في ذمة الخلود


 


( 125 )


 


( 126 )


في ذمة الخلود :
غاب شخص محمد ( صلى الله عليه وآله ) عن عيني فاطمة بضعته ، ودفنت معه تلك العواطف الفيّاضة الّتي كان يفيضها عليها.
غاب عنها مَن كان يكثر تقبيلها حتى بعد زواجها من عليًّ ( عليه السلام ) ، وغاب عنها مَن كان يدعوها ( أُم أبيها ).
لقد ودّعت كلّ ذلك بعد أن ودّعت أباها الحبيب ، وادلهمّ الخطب عليها ، وتغيّرت الأجواء . وتلبّدت الآفاق ـ آفاق حياتها ـ بمحن كأنّما هي على موعد مع موت الرّسول وغياب شخصه الكريم.
وكان في طليعة ما فوجئت به فاطمة الزّهراء ( عليها السلام ) بعد فقدها لأبيها ـ : إقصاء بعلها ووصيّ أبيها عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) عن مركزه القياديّ في أُمّة الوحي.
وتجتمع المآسي على قلب فاطمة ، فتحرم من ملكيتها التي وهبها أبوها لها حيث تصادر ويجري عليها حكم التأميم الجائر ، وهكذا تتجسّد المأساة على الصّدّيقة الطّاهرة ، وتعرف أنّ السرّ في ذلك كان بسبب موت القائد محمد ( صلى الله عليه وآله ) ولذا لا بدّ لها من أن تعيد شريط حياتها الماضية مع أبيها لتعطيه حقّه ولكن في إطار من اللوعة والبكاء والأسى ، حيث صار ديدنها أن تبكي على أبيها بعد أن تتذكر أيّامها النديّة التي قضتها تحت ظلاله الوارفة ، ويزداد بكاؤها حتى يضرب بها المثل في حنينها إلى عميدها ، ويضيق أهل المدينة ذرعاً بما يجري في بيت الرّسالة ، فيفاوضوا عليّاً ( عليه السلام ) بأنها ويطلبوا منه أن تبكي فاطمة : إما ليلها أو نهارها ، ولكنّها تستمر في لوعتها حتى طاب لها ـ يوماً ـ أن تسمع مؤذّن أبيها « بلالاً » وهو يرفع صوته بالاذان لكي يذكّرها بأيام حبيبها الرّاحل محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، ويستجيب « بلال » لطلبها ، ويرفع صوته بالاذان ، وما أن يذكر بلال أسم محمد حتى يرتفع صوت فاطمة بالحنين إليه ، وتخرّ إلى الأرض مغمىً عليها مما اضطر بلالاً إلى قطع أذانه ، فيضجُّ المسلمون بالبكاء مواساةً لفاطمة ( عليها السلام ) . وتبدو آثار هذه اللوعة تلوح على شخص الزّهراء حيث خارت قواها ودبّ الوهن في جسمها ، وأصبحت لا تقوى على النُّهوض ، فاستسلمت للفراش ، واستسلامها للفراش كان إيذاناً بوقوع مأساةٍ جديدة لهذه الأُمّة الفتيّة.
وخيّم الوجوم على بيت الرّسالة من جديد ، بل تعمق الوجوم وتأصّلت المأساة حين استفحل المرض على الزّهراء ( عليها السلام ) ، وراح يلتهم صحتها بنهمٍ وقسوة حتى يئس

 


( 127 )


بيت الرّسالة من بقائها أكثر من أيام قليلة يعلن بعدها وقوع المأساة الجديدة ـ مأساة افتقاد فاطمة الزّهراء ـ غرس النبوّة ومدرسة الرّسالة ـ.
وتبدأ جموع المسلمين والمسلمات تنهال على بيت عليًّ لزيارة الزّهراء ـ بل لتوديعها ـ وكان في طليعة الوفود وفد الحكومة الجديدة بقيادة الخليفة الأول أبي بكر ـ عبدالله ابن أبي قحافة ـ ووزيره عمر بن الخطاب ، جاءا ليطمئنا على صحتها ويعتذرا لها ـ في نفس الوقت ـ بصدد قضية « فدك » وأحداثها ، وما أن يدخل الوفد على فاطمة إلا وتولّي بوجهها إلى الحائط إعلاناً لنصبها على الحكومة القائمة.
وخاطبها أبو بكر طالباً عفوها ، ولكنّها ذكّرتهم بقول أبيها رسول الله فيها : « فاطمةُ بضعة منّي ، فمن أغضبها أغضبني ».
فاعترف بصدق قوله ـ هذا ـ لها حيث أعلنت بعد ذلك صراحةً : أنّها ساخطة عليهما وأنّها سترفع شكواها إلى ابيها بعد موتها ، وحين يواجه أبو بكر هذا الإصرار من الصّدّيقة الزّهراء على غضبتها عليها ، يستولي عليه الجزع والأسى ، وتجود عيناه بالدموع . ويعودان ـ بعدها ـ إلى دارهما ـ وهما يتلاومان ـ  وتتوالى الوفود على بيت الزهراء ، ويستقبل بيتها الكريم وفد نساء الأنصار ، وبعد أن يستقرّ المجلس بالوفد الجديد ، تبدأ النساء يستفسرن عن صحتها ، فترد فاطمة على زائراتها بعبارات مجروحة ، تنُّم عن ألمها وحزنها من المواقف المخجلة التي وقفها « القوم » منها في قضية « فدك » ، كما تنُّم ـ أيضا عن سخطها على بعض الأنصار الذين وقفوا منها في مواقفها مع « الخليفة الأول » موقفاً سلبياً ، فضلاً عن سكوتهم إزاء عمليّة إقصاء عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ عن مركزه القيادي في الأُمة.
وإليك ـ نص كلامها مع الوفد النّسائي ـ كما عن ابن أبي الحديد واحتجاج الطبرسي وغيرهما ـ : حيث سألها النسوة : كيف أصبحت من علتك ـ يا بنت رسول الله ـ ؟:
« ... أصبحت والله عائفةً لدنياكنّ ، قاليةً لرجالكنّ ، لفظتهم بعد أن

 


( 128 )


عجمتهم(1) وشنأتهم بعد أن سبرتهم(2) ، فقبحاً لفلول الحدّ ، واللّعب بعد الجدّ ، وَقرعِ الصّفاة ، وصدع القناة ، وخطَل الآراء ، وزَلل الأهواء(3) ، « ولبئسَ ما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هُم خالدون » لا جَرم ـ والله ـ لقد قلّدتُهم ربقتَها ، وحمّلتهم أوقتها(4) ، وشننتُ عليهم غارَتها ، فجدعاً وعقراً وبُعداً للقوم الظّالمين (5) ، ويحهم أنّى زعزعوها عن رواسي الرّسالة ، وقواعد النبوّة والدّلالة ، ومهبط الرُّوح الأمين ، والطّبين بأمور الدُّنيا والدّين(6) « ألا ذلك هو الخسرانُ المبينُ ». وما الّذي نقموا من أبي الحسن ؟ نَقِموا منه ـ والله ـ نكيرَ سفيه ، وقلّة مبالاته بحتفه ، وشدّةَ وطأته ، ونكالَ وقعته ، وتنمُّره(7) في ذات الله ـ عزّ وجلّ ـ . وتالله ، لو مالوا عن المحجّة اللائحة ، وزالوا عن قَبول الحجة الواضحة ، لردّهم إليها ، وحملهم عليها ، ولسار بهم سيراً سُجُحاً(8) لا يُكلَم خشاشهُ(9) ولا يكِلُّ سائرُه ، ولا يملُّ راكبُه ، ولأورَدهم منهَلاً نميراً ، صافياً رويّاً فضفاضاً تطفح ضِفتاه ولا يترنّق جانباه ، ولأصدرهم بِطاناً(10) ونصَحَ لهم سرّاً وإعلاناً ، ولم يكن يَحلىَ من الغنى بطائل(11) ولا يحظى من الدُّنيا بنائل غير ريّ الناهِل(12) وشبعة الكافل. ولَبانَ لهم الزاهدُ من الراغِب ، والصّادقُ من الكاذب « ولو أنّ أهل القُرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السّماء
____________
(1) عجم العود : عضّه بأسنانه ليختبره.
(2) شنأتهم : أبغضتهم ، وسبرتهم : اختبرتهم.
(3) تدلُّ هذه الفقرات على النيل بسوء والتواء.
(4) الرّبقة : ـ بالكسر ـ عروة في حبل يجعل في عنق البهيمة . والأوقة الثقل ، والضّمير للخلافة أو فدك.
(5) العَقر ـ بالفتح ـ الهلاك.
(6) الطين الفطن الحاذق بالأمور.
(7) التنمّر : الغضب.
(8) سجحاً ـ بضمتين : ـ ليناً سهلاً ـ.
(9) الكلم : الجرح ، والخشاس ـ بالكسر ـ ما يجعل في أنف البعير.
(10) أي عظمت بطونهم من الشراب.
(11) أي لم يستفد منه بكثير.
(12) الناهل : العطشان.

 


( 129 )


والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ، والّذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيّئاتُ ما كسبوا وما هم بمعجزين ».
ألم هلمّ فاستمع ، وما عشت أراكَ الدّهرُ عجباً ، وإن تعجب فعجبٌ قولهم. ليت شعري ، إلى أيّ سنادٍ استندوا ، وعلى أيّ عمادٍ اعتمدوا ، وعلى أيّة ذرّية أقدموا واحتنكوا(13) « لبئس المولى ولبئس العشير ، وبئس للظالمين بدلاً » إستبدلوا ـ والله ـ الذّنابى بالقوادم(14) والعجزَ بالكاهل(15) فرغماً لمعاطس قوم « يحسبون أنهم يحسنون صُنعاً ألا إنّهم هم المُفسدونَ ولكن لا يشعرون » وَيحهم « افمن يهدي إلى الحقّ أحقُّ أن يُتّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون » أما لعمري ، لقد لقحت ، فَنِظرة رَيثَ ما تُنتج ، ثم احتلبوا ملأ القعب دماً عبيطاً وذُعافاً ممقراً(16) هنالك يخسر المبطلون ، ويعرف التالون غبّ ما أسس الأوّلون ، ثم طيبوا عن دنياكم أنفساً ، واطمئنُّوا للفتنة جأشا(17) وأبشروا بسيف صارم ، وسطوة معتدٍ غاشم وهرج شامل واستبدادٍ من الظّالمين يدع فيأكم زهيداً ، وجمعكم حصيداً ، فيا حسرةً لكم ، وأنىّ لكم ، وفد عُمّيت عليكم « أنلزمكموها ، وأنتم لها كارهون ».
وبهذه الكلمات الوضّاءة قابلت الزهراء ( عليها السلام ) وفد نساء الأنصار ، وهذه الكلمات بحقًّ قبس من نور النُّبوة السّاطع ، وثمرة من ثمار الوحي التي تلقّاها بيت الرّسالة ومهبط الوحي ، ففاطمة الزّهراء ( عليها السلام ) وهي في آخر أيامها ـ والمرض قد استبد بها ـ ما نسيت دروس الجهاد ، فهيَ ومن على وسادتها تعلن لوفد الأنصار رأيها الصّريح في الواقع المرّ الذي آلت إليه الأُمّة بعد افتقاد قائدها محمد ( صلى الله عليه وآله ).
والباحث المتتبّع يستطيع أن يلمس في حديثها هذا النقاط الآتية :
1ـ إعلانها عن سخطها على الأنصار وغيرهم ممن استسلموا لواقع يجب استنكاره وتغييره.
____________
(13) احتنكه : استولى عليه.
(14) الذنابى ـ بالضم ـ : ذنب الطائر. والقوادم : الريشات العشر من مقدم الجناح.
(15) الكاهل : ما بين الكتفين.
(16) الذعاف ـ بالضم ـ : السم.
(17) الجأش ـ بالهمزة : النفس والقلب.

 


( 130 )


2ـ إعلانها : أنّ عليّاً هو الخليفة الشّرعي لأبيها محمد ( صلى الله عليه وآله ).
3ـ تبيان صفات عليًّ ( عليه السلام ) التي رشّحته ليكون أهلاً لقيادة الأُمّة ، سيّما وهو أدرى بشؤون الشّريعة من سواه.
4ـ شرح الأسباب التي دعت الجاحدين وذوي المصالح الآنية إلى إقصاء عليًّ عن مقامه القياديّ.
5ـ إعلانها عن واقع غيبي تصير إليه الأُمّة قريباً من تفرُّق لجمعها واستبداد الظّالمين بأُمورها.
6ـ إعلانها أسفها للحالة التي صار ، ويصير إليها النّاس بعد أبيها محمد( صلى الله عليه وآله ).
وعاد وفدُ نساء الأنصار ليبلّغ الرجال مبادىء فاطمة التي أعلنتها دون اكثراث أو مواربة.
وتزداد صحة فاطمة سوءاً يوماً بعد يوم ، وقد حان الوقت لتعلن وصاياها لأمير المؤمنين ـ عليًّ ( عليه السلام ) حيث قالت :
« بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد ، أوصت بحوائطها السّبعة إلى عليّ بن أبي طالب فإن مضى فإلى الحسين ، فإن مضى فإلى الأكابر من بمحمد ».
وكتبَ عليٌّ ( عليه السلام ) هذه الوصيّة وشهّد بها المقداد بن الأسود والزُّبير بن العوام. كما أوصت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) أن لا يغسّلها بعد موتها غير عليًّ وأسماء بنت عميس ، كما أوصت مؤكدة أن لا يشيّعها « القوم » الذين غصبوها حقّها بعد موتها ، حيث قالت : لعليًّ في آخر أيامها : « أمنفّذ انت وصيّتي وعهدي أو ـ والله ـ لأعهدنّ إلى غيرك ؟ » ، فقال عليٌّ ( عليه السلام ) « بلى أُنفّذها ». فقالت عليها السلام : « إذا أنا متُّ فادفني ليلاً ولا توذننّ بي ابا بكر وعمر »(1) كما أنّها أوصته بولديها الحسن والحسين خيراً.
وتحسُّ الزهراء باقتراب أجلها ، فتقول لأسماء : « إنّي قد استقبحت ما يصنع بالنّساء : إنّه يداح على المرأة الثّوب فيصفها لمن رأى ».
____________
(1) كشف الغمة للإربلي.
 


( 131 )


وهذه البادرة من فاطمة حين تعلن لأسماء من أنّها تكره أن توصف بعد موتها وأثناء حملها إلى قبرها فتودُّ ألاّ يعرف الرائي عنها شيئاً أبداً ، حين تعلن الزّهراء ( عليها السلام ) هذه الحقيقة ، فإنّه ليس عجيباً ولا مستغرباً منها ، فهي قد أعلنت ـ بالأمس وفي عهد ابيها الزاهر حين سُئلت عن أحبّ شيء تراه للمرأة ـ فأعلنت قائلة : « أن لا ترى الرّجل المحرم ولا الرجل المحرم يراها ».
بهذا المبدأ المشرق من التّقوى تعيش الزّهراء ( عليها السلام ) وتوصي أن تعيشه بعد وفاتها حتى يضم رفاتها الطّاهر تراب الأرض.
وحين ترى أسماء بنت عميس تبرُّم الزهراء ( عليها السلام ) من عملية حمل المرأة إلى قبرها بالشكل المعتاد يومذاك ـ مع شرعيته ـ تصف لها صورة نعش رأته في الحبشة أيام هجرتها يُصنع من جريد النخل ، وقد قامت أسماء بتصويره عمليا أمامها ، فسرّت الزهراء لذلك وابتسمت ، ولأول مرة حيث اختفت عن ثغرها الإبتسامات منذ فقدت أباها الكريم محمداً ( صلى الله عليه وآله ).
وفي آخر يوم من أيامها تصبح الزهراء ( عليها السلام ) وقد بدا بعض التحسُّن على صحتها فيطمئنّ عليٌّ ( عليه السلام ) ويغادر البيت إلى المسجد ليؤدّي مهمّته في حفظ الرّسالة وشرعها القويم ، وتتوضّأ الزّهراء ( عليها السلام ) للصلاة فتطلب إلى أسماء بنت عميس أن تأتيها بشيء من طيبها الذي تتطيّب به وملابسها التي تصلّي فيها ، وتضع رأسها على وسادتها وهي تقول لأسماء : « اجلسي عند رأسي ، فإذا جاء وقت الصّلاة فأقيميني ، فإن قمت ، وإلاّ فأرسلي إلى عليًّ ».
ويحلُّ وقت الصّلاة وتخاطب أسماء الصّدّيقة الزّهراء بقولها : « الصلاة يا بنت رسول الله ».
ويخيّم الفزع على أسماء لأنّ الزّهراء لم تجبها بشيء وتبادر إليها فتكشف عن وجهها وهي تصيح : « يا بنت محمد المصطفى ... يا بنت أكرم من حملته النّساء .. يا بنت خير من وطأ الحصى ... ».
فتراها وقد فارقت الحياة ، ويدخل الحسنان في هذه اللحظات الحاسمة من حياة بيت الرّسالة ويسألان عن أُمّهما ، فتفاجئهما أسماء : أنّها قد فارقت الدُّنيا ، وما اشد الصّدمة عليهما ـ حينذاك ـ لقد وقع الحسن على أُمّه ليقبّلها القبلة

 


( 132 )


الأخيرة ، وهو يقول : « يا أُمّاه كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني ». ويقع الحسين ( عليها السلام ) عليها وهو يقبّل رجليها ويقول : « يا أُماه أنا ابنك الحسين كلّميني قبل ان ينصدع قلبي » ، وتلعب اللوعة دورها ويهيج الأسى في بيت الرّسالة وتستولي الأحزان عليه من جديد ، وتطلب أسماء إلى الحسنين أن يخبرا أباهما بما حدث لأُمّهما.
ويسرعان إلى أبيهما ـ والبكاء والحسرة يعمران قلبيهما ـ فيدنيان من مسجد جدّهما ( صلى الله عليه وآله ) وتجيش اللوعة في قلبيهما بعنف ، فيرفعا صوتيهما بالبكاء.
ويفاجأ المسلمون ببكاء الحسنين ، وظنُّوا أنّهما تذكّرا جدّهما ، فراح البعض يهدّىء من لوعتهما ، ولكنّهما أعلنا النبأ المفزع ـ نبأ افتقاد شجرة الإمامة وغرس النبوّة ـ حيث قالا : « أو ليس قد ماتت أمُّنا فاطمة ؟ ».
ويسمع عليٌّ هذا النبأ ، فتضطرب نفسه ، وتهزُّ المفاجأة كيانه ، وهو يقول : « بمن العزاء يا بنت محمد ؟ كنت بك أتعزّى ، ففيم العزاء من بعدك ؟ ».
وحين يعلن هذه الكلمات يرسم حدود قيمة المرأة المسلمة لدى زوجها إذا عاشت وإياه على صعيد المصير الواحد والهدف الواحد والرّسالة الواحدة ، ثم ينشد عليٌّ ( عليه السلام ) :

 

لكلّ اجتماع من خليلين فرقةٌ

*

وكلُّ الذي دون الفراق قليل

وإنّ افتقادي فاطماً بعد أحمد

*

دليل على أن لا يدوم خليل


وحين ينشد هذين البيتين يعلن تجلُّده على المصاب الأليم ، إذ أنّ لكلّ اجتماع فرقة ، وهو حين يعلن هذه الحقيقة ينهل بذلك من منهل الوحي : « كلُّ من عليها فان » وهذا ليس غريباً على عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) لأنّ فكره وسلوكه وعواطفه قد صقلها الإسلام فعاد إسلاماً يسير على الأرض.
ويدوّي أصداء النبأ المؤلم في آفاق عاصمة الإسلام « المدينة المنورة » وتمتلىء نفوس المسلمين أسىً وتزحف جموعهم إلى بيت الرّسالة حاملة تعازيها إليه ، ولساهم في عمليّة تجهيز الزهراء ( عليها السلام ) لحملها إلى مثواها الأخير ، وحين تسرع الجموع الغفيرة للإشتراك في مراسيم تجهيز الزهراء ( عليها السلام ) فإنّما قد أملى ذلك عليها عوامل أساسيّة.
أوّلها ـ الإلتزام بمبدأ الأُخوة الإسلامية الذي يفرض مشاركة المسلم لأخيه المسلم ،

 


( 133 )


انطلاقاً من قول الرّسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) : « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى ». وقوله ( صلى الله عليه وآله ) : « من لم يهتّم بأُمور المسلمين فليس منهم » وقد جاءت جموع المسلمين استجابة لهذا المفهوم الوضّاء.
ثانيها ـ إنّ معرفة المسلمين لقيمة فاطمة الزّهراء ( عليها السلام ) عند الله ورسوله دفعتهم للمساهمة في تجهيزها بعد موتها سيّما وأنّ أقوال الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ما زالت ترنُّ في آذانهم حيث يقول : « فاطمة بضعة منّي ... ».
وغير ذلك من مئات التّصريحات التي أولى بها الرسول القائد ( صلى الله عليه وآله ) بشأن تقييم فاطمة ( عليها السلام ) ولهذا السبب هرعت الجموع المسلمة لتشارك في تجهيز جزءٍ من قائدها محمد ( صلى الله عليه وآله ) يتمثّل ببضعته الطّاهرة.
وقد عمّ الوجوم أجواء المدينة وكافة بيوتها ومجالات عملها وحضر كبار الصحّابة كابي بكر وعمر وغيرهما للمشاركة في علميّة التّشييع والصّلاة على الصّدّيقة الطّاهرة.
وبعد ساعات من الوجوم والالآم والكآبة صرّح ناطق بلسان البيت العلويّ بأنّ دفن الزهراء ( عليه السلام ) تأجّل هذه العشيّة ، وكان الناطق أبا ذر الغفاري ـ رحمه الله تعالى ـ وما أن تستمع الجماهير إلى نبأ تأجيل الدّفن إلاّ وتتفرّق وهي على موعد آخر للتّشييع والدّفن.
ويبادر عليٌّ لتنفيذ وصايا الزهراء ـ برمّتها ـ فيعمد هو وأسماء بنت عميس إلى تغسيلها ، والحسنان يريقان الماء على جسدها الطاهر ، واللوعة تأخذ بمجامع قلوبهم جميعاً وبعد أن أدرجها عليٌّ ( عليه السلام ) في أكفانها وقبل أن يعقد الرداء نادى : حسناً وحسيناً وزينب وفضّة وأُمّ كلثوم ليلقوا النّظرة الأخيرة على أُمهم الطاهرة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) فضجُّوا بالبكاء عليها والحنين إليها.
وكان الحسنان يقولان : « واحسرةً لا تنطفي أبداً من فقد جدّنا محمد المصطفى وأمُنا فاطمة الزهراء ».
وبعد لحظات من التّوديع المشوب بالحسرة والآهات عقد عليٌّ عليه السلام رداء الكفن وقد هاجت به أحزانه فأنشد يقول :

 


( 134 )


 

فراقكِ أعظم الاشياء عندي

*

وفقدكِ فاطـم أدهى الثكول

سابكي حسرةً وأنوح شجواً

*

على خلًّ مضى أسنى سبيل

ألا يا عين جودي وأسعديني

*

فحزني دائم أبكي خليلي(1)


ويمضي من الليل شطره ، فيأمر عليٌّ ( عليه السلام ) بحملها إلى مثواها ، فيحملها عليٌّ والحسن والحسين وعقيل وعمّار والزُّبير وأبو ذرّ وسلمان والمقداد وبريدة وجماعة آخرون من بني هاشم بعد الصّلاة عليها ، ويعدُّون لها قبراً في بيتها(2) وينزلها عليٌّ ( عليه السلام ) فيه وبعد أن ينفض يديه من تراب القبر تهيج به الحسرة ويرسل دموعه على شفير قبرها ، وهو يقول :
« السلام عليكَ يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك والسّريعة اللحاق بك ، قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري ورقّ عنها تجلُّدي ، ألا إنّ لي في التأسّي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعزًّ ، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك ، فإنا لله وإنّا إليه راجعون. فلقد استرجعت الوديعة وأُخذت الرّهينة ، أمّا حزني فسرمد ، وأمّا ليلي فمسهّد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ، وستنبئك ابنتك فأحفها السُّؤال واستخبرها الحال ، هذا ولم يطل العهدُ ولم يخلف الذّكر ، والسّلام عليكما سلام مودّع لا قالٍ ولا سئم ، فإن أنصرف فلا عن ملالة وإن أُقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصّابرين ... »(3)
بهذه الكلمات الطافحة بالالآم يودّع عليٌّ ( عليه السلام ) زهراءه الحبيبة ، إنّها كلمات تهزُّ النُّفوس وتخفق لها القلوب وتدمع العيون ؛ إنّها الكلمات الحارّة ، كلمات الأسى التي تعلوها الشكوى للقائد محمد ( صلى الله عليه وآله ) مما آل إليه أمر عليًّ وأمر الزّهراء بعد أبيها.
ولم يجد عليٌّ ( عليه السلام ) عزاءً غير أن يتأسّى بمصابه الأول ، بمصاب الحبيب محمد ( صلى الله عليه وآله ) لأنّ مصيبة افتقاد محمد أشدّ وقعاً في نفس عليّ ( عليه السلام ) من افتقاد فاطمة ( عليها السلام ) ولذا وجد في مصابه بمحمد خير معوانٍ له على مصابه الجديد ، ولكنّه يقرن هذا التاسّي المرّ بحزن دائم وليل مسهّد لا تنطفىء فيه نار اللوعة والحسرات أبداً ، حتّى يلتحق بأحبّائه في دار الخلود.
____________
(1) الدمعة الساكبة.
(2) المجالس السنية.
(3) شرح نهج البلاغة.

 


( 135 )


ويفارق عليٌّ ( عليه السلام ) قبر الصّدّيقة الطّاهرة ، ولكن بعد أن أعلن أنّه يودّع القبر لا عن سأم ولا كراهية ، ولا ملل ، ولكنّه استجابة لتعليم الرّسالة بالتزام الصبّر ، ويفارق وهو أشدُ ما يكون ثقة بأنّ ربّه سيلحقه بدار الخلود مع محمد ( صلى الله عليه وآله ) وزهرائه الطّاهرة ( عليها السلام ).