الغرس المبارك

 


( 62 )


 


( 63 )


وبعد أن تم زواج علي من الصديقة الزهراء ( عليهما السلام ) أصبح الإسلام والأُمّة الإسلاميّة ينتظران بفارغ من الصبر غرساً مباركاً جديداً يشكل الإمداد الرّسالي بعد محمد ( صلى الله عليه وآله ).
وتمضي الأيام سريعة ، والأُمة والإسلام يسجّلان ملحمة من الإنتصارات على قوى المعسكر الجاهلي المهزوم ، والرّسول القائد ( صلى الله عليه وآله ) يتلقّى البنود التشريعية من لدن حكيم خبير ، ليقيم دولته على أُسس رصينة قادرة على تحمُّل أعباء حمل الرّسالة الإسلامية إلى آفاق هذا الكوكب الأرضيّ بشتّى وسائل التبليغ ـ دعوتيّة كانت أم جهادية ـ.
في مثل هذا الظرف الدّقيق الذي تمرُّ به الدّعوة ، وفي مثل هذا الظرف من حياة الطلائع الأُولى من معسكر الإيمان ، وفي اليوم الخامس عشر من شهر رمضان المبارك سنة ثلاث من الهجرة ، أذاع بيت الرّسالة نبأولادة الزهراء ( عليها السلام ) ذكراً ، وقد كان صدى هذا النبأ السّار شديد الوقع في نفس محمد ( صلى الله عليه وآله ) حيث امتلأت نفسه الطاهرة حبوراً بهذا الوليد المبارك.
وأسرع إلى بيت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ليحمل لها تهانيه ويفضي لها بمسرّاته ، ثم يأمر أن يقدّم إليه الوليد الكريم فتحمله إليه أمُّ سلمة ـ أو أسماء بنت عميس ـ على قول ـ وقد لُفّ في خرقة صفراء ، فرمى بها الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وهو يقول : « ألم أنهكم أن تلفّوا المولود في خرقة صفراء »(1).
ثم أمر بلفّه في خرقة بيضاء ثم سره وألباه بريقه ، وتضرّع إلى الله سبحانه بقوله : « اللهم إنّي أُعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم ».
ثم أذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى ليكون وليده المبارك قد طرق سمعه ـ في لحظات حياته الأُولى ـ منهج الله سبحانه المتمثّل بالخضوع التشريعي لله سبحانه في كلّ شأن من شؤون الحياة الإنسانية ، ثم أعلن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أنّ هذه المراسيم أسمى ما يقابل به المولود في هذه الأمّة حيث قال : « لا يفعل ذلك بمثله إلاّ عصم من الشيطان الرجيم ».
____________
(1) المجالس السنيّة.
 


( 64 )


وبعد أن أتّم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) هذه المراسيم الإسلامية التفت إلى عليّ ( عليه السلام ) وقال : هل سمّيته ؟.
عليٌّ : ما كنت لأسبقك باسمه.
الرسول : وما كنت لأسبق باسمه ربّي.
وتتصل السماء بالأرض لتجيب على سؤال بيت الرّسالة في شأن تسمية الوليد المبارك على لسان سفيرها المقدس جبرئيل. فيعلن : أنّ اسم الوليد حسن.
ويحلُّ اليوم السابع لتحلّ معه حلقة جديدة من حلقات المراسيم الاسلامية التي يقابل بها المولود المبارك ، فيحل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بيت ابنته الزهراء ( عليها السلام ) ، فتحمل وليدها إليه فيأمر بكبش فيعقّ عنه ، ثم يرفع يديه بالتضرُّع إلى الله قائلاً :
« اللهم عظمها بعظمه ، ولحمها بلحمه ، ودمها بدمه ، وشعرها بشعره ، اللهم اجعلها وقاءً لمحمد وآله (1) ».
ثم منح القابلة فخذاً وديناراً ، إكراماً لها وتقديراً لمجهودها ، ثم يحلق رأسه ويتصدّق بزنه : شعره فضّة ، ويأمر فاطمة بإطلاء رأسه بالخلوق ، وهو مخلوط من عطور نباتي كالزعفران وغيره ـ. ويمنع ( صلى الله عليه وآله ) من طليه بالدّم لأنّه من أخلاق الجاهلية.
وبعد أن تلد الزهراء ( عليها السلام ) الحسن السبط ( عليه السلام ) بأيّام قلائل ، وفي الوقت الذي يعيش فيه بيت الرّسالة في غمرة من الأفراح والمسرات ، تحمل الزهراء ( عليها السلام ) مرّة أُخرى فينتظر البيت العلوي الطاهر ولادتها بفارغ من الصبر . وتمضي الايام سريعة فيعلن بيت الرسالة المقدس نبأ بزوغ نجم الوليد الجديد في اليوم الثالث من شعبان وفي السنة الرابعة للهجرة النبويّة.
وتردّد آفاق ( يثرب ) صدى هذا النبأ المفرح ويتلقاه الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) بالبشر والحبور ، وتعلوه الفرحة ، وتبدو على تقاسيم وجهه الطاهر ، ويهبُّ إلى بيت ابنته الطاهرة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ليحمل لها مسرّاته وتهانيه الخالصة ،وتقدّم إليه الطفل المبارك ليؤذّن في أُذنه اليمنى ويقيم في اليسرى ، ثم يعلن تسميته حسينا.
____________
(1) المجالس السنية.
 


( 65 )


وفي اليوم السابع من ميلاده المبارك يعق الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عنه كبشاً ، ويأمر الصدّيقة الزّهراء ( عليها السلام ) بحلق رأسه والتّصدُّق بزنة شعره فضة.
وتُجري الزهراء ( عليها السلام ) المراسيم الإسلامية التي أجراها الرسول ( صلى الله عليه وآله ) مع الحسن السّبط ( عليه السلام ) حين ولادته.
وحينما تلد الزهراء ( عليها السلام ) وليدها الجديد المبارك فإنّما وهبت الإسلام والأُمّة ، القيادة الرّسالية الدّائمة بعد أبيها وبعلها والمتمثّلة بالحسن والحسين والأئمة المعصومين من أولاد الحسين ( عليهم السلام ).
وحين تلد الزهراء الحسين ( عليه السلام ) تحمل بعد أيام ، فينتظر بيت الرّسالة ليستقبل غرساً جديداً من زرع الإيمان المقدس ، وتمرُّ الأيام سريعة ، وإذا ببيت الوحي يزف بشراه بميلاد زينب الكبرى والصدّيقة الصغرى التي ستتولى دور أُمّها الرسالي في الحياة كمدرسة إسلامية تواجه كل إعصار جاهليًّ يواجه رسالة السماء.
وكان ميلاد الصديقة الصغرى ـ يوم الرابع عشر من رجب ـ على المشهور ـ في السنة الخامسة من الهجرة النبوية ، فهبّ البيت النبوي المبارك يزف بشائره لجماهير الأُمة الإسلامية ابتهاجاً بهذه المناسبة الجليلة ، ويهبُّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) كعادته ليرفع تهانيه لبضعته الزهراء ( عليها السلام ) ويعلن تسمية هذه المولودة المباركة بـ زينب.
ويتولّى بيت الرسالة جميع المراسيم التي ندب إليها الإسلام الحنيف على لسان القائد محمد ( صلى الله عليه وآله ). ويعيش بيت الرّسالة مناخاً دافئاً من الأفراح والمسرّات ، فهو ما أن ينتهي من مناسبة إلاّ ويدخل في مناسبة أُخرى كأختها حاملة نفس الطابع من الإبتهاج.
وبعد مضي أيام قليلة تحمل الزهراء ( عليها السلام ) حملاً جديداً ، وما أن تمضي الفترة الطبيعيّة على حملها إلا ويزف بيت الرّسالة نبأ ولادة مباركة جديدة تحمل معها موجاً من الأفراح يشترك فيه جميع أهل بيت الرسالة.
ويأتي الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لتمثيل دوره الطبيعي في تهنئة ابنته الطاهرة فاطمة
____________
(1) زينب الكبرى | جعفر النقدي.
 


( 66 )


الزهراء ( عليها السلام ) في ابنتها الجديدة ، فأعلن على تسميتها زينب الصغرى ولقبها ( أُمّ كلثوم ) ، وتجري كافة المراسيم لها والتي أُجريت لإخوتها من قبل.
ولدت أُمُّ كلثوم ( عليها السلام ) لتكّون مع أُختها الكبرى المدرسة الإسلامية التي وضعت الصّدّيقة الزّهراء ( عليها السلام ) لبناتها ومقوّماتها الاساسية.
وحين تولد أُمُّ كلثوم ( عليها السلام ) فإنّما قد تمّ بناء مسرح الإمداد الرسالي المبارك الذي يمثل مدرسة الوحي التي أقام خالق الوجود سبحانه صرحها الشامخ في الارض.
وتمضي الأيام سريعة على أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ويترعرع الحسنان ويبدآن بالنموّ جسميّاً وفكريّاً وروحيّاً ، وهما يتنقّلان بين أحضان جدّهما وأبيهما وأُمّهما ( عليهم السلام ) حتى أصبح كيانهم الروحي والمادي بمثابة صفحة حيّة للرسالة الإسلامية ، بل أصبحا بمثابة التجسيد الحيّ للرسالة الإسلامية برمّتها ، فأصبح فكرهما وسلوكهما وكافة ألوان نشاطهما إسلاماً يسير على الكوكب الأرضي. وهذه الحقيقة الكبرى انعكست على أقوال الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فراح يثير عزمة الأُمّة الإسلامية على احتضانهما والتمسّك بهما بعد جدّهما وأبيهما . وراح يُعلن هذه الحقيقة أمام الجموع الإسلامية وبصورة دائمية وبالحاح مستمر ، فها هو يعلن لأُمته :
« ابناي إمامان قاما أو قعدا... »
« من أحبّني فليحبّ هذين ... »
« هما ريحانتاي من الدُّنيا ... »(1).
وتنطوي صفحة الأيام وتغيب شمس الرسالة حين يغيب شخص محمد ( صلى الله عليه وآله ) ويفاجأ الاسلام بتياراتٍ عنيفة كان ضحيّتها أهل البيت ( عليهم السلام ) جميعاً ، فيقصى عليٌّ ( عليه السلام ) من مركزه القيادي في الأُمة ، وتحرم الزهراء ( عليها السلام ) من نحلتها وتسام الخسف بعد أبيها حتى تلتحق بدار الخلود كئيبة ، وهكذا يفارق عليٌّ ( عليه السلام ) الحياة على أيدي عملية اغتيالية هوجاء.
أما الحسن ( عليه السلام ) وهو سبط رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الأول ، فقد تولّى الحكم والقيادة بعد أبيه ، ولكنّه فوجىء بإعصار خبيث من المحن السياسيّة التي حملته على اعتزال القيادة الشرعية ، وكانت هذه المحن السيّاسيّة متمثلة :
____________
(1) ذخائر العقبى.
 


( 67 )


1ـ بمعاوية بن أبي سفيان ، الذي استبدّ في بلاد الشام ، وأقام جرحاً لا يندمل في كيان الامة الإسلامية.
2ـ بالخوارج الذي استفحل نشاطهم في هذه الأيّام ، سيّما بعد قتلهم لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ).
3ـ تكالب المنافقين والمصلحيين على القيادة ، سيّما في العراق.
4ـ الخيانة والإنحلال الذي تعرّض له جيش الحسن ( عليه السلام ) ـ نفسه ـ بعد الخيانة العظمى التي اتسمت بها شخصية قائده عبيد الله بن عباس الذي تواطأ مع معاوية على الغدر بالإمام الحسن ( عليه السلام ).
وتحت ضغط هذه المطارق الفنيّة اضطر الإمام الحسن ( عليه السلام ) على مصالحة معاوية ، شريطة أن يتولّى الحكم بعد معاوية الإمام الحسن ( عليه السلام ) فإن مضى قبل تولّيه الحكم تولى هذه المهمّة أخوه الحسين ( عليه السلام ) . وشروط أُخر كلُّها في صالح الأمّة الإسلامية مدرجة في عامة كتب التأريخ.
وحين يعقد الحسن ( عليه السلام ) بنود الصُلح مع معاوية فإنّما كان ذلك بدافع الحرص على كيان الأمّة وحراستها من التصدُّع والإنهيار ، وبالتالي حفظ كيان الرسالة ـ نفسها ـ من التلاعب والتحريف حيث رأى من الأرجح أن يتولى مهمة حفظ الرسالة التي كان يمثّل هو مدرستها الوحيدة ، وأما أن يبقى في مواقفه العسكرية والتنفيذية فإنّه سيقتل ـ حتماً ـ ما دامت الظروف كلّها ليست بصالحه ، ففضل القعود عن المهام التنفيذية تحت وطأة من الضغوط الإجتماعية والسياسية والعسكرية.
ويقيني أنّ الذين يصفون الحسن ( عليه السلام ) بقلّة التدبير وضعف الحنكة السيّاسية ، لو عادوا إلى الظروف التي عاشتها الأمّة الإسلامية ـ يومذاك ـ ودرسوها دراسة مستوعبة لتوصّلوا بطريقةٍ منطقيّة واستقرائية إلى أنّ صلح الحسن ( عليه السلام ) كان منطقيّاً وواقعيّاً.
ولكن معاوية ـ الذي صفا له الجوّ السياسي بعد مقتل أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ـ نقض بنود الصلح بكاملها ، ولكنّه لا يستطيع أن يعلن ـ صراحة ـ

 


( 68 )


نقضها ، وإنّما اهتدى إلى طريقة يتخلّص بها من الطرف المصالح والمقابل له شخصياً.
وفعلاً تمت المأساة ، حيث دسّ السُمّ إلى الحسن ( عليه السلام ) على يد زوجته بنت الأشعث ، فكان الحسن ( عليه السلام ) ضحيّة تلك الاحداث المريرة من حياة الأُمة الإسلامية.
ويهلك معاوية في حدود سنة ستين من الهجرة ، وسرعان ما تفاجأ الأمة بامتطاء ابنه يزيد لدست الحكم ، دون سابق معرفة بشؤون التشريع ودون دراية بحاجة الأمّة ومصالحها ، وكان مجيىء يزيد الى الحكم بمثابة :
1ـ الإلغاء الرسمي لبنود الصلح المعقودة بين الحسن ( عليه السلام ) ومعاوية.
2ـ التمادي في التضليل والإنحراف بالامة الإسلامية عن معين الرسالة الإسلامية المقدّسة ، والأمر الأخير هذا قد استفزّ الحسين ( عليه السلام ) وحفّزه على إعلان بيانه الأول الذي أعلن فيه عدم اعترافه بحكومة ضالّة عن منهج الله تعالى ، وأنّه عامل على إسقاطها بأي ثمن كان ، أو يفارق الحياة بعد ادائه لمهامّه كقائد شرعيًّ للأُمّة الإسلامية ومسؤول عن حماية مبدئها القويم.
وجدّ الجدُّ ، وتحمل سبط محمد ( صلى الله عليه وآله ) كلّ التبعات ، وواجه الموت بصلابة شكيمة ، ورباطة جأش.
واجتمعت القوى المغرورة تحت راية الجاهلية الجديدة وبرز لها الإيمان متمثّلاً بشخصيّة الحسين ( عليه السلام ) ، وكانت محصّلة الأحداث : أن صافح التراب جبين الحسين ( عليه السلام ) وهو يرسم للأُمة الإسلامية طريقها اللاحب في دروس ، ملؤها تضحية وإقدام وإباء ، وهو يعلّم الأجيال ألاّ تستكين لظالم أو طاغوت ـ أنّى كان لونه وشعاره ـ.
وتقف زينب الكبرى وشقيقتها الصغرى أُمّ كلثوم موقفهما البطولي في مأساة الرسالة الإسلامية الأخيرة ، لتسجّلا في التأريخ أسطراً من نور ، حيث يعيشان المصيبة والمحنة بكلّ أبعادها ، سيما بعد أن هدأ صليل السيوف ، فخرجتا يتفقدان القتلى ، فلا يجدان من حماتهما غير مقدود رأس ، ومصافح خده للتراب . ثم تلتفتان ، فلا تجدان غير طفل يصخب ، وأُمّ تندب ، وفتاة تضطرب من ثقل المأساة. وهناك

 


( 69 )


خيام تضطرم وقناع يسلب ، وعليل يئن ، فكان لابد لهما ـ وهما بقية الصفوة ـ أن يجمعا الأطفال والنّساء في خيمة واحدة ، ويقوما بمهام الرّعاية والحراسة بديلاً عن الفقيد وصحبه الابرار ، ثم يتبع ذلك اسر وتشريد ومذلّة على أيدي أشرّ خلق الله ، يزيد وحفنة من أذنابه.
وهكذا تنتهي فصول هذه المسرحية ، مسرحيّة المأساة التي عاشها الغرس المبارك ، غرس الزهراء فاطمة بنت محمد ( صلى الله عليه وآله ).