اضواء على تراث الزهراء
 


( 138 )


 


( 139 )


1ـ تمهيد


تُعرف قيمةُ الإنسان بما يقدّمه للأجيال التي تعاصره أو تعقبه من عطاء حضاري يُدلها على السّبيل الذي يجب أن تلتزمه في حياتها ،وتتفاعل معه ، ويرفعها إلى مستواها اللائق تحت الشّمس.
وأقول : العطاء الحضاري ، لأنّ النّوع الإنساني مجبول على التّفاعل مع الكون بما فيه من قوىً وطاقاتٍ بدافع حبّ الإستطلاع والتملُّك ، ومع أبناء جنسه بدافع غريزة التجمع الفطرية المركوزة في كيان الإنسان.
وهذا التفاعل بشتّى شطريه : « مع الكون أو الإنسان » يحتاج إلى التّنظيم والصّقل ، ابتعاداً عن الإضطرابات والنّزاع والحروب والبغضاء بين أبناء النّوع الإنساني ، وهذا التّنظيم لا يتمُّ بطبيعة الحال بصفة ميكانيكية عن طريق استعمال أدوات خاصّة تتحقّق على يديها المعجزة ـ معجزة التّنظيم في كيان المجتمع الإنساني ـ وإنّما يتمُّ ذلك عن طريق واحد : هو الفكر ، هو التشريع ، هو التقاليد التي يتبنّاها النّاس وينضوون تحت لوائها ، لأنّها ـ وحدها ـ التي تنظّم حقوق الفرد والمجتمع وواجباتهما.
ولمّا كانت الحضارة ـ المفاهيم عن الكون والحياة والإنسان ونحوها ـ هي

 


( 140 )


وحدها التي تستطيع أن تنهض بهذه الأعباء الجسيمة ، فلا بدّ أن يكون افتراضنا وقعيّاً ومنطقيّاً ، حينما قلنا : إنّ قيمة الإنسان تتمثّل بعطائه الحضاري.
وتحت نقطة أُخرى يجب أن نلتفت إليها بهذا الصّدد ، إنّ الإنسان الّذي لا يتبنّى مبدءاً في حياته يعيش من أجله ويخضع لمتطلّباته ويكافح في سبيل تطبيقه أو تثبيته أو نشره في الأرض ، هذا الإنسان لا تختلف حياته عن حياة البهائم ـ على الإطلاق ـ حيث أصبح همُّه أن تمتلىء معدته أو يؤنّق لباسه فيعيش كما يحلو له ، وهذا الصّنف من النّاس صفعهم القرآن ـ وهو منهج خالق الإنسان ـ بقوله « ... والذين كفروا يتمتّعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنّار مثوىً لهم »(1).
ولهذا ترى القادة من أهل البيت ( عليهم السلام ) نهجوا السّبيل الذي جعلهم يعيشون من أجل المبدأ الإسلامي القويم حيث أخضعوا كلّ متطلّبات حياتهم لصالح منهج الله سبحانه ، فانطلقوا يتحدّثون باسم المنهج ويسلكون ما رسمه ويفكرّون في حدود معالمه القويمة.
والزهراء ( عليها السلام ) مدرسة الإمامة وغرس النبوّة ـ كانت على المستوى ذاته ، فأوقفت حياتها الرُّوحية والفكريّة والجسميّة خدمةً للرّسالة وذوداً عن حياضها.
وقد ضربت في ذلك أروع الأمثلة وأنصعها ، وممّا يجلي هذه الحقيقة النّاصعة : الرُّجوع إلى تراثها الفكريّ الضخم الذي خلّفته لأجيال الأُمّة الإسلامية ضاربةً لهم أروع الأمثلة في الذّود عن حياض الرسالة وتبيان معالمها القويمة. ولعلّ الباحث في حياة الصّدّيقة الزهراء لا يجد في تراثها الحضاري الضّخم أعظم من خطبتها التي ألقتها في مسجد أبيها ، والتي لو ورثناها وحدها منها لدلّت ـ بوضوح وجلاء ـ على عظمة شخصيّة الزهراء ( عليها السلام ) لأنّها قد جسّدت كلّ آرائها ومناهجها التي استقتها من منهل الوحي المقدّس.
والمتتبّع التّأريخي لحياة الزهراء لا يمكن أن يفصل خطبتها عنها ، لأنّ خطبتها أضخم رصيد لفهم شخصيتّها على الصّعيد الواقعي والمنطقي ولذا فليس بدعاً من الأمر أن نخصّص فصلاً خاصّاً لألقاء الأضواء على بعض جوانب خطبة
____________
(1) سورة محمد آية | 12.
 


( 141 )


الزهراء ( عليها السلام ) لمعرفة أبعاد شخصيتها الفذّة ومدى هظمها لمنهج السّماء المبارك ، واستيعاب معالمه الرئيسة.
وحين نؤكّد ـ هنا ـ أهميّة خطبة الزهراء لا نريد بذلك ، أن نجرّد الزهراء عن باقي تراثها الحضاريّ الضخم ، ذلك لأنّ التأريخ قد أتحفنا بكثير من النُّصوص التي باستطاعتنا أن نستقي تراثها الحضاريّ منها ، ولكنّنا وجدنا أنّ أبرز شيء في تراثها : خطبتها التي ألقتها في مسجد أبيها في مطلع خلافة أبي بكر.
كما أنّ هذه الخطبة قد جمعت كلّ تراثها وفهرسته في آنٍ واحد ، وهذا ممّا حدا بنا أن نلقي أضواءً على بعض جوانب الخطبة الرائعة التي جمعت كما يتّضح أروع المفاهيم الإسلامية في الحكم والمجتمع ومعالم التّشريع الإسلامي الرّصين. وسنورد بعض نصوصها إبقاءً لغرضنا في البحث.

 


( 142 )


 


( 143 )


2ـ أبعاد الجاهليّة


« ... فرأى الأُمم فرقاً في أديانها ، عُكّفاً على نيرانها ، عابدةً لأوثانها ، منكرةً لله مع عرفانها ، فأنار الله تعالى بأبي محمد ظُلمها ، وكشف عن القلوب بهمها وجلى عن الأبصار غممها ، وقامَ في النّاس بالهداية ، وأنقذهم من الغواية ، وبصّرهم من العماية ، وهدادهم إلى الدّين القويم ، ودعاهم إلى الصّراط المستقيم ... ».
هذا مقطعٌ قصير من خطبة الزهراء ( عليها السلام ) والذي نحن بصدد بسط مفاهيمه النّاصعة.
والباحث المتتبع حين يستقرىء هذه الكلمات الوضّاءة يقطف أشهى الثّمار منها ، فيستنبط مفهوماً إسلامياً رائعاً عن الجاهليّة التي رزحت البشريّة تحت أعبائها الثقيلة ، قبل بزوغ شمس الإسلام الحنيف على يد الرسول العظيم محمد ( صلى الله عليه وآله ).
فالزهراء ( عليها السلام ) تفهرس لنا حياة البشريّة برمّتها قبل أن يصدع أبوها القائد برسالته السّماويّة المباركة ، فهناك الّذين فرقوا دينهم شيعاً وأخضعوه لمتطلبات شهواتهم ورغباتهم كاليهود والنّصارى.
وهناك العاكفون على الأوثان الخاضعون للأصنام التي صنعوها بأيديهم واتخذوها آلهةً من دون الله سبحانه ، معتقدين بقدرتها على الخلق والإبداع والرّزق والتوفيق والنّصر.

 


( 144 )


وهذا ما كانت عليه الجزيرة العربيّة حيث دان العرب لهذا النوع من التدّين ، فملؤا بيت الله الحرام بركام من الأحجار والصُّخور ، دعوها آلهةً تقرّبهم ـ بزعمهم ـ إلى الله زلفى.
وإلى جانب هذا المنهج الماديّ الطائش نشأت عبادة النيران والإنصياع لها والسّير وفقاً لمنهج خرافي هابط يعزز مفهوم هذه العبادة الخرقاء ، وقد رزحت بلاد فارس تحت هذا النّوع من التديُّن الأجوف على يد الدّين المجوسيّ.
وإلى جانب هذه الأنواع من الأديان الوضيعة نشأ خليط من الأديان ، سارت عليه الدّولة البيزنطية التي تمثل المعسكر الغربي للعالم ـ يومذاك ـ حيث خلطت مفاهيم الكنيسة المسيحيّة مع المفاهيم الوثنيّة الماديّة مما كون خليطاً جاهليّاً جديداً في عالم الأديان الترابية.
وعلى ضوء ما رسمته الصدّيقة الزهراء ( عليها السلام ) ـ هنا ـ نستطيع أن نستنبط النقطتين الآتيتين : ـ
1ـ إنّ الأديان والمناهج الفكرية والإجتماعية التي تتمخض عن تفكير الإنسان ، أو التي أضافها الإنسان إلى بعض الشرائع السالفة ، كلّ ذلك يؤلّف جاهلية واحدة ، وإن تعدّدت أشكالها وألوانها ، لأنّ الجاهلية في منطق الزهراء ـ كما يبدو ـ وهو الإبتعاد عن منهج الله الذي بشّر به الرُّسل والأنبياء ـ عليهم السلام ـ وتطبيق سواه على واقع الإنسان الكفريّ والعمليّ ، سواءً أكان ذلك ديناً وثنياً ماديّاً أو خليطاً من مفاهيم سماويّة وأُخرى وضعيّة ، حيث عبّرت الزهراء ( عليها السلام ) عن الواقع ـ بما فيه الدّين اليهودي والمسيحيّ ـ بالظُّلم والغمم والبهم والغواية والعماية ، وهذا يدلُّنا ـ بوضوح ـ على أنّ الدّيانتين السابقتين خاضعتان للأنحراف أيضا ، وإلاّ لماذا وصفتهما الزّهراء ( عليها السلام ) بالعماية والغواية ونحوها من النُّعوت دون استثنائهما ؟
فاليهوديّة والنّصرانيّة كانتا ـ في ذلك العهد ـ قد صفّيت حساباتهما ، وانحرفتا عن السّمة الإلهية الأصيلة.
3ـ حين تعلن الزهراء ( عليها السلام ) أنّ المناهج كلّها قد انحرفت عن منهج الله سبحانه وأُصيبت بداء الغواية والعماية على حدّ تعبيرها يدلُّنا هذا على أنّها إنّما أرادت أن

 


( 145 )


تعلن للجاحدين أنّ أباها لم يأتِ برسالته السّمحاء إلا عن طريق واحد ، هو طريق الوحي المقدّس ـ طريق السّماء والإصطفاء والنبوّة ـ وليس عن طريق بلورةٍ وتفاعل للمفاهيم الدينيّة السّائدة ، وصبّها في قالب جديد ، ذلك لأنّ المفاهيم الدينيّة السّابقة قد انحرفت جميعاً عن منطق الحق والإستقامة ؛ فكيف تقوى إذا مزجت وبلورت على خلق نظام متناسق كرسالة الإسلام المقدّسة وهذا ما يجعل العقول البشريّة تطمئن إلى كون رسالة محمد ( صلى الله عليه وآله ) وتعاليمه وتلقيناته قد تلقّاها من السماء بعيداً عن أوضار الجاهلية وآفاق الأرض وانحرافاتها.
وحين ترسم الزهراء ( عليها السلام ) هذه الحقيقة النّاصعة تنطلق ـ في مقطع آخر من خطبتها الرائعة ـ لتبيان الملابسات التي اتّسمت بها الجاهليّة في الجزيرة العربية ، فهي قد أعطت القاسم المشترك للجاهليّات المتمثّل برفض منهج الله واستبداله بنتاج العقول البشريّة القاصرة ، ثم انطلقت لتبيان السمات الأُخرى التي تختص بها جاهليّة الجزيرة العربية ، فضلاً عن اشتراكها مع غيرها بسمة الخروج عن حكم الله ومنهجه ، فتقول مخاطبة العرب : « ... وكنتم على شفا حفرة من النار ، مذقة الشّارب ونهزة الطّامع وقبسة العجلان ، وموطىء الأقدام ؛ تشربون الطرق ، وتقتاتون القدّ ، أذلةً خاسئين تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم الله بأبي محمد ... ».
وفي هذا المقطع الجديد من خطبة الزهراء ( عليها السلام ) تنعكس أمامنا صورة واقعية لظلامات الناس في الجاهليّة التي أطبق ليلها على الجزيرة العربية قبل أن يشع نور الهداية الساطع.
ونستطيع هنا أن نميز النقاط الآتية :
1ـ إبتعاد العرب نهائياً عن ظلال الحق والواقع ، مما جعلهم يقفون على شفير الهاوية ، وذلك نتيجة عدم استظلالهم بنور الهدى الذي جاءهم على يد الرسول الكريم إبراهيم وابنه إسماعيل ( عليهما السلام ) وتحويلهم رسالة السماء وتعاليمها الى عبادة لأوثان صنعوها من الحجارة ، وملأوا بها بيت الله الحرام بحجة أنها تقربهم الى الله زلفى.
2ـ تفرّقهم المرير وعدم قدرتهم على التجمُّع حتى على أساس قومي ، فكانت

 


( 146 )


الحروب الدّامية تدور رحاها بينهم ، ومنها ما يستمرُّ عشرات السنين بين قبائلهم المتناحرة على الماء والكلأ ، مما جعل الإستيلاء عليهم أمراً لا يحتاج إلى بذل كثير من جهد : « مذقة الشّارب ، ونهزة الطّامع ، وقبسة العجلان ، وموطىء الأقدام ».
فهم هدف لكلّ غازٍ ومستعمر وفاتح ، فقد غزاهم الأحباش واستعمروا بعض أراضيهم ، أُسوة بالفرس والرُّومان ، فالذّلة والمسكنة والوهن كانت صفة ملازمة للعرب في جزيرتهم ، لا حول لهم ولا طول في إقامة مجتمع أو إنشاء أُمّة أو دفاع عن حمىً أو وطن من الغزاة.
3ـ حالتهم المعاشية منحطّة لا نظير لها ، نظراً لصحراوية أرضهم ، وقلّة مواردها المائية مما جعلهم يشربون المياه الآسنة التي لا تصلح أن تكون صالحة لشرب البهائم فضلاً عن الإنسان ، سيّما وهي من مياه الأمطار التي تجتمع في بُقع واطئة من الصّحراء ، مكوّنة واحاتٍ وقتية يسرع إليها الناس لسدّ حاجاتهم وحاجات مواشيهم ، وقد تتعرض دوماً لخوض الإبل وبرازها وبولها وهذا ما وصفته الزّهراء ( بالطرق ).
ثم تعرّج ـ عليها السلام ـ لتتحدث عن غذاء القوم في جاهليّتهم ، فتصفه وصفاً دقيقاً بقولها : « وتقتاتون القدّ » إذ كان العرب يقتاتون جلد المعزى لسوء حالتهم المعاشية.
وحين تنزل أُمّة إلى المستوى الذي يجعلها تتناول جلد الماعز غداءً تسدُّ به رمقها ، فإنّها قد بلغت ـ على هذا الاساس ـ مستوىً اقتصاديا لا مثيل له في قاموس الإنحطاط.
والزهراء ( عليها السلام ) حين تصوّر لنا حياة العرب ، فإنّما تصوّرها بصفة جماعيّة لا اجتماعيّة ، لأنّ المجتمع العربي الجاهليّ لا يخلو من فئة يعدُّ أفرادها بالاصابع قد بلغت مستوىً من الثّراء ، وهؤلاء يمكن العثور عليهم ـ فقط ـ في مكّة المكرّمة ، أما سائر أقاليم الجزيرة العربية فلا تخرج ـ على الإطلاق ـ عن الإطار الذي رسمته الزهراء آنفاً ، فالحياة بصفة عامّة حياة طرقِ وقدًّ ، وهكذا كان حديث الزهراء ( عليها السلام ) حديثاً اجتماعيّاً بحتاً يصف الانسان العربي وظروفه في ظلال الجاهليّة الهوجاء ، وقبل حدوث العمليّة التحريريّة الكبرى التي حقّقتها رسالة الإسلام.
وحين ترسم الزهراء هذه الحقيقة التأريخية الناصعة أمام مخاطبيها والأجيال الإسلامية ، تنطلق بعد ذلك لرسم معالم الشريعة الإسلامية بكل دقة وإيجاز :

 


( 147 )


3ـ فلسفة الإسلام في منطق الزهراء


« ... فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشّرك ، والصّلاة تنزيهاً لكم عن الكبر ، والزكاة تزكية للنّفس ونماء في الرّزق ، والصيام تثبيتاً للإخلاص ، والحج تشييداً للدّين ، والعدلَ تنسيقاً للقلوب ، وطاعتنا نظاماً للملّة ، وإمامتنا أماناً من الفرقة ، والجهاد عزّاً للإسلام وذلاً لأهل الكفر والنّفاق ، والصّبر معونةً على استيجاب الأجر ، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر مصلحةً للعامة ، وبرّ الوالدين وقايةً من السُّخط ، وصِلَة الأرحام منسأةً في العمر ومنماةً في العدد ، والقصاص ، حقناً للدّماء ، والوفاء بالنّذر تعريضاً للمغفرة ، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخسة ، والنّهي عن الخمر تنزيهاً عن الرجس ، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة ، وترك السّرقة إيجاباً للعفّة ، وحرّم الله الشّرك إخلاصاً له بالربوبيّة : « فاتّقُوا الله حقّ تقاته ، ولا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون ، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عَنهُ ، فإنّما يخشى الله من عباده العلماءُ ...»
في هذا المقطع الوضّاء من الخطبة ترسم الزهراء ( عليها السلام ) الحقيقة الكبرى التي امتاز بها الإسلام عن سواه من الشرائع : في كونه عقيدةً ونظاماً ومنهجاً فهرس الحياة الإنسانيّة برُمّتها ، وبرمج متطلّبات النّوع الإنساني بهيكل تشريعي ضخم ، طرق باب كلّ مشكلة من مشاكل الحياة الإنسانية ، وتوفّر على حلّها بما يتناسب والمصلحة وبما يتماشي والحكمة.

 


( 148 )


وهذه الحقيقة الكبرى التي امتاز بها منهج الله تعالى قد أغفلها الكثيرون من أبناء الأُمّة الإسلامية ، تأثراً بالحضارة الغربيّة الغازية التي فصلت الدّين عن الحياة. وعلى هذا الأساس ردّد أبناؤنا صدى أفكار أعدائهم فراحوا يسمُّون دينهم بدين الكنائس والمساجد ، فليس بمقدوره بل وليس من اختصاصه أن ينشىء أُمّةً ، أو يخلق مجتمعاً لأنّ وظيفته ـ بزعمهم ـ محصورة في إطار المساجد والطُّقوس العبادية.
ونحن بدورنا حين نستقرىء جانباً من خطبة الزّهراء ( عليها السلام ) يتّضح لنا أنّها حين تحدّثت عن فلسفة الإسلام وإطاره العام لم تكن لتستهدف اقناع مخاطبيها أنّ في الإسلام نظاماً يهذّب الفرد ، وينظّم الجماعة ، ويقيم الدّولة ، وإنّما كان ذلك أمراً بديهيّاً في حديثها ، بل من الأُمور التي لا يرتاب فيها مسلم ، مهما انخفضت درجة إيمانه بالإسلام يومذاك ، ولذا فإنّ الزّهراء ( عليها السلام ) استعرضت معالم الإسلام وتعليماته كوسيلة لتبيان حقيقة أُخرى ترتبط بالحقيقة الأُولى ، إذ كان همُّها أن تبيّن الأهداف السّامية التي من أجلها كان التّشريع الإسلامي بهذا الشكل لا بسواه ، بل إنّها أرادت أن ترسم العلل التي من أجلها حدّدت معالم الرّسالة الإسلامية بهذه الصيغة المعلومة لا بسواها.
ولا بدّ لنا أن نلّم إلمامةً سريعة بالمفاهيم الإسلامية التي طفحت بها هذه التحفة التي منحتها الزّهراء لأجيالنا الإسلامية المتعاقبة وبمقدورنا أن نستنبط النقاط التالية على ضوئها :
 

1ـ الجانب العقيدي :
يعتبر جانب العقيدة في كلّ رسالة أو مذهب اجتماعي الحجر الأساس الذي تبتني عليه معالم الرسالة وتحدّد على ضوئها أُطرها ومقوّماتها...
وانطلاقاً من هذه الحقيقة الثابتة ، إنطلق الإسلام في تثبيت جانب العقيدة في نفوس الجماعة من أتباعه ، وأنفق وقتاً وجُهداً كبيراً خدمة لهذا الجانب في موكب دعوته الهادر. ولهذا توفرّ القرآن الكريم ـ وهو دستور المنهج الإلهي ـ على دراسة واسعة جدّاً للعقيدة ، أوقف خلالها زهاء ثلاثة أرباعه ، خدمةً لها وتثبيتاً لمعالمها. وقد نبض بهذا العامل القرآن المكّي ـ خصوصاً ـ إذ كان الإيمانُ بالله

 


( 149 )


ورسوله واليوم الآخر هي الأوتار الحسّاسة التي أهتمّ في الضّرب عليها. وبعد تثبيت هذه القواعد الرّصينة انطلق الوحي المقدّس لرسم معالم التّشريع الإجتماعي والإقتصادي والعسكري وغيره ، لكي تكون هذه الجوانب قد امتلكت قاعدتها الصُّلبة التي تستند عليها في تحقيق أهدافها في حياة النّوع الإنساني.
وإبرازاً لهذه الحقيقة ـ دشّنت الزهراء ( عليها السلام ) حديثها عن الإسلام مبتدئة بالإيمان : « فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشّرك ... »
فهي تؤكد لنا أنّ الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر ـ الذي أوجب الله الإلتزام به كعقيدةٍ رصينة للمسلم يمثّل المناعة الطبيعية التي يمتلكها المسلم لدرء وباء الشّرك الذي يزلزل العقيدة القويمة ويهدّد كيانها بالإنهيار ، فيصاب العقل والفكر والرّوح بعاهة يفقدها التوازن ، لأنّ الشرك والإيمان لا يمكن أن يجتمعا في كيان إنسان واحدٍ أبداً ، لأنّهما مفهومان لكلًّ منهما معالمه التي تسيطر على العقل والروُّح ، فإذا دخل الشّرك عقلية المسلم فإنّ ذلك يعني أن قوى الإيمان قد انسحبت من المنطقة التي احتلّتها قوى الشّرك في ذهنه ، ولذا كان الإيمان الرّصين إبادةً لجراثيم الشّرك بالله سبحانه في عقلية المسلم.
والمشرك ـ على هذا الأساس ـ من يستهدي في حياته الفكرية أو العملية منهجاً غير منهج الله تعالى ، أو من يخلط بين مفاهيم الرسالة الإسلامية وغيرها من نتاج الجاهليّة الهوجاء.
وحين تفتتح الزّهراء ( عليها السلام ) حديثها عن الإسلام بالحديث عن الإيمان وفلسفته وبصفته الركيزة الأُولى التي يقوم عليها المبدأ الإسلامي الحنيف ، تنطلق ـ بعد ذلك ـ لتحديد معالم الإسلام فتختتم حديثها عنها بالتحدُّث عن الإيمان أيضاً : وحرّم الله الشرك ، إخلاصاً له بالربوبية فاتقوا الله حقّ تقاته ، ولا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون ، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه ، فإنّما يخشى الله من عباده العلماء ... ».
فهي تعلن حرمة الشّرك الذي لا تتحقق العبودية المطلقة لله في كيان المرء إذا دخل في نفسه ، ثم تعلن فلسفة تحريمه التي تنسجم ومتطلّبات الإيمان الصّحيح ، وأن تحريمه كان حفظاً لمبدأ العبودية المطلقة لله سبحانه ، وتأكيداً لربويّته في الأرض : في

 


( 150 )


الفكر والعمل والعواطف ، ثم تنطلق لتحذّر من مغبة الشّرك : « فاتقوا الله حقّ تقاته ، ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون ... ».
حيث ألزمت الامة والأجيال القادمة بالسّير على منهج الله بعيداً عن المتاهات والزّيغ ، ولا يتُّم ذلك الا بالسّير وفقاً لمفهومي الحلال والحرام الاسلاميين ، لأنهما ـ وحدهما ـ اللّذان يمثلان المقياس الثابت الّذي يزن المرء بهما سلوكه وتصرفاته وكافة ألوان نشاطه في حياته.
وهذان المفهومان قد عبّرت عنهما الزّهراء بأمر الله ونهية ـ كما دلّ عليه قولها ـ : « وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه فإنما يخشى الله من عباده العلماء ... ».

 

2 ـ الإطار المذهبيّ :
وبعد هذا التحليل الدّقيق لمفهوم الإيمان ومقوّماته ، تنطلق الزهراء ( عليها السلام ) لتشيد البنيات الفوقيّة لهذا الإيمان الرّصين ، البنيات الفوقية التي تنسجم مع قاعدة الإيمان وتنهل من معينه لكي تخلق الفرد الصّالح والمجتمع السّعيد والإنسان العزيز ، وفقاً لمناهج عمليّة تنسجم مع الفطرة وتوائم الميول النفسيّة والروحيّة والجسديّة. وحين تنطلق الزهراء ( عليها السلام ) لتبيان الهيكل العام للمذهب الإسلامي في المشاكل الفردية والإجتماعية إنّما تنطلق لاستعراضه بصفته حقيقة متفقاً عليها ولذا راحت ترسم هذا التّشريع تأصيلاً لهذه المفاهيم وتثبيتاً لأُطرها ، وهذه الحقيقة تجعلنا نكون أكثر وثوقاً من أنّ الأُمّة الإسلامية في مطلع تاريخها كانت تفهم الإسلام بصفته رسالة كبرى تقوم على فلسفة للكون والحياة ودستور للإجتماع والإقتصاد وطريقة في الحكم والسّياسة ومنهج للعمل والتفكير ومبدأ ثابت تبتني عليه الحياة الإنسانية للفرد والأُسرة والمجتمع والدّولة ، أما الفصام النّكد الذي وجد اليوم في ذهنيّة أكثر أبناء الأُمّة الإسلامية بين الدّين والحياة فإنّما هو بدعة غربية ومؤامرة صليبية ستنجلي ظلمتها بعد حين « ويأبى الله إلا أن يُتم نوره ولو كره الكافرون » (1).
____________
(1) سورة التوبة آية | 22.

 


( 151 )


لأنّ تباشير الوعي لهذه الحقيقة ـ حقيقة هذا الدّين وهذه الرسالة الخاتمة ـ لاحت في الأُفق وراح كثير من شباب أُمتنا الإسلامية يعون الإسلام كمذهب اجتماعي وكيان تشريعي ضخم امتدّ إلى جميع مجالات الحياة ، ولوّنها بصبغة خاصة بعيدة عن الصّفة الترابية التي اصطبغت بها المذاهب الوضعية الجائرة عن الفطرة ، ونحن حين نبحث في حياة الزّهراء ـ بل تراثها الإسلامي العظيم ـ إنما نقدّم بذلك دليلاً عمليّاً لمن يجهل حقيقة الإسلام ليتّضح له بصفته ديناً وتشريعاً عقيدة ومنهجاً ونظاماً.
وها نحن أُولاء نلقي أضواءً كاشفة على مقطع عظيم من خطبة الزّهراء ( عليها السلام ) وهي تستعرض للأُمة وأجيالها القادمة حقيقة الرّسالة الإسلامية :
 

والصّلاة تنزيهاً لكم عن الكبر:

فالصّلاة في منطق الزّهراء ( عليها السلام ) رفع للإنسان من حضيض التكبُّر إلى مستوى التّواضع ، وهي ـ حين تعلن هذه الميزة التي اتّسمت بها الصّلاة ـ فإنّما تجسّد لنا واقع الصّلاة وقيمتها على الصّعيد العبادي والإجتماعي ، فالصّلاة ابتداءً صلة روحية بين الإنسان وخالقه ، تتّخذ طابعاً خاصّاً من الدُّعاء والتجرُّد ، ولوناً متميزاً من السُّلوك ، فحين يقف المرء أمام خالقه الكبير يعلن اعترافه بربوبيّته وحاكميّته المطلقة. وبعد هذا الإعتراف يعلن مطالبه من ربه ، ممثلة بطلب عونه : « إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ».
والإعتراف بالعبودية لله سبحانه وتعالى ـ يرسم للمسلم الواقعي صورةَ حياة مثاليّة متعددة الجوانب ، مطبوعة بطابع الخضوع المطلق للعزيز الحكيم ، فهي ليست اعترافاً بالله كخالق للكون والحياة ـ فحسب ـ وإنّما هي عمليّة يعلن الإنسان فيها أنّ الوجود كلّه لله سبحانه. وأنّ الحاكميّة المطلقة في خلقه له وحده ، فلا مشرّع لهذا الإنسان غير الله سبحانه ، فهو وحده الذي يعلم ما يصلحه وما يفسده وما يرفعه وما يضعه.
وبعد هذا الإعتراف بالله سبحانه وصفاته المقدّسة ، يقف المرء أمام ربِّه ، وبهذا اليقين المطلق ليسأله العونَ والهداية ، وهذه العملية تتكرر خمس مرات في كلّ يوم لتكون مصدراً لتربية النّفس والوجدان على الخضوع لله سبحانه ، الخضوع

 


( 152 )


المستمر ، ولتطبع حياة الإنسان كلّها بطابع هذا الخضوع . ومن ثم فإنّ تكرار هذه العملية يشكّل مناخاً صالحاً لصقل نفسيّة المسلم ومشاعره صقلاً ينسجم وأوامر الله ونواهيه لينطلق المسلم بعدها ، وهو أكثر قدرة على تطبيق منهج السّماء وحمله والتبشير به.
وقد رسم القرآن الكريم هذه الحقيقة حين أعلن : « إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ».
وهنا تتجلّى الحقيقة التي تجعل من الصّلاة مفتاحاً لخلق لون خاص من السُّلوك بعيد عن المتاهات والإنحرافات والطّيش والضياع كما تخلق مناعةً طبيعية لمواجهة جراثيم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
وبعد اتّضاح قيمة الصّلاة الكبرى في خلق الشخصيّة الإسلامية ، نقف على الحقيقة الكبرى التي رسمتها الزهراء ( عليه السلام ) أمام الأجيال الإسلامية المتعاقبة حيث جعلت الصّلاة الفريضة الأُولى التي تعقب الإيمان بالله سبحانه في برمجتها لمعالم الرّسالة الإسلامية العظيمة.
وينكش لنا السُّر ـ بعد ذلك ـ الذي جعل الزهراء ( عليها السلام ) تعتبر الصّلاة عمليّة تهذيب من الكبر والخيلاء ، ولأنّ المرء يشعر في قرارة نفسه أنّه وكلّ موجود في هذا الكون البديع يقفون على صعيد العبوديّة المطلقة لله ـ وحده ـ .
والإنسان ـ في الوقت الذي يستشعر العبودية لله وحده في نفسه ـ يحسُّ بالتّحرُّر المطلق من كلّ عبوديّة لغير الله تعالى ، فالإنسان وسائر أبناء جنسه يعيشون في إطار يحمل منتهى العبوديّة لله الكبير المتعال ، وفي الوقت ذاته يعيشون على صعيد واحد من الكرامة والسؤدد ، فلا بدّ ـ إذن ـ أن تلغى كلُّ معالم الخيلاء والتكبُّر من المجتمع الذي يعيش في إطار الرسالة الإسلامية الكريمة ، وعمليّة الإلغاء لصفة التكبُّر في نفسيات الأفراد بعضهم على البعض الآخر ، لا تتمّ إلا عن طريق الشعور بالخضوع لله وحده ، وهذا الخضوع يتجسّد سلوكاً ثابتاً في نطاق الصّلاة التي رسم الإسلام حدودها ، وبيّن معالمها وإطارها ، ولهذا السّر ـ عينه ـ تنطلق الزّهراء ( عليها السلام ) لتؤكّد للأُمّة بامتدادها التأريخي : أنّ الصّلاة تنزّه الفرد والمجتمع من أدواء الخيلاء والغرور والاحتيال ، انطلاقاً مما تبثُّه الصّلاة من إشعاعات روحيّة واجتماعية في نفسيّة الإنسان المسلم ومجتمعه.

 


( 153 )


 

والزكاة تزكية للنّفس ونماء في الرّزق:

وحين تستقي الزهراء ( عليها السلام ) معالم التّشريع من منبعه الأصيل ـ كتاب الله العزيز ـ كذاك تستقي الصُّورة التي سطر بها القرآن الكريم معالم التشريع ، فقد اعتاد القرآن ـ مثلاً ـ أن يذكر مفهوم الزكاة بعد ذكره لمفهوم الصّلاة ، وهذه الصّيغة تتعدّد في كثير من آيات التشريع المبارك ، ولهذا السّر عينه راحت الزّهراء تجلّي فلسفة الزّكاة ، بعد ان ذكرت فلسفة الصّلاة ، وانطلاقاً من التلقين القرآني لمثل هذه التعليمات الإلهية الجليلة ، وإذا اتضّح لنا هذا فإنّما يتجسّد أمامنا المدى البعيد الذي أثّره القرآن الكريم بنفسيّة الصّدّيقة الزّهراء ( عليها السلام ) فهي تمثّل شخصيّة إسلاميّة رسم القرآن الكريم كلّ معالمها حتى في مثل هذه الأمور.
كما أنّ هذه الحقيقة تعكس لنا صورةً حيّة عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ومدى تطبيقهم لمعارف التّشريع الإلهي على سلوكهم في اصوله ودقائقه ومعالمه وتفصيلاته ، والزهراء (عليها السلام ) بعد ذلك تعلن فلسفة الزّكاة ، فتقول عنها : إنّها تزكية للنّفس الإنسانية ، ولكنّها لم تحدّد بعد ذلك مفهوم التزكية هذا ومداه ومنطلقه وحدوده ، فما الغاية التي استهدفتها الزّهراء ( عليها السلام ) من ذكر مفهوم التزكية هنا ؟
خلق الله الإنسان وخلق معه غرائز وطاقاتٍ لا يمكن التغاظي عن إشباعها بأيّ حال من الأحوال وتأتي في طليعة هذه الطّاقات غريزة حبّ التملُّك ، فالإنسان مجبول على تملُّك ما تناله قواه من ثروات ـ أنّى كان نوعها ـ وقد تستبدُّ هذه الغريزة بالإنسان فتجعل من حياته حياةً جافّةً سلبيةً لا تحمل في رحابها أيّ نوع من أنواع الرّحمة والعطف ، فتزدحم الحياة بالصّراع العنيف بين الدُّموع والإبتسامات ، ويحدث التّناقض المرير بين أصحاب الثّراء الفاحش وسواهم من الفقراء والمعدمين.
وهذا ما يجري فعلاً في المجتمعات الرّأسمالية الجائرة ـ اليوم ـ حيث تستبدُّ غريزة التملُّك لدى الأفراد فتتحوّل الحياة إلى شبح من الأنانيّة والإستئثار ، ضحيته الأخلاق والرّحمة والعطف ومحصله الصّراع والإضطراب النفسي والإجتماعي ، واستبداد هذه الغريزة يزداد شدّة وخطراً إذا وجد مقياسٌ ، يجعل

 


( 154 )


من الحياة مجرّد لذّة مادية ومنفعة بهيمية خالصة محدودة بإطار الحياة الموقوتة ، وهذا ما ينطبق ـ فعلاً ـ على الحياة الّتي جسّدتها الحضارة الغربية الهوجاء .
ويتطرّف لون جديد من الحضارة تحت مطارق العسف والإستئثار ، فيعلن : أنّ علّة هذا الفساد الإجتماعي ، إنّما هو غريزة حب التملُّك ، ولذا وجب أن تمحى هذه الغريزة من برامج الحياة الإنسانية ـ مهما غلا الثمن وعظمت التضحيات ـ ولذا وضعت برامج الكبت والقتل الجماعي ، ومصادرة الحريات ، تحرّياً عن هذه الغريزة الفطرية.
ولكنّ هذا المذهب الإجتماعي المتمثل بالنّظام الاشتراكي قد تعرّض للتحوير والتّبديل ـ غير مرّة ـ بحجة التدرُّج في التغيير الإجتماعي ، ولكنّ الحقيقة : أنّ الفطرة هي التي حتّمت هذا التبديل المتكرّر ، بل إنّ غريزة التملُّك هي التي وقفت سدّاً منيعاً في مواجهة المشاريع التي أُريد منها أن تلغي هذه الغريزة من قاموس الحياة الإنسانية.
ووقوع النّظام الإشتراكي في هذا الخطأ كان نتيجةً للتّصور الخاطىء الذي تُصوّر إزاء قضية التملُّك ، فاعتقد ـ خاطئاً ـ أنّ أساس المحنة إنّما كان بسبب وجود غريزة التملُّك التي جسّدتها الحضارة الرأسمالية التي امتدت سيطرتها على الإنسانية ـ زمناً غير قصير ـ.
وهذا التّصُّور خاطىء لا طائل تحته ، لأنّ المشكلة إنّما نشأت بسبب المفهوم المادّي للحياة الذي تبنّته الرأسمالية ، فجعلت من الفرد كائناً همُّه أن يجمع المال ، ويكرّس طاقته لتكديس الثّروات بصفتها منشأ للسّعادة واللذة والمنفعة ـ بزعمها ـ(1).
وحين تخطىء الإشتراكية هذه الحقيقة ، تبحث عن سببٍ آخر ، فتعتقد أنّ المشكلة منشؤها غريزة التملُّك ـ لا غير ـ ولذا وجب محوها ـ أنّى كان الثمن ـ.
ويأتي دور الإسلام بصفته مذهباً اجتماعياً يتناول نشاطات الأفراد وميولهم بصورة شاملة ، فلا بدّ له من رأي مذهبيًّ صميم إزاء هذه المشكلة ، ولا بدّ له ـ بعد ذلك ـ أن يعطي الدّواء النّاجع والحلّ الحاسم للواقعة التي يواجهها ، سيّما
____________
(1) المدرسة الإسلامية ج1 محمد باقر الصدر.
 


( 155 )


وهو منهج الله ، خالق هذا الإنسان ومدبّر أُموره والمطّلع على ما تنطوي عليه خلجات نفسه.
ليعلن : أنّ منشأ هذه المشكلة إنّما هو المقياس المادّي الذي دانت به الحضارة الغربية وليست المشكلة كامنة في غريزة التملك عينها لأنّ غريزة التملُّك أصيلة في كيان الإنسان ، لا يمكن محوها إلاّ إذا بُدّل هذا الإنسان إلى غير هذا الإنسان.
ولما كانت المشكلة تحمل هذا اللون من الثُّبوت والإستقرار ، فلا بدّ أن يبحث الإنسان عن تطوير جديد للمفاهيم عن الحياة ، ليخفّف من وطأة هذه الغريزة ، فينشأ للإنسان مفهومٌ جديدٌ للسّعادة واللذة والمنفعة.
وفعلاً ، حقّق الإسلام هذه المعجزة بإعلانه مفهوماً جديداً للسّعادة ، ومفهوماً جديداً عن الحياة ، ومفهوماً جديداً عن اللذة والنفعة.
وحين يعلن الإسلام هذه المفاهيم ، فإنّما يعلن : أنّ المشكلة لا تحلُّ إلاّ عن طريق واحد : هو طريق الإعتراف بغريزة التملُّك ـ كحقيقة فطرية ـ والعمل على توجيه هذه الغريزة عن طريق تربية روحيّة ونفسيّة على أُسس منهجيّة رصينة ، يُصمّمُها خالق الفطرة لأنّه أعلم بصلاحها من سواه.
وكانت إحدى المقوّمات التي رسمها الإسلام الحنيف لتوجيه غريزة التملُّك توجيهاً تربوياً ينتفع منه الفرد والمجتمع بعيداً عن عنفوان الأنانيّة والإستئثار ، كانت إحدى هذه المقوّمات المتينة : فرض ضريبة الزّكاة على الاغنياء الذين يتمتّعون بحق المواطنة الاسلامية في نطاق الدّولة الإسلامية ، وهذه الزكاة تمثل ضريبة سنوية لا يمكن الهروب عن دفعها إطلاقاً ما داموا يعيشون في مستوىً لائق من العيش.
ومن الحكمة البالغة : أنّ الإسلام حين يفرض هذه الضريبة لم يجعلها مجرد ضريبة يلزم الاغنياء الإتيان بها ـ فحسب ـ . وإنّما أضفى عليها طابعاً روحيّاً حين أعلن كونها عبادةً من العبادات الأُخرى كالصّلاة والصّيام ، والإنسان مسؤول عن دفعها أمام ربّه الذي « يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصُّدور ». ومن ثم ينطلق الإسلام ليعطي هذه الفريضة صفة قانونية صارمة يعاقب عليها القانون الإسلامي في الدُّنيا عقاباً صارماً ، وحين يلزم الإسلام أتباعه بأداء فريضة الزّكاة إنّما يستهدف توجيه غريزة التملُّك توجيهاً يجني الفرد والمجتمع ثماره بحيث تكون

 


( 156 )


الثورات ملكاً لجميع أبناء الأُمّة لا يستبدُّ بها فردٌ من النّاس ـ أو فئة ـ على حساب الآخرين.
وتعطينا هذه الصُّورة الوضّاءة من منهج الله سبحانه تلقيناً تجعلنا نؤكّد أنّ الفرد والمجتمع في المنهج الإسلامي لا حدود بينهما ، وإنّما تتشابك مصالحهما ، فيعمل الفرد من أجل المجموع ، ويعمل المجموع من أجل الفرد ، وفقاً لنظام رصين بعيد عن الإصطدام والإعتساف ، ولا تتحقّق هذه الفضيلة ـ بل هذه المعجزة إلا بتزكية النفوس من عنفوان الأنانيّة والأثرة التي فرضت الزّكاة لتحقيقها في كيان الإنسانية.
وهذا السّرُّ ذاته هو الذي دعا الزهراء بنت محمد ( صلى الله عليه وآله ) لتعلن كون الزكاة تزكيةً للنّفس ، فإنّها ـ لعمر الحق ـ تزكية للنُّفوس البشرية من أنانيّتها واستئثارها ودوافعها الفرديّة الجافّة ، وتحويلها إلى طاقات إنسانيّة هادفة تخدم المجموعة الإنسانية.
وثمت حقيقة أُخرى نلمسها من كشف الزّهراء ( عليها السلام ) لفلسفة الزّكاة ، تلك الحقيقة ، تتمثّل في أنّ النُّفوس البشريّة سيختفي ما تنطوي عليه من بغضاء وأحقاد ، سيّما نفوس المحرومين ، فهم حين يرون اصحاب الثروة يدفعون لهم نصيبهم منها متمثّلاً بضريبة الزّكاة ، فستكون نظرتهم لهؤلاء نظرة حبًّ واكبار ، يتحوّل التناقض والعداء بعدها إلى إخاءٍ وإخلاص ومحبّة.
وحين تكشف الزهراء ( عليها السلام ) الوجه الأول من فلسفة الزّهراء تكشف ـ بعد ذلك ـ الوجه الثاني لها ، فتقول : « ونماءً في الرّزق » فليست الغاية من الزكاة تزكيةً للنفوس من الأنانيّة والبغضاء ـ فحسب ـ وإنّما لها غاية تتعلّق بمحيط الإنسان ـ نفسه ـ فينمو رزقه وتزداد ثروته وتكثر خيراته.
وحين تعلن الزهراء ( عليها السلام ) هذه الحقيقة لم تقلها عفواً أو شططاً ، وإنّما تلتمس هذه الحقيقة من كتاب الله سبحانه حين يعلنها بقوله : « ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السّماء والأرض »(1).
____________
(1) سورة الأعراف ، آية | 96.
 


( 157 )


والزكاة عبادة يعد منكرها في عداد الكافرين ، ومن يمنع قيراطاً منها ، فليمت إن شاء يهودياً أم نصرانياً ـ كما ورد في السُّنة الشّريفة ـ.
وحين تملك الزكاة هذا المقام الرفيع بين معالم التّشريع الإسلامي ، فلا بد إذاً أن تكون في طليعة شروط الإيمان والتّقوى ، ولما كانت البركات منوطة بالإيمان ، فقد انكشف لنا السرُّ الذي أعلنته الزّهراء ( عليها السلام ) من أنّ الزكاة نماءٌ في الرّزق ، ذلك لأنّها عنوان الإيمان والخضوع الحقيقي لله سبحانه ، فلا بدّ أن يكافىء الله عباده بالتفضُّل عليهم من رزقه بعد استجابتهم لندائه المقدّس.

 

والصّيام تثبيتاً للإخلاص:

وبعد هذا البيان الذي تصوّر الزهراء ( عليها السلام ) فيه فلسفة الزّكاة ، تكشف لنا فلسفة الصّيام الذي يعتبر لبنةً في البناء التشريعيّ الإسلامي الضّخم فتقول : « والصّيامَ تثبيتاً للإخلاص ».
فترسم أمامَ الأجيال الإسلامية الرّائدة هذه الحقيقة الناصعة التي أراد لها الله سبحانه أن تتحقّق بفضل فريضة الصّيام ـ صيام شهر رمضان المبارك.
والصّوم الذي فرض الإسلام طبيعته وحدّد إطاره : هو إقلاع عن المتطلّبات الجسمية : من أكل وشرب وجماع ، وفيه تتحقّق عمليّة قهر أعنف الغرائز في كيان الإنسان ، فتقهر غريزة المعدة التي تتطلّب الإشباع الدّائم ، والغريزة الجنسيّة التي تتطلّب سدّ حاجتها بإلحاح متواصل . ولا يقف الأمر عند هذا الحد ، وإنّما يتعدّاه إلى صوم الجوارح ، فللعين صومٌ عن رؤية المحرمّات ، وللأُذن صومٌ عن سماع المحظورات ، وللّسان صوم عن قول المنكرات ، ولليد والرّجل كذلك صومٌ عن الإعتداء أو السّرقة أو السّير في درب لا يقرُّه حكم الله تعالى.
وهذه الأُمور الأخيرة وإن لم تكن مباحةً في غير شهر رمضان ، إلا أنّ شهر الصّوم قد أُعطي تمييزاً عن غيره من سائر الأيام ، فربّما قد تحدث هذه الأمور لدى البعض من النّاس ، ولكنّها لا تضرُّ بصلاة أو زكاة أو نحوها ، إلا الصّيام فإنّ وجود مثل هذه المنكرات يخرج الإنسان عن كونه صائماً.
وثّمة نقطة أُخرى تلوح لنا كشعاع ينبثق من فريضة الصّيام ، هي : أنّ المسلم الذي استطاع أن يكبت أشدّ غرائزه إلحاحاً وأعظمها خطراً فانتصر عليها هازئاً

 


( 158 )


بالمادّة وأوضارها ، إنّ إنساناً هذا شأنه سيملك من الطّاقات ما يجعله أقدر على مواجهة طواغيت الارض وقلع معالمهم في حياته وواقعه ، بل إنّ إنساناً قهر نفسه ومتطلّبات جسده ، هو أقدر على أن ينتصر لمبدئه الذي استجاب هو لندائه فمنع نفسه عن لذاذاتها ومشتهياتها ليدكّ صروح أعدائه ، وإن ادلهم الخطب وازدحم الدّرب بالمخاطر.
يمتنع المرء عن الطّعام والشّراب ، وهو قادر على تناولها بعيداً عن أعين الناس في خلواته في وحدته ، ولكنّه يقهر نفسه ولذاذاته لأنّه يستشعر بتقوى الله فاطر الأرض والسّماء ، وحينئذ يبرهن على فاعليّة إيمانه وعلى مدى إخلاصه لله سبحانه.
أجل إنّ في الصوم تتحقق أبعاد الإخلاص لله سبحانه فتتجسّد واقعاً ملموساً لأنّ الصوم لا يتطرّق إليه الرّياء(1) لأنّه ترك لأعز شيء في الحياة هو الطعام هو اللذة المطلقة هو متطلّبات الجسم.
والصوم ـ بعد ذلك ـ دورة تربوية يتلقّى الإنسان فيها مختلف الدُّروس الجديدة ، فتخلق لديه عاداتٍ جديدة حتّى المعدة نفسها تعتاد على التّقسيم الجديد في وجبات الطّعام ، فكيف بالسلوك ؟
إنّ إنساناً اعتاد ترك الكذب والغيبة والنّميمة ، والنّظر المحرّم والسخرية لمدة شهر واحد ، أصبح يملك من القدرة على الإستمرارية في هذا السلوك الإسلامي زمناً . وهو شهرٌ في كلّ سنة ليس بالأمر الهيّن ، إنّه يؤلّف نسبة مئوية جدُّ كبيرة من العمر يعيشها الإنسان في كنف الإستقامة وفي رحاب مدرسة إسلامية تصهر السُّلوك المعوج وتبيد جراثيمه. والصوم حين يمتلك هذه المزايا التي تنعكس إلى شدّ العبد بربه شداً وثيقاً ، هو الذي أملى على الزّهراء ( عليها السلام ) ـ وهي خرّيجة مدرسة الوحي ـ أن تعلن عن كون الصّيام تثبيتاً للإخلاص ، فهو تثبيت لإخلاص الإنسان لربّه بعد استجابته لندائه ، وتركه لكلّ لذاذاته تقرُّباً له وانقياداً لتلقيناته المباركة ، وعلى هذا التقدير يصبح الصوم اختباراً لدى استجابة المرء لأوامر ربه الكبير المتعال ، وحين يستجيب المرء لذلك فقد حاز التثبيت لإخلاصه ، وربح بعد ذلك مرضاته تعالى.
____________
(1) المجالس السنية ج 5 ـ محسن العاملي.

 

والحجُّ تشييداً للدّين:

وبهذه العبارة القصيرة تكشف الزّهراء عن فلسفة الحج وأهدافه السامية ، فهو تشييد للرسالة وإقامة لصروحها الشامخة. ولا بدّ أن تحمل هذه العبارة الجليلة سرّاً كامناً خلفها ، إذ لماذا تعلن الصّدّيقة ( عليها السلام ) كون الحج تشييداً للدّين دون غيره من الفرائض ، بل لماذا أعطت الزهراء هذه الفريضة هذا المقام الرفيع دون غيرها من الفرائض الإسلاميّة ؟ فالحجُّ في حقيقته مؤتمر إسلامي كبير يضم ممثلين عن مختلف الشعوب الإسلامية على سطح هذا الكوكب الأرضي.
والإنسان المسلم الذي يحضر هذا المؤتمر الإسلامي السنوي المعقود عند أشرف بقعة في الأرض « الكعبة المشرّفة » يبذل المال ويبذل الوقت الوجهد ولكنّه سيعيش واقعاً إسلامياً ويحيا مناخاً إسلامياً يشعُّ بالوحدة وتسوده المساواة المطلقة والتقارب الروحي والتعارف والإخاء.
وحين يعيش الحجيج هذه الإشعاعات التي تنبثق من فريضة الحج فإنّما يعيشون الإسلام حقيقة واقعة بصورة مصغرة مرّة في كلّ عام ، فهم يعيشون الوحدة التي حمل الإسلام لواءها بكلّ أبعادها حيث يجتمعون في بقعة واحدة ويرددون نداءً واحداً ، ويحملون هدفاً واحداً ، هو رضوان الله تعالى ، وتسودهم المساواة بكلّ أبعادها أيضاً ، فتلغي الفوارق كما أراد لها الإسلام في واقع الحياة حيث يتحقق هذا الشّعار بالزيّ الواحد الذي يرتديه الأبيض والأسود ، العربيّ والأعجميّ ، الرجل والمرأة ، الكبير والصغير ، الغنيُّ والفقير ، الرئيس والمرؤوس ؛ فاللباس موحّد ، والهتاف موحّد ، والعمل واحد ، والفعّاليّات واحدة ؛ وهذه المراسيم تمثل المساواة التي رسم الإسلام حدودها بأعلى صورها وأنصع ألوانها ، ثم تتحقّق الاخوّة بأجلى مظاهرها ، فلا اغتياب ولا سباب ، بل ولا جدال ، وعلى هذا الأساس يتحقّق مفهوم الأُخوة ويتجسّد حقيقة ملموسة لا حديثاً او لفضاً مطلقاً.
وإلى جانب هذه الصُّورة المصغّرة للمجتمع الذي يعمل الإسلام على إرساء قواعده وتشييد معالمه ، ينشأ التّفاهم والتّعارف بين ممثّلي الشعوب الإسلامية ،

 


( 160 )


فيلتقي الفارسيُّ بالهنديّ والعربيّ بالتركيّ وغيرهم لكي يتعرّفوا على مشاكلهم ، فيهتدوا لعلاجها ، ويبحثوا في وسائل عزّتهم ، ويزيلوا ما يعيق نهضتهم من أشواك ، فيستفيد كلُّ شعب من أشقّائه ليسير العمل متناسقاً لبلوغ الغاية التي أرادها الله لهذه الأُمّة لتكون كما أراد الله لها « خير أُمّةٍ أُخرجت للنّاس » وحين تنكشف لنا الفوائد الجليلة التي شرع الحجّ من أجلها من تحقيق لواقع إسلامي مصغّر أو فهم للمشاكل المشتركة وغير المشتركة لدى الشعوب الإسلامية.
حين ينكشف لنا هذا المغزى الرّصين من تشريع الحجّ نكون قد فهمنا الدّافع الذي حمل الزهراء ( عليها السلام ) لتعدّ الحجّ تشييداً للدّين.
فهو ـ لعمر الحق ـ تشييد للدّين إذا جنى المسلمون ثماره التي شرعه الله سبحانه من أجلها. ولعلّنا وفقنا لعرضها قبل قليل.

 


( 161 )


 

والعدل تنسيقاً للقلوب:

ثم تنطلق الزهراء ( عليها السلام ) لتبيان الغاية التي شُرّع العدل من أجلها ، لماذا العدل في القضاء بين المتخاصمين ، ولماذا العدل بين الأجناس ، ولماذا العدل في الحكم ، ولماذا العدل بين الغنّي والفقير؟؟
تجيب الصّدّيقة الزّهراء ( عليها السلام ) فتقول : شُرّع ذلك لتنسيق القلوب . وجمع شتاتها وتأكيد إخائها وتحقيق صفائها وتوادّها وائتلافها ، ولكن إلى أيّ مدىً سيحقّق هذا العدل الذي جعله الإسلام ركناً من أركان بنائه التّشريعيّ الضّخم ـ التنسيق والصفاء ، في قلوب أبناء النّوع الإنساني ـ؟؟
جلجل نداء الإسلام في الآفاق معلناً إلغاء الفروق ، وإلغاء الطّبقات ، وإلغاء كلّ أنواع التّمايز بين أبناء الجنس البشريّ. ولأجل تحقيق هذه الشّعارات أعلن أحكاماً سياسيّة واحدة ، وأحكاماً جنائيّة واحدة واجتماعية واحدة يخضع لها كلُّ إنسان دون تمييز على أساس الطّبقة أو الجاه أو المال أو اللون أو الجنس أو القبيلة ، فإذا سَرَقَ أعلى الناس جاهاً أو أكثرهم مالاً أو أعزّهم قبيلةً ، فإنّ حكم قطع اليد ينطبق عليه كما ينطبق على أقلّ الناس حظاً من المال أو الجاه ، كما يقف إمامُ الأُمّة وقائدها للترافع أمام القضاء الإسلاميّ إلى جانب أمةٍ حبشيّة.
وقد تجلّى ذلك على لسان خاتم الرُّسل محمد ( صلى الله عليه وآله ) حيث يقول ـ موضّحاً حدود العدالة الإسلامية ـ : « لو سرقت فاطمةُ بنت محمد لقطعتُ يدها ».
وعلى ضوء هذا المفهوم الرّصين للعدل الإسلامي تحقّق أروع إخاء في تاريخ البشريّة بين شتّى الأجناس ومختلف الطّبقات ، حيث كان المجتمع الإسلامي يحتضن البدويّ الفقير إلى جانب المكيّ المتموّل ، ويحتضن الفارسيّ إلى جانب العربيّ ، ويحتضن الروميّ كما يحتضن الحبشيّ.
وحين تتحقّق العدالة بين المجموعة البشريّة ـ على هذا الأساس ـ تدرأ الأخطار التي تتصدّع المجتمعات بوقوعها ، وتختفي كلُّ اشباح الفرقة والعصيان والتصدُّع الإجتماعي والثّورات والتّكتُّلات الجانبية.
وما الثّورات العسكريّة والرّجات السياسيّة والإضطرابات الإجتماعيّة التي

 


( 162 )


ترزح المجتمعات تحت وطأتها اليوم ـ إلا حصيلةً لفقدان عنصر العدالة في الحضارات التي تنظم حياة الأفراد والمجتمعات ـ اليوم ـ.
وحين يملك عنصر العدل هذه الفاعليّة في خلق المجتمع المتراصّ المتوادد ، فقد انكشفت لنا الغاية التي من أجلها أعلنت الزّهراء ( عليها السلام ) كون العدل تنسيقاً للقلوب.
أجل ، إنّ العدل تنسيقٌ للقلوب ، لأنّه السبيل الأوحد الذي يجد الإنسان فيه كرامته وقيمته إزاء غيره من الناس. وحين يعلم الإنسان أنّ في الواقع قوّةً تتمثّل بعنصر العدل تحفظ له كيانه وحقوقه بين الآخرين ، كان حريّاً بهذا الإنسان أن ينحاز إلى هذا العدل الذي حفظ حقّه وقيمته دون أن يبحث في وسائل العصيان أو التمرُّد أو التكتُّل الجانبيّ ، لأنّ هذه الأمور لا تقوم في واقع الحياة الإنسانية ما لم يختفِ عنصر العدل في الواقع الإنساني مما يضطر الإنسان لنفض غبار الذُل والظُّلم بأساليب تختفي فيها لغة التفاهم والرّحمة ، الأمر الذي يفرّق الجماعات ويوهن الأُمم ويقوّض الدّول.

 


( 163 )


 

وطاعتنا نظاماً للملّة وإمامتنا أماناً من الفرقة:

وهنا تُبرز الزهراء ( عليها السلام ) مفهوماً إسلاميّاً ، ما اختلفت الاُمّة الإسلامية في شيء كاختلافها فيه ، ذلك : هو المفهوم السياسيّ الإسلاميُّ الذي يبتني على أساسه الكيان الدُّولي والإداريّ لهذه الأمّة.
ومع الإيجاز الذي سلكته الزّهراء ( عليها السلام ) في تبيان معالم الرسالة الإسلامية ، إلاّ أنّها قد أبرزت هذا المفهوم بجانبيه : التشريعيّ والتطبيقيّ ، لأنّ المفهوم السياسيّ ـ كما هو معلوم ـ يمتلك السُّلطة التي تموّنه بالتّشريع والأحكام التي تستند الدولة عليها في فعالياتها ، كما أنّ المفهوم السياسيّ أيضاً يمتلك إلى جانب ذلك القوّة الفاعليّة التي تتولّى مهمّة التنفيذ لعنصر التشريع.
وقد عبّرت الزهراء ( عليها السلام ) عن العنصر الأول ـ عنصر التّشريع ـ بالفقرة الأولى من عبارتها : « وطاعتنا نظاماً للملّة ».
حيث أعلنت : أنّ طاعة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ سيحفظ الشّرع المقدس من كلّ اختلاف أو تصدُّع ، وسيسير على نسقٍ واحد ، بعيداً عن الآراء والظنون المرتجلة التي تبعد الشرع عن حقيقته.
وهنا تبرز عظمة الزهراء ( عليها السلام ) حتى في حديثها المسترسل حيث تقول : « وطاعتنا » فهي لم تقل : محبّتنا أو مودّتنا أو حبُّنا ، وإنّما أعطت هذا المفهوم جانبه الثابت غير الخاضع للجدل والتأويل ، إذ أنّها لو استعملت لفظة : الموّدة أو المحبّة ، لأمكن صرف اللفظ هذا إلى غير معناه ، لقيل ـ مثلاً ـ محبة أهل البيت واجبة ولكن لا يعني عدم جواز اتّباع غيرهم والخضوع له سياسياً أو إداريّاً. والزهراء حين تعلن أنّ طاعة أهل البيت على الصّعيد التّشريعيّ أمر فرضه الله سبحانه كما فرض الإيمان والصلاة ـ إنّما تقرّر بذلك حقيقة منطقيّة ثابتة نطق الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) بها وأكدّتها عشرات المواقف بشهادة كبّار الصحابة والتابعين.
وقد اتخذ ذلك الطّابع الإلزامي الصّارم على لسان الرسول القائد يوم أعلن أمام الاُلوف المحتشدة ـ وبعد عودته من حجّة الوداع ـ إمامة عليًّ ( عليه السلام ) بقوله : « من كنتُ مولاه ، فهذا عليٌّ مولاه ... ».

 


( 164 )


ومهما يحاول بعض الكُتّاب والباحثين في صرف لفظ هذا الحديث عن معناهُ الحقيقيّ ، فإنّهم غير قادرين مهما أُوتوا من قوّة استدلاليّة على إبراز مفهوم غير مفهوم الطّاعة والإنقياد أو يزيغون عن الحق.
وآخر ما اجتمعت عليه كلمة هؤلاء الباحثين هو القول بأنّ الحديث أراد مجرّد المحبّة والعطف لا غير. ولكنّنا ـ مع استغرابنا لهذه التآويل ـ نقول : إنّ الله سبحانه وتعالى قد جعل المؤمنين إخوة ، وقد جعلهم نفساً واحدة كقوله تعالى : « إنّما المؤمنون إخوة » « ولا تلمزوا أنفسكم ... ».
فاذا كان الله سبحانه قد قرّر هذا المفهوم التشريعيّ الثابت في خلق الأُمّة المتحابّة المتراصّة ، فما معنى استيقاف الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لتلك الجموع الإسلاميّة الغفيرة في غدير خم ليقول لها : من كنت محبوباً عنده فليحبّ عليّاً(1).
ألم يكن هذا القول عبثاً ما دام القرآن والرّسول قد قرّرا سابقاً مبدأ الأُخوة الذي يؤلّف مفهوماً أوسع من المحبّة ، بل إنّ مبدأ الأُخوة إذا تمكن في النفوس البشريّة ، منحها أعظم تيّار عاطفيًّ من المحبّة والوداد.
وثّمة نقطة أُخرى يجدر أن نشير إليها ، تلك : هي أنّ الرسول القائد ( صلى الله عليه وآله ) قد أعلن وجوب طاعة أهل البيت ( عليهم السلام ) وعدم التمذهب بمذهب غيرهم في مئات المواقف وقد رواها الخاص والعام ـ وفي طليعتها قوله ( صلى الله عليه وآله ) : « إني تركتُ فيكم : ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ، كتاب الله حبل ممدودٌ من السّماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما ... ». وقوله ( صلى الله عليه وآله ) : « ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ... ».
وحين يعلن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ذلك ، فإنه يعلنه بدافع الحرص على المصلحة الإسلاميّة العليا لكي تبقى هذه الأُمّة « خير أُمّة أُخرجت للناس » وهذا ما دفع الزهراء لتلعن بأنّ طاعة أهل البيت « نظاماً للملّة ».
أجل ، إنّها حفظ للشريعة ، وتنسيق لأحكامها ، وصون لها من الظُّنون والتخمينات والآراء والتّمذهب على حسابها ، أجل لو قُدّر لهذه الأُمّة أن تسلك
____________
(1) المراجعات | شرف الدّين.
 


( 165 )


درب أهل البيت ( عليهم السلام ) في معرفة أحكامها واستلهام معرفتها ، لما وجدنا للتّمذهب سبيلاً ، ولا للإختلاف في الفتيا والأحكام مجالاً في قاموس حياتنا ، ـ ولكنّها ـ ويا للأسف الشّديد ـ جناية الأجداد قد جنى ثمراتها الأحفاد.
ثم تكشف الزهراء ( عليها السلام ) الشّطر الثّاني من المفهوم السّياسي في الإسلام ، فتقول :

« وإمامتنا أماناً من الفرقة ».

وإذا كانت الزهراء قد قصدت الجانب التشريعي من المسألة الإدارية لشؤون الأُمّة في العبارة الأُولى « وطاعتنا نظاماً للملّة » ، فإنّها ترسم الآن ـ الشقّ الثاني من الموضوع ـ ذاته ـ ، فتعلن كون إمامة أهل البيت ( عليهم السلام ) وقيادتهم لهذه الأُمّة مفروضاً من الله سبحانه كسائر الواجبات ، ولكنّ علّة هذا الفرض الجديد تتجلّى في تخليص الأُمّة من شبح التّمزق والتخرب والإنقسامات المصلحيّة ، لأنّ إقصاء أهل البيت ( عليهم السلام ) وهم معدن الحكمة وخريجو مدرسة الوحي ـ عن مركزهم القياديّ يجعل من الممكن قيام صراع سياسيّ على الحكم والإدارة ، لأنّ سائر الناس ـ بعد أهل البيت ـ يرون أنفسهم جميعاً أهلاً لقيادة الأُمّة. أمّا إذا تولّى أهل البيت هذا المقام الرّفيع فإنّ أحداً من الناس غير قادر على بلوغ مقامهم الذي بوّأهم الله سبحانه فيه من معرفة تامة لمعالم الشّريعة الإسلامية أو من عصمة نفسيّة تحفظهم من كلّ شطط أو خطأ في أحكامهم وقراراتهم ومن كلّ إثم في سلوكهم وفعالياتهم وإذا كان لأهل البيت ( عليهم السلام ) هذا المقام الرفيع في الأُمّة الإسلامية ، أصبح بمقدورهم أن يقودوا الأُمّة الإسلاميّة الى شاطىء السّعادة الذي هيّأهُ الله سبحانه لهذه الأُمّة الكريمة ، وإذن فإن الزهراء ( عليها السلام ) وهي غرس النبوّة ـ قد ضربت على الوتر الحسّاس من المسألة حين تعلن : أنّ إمامة أهل البيت ( عليهم السلام ) ابتعاد عن الفرقة والإختلاف على الصعيد السياسي والإجتماعي.

 


( 166 )


 

والجهاد عزّاً للإسلام وذلاً لأهل الكفر والنّفاق:

والجهاد عمليّة تحريريّة : يتولاّها المعسكر الإسلامي لتخليص الإنسانيّة من السّيطرة الجاهليّة بشتّى أنواعها ومستوياتها.
وهذه العمليّة التحريريّة تجري في أعلى المستويات ، حيث تعبّأ فيها قوى الإيمان المادية والفكرية والرُّوحية لإنجاح هذه العمليّة . وغالبا ما يبرز فيها عنصر القوّة العسكريّة لإحراز النّصر وتحقيق العمليّة التحريرية الكبرى ، وإحراز النّصر ـ هذا ـ ليس نصرا لمعسكر الإيمان ـ فحسب ـ بل هو في الحقيقة نصرٌ لمن يعيش تحت السّيطرة الجاهليّة من أبناء النوع الإنساني.
والجهاد الى جانب معطياته التبشيرية والتوسّعية لعدد الواقفين تحت راية الله تعالى ، الجهاد إلى جانب هذه المعطيات ، فرض عبادي تتولاّه الأُمة الإسلامية ، استجابةً لنداء الإسلام المفروض عليها ، لا يجوز ان تتقاعد عنه بأيّ حال من الأحوال ـ اللهم إلاّ إذا أصيبت بوهن فكريًّ تصبح معه غير قادرة على فهم فريضة الجهاد وحدودها ومتطلّباتها فحينئذٍ ـ والعياذ بالله ـ تتجاهل أو تجهل هذا الفرض المقدّس فتنسحب عن مسؤولياتها في التأريخ البشريّ.
وربّما تتعرّض لغزو جاهليّ أهوج يفقدها حتى اصالتها وطابعها ـ كما هي عليه اليوم ـ.
والزهراء ( عليها السلام ) حين تعكس لنا صورةً حيّة عن فريضة الجهاد ، إنّما تعكسها لهذه المعطيات الكبيرة التي تهبها لتاريخ الأُمّة المجيدة. ولكن الزّهراء ( عليها السلام ) حين تستقرىء لنا الغاية التي شرع الجهاد من أجلها تضع أمام الأجيال نقطتين هامّتين تكشف عن طريقهما الحقيقة التي شرع الجهاد من أجلها بأقصر وأفضل السُّبل ، فهي مع شدّة إيجازها لكنّها قد كشفت حدود فلسفة الجهاد.
فالجهاد في نظر الزهراء يحقّق النّصر المؤزر للرسالة الإسلامية ـ أولاً ـ ويكسبها العزّة والظهور على كل المناهج الجاهلية المعوجّة ويهزم قوى الضّلال وينكس رايتها السوداء لتحلّ محلها راية التوحيد الناصعة التي تحتضنا القلوب وتتغنّى بها الافواه.

 


( 167 )


وإلى جانب هذه النقطة الإيجابيّة يتحقق مكسب آخر ، ولكنّه ذو وجهين حيث يتمخّض عن الجهاد إذلال المعسكر الجاهليّ وتوهين مكائده ـ خارج الديار الإسلامية ـ كما يتمخّض عن هذا الجهاد المقدّس صفعة شديدة لأهل النّفاق الذين يؤلّفون حزباً لتظاهر مطاياه باعتناق المبدأ الإسلامي ، ولكنّهم يخفون التحزُّب لغيره من الحضارات الجاهليّة ، وهم يتربّصون بالمسلمين الدّوائر وقد يتّصلون بأسيادهم في المعسكر اللا إسلامي ، معلنين أنّهم معهم ، وسيكونون أداةً تخريبية في داخل المعسكر الإسلاميّ ، ولكنّ هذه الفئة القلقة تقف على شرفة لترى نتائج المعركة بين الإيمان والضّلال ، وما أن تعلن الأنباء انتصار معسكر الإيمان العتيد على خصومه إلا وظهرت سيماء الذّلة والمسكنة على أهل النفاق وخابت آمالهم وتمنّياتهم وخسروا الوعود التي وعدهم ساداتهم بها ، كلُّ ذلك بفضل المسؤولية العظيمة التي يتحمل الجهاد تبعاتها في إذلال أعداء الإسلام ومعسكره العتيد.
وهذه الميزة التي يتجلّى بها الجهاد هي التي أملت على الزّهراء ( عليها السلام ) لتكشف النقاب عن الغاية التي شرع من أجلها ، فهو ـ على حدّ تعبيرها ـ قد جعله الله عزاً للإسلام ، وذلاً لأهل الكفر والنّفاق.
 

والصّبر معونة على استيجاب الأجر:

وتكشف لنا الزهراء ( عليها السلام ) حقيقة كبرى تتجسّد على يديها كلّ الآمال ، وكلُّ الأهداف التي رسمتها الرسالة الإسلامية لهذا الإنسان تلك الحقيقة هي : الإرادة والإقدام على تحقيق متطلّبات الشرع ، فبغير الإرادة والصّبر في العمل لا يمكن لإنسان أن يحقّق مطالب الرسالة الإسلامية . إذاً ، فالصّبر ـ في منطق الرسالة ـ : الجسر المعقود بين الواقع النّظريّ للشّريعة والواقع العملي لها ، حيث تتجسّد الأفكار على يديه واقعاً محسوساً يبرز في فكر الفرد وسلوكه وكافة ألوان نشاطه ، وقد يصبح الأمر من القضايا البديهيّة المسلم بها إذا قلنا : أنّ الصبر المرادف للإقدام ومواصلة العمل والإستمرار في بذل الجهد من أجل تطبيق معالم الشّريعة الإسلامية قد جعله الإسلام على لسان دستوره الخالد ركناً أساسيّاً من أركان المجتمع الذي يقف تحت راية التّوحيد المقدّسة كما جاء ذلك في قوله

 


( 168 )


سبحانه : « والعصر إنّ الانسان لفي خسر الاّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصّبر ... ».
والصبر ـ في منطق الحضارة الإسلامية ـ يلتزم جانبين في حياة المجتمع المسلم والفرد المسلم ، فهو صبر على الطاعة ، وصبر على المعصية.
ولما كان الإسلام أساساً لا ينهض إلاّ على هذين المفهومين الكبيرين في تحديد معالم تشريعه ، إذاً ، فقد أصبح للصّبر ـ بشطريه الإيجابي والسلبيّ من واقع الشّريعة الإسلامية ـ عظيم الأثر في تحقيق أهداف الرسالة كعامل مساعد أو كعنصر يدخل في إطار كلّ الفعّاليّات التي ينهض الفرد أو المجتمع المسلم بأعبائها.
وحين يملك الصّبر هذا المقام الرّفيع في التّشريع الإسلامي ، فقد أصبحنا أكثر إحاطة بالغاية التي دفعت الزهراء ( عليها السلام ) لتعطي هذا المفهوم : هذا الجانب الكبير من الإهتمام ، حيث ضربت على الوتر الحسّاس من المسألة بإعلانها : أنّ الصّبر معونة على استيجاب الأجر ، أجل فهو عنصر مساعد فعّال يجعل المرء المسلم أكثر قدرة على كسب الأجر والرّضوان.
 

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصلحة للعامّة:

الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر عمليّة كبيرة تحمل فاعليّة ضخمة في إصلاح كلّ الإنحرافات ـ التي يتعرّض لها المجتمع الإسلامي ـ عن معين الرّسالة الإلهية.
وهو على هذا التقدير عمليّة علاجيّة تنمحي على أساسها كلُّ الآثار المرضية التي تصيب جسم الأُمة الإسلامية بمرور الأزمان ، لأنّ الأمّة الإسلامية ليست بدعاً من الأمر ، فهي أُمّة كبقية الأُمم : ترتفع وتنخفض تنهض وتهجع ، تتحرّك وتسكت ، ولمّا كانت هذه الأُمّة : هي « الأُمّة الوسط » التي أرادها الله سبحانه أن تكون شاهدة على النّاس متميزة عن غيرها من الأُمم ، تحمل هويّة السماء وتتلمذ على الوحي لتتخرّج أجيالها ، وهي تحمل شارة « خير أُمّة أُخرجت للنّاس ».
حين يكون لهذه الأُمّة الإسلامية هذا النصيب الأوفر ، الذي خصّها الله سبحانه فيه ، فلا بدّ أن يمنحها ـ بلطفه ـ منهجاً تعود على أساسه إلى عزّتها ، إن ادلهمّت بها الخطوب واجتمعت عليها المحن ، وفعلاً قد امتدّت يد الرّحمة إلى هذه الأُمّة فأتحفتها بمنهج الأمر بمالعروف والنّهي عن المنكر ، لتتّخذ منه قاعدةً

 


( 169 )


عمليّة ضخمة ـ يبتني على أساسه مجدها وكرامتها كلّما تكالبت عليها أُمم الجاهليّة لتزحزحها عن مقامها الذي يوّأها الله فيه.
وبعد أن دلّها الله تعالى على طريق سؤددها لم يترك أمر سلوكه من قبل الأُمة اختياريّاً ، وإنّما منحه الصّفة الإلزامية. والصّفة الإلزامية أعلى الدّرجات للتكليف في التّشريع الإسلامي.
ولكن هذه السّمة الإلزامية أُعطيت الصفة الكفائية. وعلى هذا الأساس أصبح الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجباً كفائياً. إن قام به شخص أو جماعة من الناس سقطت مسؤوليته عن الجماعات الإسلامية الأُخرى ، والقيام بمسؤولية الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ـ هنا ـ يتطلب تحقيق المطالب التي شرع من أجلها ، فليس المراد بالأمر والمعروف أن يقوم به شخص أو جماعة من الأُمة الإسلامية ، وبمجرّد قيامهم بالعمل ودون تحقيقهم لمتطلّباته ، يسقط الواجب عن الأمة بحال ، إذ ليس المراد هذا ، وإنّما يتحقّق سقوط المسؤولية عن الأُمة الإسلامية بتحقيق هذا الشخص أو هذه الفئة كل مستلزمات الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر : من إلغاء للمنكر وإقامة للمعروف.
فلو ظهرت لدى بعض أفراد الأُمة الإسلامية عادة ممارسة الميسر ، وقام جماعة من المسلمين في إنكار هذا المنكر بالسبل التي رسمها الإسلام : من حكمة وموعظة أو نحوها ، فإن استطاع هؤلاء أن يأخذوا على أيدي هؤلاء المنحرفين ، ويمنعوهم عن التمادي في هذا المنكر ، سقطت مسؤولية الأمر بالمعروف وإنكار المنكر عن الأُمة كلها.
أما لو فشل المخلصون الذي تصدّروا لمهمة الأمر بالمعروف ، في تحقيق هذا الجانب الإصلاحي ، وجب على الأُمة الإسلامية ـ برمّتها ـ أن تتولّى هذه المهمّة حتى يتحقّق الإصلاح أو تسقط المسؤولية عن الأُمة بعد قيامها بالمهمّة ، وعدم استطاعتها لاستفحال المنكر مثلاً ، أو لوجود ظروف تمنع إنكاره(1) وحينئذٍ ينطبق عليها تعليم السماء القائل « لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها »(2).
____________
(1) الفكر الإسلامي | محمّد محمّد اسماعيل عبده.
(2) آخر آية من سورة البقرة.

 

وأما إذا تقاعدت الأُمّة الإسلامية عن تحقيق مطالب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر بحجة أنّ المسؤول عن ذلك هم العلماء أو الخطباء أو غير ذلك ، فقد أصبحت مأثومة برمّتها ، سيّما وأنّها لا تملك دليلاً على هذا التّبرير الفارغ ، وأنّى لها بالدّليل الذي يؤكد لها : أنّ العلماء أو الخطباء أو غير ذلك هم المسؤولون ـ فقط ـ عن هذه المهمّة الإصلاحية الكبرى ، بل ما ذنب هذه الفئة المخلصة لكي تتحمّل كلّ مشقّة في سبيل تحقيق شعار الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر إذا كانت غير مكلّفة تكليفاً شرعيّاً في كتاب أو سنّة ؟. والأدلّة الشرعيّة التي وردت في الكتاب والسنّة تدلُّ دلالة واضحة على أنّ هذه المسؤوليّة ـ مسؤوليّة الأمر بالمعروف ـ مكلّفة بها كلُّ الجماعات التي تحمل شارة التبعية لرسالة محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فالقرآن الكريم يعلن : « والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ... »(1).
وقوله تعالى « كنتم خيرَ أُمّةٍ أُخرجَت للنّاس تأمرونَ بالمعروف ، وتنهونَ عن المنكر ... »(2).
وهذا يدلّ على أنّ صفة الأمر بالمعروف صفة ملازمة لمعسكر الإيمان ، وكذلك إنكار المنكر ، رجاله ونسائه ـ لا تنفكّ عنهم بأي حال من الأحوال.
كما أنّ السُّنة الشّريفة تدل على هذه الحقيقة لقول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : « ما زال الناسُ بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ».
وقد ورد كذلك عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قوله : « لا تتركوا الأمرَ بالمعروف والنّهي عن المنكر ، فيولّى عليكم شراركم ثم تدعون ، فلا يستجاب لكم ... ».
وهذا النّداء موجّهٌ لجميع أفراد الأُمة دون استثناء أو تخصيص ، ولم يول التشريع الإسلامي هذه العملية ـ عملية الأمر بالمعروف ـ هذه العناية إلاّ لأنه سياج متين وإطار حديدي يحفظ المجتمع من كل أدران الجاهليّة التي ترفض منهج الله سبحانه وتقصيه عن واقع الإنسان فهو مصلحة لطبقات الأُمة كافّة ، وكيف لا
____________
(1) سورة التّوبة آية | 71 يلاحظ تفسير هذه الآية في ( تفسير التبيان للطوسي ) ليتّضح إطار الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
(2) سورة آل عمران | آية | 110.

 


( 171 )


يكون كذلك ، وهو الذي : تقام به الفرائض ، وتأمن المذاهب ، وتحلّ المكاسب ، وتمنع المظالم ، وتعمّر الأرض وينتصف للمظلوم من الظالم ، ولا يزال النّاس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، وتعاونوا على البرّ ، فاذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلّط بعضهم على بعض ، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السّماء(1).
وإذا كانت هذه المهام الكبار من منع للمظالم واعمار الأرض والعدالة بين الناس والضرب على أيدي الظلمة من التلاعب بمقدّرات الأُمة وإقامة للفرائض وإحلال للمكاسب.
اذا كان الأمر بالمعروف يتحمّل هذه المسؤولية الجسيمة في إنقاذ المجتمع وإصلاح أوده ، فقد تجلّت الغاية التي من أجلها أعلنت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) كونه ، مصلحة للعامّة ، فهو مصلحة للعامّة ؛ لعامّة أبناء الأُمة ، به تحفظ حقوقها وتدوم كرامتها ويقوم اعوجاجها ، فهو الى جانب كونه تشريعا عباديا كلّف الله به الإنسان المسلم إلاّ أنّ ما يدرّه من أرباح وما يحقق من نتائج إيجابية وما يوفّره من مصالح ، كلُّ ذلك تجنيه الأُمّة الإسلامية برمّتها ، ولهذا الهدف أصبح ـ على حد تعبير الزّهراء ( عليها السلام ) مصلحةً للعامة يتفيئون ظلاله ويرتفعون على أساسه إلى مستوى الكرامة والعزّة ـ مهما تراكمت المحن وادلهمّت الخطوب ـ

 

وبرُّ الوالدين وقاية من السُّخط:

وهنا تلتفت الزهراء ( عليها السلام ) إلى الخليّة الأُولى التي ينشأ منها المجتمع الإنساني ، هذه الخلية : هي الأُسرة ، ولا تتناول الزهراء الأسرة برمّتها ، وإنّما تتناول العمود الفقريّ والأساس الذي تستند عليه في بناء كيانها ، فتناولت البرّ بالوالدين الأب والأُم ، لما لهما من فاعليّة ضخمة في بناء الكيان الإجتماعي ، والوالدان ـ وإن اختلفا في عملهما في إطار الأُسرة ـ إلاّ أنّ هناك تمازجاً عضوياً بين عملهما البنّاء ، فالوالد يتناول البيت من الخارج فيكدح ويثابر لكسب الرّزق وإدخال السرور على أُسرته ، والأُم تتناول البيت من الدّاخل بحكم تركيبها الفسيولوجيّ والنفسيّ
____________
(1) منهاج الصالحين | الامام الحكيم.
 


( 172 )



والروُّحيّ الذي وفرّتها مسؤوليّة تناول البيت من داخله ، فهي تنجب الأطفال وتتولّى رعايتهم وتسهر لمصلحتهم وتديير البيت من الدّاخل لتكمل عمل الوالد الخارجيّ.
وحين يكون عمل الوالدين هذا شأنه على مرّ الأجيال والعصور ، فلا بد للإسلام ـ وهو منهج الله الخالد ـ أن يقيّم عملهما هذا ، فإذا به يرفعهما إلى أعلى الآفاق : « وقضى ربُّك ألا تعبدوا إلاّ إياه وبالوالدين إحسانا إمّا يبلغنّ عندكَ الكبر أحدُهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً ... »(1).
فيشترط برهما ورعايتهما وعدم إيذائهما بأدنى الأُمور حتى بالإشارة أو التضجر.
وحين يقرّر الإسلام وجوب رعاية الوالدين ، فقد أصبح عقوقهما أمراً محظوراً يستلزم غضب الله وسخطه ، ولهذا السّر عينه راحت الصّدّيقة الزّهراء ( عليها السلام ) ترسم هذه الحقيقة حين أعلنت أنّ برّ الوالدين يتحقّق على يديه الإبتعاد عن مغبّة سخط الله وإغضابه الذي يجر إلى الدّمار والبوار.
 

وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة في العدد:

وهنا تتّسع الدّائرة لتكون أكثر شمولاً وأوسع مداراً حيث تلتفت الزهراء ( عليها السلام ) إلى أرحام الإنسان وأقربائه لتقرر مفهوماً اجتماعياً رائعاً يقضي بالتّكاتف والتّكامل الإجتماعي والتوادد ، ليكون عوناً على تحقيق المجتمع المتراص الموحّد الذي يصبو الإسلام إلى تحقيقه ، وهل في الأرض من إنسان لا ينتمي إلى قوم أو عشيرة ؟ فإذا توثّقت عرى الصّلة بين الأرحام تحقّقت المعجزة الإجتماعية الكبرى في الواقع الإنساني ، لأنّ النّاس كلّهم في واقع الأمل أرحام ينتهون إلى أصل واحد وأب واحد ، والزهراء ( عليها السلام ) حين تعلن هذا المفهوم الإسلامي فإنّما تستقيه من منبعه
____________
(1) سورة الإسراء | آية 23.
 


( 173 )


الأصيل : كتاب الله العزيز ، حيث يعلن هذا المفهوم الشامخ بقوله : « واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ... »(1).
ولكنّ الزهراء ( عليها السلام ) لا تريد أن تستعرض مفهوم صِلة الأرحام ـ فحسب ـ وإنّما شاءت ـ من وراء ذلك ـ تبيان فلسفة تشريعه ، فأعلنت أنّه « منسأة في العمر ، ومنسأة في العدد ».
حيث رسمت واقعاً غيبيّاً واجتماعياً في آن واحد ، فأوضحت أنّ المكافأة التي يصيبها الإنسان المسلم الذي يرفع شعار صِلة الأرحام في حياته ، هي زيادة له في عمره كجائزة له من خالق هذا الوجود سبحانه.
وهذا ما قرّره الإمام الصّادق ( عليه السلام ) بقوله : « ما نعلم شيئاً يزيد في العمر إلاّ صِلة الرحم »(2).
ثم تعلن الزّهراء ( عليها السلام ) المنقبة الثانية التي تتحقّق في ظلال صلة الأرحام فتقول : « ومنماةً في العدد ».
ولعلّ الزيادة في العدد هنا تتأكّد من طريقين : إمّا عن طريق غيبيّ يتُّم بإفاضة البركة والزيادة في النّسل من الله سبحانه ، أو عن طريق التّكاتف وجمع الكلمة ورصّ الصُّفوف الذي يتُّم عند الإلتزام بمبدأ صِلة الأرحام الشامخ.
 

والقصاص حقنا للدّماء:

وهنا ترسم الزهراء ( عليها السلام ) حقيقةً كبرى من حقائق التّشريع الإسلامي الرّصين ، تلك : هي مفهوم القصاص ، فالرسالة الإسلامية وإن كانت في أساسها ديناً يربّي النّفس ويصقل الوجدان ويقوّم السُّلوك حتى يحمل إنسانه على تطبيق متطلّبات الرسالة بصورة تلقائية ـ إلا أنّه لا يقف عند هذا الحدّ ، لأنّه يعلم أنّ المجتمع الإنساني مهما ارتفع إلى مستوى المثاليّة والنبل ، إلاّ أنّه لا يخلو من طفيليات يهمُّها التّلاعب بمقدّرات الرسالة وأتباعها ، ولذا وضع إلى جانب التربية التي يسبغها على أبنائه رصيداً تشريعياً يمثّل عمليّة علاجيّة لمن يحاول التلاعب بمقدّرات الأُمّة
____________
(1) سورة النساء | آية | 1.
(2) الأخلاق | عبد الله شبر.

 


( 174 )


ومبدئها القويم ، وفي طليعة هذا الرّصيد التّشريعي رسم الإسلام بنود القصاص التي تفضي بالمعاقبة بالمثل ، فالأنف بالأنف ، والأُذن بالأُذن ، والنّفس بالنّفس ، وهلّم جرّاً ، وهذا التّشريع الإسلامي الرّصين يكسب المجتمع مناعة فعلية على مواجهة التّلاعب والإعتداء ، سواءً أوقع ذلك خطأ أم عمداً.
وحين يضع الإسلام هذه القاعدة في دستوره ، فإنّما وصفها حقناً لدماء أبنائه وحفظاً للتّوازن والإستقرار في مجتمعه ، لأنّ الإنسان إذا وجد نظاماً يكفل له صدّ الإعتداء عليه ويأخذ بثأره ، فإنّه يلجأ إليه ـ دوماً ـ دون اللجوء لمفهوم الثأر الجاهلي أو الإخلال بالأمن الذي يؤدّي ـ غالباً ـ إلى فقدان الهدوء والطمأنينة وتمزيق الوحدة الإجتماعية وقيام البلبلة والصّراع الدائم.
وهكذا أفصحت الزهراء ( عليها السلام ) عن فلسفة ، تشريع حكم القصاص ، فعبّرت عنه بأنّه حقنٌ للدّماء فهو ـ لعمر الحق ـ الوسيلة الوحيدة التي تُحقن الدّماء على أساسها وتصان حرمتها ، أمّا إذا تُرك الحبل على الغارب للمعتدين دون الإقتصاص منهم فقد وقعت الكارثة ، وقد فسّر هذا السّر كتاب الله العزيز بقوله : « ولكم في القصاص حياةٌ يا أُولي الألباب »(1).
 

والوفاء بالنّذر تعريضاً للمغفرة:

وهنا بادرةٌ لطيفة تواجهنا بها الزّهراء ( عليها السلام ) ، وهي تقطع أشواطاً بعيدةً في حديثها عن معالم الرسالة الإسلامية المقدسة ، فالنّذر في حقيقته لم يكن فرضاً كلّفت الرسالة الإسلامية أتباعها بإتيانه كبقيّة الفرائض(2) ، وإنّما هو عمل يباح للمرء تعاطيه أو ممارسته ، والنّذرُ في واقعه لا يباح إلاّ إذا كان لله سبحانه ، وسوى ذلك فإنّه محظور على المرء ارتياده.
وحين يمارس الإنسان المسلم هذا العمل ، فإنّما يعني أنّه قد قيّد نفسه بنفسه بأداء فريضة لم يفرضها الله سبحانه ، لأنّه ـ هو نفسه ـ قد أعلن طواعيّة هذا اللون من السُّلوك دون تكليف من السماء.
____________
(1) سورة البقرة | آية | 179.
(2) الكشاف في تفسير سورة الدّهر.

 


( 175 )


وحين يكون النّذر بمثابة سلوك يكلّف المرء به نفسه تقرُّباً إلى الله ، فإنّ الوفاء به كوعد يقطعه الإنسان على نفسه يحقّق للإنسان ثواب الله ورضوانه ، وهذه الحقيقة عينها قد حملت الزّهراء ( عليها السلام ) على إعلان فلسفة الوفاء بالنذر وأهدافه بقولها : « إنّه تعريض للمغفرة والرّضوان».
 

وتوفية المكائيل والموازين تغييراً للبخسة:

وهنا التفاتة حكيمة من الزهراء ( عليها السلام ) حين تنتقل لمفهوم اقتصادي كبير لا يستغني عنه مجتمعٌ من المجتمعات ـ إطلاقاً ـ وهو يتعلّق بالبيع والشّراء والمكيال والميزان ، لأنّ المعاملات الإقتصادية في المجتمعات الإنسانية لا تخرج عن هذه الإطارات الثابتة.
وحين تملك المكاييل والموازين اليد الطّولى في توجيه المعاملات الإقتصادية المهمّة في المجتمعات الإنسانية ، فقد أصبح لزاماً عليها أن تهتم بموازينها حفظاً لاستقامة البيع والشّراء ، وابتعاداً عن التّلاعب وابتزاز الأموال والعبث بالمصالح الخاصّة أو العامة. والإسلام الحنيف بوصفه التّشريع الإلهي القويم الذي فهرس الحياة الإنسانيّة برمّتها ، قد التفت إلى هذه الواقعة وأعطى رأيه الحاسم فيها ، فأعلن على لسان دستوره الخالد تهديداته وإنذاراته للمتلاعبين بالأوزان والمكاييل بقوله : « ويل للمطفّفين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفونَ * وإذا كالوهم أو وزَنوهم يُخسِرون»(1) .
كما أصدر تعليماته بضرورة الإلتزام بالعدل بالكيل والوزن بقوله تعالى « وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان»(2) .
وحين يملك مفهوم توفية المكاييل والموازين هذه القدرة الإيجابية على حفظ التّوازن والعدل في المجتمع ورفع الحيف والتّلاعب بالأموال عن الناس ، فقد أصابت الزهراء ( عليها السلام ) كبد الحقيقة بهذا الإعلان الرّصين الذي أوضحت فيه فلسفة تشريع توفية المكاييل والموازين الهادفة إلى تخليص المجتمع من المظالم وابتزاز الأموال.
____________
(1) سورة المطففين | آية | 1 ـ 3.
(2) سورة الرحمن آية | 9.

 


( 176 )


 

والنّهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس:

واحتساء الخمر عادةٌ جاهلية ، أعلن منهج الله سبحانه وتعالى على لسان أنبيائه وكتبه منع تعاطيها بأيّ شكل من الأشكال ، والإسلام ـ وهو الحلقة الخاتمة من حلقات الرّسالة الإلهية المباركة للنّوع الإنساني ـ قد أعلن هذه الحقيقة ، فحمل دستوره الخالد بنداً تشريعيّاً ينص على اعتبار شرب الخمر أمراً محظوراً على النّوع الإنساني.
وحين يعلن الإسلام رأيه الحاسم في الخمر ، فإنّما استهدف بذلك أن يحجب مجتمعه المبارك عن كثير من ألوان السُّلوك الشّاذ الذي يتمخّض عن احتساء الخمر : من ذهاب للعقل والشُّعور ، وانهيار للأعصاب ، وذهاب للمال ، ووقوع للعداوة والبغضاء بين جماعة المحتسين للخمر.
والإسلام ـ وهو منهج الله سبحانه ـ ليس في منطقه أمر محظور سوى ما يجلب الضّرر للإنسان ، فرداً كان أم جماعة وسواءً أكان الضرر عقليّاً أم جسميّاً أم اجتماعيّاً ، ولما كان الخمر يجرُّ إلى كثير من المشكلات كالعداوة بين الناس أو اذهاب للمال دون مبرر أو غير ذلك ، فقد حكم الإسلام بتحريمه تحريماً قاطعاً على لسان كتابه المجيد : « ... إنّما الخمرُ والميسرُ والأنصابُ والأزلامُ رجسٌ من عمل الشّيطان فاجتبوه لعلّكم تُفلحون * إنّما يُريدُ الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن الصّلاة ، فهل أنتم مُنتهون »(1).
فتحريمه كان بسبب ما يجرُّه من قبائح الأعمال التي تمثّل سلوكاً شيطانيّاً لا يقرُّه منطق منهج الله تعالى.
والزهراء ( عليها السلام ) ترسم بهذه العبارة الرائعة فلسفة تحريم الخمر حين تقول : إنّ تحريمه بمثابة تنزيه وتخليص للإنسان عن كلّ عواقبه الوخيمة التي تمثّل نشاطاً جاهليّاً وعملاً شيطانيّاً نجساً لا يرتضيه منطق الإسلام الحنيف الذي يتماشى مع الفطرة ، ويوائم المصلحة.
____________
(1) سورة المائدة ، آية | 90 ـ 91.
 


( 177 )


 

واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة وترك السّرقة ايجاباً للعفّة:

مهما ارتفعت المجتمعات البشريّة إلى آفاق المثالية ، فإنّها لا يمكن أن تخلو من نفرٍ لم يبلغوا درجة الإستقامة بعد ، وقد يبدو داء الإعوجاج في فكرهم أو في سلوكهم أو في عواطفهم فيصبحوا على هذا الأساس عضواً مغايراً في طابعه للطّابع الاصيل في المجتمع ، وقد ينعكس هذا الإعوجاج في كثير من ألوان نشاطهم في المجتمع وبأنماطٍ مختلفة وفي مجالات متباينة.
والمجتمع الإسلامي ـ وإن كان هو المجتمع الوحيد الذي يقف تحت راية خالق الوجود سبحانه ـ إلا أنّه ليس بدعاً من الأمر لأنّه لا يخلو من نفرٍ لم تنضج العقيدة في نفوسهم بعد ، ولم تصقل عقليّاتهم ونفسيّاتهم بالمفاهيم الإسلامية المقدّسة فيندفعوا بعد ذلك ليزاولوا نشاطاً مخالفاً لما يرسمه الإسلام الحنيف من تعليماتٍ وأحكام.
ومن هذه النشاطات التي شدّد الإسلام على محاربتها قذف المحصنات والسّرقة ، لأنّ هذين النّشاطين ـ كليهما ـ اعتداءٌ على الآخرين ، فالأول اعتداء على عرض ، والآخر اعتداءٌ على الملكيّة ـ خاصّة كانت أم عامّة ـ.
وقذف المحصنات هو تهمة يثيرها نفر من المغرضين حول بعض المسلمات المحصنات إحداثاً للبلبلة وإيقاعاً للفتنة. وقد منع الإسلام هذه المفسدة وشدّد على مرتكبيها وجعل اللعنة نصيبهم.
وعلى هذا الأساس ، فإنّ التخلُّص من غضب الله ولعنته يتحقق باجتناب القذف ، وهذه الحقيقة قد أشارت لها الزّهراء ( عليها السلام ) في هذا المقطع القصير من خطبتها بقولها : « واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة ».
ولعلّ الزّهراء أرادت بذلك الإشارة إلى قول الله تعالى بهذا الشأن الذي ورد في كتابه العزيز : «إنّ الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمناتِ لعنوا في الدُّنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم...» (1) .
____________
(1) سورة النور ، آية | 23.
 


( 178 )


فباجتناب القذف ورمي المحصنات تحجب اللعنة وينجلّي سخط الله سبحانه.
والسّرقة عمليّة لابتزاز أموال الغير بصورة سرّية أو بطريقة القوّة ، وقد حكم الإسلام الحنيف بإبطال هذه الجريمة الإجتماعية ومحو شبحها من قاموس الحياة الإنسانية ؛ وشدّد على مرتكبيها بقوله : « والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما جزاءاً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم ... »(1).
وحين يعلن الإسلام هذا التّشريع الصّارم بحقّ السّارق بصفته معتدياً على أموال النّاس بغير حقًّ ، فإنّما أراد أن يجعل من مجتمعه مثلاً رائعاً للعفّة والطّهارة التي ينبغي أن تطبع حياة المجتمع الإسلامي المبارك.
وعلى هذا الأساس الرّصين أعلنت الزهراء ( عليها السلام ) فلسفة منع السّرقة وعدم مزاولتها كسلوك شاذ ، بكونها إيجاباً للعفّة والنبل والطّهارة والخلق الإسلامي الكريم . وهذا ما تجلّى بقولها : « وترك السّرقة إيجاباً للعفّة ».
____________
(1) سورة المائدة ؛ آية | 38.