرٍ من البيض الخماص .
وكنتم على شفا حفرةٍ من النار ، مَذقة الشارب ، ونُهزة (5) الطامع ، وقبسة العجلان ، وموطىء الأقدام ، تشربون الطَّرق (6) ، وتقتاتون القِدّ (7) ، أذلّةً خاسئين ، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بأبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد اللُّتيا والتي (8) ، وبعد أن مُني ببُهم (9) الرجال ، وذؤبان (10)

____________
1) سورة التوبة : 9 | 128 .
2) تنسبوه .
3) الثَبَج : وسط الشيء ومعظمه ، وما بين الكاهل إلى الظهر من الإنسان .
4) يكسر .
5) فرصة .
6) الماء تخوض فيه الإبل وتبول وتبعر .
7) السير من الجلد .
8) أي الدواهي الصغيرة والكبيرة .
9) شجعان .
10) لصوص وصعاليك .


( 212 )


العرب ، ومردة أهل الكتاب ( كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ) (1) أو نجم قرن للشيطان ، أو فغرت فاغرةٌ من المشركين ، قذف أخاه عليّاً في لهواتها ، فلا ينكفىء حتى يطأ صماخها بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه ، مكدوداً في ذات الله ، مجتهداً في أمر الله ، قريباً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، سيّداً في أولياء الله ، مشمّراً ناصحاً ، مجّداً كادحاً ، وأنتم في رفاهية من العيش وادعون فاكهون آمنون ، تتربصون بنا الدوائر ، وتتوكفّون (2) الأخبار ، وتنكصون عند النزال ، وتفرّون من القتال .
فلمّا اختار الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ، ظهرت فيكم حسيكة (3) النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الأقلين ، وهدر فنيق المبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم ، فألفاكم لدعوته مستجيبين ، وللغرّة فيه ملاحظين ، ثمّ استنهضكم فوجدكم خفافاً ، وأحمشكم (4) فألفاكم غضاباً ، فوسمتم غير إبلكم ، وأوردتم غير شربكم ، هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لمّا يندمل ، والرسول لمّا يُقبَر ، بداراً زعمتم خوف الفتنة ( ألا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين ) (5) .

____________
1) سورة المائدة : 5 | 64 .
2) تتوقعون أخبار السوء .
3) عداوة وضغينة .
4) أغضبكم .
5) سورة التوبة : 7 | 49 . وفي هذا المقطع من الخطبة إشارة إلى قول أبي بكر في خطبته : ( والله كنت حريصاً على الإمارة يوماً . . . ولكني أشفقت من الفتنة ، ومالي في الإمارة من راحة ، ولكنّي

=


( 213 )


فهيهات منكم ، وكيف بكم ، وأنّى تؤفكون ، وهذا كتاب الله بين أظهركم ، أموره ظاهرة ، وأحكامه زاهرة ، وأعلامه باهرة ، وزواجره لائحة ، وأوامره واضحة ، قد خلّفتموه وراء ظهوركم ، أرغبة عنه تدبرون ، أم بغيره تحكمون؟ ( بئس للظالمين بدلاً ) (1) ، ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) (2) .
ثمّ لم تلبثوا إلاّ ريثما تسكن نفرتها ، ويسلس قيادها ، ثمّ أخذتم توردون وقدتها ، وتهيجون جمرتها ، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي ، وإطفاء نور الدين الجلي ، وإهماد سنن النبي الصفي ، تسرّون حَسواً في ارتغاء (3) ، ونصبر منكم على مثل حَزّ المُدى ، ووخز السنان في الحشا .
وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي من أبي ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ) (4) أفلا تعلمون؟ بلى قد تجلّى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته .
أيهاً (5) أيُّها المسلمون ، أأُغلب على إرثي ؟! يا ابن أبي قحافة ، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ، لقد جئت شيئاً فرياً ، أفعلى عمدٍ تركتم كتاب

____________
=
قلدت أمراً عظيماً مالي به طاقة ولا يد ) راجع مستدرك الحاكم 3 : 66 . وكنز العمال 5 : 197 . البيهقي 8 : 152 .
1) سورة الكهف : 18 | 50 .
2) سورة آل عمران : 3 | 85 .
3) مثل يضرب لمن يظهر أمراً ويريد غيره .
4) سورة المائدة : 5 | 50 .
5) اسم فعل يراد به الحثّ والتحريض ، وبكسر أوله الكفّ والاسكات .


( 214 )


الله ، ونبذتموه وراء ظهوركم؟! إذ يقول : ( وورث سليمان داود ) (1) وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا عليه السلام إذ يقول : ( ربّ هب لي من لدنك وليّاً * يرثني ويرث من آل يعقوب ) (2) ، وقال : ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) (3) ، وقال : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الانثيين ) (4) ، وقال : ( إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين ) (5) .
وزعمتم أن لاحظوة لي ولا إرث من أبي ، ولا رحم بيننا ، أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟! أم تقولون أهل ملّتين لا يتوارثان؟! أولست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟!
فدونكها مخطومة مرحولة ، تكون معك في قبرك ، وتلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، ونعم الزعيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ، ولا ينفعكم إذ تندمون ( ولكل نبأ مستقر ) (6) ، ( فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم ) (7)
» .
____________
1) سورة النمل : 27 | 16 .
2) سورة مريم : 19 | 4 ـ 6 .
3) سورة الأنفال : 8 | 75 .
4) سورة النساء : 4 | 11 .
5) ورة البقرة : 2 | 180 .
6) ورة الأنعام : 6 | 67 .
7) ورة هود : 11 | 39 . وسورة الزمر : 39 | 39 ـ 40 .


( 215 )


مخاطبة الأنصار :
ثمّ رمت بطرفها نحو الأنصار ، فقالت : « يا معشر الفتية ، وأعضاد الملّة ، وحَضَنة الإسلام ، ما هذه الغَميزة (1) في حقّي ، والسِّنة عن ظلامتي؟! أما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبي يقول : المرء يحفظ في ولده؟ سرعان ما أحدثتم ، وعجلان ذا إهالة (2) ولكم طاقة بما أُحاول ، وقوة على ما أطلب وأُزاول .
أتقولون مات محمد ، لعمري فخطب جليل ، استوسع وهيه (3) ، واستنهر فتقه ، وانفتق رتقه ، وأظلمت الأرض لغيبته ، وكسفت الشمس والقمر ، وانتثرت النجوم لمصيبته ، وأكدت (4) الآمال ، وخشعت الجبال ، وأضيع الحريم ، وأُذيلت (5) الحرمة عند مماته ، فتلك والله النازلة الكبرى ، والمصيبة العظمى التي لا مثلها نازلة ، ولا بائقة (6) عاجلة ، أعلن بها كتاب الله جلّ ثناؤه في أفنيتكم في ممساكم ومصبحكم ، هتافاً وصراخاً ، وتلاوةً وألحاناً (7) ، ولقبله ما حلّ بأنبياء الله ورسله ، حكم فصل ، وقضاء حتم ( وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين) (8) .
أيهاً بني قَيْلة (9) ، أأهضم تراث أبي؟! وأنتم بمرأى مني ومسمع ، ومنتدى

____________
1) ضعف العمل .
2) مثل يراد به ما أسرع ما كان هذا الأمر!
3) شقّه وخرقه .
4) أخفقت .
5) اُهينت ، ويروى : أُزيلت ، بالزاي .
6) اهية .
7) فتح الهمزة أي غناءً ، أو بكسرها بمعنى الإفهام .
8) سورة آل عمران : 3 | 144 .
9) الأنصار من الأوس والخزرج ، وقَيْلة بنت كاهل : أمّهم .


( 216 )


ومجمع ، تلبسكم الدعوة ، وتشملكم الخبرة ، وأنتم ذوو العدد والعدّة ، والأداة والقوة ، وعندكم السلاح والجُنّة ، توافيكم الدعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون ، وأنتم موصوفون بالكفاح ، معروفون بالخير والصلاح ، والنُّخبة التي انتُخبت ، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت .
قاتلتم العرب ، وتحمّلتم الكدّ والتعب ، وناطحتم الاُمم ، وكافحتم البُهم ، فلا نبرح ولا تبرحون ، نأمركم فتأتمرون ، حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام ، ودرّ حَلَب الأيام ، وخضعت نُعَرة (1) الشرك ، وسكنت فورة الإفك ، وخمدت نيران الكفر ، وهدأت دعوة الهَرج ، واستوسق نظام الدين ، فأنّى جرتم بعد البيان ، وأسررتم بعد الاعلان ، ونكصتم بعد الإقدام ، وأشركتم بعد الإيمان ( ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ) (2) .
ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض ، وركنتم إلى الدَّعَة ، ونجوتم من الضيق بالسعة ، فمججتم ما وعيتم ، ودسعتم (3) الذي تسوّغتم ( فان تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فانّ الله لغني حميد ) (4) .
ألا وقد قلت ما قلت على معرفةٍ مني بالخذلة التي خامرتكم ، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنّها فيضة النفس ونفثة الغيظ ، وخور القَنَا ، وبثّة الصدر ،

____________
1) الكِبَر .
2) سورة التوبة : 9 | 12 .
3) تقيأتم .
4) سورة إبراهيم : 14 | 8 .


( 217 )


وتَقدِمة الحُجّة .
فدونكموها فاحتقبوها دَبِرة الظهر ، نَقِبة الخُفّ ، باقية العار ، موسومة بغضب الله وشنار (1) الأبد ، موصولة بنار الله الموقدة ، التي تطّلع على الأفئدة ، فبعين الله ما تفعلون ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) (2) وأنا ابنة نذيرٍ لكم بين يدي عذاب شديد ، فاعملوا إنا عاملون ، وانتظروا إنا منتظرون
» .

جواب أبي بكر :
ياابنة رسول الله ، لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً ، رؤوفاً رحيماً ، وعلى الكافرين عذاباً أليماً ، وعقاباً عظيماً ، فإن عزوناه وجدناه أباك دون النساء ، وأخاً لبعلك دون الأخلاّء ، آثره على كلّ حميم ، وساعده في كلّ أمرٍ جسيم ، لا يحبّكم إلاّ كل سعيد ، ولا يبغضكم إلاّ كلّ شقيّ ، فأنتم عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الطيبون ، والخيرة المنتجبون ، على الخير أدلّتنا ، وإلى الجنة مسالكنا ، وأنتِ يا خيرة النساء ، وابنة خير الأنبياء ، صادقةٌ في قولك ، سابقة ٌفي وفور عقلك ، غير مردودةٍ عن حقّك ، ولا مصدودة عن دقك .
والله ما عدوت رأي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا عملت إلاّ بإذنه ، وإن الرائد لا يكذب أهله ، فإنّي أُشهد الله ، وكفى به شهيداً أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ، ولا داراً ولا عقاراً ، وإنما نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة ، وما لنا من طعمة فلولي الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه » .
____________
1) عيب وعار .
2) سورة الشعراء : 26 | 227 .


( 218 )


وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح ، يقاتل به المسلمون ، ويجاهدون الكفار ، ويجالدون المَرَدَة الفُجّار ، وذلك باجماع من المسلمين ، لم أتفرد به وحدي ، ولم استبدّ بما كان الرأي فيه عندي ، وهذه حالي ومالي هي لك وبين يديك ، لا تزوى عنك ، ولا تُدّخر دونك ، وأنت سيدة أُمّة أبيك ، والشجرة الطيبة لبنيك ، لا يدفع ما لكِ من فضلك ، ولا يوضع من فرعك وأصلك ، وحكمك نافذ فيما ملكت يداي ، فهل ترين أني أُخالف في ذلك أباك صلى الله عليه وآله وسلم ؟
 

جواب الزهراء عليها السلام :
« سبحان الله! ما كان أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كتاب الله صادفاً ، ولا لاَحكامه مخالفاً ، بل كان يتّبع أثره ، ويقفو سوره ، أفتجمعون على الغدر اعتلالاً عليه بالزور؟! وهذا بعد وفاته ، شبيه بما بُغي له من الغوائل في حياته .
هذا كتاب الله حَكَماً عدلاً ، وناطقاً فصلاً ، يقول : ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) (1) ويقول : ( وورث سليمان داود ) (2) الأقساط ، وشرّع من الفرائض والميراث ، وأباح من حظّ الذُّكران والإناث ، ما أزاح علّة المبطلين ، وأزال التظنّي (3) والشُّبهات في الغابرين ، كلا ( بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون ) (7)
» .
____________
1) سورة مريم : 19 | 9 .
2) سورة النمل : 27 | 16 .
3) إعمال الظنّ .
4) سورة يوسف : 12 | 18 .