الصفحة 182

عثرة التأريخ


لقد كان من نفوذ بصيرة العبّاس أنّه لم تقنعه هاتيك التضحية المشهودة منه، والجهاد البالغ حدّه، حتّى راقه أن يفوز بتجهيز المجاهدين في ذلك المأزق الحرج، والدعوة إلى السعادة الخالدة في رضوان اللّه الأكبر، وأن يحظى بأُجور الصابرين، على ما يَلمّ به من المصاب بفقد الأحبة، فدعا أُخوته من أُمه وأبيه وهم " عبد اللّه، وجعفر، وعثمان " وقال لهم: " تقدّموا حتّى أراكم قد نصحتم للّه ولرسوله، فإنّه لا ولد لكم "(1).

فإنّه أراد بذلك تعريف أُخوته حقّ المقام، وأنّ مثولهم بهذا الموقف لم يكن مصروفاً إلاّ إلى جهة واحدة وهي: المفادات والتضحية في سبيل الدين، إذ لم يكن لهم أي شائبة أو شاغلة تلهيهم عن القصد الأسنى من عوارض الدنيا، من مراقبة أمر الأولاد بعدهم، ومَن يرأف بهم ويربيهم، فاللازم حينئذ السير إلى الغاية الوحيدة وهي: الموت دون حياة الشريعة المقدّسة، فكانوا كما شاء ظنّه الحسن بهم، حيث لم يألوا جهداً في الذب عن قدس الدين، حتّى قضوا كراماً متلفّعين بدم الشهادة.

____________

(1) الارشاد للشيخ المفيد 2: 209، مثير الأحزان لابن نما: 50، لواعج الأشجان: 178.


الصفحة 183
لكن هلمّ واقرأ العجيب الغريب فيما ذكر ابن جرير الطبري في التاريخ ج6 ص257 قال: " وزعموا أنّ العبّاس بن علي قال لأخوته من أُمّه وأبيه عبد اللّه وجعفر وعثمان: يا بني أُمي تقدّموا حتّى أرثكم، فإنّه لا ولد لكم، ففعلوا وقتلوا "(1).

وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: " قدّم أخاه جعفر بين يديه، لأنّه لم يكن له ولد ليحوز ميراثه العبّاس، فشدّ عليه هاني بن ثبيت فقتله "(2).

وفي مقتل العبّاس قال: " قدّم أُخوته لأُمه وأبيه، فقتلوا جميعاً، فحاز مواريثهم، ثُمّ تقدّم وقتل فورثهم وإياه عبيد اللّه، ونازعه في ذلك عمّه عمر بن علي، فصولح على شيء رضي به "(3).

هذا غاية ما عندهما، وقد تفرّدا به من بين المؤرّخين وأرباب المقاتل، ولا يخفى على من له بصيرة وتأمّل بعده عن الصواب.

وما أدري كيف خفي عليهما حيازة العبّاس ميراث أُخوته مع وجود أُمهم أُم البنين، وهي من الطبقة المتقدّمة على الأخ، ولم يجهل العبّاس شريعة تربّى في خلالها؟!

على أنّ هذه الكلمة لا تصدر من أدنى الناس، سيّما في ذلك الموقف الذي يذهل الواقف عن نفسه وماله، فأيّ شخص كان يدور في خُلدهِ ذلك اليوم حيازة المواريث بتعريض ذويه وأخوته للقتل؟! وعلى الأخصّ يصدر ذلك من رجل يعلم أنّه لا يبقى بعدهم ولا يتهنّأ بمالهم، بل يكون فعله لمحض أن تتمتّع به أولاده.

____________

(1) تاريخ الطبري 4: 342، الكامل في التاريخ 4: 76.

(2) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج: 54.

(3) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج: 55.


الصفحة 184
بئست الكلمة القبيحة التي راموا أن يلوثّوا بها ساحة ذلك السيّد الكريم.

فهل ترغب أنت أن يقال لك: عرضت أُخوتك وبني أُمك لحومة الوغى لتحوز مواريثهم؟! أم أنّ هذا من الدناءة والخسّة، فلا ترضاه لنفسك، كما لا يرغب به سوقة الناس وأدناهم، فكيف ترضى أيّها المنصف ذلك لمن علّم الناس الشهامة وكرم الأخلاق، وواسى حجّة وقته بنفسه الزاكية؟!

وكيف ينسب هذا لخرّيج تلك الجامعة العُظمى، والمدرسة الكبرى، جامعة النبّوة، ومدرسة الإمامة، وتربّى بحجر أبيه، وأخذ المعارف منه ومن أخويه الامامين؟!

ولو تأمّلنا جيداً في تقديمه إياهم للقتل لعرفنا كبر نفسه، وغاية مفاداته عن أخيه السبط، فلذة كبد النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومهجة البتول، فإنّ من الواضح البيّن أنّ غرضه من تقديمهم للقتل:

1 ـ إمّا لأجل أن يشتدّ حزنه، ويعظم صبره، ويرزأ بهم، ويكون هو المطالب بهم يوم القيامة، إذ لا ولد لهم يطالبون بهم.

2 ـ وإمّا لأجل حصول الاطمئنان والثقة من المفادات دون الدين، أمام سيّد الشهداء، ويشهد له ماذكره الشيخ المفيد في الإرشاد، وابن نما في مثير الأحزان من قوله لهم: " تقدّموا حتّى أراكم قد نصحتم للّه ولرسوله، فإنّه لا ولد لكم "، ولم يقصد بهم المخايل، وإنمّا رام أبو الفضل أن يتعرّف مقدار ولائهم لقتيل العبرة. وهذا منه (عليه السلام) إرفاق بهم، وحنان عليهم، وأداء لحقّ الأُخوة بإرشادهم إلى ما هو الأصلح لهم.


الصفحة 185
3 ـ وإمّا لأجل أن يكون غرضه الفوز بأجر الشهادة بنفسه، والتجهيز للجهاد بتقديم أُخوته ليثاب أيضاً بأجر الصابرين، ويحوز كلتا السعادتين، وربما يدلّ عليه ماذكره أبو الفرج في مقتل عبداللّه من قول العبّاس له: " تقدّم بين يدي حتّى أراك قتيلاً واحتسبك، فكان أول من قتل من أُخوته ".

وذكر أبو حنيفة الدينوري أنّ العبّاس قال لأُخوته: " تقدموا بنفسي أنتم وحاموا عن سيّدكم حتّى تموتوا دونه، فتقّدموا جميعاً وقتلوا ".

ولو أراد أبو الفضل من تقديمهم للقتل حيازة مواريثهم ـ وحاشاه ـ لم يكن لاحتساب أخيه عبداللّه معنى، كما لا معنى لتفديتهم بنفسه الكريمة كما في الأخبار الطوال(1).

وهناك مانع آخر من ميراث العبّاس لهم وحده، حتّى لو قلنا على بعد ومنع بوفاة أُم البنين يوم الطف، فإنّ ولد العبّاس لم يكن هو الحائز لمواريثهم، لوجود الأطراف وعبيد اللّه بن النهشلية، فإنهّما يشتركان مع العبّاس في الميراث، كما يشاركهم سيّد شباب أهل الجنّة، وزينب العقيلة، وأم كلثوم، ورقية، وغيرهنّ من بنات أمير المؤمنين، فكيف والحال هذا يختصّ العبّاس بالميراث وحده؟!

هذا كُلّه إن قلنا بوفاة أُم البنّين يوم الطف، ولكن التاريخ يثبت حياتها يومئذ وأنّها بقيت بالمدينة، وهي التي كانت ترثي أولادها الأربعة.

____________

(1) الأخبار الطوال: 257.


الصفحة 186
والذي أظنّه أن منشأ ذلك التقوّل على العبّاس أنّه أوقفهم السير على قوله لأخوته: " لا ولد لكم "، من غير رويّة وتفكير في غرضه ومراده، فحسبوه أنّه يريد الميراث، فنّوه به واحد باجتهاده أو احتماله، وحسبه الآخرون رواية، فشوّهوا به وجه التاريخ، ولم يفهموا المراد، ولا أصابوا شاكلة الغرض، فإنّ غرضه من قوله: " لا ولد لكم " تراقبون حاله بعدكم، فاسرعوا في نيل الشهادة والفوز بنعيم الجنان.

على أنّ شيخنا العلاّمة الشيخ عبد الحسين الحلّي في النقد النزيه ج1 ص99 احتمل تصحيف (إرثكم) من (أُرزأ بكم) أو (أرزأكم)، وليس هذا ببعيد.

وأقرب منه احتمال شيخّنا الحجّة الشيخ آغا بزرك مؤلّف كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) تصحيف (إرثكم) من (أرثيكم)، فكأنّه (عليه السلام) أراد أولاً: أن يفوز بالإرشاد إلى ناحية الحقّ، وثانياً: تجهيز المجاهدين، وثالثاً: البكاء عليهم ورثائهم، فإنّه محبوب للمولى تعالى.

ويشبه قول العبّاس لأُخوته قول عابس بن أبي شبيب الشاكري لشوذب مولى شاكر: " يا شوذب ما في نفسك أنّ تصنع؟ قال: أُقاتل معك دون ابن بنت رسول اللّه حتّى أقُتل! فقال: ذلك الظنّ بك، فتقدّم بين يدي أبي عبداللّه حتّى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه، وحتّى احتسبك أنا، فإنّه لو كان معي الساعة أحدُ أنا أولى به منك لسرّني أن يتقدّم بين يدي حتّى أحتسبه، فإنّ هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجر فيه بكُلِّ ما قدرنا عليه، فإنّه لا عمل بعد اليوم، وإنّما هو الحساب "(1) (الطبري ج6 ص254).

____________

(1) تاريخ الطبري 4: 338.


الصفحة 187

حديث الصادق


إنّ ما يتعرّف منه منزلة أبي الفضل العالية وإثبات الخصال الحميدة له، إخبار أئمة الدين العارفين بضمائر العباد وسرائرهم، الواقفين على نفسيّات الأُمة على كثب بتحقّقها فيه، وقد عبثت أيدي التلف في أكثرها، فإنّ الصدوق يحدّث في الخصال ج1 ص35 بعد ذكره حديث السجّاد في فضل العبّاس أنّه أخرج الخبر بتمامه، مع أخبار في فضائل العبّاس في كتاب مقتل الحسين (عليه السلام).

وظاهره أن هناك أخباراً كثيرة في فضل أبي الفضل رويت عنّا ككتابه المقتل، ولا غرو فلقد اندثر بتعاقب الحوادث الكثير من المؤلّفات.

وكيف كان، فلعلّ من تلك الأخبار ما رواه في عمدة الطالب، عن الشيخ الجليل أبي نصر البخاري النسّابة، عن المفضّل بن عمر أنّه قال: " قال الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام): كان عمّنا العبّاس بن علي نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبداللّه وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً "(1).

وكذلك قوله (عليه السلام) فيما علّم شيعته أن يخاطبوه به من لفظ الزيارة، المرورية بسند صحيح متفق عليه، فإنّه عند التأمّل فيما

____________

(1) عمدة الطالب لابن عنبة: 356، مقتل الحسين لأبي مخنف: 176. الأنوار العلوية للنقدي: 442.


الصفحة 188
خاطبه به الإمام العارف بأساليب الكلام ومقتضيات الأحوال، تظهر لنا الحقيقة، ونعرف منزلة للعبّاس سامية لاتعد ومنزلة المعصومين، فقال (عليه السلام) في صدر سلام الإذن:

" سلام اللّه، وسلام ملائكته المقرّبين، وأنبيائه المرسلين، وعباده الصالحين، وجميع الشهداء والصدّيقين، الزاكيات الطيّبات، فيما تغتدي وتروح عليك يا بن أمير المؤمنين ".

فإنّه أشار بهذا إلى مصبّ سلام اللّه الذي هو رحمته المتواصلة والعطف الغير محدود الذين لا انقطاع لهما.

وسلام الملائكة المشاهدين لمقادير الرجال في ملأ القدس وحظيرة الجلال.

وسلام الأنبياء الذين لا يعدون مرضات اللّه ووحيه في أفعالهم وتروكهم.

وسلام الصالحين والشهداء الذين أدركوا بفضل الاتصال بالرسل وأوصيائهم أو بالتجرّد ومشاهدة الحقائق الثابتة في عالم الغيوب، زيادة على ما عرفوه من مقام أبي الفضل وفضله.

فكُلّ هؤلاء يتقرّبون إلى اللّه تعالى بالدعاء له، واستنزال الرحمة منه سبحانه، وإهداء التسليمات إليه، لمّا عرفوا أنّه من أقرب الوسائل إليه، وحيث كانت خالصة للزلفة، ماحضة في التقرّب إليه جلّ ذكره، عادت زاكية طيّبة بنصّ الزيارة: " الزاكيات الطيّبات ".

وأمّا على رواية ابن قولويه في كامل الزيارة من زيادة (واو العطف) قبل الزاكيات الطيّبات، فيراد بهما العنايات الخاصّة التي ليست بدعاء من أحد، ولا بأسباب عادية، ولا يعدم هذه الأنبياء

الصفحة 189
والأوصياء والأقلّون ممّن اقتفوا أثرهم، وليست هي شرعة لكُلّ وارد، وإنّما يحظى بها الأفذاذ ممّن كهربتهم القداسة الإلهية، وجذبتهم جاذبة الصقع الربوبي، وهكذا المقرّبون والأفذاذ عند صعودهم.

وإذا قرأنا زيارة الصادق (عليه السلام) لجدّه الحسين: " سلام اللّه وسلام ملائكته فيما تروح وتغدو، والزاكيات الطاهرات لك وعليك، سلام الملائكة المقرّبين والمسلمين لك بقلوبهم والناطقين بفضلك... "(1) وضح لنا أنّ منزلة أبي الفضل تضاهي منزلة الحسين، حيث أثبت له مثل هذا السلام.

ثُمّ قال (عليه السلام): " أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النّبي المرسل "(2).

هاهنا أثبت لأبي الفضل منزلة التسليم التي هي من أقدس منازل السالكين، وفوق مرتبة الرضا والتوكّل، فإنّ أقصى مرتبة الرضا أن يكون محبوب المولى سبحانه محبوباً له، موافقاً لطبعه، فالطبع ملحوظ فيه.

وأقصى مراتب التوكّل أن ينزل نفسه بين يدي المولى سبحانه وتعالى منزلة الميت بين يدي الغاسل، بحيث لا إرادة له إلاّ ما يفعله الغاسل به، فصاحب التوكّل مسلوب الإرادة، وأمّا صاحب التسليم فلا يرى لغير اللّه وجوداً مع اللّه فضلاً عن نفسه، ولا يكون له طبع يوافق أو يخالف في الإرادة، أو نفساً قد تنفّست بالإرادة، فهو قريب من عالم الفناء.

____________

(1) كامل الزيارات: 358، بحار الأنوار 98: 148.

(2) كامل الزيارات: 440.


الصفحة 190
وهذه المرتبة فوق مرتبة التوكّل التي هي فوق مرتبة الرضا لا تحصل إلاّ بالبصيرة النافذة، والوصول إلى أعلى مراتب اليقين، تلك المرتبة التي أخبر عنها أمير المؤمنين (عليه السلام): " لو كُشِف الغطاء ما ازددت يقيناً ".

أمّا العناوين الثلاثة وهي: " التصديق، والوفاء، والنصيحة " فلا شكّ أنّ الإمام يريد أن أبا الفضل في أرقى مراتبها، لانبعاثها عن التسليم، وهو حقّ اليقين، فإنّه المناسب لتصديقه بأخيه الحجّة، وبنهضته في ذلك الموقف الحرج، وهكذا وفاؤه ونصيحته، فإنّ وفاء شخص لآخر كما يمكن أن يكون لأجل الأُخوة والرحم والصحبة ويمكن أن يكون لأجل المعرفة التامّة، بما أوجب اللّه له من الحرمة والحقّ على الأُمة.

وحيث إنّ الإمام أثبت لأبي الفضل أرقى مرتبة السالكين، وهي التسليم اللازم لحقّ اليقين، فلا بدّ أن يكون ما صدر منه من التصديق بنهضة أخيه والوفاء لحقّه والمناصحة في العمل، منبعثاً عن حقّ اليقين بذلك الأمر الواجب، لا لأجل أنّ الحسين أخوه أو رحمه أو ابن رسول اللّه، فإنّ هذه المرتبة وإن مُدح عليها الشخص إلاّ أنّ المرتبة الأُولى أرقى وأرفع، ولا ينالها إلاّ ذوو النفوس القدسيّة ممّن وجبت لهم العصمة.

ويؤيّد ذلك تعقيب العناوين الثلاثة بقوله (عليه السلام): " لخلف النّبي المرسل "، فإنّه لو لم يرد هذا لقال في الخطاب: (لأخيك) أو (للحسين) أو (لابن أمير المؤمنين)، فالتعبير بخلف النّبي لا يُراد منه إلاّ أنّ الدافع لأبي الفضل على التسليم والتصديق والوفاء والنصيحة بالمفادات إلاّ كون الحسين إماماً مفروض الطاعة، وهذا

الصفحة 191
مغزى لا يبعث إليه إلاّ البصيرة المميّزة لشرف الغايات المتحرّية لكرائمها.

ثُمّ إنّ من تخصيص الإمام الخطاب له دون غيره من الشهداء بقوله: " لعن اللّه من جهل حقّك واستخفّ بحرمتك " نعرف أنّ غيره من الشهداء لم يُدرك هذا المدى، وإن كان لكُلّ منهم حقّاً وحرمة، إلاّ أنّ شبل أمير المؤمنين كانت معارفه أوسع، وإيمانه أثبت، فكان له حقّ في الدين، وحقّ على الأُمة لا ينكر، فاستحقّ بكُلّ منهما اللعن على جاهله والمستخف به، فالشهداء وإن أخلصوا في التضحية والمفادات، وكان منبعثاً عن طهارة الضمائر والمعرفة بحقّ الإمام، فلهم حقوق وحرمات، لكن لحق العبّاس منعة بين هاتيك الحقوق، ولحرمته بذخ بين تلك الحرمات، بعد ما ثبت منهما لأخيه الإمام المظلوم، لنفوذ بصيرته، وصلابة إيمانه بنصّ الصادق.

ثُمّ قال الصادق (عليه السلام) في الزيارة المتلوة داخل الحرم: " أَشهد وأُشهد اللّه أنّك مضيت على ما مضى به البدريّون "(1).

لقد جرى التشبيه بالبدريّين مجرى التقريب إلى الأذهان، في الإشادة بموقف أبي الفضل من البصيرة، فإنّ أهل بدر أظهر أفراد أهل البصائر ; لأنّهم قابلوا طواغيت قريش على حين ضعف في المسلمين، وقلّة في العدّة والعتاد، فلم يملكوا إلاّ فرسين أحدهما: لمرثد بن أبي مرثد الغنوي، والآخر: للمقداد بن الأسود الكندي، وكانوا يتعاقبون على سبعين بعير، الاثنان والثلاثة(2).

____________

(1) المزار للشيخ المفيد: 122، المزار للمشهدي: 166، بحار الأنوار 97: 427.

(2) الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 12، تاريخ الطبري 2: 172، سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي 4: 24، تفسير البغوي 1: 283.


الصفحة 192
لكنّهم خاضوا غمرات الموت تحت راية النبوّة، بقوّة الإيمان، وعتاد البصيرة، إلاّ من استولى الرين على قلبه، فردّوا سيوف قريش مفلولة، ورماحهم محطّمة، وجموعهم بين قتلى وأسرى ومشرّدين، فحظوا بأوّل فتح إسلامي، قويت به دعائمه وشيّدت معالمه من الإمداد { بِخَمْسَةِ آلاف مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ }(1).

وأعظم من ذلك مشهد الطفّ الذي التطمت فيه أمواج الموت، وكشفت الحرب عن ساقها، وكشفت عن نابها.


وللأخَطَارِ وَجهٌ مُكفَهِر يُشيِبُ لِهَولِه المُردِي الغُلاّمِ
تَرى الأبطَال مِن فَرِق سُكَارَى يُدَارُ مِن الرَدَى فِيهم مُدَام

فقابلهم عصبة الحقّ من غير مدد يأملونه، أو نصرة يرقبونها، والعطش معتلج بصدورهم، ونشيج الفواطم من ورائهم، فتلقّوا جبال الحديد بكُلِّ صدر رحيب، وجنان طامن، فلم تسل تلك النفوس الطاهرة إلاّ على قتل أُميّة المنقوض، ولا أُريقت دماؤهم الزاكية إلاّ على حبلهم المنتكث، فلم تبرح آل حرب إلاّ كلعقة الكلب أنفه، حتّى اكتسحت معرتهم من أديم الأرض، وتفرّقوا أيدي سبا، فيوم الطفّ فتح إسلامي بعد الجاهلية المستردة من جراء أعمال الأمويين(2).

____________

(1) آل عمران: 125، قال تعالى: (بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلاف مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ).

(2) لقد أجاد العلاّمة السيّد باقر نجل آية اللّه السيّد محمّد الهندي (رحمه الله) إذ يقول:


لَو لَم تَكُن جمعت كُلّ العلا فينا لكَانَ مَا كَانَ يَومَ الطّفِ يَكفيِنَا
يَومٌ نَهضنَا كأَمثالِ الأُسودِ بهِ وأَقبلَت كالدِّبا زَحفَاً أَعاديِنَا
جَاؤُوا بسبعيِن أَلفاً سُلّ بقيِتَهم هَل قَابلوَنا وَقد جِئنَا بِسبعِنَا


الصفحة 193
وإليه أشار الإمام الشهيد في كتابه إلى بني هاشم لمّا حلّ أرض كربلاء: " من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلّف عنّي لم يبلغ الفتح "(1).

فإنّه (عليه السلام) لم يرد بالفتح إلاّ ما ترتّب على نهضته المقدّسة وتضحيته الكريمة، من نقض دعائم الإلحاد، وكسح أشواك الباطل عن صراط الشريعة المطهّرة، وإحياء دين جدّه الصادع به، الذي لاقى المتاعب في تأييده وتشييده.

وأنت أيّها البصير إذا استشففت الحادثة من وراء نظارة في التنقيب تجد سيّدنا أبا الفضل سيّد القوم بعد أخيه السبط، وهو المسدد لهم في النضال.

كما أنّ الباحث إذا أعطى النظر حقّه يجد ضحايا (الطفّ) أشدّ انقطاعاً عن المدّد من مجاهدي يوم بدر، وأبلغ بأساً، وأقلّ عدداً، مع اكتناف الكوارث بهم، واعواز الملجأ أكثر ممّا احتفّ بأهل بدر.

مع أنّ المناوئين لشهداء (الطفّ) أوفر عدداً، وأقوى عتاداً، وأوثق مدداً. وإنّ لهم دولة مؤسسة، تنضّددت جحافلها، وخفقت بنودها، وتواصلت قواتها بخلاف الحالة يوم بدر.

____________

(1) بصائر الدرجات للصفّار: 502، دلائل الامامة للطبري الشيعي: 188، الخرائج والجرائح للراوندي 2: 771، مثير الأحزان لابن نما: 27.


الصفحة 194
فلقد كان المحاربون للمسلمين شتات، من طواغيت العرب، حداهم إلى الحرب بواعث الحقد والنخوة، ومن المحتمل القريب انحلال جامعتهم إذا ضربت الحرب عليهم بجرانها لأنّهم كانوا يفقدون أيّ مدد من القبائل، ولم يخرجوا متأهّبين للاستمداد، حيث ظنّوا خوراً في المسلمين، وحسبوا استئصال شأفتهم وأنّهم كشربة ماء (ولكن لا مبدّل لحكم اللّه تعالى).

فالموقف يوم الطفّ أحرج، والكرب أكثر، والمقاسات أصعب، وبقدر المشقّة تجري الأُجور، وتقسم الفضائل، فشهداء كربلاء أولى بالفضيلة.

وضَرب الإمام (عليه السلام) المثل لهم بأهل بدر إذ يقول: " إنّك مضيت على ما مضى به البدريون " لا يوجب فضيلة أهل بدر عليهم، كما هي قاعدة التشبيه، وإنّما ذلك من باب التقريب إلى الأفهام، كما في قوله تعالى: { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ... }(1).

وأين من النور الإلهي المشكاة ومصباحها، ولكن لمّا لم تدرك الأبصار ذلك النور الأقدس، وإنّما تُدركه البصائر، ضرب اللّه تعالى المثل بما يدركونه ; تقريباً للأذهان، وهكذا الحال فيما نحن فيه.

وإلى هذه الدقيقة وقع الإيعاز منه (عليه السلام) فيما بعد هذه الفقرة من الزيارة بقوله (عليه السلام): " فجزاك اللّه أفضل الجزاء، وأكثر الجزاء، وأوفر الجزاء، وأوفى جزاء أحد ممّن وفى ببيعته، واستجاب له دعوته، وأطاع ولاة أمره "(2).

____________

(1) النور: 35.

(2) كامل الزيارات: 441، تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي 6: 66، المزار للمفيد: 122، المزار للمشهدي: 178.


الصفحة 195
فلو كان في المجاهدين من هو أوفر فضلاً من أبي الفضل العبّاس لكان هذا الدعاء، أو الإخبار عن أمره شططاً من القول، خارجاً عن ميزان العدل، تعالى عنه كلام المعصوم، فإذن لم يكن غيره من المجاهدين مطلقاً أوفر فضلاً، ولا أكثر جزاءً، ولا أوفى بيعة إلاّ من أخرجه الدليل من الأئمة المعصومين.

ثُمّ إنّ هناك مرتبة أُخرى ثبتت لأبي الفضل، خصّه بها الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: " أشهد أنّك قد بالغت في النصيحة، وأعطيت غاية المجهود، فبعثك اللّه في الشهداء، وجعل روحك مع أرواح السعداء، وأعطاك من جنانه أفسحها منزلاً، وأفضلها غرفاً "(1).

فإنّ المبالغة في أمثال المقام عبارة عن بلوغ الأمر إلى حدوده اللازمة، وكم له من نظير في استعمالات العرب ومحاوراتهم. ولا شكّ أنّ كُلِّ واحد من شهداء الطفّ قد بالغ في النصيحة، ولم يأل جهداً في أداء ما وجب عليه، ولكُلِّ منهم في ذلك المشهد الدامي شواهد من أقواله وأعماله.

ومن المسلّم أنّ المعروف بقدر المعرفة كماً وكيفاً، فصاحب السنام الأرفع في العرفان المتربّع على أعلى منصّة من الإيمان لا بدّ وأن يقاسي أشد ضروب الجهاد، ويتظاهر بأجمل مظاهرها، من الدؤوب على الحرب والضرب، وإن طال المدى، وبعد الأمد، إن كان الجهاد نضالاً، كما لا بدَّ له من المثابرة على مكافحة النفس

____________

(1) كامل الزيارات: 441، تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي 6: 66، المزار للمفيد: 122، المزار للمشهدي: 178.


الصفحة 196
الأمارة، وكسر شوكتها، وردّ صولتها، وكبح جماحها، وترويض النفس بالطاعة، وإلزامها بلوازمها الشاقة طيلة حياته، إن كان الجهاد نفسياً.

وفي هذين الحالتين لا بدّ وأن يكتنف العمل المقارنات المطلوبة، مثل: نيّة القربّة، والإخلاص فيها، المنبعث عن حبِّ المولى سبحانه، الهادي إلى معرفة تؤهله إلى الطاعة، وعن معرفة نعم الباري عزّ وجلّ الواجب شكرها، وعن الهيبة الناشئة عن لحاظ عظمته، إلى أمثال هذه من الملحوظات.

وقصارى القول: كما أنّ مراتب الإيمان والمعرفة متفاوتة مقولة بالتشكيك، كذلك مراتب العمل متفاوتة حسب تفاوت تلك المراتب، فصاحب عمل كُلِّ مرتبة محدود بحدودها.

وحينئذ فلا شكّ أنّ كُلّ واحد من شهداء الطفّ، وإن بلغ الغاية في الجهاد، وأدّى حقّ النصيحة، لكن (شهيد العلقمي) لمّا كانت بصيرته أنفذ، وعلمه أوفر، وإيمانه أثبت، كان مداه أبعد، وغايته أسمى، وحدوده أوسع، ولذلك خاطبه الصادق (عليه السلام) بهذا الخطاب، وخصّه بالمبالغة في التضحية، فكان هذا كفضيلة مخصوصة به ; لأنّ هاتيك المراتب الراقية لم توجد في غيره.

ولعلّ من ناحية هذه المراتب الثلاث ثبت له (عليه السلام) حقّ في الدين، وحقّ على الأُمة، وحرمة لا تنكر، فاستحقّ أن يخاطبه الإمام في سلام الإذن بقوله: " لعن اللّه من جهل حقّك واستخفّ بحرمتك "(1).

____________

(1) المزار للشهيد الأوّل: 165.


الصفحة 197
وهناك درجة أربى وأربع أشار إليها الصادق بقوله: " ورفع ذكرك في علّيين "(1).

فإنّ " حامى الشريعة " لم يبرح مواصلاً في الخدمات، حتّى أقبل إلى اللّه تعالى متلفّعاً بدم الشهادة، شهادة صكّ نبؤها مسامع الملكوت، حتّى أشرأب له هنالك من أنبياء، ومرسلين، وحجج معصومين، وملائكة مقرّبين، وحور، وولدان، وأرواح مقدّسة، ومقدّسات زاكيات طيّبات، فلم يلق (عليه السلام) في صعوده إليهم إلاّ ثغوراً باسمه، ووجوهاً مستبشرة، وايذاناً له بالبشرى الخالدة، ونعيم الأبدّ، فطفق يرف بين ذلك الجيل القدسي، الزاهر بنور العصمة، ورونق العلم، وهيبة العظمة، وسمات الجلالة، وشارات النزاهة، وبهجة العطف الإلهي، وبهاء النظر إلى الجلال السرمدي، والاتصال بالرضوان الأكبر، وعليه أُبهة الولاء، وجلالة الطاعة، وبلج التضحية، وزلفى المفادات، وزهو العلم والعمل، ولذكره في ذلك المنتدى الرهيب رفعة ومنعة، وإليه يشير الإمام الصادق (عليه السلام) في لفظ الزيارة: " ورفع ذكرك في علّيين ".

فإنّ الغرض من هذا التعبير ليس إلاّ ما شرحناه، لا مجرّد صعود ذكره الطيّب إلى ذلك الملأ الأرفع، شأن كُلِّ صالح في عالم الوجود، لكن الشأن كُلِّه إن يكون لذكر ما لمجيد هنالك بذخ، واكبار فيرمقه كُلّ طرف بنظر الاجلال، ويسمع الهتاف به بإذن التقدير، وتنعقد الضمائر على تقديسه، ولو أراد الإمام مجرّد ذكره إلى ذلك العالم القدسي لقال في الخطاب: " ورفع ذكرك إلى

____________

(1) كامل الزيارات: 441، المزار للشهيد الأوّل: 133.


الصفحة 198
عليين "، ولكن حيث إنّه أراد رفع الذكر بين أفراد أُولئك الذين أختصّ محلّهم فيه جاء بفاء الظرفية فقال: " في علّيين ".

وأما قوله (عليه السلام) في الزيارة التي رواها المجلسي في مزار البحار ص165 عن مزار الشيخ المفيد وابن المشهدي: " لعن اللّه أُمة استحلّت منّك المحارم، وانتهكت فيك حُرمة الإسلام "(1) ; فيرشدنا إلى مكانة سامية لأبي الفضل، تصعد به إلى فوق مرتبة العصمة، فإنّا لم نجد مثل هذا الخطاب في أي واحد من الشهداء، مع بلوغهم أعلى مرتبة الفضل التي لم يحزها أي شهيد غيرهم، حتّى استحقّوا أن يخاطبهم الإمام في زيارة النصف من رجب بقوله: " السلام عليكم يا مهديون، السلام عليكم يا طاهرون من الدنس "(2)، ويقول أيضاً: " طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم "(3).

بل لم يخاطب بمثل ذلك علياً الأكبر الذي لا شكّ في عصمته، ومنه يظهر أنّ للعبّاس منزلة ومقاماً يشارف مقام الحجج المعصومين (عليهم السلام)، تناط به حرمة الإسلام، كما تناط بهم صلوات اللّه عليهم، وإنّها تنتهك بمثله كما تنتهك بمثلهم (عليهم السلام)، وهذا مقام فوق العصمة المرجوّة له.

____________

(1) بحار الأنوار 98: 219، المزار للمفيد: 124، المزار للمشهدي: 391.

(2) بحار الأنوار 98: 330، والوارد في الزيارة: "... السلام عليكم يا طاهرون، السلام عليكم يا مهديون... "، نعم ورد في زيارات أُخرى قوله (عليه السلام): " وطهّركم من الدنس " كامل الزيارات: 527.

(3) المزار للشهيد الأوّل: 129، المزار للمشهدي: 465.


الصفحة 199

العبّاس في نظر الأئمة


إنّي لا أحسب القارئ في حاجة إلى الإفاضة في هذه الغاية، بعد ما أوقفناه على مكانة أبي الفضل (عليه السلام)، من العلم والتقى والملكات الفاضلة، من إباء وشمم وتضحية في سبيل الهدى، وتهالك في العبادة، فإنّ أئمة الهدى من أهل البيت (عليهم السلام) يُقدّرون لمن هو دونه في تلكم الأحوال فضله، فكيف به وهو من لحمتهم، وفرع أرومتهم، وغصن باسق في دوحتهم؟! وقد أثبت له الإمام السجاد (عليه السلام) منزلة كبرى لم ينلها غيره من الشهداء ساوى بها عمّه الطيار، فقال (عليه السلام):

" رحم اللّه عمّي العبّاس بن علي، فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتّى قُطعت يداه، فأبدله اللّه عزّوجلّ جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب، إنّ للعبّاس عند اللّه تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة "(1).

ولفظ " الجميع " يشمل مثل حمزة وجعفر الشاهدين للأنبياء بالتبليغ وأداء الرسالة، وقد نفى البعد عنه العلاّمة المحقّق المتبحر في الكبريت الأحمر ص47 ج3.

____________

(1) الأمالي للشيخ الصدوق: 548، الخصال:68.


الصفحة 200
ولعلّ ما جاء في زيارة الشهداء يشهد له: " السلام عليكم أيّها الربّانيون، أنتم لنا فرط وسلف ونحن لكم أتباع وأنصار، أنتم سادة الشهداء في الدنيا والآخرة "(1).

وكذلك قوله (عليه السلام) فيهم: إنّهم لم يسبقهم سابق، ولايلحقهم لاحق.

فقد أثبت لهم السيادة على جميع الشهداء، أنّهم لم يسبقهم ولا يلحقهم أي أحد، وأبو الفضل في جملتهم بهذا التفضيل، وقد انفرد عنهم بما أثبته له الإمام السجاد (عليه السلام) من المنزلة التي لم تكن لأيّ شهيد.

ولهذه الغايات الثمينة، والمراتب العُليا كان أهل البيت (عليهم السلام)يدخلونه في أعالي أُمورهم ما لا يتدخّل فيه إنسان عادي، فمن ذلك مشاطرته الحسين (عليه السلام) في غسل الحسن (عليه السلام)(2).

وأنتَ بعد ما علمت مرتبة الإمامة، وموقف صاحبها من العظمة، وأنّه لا يلي أمره إلاّ إمام مثله، فلا ندحة لك إلاّ الإيمان بأنّ من له أي تدخل في ذلك بالخدمة من جلب الماء وما يقتضيه الحال أعظم رجل في العالم بعد أئمة الدين، فإنّ جثمان المعصوم عند سيره إلى المبدأ الأعلى ـ تقدّست أسماؤه ـ لا يمكن أن يقرب أو ينظر إليه من تقاعس عن تلك المرتبة، إذ هو مقام قاب قوسين أو

____________

(1) كامل الزيارات: 372، تهذيب الأحكام 6: 65، المزار للمفيد: 120، المزار للمشهدي: 388.

(2) ورد في ذخائر العقبى: 141، الذرية الطاهرة للدولابي: 120، وكشف الغمة 2: 171، وبحار الأنوار 44: 137: " وولى غسله الحسين ومحمّد والعبّاس أخوته.. ". ولم يرد في مصدر أن المشارك للحسين (عليه السلام) العبّاس فقط.


الصفحة 201
أدنى، ذلك الذي لم يطق الروح الأمين أن يصل إليه حتّى تقهقر، وغاب النّبي الأقدّس في سبحات الملكوت والجلال وحده إلى أن وقف الموقف الرهيب.

وهكذا خلفاء النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المشاركون له في المآثر كُلّها ما خلا النبوّة والأزواج(1)، ومنه حال انقطاعهم عن عالم الوجود بانتهاء أمد الفيض المقدّس.

وممّا يشهد له أنّ الفضل بن العبّاس بن عبد المطلب كان يحمل الماء عند تغسيل النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، معاوناً لأمير المؤمنين (عليه السلام)على غسله، ولكنّه عصب عينيه خشية العمى إن وقع نظره على ذلك الجسد الطاهر.

ومثله ما جاء في الأثر عن الإشراف على ضريح رسول اللّه، حذراً أن يرى الناظر شيئاً فيعمى(2)، وقد اشتهر ذلك بين أهل المدينة، فكان إذا سقط في الضريح شيء أنزلوا صبياً وشدّوا عينيه بعصابة فيخرجه.

وهذه أسرار لا تصل إليها أفكار البشر، وليس لنا إلاّ التسليم على الجملة، ولا سبيل لنا إلى الإنكار بمجرّد بُعدنا عن إدراك مثلها، خصوصاً بعد استفاضة النقل في أنّ للنّبي والأئمة بعد وفاتهم أحوالاً غريبة، ليس لسائر الخلق معهم شركة، كحرمة

____________

(1) في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): " كلّ ما كان للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلنا مثله، إلاّ النبوّة والأزواج " المحتضر: 47.

(2) فقه الإمام الرضا لابن بابويه: 188، مستدرك الوسائل 2: 197، المسترشد لابن جرير: 336، بحار الأنوار 22: 492.


الصفحة 202
لحومهم على الأرض، وصعود أجسادهم إلى السماء، ورؤية بعضهم بعضاً، وإحيائهم الأموات منهم بالأجساد الأصلية عند الاقتضاء، إذ لا يمنع العقل منه مع دلالة النقل الكثير عليه، واعتراف الأصحاب به(1)، فيصار التحصل أنّ الحواس الظاهرة العادية لا تتحمّل مثل تلك الأمثلة القدّسية، وهي في حال صعودها إلى سبحات القدس إلاّ نفوس المعصومين بعضها مع بعض دون غيرهم، مهما بلغ من الخشوع والطاعة.

لكنّ (عباس المعرفة) الذي منحه الإمام في الزيارة أسمى صفة حظي بها الأنبياء والمقرّبون وهي: " العبد الصالح) تسنّى له التوصّل إلى ذلك المحل الأقدس، من دون أن يذكر له تعصيب عين أو إغضاء طرف، فشارك السبط الشهيد، والرسول الأعظم، ووصيه

____________

(1) قال الشيخ المفيد في أوائل المقالات: 72: " والأئمة من عترته خاصّة لا يخفى عليهم بعد الوفاة أحوال شيعتهم في دار الدنيا، بإعلام اللّه تعالى لهم ذلك، حالاً بعد حال، ويسمعون كلام المناجي لهم في مشاهدهم المكرمة ".

وقال العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار 27: 301 بعد ما نقل كلام الشيخ المفيد المتقدّم: " وهذا مذهب فقهاء الإمامية كافة وحملة الآثار منهم. ولست أعرف فيه لمتكلّميهم من قبل مقالاً.. ".

وفي كنز الفوائد للكراجكي 1: 246، ومنهج الرشاد لمن أراد السداد: 562، وبصائر الدرجات للصفار: 445: أنّ لحومهم محرّمة على الأرض، وأنّها ترتفع إلى السماء بعد ثلاثة أيام.

وحكي عن الشيخ الأعظم قدوة السالكين المولى فتح علي بن المولى حسن السلطان آبادي: أنّه لمّا زار أمير المؤمنين (عليه السلام) ورجع إلى مشهد الحسين أسف على عدم مذاكرته مع علماء النجف في مسألة بقاء جسد الإمام طرياً أو أنّه يبلى، فرأى في المنام أنّه داخل إلى الروضة فرأى جسداً موضوعاً على الحصير والدم يجري من أعضائه، فسأل عنه؟ قيل: إنّه جسد الحسين، أما علمت أنّ أجسادهم لا تُبلى.


الصفحة 203
المقدّم مع الروح الأمين، وجملة الملائكة في غسل الإمام المجتبى الحسن السبط صلوات اللّه عليهم أجمعين(1).

وهذه هي المنزلة الكبرى التي لا يحظى بها إلاّ ذوو النفوس القدسية، من الحجج المعصومين، ولا غرو إن غبط أبا الفضل الصدّيقون والشهداء الصالحون.

وإذا قرأنا قول الحسين للعبّاس، لمّا زحف القوم على مخيّمه، عشية التاسع من المحرم: " اركب بنفسي أنت يا أخي " حتّى تلقاهم وتسألهم عمّا جاءهم، فاستقبلهم العبّاس في عشرين فارساً، فيهم حبيب وزهير، وسألهم عن ذلك؟ فقالوا: إنّ الأمير يأمر إمّا النزول على حكمه أو المنازلة، فأخبر الحسين، فأرجعه ليرجئهم إلى غد(2).

____________

(1) روي الصفّار في بصائر الدرجات: 245 عن الباقر (عليه السلام): أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) شاهد جبرائيل والملائكة يعينونه على غسل النّبي وتكفينه وحفر القبر ونزولهم معه في القبر، وكذا شاهدهم مع النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحسن والحسين يعينونهما على غسل أمير المؤمنين وتكفينه، وشاهدهم الحسين مع النّبي وأمير المؤمنين يعينونه على غسل الحسن، وشاهدهم الباقر مع النّبي وأمير المؤمنين والحسن والحسين يعينونه على غسل أبيه السجّاد.

(2) تاريخ الطبري ونصّ العبارة: " قال: وأقبل العبّاس بن علي يركض حتّى انتهى إليهم فقال: يا هؤلاء القوم إن أبا عبد اللّه يسألكم أن تنصرفوا هذه العشيّة حتّى ينظر في هذا الأمر، فإنّ هذا أمرٌ لم يجر بينكم وبينه فيه منطق، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء اللّه، فاما رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه، أو كرهنا فرددناه.

وإنّما أراد بذلك أن يردّهم عنه تلك العشيّة حتّى يأمر بأمره، ويوصي أهله، فلمّا أتاهم العبّاس بن علي بذلك، قال عمر بن سعد: ما ترى يا شمر؟ قال: ما ترى أنت، أنت الأمير والرأي رأيك! قال: أردت ألاّ أكون، ثُمّ أقبل على الناس فقال: ماذا ترون؟ فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان اللّه، واللّه لو كانوا من الديلم ثمّ سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها.. وكان العبّاس بن علي حين أتى حسيناً بما عرض عليه عمر بن سعد قال: ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عند العشيّة، لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنّي قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار ".