الصفحة 69

عقيل


كان عقيل بن أبي طالب أحد أغصان الشجرة الطيّبة، وممّن رضي عنهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ النظرة الصحيحة في التاريخ تفيدنا اعتناقه الإسلام أوّل الدعوة، وكان هذا مجلبة للحبّ النبوي حيث اجتمعت فيه شرائط الولاء من: رسوخ الإيمان في جوانحه، وعمل الخيرات بجوارحه، ولزوم الطاعة في أعماله، واقتفاء الصدق في أقواله، فقول النّبي له: " إنّي أُحبّك حبين: حبّاً لك، وحبّاً لحبِّ أبي طالب لك "(1) إنّما هو لأجل هاتيك المآثر، وليس من المعقول كون حُبّه لغاية شهوية أو لشيء من عرض الدنيا.

____________

(1) ورد هذا الحديث بألفاظه المختلفة في المصادر التالية: بحار الأنوار 35: 157 و42: 115، المستدرك للحاكم 3: 576، مجمع الزوائد 9: 273، المعجم الكبير للطبراني 17: 191، الاستيعاب 3: 1078، الطبقات الكبرى 4: 44، معرفة الثقات للعجلي 1: 383، تاريخ مدينة دمشق 20: 55 و41: 18، أُسد الغابة 3: 422، سير أعلام النبلاء 1: 219، تاريخ الإسلام للذهبي 4: 84، الوافي بالوفيات 20: 63، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11: 25 و14: 70، السيرة الحلبية 1: 432.

قال المؤلّف: ولكنّه في المجالس ـ مجلس 27 ـ روى عن ابن عباس: أن علياً قال لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): " أتحب عقيلاً"؟

قال: " أي واللّه إني لأحبّه حبين: حبّاً لرسول اللّه، وحبّاً لحبّ أبي طالب له، وإنّ ولده لمقتول في محبّة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلي عليه الملائكة المقرّبون، ثُمّ بكى رسول اللّه حتّى جرت دموعه على صدره، وقال: إلى اللّه أشكو ما تلقى عترتي بعدي".

وهو في الأمالي للشيخ الصدوق: 191 ح201/3، وعنه بحار الأنوار 22: 288، ح58.


الصفحة 70
إذن، فحسب عقيل من العظمة هذه المكانة الشامخة. وقد حدته قوة الإيمان إلى أن يسلق أعداء أخيه أمير المؤمنين بلسان حديد، خلّده عاراً عليهم مدى الحقب والأعوام(1).

على أن حُبَّ أبي طالب له لم يكن لمحض النبوّة، فإنّه لم يكن ولده البكر، ولا كان أشجع ولده، ولا أوفاهم ذمّة، ولا ولده الوحيد، وقد كان في ولده مثل أمير المؤمنين وأبي المساكين جعفر الطيار، وهو أكبرهم سنّاً، وإنّما كان " شيخ الأبطح " يظهر مرتبة من الحُبِّ له مع وجود ولده (الإمام) وأخيه الطيار لجمعه الفضائل والفواضل، موروثة ومكتسبة.

وبعد أن فرضنا أنّ أبا طالب حجّة وقته، وأنّه وصيّ من الأوصياء لم يكن يحابي أحداً بالمحبّة، وإن كان أعزّ ولده، إلاّ أن يجده ذلك الإنسان الكامل الّذي يجبَ في شريعة الحقِّ ولاءه.

ولا شكّ أنّ عقيلاً لم يكن على غير الطريقة التي عليها أهل بيته أجمع من الإيمان والوحدانية للّه تعالّى، وكيف يشذّ عن خاصته وأهله وهو وإيّاهم في بيت واحد، وأبو طالب هو المتكفل

____________

(1) قال العلاّمة الأميني في الغدير 10: 261: قال معاوية لعقيل بن أبي طالب: إنّ علياً قد قطعك، وأنا وصلتك، ولا يرضيني منك إلاّ أن تلعنه على المنبر.

قال: أفعل، فصعد المنبر ثُمّ قال ـ بعد أن أحمد اللّه، وأثنى عليه، وصلّى على نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم): أيّها الناس إنّ معاوية بن أبي سفيان قد أمرني أن العنّ علي بن أبي طالب فالعنوه، فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين.

ثُمّ نزل فقال له معاوية: إنّك لم تبيّن من لعنت منهما، بيّنه.

فقال: واللّه لا زدت حرفاً ولا نقصت حرفاً، والكلام إلى نيّة المتكلّم.

العقد الفريد 2: 144، المستطرف 1: 54.

والكلام فيه تورية لطيفة ولعن لمعاوية من قبل عقيل.


الصفحة 71
تربيته وإعاشته، فلا هو بطارده عن حوزته، ولا بمبعده عن حومته، ولا بمتضجّر منّه على الأقل؟

وكيف يتظاهر بحُبِّه ويدنيه منه ـ كما يعلمنا النصّ النبوّي السابق ـ لو لم يتوثق من إيمانه، ويتيقّن من إسلامه، غير أنّه كان مبطناً له، كما كان أبوه من قبل وأخوه طالب؟، وان كُنّا لا نشكّ في تفاوت الإيمان فيه وفي أخويه الطيّار وأمير المؤمنين.

وحينئذ لم يكن عقيل بدعاً من هذا البيت الطاهر الّذي بني الإسلام على علاليه، فهو مؤمن بما صدع به الرسول منذ هتف داعية الهدى.

كما لبّت هذا الهتاف أُختهم أُم هاني، فكانت من السابقات إلى الإيمان، كما عليه صحيح الأثر، وفي بيتها نزل النّبي عن معراجه، وهو في السنّة الثالثة من البعثة، وحدّثها بأمره قبل أن يخرج إلى الناس، وكانت مصدّقة له غيّر أنّها خشيت تكذيب قريش إياه، وعليه فلا يعبأ بما زعم من تأخّر إسلامها إلى عام الفتح سنة ثمان من الهجرة(1).

____________

(1) " في مناقب ابن شهرآشوب 1: 110 أنّها ماتت في أيام النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن ابن حجر في تقريب التهذيب 2: 673/8821 نصّ على وفاتها في خلافة معاوية، وعليه فليست هي المعنيّة بما في كامل الزيارة: 195 واقبلت إليه بعض عمّاته تقول: أشهد يا حسين لقد سمعت قائلاً يقول:


وإن قَتيلَ الطّفِ مِن آلِ هَاشم أذّلَ رِقَاباً مِنَ قُريش فَذّلتِ

انتهى كلام المؤلف.

أقول: مضافاً إلى ذلك، فإنّ المحدّثين ذكروا أنّ قائل هذه الأبيات سليمان بن قتة الخزاعي، وارجع إلى: مناقب آل أبي طالب 3: 263، ومثير الاحزان لابن نما الحلّي: 89، الإستيعاب عبد البرّ 1: 394، نظم درر السمطين: 226، تاريخ مدينة دمشق 14: 259، أُسد الغابة 2: 22، تهذيب الكمال 6: 447، سير أعلام النبلاء 3: 318، تاريخ الإسلام 5: 108، البداية والنهاية 8: 230.


الصفحة 72
وما عسى أن يقول القائل في أُمهم، زوج شيخ الأبطح، بعد شهادة الرسول الأمين بأنّها من الطاهرات الطيّبات المؤمنات في جميع أدوار حياتها.

والعجب! ممّن اغتر بتمويه المبطلين فدوّن تلك الفرية، زعماً منه أنّها من فضائل سيّد الأوصياء وهي: إنّ فاطمة بنت أسد دخلت البيت الحرام وهي حاملة بعلي (عليه السلام) فأرادت أن تسجد لهبل فمنعها علي وهو في بطنها(1).

وقد فات المسكين أنّ في هذه الكرامة طعناً بتلك الذات المبرّأة من رجّس الجاهلية ودنس الشرك.

وكيف يكون أشرف المخلوقات بعد خاتم الأنبيّاء المتكوّن من النور الإلهي مودعاً في وعاء الكفر والجحود؟!

كما أنّهم أبعدوها كثيراً عن مستوى التعاليم الإلهية، ودروس خاتم الأنبياء الملقاة عليها كُلّ صباح ومساء، وفيها ما فرضه المهيمن ـ جلّ شأنه ـ على الأُمّة جمعاء من الإيمان بما حبى ولدها والوصي بالولاية على المؤمنين حتّى أختصّ بها دون الأئمة من أبنائه، وإن كانوا نوراً واحداً وطينة واحدة، ولقد غضب الإمام الصادق (عليه السلام) على من سمّاه أمير المؤمنين وقال: " مه لا يصلح هذا الاسم إلاّ لجدّي أمير المؤمنين ".

____________

(1) السيرة الحلبية للحلبي 1: 422، شرح احقاق الحق للمرعشي 8: 70.


الصفحة 73
فرووا أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقف على قبرها وصاح: " ابنك علي لا جعفر ولا عقيل " ولما سُئل عنه أجاب: " أنّ الملك سألها عمّن تدين بولايته بعد الرسول، فخجلت أن تقول ولدي "(1).

أمن المعقول أن تكون تلك الذات الطاهرة الحاملة لأشرف الخلق بعد النبوّة بعيدة عن تلك التعاليم المقدّسة؟ وهل في الدين حياء؟

نعم أرادوا أن يزحزحوها عن الصراط السوي ولكن فاتهم الغرض وأخطأوا الرمية، فإن الصحيح من الآثار ينصّ على أنّ النّبي لمّا أنزلها في لحدها ناداها بصوت رفيع: " يا فاطمة أنا محمّد سيّد ولد آدم ولا فخر، فإذا أتاك منكر ونكير فسألاك من ربّك فقولي: اللّه ربّي، ومحمّد نبيّي، والإسلام ديني، والقرآن كتابي، وابني إمامي ووليّي "، ثمّ خرج من القبر وأهال عليها التراب "(2).

ولعلّ هذا خاصّ بها ومن جرى مجراها من الزاكين الطيّبين، وإلاّ فلم يعهد في زمن الرسالة تلقين الأموات بمعرفة الولّي بعده، فإنّه كتخصيصها بالتكبير أربعين، مع أنّ التكبير على الأموات خمس.

وبالرغم من هاتيك السفاسف التي أرادوا بها الحطّ من مقام والدة الإمام، أظهر الرسول أمام الأُمّة ما أعرب عن مكانتها من الّدين، وأنّها بعين فاطر السماء حين كفّنها بقميصه الذي لا يبلى، لتكن مستورة يوم يعرى الخلق، وكان الاضطجاع في قبرها إجابة

____________

(1) الفضائل لابن شاذان: 103، مستدرك الوسائل 2: 342.

(2) روضة الواعظين للنيسابوري: 142، بحار الأنوار 78: 351، ح 22 عن مجالس الصدوق، بشارة المصطفى للطبري: 372.


الصفحة 74
لرغبتها فيه عند ما حدثها عن أهوال القبر وما يكون فيه من ضغطة ابن آدم.

فتحصّل: إنّ هذا البيت الطاهر (بيت أبي طالب) بيت توحيد وإيمان وهدى ورشاد، وإنّ من حواه البيت رجالاً ونساء كُلّهم على دين واحد منذ هتف داعية الهُدى وصَدعَ بأمر الرسالة، غير أنّهم بين من جاهر باتّباع الدعوة، وبين من كتم الإيمان لضرب من المصلحة.


الصفحة 75

السفر إلى الشام


لقد كانت الروايات في سفر عقيل إلى الشام، في أنّه على عهد أخيه الإمام أو بعده متضاربة، واستظهر ابن أبي الحديد في شرح النهج ج3 ص82 أنّه بعد شهادة أمير المؤمنين، وجزم به العلاّمة الجليل السيّد علي خان في الدرجات الرفيعة، وهو الذي يقوي في النظر بعد ملاحظة مجموع ما يؤثر في هذا الباب، وعليه تكون وفادته كوفود غيره من الرجال المرضيين عند أهل البيت إلى معاوية في تلك الظروف القاسية بعد أن اضطرتهم إليه الحاجة، وساقهم وجه الحيلة في الإبقاء على النفس والكف من بوادر الرجل، فلا هم بملومين بشيء من ذلك، ولا يحطّ من كرامتهم عند الملأ الديني، فإنّ للتقية أحكاماً لا تنقض ولا يلام المضطرّ على أمر اضطرّ إليه.

على أنّ عقيلاً لم يؤثر عنه يوم وفادته على معاوية إقرار له بإمامة ولا خضوع له عند كرامة، وإنّما المأثور عنه الوقيعة فيه، والطعن في حسبه ونسبه، والحطّ من كرامته، والإصحار بمطاعنة، مشفوعة بالإشارة إلى فضل أخيه أمير المؤمنين.

من ذلك أنّ معاوية قال له: يا أبا يزيد أخبرني عن عسكري وعسكر أخيك؟

فقال عقيل: أخبرك، مررت واللّه بعسكر أخي فإذا ليل كليل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ونهار كنهار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أن رسول

الصفحة 76
اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس في القوم، ما رأيت إلاّ مصلياً، ولا سمعت إلاّ قارئاً. ومررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممّن نفر برسول اللّه ليلة العقبة(1).

وقال له معاوية: إنّ علياً قطع قرابتك وما وصلك؟

فقال له عقيل: واللّه لقد أجزل العطية وأعظمها، ووصل القرابة وحفظها، وحسن ظنّه باللّه إذ ساء به مثلك، وحفظ أمانته، وأصلح رعيته إذ خنتم وأفسدتم وجرتم ; فاكفف لا أباً لك ; فإنّه عمّا تقول بمعزل(2).

ثُمّ صاح: يا أهل الشام، عنّي فاسمعوا لا عن معاوية، إني أتيت أخي علياً فوجدته رجلاً قد جعل دنياه دون دينه، وخشي اللّه على نفسه، ولم تأخذه في اللّه لومة لائم... وإنّي أتيت معاوية فوجدته قد جعل دينه دون دنياه، وركب الضلالة، واتبع هواه، فأعطاني ما لم يعرق فيه جبينه، ولم تكدح فيه يمينه، رزقاً أجراه اللّه على يديه، وهو المحاسب عليه دوني، لا محمود ولا مشكور.

ثُمّ التفت إلى معاوية فقال: أما واللّه يابن هند ما تزال منك سوالف يمرها منك قول وفعل، فكأنّي بك وقد أحاط بك ما الذي منه تحاذر.

فأطرق معاوية ساعة ثُمّ قال: من يعذرني من بني هاشم، ثُمّ أنشد يقول:


أُزيدهم الإكرام كي يشعبوا العصا فيأبوا لدى الإكرام أن لا يكرموا

____________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 125.

(2) الدرجات الرفيعة: 161.


الصفحة 77

وإذا عطفتني رقتان عليهم نأوا حسداً عنّي فكانوا هم هم
وأعطيهم صفو الإخا فكأنّني معاً وعطاياي المباحة علقم
وأغضي عن الذنب الذي لا يقيله من القوم إلاّ الهزبري المقمم
حبّاً واصطباراً وانعطافاً ورقةً وأكظم غيظ القلب إذ ليس يكظم

أمّا واللّه يابن أبي طالب لولا أن يقال: عجّل معاوية لخرق ونكل عن جوابك، لتركت هامتك أخف على أيدي الرجال من حواي الحنظل.

فأجابه عقيل:


عذيركَ منهم من يلوم عليهم ومن هو منهم في المقالة أظلم
لعمرك ما أعطيتهم منك رأفة ولكن لأسباب وحولك علقم
أبى لهم أن ينزل الذلّ دارهم بنو حرّة مزهر وعقل مسلم
وإنّهم لم يقبلوا الذلّ عنوة إذا ما طغا الجبّار كانوا هم هم
فدونك ما أسديت فأشدد يداً به وخيركم المبسوط والشرّ فالزموا

ثُمّ رمى المائة ألف درهم ونفض ثوبه وقام ومضى، فلم يلتفت إليه. فكتب إليه معاوية:

أمّا بعد ; يابني عبد المطلب أنتم واللّه فروع قصي، ولباب عبد مناف، وصفوة هاشم، فأين أحلامكم الراسية، وعقولكم الكاسية، وحفظكم الأواصر، وحبكم العشائر، ولكم الصفح

الصفحة 78
الجميل، والعفو الجزيل، مقرونان بشرف النبوّة وعزّ الرسالة، وقد واللّه ساءني ما كان جرى ولن أعود لمثله إلى أن أغيب في الثرى.

فكتب إليه عقيل:


صدقتَ وقلتَ حقّاً غير أنّي أرى ألا أراك ولا تراني
ولستُ أقول سوءاً في صديقي ولكنّي أصدّ إذا جفاني

فكتب إليه معاوية وناشده في الصفح وأجازه مئة ألف درهم حتّى رجع(1).

فقال له معاوية: لِمَ جفوتنا يا أبا يزيد؟

فأنشأ عقيل:


وإنّي امرؤ منّي التكرّم شيمةً إذا صاحبي يوماً على الهون أضمرا

ثُمّ قال: أيم اللّه يا معاوية، لئن كانت الدنيا أفرشتك مهادها، وأظلّتك بسرادقها، ومدّت عليك أطناب سلطانها، ما ذاك بالذي يزيدك منّي رغبة ولا تخشعاً لرهبة.

فقال معاوية: لقد نعتها أبو يزيد نعتاً هشّ له قلبي، وأيم اللّه يا أبا يزيد لقد أصبحت كريماً وإلينا حبيباً وما أصبحت أضمر لك إساءة(2).

هذا حال عقيل مع معاوية، وحينئذ فأيّ نقص يلمّ به والحالة هذه؟!

____________

(1) الدرجات الرفيعة: 163 ـ 164.

(2) الدرجات الرفيعة: 164.


الصفحة 79
وعلى الوصف الذي أتينا به تعرف أنّه لا صحة لما رواه المتساهلون في النقل من كونه مع معاوية بصفين، فإنّه ممّا لم يتأكد إسناده، ولا عرف متنه، ويضاده جميع ما ذكرناه، كما يبعده كتابه من مكة إلى أمير المؤمنين حين أغار الضحّاك على الحيرة وما والاها، وذلك بعد حادثة صفين، وهذه صورة الكتاب:

لعبد اللّه أمير المؤمنين، من عقيل بن أبي طالب:

سلام عليك، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو، أما بعد ; فإنّ اللّه حارسك من كُلّ سوء، وعاصمك من كُلّ مكروه، وعلى كُلّ حال فإنّي خرجت إلى مكة معتمراً فلقيت عبد اللّه بن أبي سرح مقبلاً من " قديد "، في نحو من أربعين شاباً من أبناء الطلقاء، فعرفت المنكر في وجوههم، فقلت: إلى أين يا أبناء الشانئين، أبمعاوية لاحقون عداوة للّه منكم غير مستنكرة تريدون إطفاء نور اللّه وتبديل أمره؟

فأسمعني القوم وأسمعتهم، فلمّا قدمت مكة سمعت أهلها يتحدّثون أنّ الضحّاك بن قيس أغار على الحيرة فاحتمل من أموالها ما شاء، ثُمّ انكفأ راجعاً سالماً، وإنّ الحياة في دهر جرّأ عليك الضحّاك لذميمة، وما الضحّاك إلاّ فقع بقرقر، وقد توهّمت حيث بلغني ذلك أن شيعتك وأنصارك خذلوك، فاكتب إليّ يابن أبي برأيك، فإن كنت الموت تريد تحملت إليك ببني أخيك وولد أبيك، فعشنا معك ما عشت، ومتنا معك إذا متّ، فواللّه ما أحبّ أن أبقى في الدنيا بعدك فواق ناقة، وأُقسم بالأعزّ الأجلّ أن عيشاً نعيشه بعدك لا هنأ ولا مرأ ولا نجيع والسلام.


الصفحة 80
فكتب إليه أمير المؤمنين (عليه السلام):

" من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى عقيل بن أبي طالب:

سلام عليك، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو، أما بعد ; كلأنا اللّه وإياك كلأة من يخشاه بالغيب إنّه حميد مجيد.

وقد وصل إليّ كتابك مع عبد الرحمن بن عبيد الأزدي تذكر فيه أنّك لقيت عبد اللّه بن أبي سرح مقبلاً من " قديد "، في نحو من أربعين فارساً من أبناء الطلقاء، متوجّهين إلى جهة المغرب، وإن ابن أبي سرح طالما كاد اللّه ورسوله وكتابه، وصدّ عن سبيله، وبغاها عوجاً، فدع عنك ابن أبي سرح، ودع عنك قريشاً وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، ألاّ وإنّ العرب قد أجمعت على حرب أخيك اليوم إجماعها على حرب النّبي قبل اليوم، فأصبحوا قد جهلوا حقّه، وجحدوا فضله، وبادروه بالعداوة، ونصبوا له الحرب، وجهدوا عليه كُلّ الجهد، وجروا إليه جيش الأحزاب. اللهمّ فاجز قريشاً عنّي الجوازي، فقد قطعت رحمي، وتظاهرت عليّ، ودفعتني عن حقّي، وسلبتني سلطان ابن أُمي، وسلّمت ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول، وسابقتي في الإسلام، ألا يدّعي مدّع ما لا أعرفه، ولا أظنّ اللّه يعرفه، والحمد للّه على كُلّ حال.

فأمّا ما ذكرته من غارة الضحّاك على أهل الحيرة، فهو أقلّ وأزل من أن يلم بها أو يدنو منها، ولكنّه قد أقبل في جريدة خيل، فأخذ على السماوة حتّى قربوا من واقصة(1) وشراف(2)

____________

(1) منزل في طريق مكة.

(2) شراف موضع قريب من مكة.


الصفحة 81
والقطقطانة(1) وما وإلى ذلك الصقع، فوجّهت إليه جنداً كثيفاً من المسلمين، فلمّا بلغه ذلك فرّ هارباً، فاتبعوه ولحقوه ببعض الطريق وقد أمعن، وكان ذلك حين طفلت الشمس للإياب، فتناوشوا القتال قليلاً، فلم يبصر إلاّ بوقع المشرفية، وولى هارباً، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلاً ونجا مريضاً بعد ما أخذ منه المخنق، فلأيّ بلاء ما نجا.

فأمّا ما سألتني أن أكتب إليك برأيي فيما أنا فيه، فإنّ رأيي جهاد المحلين حتّى ألقى اللّه، لا تزدني كثرة الناس عزّة، ولا تفرقّهم عنّي وحشة، لأني محقّ واللّه مع الحقّ، وواللّه ما أكره الموت على الحقّ، وما الخير كُلّه إلاّ بعد الموت لمن كان محقّاً.

وأمّا ما عرضت به من مسيرك إلى بنيك وبني أبيك، فلا حاجة لي في ذلك، فأقم راشداً محموداً، فواللّه ما أحبّ أن تهلكوا معي إن هلكت، ولا تحسبن ابن أبيك لو أسلمه الناس متخشّعاً ولا متضرّعاً، إنّه لكما قال أخو بني سليم:


فإن تسأليني كيف أنت فإنّني صبور على ريب الزمان صليب
يعزّ عليّ أن ترى بي كآبة فيشمت باغ أو يساء حبيب "(2)

____________

(1) موضع قرب الكوفة.

(2) شرح نهج البلاغة 2: 120، الإمامة والسياسة: 54، بحار الأنوار 34: 24، جواهر المطالب 1: 366.


الصفحة 82
وهذا الكتاب من عقيل المروى بطرق متعدّدة، يدلّنا على أنّه كان مع أخيه الإمام في حياته غير مفارق له، فإنّ الكتاب الذي كتبه إليه بعد غارة الضحّاك على أطراف أعماله وذلك قرب شهادة أمير المؤمنين.

اذن فالقول بأنّ وفادة عقيل على معاوية بعد أخيه متعيّن، كما اختاره السيّد المحقّق في الدرجات الرفيعة، وجعله ابن أبي الحديد الأظهر عنده، وقد وضح من ذلك أنّه لم يكن مع معاوية بصفين.


الصفحة 83

الحديدة


أما حديث الحديدة المحماة التي أدناها منه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فليس فيها ما يدلّ على اقترافه إثماً أو خروجاً عن طاعة، فإنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أراد بذلك تهذيبه بأكثر ممّا تتهذّب به العامّة، كما هو المطلوب من مثل عقيل والمناسب لمقامه.

فعرّفة " سيّد الأوصياء " أنّ إنساناً بلغ من الضعف إلى أن يئنّ من قرب الحديدة المحماة بنار الدنيا من دون أن تمسّه، كيف يتحمّل نار الآخرة في لظى نزّاعة للشوى وهو مضطرم بين أوارها، فمن واجب الإنسان الكامل التبعّد منها بكبح النهمة وكسر سورة الجشع والمكابدة للملمّات القاسية، فهي مجلبة لمرضاة الربِّ ومكسبة لغفرانه، وإن كان غيره من أفراد الرعية يتبعّد عنها بترك المحرّمات فحقيق بمثله ـ وهو ابن بيت الوحي ورجالات عصبة الخلافة ـ التجنّب حتّى عن المكروهات، وما لا يلائم مقامه من المباحات، ويروّض نفسه بترك ذلك كُلّه حتّى تقتدي به الطبقات الواطئة بما يسعهم، أو يسلون أنفسهم بمقاسات مثل عقيل الشدائد في دنياه، فلا يبهضهم الفقر الملم والكرِّب المدّلهم فربّ مباح ينقم عليه من مثله ولا يلام من هو دونه بارتكابه فإنّ " حسنات الأبرار سيئات المقرّبين ".

وأمير المؤمنين أراد أن يوقف أخاه على هذا الخطر الممنع الذي حواه، وقد ذهل عنه في ساعته تلك.


الصفحة 84

افتراء


قال الصفدي: " لقد بغض عقيل إلى الناس ذكره مثالب قريش، وما أُوتي من فضل وعلم بالنسب والسرعة في الجواب، حتّى قالوا فيه الباطل ونسبوه إلى الحمق "(1).

واختلقوا عليه أحاديث كان بعيداً عنها، فوضعوا على لسان أمير المؤمنين ما ينقص من قدره ويحطّ من كرامته، زعماً منهم أنّ في ذلك تشويهاً لأهل هذا البيت الطاهر ـ بيت أبي طالب ـ بإخراجهم عن مستوى الإنسانية فضلاً عن الدين، بعد أن أعوزتهم الوقيعة في سيّد الأوصياء بشيء من تلك المفتريات، فطفقوا يشوّهون مقام أبيه وحامته، ولكن لا ينطلي ذلك على الجيل المنقب، حتّى كشف عن تلك النوايا السيئة، وعرف الملأ افتعال الحديث وبعده عن الصواب.

قالوا في الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " ما زلت مظلوماً منذ ولدتني أُمي، حتّى إن كان عقيل ليصيبه رمد فيقول: لا تذروني حتّى تذروا علياً، فيذروني وما بي رمد "(2).

____________

(1) نكت الهميان: 200.

(2) علل الشرائع 1: 45.


الصفحة 85
لا أقرأ هذا الحديث إلاّ ويأخذني العجب، كيف رضي المفتعل بهذه الفريّة البيّنة! فإنّ أمير المؤمنين ولد ولعقيل عشرون سنة، وهل يعتقد أحد أو يظنّ أنّ إنساناً له من العمر ذلك المقدار، إذا اقتضى صلاحه شرب الدواء، يمتنع منه إلاّ إذا شرب مثله أخوه البالغ سنة واحدة أو سنتين؟! كلاّ لا يفعله أي أحد وإن بلغ الغاية في الخسّة والضعف، فكيف بمثل عقيل المتربّي بحجر أبي طالب والمرتضع درّ المعرفة! خصوصاً مع ما يشاهد من الآيات الباهرة من أخيه الإمام منذ ولادته.

نعم، الضغائن والأحقاد حبّذت لمن تخلّق بها التردّد في العمي والخبط في الضلال من دون رويّة أو تفكير { اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ }(1).

نعم، كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول غير مرّة: " ما زلت مظلوماً "(2) من دون تلك الزيادة، يعني بذلك دفعه عن حقّه الواجب على الأُمّة القيام به والميل عنه، وتعطيل أحكام اللّه بالأخذ من غيره، وتقديم من ليس له قدم ثابت في كُلّ مكرمة، ولا نصّ من صاحب الشريعة، ولا فقه ناجع ولا إقدام في الحروب.

وحيث إنّ في هذه الكلمة حطّاً بمن ناوأه، زحزحوها عنهم وألصقوها بذلك السيّد الكريم، وما أسرع أن عاد السهم فكان كالباحث عن حتفه بظلفه.

____________

(1) المجادلة: 19.

(2) علل الشرائع 1: 45، الاعتقادات في دين الامامية للصدوق: 105، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 306.


الصفحة 86

الخلف عن عقيل


الخلف الصالح يخلّد ذكر سلفه، فلا يزال ذكره حيّاً بعمره الثاني من ذكر جميل، وثناء جزيل، وترحّم متواصل، واستغفار له منه وممّن تعرف به، وفي الحديث: إن ابن آدم إذا مات انقطع عمله من الدنيا إلاّ من ثلاث، وعدّ منها الولد الصالح.

ومن أجلى الواضحات أنّ هذا التذكير يختلف حسب تدرّج الأولاد في المآثر، فمهما كان قسطهم منها أكثر فهم لمجد آبائهم أخلد، وكذلك الأسلاف فكُلّما كانوا في الشرف والسؤدد أقرب فانتشار فضلهم بصالحي خلفهم أسرع.

إذاً فما ظنّك بمثل عقيل بن أبي طالب ذلك الشريف المبجّل، وقد خلّفه " شهيد الكوفة " وولده الأطايب " شهداء الطفّ "(1)، الذين لم يسبقهم ولا يلحقهم لاحق، فلو لم يكن لعقيل شيء من الخطر والعظمة لتسنم بهؤلاء الأكارم أوج العلى والرفعة.


وكَم أب قد عَلا بابنِ ذُرى شَرف كَما عَلا برسُولِ اللّه عَدنانِ

وكيف به وهو من أشرف عنصر في العالم كُلّه؟!

____________

(1) في كامل الزيارة: 241: كان علي بن الحسين يميل إلى ولد عقيل فقيل له: " ما بالك تميل إلى بني عمّك هؤلاء دون آل جعفر؟

فقال (عليه السلام): " إنّي لاذكر يومهم مع أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) فأرقّ لهم ".


الصفحة 87
ولم يزل له ذكر خالد في أحفاده المتعاقبين، فإنّهم بين علماء أعاظم، وفقهاء مبرزين، وشعراء، ومحدّثين، وأُمراء صالحين، ونسّابين، وقد انتشروا في مصر ونصيبين واليمن وحلب وبيروت والمدينة والكوفة والحلّة وطبرستان وخراسان وجرجان وكرمان وقم وإصفهان.

وكان القاسم بن محمّد بن عبد اللّه بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب فاضلاً تقياً وأخوه عقيل جليل ثقة ثبت صاحب حديث، وعمّهما عقيل بن عبد اللّه نسابةً مشجّراً، وحفيد عقيل هذا جعفر بن عبد اللّه الأصفهاني عالم نسّابة شيخ شبل ابن نكبن مات سنة 334 هـ.

ومحمّد بن مسلم بن عقيل بن عبد اللّه بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب، يعرف بابن المزينة، كان أمير المدينة قتله ابن أبي الساج.

وابنه أبو القاسم أحمد بن محمّد المذكور كان له أدب وفضل، مات سنة 330 هجرية.

والعبّاس بن عيسى الأوقص، ولي القضاء للداعي الكبير الحسن بن زيد على جرجان، وقد أولد بكرمان(1).

ومن أحفاد عقيل العلاّمة الجليل السيّد إسماعيل بن أحمد النوري الطبرسي، من علمائنا الأعاظم، شارح نجاة العباد لشيخ الطائفة المحقّق الحجة " صاحب الجواهر " (قدس سره)، طبع منها جزءان إلى آخر الزكاة، وله كفاية الموحدين مطبوعة.

وكان في كربلاء المشرّفة بيت كبير وطائفة جليلة يعرفون بالعقيلين، لهم أوقاف كثيرة، وقد انقرضوا وبقي منهم رجل واحد.

____________

(1) أُنظر ذلك في عمدة الطالب: 35.