من بوادر المأساة

 

 


( 99 )


 


( 100 )


1ـ الخطب الجلل :
وعاشت يثرب أكثر من عشر سنين في أسعد أيّامٍ وأجلّها وأطهرها ، فقد احتضنتها يدُ الوحي طيلة هذه الأيام التي احتضنت هي فيها رسالة السماء ، ودافعت عنها ودفعت في سبيلها أبهظ الأثمان لكي تعيش الرّسالة وتسود وتخلد ، وانضمّت مكّة ـ هي الأُخرى ـ إلى أُختها يثرب في احتضان الرّسالة الخاتمة ، وبانضمام مكّة إلى اختها يثرب في احتضان الرّسالة ، سقط آخر وثنٍ وطاغوت في الجزيرة العربية كلّها ، وجلى آخر شيطان من أرض الجزيرة لتنمو فيها شجرة الإيمان ، ترويها يد الوحي المقدس.
ووطّد محمد ( صلى الله عليه وآله ) الأمن ، وثبّت أركان العقيدة ، وأوضح معالم الرسالة مجملها وتفصيلاتها حيث أعلن المشرّع الأعلى سبحانه : « اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام ديناً ... » .
وبإعلان السماء إكمال التشريع وإتمام النّعمة وارتضاء الإسلام منهجاً خالداً للأرض ، باتت محافل الأرض تتوقع نبأ جديداً يحمل الأسى في طيّاته ، نبأ انتهاء السّفارة سفارة محمد ( صلى الله عليه وآله ) في الأرض لأنّ دوره هذا ـ حسب تصريح القرآن الكريم ـ أوشك أن ينتهي لتبقى تعاليمه التي غرسها ، ولتبقى مدرسته التي أسّسها تعمل عملها وتؤدّي مهمتها وفاعليّتها في خلق الإنسان الرّسالي الكريم.
وقد تأكد هذا من قرائن شتى كان بضمنها خطبة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) الجامعة التي

 


( 101 )


ألقاها بعد عودته من حجّة الوداع حيث جمع الأُلوف من أبناء الأُمّة الإسلامية وخطبهم خطبة جامعة ضمّنها كلّ ما حوته الرّسالة المقدّسة من أسرار ومعالم وقوانين وأحكام ، وطالبهم مطالبة أكيدة بالإلتزام بها ، ثمّ أكّد إمامة عليًّ ( عليه السلام ) ليقوم بمهمة التنفيذ لهذه الرسالة على الصعيد الإجتماعي والسيّاسي.
وهذه البادرة الجديدة من الرّسول ( صلى الله عليه وآله ) أكّدت لمحافل الأرض أنّ القائد المنقذ لا بدّ مفارق.
وباتت الآذان تتسمع للنّبأ وراحت القلوب تنبض نبضات كلّها رعب ومخاوف ، وما أن انصرم أكثر من شهر واحد من السنة الحادية عشرة من الهجرة إلا وألمّت بالقائد محمد ( صلى الله عليه وآله ) حمى شديدة رافقته أربعة وعشرين يوماً.
ولكنّه مع ذلك ما صحبه من أتعاب وانهيار في صحته لم يترك واجبه كرسول وقائد ، فكان يركّز أقدام العقيدة ، ويبعث بالجيوش لتوسيع الرقعة الإسلامية وتحطيم الطّواغيت وإذلالهم ليأخذ الإسلام مجراه وليظهر على الدّين كلّه ، حيث قد بعث ـ في هذه الفترة من حياته ـ أُسامة بن زيد في أضخم جيش إسلامي لدك صروح الدّولة الرومانيّة التي تمثل معسكر الشّرك الغربيّ ـ يومذاك ـ ولكنّ جيش أُسامة قد أُرجىء بسبب مواقف بعض الصّحابة الّذين احتجُّوا بصغر سنّ أُسامة ، وأنّه ليس أهلاً للقيادة ، ولكنّ الرّسول ( صلى الله عليه وآله ) ألزمهم بالإلتحاق به ، فلم يفعلوا.
وبدأت صحّة الرسول تنهار يوماً بعد يوم ، وهنا يستولي الذهول على البيت الرسالي بأسره ، وفي طليعته الصديقة الزهراء ( عليها السلام ) فقد أحاط بها الحزن ولفّها الأسى ، وكانت تزور أباها في مرضه وتسمع أنينه وتوجعه فتبكي وتستولي عليها اللوعة والألم ، فيبكي لبكائها ويتألّم لألمها ويخفي توجعه رأفةً بها وحدباً عليها.
وفي يوم من أيام مرضه يضمُّ فاطمة إليه ويسرُّ إليها حديثاً ، فترفع رأسها ودموعها تتحدّر على خدّيها ، واللوعة تأخذ مأخذها منها.
ويضمُّها ـ أخرى ـ إليه ويسرُّ إليها حديثاً ، فتبتسم ابتسامة ملؤها السرور والبشر ، ويمثلىء الحاضرون عجباً لهذا الحديث حيث تختلط دموع بابتسامات وجزع بسرور ، ويسأل من شهد هذا الحدث من المسلمين عن سبب بكائها ثم

 


( 102 )


فرحها ، ولكن بعد حين ، فتجيب ، أنّ أباها نعى نفسه لها فبكت ، ولكنّه أردف فأخبرها بأنّها ستكون أول أهل بيته لحوقاً به فسرت لذلك وامتلأت فرحاً.
ويدعو الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ولديه الحسن والحسين فيحضران أمامه وهما يمتلئان أسىً وكآبة لما ألمّ بجدّهما الحبيب محمد ، وهما واثقان أنّ هذه اللحظات ستكون آخر عهد يعيشان فيه حنان محمد وحدبه وشفقته عليهما فهو سينتقل إلى مثواه الأخير وسيلتحق بدار الخلود ، فلابدّ لهما أن تجود عيونهما ـ ما شاء الله ـ من الدموع لأنّهما سيواجهان حياة جديدة خالية من عطف محمد الدافىء الرّقيق.
ومهما يكن من أمر ، فانّهما واثقان من أنّهما لن يعيشا وعلى أحسن تقدير عيشة كالعيشة التي عاشاها في كنف أبيهما محمد.
ويضمهما محمد إلى صدره ويقبّلهما ، وعيناه تذرفان دموعاً مشاركة لهما في بكائهما ولوعتهما.
ويشفق عليٌّ على أخيه رسول الله ، فيسرع إليهما لينحيهما عن جدّهما ، ولكنّ الرسول يواجه عليّاً بنبأ غيبي : « يا عليُّ ، دعني أشمُّهما ويشمّاني ، وأتزوّد منهما ويتزودان مني ، أما إنّهما سيُظلمان بعدي ويقتلان ظلماً ، فلعنة الله على من يظلمهم »(1).
وهنا يلتفت إلى زائريه من المسلمين ليؤكد قيمة الحسن والحسين فضلاً عن أهل بيته ، فيقول : « أيُّها الناس ، يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً ، وقد قدّمت إليكم القول معذرةً إليكم ألا إنّي مخلّف فيكم : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلُّوا بعدي »(2).
وحين يعلن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أنّ مهمّته في الأرض قد انتهت ، وأنّه يوشك أن يفارق أُمته ، يزداد الحاضرون ألما وحسرةً ويضجُّ أهل البيت بالبكاء ، ويدعو محمد ( صلى الله عليه وآله ) أخاه عليّاً ليضع رأسه في حجره وليفارق الدنيا وآخر عهدٍ به وصيّة عليًّ ( عليه السلام ).
____________
(1) الدمعة الساكبة | حياة الإمام الحسن ( عليه السلام ) ج 1.
(2) المجالس السنية.

 


( 103 )


وما هي إلا لحظات تنصرم حتى تعلن الأرض نبأ وفاة محمد ( صلى الله عليه وآله ) نبأ انقطاع الوحي عن الأرض ، بل افتقاد المنقذ والمحرر للإنسانية ـ برمّتها ـ.
ويبلغ النبأ بضعته الطاهرة الزهراء ( عليها السلام ) فتهبّ مذهولة من شدّة الصدمة العنيفة التي فوجئت بها ، فتضجُّ بالبكاء وهي تردّد : « واأبتاه ، إلى جبريل أنعاه ، واأبتاه ، جنّة الفردوس مأواه واأبتاه ، أجاب رباً دعاه ... ».
وراحت تردّد هذه الكلمات بحرقة وألم ـ شديدين ـ وتعيش فاطمة المأساة بكل أبعادها ، فقد رحل عنها دفء المودة والحنان ، رحل عنها الحبيب محمد ، وها هو مسجىً بين يدي المسلمين ، وسوف يحمل ـ بعد مدة ـ إلى مثواه الأخير حيث يغيب شخصه الكريم عن عينها ، يغيب إلى الأبد ، وسيكون اللقاء في دار الخلود والنّعيم.
رسمت فاطمة ( عليها السلام ) هذه الحقائق أمام ناظرها وتصوّرته في ذهنها فاندفعت تشفي غليلها ولكن بحسرات وآهات انعكست لوعة وبكاءً ودموعاً غزيرة . ثم اندفعت تنسج من حزنها شعراً تتغنى به فإذا بها تقول :

 

إغبرّ آفـاق السماء وكُوّرت

*

شمس النّهار وأظلم العصـران

والأرض من بعد النبي كئيبة

*

أسفاً عليه كثيـرة الرجفــان

فليبكه شـرق البلاد وغربها

*

وليبكه مضـرٌ وكلُّ يمانــي


وهذه الأبيات تصور مدى اللوعة ومدى الحزن الذي يرتسم على شخصيّة الزهراء ( عليها السلام ) فهي ترى أنّ الدُنيا كئيبة فاقدة للنُّور مظلمة جوانبها تعيش حالةً من الإضطراب والرّجفان.
وحين تتصوّر فاطمة ( عليها السلام ) الحياة هذا التّصور بعد أبيها ، إنّما تتصور حقيقة لا خيالاً أو مبالغة ، لأنّ أباها كان لهذا الكوكب الأرضيّ ومن فيه وما فيه سراجاً وهّاجاً أضاء لها السبيل وخلّصها من التيه والشرور ، وعلّمها دروب السعادة والسلام.
فحقيق بفاطمة وحقّ لها أن تقول فيه ما تقول.
ويتولى وصيُّة ( عليٌّ ) غسله وتجهيزه ، وجاء ـ بعدئذ ـ وقت الصلاة عليه حيث يدخل عليٌّ ، وجماعة من أهل البيت ( عليهم السلام ) ويقفون بازاء

 


( 104 )


الرسول حيث يتلو عليٌّ قوله تعالى : « إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ يا أيُّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً » ويردد من حضر الآية ـ نفسها ـ ، ثم يأمر علي بقية المسلمين بالدُّخول على الرسول جماعةً بعد جماعة يرددون الآية نفسها ، وكانت تلاوة هذه الآية على الرّسول هي بمثابة الصّلاة عليه.
ثم تولّى عليٌّ وبعض أهل البيت ( عليهم السلام ) مواراته في قبره الشّريف وبعد دفنه ازدادت أتراح فاطمة وأخذ الأسى مأخذه من نفسها ، فراحت تنشد الأبيات المحزنة لتتعزّى بها :

 

قل للمغيّب تحت أطباق الثرى

*

إن كنت تسمع صرختي وندائيا

صُبت عليّ مصائبٌ لـو أنّها

*

صُبّت على الأيـام صرن لياليا

قد كنتُ ذات حمىً بظلّ محمدٍ

*

لا أختشي ضيماً ، وكان جماليـا

فاليوم أخشع للذّليــل وأتّقي

*

ضيمي ، وأدفـع ظالمي بردائيا

فإذا بكت قُمريـة في ليلهـا

*

شجناً على غصن بكيت صباحيا

فلأجعلنّ الحزن بعدك مؤنسي

*

ولأجعلـنّ الدّمع فيـك وشاحيـا

ماذا على من شمّ تربة أحمدٍ

*

أن لا يشـمّ مدى الزّمـان غواليا


نعم هكذا عاشت فاطمة مأساتها ، فهي قد تجلببت بجلباب من الحزن ، وجعلت منه سلوةً لها ومؤنساً ما دام شخص محمد قد غُيّب في جدثه ، وقد تحقّق ما أعلنته فاطمة ، وتغنّت به ، حيث روي عنها : أنّها ما وُجدت مبتسمةً بعد أبيها ـ على الإطلاق ـ حتّى زارها الموت حيث التحقت بعميدها محمد ، ليكفكف دموعها ، ويضمّد جراحها.

 


( 105 )


 


( 106 )


2ـ هبوب العاصفة :
ودّعت الأُمّة قائدها الحبيب محمداً ( صلى الله عليه وآله ) ، وانقطع الوحي عن زيارتها ، ولم يبق لديها إلا أن تلتزم بحبل الله الوثيق : كتاب الله العزيز وعترة فقيدها الغالي محمد ، لأنّ أهل البيت : هم ترجمان الوحي ، والصورة الحيّة للرسالة الإسلامية.
ولكن الأُمّة فوجئت بإعصار من المحن كادت أن تحلّ بها قارعة لولا رحمة الله سبحانه بها.
وقد كان في طليعة هذه المحن الكثار ـ التي هزّت كيان الأمّة ـ : ـ إقصاء وصيّ رسول الله ـ علي بن أبي طالب ـ عن مركزه القيادي ودوره الطّليعي في الأُمّة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ ، وإنّما عوملت بضعة المصطفى ـ هي الأُخرى ـ معاملةً قاسية. فبدلاً من أن تكفكف السُّلطة الجديدة دموع فاطمة وتضمّد جراحها بعدما ألمّ بها من ألم وكآبة بعد فقدها لركنها الوثيق أبيها محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فبدلاً من ذلك ، فإنّ السُّلطة الجديدة وقفت من فاطمة موقفاً مخزياً ترك في جبين الأُمّة لطخةً سوداء إلى يوم القيامة ، لأنّ فاطمة التي أراد لها الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أن تكون مدرسة ومناراً تشع على العالم الهداية والنُّور أصبحت تعيش وطأة من العسف والهوان بعد أبيها.
ونحن ـ انطلاقاً من المصلحة الإسلامية العليا ـ لا نريد في حديثنا هذا ـ

 


( 107 )


كما يبدو أول وهلة ـ أن نثير قضيّة مذهبيّة أو عصبية أو غير ذلك ، وإنّما نريد أن نتحرّى الحقيقة ونجلي قضية تاريخية احتلّت عدداً ضخماً من صفحات تأريخ الأُمّة الإسلامية. ونحن حين نجلي هذه الحقيقة إنّما نبسطها بصفتها التأريخية والفكريّة لأنّ مثل هذه الصّفحات من تأريخنا لا تمنعنا ـ نحن المسلمين ـ أن نجتمع على صعيد واحد بعيداً عن الفرقة والشنآن لأنّها أصبحت قضيّة نظرية تاريخيّة ـ فحسب ـ في واقعنا المعاصر.
ونحن حين نثير مثل هذه القضيّة لا نثيرها بصفتها مثار نزاع بين جماعتين إسلاميّتين ، وإنّما نوردها لأنّ طبيعة الموضوع تفرض ذلك ، فالحديث عن الزهراء ( عليها السلام ) ، وليس أحدٌ من المسلمين ينكر ـ تأريخياً ـ ما أصاب فاطمة بعد أبيها ، ولكنّ الإختلاف ـ فقط ـ يتناول تفسير تلك الأحداث المريرة وما صحبها من ملمّات.
ولقد واجهت الصّديقة الزّهراء ( عليها السلام ) حادثين بعد فقد أبيها ، ولكنّهما متّصلان اتصالاً وثيقاً ببعضهما ، وكانا بمثابة العاصفة الهوجاء التي ألمت بالأُمّة الإسلامية بعد قائدها محمد.
أُولاهما ـ إقصاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) عن مركزه القيادي في الأُمّة الإسلامية . إذ كانت السيدة الزهراء ( عليها السلام ) ترى في هذه الحادثة مأساة كبرى تعيشها الرسالة الإسلامية والأمّة بصورة عامّة ، لأنّ إقصاء عليًّ عن دوره الطليعي لم يكن مجرّد تغيير إنسان ، وإنّما كان بمثابة خروج عن الخط الذي رسمته السماء لأهل الأرض ، وستجني الأُمّة ثمارهُ السيئة عاجلاً ، لأنّ الأمة سيتولاها رجال لا يملكون من المؤهّلات الكافية التي ترفعهم إلى مستوى القيادة والحكم في الأُمة ، وبالتالي سيتحول الحكم إلى مجالاتٍ للوصول إلى أطماع شخصيّة ومصالح آنيّة على حساب الشرع المقدس.
ومن ثم ستجني الأمّة الفرقة والإختلاف. وفعلاً وقع ذلك بعد فترة وجيزة من تاريخ الأُمّة في وقت كانت فيه بأمسّ الحاجة إلى من يحاكي الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في قيادته وحكمه ، ولا وجود لمن يناظر علياً في ذلك إطلاقاً ، وفضلاً عن ذلك ، فإنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لو انضوت الأُمّة تحت لوائه لسدّت كلّ ثغرة في وجه الإختلاف

 


( 108 )


والإنحراف الّذي طرأ على الأُمةّ ـ فيما بعد ـ لأنّ عليّاً ( عليه السلام ) خرّيج مدرسة الرّسالة والوحي ، وهذا ما جعل فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) تقف موقفاً مشرّفاً في ذلك الظّرف الدّقيق من حياة الأمّة المسلمة في جانب عليًّ ، لا لأنّه بعلها وإنّما حدا بها إلى أن تقف ذلك الموقف الصُّلب وأن تتحمل المعاملة القاسية من الحاكمين : أنّها وضعت نصب عينيها النقاط التالية :
1ـ إنّها ترى عليّاً أفضل شخصية عرفتها الأُمة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو أقدر من سواه على تطبيق الرسالة وحفظها ونشرها في بقاع الأرض ، ولعلّها تستدلُّ على ذلك يقول الرسول الأكرم : « أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها » وقوله : « من أراد أن يحيا حياتي ، ويموت موتي ، ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي ، فليتولّ علي بن أبي طالب ، فإنّه لن يخرجكم من هدىً ولن يدخلكم في ضلالة ... »(1).
2ـ إنّها بنت الرسول الذي عاش من أجل الرّسالة ، ولذا فقد رأت أنّها ملزمة قبل غيرها بحفظ الشّرع الإسلامي المقدّس من التلاعب ، كما أنّها أصبحت ملزمة بحفظ الأُمّة التي صنعها الوحي من الإختلاف والوهن مما جعلها تعمل على تحرّي الأسباب التي تكسب الأُمة والشرع مناعةً تجاه الملمات ، ولكنّها لم تجد غير عليّ بن أبي طالب أهلاً لذلك ، كما اتّضح من سابق صفاته الجليلة.
3ـ إنّها ترى أنّ الأُمة ما لم تلتزم جانب عليًّ ، فلسوف تخالف معين الرسالة الإسلامية بمخالفتها رسولها القائد محمداً ( صلى الله عليه وآله ) وهي ترى بعد أنّ صدى صوته ما زالت تردّده الآفاق يوم أعلن مراراً وتكراراً : « إني خلّفت فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلُّوا أبداً ... ».
وقوله : « من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه ... ».
وقوله مخاطباً علياً : « أنتَ مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبيذ بعدي ... ».
وهي ترى أنّ هذه الأقوال حجّة فما لم تلتزم الأُمّة بروحها خرجت عن طاعة الله ورسوله وكتاب الله يهتف : « ما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ... »
____________
(1) المراجعات | شرف الدين نقلاً عن الحاكم والطّبراني في الكبير وغيرهما.

 


( 109 )


فإن لم تلتزم الأُمّة بهذه الاقوال خرجت عن حصن الطاعة لله ورسوله ، بل خرجت عن حكومة الله تعالى في الأرض ، وهذا ما جعل الصّدّيقة الزّهراء ( عليها السلام ) تعيش المأساة بكلّ أبعادها البعيدة والقريبة يوم رأت عليّاً يقصى مرغماً عن مكانه الذي بواه الله فيه.
وثانيهما : تأميم قرية فدك من قبل الحكومة القائمة ؛ وهذه الحادثة جعلت فاطمة ( عليها السلام ) تجد فيها خير متنفس لها لإلقاء الحجّة على الأُمة وتذكيرها بأيام محمد ( صلى الله عليه وآله ) وقراراته بهذا الشأن : « شأن القيادة وشأن الإلتزام بنقاء الشّريعة ».
ونحن لا نريد أن نتعرّض لتصريحات فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بهذا الشأن قبل أن نبيّن حقيقة فدك ، ونحدد أبعاد مشكلتها واحتجاجات الصّديقة الزهراء بشأنها.
 

3 ـ وقفة على أطلال فدك :
وفدك ـ هذه أرض حجازيّة تقع على مقربة من مدينة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وهي أرض زراعية غنية بمائها ونخيلها(1) . وكانت ملكية لليهود حتى السّنة السابعة للهجرة ، حيث أصبحت ـ بعد هذا التاريخ ـ داراً للإسلام ، وذلك بعد أن تجلّت مكائد اليهود ودسائسهم ونقضهم للعهود التي أبرمها الرسول ( صلى الله عليه وآله ) معهم.
وحين ظهر سوء طويّتهم واتصالاتهم المفضوحة مع المعسكر الوثني واشتراكهم في حرب المسلمين إلى جانب قوى الضّلال ، صمم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) على محاربتهم لأنّهم أصبحوا خطراً فعليّاً على الدّولة الإسلامية الفتيّة وركيزة من ركائز التآمر على سلامة الكيان الإسلامي.
وحين علم اليهود بتصميم النبي وإعلانه محاربتهم ، استحوذ عليهم الذّعر ودبّ الفزع في نفوسهم قبل أن يسير إليهم الرسول بخيل أو رجال ، وقد طلبوا من رسول الله الصُّلح تاركين له قرية « فدك ».
ولما كانت الأرض التي يفرُّ عنها أعداء الإسلام دون أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب ينطبق عليها حكم ـ ملكيّة الدّولة(2) ـ في الإصطلاح الإقتصادي ـ أو الأنفال في الإصطلاح الفقهي ـ فقد أصبحت أرض فدك ملكاً للرّسول ( صلى الله عليه وآله ) بصفته رئيس الدولة الإسلامية ، وحكم مثل هذه الأرض ليس موضوعاً اجتهادياً.
____________
(1) الإحتجاج | الطبرسي.
(2) اقتصادنا | الصدر.

 


( 111 )


وإنما هو موضوع في إطار مذهبي رصين ، رسم القرآن الكريم حدوده وطابعه كما ورد ذلك في قوله تعالى : « وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتُم عليه من خيلٍ ولا ركابٍ ولكنّ الله يُسلط رُسله على من يشاء والله على كلّ شيء قدير * ما افاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرّسول ولذي القُربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .. »(1).
ولكن « فدك » لم تبق مجرد ملكيّة للدّولة الإسلامية ، وإنما أعطت السماء فيها تعليماً خاصّاً جعل الرسول يهبها لبضعته الزهراء ( عليها السلام ) وذلك تطبيقاً لقوله تعالى : « وآتِ ذا القربى حقّه ... »(2).
ولأنّ الزهراء تمثل طليعة قربى محمد ( صلى الله عليه وآله ) ولذا وهبها قرية فدك تأكيداً لمدلول التشريع الإلهي المبارك.
وما أن ودّعت الأُمّة الإسلامية قائدها الحبيب محمداً إلا وأعلنت الحكومة الجديدة على لسان زعيمها ( أبي بكر ) نبأ تأميم فدك وإعادتها ملكيّة للحكومة ، بعد أن كانت لفاطمة في وقت قد صدر فيها حكم إلهي على لسان محمد الذي وهبها للزهراء.
ولكن هذا القرار الذي اتخذته الحكومة الجديدة حمل الزهراء ( عليها السلام ) على عدم الإعتراف به ، فهبّت لنقضه أمام الأُمة الإسلامية وممثّلي الحكومة لفضح بداية التلاعب على حساب التشريع الإلهي المقدّس.
____________
(1) سورة الحشر ، آية | 6 ـ 7.
(2) يقول ابن كثير في تفسيره : « إنّ القائلين بأن آية « وآت ذا القربى حقه ... » هي التي أوحت للرسول ( صلى الله عليه وآله ) في منح ( فدك ) للزهراء على جانب كبير من الخطأ لأنّ هذه الآية من سورة الاسراء ، وسورة الإسراء مكيّة ، وقضيّة فدك بكل أبعادها وقعت في المدينة ، ولعل هذا الإدعاء من وضع الرافضة ».
وأنا أعجب من هذا القول الّذي يصدر من عالم كبير كابن كثير ، ويشتدُّ في استدلاله على أنّ هذه الآية لا يُستدل بها ما دامت من سورة الاسراء المكية ، علماً بأنّ كثيراً من السور المكيّة تنطوي على آيات مدنيّة ، وهذه السورة ( سورة الاسراء ) بضمنها ، فهي تحتوي على عدد من الآيات المدنية كهذه الآية عينها « وآت ذا القربى حقّه ... ». كما ورد ذلك في تفسير الكشّاف للزّمخشري ، وفي ظلال القرآن | سيّد قطب. وليعلم ابن كثير : أنّ هذه الآية ليست ـ وحدها ـ آية مدنيّة في هذه السُّورة ، بل هناك الى جانبها آية 32 ، 33 ، 57 ، 73 ، الى آية 80.


 


( 112 )


4ـ الحجج النّاصعة :
وغادرت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بيتها وسط جمع من النّساء الفضليات لكي تجلب النظر وتثير الإهتمام للجماهير المسلمة ، فدخلت المسجد ـ مسجد أبيها ( صلى الله عليه وآله ) وهنا بدأت تلقي حججها بأُسلوب ملؤه حكمة ورويّة حيث قابلت أبا بكر بكلمة تعارف الناس عليها ، فخاطبته وكأنّها تستفسر عن شيء تجهله : « يا أبا بكر من يرثك إذا متّ ؟ ».
قال : أهلي وولدي.
قالت : فمالي لا أرث أبي رسول الله ؟
وحين فوجىء أبو بكر بهذه الحجّة النّاصعة راح يبحث عن مبرر لتأميم إرثها من أبيها.
فقال : يا بنت رسول الله ، إنّ النبي لا يوّرت(1).
وقيل : أجابها : « إن الأنبياء لا تورّث ، ما تركوه فهو صدقة ». واستشهد بحديث انفرد به عن رسول الله فقال : « سمعت رسول الله يقول : لا نورّث ما تركناه فهو صدقة »..
وهو حين تشبّث بهذا الحديث أراد أن يبرّر فشله أمام الحجّة التي وجه بها ،
____________
(1) كشف الغمة للاربلي.
 


( 113 )


وهو يعلم بمكانة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لدى فاطمة ( عليها السلام ) فأراد أن يبطل حجّتها بحديث رواه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولكنّ أبا بكر لم ينته من إلقاء كلماته الدّفاعية حتى فوجىء بحجة آخرى أبلغ من سابقتها حيث ردّت عليه ابنة المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) بقولها : « ما شأن سليمان ورث داود ؟ ». انطلاقاً من قوله تعالى : « وورث سليمان داود ».
ثم استطردت قائلة :
« ألم يقل زكريا : « ... إنّي وهن العظم منّي واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك ربّ شقيّاً * وإنّي خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك وليّاً * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربّ رضيّاً »(1).
وحين تلت هذه الآيات الكريمة فنّدت قول الخليفة لأنّها أثبتت له إثباتاً لا يتحمّل أيّ ريب : أنّ سليمان ورث أباه داود ، مع أنّ داود كان نبياً ، وسليمان حين ورث أباه ورثه بالملك لا بالنبوّة لأن النبوّة لا تورث ، فالنبوّة لو ورثت لورثناها من أبينا آدم خلفاً عن سلف.
والآية الثانية التي استدلت بها تحمل نفس المفهوم فزكريّا ـ ( عليه السلام ) ـ حين طلب إلى ربّه أن يرزقه ولداً لكي يرثه ، إنّما أراد بالإرث هنا إرث المال ، ولذا طلب من ربّه أن يكون ولده مرضيّاً ، وليس من المنطق ـ كما تدل الآية ـ : أنّ زكريّا أراد من ربّه أن يرزقه ولداً يرثه في النّبوة بدليل أنّه ـ بعد أن دعاه أن يرزقه هذا الوارث ـ طلب إليه أن يكون مرضيّاً ، لأنّه إذا أراد من ربّه أن يرزقه ولداً يرثه في نبوّته ، فهل يكون هذا النبيُّ غير مرضيًّ حتى يطلب أن يجعله مرضيّاً(2).
وهكذا فإنّ الآية تدل ـ دلالة واضحة ـ على أنّ الإرث هنا إرث ماديّ فحسب ـ.
وحين واجه أبو بكر هذه الحجّة البالغة ، عرف أنّ الزّمام قد أُفلت من يده ، فأصرّ على أنّ النبيّ لا يورّث ، ولكنّ إصراره هذا على كون الرّسول لا يورّث إصرار في غير محلّه بعد أن فوجىء بحجج الزهراء البالغة فلا بدّ له من حجة أُخرى
____________
(1) سورة مريم آية | 3 ـ 6.
(2) النّص والإجتهاد | شرف الدين.

 


( 114 )


يدعم بها موقفه هذا ، فقال : « أني لأعلم إن شاء الله أنّك لن تقولي إلا حقّاً ولكن هاتي بيّنتك ».
فأسرعت ( عليها السلام ) لتأتي بعليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأُم أيمن بركة بنت ثعلبة ، فشهدا : أنّ « فدكاً » قد أورثها الرّسول لفاطمة ، ولكنّ أبا بكر لم يعترف بهذه الشّهادة ، مدّعياً أنّ نصابها غير كامل ، فطالب بامراة أُخرى أو رجل آخر ، ولكنّ فاطمة لم تأت بغير ذين.
وأنا أعجب من أبي بكر كيف لا يتّخذ من شهادة عليًّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) حجّة على صحّة موقف فاطمة ـ على الأقل ـ في وقتٍ هو يعلم قيمة عليًّ عند الله. ورسوله ، فهو هارون الأُمّة والمطهّر من الرّجس ، ومدينة علم الرّسول ، بغضّ النّظر عن الصّدّيقة الزهراء ـ أُم أبيها ـ وبضعته والمطهّرة من الرّجس . والإمرأة الصّالحة ـ أُمُّ الصّالحة ـ أُمُّ أيمن ـ المبشرة بالجنة(1).
ومن المؤسف حقّاً أنّ أبا بكر حين يعلن : أنّ معاشر الأنبياء لا يورّثون ، يأتي بعائشة وحفصة لتشهدا له في صحّة الحديث ، ولكن لا أدري لماذا لا توازي شهادة عليًّ ( عليه السلام ) شهادة إحديهما ؟ فضلاً عن شهادة أُمّ أيمن ـ المرأة الصالحة ـ
وإلى جانب هذا كلّه : إنّ مطالبة أبي بكر فاطمة الزهراء بإحضار الشُّهود ليست منطقيّة لأنّها مالكة لفدك فعلاً ، وأبو بكر ادّعى ادّعاءً أنّها لا حقّ لها في تملُّكها ، ولذا أصدر حكم التأميم بشأنها مع أنّ القاعدة المنطقية الثابتة تقول : « البيّنة على من ادعى » فلماذا لم يأت أبو بكر بالبيّنة ؟ وقت كان مسؤولاً بإتيانها عقلاً ومنطقاً وعرفاً.
لكنّ الخليفة مع هذا قد أصرّ على عدم اقتناعه بشهادة عليًّ وأُمّ أيمن.
وللقارىء الكريم أن يحكم على هذه الواقعة المعروضة أمام عينيه وليتحرّ الحقيقة بنفسه.
ويقيني : أنّ الحجج التي أدلت بها الزهراء ( عليها السلام ) أمام الخليفة أبي بكر
____________
(1) ورد في ذخائر العقبى : أن الرّسول ( صلى الله عليه وآله ) قد بشّر أُمّ أيمن بالجنّة.
 


( 115 )


كانت كافيةً لإدانته وتغيير موقفه منها . ولكنّه ـ أسفاً ـ تمادى بعدم اعترافه بحقّها في إرثها من أبيها.
وإلى جانب مواقفها وحججها ـ هذه ـ نورد بعض المؤاخذات الاُخرى على موقف الخليفة أبي بكر ، تجليةً للحقيقة وتأكيداً للمنطق فنقول :
ولو فرضنا ـ جدلاً ـ أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لم يمنح فاطمة الزّهراء فدكاً بصفتها من ذوي القربى ـ حسب مدلول آية ـ « وآت ذا القرى حقّه ». وإنما منحها فدكا بصفته حاكماً للدّولة الإسلامية ، ورئيس الدّولة الإسلامية له الحقُّ في التّصرف في ملكيّة الدّولة طبقاً لما يراه وفي إطار المصلحة الإسلامية العليا ، وقد رأى أن يمنح فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) كأن تكون من سائر الناس ـ فدكاً ـ كحق خاص لا ملكيّة خاصّة لأنّ ملكيّة الدّولة ـ الأنفال ـ لا تملك ملكية خاصة . ولنفرض لأنّ فاطمة الزّهراء ( عليها السلام ) قد تصرّفت بحقها في الأرض دون أن تخل بشروط سيطرتها عليها لأنّ من شروط تملُّك الفرد المسلم للأرض : أن يقوم بعمارتها : من زراعة أو إقامة مشروع نافع عليها ، أمّا إذا لم يؤدّ حقّ ما حازه بأمر الدّولة الإسلامية من الأنفال فإنّ للدّولة الحق في سلبه منه لتمنحه لمن يقوم بدور الإحياء الفعلي للأرض ، وهذا يعني : أنّ الأرض التي تعود ملكيّتها للدّولة في المذهب الإقتصادي الإسلامي وحازها بعض الأفراد ، فإنّ عقد الحيازة يظلّ قائماً ما دام الفرد المسلم قائماً برعاية الأرض وعمارتها ، أمّا إذا لم يؤدّ هذه الوظيفة فإنّ العقد يفسخ بعدها ليستثمر الأرض منتج آخر(2) . وفاطمة الزهراء ( عليها السلام ) قد أثبتت الأدلّة التاريخيّة : أنّها كانت ملتزمة التزاماً تامّاً بشروط حيازة الأرض ، فقد كان لها وكيل لإدارتها وزراعتها والعناية بها فما هي الاسباب التي دعت أبا بكر أن بسلب هذه الأرض منها ، وهي ما زالت قائمة بشروط التملُّك والحيازة لها طبقاً لما رسمه الإسلام من شروط لحيازة الأرض الّتي تصدق عليها صفة ملكيّة الدّولة « الأنفال » ؟
أليس ذلك تلاعباً على حساب المذهب الإقتصادي الإسلامي ، بل على حساب
____________
(1) اقتصادنا : ج 2 | محمد باقر الصدر.
(2) اقتصادنا ج2.

 


( 116 )


الشّرع المقدّس ؟ الّذي لا يسمح بتأميم حقوق المواطنين الخاصّة : « النّاس مسلّطون على أموالهم ، لا يحلُّ مال امرىءٍ إلاّ عن طيب نفسه ». علماً بأنّه قد علّل سلبه لأرضها بقوله : « إنّ الأنبياء لا يورّثون ».
وهذا ما يلفت النظر إلى أنّ ابا بكر لو كان يعلم أنّ المصلحة الإسلامية العليا تقتضي هذا التأميم والمصادرة لصرّح به ، ولكنّه لم يجد مبرراً لهذا القرار ، فأعلن عدم جواز تورُّث الأنبياء.
وبعد إجلاء هذه الحقيقة فأنا غير واثق ـ مطلقاً ـ من أنّ أبا بكر ( رض ) كان جاهلاً من أنّ الحق كان بجانب الصّدّيقة فاطمة ، لا سيّما وهو يمتاز بحنكته وعبقريّته ، فمن المستحيل أن تغيب عنه تلك الحقائق النّاصعة ، ولكنّه لا يستطيع أن يدلي بتصريح يصدّق فيه الزّهراء ( عليها السلام ).
وعقيدتي أنّ ابا بكر كان مقيّدا بقرارات السّقيفة الّتي أوصلته للحكم ، وهو إن تخلّى عنها فاعترف لفاطمة بفدك ، لنحّاه من جاء به عن المنصب ، كما أنّ اعتراف أبي بكر لفاطمة بحقّها في فدك سيجُره إلى الإعتراف بكلّ مطاليبها المقبلة ، وفي طليعتها أحقيّة عليًّ ( عليه السلام ) في قيادة الأُمّة الإسلاميّة ، ولذا فإنّ حنكة الخليفة جعلته يصنع شتّى المبررات لعدم الإعتراف لفاطمة بحقّها في فدك ، لأنّ ذلك سيكون اعترافاً ضمنيّاً بصدق لهجة فاطمة في كلّ مطالبها المقبلة.
وهكذا فإنّ الباحث التأريخي المنصف يجب أن لا يحمّل تبعات المأساة الخليفة أبا بكر بقدر ما يحمّله مؤتمر السقيفة ـ ذاته ـ لأنّه هو المسؤول ـ أولاً وآخراً قبل غيره ـ عن كلّ ما حدث بعد الرّسول ( صلى الله عليه وآله ).

 


( 117 )


 


( 118 )


5ـ تقييم الموقف :
وقد ساد الإعتقاد لدى البعض من المؤرّخين من أنّ أبا بكر ( رض ) إنّما أصرّ على منع الزهراء (عليها السلام) حقّها في فدك لأنّه خشي أن يستعمل لأغراض سياسيّة ، حيث أنّ عليّاً وفاطمة يستغلاّنه في تقوية حزبهما المعارض لإسقاط حكومة الخليفة أبي بكر ، ولذا استعمل الخليفة معهما الحرب الإقتصادية لإضعاف الحركة المعارضة.
وهذا الرأي ـ في عقيدتي ـ قد أخطأ الحقيقة ، وهو لعمري رأي أُريد به تبرير موقف الخليفة والتخفيف من شدّة النّقد التي وجهت سياسته بها ، ولإيقاف سيل المؤاخذات الّتي شُنّت على موقفه الصُّلب من الصّدّيقة فاطمة على ما حملته من حجج ناصعة وأدلّة صائبة ، وأنا حين أشكّ في صحّة هذا الرأي لا أقف ـ فقط عند حدود الشّك وحده ـ وإنّما أُؤكد رأيي بالنقطتين الآتيتين :
1ـ انّ ممّا لا شكّ فيه أنّ عليّ بن أبي طالب لا يمكن أن يطلب غاية نبيلة بسبُل معوجّة وأساليب ملتوية ، وهو الذي يحمل شعار : « لا يُطاع الله من حيث يعصى ».
فهو لا يمكن أن يطلب الوصول إلى قيادة الأُمّة عن طريق ابتياع ضمائر أو دجل ، أو ضم أصوات إلى جانبه حتى يستفيد من فدك اقتصاديّاً في تنشيط حركته ، بغية عزل الحكومة يومذاك.

 


( 119 )


لكنّه أراد من فدك حين تطلبها فاطمة قوةً لهما ولأولادهما ليس غير ، وليس أدلّ على ذلك من سياسة عليًّ ( عليه السلام ) أيّام حربه مع معاوية ، فقد كان بوسعه أن يشتري الضمائر ويجمع المرتزقة لتعزيز موقفه في المعترك ، ولكنّه لم يفكر بذلك ـ إطلاقاً ـ لأنّه يرى فيه ارتكاباً لعمل يتنافى وشرع الله سبحانه في وقت كان بيت المال تحت تصرُّفه ، فكيف يتّخذ من فدك أُسلوبه لإعزاز حركته ؟
2ـ أكّدت الأدلّة التأريخية أنّ الصّدّيقة الزّهراء ( عليها السلام ) حين رجعت من مناظراتها للخليفة أبي بكر وجدت عليّاً ، وهو يتوقّع عودتها بفارغ الصّبر ، وحينئذٍ ألقت كلمتها أمام عليًّ لتوضح له نتيجة جولتها مع الخليفة ( رض ) حيث أكدت له : أنّ أبا بكر قد ردّها ولم يعبأ بحججها ، وقد كانت تتحدّث لعليًّ بحرقة أظهرت فيها غضبها وسخطها على الحكم القائم.
ولما اختتمت كلمتها بقولها : «(1) ويلاي في كلّ شارق ، ويلاي في كلّ غارب. مات العمد ووهن العضد ، شكواي إلى أبي ، وعدواي إلى ربي اللهم إنّك أشدُّ منهم قوةً وحولاً وأشدُّ تنكيلاً ».
وتألّم عليٌ لحديثها فراح يستعمل كلّ ما في وسعه للتخفيف من غضبها وألمها فخاطبها بقوله : « لا ويل لك بل الويل لشانئك ، ثم نهنهي عن وجدك يا أبنة الصّفوة ، وبقيّة النبوة ، فما ونيت عن ديني ولا أخطأت مقدوري ، فإن كنت تريدين البلغة فرزقك مضمون وكفيلك مأمون ، وما أُعدّ لك أفضل ممّا قطع عنك فاحتسبي الله ... ».
ومخاطبة عليًّ لفاطمة بقوله : « فإن كنت تريدين البلغة ، فرزقك مضمون ، وكفيلك مأمون ».
دليل على أنّ عليّاً وفاطمة ما ابتغيا وراء فدك إلا قوتاً لهما ولأولادهما ، وهذا ما يتّضح من قوله عليًّ ( عليه السلام ) لها حيث يؤكّد أنّ رزقها مضمون ، وإن حاول الحاكمون منعه وأنّه سيضمن عيشها وعيش أولادها ما دام حيّاً وتصريح عليًّ ـ هذا ـ يكشف لنا الغاية التي تنشدها فاطمة من المطالبة
____________
(1) كشف الغمة.
 


( 120 )


بفدك ، فإنّها لو كانت تبتغي هدفاً سياسيّاً وراء الحصول على فدك لخاطبها عليّ ـ بعد عودتها من مناقشة الخليفة ـ بأُسلوب غير هذا ولجرى بينهما حديث يخالف هذا.
ونستطيع أن نقرّر هذه الحقيقة إذا استعرضنا حديثاً للإمام عليًّ بشأن فدك وفي أيام خلافته وبعد وفاة الصّدّيقة الزهراء ( عليها السلام ) حيث يوضح فيه أنّ فدكاً كانت في حيازته وأهل بيته تدرُّ عليهم الرّزق :
« بلى كانت في أيدينا فدك من جميع ما أظلّته السّماء ، فشحّت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحكم الله وما أصنع بفدك وغير فدك والنّفس مضانُّها في غدٍ جدث ».
ألا تراه ـ أخي القارىء ـ لا يقيم وزناً لفدك ولا لغير فدك ، وهمُّه أن يصلح الدُّنيا بعدله وأن يتهيّأ لحياته الأُخرى بخير زاد لكي يلقى ربّه بنفس راضية مرضيّة ، فهل تنتظر من شخص هذا مقياسه في الحياة ـ الفوز برضوان الله ـ : أن يشتري الضّمائر ويجمع الأصوات حوله لكي يصل إلى الحكم ، وهو القائل ( عليه السلام ) : « ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز » .
وهو القائل أيضاً : « والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية أربة(1) ».
____________
(1) إن كان في هذا الإستدال حجة فهي على نقض غرض المؤلف فيما ذهب إليه ويقال في جوابه : إنّ أبا بكر وأركان دولته كانوا على علم اليقين من أنّ أهل هذا البيت الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة كما تشهد بذلك سورة هل أتى ـ سوف لا يستأثرون بواردات فدك وإنّما يبذلونها في سبيل الله على المعوزين والمحتاجين ، والإنسان ـ كما يقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ـ عبد الإحسان ، وعندئذ سوف تميل القلوب بطبعها إلى عليًّ ، وكان القوم يؤكدون على بغض عليًّ ويثيرون كوامن النفوس بأن علياً ( عليه السلام ) قتل شجعان العرب فهم موتورون منه ، وزعموا أنّ العرب كرهت أن تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد ، وعلى هذا الأساس قامت دولتهم ، ووجود الثّروة بأيدي أهل البيت يعني أنّه سيؤدي نفس الدّور الذي أدّته أموال خديجة ، ولا يتنافى تصور السُّلطة هذا مع الموقف الحقيقي لأهل البيت تجاه فدك ، كما لا يكون مبرّراً لاغتصابها أبداً ، فهناك حدود شرعية لا يجوز تعدّيها . وأعجب من كلّ هذا تعبير المؤلف بشراء الضمائر ، وهل يحرم بذل المال لاسترجاع الحق المغتصب وتثبيته أم يجب ؟ لاسيما إذا توقفت عليه مصلحة عظمى كالقضية التي يطالب بها الإمام علي (عليه السلام ) ، وإذا كان هذا النّوع من بذل المال
 


( 121 )


وهذه التّصريحات من عليًّ ( عليه السلام ) تؤكد لنا : أنّه لا يعبأ بالخلافة ، بل بالدُّنيا ـ برمّتها ـ فكيف يهتم بالوسائل التي توصل إليها بل كيف يمكن أن يسخّر ما تدرُّه فدك من أرباح لأغراض سياسية ؟
وبعد كلّ هذا ربما يعترض البعض على موقف فاطمة فيقول : لماذا ـ إذن ـ تقف فاطمة هذا الموقف الصُّلب في مطالبتها بفدك ، فلو لم يكن هناك هدف آخر تبتغيه من ورائه ، لما طالبت هذه المطالبة الحقيقية به ؟
ولأجل أن نبرز الحقائق التي دفعت الصّدّيقة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) للمطالبة بفدك ، نضع أمامنا النقاط الآتية :
1ـ إنّها رأت أنّ تأميم ( فدك ) قد هيّأ لها فرصة ذهبيّة في الإدلاء برأيها حول الحكومة القائمة وكان لا بدّ لها أن تُدلي بتصريحاتها أمام الجماهير ، وقد هيّأت لها قضيّة فدك هذه الملابسات المناسبة ، فحضرت ( دار الحكومة ) في المسجد النبوي وألقت بتصريحاتها التي لا تنطوي على أي لبس أو غموض.
2ـ تبيان أحقيّة عليًّ في قيادة الأُمّة بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وقد تجلّى ذلك في خطبتها التي ألقتها في مسجد أبيها ( صلى الله عليه وآله ) على مسمع ومرأىً من المسلمين وبضمنهم الحكومة الجديدة ، فكان من بعض أقوالها :
« أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ؟ ».
وقولها : « وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض ». حيث أوضحت أنّ عليّاً ( عليه السلام ) أعلم الناس بعد محمد بمعرفة الرّسالة وأحكامها وقوانينها ، وهو لذلك أحق برعاية شؤون الأُمّة التي صنعها الوحي المقدّس.
3ـ كشف ألاعيب الحكومة الجديدة على الشّرع المقدّس واجتهاداتهم التي لا
____________
شراءً للضمائر وممقوتاً في نظر المؤلف فماذا يقول عن بذل النبي ( صلى الله عليه وآله ) أموال خديجة في نفس الغرض ، ونؤكد للمؤلف الجليل أنّ هذا الغرض هو من الأغراض الشريفة وطريق مشروع لمن يريد أن يصل به إلى الهدف ، أما استخدامه في الطرق غير المشروعة لأنّ الغاية تبرر الواسطة فهذا ما لا يتوهمه في عليًّ وفاطمة ( عليهما السلام ) لا أبو بكر ولا حتى إبليس.
وبعد فإنما دفعني لهذه التعليقة بيان الحقيقة لا غير وكمسألة تستحق المناقشة وأستميح المؤلّف عذراً وشكراً له إن عفى وصفح.

 


( 122 )


علاقة لها بأهداف الرسالة وتزمُّتهم وإصرارهم على آرائهم بعد بطلانها ، وقد اتّضح ذلك كله في حججها التي واجهت أبا بكر بها بشأن فدك كما رسمناه سابقاً.
وهذه النقاط الثلاث هي التي استهدفتها فاطمة ( عليها السلام ) في مطالبتها الحثيثة بفدك ليس غير ، وليس لها وراء ذلك هدف ماديٌّ رخيص كما يعتقد البعض من مؤرّخي حياتها ، فهي ـ لعمر الحق ـ قد تصرّفت ما من شأنه أن يحفظ الرّسالة من شبح الإنحراف الّذي تنبأت بوقوعه بعد انتخاب الحكومة الجديدة فاتخذت من فدك خير فرصة لخدمة المبدأ وإلقاء الحجّة على الأُمّة تأدية للمسؤوليّة ونصراً للرّسالة وحفظاً لبيضة الإسلام.